قال : حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام ،

قال : حدثنا زياد ابن عبد اللّه البكائى، عن محمد بن إسحاق المطلبي

قال : ثم أقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعضَ المحرم ، وولى تلك الحجة المشركون ، ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر

حامل الراية يوم خيبر

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة

نُمَيْلَة بن عبد اللّه اللَّيثى، ودفع الراية إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وكانت بيضاء.

رجز لابن الأكوع

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن إبراهيم

ابن الحارث التيمِىُّ عن أبي الهيْثَم بن نصر بن دُهر الأسلمى أن أباه حدثه : أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر ابن الأكوع ، وهو عم سَلَمة بن عمرو بن الأكْوَع ، وكان اسم الأكوع سِنَان : انزل يابن الأكوع ، فخذْ لنا من هَناتك ،

قال : فنزل يرتجز برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

فقال :

واللّه لولا اللّه ما اهتدينا    ولا تصدقْتا ولا صليْنا
إنا إذا قوم بَغَوْا علينــا    وإن أرادوا فتنةً أبينا
فأنزِلَنْ سكينةً علينـــا    وثبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنَا

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يرحمُك اللّه ، فقال عمر بن الخطاب : وجبت واللّه يا رسول اللّه ، لو أمتعتنا به ! فقُتل يومَ خيبر شهيداً، وكان قَتْلُه ، فيما بلغني، أن سيفَه رجع عليه وهو يقاتل ، فكَلَمه كَلْماً شديداً، فمات منه ، فكان المسلمون قد شكُّوا فيه ، وقالوا: إنما قتله سلاحُه ، حتى سأل ابنُ أخيه سلمةُ بن عمرو بن الأكوع رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك ، وأخبره بقولِ الناسِ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنه لشهيد، وصلَّى عليه ، فصلى عليه المسلمون ما دعا به صلى اللّه عليه وسلم لما أشرف على خيبر:

قال ابن إسحاق : حدثني من لا أتهم ، عن عطاء بن أبي مَرْوان الأسلميِّ ، عن أبيه ، عن أبي مُعتِّب بن عمرو: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أشرف على خَيْبر قال لأصحابه ، وأنا فيهم : قفوا،

ثم قال : اللّهمَّ ربَّ السمواتِ وما أظللن وربَّ الأرضين وما أقللن ، ورب الشياطين وما أضللن ، ورب الرياح وما أذْرَيْن ، فإنا نسألك خيرَ هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرِّها وشرِّ أهلِها وشر ما فيها، أقْدِموا بسم اللّه.

قال : وكان يقولها عليه السلام لكل قرية دخلها.

فرار أهل خيبر من الرسول

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك ،

قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا غزا قوماً لم يُغِرْ عليهم حتى يُصبح ، فإن سمع أذاناً أمسك ، وإن لم يسمع أذاناً أغار، فنزلنا خيبر ليلا، فبات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا أصبح لم يسمع أذانا، فركب وركبنا معه ، فركبتُ خلف أبي طلحة، وإن قدمى لتمس قدمَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستقبلنا عمالُ خيبر غادين ، قد خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم. فلما رأوا رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم والجيش،

قالوا: محمد والخميس معه ! فأدبروا هُرَّاباً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه أكبر، خَربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحةِ قومٍ فساء صباح المُنْذَرين.

قال ابن هشام : حدثنا هارون عن حميد، عن أنس بمثله.

طريقه صلى اللّه عليه وسلم إلى خيبر

قال ابن إسحاق : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عِصر، فبُنى له فيها مسجد، ثم على الصَّهْباء، ثم أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجيشه حتى نزل بوادٍ يقال له الرَّجيع ، فنزل بينهم وبين غَطَفان ، ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهل خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

غطفان تحاول مساعدة أهل خيبر وإخذال اللّه لهم

فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر، جمعوا له ، ثم خرجوا ليظاهروا يهودَ عليه ، حتى إذا ساروا مَنْقَلَةً سمِعوا خلفَهم في أموالهم وأهليهم حِسًّا، ظنوا أن القومَ قد خالفوا إليهم ، فرجعوا على أعقابِهم. فأقاموا في أهليهم وأموالهم ، وخَلَّوْا بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين خيبر.

افتتاحِ حصون خيبر: وتدنَّىِ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأموالَ يأخذها مالاً مالاَ، ويفتتحها حِصناً حِصناَ. فكان أول حصونهم افتُتح حِصن ناعم ، وعنده قُتل محمود بن مَسْلَمة ألقيت عليه منه رحا فقتلته ، ثم القَمُوص ، حِصْن بني أبي الحُقَيْق ، وأصاب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم سبايا، منهن صفيةُ بنتُ حُيَىّ بن أخْطَب ، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحُقَيق ، وبنتىْ عَمٍّ لها، فاصطفى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفيةَ لنفسه. وكان دِحْيَة بن خليفة الكلبي قد سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفية فلما أصفاها لنفسه أعطاه ابنتىْ عمها، وفشت السبايا من خيبر في المسلمين.

أشياء نهى عنها الرسول يوم خيبر: وأكل المسلمون لحومَ الحمر الأهلية من حُمرها، فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنهى الناس عن أمور سماها لهم.

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن عمرو بن ضَمْرة الفَزاري عن عبد اللّه بن أبي سَليط ، عن أبيه ،

قال : أتانا نهىُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

عن أكل لحوم الحمر الإِنسية، والقدور تفور بها، فكفأناها على وجوهها.

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد اللّه بن أبي نَجيح ، عن مكحول

أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهاهم يومئذ عن إتيان الحبالى من السبايا، وعن أكل الحمار الأهلي ، وعن أكل كل ذي ناب من السباع ، وعن بيع المغانم حتى تُقسم.

قال ابن إسحاق : وحدثني سلاَّم بن كِرْكِرَة، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري ، ولم يشهد جابر خيبر: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين نهى الناس عن أكل لحوم الحمر، أذن لهم في أكل لحوم الخيل.

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي مرزوق مولى تُجِيب ؛ عن حَنَش الصنْعانى،

قال : غزوْنا مع رُوَيْفع بن ثابت الأنصاري المغرب ، فافتتح قرية من قرى المغرب يقال لها جِرْبة، فقام فينا خطيباً،

فقال : يأيها الناس ، إنى لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله فينا يوم خيبر، قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال لا يحل لامرىٍء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسقي ماؤه زرعَ غيره ، يعني إتيان الحبالى من السبايا، ولا يحل لامرىٍء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يصيب امرأةً من السبي حتى يستبرئَها، ولا يحل لامرىٍء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يبيع مغنماً حتى يُقسم ، ولا يحل لامرىءٍ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يركبَ دابة من فىء المسلمين حتى إذا أعجفها ردَّها فيه ، ولا يحل لامرىٍ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه.

قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبد اللّه بن قُسَيْط ؛ أنه حُدث عن عبادة بن الصامت ،

قال : نهانا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم خيبر عن أن نبيع أو نبتاع تبرَ الذهب بالذهب العين ، وتبر الفضة بالوَرِق العين ،

وقال : ابتاعوا تبر الذهب بالوَرِق العين ، وتبر الفضة بالذهب العين.

قال ابن إسحاق : ثم جعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتدَنَّى الحصون والأموال.

افتتاح أعظم الحصون على بني سهم : فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حدثه بعضُ أسْلم : أن بني سهم من أسلم أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا، واللّه يا رسول اللّه لقد جهدنا وما بأيدينِا من شيء ، فلم يجدوا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئاً يعطيهم إياه ،

فقال : اللّهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شىء أعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس ، ففتح اللّه عز وجل حصن الصَّعْب بن مُعاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودَكاً منه.

آخر الحصون فتحاً

قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حصونهم ما افتتح ، وحاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حِصْنَيهم الوَطِيح والسُّلالم ، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضع عشرة ليلة.

شعار المسلمين يوم خيبر

قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم خيبر: يا منصور أمِتْ أمِتْ.

مقتل مرحب اليهودي

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل ؛ أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد اللّه ،

قال : خرج مَرْحَبُ اليهودي من حصنهم ، قد جمع سلاحه ، يرتجز وهو يقول :

قد علمتْ خيبرُ أنىٍ مَرْحَبْ   شاكى السلاحِ بَطَل مُجَرَّبْ
أطعُنُ أحياناً وحينا أضْرِبْ   إذا الليوثُ أقبلتْ تَحَزبْ
إن حِمايَ للحمى لا يُقرَبْ

وهو يقول : من يبارز؟ فأجابه كعب بن مالك ،

فقال :

قد علمتْ خيبرُ أني كعبُ    مُفرِّجُ الغُمَّى جرىء صُلْبُ
إذ شبت الحربُ تلتها الحربُ   معي حسامٌ كالعقيقِ عَضْبُ
نطؤكم حتى يَذِلًّ الصعبُ   نعطي الجزاءَ أو يفىءَ النّهْبُ
بكفِّ ماضٍ ليس فيه عَتْبُ

قال ابن هشام : أنشدني أبو زيد الأنصاري :

قد علمت خيبرُ أني كعــــبُ    وأننى متى تُشَبُّ الحربُ
ماضٍ على الهوْلِ جريءٌ صُلْبُ    معى حسامٌ كالعقيق عَضْبُ
بكفّ ماضٍ ليس فيه عَتْـــبُ    نَدُككم حتى يَذِلَّ الصعبُ

قال ابن هشام : ومَرْحب من حِمْيَر.

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن سهل ، عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري

قال :

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من لهذا؟ قال محمد بن مَسْلَمة : أنا له يا رسول اللّه ، أنا واللّه ، الموتور الثائر، قُتل أخي بالأمس ،

فقال : فقم إليه ، اللّهم أعنْه عليه.

قال : فلما دنا أحدُهما من صاحبه ، دخلت بينهما شجرة عُمْرية من شجر العُشَر، فجعل أحدهما يلوذ بها من صاحبه ، كلما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كل واحد منها لصاحبه ، وصارت بينهما كالرجل القائم ، ما فيها فَنَن ، ثم حمل مَرْحب على محمد بن مَسْلمة، فضربه ، فاتقاه بالدَّرقة، فوقع سيفُه فيها، فعضت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله.

مقتل ياسر اليهودي

قال ابن إسحاق : ثم خرج بعد مَرْحَب أخوه ياسر، وهو يقول : من يبارز، فزعم هشام بن عُروة أن الزبير ابن العوام خرج إلى ياسر، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب : يقتل ابني يا رسول اللّه !

قال : بل ابنك يقتله إن شاء اللّه - فخرج الزبير فالتقيا، فقتله الزبير.

قال ابن إسحاق : فحدثني هشام بن عروة : أن الزبير كان إذا قيل له : واللّه إن كان سيفك يومئذ لصارماً عضبا،

قال : واللّه ما كان صارما، ولكني أكرهته.

فتح خيبرعلى يد علىّ

قال ابن إسحاق : وحدثني بُرَيْدة بن سفيان بن فروة الاسْلَمى، عن أبيه سفيان ، عن سَلَمة بن عمرو بن الأكوع ،

قال : بَعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر الصدِّيق رضي اللّه عنه برايته ، وكانت بيضاء، فيما

قال ابن هشام ، إلى بعض حصون خَيْبر، فقاتل ، فرجع ولم يك فتح ، وقد جهد، ثم بعث الغدَ عمرَ بن الخطاب ، فقاتل ثم رجع ولم يك فتح ، وقد جهد، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :

" لأعطين الراية غدا رجلا يُحبه اللّه ورسولُه ، يفتح اللّه على يديه ، ليس بفرَّار".

قال : يقول سَلَمة: فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علياً رضوان اللّه عليه ، وهو أرمد، فتفل في عينه ،

ثم قال : خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح اللّه عليك ".

قال : يقول سلمة : فخرج واللّه بها يأنِح يهرول هرولةً، وإنا لخلفه نتبع أثره ، حتى ركز رايته في رضْم من حجارة تحت الحِصن ، فاطَّلع إليه يهودي من رأس الحِصن ،

فقال : من أنت ؟

قال : أنا علي بن أبي طالب.

قال : يقول اليهودي : علوتم ، وما أنزل على موسى، أو كما قال.

قال : فما رجع حتى فتح اللّه على يديه.

قال ابن إسحاق : حدثني عبد اللّه بن الحسن ، عن أبي رافع ، مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : خرجنا مع علي بن أبي طالب رضى اللّه تعالى عنه ، حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برايته فلما دنا من الحِصْن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من يهود، فطاح ترسُه من يده ، فتناول على عليه السلام بابا كان عند الحصن فترّس به عن نفسه ، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح اللّه عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ ، فلقد رأيتُني في نفر سبعة معي : أنا ثامنهم ، نَجْهَد على أن نَقْلب ذلك الباب ، فما نقلبه.

حديث أبي اليسر

قال ابن إسحاق : وحدثني بُرَيدة بن سُفيان الأسلمي ، عن بعض رجال بني سَلَمة عن أبي اليَسَر كعب بن عمرو،

قال :واللّه إنا لمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخيبر ذات عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من يهود تريد حصنَهم ، ونحن محاصروهم. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من رجل يطعمنا من هذا الغنم ؟ قال أبو اليَسَر:

فقلت : أنا يا رسول اللّه ؛

قال : فافعلْ ؛

قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلىَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مُولياً

قال : اللّهم أمتعنا به.

قال : فأدركت الغنم وقد دخلت أولاها الحِصنَ ، فأخذت شاتَيْن من أخراها، فأحتضنتهما تحت يديَّ ، ثم أقبلت بهما أشتد، كأنه ليس معى شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذبحوهما فأكلوهما، فكان أبو اليَسَر من آخر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هلاكاً، فكان إذا حدَّث هذا الحديث بكى،

ثم قال : أمتعوا بى، لعَمْري ، حتى كنتُ من آخرِهم هُلْكاً.

قصة صفية رضي اللّه عنها

قال ابن إسحاق : ولما افتتح رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم القَموص ، حصن بني أبي الحُقَيق ، أتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصفية بنت حُيى بن أخطب ، وبأخرى معها، فمر بهما على قتلى من قتلى يهود؛ فلما رأتهم التي مع صفية صاحت ، وصكت وجهها وحثت الترابَ على رأسها؛ فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : أعزبوا عنى هذه الشيطانة، وأمر بصفية فحيزتْ خلْفَه ، وألقى عليها رداءَه ؛ فعرف المسلمون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لبلال ، فيما بلغني حين رأى بتلك اليهودية ما رأى: أنُزعتْ منك الرحمة يا بلال ، حين تمر بامرأتين على قتلَى رجالهما؟ وكانت صفية قد رأت في المنام وهى عروس بكنانة بن الربيع ابن أبي الحُقَيْق ، أن قمراً وقع في حجرها، فعرضت روياها على زوجها؛

فقال : ما هذا إلا أنك تَمَنِّينَ ملك الحجاز محمداً، فلطم وجهها لطمة خضَّر عينَها منها. فأتى بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبها أثر منه ، فسألها مما هو؟ فأخبرته هذا الخبر.

ما أخفاه كنانة بن الربيع وعقوبته

وأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكنانة بن الربيع ، وكان عنده كَنْز بني النضير، فسأله عنه ، فجحد أن يكونَ يعرف مكانَه ، فأتي رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلٌ من يهود، فقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخَرِبة كل غداة؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكنانة : أرأيت إن وجدناه عندك ، أقتلك ؟

قال : نعم ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخَرِبة فحفرت ، فأخرج منها بعض كنزهم ، ثم سأله عما بقي ، فأبي أن يؤديَه ، فأمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الزبير ابن العوام ،

فقال : عذِّبه حتى تستأصل ما عنده ، فكان الزبير يقدح بزَنْدٍ في صدره ، حتى أشرف على نفسه ، ثم دفعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى محمد بن مَسْلَمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة.

صلح خيبر: وحاصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أهلَ خيبر في حصنيهم الوَطيح والسلالم ، حتى إذا أيقنوا بالهَلكة، سألوه أن يسيِّرهم وأن يحقن لهم دماءَهم. ففعل. وكان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد حاز الأموالَ كلَّها: الشَّقَّ ونَطاةَ والكَتيبة وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذينك الحصنين.

أهل فدك يطلبون الأمان : فلما سمع بهم أهل فَدَك قد صنعوا ما صنعوا، بعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه أن يسيِّرهم ، وأن يحقن دماءَهم ، ويخلُّوا له الأموالَ ، ففعل.

وكان فيمن مشى بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبينهم في ذلك مُحَيِّصَة ابن مسعود، أخو بني حارثة.

مصالحة أهل خيبر

فلما نزل أهل خيبر على ذلك ، سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعاملهم في الأموال على النصف ، وقالوا: نحن أعلم بها منكم ، وأعمر لها. فصالحهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على النصف ، على أنا إذا شئنا أن نخرجكم أخرجناكم ، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك ، فكانت خيبر فيئاً بين المسلمين ، وكانت فدك خالصة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأنهم لم يَجْلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

قصة الشاة المسمومة

فلما اطمأنَّ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهدت له زينبُ بنت الحارث ، امرأة سَلاَّم بن مِشْكَم ، شاةً مَصْلِية ، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقيل لها: الذراع ؛ فأكثرت فيها من السم ، ثم سَمَّت سائَر الشاة، ثم جاءت بها. فلما وضعتها بين يديْ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تناول الذراعَ ، فلاك منها مُضغةً. فلم يُسِغْها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، قد أخذ منها كما أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،َ فأما بشر فأساغها،

وأما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلفظها،

ثم قال : إن هذا العظم ليُخبرني أنه مسموم ، فاعترفت

فقال : ما حملك على ذلك ؟

قالت : بلغت من قومى ما لم يَخفَ عليك ،

فقلت : إن كان مَلكا استرحتُ منه ، وإن كان نبياً فسيُخْبَر،

قال : فتجاوز عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومات بشر من أكلته التي أكل.

موته صلى اللّه عليه وسلم شهيداً

قال ابن إسحاق : وحدثني مَرَوان بن عثمان ابن أبي سعيد بن المُعَلَّى،

قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد قال في مرضه الذي تُوفي فيه ، ودخلت أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : يا أمَّ بشر، إن هذا الأوان وجدتُ فيه انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع أخيك بخيبر

قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مات شهيداً، مع ما أكرمه اللّه به من النبوة.

محاصرة وادي القرى

قال ابن إسحاق : فما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القُرَى، فحاصر أهلَه ليالى، ثم انصرف راجعا إلى المدينة.

جزاء الغالِّ من الغنيمة

قال ابن إسحاق : فحدثني ثَوْر بن يزيد، عن سالم ، مولى عبد اللّه بن مُطيع ، عن أبي هريرة،

قال : فلما انصرفنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى نزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس ، ومع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غلام له أهداه له رفاعة بن زيد الجذامى، ثم الضَّبِينى.

قال ابن هشام : جُذام ، أخو لخم.

قال : فواللّه إنه ليضع رَحْل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ أتاه سهم غَرْب فأصابه فقتله ، فقلنا: هنيئا له الجنة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كلا، والذي نفس محمد بيده ؛ إن شملته الآن لتحترق عليه في النار، كان غَلَّها من فيء المسلمين يوم خيبر،

قال : فسمعها رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأتاه

فقال : يا رسول اللّه ، أصبت شِرَاكيْن لنعلين لي ؛

قال : فقال : يُقَدُّ لك مثلهما من النار.

جراب الشحم الذي أصابه ابن مغفل

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد اللّه بن مُغَفَّل المُزَنى،

قال : أصبت من فىء خيبر جراب شحم ، فاحتملته على عاتقى إلى رحلي وأصحابي.

قال : فلقيني صاحب المغانم الذي جُعل عليها، فأخذ بناحيته

وقال : هلمَّ هذا نقسمْه بين المسلمين،

قال : قلت : لا واللّه لا أعطيكه ،

قال : فجعل يجاذبني الجراب.

قال : فرآنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحن نصنع ذلك.

قال : فتبسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضاحكا،

ثم قال لصاحب المغانم : لا أبا لك ، خَلِّ بينه وبينه ،

قال : فأرسله ، فانطلقت به إلى رَحْلى وأصحابي ، فأكلناه.

حراسة أبي أيوب الرسول

قال ابن إسحاق : ولما أعْرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصفية، بخيبر أو ببعض الطريق ، وكانت التي جملتها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومشَّطتها وأصلحت من أمرِها أمُّ سُلَيْم بنت مِلْحان ، أم أنس ابن مالك. فبات بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيِ قبة له ، وبات أبو أيوب خالد بن زيد، أخو بني النجار متوشِّحا سيفه ، يحرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويُطيف بالقبة، حتى أصبح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ فلما رأى مكانه

قال : ما لك يا أبا أيوب ؟

قال : يا رسول اللّه ، خِفْت عليك من هذه المرأة، وكانت امرأة قد قتلت أباها وزوجَها وقومَها، وكانت حديثة عهد بكفر، فخِفْتُها عليك. فزعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : اللّهم احفظ أبا أيوب كما بات يحفظنى.

بلال يغلبه النوم وهو يرقب الفجر

قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، عن سعيد بن المُسَيَّب ،

قال : لما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خَيْبر، فكان ببعض الطريق قال من آخر الليل : من رجل يحفظ علينا الفجرَ لعلنا ننام ؟ قال بلال : أنا يا رسول اللّه أحفظه عليك.

فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونزل الناسُ فناموا، وقام بلال يصلى، فصلى ما شاء اللّه عز وجل أن يصلىَ. ثم استند إلى بعيره ، واستقبل الفجرَ يرمُقه ، فغلبته عينُه ، فنام فلم يوقظهمْ إلا مَسُّ الشمسِ ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولَ أصحابه هَبَّ ،

فقال : ماذا صنعت بنا يا بلال ؟

قال : يا رسولَ اللّه ، أخذ بنفسى الذي أخذ بنفسك ؛

قال : صدقت ؛ ثم اقتاد رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعيره غير كثير، ثم أناخ فتوضأ، وتوضأ الناس ، ثم أمر بلالاً فأقام الصلاةَ، فصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس ، فلما سلم أقبل على الناس فقال " إذ نسيتم الصلاةَ فصلوها إذا ذكرتموها، فإن اللّه تبارك وتعالى يقول : وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: ١٤].

شعر ابن لُقَيْم في فتح خيبر

قال ابن إسحاق : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيما بلغني، قد أعطى ابن لُقَيْم العَبْسى، حين افتتح خيبر، ما بها من دجاجة أو داجن ، وكان فتح خيبر في صفر، فقال ابن لقيم العبسي في خيبر:

رُمِيَتْ نَطاةُ من الرسولِ بفَيْلَق    شهباءَ ذاتِ مناكب وفِقار
واستيقنت بالذلِّ لما شُيعــت    ورجالُ أسْلم وسطها وغِفار
صَبَّحْتَ بني عمرِو بن زُرعة غُدوةً    والشَّقُّ أظلمَ أهلُه بنهارِ
جُرّت بأبطحها الذيولُ فلم تَـــدَعْ    إلا الدجاجَ تصيح في الأسحارِ
ولكلِّ حِصْن شاغل من خيلهـــم    من عبدِ أشهلَ أو بني النجارِ
ومهاجرين قد اعْلَموا سيماهُــــمُ    فوقَ المغافرِ لم يَنُوا لفرارِ
ولقد علمتُ ليغْلبن محمــــــد    وليَثْوِينَّ بها إلى أصفارِ
فرَّتْ يهود يومَ ذلك في الوغَـــى    تحتَ العَجاجِ غَمائمَ الأبصارِ

قال ابن هشام : فرت : كشفت ، كما تفرّ الدابة بالكشف عن أسنانها؛ يريد كشفت عن جفون العيون عمائم الأبصار، يريد الأنصار.

قال ابن إسحاق: وشهد خيبر مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساء من نساء المسلمين ، أرضخ لهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الفىء، ولم يضرب لهن بسهم.

ما شهده النساء من خيبر

قال ابن إسحاق : حدثني سُليمان

ابن سُحَيْم ، عن أمية بن أبي الصلت ، عن امرأة من بني غِفار قد سماها لي،

قالت : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نِسْوة من بني غِفار، فقلن : يا رسول اللّه ، قد أردنا أن نخرجَ معك إلى وجهك هذا، وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا،

فقال : على بركة اللّه.

قالت : فخرجنا معه ، وكنتُ جارية حَدَثة، فأردفنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على حقيبة رَحْله.

قالت : فواللّه لنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ، ونزلت عن حقيبة رَحْله ، وإذا بها دَم منى، وكانت أولَ حَيْضة حِضْتها،

قالت : فتقبضت إلى الناقة واستحييت ؛ فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما بي ورأى الدم

قال : ما لك ؟ لعلك نُفِسْتِ ،

قالت : قلت : نعم ،

قال : فأصلحى من نفسك ، ثم خذي إناءً من ماء، فاطرحى فيه مِلْحاً، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من الدم ثم عودي لمركبك.

قالت : فلما فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيبر، رضخ لنا من الفىء، وأخذ هذه القلادة التي تَرَيْن في عنقى فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي ، فواللّه لا تفارقنى أبداً.

قالت : فكانت في عنقها حتى ماتت ، ثم أوصت أن تُدفن معها،

قالت : وكانت لا تطهر من حيضة إلا جعلت في طهورها مِلْحاً، وأوصت به أن يجعل في غسلها حين ماتت.

شهداء خيبر

قال ابن إسحاق : وهذه تسمية من استُشهد بخيبر من المسلمين : من قريش ، ثم من بني أمية بن عبد شمس ، ثم من حلفائهِم : ربيعة بن أكْثَم بن سَخْبرة بن عمرو بن بُكير بن عامر ابن غنْم بن دودان بن أسد، وثقيف بن عمرو، ورفاعة بن مسروح. ومن بني أسد بن عبد العُزَّى : عبد اللّه الهُبَيْب ،

ويقال : ابن الهَبيب ، بما

قال ابن هشام ، ابن أهَيْب بن سُحَيم بن غِيَرَة، من بني سعد بن لَيْث ، حليف لبني أسد، وابن أختهم.

ومن الأنصار ثم من في سلمة : بشْر بن البَرَاء بن مَعْرُور، مات من الشاة التي سُمَّ فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفُضَيْل بن النعمان. رجلان. ومن بني زُرَيقْ : مسعود بن سعد بن قَيْس بن خَلَدة بن عامر بن زُرَيق. ومن الأوْس ثم من بني عبد الأشْهَل : محمود بن مَسْلمة بن خالد بن عَدِى بن مَجْدَعة بن حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بني حارثة.

ومن بني عمرو بن عَوْف : أبو ضَيَّاح بن ثابت بن النعمان بن جمة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن عمرو بن عَوْف ، والحارث بن حاطب ، وعُروة بن مرة بن سُرَاقة، وأوْس بن القائد، وأنيف بن حبيب ، ثابت بن أثلة، وطلحة بن يحيى بن مليل بن ضمرة.

ومن بني غفار: عمارة بن عقبة، رمي بسهم.

ومن أسلم : عامر بن الأكوع ، والأسود الراعى، وكان اسمه أسلَم.

قال ابن هشام : الأسود الراعي من أهل خَيْبَر.

ومن استُشهد بخيبر فيما ذكر ابن شهاب الزهري ، من بني زُهرة : مسعود بن ربيعة، حليف لهم من القَارَةِ.

ومن الأنصار بني عمرو بن عوف : أوس بن قَتَادة.

حديث الأسود الراعي في خيبر

قال ابن إسحاق : وكان من حديث الأسود الراعى، فيما بلغني ، أنه أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو مُحاصِر لبعض حصون خَيْبر، ومعه غنم له ، كان فيها أجيراً لرجل من يهود،

فقال : يا رسول اللّه ، أعرضْ علىَّ الإسلام ، فعرضه عليه ، فأسلم - وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يَحْقِرُ أحداً أن يَدْعوه إلى الإسلام ، ويعرضه عليه - فلما أسلم

قال : يا رسول اللّه ، إنى كنت أجيراً لصاحب هذه الغنم ، وهي أمانة عندي ، فكيف أصنع بها؟

قال : اضربْ في وجوهها، فإنها سترجع إلى رَبِّها أو كما قال.

فقال الأسود، فأخذ حَفْنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها،

وقال : ارجعي إلى صاحبك ، فواللّه لا أصحبك أبداً فخرجت مجتمعة، كأن سائقاً يسوقها حتى دخلت الحِصن ، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين ، فأصابه حجر فقتلَه ، وما صلَّى للّه صلاةً قطُّ ؛ فأتي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوُضع خلفَه ، وسُجِّيَ بشَمْلَة كانت عليه ، فالتفت إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومعه نفر من أصحابه ، ثم أعرض عنه ،

فقالوا: يا رسول اللّه ، لم أعرضت عنه ؟

قال : إن معه الآن زوجتَه من الحور العين.

ما تقوله الحور العين للشهيد

قال ابن إسحاق : وأخبرنى عبد اللّه بن أبي نَجيح أنه ذُكر له : أن الشهيد إذا ما أصيب تدلَّت له زوجتاه من الحور العين عليه تَنْفُضان التراب عن وجهه ، وتقولان : ترَّب اللّه وجه من ترَّبك ، وقتلَ من قتلك.  

حديث الحجَّاج بن عِلاط السُّلمي

قال ابن إسحاق : ولما فُتحت خيبر، كلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الحجَّاج بن عِلاط السُّلَمى ثم البَهْزِىّ،

فقال : يا رسول اللّه ، إن لى بمكة مالاً - عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده ، له منها مُعْرِض بن الحجاج ، ومال متفرق في تُجَّار أهل مكة، فأذنْ لى يا رسول اللّه ؛ فأذن له ،

قال : إنه لا بد لي يا رسول اللّه من أن أقولَ

قال : قل.

قال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بِثَنِيَّة البيضاء رجالا من قُريش يتسمَّعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز، ريفاً ومَنَعَة ورجالاً، فهم يتحَّسسون الأخبار، ويسألون الركبان ، فلما رأونى

قالوا: الحَجَّاج بن عِلاط -

قال : ولم يكونوا علموا بإسلامى - عنده واللّه الخبر - أخبرْنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود وريف الحجاز.

قال : قلت : قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسرُّكم ،

قال : فالتبطوا بجنبَيْ ناقتي يقولون : إيهِ يا حَجاجٍ ؛

قال : قلت : هُزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قطُّ. وقُتل أصحابه قتلا لم تسمعوا بمثله قطُّ ، وأسر محمد أسراً وقالوا لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم بمن كان أصاب من رجالهم.

قال :فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا : قد جاءكم الخبر ،وهذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم ، فيقتل بين أظهركم

قال : قلت :أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي ،فإني أريد أن أقدم خيبر ، فأصيب من فل محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.

قال ابن هشام:

ويقال :من فيء محمد.

قال ابن إسحاق : فقاموا فجمعوا لي مالي كأًحَثّ جمع سمعت به

قال : وجئت صاحبتي فقلت: مالي، وقد كان لي عندها مال موضوع ، لعلي ألحق بخيبر ،فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار.

قال : فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر ،وجاءه عني ،أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار ،

فقال : ياحجًّاج،ما هذا الخبر الذي جئت به؟

قال: فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك ؟

قال : نعمقلت : فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء ،فإني في جمع مالي كما ترى ، فانصرف عني حتى أفرغ.

قال: حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة ،وأجمعت الخروج ، لقيت العباس

فقلت : احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل ، فإني أخشى الطلب ثلاثاً ، ثم قل ما شئت ،

قال : افعل.

قلت : فإني واللّه تركت ابن أخيك عروساً على بنت ملكهم.

يعني صفية بنت حيي، ولقد أفتتح خيبر ، وانتثل ما فيها ، وصارت له ولأصحابه ؛

فقال :ما تقول يا حجَّاج ؟

قال : قلت إي واللّه فاكتم عني ، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي ، فرقاً من أن أغلب عليه ، فإذا مضت ثلاثاً فأظهر أمرك ، فهو واللّه على ما تحب.

قال : حتى إذا كان اليوم الثالث لبث العباس حلة له ، وتخلَّق وأخذ عصاه ،ثم خرج حتى أتى الكعبة ، فطاف بها فلما رأوه

قالوا: يا أبا الفضل ،هذا واللّه التجلد لحَرّ المصيبة ؛

قال : كلا ، واللّه الذي حلفتم به ، لقد افتتح محمد خيبر وتُرك عروساً على بنت ملكهم ،وأحرز أموالهم وما فيها فأصبحت له ولأصحابه ،قالوا : من جاءك بهذا الخبر ؟

قال : الذي جاءكم بما جاءكم به ، ولقد دخل عليكم مسلماً ، فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه ، قالوا : يا لعباد اللّه ! انفلت عدو اللّه ، أما واللّه لو علمنا لكان لنا وله شأن ؛

قال : ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك.

شعر حسان يوم خيبر

قال ابن إسحاق: وكان مما قيل من الشعر يوم خيبر قول حسان بن ثابت :

بئسما قاتلت خيابر عمَّـــا     جمعوا من مزارع ونخيل

كرهوا الموت فاستبيح حماهم   وأقروا فعل اللئيم الذليل

أمن الموت يهوبوا فإن الموت   موت الهزال غير جميل

حسان يعذر أيمن لتخلفه عن خيبر : وقال حسان بن ثابت أيضاً ،وهو يعذر أيمن بن أم أيمن بن عبيد كان قد تخلف عن خيبر، وهو من بني عَوْف بن الخزرج ، وكانت أمه أم أيمن مولاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي أم أسامة بن زيد، فكان أخا أسامة لأمه :

على حينَ أن قالتْ لأيمنَ أمــُّه    جَبُنْتَ ولم تشهدْ فوارسَ خيبرِ
وأيمنُ لم يَجْبُنْ ولكنَّ مُهـــرَه    أضر به شُرْبُ المديدِ المخمرِ
ولولا الذي قد كان من شأنِ مُهرِه    لقاتلَ فيهم فارساً غير أعْسرِ
ولكنه قد صدَّه فِعلُ مُهــــرِه    وما كان منه عندَه غير أيسَرِ

قال ابن هشام : أنشدني أبو زيد هذه الأبيات لكعب بن مالك ، وأنشدنى :

ولكنه قد صدَّه شأنُ مُهـــرِه    وما كان لولا ذاكمُ بمقصِّرِ

شعر ناجية في يوم خيبر:

قال ابن إسحاق : وقال ناجية بن جُنْدَب الأسلمي :

يا لعِبادِ اللّه فيمَ يُرْغَبُ   ما هُوَ إلا مأكَل ومَشْرَبُ
وجَنةٌ فيها نعيم مُعْجِبُ

وقال ناجية بن جُنْدَب الأسلمى أيضاً:

أنا لمن أنكرني ابنُ جُنْدَبِ   يا رُبَّ قِرْنٍ في مَكَرِّي أنْكَبِ

طاحَ بِمَغْدَيْ أنْسُر وثَعْلَبِ

قال ابن هشام : وأنشدني بعض الرواة للشعر قوله : " في مَكَرِّي "،

و" طاخ بمغْدَي ".

شعر كعب بن مالك في يوم خيبر: وقال كعب بن مالك في يوم خيبر، فيما ذكر ابن هشام ، عن أبي زيد الأنصاري :

ونحنُ وَرَدْنا خيبراً وفُروضَــهُ   بكلِّ فتًى عارِي الأشاجِع مِذْوَدِ
جَوَادٍ لدَى الغاياتِ لا واهنِ القُوَى  جريءٍ على الأعداءِ في كلِّ مَشْهَدِ
عظيم رَمادِ القِدْرِ في كلِّ شَتْـوَةِ   ضَرُوبٍ بنصلِ المشْرَفىِّ المهنّدِ
يرى القتلَ مَدْحاً إن أصابَ شَهادةً   من اللّه يرجوها وفَوْزاً بأحمدِ
يَذُودُ ويحْمِي عن ذِمارِ محمــدٍ   ويدفَعُ عنه باللسانِ وباليدِ
وينصرُه من كلِّ أمر يَريبـــه   يجودُ بنفسٍ دونَ نفسِ محمدِ
يُصدِّقُ بالأنباءِ بالغيْبِ مُخلِصـاً   يريدُ بذاك الفوزَ والعزَّ في غَدِ

تقسيم خيبر وأموالها

قال ابن إسحاق : وكانت المقاسم على أموال خَيْبر، على الشِّقِّ ونطاة والكتيبة فكانت الشِّق ونطاة في سهمان المسلمين ، وكانت الكتيبة خُمس اللّه ، وسهم النبيِّ صلى اللّه عليه وسلم ، وسهم ذوي القُرْبَى واليتامى والمساكين ، وطُعْمَ أزواجِ النبى صلى اللّه عليه وسلم ، وطُعْمَ رجال مشوا بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبين أهل فَدَك بالصلح ؛ منهم مُحَيِّصَة بن مسعود، أعطاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاثين وَسْقاً من شعير، وثلاثين وَسْقاً من تمر، وقُسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر، ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابرُ بن عبد اللّه ابن عَمرو بن حَرام ، فقَسَم له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كسَهْم مَنْ حضرها، وكان وادياها، وادي السُّرَيْرَة، ووادي خاص ، وهما اللذان قسِمَت عليهما خيبر، وكانت نَطاةُ والشَّقُّ ثمانية عشر سهماً ، نَطاة من ذلك خمسة أسهم ، والشقُّ ثلاثة عشر سهما، وقسمت الشق ونطاة على ألف سهم ، وثمانمائة سهم ، عدة من قسمت عليهم خيبر: وكانت عِدة الذين قُسِمَتْ عليهم خيبرُ من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألف سهم وثمانمائة سهم ، برجالهم وخيلهم. الرجال أربع عشرة مئة، والخيل مئتا فارس ، فكان لكل فَرس سهمان ، ولفارسه سَهْم ، وكان لكلِّ راجل سهم ؛ فكان لكل سهم رأس جُمع إليه مئة رجل ، فكانت ثمانية عشر سَهْما جُمع.

قال ابن هشام : وفى يوم خيبر عَرَّب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم العَرَبي من الخيل ، وهَجَّن الهجين.

تقسيم الأسهم على أصحابها

قال ابن إسحاق : فكان علي بن أبي طالب رأسا، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيداللّه وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعاصم بن عَدِي ، أخو بني العَجْلان ، وأسَيْد بن حُضَيْر، وسهم الحارث بن الخزرج ، وسهم ناعم ، وسهم بني بياضة، وسهم بني عُبَيد، وسهم بني حَرام من بني سَلَمة، وعُبَيد السَّهَّام.

قال ابن هشام : وإنما قيل له عُبَيْد السَّهام لما اشترى من السهام يوم خيبر، وهو عُبَيْد بن أوْس ، أحد بني حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك ابن الأوْس.

قال ابن إسحاق : وسهم ساعدة، وسهم غِفار وأسلم ، وسهم النجار، وسهم حارثة، وسهم أوْس. فكان أول سهم خرج من خيبر بنَطَاة سهم الزبير بن العوام ، وهو الخَزْع ، وتابعه السُرّيْر ، ثم كان الثانى سهم بياضة، ثم كان الثالث سهم أسَيْد، ثم كان الرابع سهم بني الحارث بن الخزرج ، ثم كان الخامس سهم ناعم لبني عَوف - ابن الخزرج ومُزَيْنة وشركائهم ، وفيه قُتل محمود بن مَسْلَمة، فهذه نَطاة. ثم هبطوا إلى الشَّقِّ ، فكان أول سهم خرج منه سهم عاصم بن عدي ، أخي بني العَجْلان ، ومعه كان سهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم سهم عبد الرحمن بن عوف ، ثم سهم ساعدة ثم سهم النجار، ثم سهم عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليه ، ثم سهم طلحة بن عُبَيْد اللّه ، ثم سهم غِفَار وأسْلَم ، ثم سهم عمر بن الخطاب ، ثم سهما سَلَمة بن عُبَيْدة وبني حرام ، ثم سهم حارثة، ثم سهم عُبَيْد السَّهَّام. ثم سهم أوْس ، وهو سهم اللفيف ، جمعت إليه جُهَيْنة ومن حضر خيبر من سائر العرب ؛ وكان حَذْوَه سهمُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الذي كان أصابه في سهم عاصم بن عدي.

ثم قَسَم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكَتِيبة، وهى وادي خاص ، بين قرابته وبين نسائه ، وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها، فقسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لفاطمة ابنتَه مئتىْ وَسْقٍ ، ولعلى بن أبي طالبٍ منه مئة وسْق ، ولأسامة بن زيد مئتىْ وَسْق ، وخمسين وَسْقاً من نَوًى، ولعائشة أم المؤمنين مئتي وسْق ، ولأبىٍ بكر بن أبي قحافة مِئة وسْق ، ولعقيل بن أبي طالب مئة وَسْق وأربعين وسْقا، ولبني جعفر خمسين وسْقاً. ولربيعة بن الحارث مئة وَسْق وللصَّلْت بن مَخْرَمة وابنيه مئة وسْق ، للصلت منها أربعون وسْقاً،ولأبى نَبِقَة خمسين وسْقاً، ولرُكَانة بن عبد يزيد خمسين وسْقاً ، ولقيس بن مَخْرمة ثلاثين وسقاً، ولأبى القاسم بن مَخْرَمة أربعين وسْقاً ، ولبنات عُبَيْدَة بن الحارث وابنة الحُصَيْن بن الحارث مئة وسْق ، ولبنى عُبَيْد بن عبد يزيد ستين وسْقاً ، ولابن أوْس بن مَخرمة ثلاثين وسْقاً. ولمِسْطَح بن أثاثة وابن إلياس خمسين وسْقا، ولأم رُمَيْثة أربعين وسقا، ولنُعَيْم بن هند ثلاثين وسقا، ولبُحَيْنة بنت الحارث ثلاثين وسْقاً، ولعُجَيْر بن عبد يزيد ثلاثين وسقا، ولأم الحكم ثلاثين وسْقاً، ولجُمانَة بنت أبي طالب ثلاثين وسْقاً ، ولابن الأرْقم خمسين وسْقاً، ولعبد الرحمن بن أبي بكر أربعين وسْقاً ، ولحَمْنَة بنت جحش ثلاثين وسْقا، ولأم الزبير أربعين وسْقا، ولضُباعة بنت الزبير أربعين وسقا، ولابن أبي خُنَيْس ثلاثين وسْقاً ، ولأم طالب أربعين وسْقاً ، ولأبي بَصْرة عشرين وسْقاً ، ولنُمَيْلة الكلبى خمسين وَسْقا، ولعبد اللّه بن وَهْب وابنتيه تسعين وسْقا، لابنيه منها أربعين وسْقا؛ ولأم حبيب بنت جَحش ثلاثين وسْقاً ، ولمَلْكُوم بن عبدة ثلاثين وسْقا، ولنسائه صلى اللّه عليه وسلم سبع مئة وسْق.

قال ابن هشام : قمح وشعير وتمر ونَوًى وغير ذلك ، قسَّمه على قدر حاجتهم ، وكانت الحاجة في بني عبد المطلب أكثر، ولهذا أعطاهم أكثر.

بسم اللّه الرحمن الرحيم

ذكر ما أعطى محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساءه من قمح خيبر قسم لهن مئة وسق وثمانين وسقا، ولفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمسة وثمانين وسْقا، ولأسامة بن زيد أربعين وسْقاً، وللمقداد بن الأسود خمسة عشر وسْقاً، ولأم رُمَيْثة خمسة أوُسق شهد عثمان بن عفان ، وعباس وكتب.

وصية الرسول عند موته

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح ابن كَيْسان ، عن ابن شهاب الزُّهْري ، عن عبيداللّه بن عبد اللّه بن عُتْبة ابن مسعود

قال : لم يوص رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عند موته إلا بثلاث ، أوصى للرَّهاويِّين بحاد مئة وَسْق من خيبر، وللداريِّين بحاد مئة وسق ، من خيبر، وللسَّبائيين ، وللأشعريين بحاد مئة وسْق من خيبر، وأوصى بتنفيذ بَعْث أسامة بن زيد بن حارثة؛ وألا يُترك بجزيرة العرب دينان.

خبر فدك

قال ابن إسحاق : فلما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خَيْبر قذف اللّه الرعب في قلوب أهل فَدَك ، حين بلغهم ما أوقع اللّه تعالى بأهل خيبر، فبعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصالحونه على النصف من فَدَك ، فقدمت عليه رسلُهم بخيبر، أو بالطائف ، أو بعد ما قدم المدينة، فقبل ذلك منهم ، فكانت فدك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالصة، لأنه لم يوجَفْ عليها بخيل ولا ركاب.

تسمية النفر الداريين

الذين أوصي لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خيبر وهم بنو الدار بن حبيب بن نُمارَة بن لخم ، الذين ساروا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الشام : تميم بن أوس ونُعَيْم بن أوس أخوه ، ويزيد بن قَيْس ، وعرفة بن مالك ، سماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عبدَ الرحمن.

قال ابن هشام :

ويقال : عَزَّة بن مالك : وأخوه مُرَّان بن مالك.

قال ابن هشام : مَرْوان بن مالك.

قال ابن إسحاق : وفاكه بن نُعمان ، وجَبَلة بن مالك ، وأبو هند ابن بَر، وأخوه الطَّيب بن بَر ، فسماه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه.

خرص ابن رواحة على أهل خيبر: فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كما حدثني عبد اللّه بن أبي بكر، يبعث إلى أهل خيبر عبد اللّه بن  رواحة خارصا بين المسلمين ويهود، فيخرص عليهم ، فإذا

قالوا: تعدَّيت علينا،

قال : إن شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السمواتُ والأرض.

وإنما خرص عليهم عبد اللّه بن رواحة عاماً واحداً، ثم أصيب بمؤتة يرحمه اللّه، فكان جَبَّار بن صخر بن أمية بن خنساء، أخو بني سلمة، هو الذي يخرص عليهم بعد عبد اللّه بن رواحة.

فأقامت يهود على ذلك ، لا يرى بهم المسلمون بأساً في معاملتهم ، حتى عَدَوْا في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عبد اللّه بن سهل ، أخي بني حارثة، فقتلوه ، فاتهمهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون عليه.

اليهود يقتلون عبد اللّه بن سهل

قال ابن إسحاق : فحدثني الزُّهري عن سهل بن أبي حَثْمِة، وحدثني أيضا بشَير بن يسار، مولى بني حارثة، عن سهل بن أبي حَثْمة،

قال : أصيب عبد اللّه بن سهل بخيبر، وكان خرج إليها في أصحاب له يمتار منها تمراً، فوجد في عين قد كُسرت عنقه ، ثم طُرح فيها

قال : فأخذوه فغيبوه ، ثم قَدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكروا له شأنه ، فتقدم إليه أخوه عبد الرحمن ابن سهل ، ومعه ابنا عمه حُويِّصة ومُحيِّصة ابنا مسعود، وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنّاً، وكان صاحب الدم ، وكان ذا قدم في القوم ، فلما تكلم قبل ابنى عمه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : الكُبْرَ الكُبْرَ

أصل القسامة

قال ابن هشام : ويقال كَبِّر كَبِّر - فيما ذكر مالك بن أنس - فسكت ، فتكلم حُوَيِّصة ومُحَيِّصة ثم تكلم هو بعدُ، فذكروا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قتلَ صاحبهم ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتسمُّون قاتلكم ، ثم تحلفون عليه خمسين يمينا فنسلمه إليكم ؟

قالوا: يا رسول اللّه، ما كنا لنحلف على ما لا نعلم ؛

قال : أفيحلفون باللّه خمسين يمينا ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا ثم يبرءون من دمه ؟

قالوا: يا رسول اللّه ، ما كنا لنقبل أيمان يهود، ما فيهم من الكُفر أعظم من أن يحلفوا على إثم.

قال : فوداه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من عنده مائة ناقة.

قال سهل : فواللّه ما أنسى بَكْرَةً منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها.

قال ابن إسحاق : وحدثني محمدُ بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن عبد الرحمن بن بُجَيْد بن قَيْظِي ، أخي بني حارثة، قال محمد ابن إبراهيم : وايم اللّه ، ما كان سهل بأكثر علماً منه ، ولكنه كان أسنَّ منه ، إنه قال له : واللّه ما هكذا كان الشأن ! ولكن سهلا أوْهَمَ ، ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، احلفوا على ما لا علم لكم به ، ولكن كتب إلى يهود خيبر حين كلمته الأنصار أنه قد وُجد قتيل بين أبياتكم فدُوه ، فكتبوا إليه يحلفون باللّه ما قتلوه ، ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من عنده.

قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن شعيب مثلَ حديث عبد الرحمن ابن بُجَيد، إلا أنه قال في حديثه : دُوه أو ائذنوا بحرب. فكتبوا يحلفون باللّه ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلا، فوداه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من عنده.

سبب إجلاء عمر يهود خيبر

قال ابن إسحاق : وسألت ابن شهاب الزهري كيف كان إعطاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهود خيبر نخلهم ، حين أعطاهم النخل على خَرْجها، أبَتَّ ذلك لهم حتى قُبض ، أم أعطاهم إياها للضرورة من غير ذلك ؟

فأخبرنى ابن شهاب : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم افتتح خَيْبر عَنْوَةً بعد القتال ، وكانت خيبر مما أفاء اللّه عز وجل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خمَّسها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقَسَمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاءِ بعد القتال ، فدعاهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقال : إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها، وتكون ثمارُها بينَنا وبينكم ، وأقركم ما أقركم اللّه ، فقبلوا، فكانوا يعملونها. وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبعث عبد اللّه بن رَوَاحة، فيُقسم ثمرَها، ويعدِل عليهم في الخَرْص ، فلما توفى اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، أقرها أبو بكر رضى اللّه تعالى عنه ، بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأيديهم ، على المعاملة التي عاملهم عليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى توفى؛ ثم أقرها عمر رضى اللّه عنه صدراً من إمارته.

ثم بلغ عمرَ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه اللّه فيه : لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان ؛ ففحص عمر ذلك ، حتى بلغه الثبتُ ، فأرسل إلى يهود،

فقال : إن اللّه عز وجل قد أذن في جلائكم ، قد بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : لا يجتمعنَّ بجزيرة العرب دينان ، فمن كان عنده عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من اليهود فليأتنى به ، أنْفذه له ومن لم يكن عنده عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من اليهود، فليتجهز للجلاء، فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم.

وسبب آخر

قال ابن إسحاق : وحدثني نافع ، مولى عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر

قال : خرجت أنا والزبير والمِقْداد بن الأسْوَد إلى أموالنا بخيبر نتعاهدها، فلما قَدِمنا تفرقنا في أموالنا،

قال : فعُدِيَ عليَّ تحتَ الليل ، وأنا نائم على فراشى، ففُدِعت يدايَ من مِرْفَقَيّ ، فلما أصبحت استصرخ علىَّ صاحباي ، فأتيانى فسألانى : من صنع هذا بك ؟

فقلت : لا أدري ؟

قال : فأصلحا من يدي ، ثم قَدِما بي على عمر رضى اللّه عنه

فقال : هذا عمل يهود، ثم قام في الناس خطيبا

فقال : أيها الناس ، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان عامل يهود خيبر على أنا نخرجهم إذا شئنا، وقد عَدُوا على عبد اللّه بن عمر فَفدَعوا يديْه ، كما قد بلغكم ، مع عَدْوِهم على الأنصاري قبله ، لا نشك أنهم أصحابه ، ليس لنا هناك عدوٌّ غيرُهم ، فمن كان له مال بخيبر فليلحق به ، فإنى مخرج يهود فأخرجهم.

قسمة عمر لوادي القرى بين المسلمين

عمر يقسم وادي القرى

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه ابن أبي بكر، عن عبد اللّه بن مَكْنَف ، أخى بني حارثة،

قال : لما أخرج عمر يهود من خيبر ركب في المهاجرين والأنصار، وخرج معه جبار ابن صَخْر بن أمية بن خنساء، أخو بني سَلَمة، وكان خارص أهل المدينة وحاسبهم - ويزيد بن ثابت ، وهما قَسَما خيبر بين أهلها، على أصل جماعة السهمان ، التي كانت عليها.

وكان ما قَسَم عمرُ بن الخطاب من وادي القرى، لعثمانَ بنِ عفان خَطرٌ ، ولعبد الرحمن بن عوف خَطَر، ولعُمر بن أبي سَلَمة خَطَرٌ ، ولعامر بن أبي ربيعة خَطَرٌ ، ولعمرو بن سراقة خَطَر، ولأشَيْم خَطر.

قال ابن هشام :

ويقال : ولأسلم ولبنى جعفر خَطَر، ولمعيقيب خطر، ولعبد اللّه بن الأرْقَم خطر، ولعبد اللّه وعبيداللّه خَطَرَان ، ولابن عبد اللّه ابن جَحْش خطر، ولابن البُكَيْر خَطر، ولمعتمر خطر، ولزيد بن ثابت خَطَر، ولأبى بن كعب خَطَر، ولمعاذ بن عَفْراء خطر، ولأبى طلْحة وحَسَن خطر، ولجبَّار بن صَخْر خطر، ولجابر بن عبد اللّه بن رئاب خطر، ولمالك بن صَعْصَعة وجابر بن عبد اللّه بن عَمْرو خَطَر، ولابن حُضَيْر خطَر، ولابن سعدِ بن مُعاذ خطر، ولسلامة بن سلامة خطر، ولعبد الرحمن بن ثابت وأبى شريك خطر، ولأبى عَبْس بن جبر خطر، ولمحمد بن مَسْلمة خطر، ولعبادة بن طارق خطر.

قال ابن هشام :

ويقال : لقتادة.

قال ابن إسحاق : ولجبر بن عَتِيك نصفُ خطر، ولابنى الحارث ابن قَيْس نصف خطر، ولابن حَزَمَة والضحاك خطر، فهذا ما بلغنا من أمر خيبر ووادي القرى ومقاسمهما.

قال ابن هثمام : الخطر: النصيب.

ويقال : أخطر لى فلان خَطَراً.

تمّ بعون اللّه الجزء الرابع من السيرة النبوية لابن هشام ويليه إن شاء اللّه الجزء الخامس

وأوله : قدوم جعفر بن أبي طالب من الحبشة والمهاجرين معه أعان اللّه على إتمامه