في ذي القعدة سنة سبع

قال ابن إسحاق : فلما رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة من خيبر، أقام بها شهرَيْ ربيع وجُمَادَيين ورجباً وشعبان وشهر رمضان وشوَّالاً، يبعث فيما بين ذلك من غَزْوه وسراياه صلى اللّه عليه وسلم. ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صده فيه المشركون معتمراً عمرة القضاء، مكان عمرته التي صدوه عنها.

قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عُوَيْف بن الأضْبط الدِّيلي.

تسميتها بعمرة القصاص : ويقال لها عمرة القِصاص ، لأنهم صدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذي القعدة في الشهر الحرام من سنة ستِ ، فاقتص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم ، فدخل مكة في ذي القعدة، في الشهر الحرام الذي صدوه فيه ، من سنة سبع.

وبلغنا عن ابن عباس أنه

قال : فأنزل اللّه في ذلك : { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } [البقرة:١٩٤].

قال ابن إسحاق : وخرج معه المسلمون ممن كان صُدَّ معه في عمرته تلك ، وهي سنة سبع ، فلما سمع به أهل مكة خرجوا عنه ، وتحدثت قريش بينَها أن محمداً وأصحابَه في عُسرة وجَهْد وشدة.

قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن ابن عباس ،

قال : صَفُّوا له عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه فلما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلمَ المسجد اضطبع (١٥) بردائه ،. وأخرِج عَضُدَه اليمنى،

ثم قال : رحم اللّه امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوةَ، ثم استلم الركنَ ، وخرج يهرول ويهرول أصحابُه معه ، حتى إذا واراه البيتُ منهم ، واستلم الركن اليماني، مشى حتى يستلم الركنَ الأسود، ثم هرول كذلك ثلاثة أطواف. ومشى سائرها. فكان ابن عباس يقول : كان الناس يظنون أنها ليست عليهم. وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلمّ إنما صنعها لهذا الحيِّ من قريش الذي بلغه عنهم ، حتى إذا حج حجة الوداع فلزمها، فمضت السنة بها.

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد اللّه بن أبي بكر : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دخل مكة في تلك العمرة دخلها وعبدُ اللّه بن رواحة اخذ بخطام (١٧) ناقته يقول :

خَلُّوا بني الكفارِ عن سبيله  خَلُّوا فكلُّ الخيرِ في رسولِه

يا ربِّ إني مؤمنٌ بقِيله  أعْرفُ حقَّ اللّه في قبولِه

نحن قتلناكم على تأويله  كما قتلناكم على تنزيله

ضَرْباً يُزيل الهامَ عن مقيله  ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليله

قال ابن هشام : " نحن قتلناكم على تأويله " إلى آخر الأبيات ، لعمار ابن ياسر في غير هذا اليوم (٢٠) والدليل على ذلك أن ابن رواحة إنما أراد المشركين ، والمشركون لم يقروا بالتنزيل ، وإنما يقتل على التأويل من أقر بالتنزيل.

زواج الرسول بميمونة

قال ابن إسحاق : وحدثني أبانُ بن صالح وعبد اللّه بن أبي نَجيح ، عن عطاء بن أبي رَباح ومجاهد أبي الحجاج ، عن ابن عباس : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تزوج ميمونة بنت الحارث (٢١) في سفره ذلك وهو حَرَامٌ ، وكان الذي زوجه إياها العباسُ بن عبد المطلب.

قال ابن هشام : وكانت جَعلَتْ أمرَها إلى أختها أمِّ الفضل ، وكانت أمُّ الفضل تحتَ العباس فجعلت أمُّ الفضل أمرَها إلى العباس ، فزوجها رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة، وأصدقها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أربعمائة درهم.

قال ابن إسحاق : فأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة ثلاثاً، فأتاه حُوَيْطب ابن عبد العُزَّى بن أبي قيس بن عبد وُدِّ بن نصر بن مالك بن حِسْل ، في نفر من قريش ، في اليوم الثالث ، وكانت قريش قد وكَّلته بإخراج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة فقالوا له : إنه قد انقضى أجلُك ، فاخرجْ عنا، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلمّ : وما عليكم لو تركتموني فأعرست بينَ أظهرِكم ، وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه ، قالوا : لا حاجةَ لنا في طعامك ، فاخرجْ عنا. فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وخلَّف أبا رافع مولاه على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف فبنى بها رسولُ اللّه ّصلى اللّه عليه وسلم هنالك ، ثم انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلمّ إلى المدينة في ذي الحجة.

ما جاء من القران في عمرة القضية

قال ابن هشام :

فأنزل اللّه عز وجل عليه ، فيما حدثني أبو عُبَيدة : { لَقَدْ صَدَقَ اللّه رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّه آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: يعني خيبر].

ذكر غزوة مؤتة

في جُمادى الأولى سنة ثمان ، ومقتل جعفر وزيد وعبد اللّه بن رواحة

قال ابن إسحاق : فأقام بها بقية ذي الحجة، ووَلِىَ تلك الحجَّة. المشركون ، والمحرَّم وصفراً وشهريْ ربيع ، وبعث في جُمادى الأولى بعْثَه إلى الشام الذين أصيبوا بمؤْتة.

أمراء غزوة مؤتة

قال ابن إسحاق : حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،

قال : بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثَه إلى مُؤْتَة في جُمادى الأولى سنة ثمانٍ ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة

وقال : إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أصيب جعفر فعبد اللّه ابن رواحة على الناس.

فتجهز الناس ثم تهيئوا للخروج ، وهم ثلاثةُ آلافٍ ، فلما حضر خروجهم ودع الناسُ أمراءَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسلَّموا عليهم. فلما ودع عبد اللّه بن رواحة من ودع من أمراء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ بكى

فقالوا : ما يبكيك يابنَ رواحة ؟

فقال : أما واللّه ما بى حُب الدنيا ولا صبابة بكم ، ولكني سمعتُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرأ اية من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، يذكر فيها النار { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } [مريم: ٧١] فلست أدري كيف لي بالصَّدَر بعد الوُرود ؛ فقال المسلمون : صحبكم اللّه ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ؛ فقال عبد اللّه بن رواحة :

ما قاله عبد اللّه بن رواحة قبل ذهابه أميراً إلى مؤتة :

لكنى أسأل الرحمنَ مغفرةً    وضربةً ذات فَرْغٍ تقذفُ الزَّبَدَا  

أو طعنةً بيدَيْ حَرَّانَ مُجْهِزَةً    بَحَرْبةٍ تُنْفِذُ الأحشاءَ والكَبِدا

حتى يُقالَ إذا مَرُّوا على جَدَثي  أرشدَه اللّه من غازٍ وقد رشدا 

قال ابن إسحاق : ثم إن القوم تهيئوا للخروج ، فأتى عبد اللّه ابن رواحة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فودعه ،

ثم قال :

فثبَّتَ اللّه ما آتاك من حَسَن    تثبيتَ موسى ونصرا ًكالذي نُصِرُوا

إنى تفرست فيك الخير َ  نافلةَ اللّه يعلمُ أني ثابتُ البصر

أنتَ الرسولُ فمنْ يُحرَم نوافلَه   والوجْهَ منه فقد أزْرَى به القَدَرُ  

قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم بالشعر هذه الأبيات :

أنت الرسولُ فمن يُحرَم نوافلَه    والوجْهَ منه فقد أزْرى به القدرُ

فثبَّت اللّه ما آتاك من حَسَن    في المرسَلين ونصراً كالذي نُصِرُوا

إني تفرستُ فيك الخيرَ نافلة    فراسةً خالفتْ فيك الذي نظروا

يعنى المشركين وهذه الأبيات في قصيدة له. !

قال ابن إسحاق : ثم خرج القوم ، وخرج رسول اللّه-صلى اللّه عليه وسلم- حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم ، قال عبد اللّه بن رواحة :

خَلَف السلامُ على امرئ ودعْتُه  في النخلِ خيرَ مُشَيعٍ وخليلِ

تخوف الناس من لقاء هرقل : ثم مضوا حتى نزلوا مَعَان ، في أرض الشام ، فبلغ الناسَ أن هرقل قد نزل مآب ، من أرض البلقاء، في مائة ألف من الروم ، وانضم إليهم من لَخم وجُذَام والقَيْن وبَهْراء وبَلِىّ مائة ألف منهم ، عليهم رجل من بَلِىّ ثم أحد إرَاشة يقال له : مالك بن زَافِلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معانٍ ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا : نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال ،

وإما أن يأمرنا بأمره ، فنمضي له.

تشجيع ابن رواحة لهم وما قاله في ذلك من الشعر :

قال : فشجع الناسَ عبدُ اللّه بن رواحة،

وقال : يا قوم ، واللّه إن التي تكرهون ، للتي خرجتم تطلبون الشهادةَ، وما نُقاتل الناس بعَدد ولا قُوة ولا كَثْرَة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحْدَى الْحُسنَيين :إما ظهورٌ

وإما شهادة"

قال : فقال الناس : قَدْ واللّه صدق ابنُ رواحة. فمضى الناس ؛ فقال عبد اللّه بن رواحة في محبسهم ذلك :

جَلَبْنا الخيلَ من أجإٍ وفرع  ثُغَرُّ من الحشيش لها العُكُومُ  

حَذَوْناها من الصُّوَّان سِبْتا   أزَلَّ كأن صفحتَه أديمُ

أقامت ليلتين على مَعانٍ    فأعقبَ بعدَ فتْرتِها جُمومُ

فرُحْنا والجيادُ مُسَوَّمات    تَنَفَّسُ في مناخِرِها السَّمومُ

فلا وأبي مآبَ لنأتينْها     وإن كانت بها عَربٌ ورومُ

فعبَّأنا أعنَّتها فجاءتْ     عَوَابسَ والغبارُ لها بَرِيمُ

بذي لَجَبٍ كأن البيضَ فيه    إذا برزتْ قوانسُها النجومُ

فراضية المَعيشة طَلَّقَتْها     أسنتها فتَنْكِحُ أو تَئِيمُ .

قال ابن هشام : ويروى : " جلبنا الخيل من آجام قُرح "، وقوله : " فعبأنا أعنتها " عن غير ابن إسحاق.

قال ابن إسحاق : ثم مضى الناس فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر أنه حُدث عن زيد بن أرقم ،

قال : كنتُ يتيماً لعبد اللّه بن رواحة في حجره ، فخرج بي في سفره ذلك مُرْدِفي على حقيبة رحْله فواللّه إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه :

إذا أدَّيْتنِي وحَمَلْتِ رحْلي  مسيرةَ أربعٍ بعد الحِساءِ

فشأنُك انعمٌ وخَلاكِ ذم  ولا أرجعْ إلى أهلي ورائي

وجاء المسلمون وغادَروني  بأرضِ الشامِ مُشْتَهِيَ الثَّوَاءِ

وردك كل ذي نسبٍ قريبٍ   إلى الرحمنِ منقطعَ الإخاءِ

هنالك لا أبالي طَلْعَ بَعْلٍ  ولا نَخْلٍ أسافلُها رِوَاء

فلما سمعتهنَّ منه بكيت.

قال : فخفقني بالدَّرة،

وقال : ما عليك يا لُكَع  أن يرزقني اللّه شهادةً وترجع بين شُعْبتي الرحْل !

قال : ثم قال عبد اللّه بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز :

يا زيدُ زيدَ اليعملات الذُّبِّلِ    تطاول الليلُ هُدِيتَ فانزِلِ  

لقاء الروم وحلفائِهم

قال ابن إسحاق : فمضى الناس ، حتى إذا كانوا بتُخوم البَلْقاء لقيتهم جموعُ هرقل ، من الروم والعرب ، بقرية من قُرى البَلْقاء يقال لها مَشَارِف ، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مُؤْتة، فالتقى الناس عندَها، فتعبأ لها المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عُذْرَة، يقال له قُطْبة بن قَتادة، وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له عُبَاية بن مالك.

قال ابن هشام : ويقال عُبادة بن مالك.

مقتل زيد بن حارثة

قال ابن إسحاق : ثم التقى الناسُ واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى شَاطَ  في رماحِ القومَ.

مقتل جعفر وما قاله من الشعر قبل موته : ثم أخذها جعفرُ فقاتل بها، حتى إذا ألْحمه  القتال اقتحم  عن فرس له شقراءَ، فعقرها ، ثم قاتل القومَ حتى قُتل. فكان جعفرُ أول رجل من المسلمين عقر في الإِسلام.

وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه عَبَّاد،

قال : حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف ، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة

قال : واللّه لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قُتل وهو يقول :

يا حبَّذا الجنةُ واقترابُها   طيَبةً وبارداً شرابُها

والرومُ قد دنا عذابُها     كافرة بعيدة أنسابُها

عليَّ إذا لاقيتُها ضِرَابُها

من شجاعة جعفر :

قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل العلم : أن جعفَر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقُطعت ، فأخذه بشماله فقُطعت ، فاحتضنه بعَضُدَيْه حتى قتُل رضى اللّه عنه ، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه اللّه بذلك جَنَاحَيْن في الجنة يطير بهما حيث شاء.

ويقال : إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربةً، فقطعه بنصْفَين.

مقتل عبد اللّه بن رواحة

قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير : عن أبيه عباد

قال : حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مُرة بن عوف ،

قال : فلما قُتل جعفر أخذ عبد اللّه بن رَوَاحة الرايةَ، ثم تقدم بها، وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسَه ، ويتردد بعضَ التردد،

ثم قال :

أقسمْتُ يا نفسُ لَتَنْزِلِنَّه ،    لتَنْزِلِنَّ أو لتكْرَهِنَّهْ

إن أجْلَبَ الناسُ وشَدُّوا الرَّنَّهْ   ما لي أراكِ تكرهينَ الجنَّهْ

قد طالَ ما قد كنتِ مُطمئنه   هل أنتِ إلا نُطْفةٌ في شَنَّهْ

وقال أيضاً :

يا نفسُ إلا تُقْتَلِي تموتى    هذا حِمامُ الموْتِ قد صَليتِ

وما تمنَّيتِ فقد أعْطِيتِ     إن تفعلى فعلَهما هُدِيتِ

يريد صاحبيه : زيدا وجعفرا ؟ ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عم له  بعَرْق  من لحم

فقال : شُد بهذا صلبَك ، فإنك قد لَقيتَ في أيامِك هذه ما لقيتَ ، فأخذه من يده ثم انتهَسَ منه نَهْسةً، ثم سمع الحَطْمَة فيِ ناحيةِ الناس ، فقال وأنتَ في الدنيا ؟! ثم ألقاه من يده ، ثم أخذ سيفه فتقدم ، فقاتل حتى قُتل.

إمارة خالد وحُسن تصرفه : ثم أخذ الراية ثابتُ بنُ أقْرَم أخو بني العَجْلان ،

فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، قالوا : أنت ،

قال : ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فلما أخذ الراية دافع القوم ، وخاشى بهم ، ثم انحاز وانحيز عنه ، حتى انصرف. بالناس. الرسول يتنبأ بما حدث :

قال ابن إسحاق : ولما أصيب القوم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فيما بلغني : أخذ الرايةَ زيدُ بن حارثة فقاتل بها حتى قُتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل شهيداً

قال : ثم صمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه قد كان في عبد اللّه بن رَوَاحة بعضُ ما يكرهون ،

ثم قال : ثم أخذها عبد اللّه بن رواحة فقاتل بها حتى قُتل شهيداً،

ثم قال : لقد رُفعوا إلىَّ في الجنة، فيما يرى النائم ، على سُررٍ من ذَهب ، فرأيت في سرير عبد اللّه بن رواحة ازْوِرَاراً  عن سريرَيْ صاحبيه ،

فقلت : عَمَّ هذا ؟ فقيل لي : مَضيا وتردد عبدُ اللّه بعضَ التردد، ثم مضى.

حزن الرسول على جعفر ووصيته بآله

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر، عن أم عيسى الخزاعية، عن أم جعفر بن محمد بن جعفر بن أبي طالب ، عن جدتها أسماء بنت عُمَيْس ،

قالت : لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علىَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد دَبَغت أربعين مَنًّا -

قال ابن هشام : ويروى أربعين منيئة - وعجنت عجيني ، وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم

قالت : فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ائتينى ببنى جعفر؛

قالت : فأتيته بهم ، فتشممهم وذرفت عيناه ،

فقلت : يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمى، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شىء ؟

قال : نعم أصيبوا هذا اليوم.

قالت : فقمتُ أصيح ، واجتمعت إلىَّ النساء، وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهله ،

فقال : لا تغفلوا ال جعفر من أن تصنعوا لهم طهاما، فإنهم قد شُغلوا بأمرِ صاحبِهم .

وحدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قالت ، لما أتى نعىُ جعفر عرفنا في وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الحزن.

قالت : فدخل عليه رجل

فقال : يا رسول اللّه ، إن النساء عثَيننا وفتَنَّنا ؛

قال : فارجعْ إليهن فأسكتهن.

قالت : فذهب ثم رجع ، فقال له مثل ذلك -

قال : تقول وربما ضَرَّ التكلفُ أهلَه -

قالت : قال : فاذهب فأسكتهن ،،فإن أبَيْنَ فاحثِ في أفواهِهن الترابَ ،

قالت : وقلتُ في نفس : أبعدَك اللّه فواللّه ما تركتَ نفسَك وما أنت بمطيع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

قالت : وعَرَفتُ أنه لا يقدرُ على أن يحْثِى في أفواهِهن الترابَ. شعر قطبة في قتله ابن زافلة في غزوة مؤتة :

قال ابن إسحاق :

وقد كان قُطبْةُ بن قَتادة العُذْرِيُّ : الذي كان على مَيمنة المسلمين ، قد حمل على مالك بن زافلة فقتله ، فقال قُطبة بن قَتادة :

طعنت ابنَ زافلة، بن الإِرا  شِ برُمْحٍ مضى فيه ثم انحَطَمْ

ضربتُ على جِيدِه ضَرْبةً  فمالَ كما مالَ غُصْنُ السّلَمْ

وسُقنا نساءَ بني عمِّه   غداةَ رَقُوقَيْن سَوْقَ النَّعَمْ

قال ابن هشام : قوله : " ابن الإِراش " عن غير ابن إسحاق. والبيت الثالث عن خَلَّاد بن قرة

ويقال : مالك م بن رافلة.. ما قالته كاهنة حدس :

قال ابن إسحاق : وقد كانت كاهنةٌ من حَدَس حين سمعت بجيش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مُقبلاً، قد قالت لقومها من حَدَس - وقومها بطن يقال لهم بنو غَنْم -: أنذركم -قَوْماً خذراً ، ينظرون شَزْراً  ، ويقودون الخيل تَتْرَى، ويُهريقون دَماً عَكْراً، فأخذوا بقولها ،.. واعتزلوا من بين لخم ؛ فلم تزل بعدُ أثرى حدَس : وكان الذين صَلُوا الحرب يومئذ بنو ثَعْلبة، بطن من حَدس، فلم يزالوا قليلاً بعدُ. فلما انصرف خالد بالناس أقبل بهم قافلا.

الرسول يلتقي بالأبطال

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير،

قال : لما دنوا من حول المدينة تلقاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون.

قال : ولقيهم الصبيانُ يشتدون ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مُقبل مع القوم على دابة،

فقال : خذوا الصبيان فاحملوهم ، وأعطونى ابن جعفر، فاتى بعبد اللّه فأخذه فحمله بين يديه.

قال : وجعل الناس يَحْثُون على الجيش الترابَ ، ويقولون : يا فُرار، فررتم في سبيل اللّه !

قال : فيقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ليسوا بالفُرَّار، ولكنهم الكُرَّار - إن شاء اللّه تعالى  .

قال ابن إسحاق : وحدّثني عبد اللّه بن أبي بكر، عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير عن بعض آل الحارث بن هشام : وهم أخواله ، عن أم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم ،

قال : قالت أم سلمة لامرأة سَلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة : ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومع المسلمين ؟

قالت : واللّه ما يستطيع أن يخرج ، كلما خرج صاح به الناس يا فرار، فررتم في سبيل اللّه ، حتى قعد في بيته فما يخرج.

ما قيل من الشعر في غزوة مؤتة : ما قاله ابن المسحَّر

قال ابن إسحاق : وقد قال فيما كان من أمر الناس وأمر خالد ومخاشاته بالناس وانصرافه بهم ، قيس بن المسَّحَر اليَعْمري ، يعتذر مما صنج يومئذ وصنع الناس :

فواللّه لا تنفَكُّ نفسي تلومُنيِ   على موقفي والخيلُ قابعةٌ قُبْلُ

وقَفتُ بها لا مُستجيراً فنافِذاَ    ولا مانعاً من كان حُمَّ له القَتلُ

على أننى آسيتُ نفسي بخالدٍ   ألا خالدٌ في القومِ ليس له مِثْلُ

وجاشت إليَّ النفسُ من نَحْوِ جعفر بمؤتة إذ لا ينفعُ النابلَ النَّبلُ

وضَمَّ إلينا حَجْزَتَيْهم كِلَيْهِما   مهاجرةٌ لا مشركون ولا عُزْل

فتبيَّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره ، أن القوم حاجزوا وكرهوا الموت ، وحقَّق انحياز خالد بمن معه.

قال ابن هشام : فأما الزهري فقال فيما بلغنا عنه : أمَّر المسلمون عليهم خالد بن الوليد، ففتح اللّه عليهم ، وكان عليهم حتى قفل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حسان بن ثابت يبكى شهداء مؤتة :

قال ابن إسحاق : وكان مما بُكى به أصحابُ مؤتة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قول حسان ابن ثابت :

تأوَّبنى ليلٌ بيثربَ أعسرُ وهَمٌّ إذا ما نَوَّمَ الناسُ مُسْهِرُ  

لذكرى حبيب هيَّجت لي عَبرةَ سَفوحاً وأسبابُ البكاءِ التذكرُ

بَلى إن فُقْدانَ الحبيبِ بليةٌ  وكم من كريم يُبْتَلَى ثم يَصْبِرُ

رأيتُ خيارَ المؤمنين تواردوا   شَعوبَ وخَلْفاً بعدَهم يتأخرُ

فلا يُبعدَنَّ اللّه قتلَى تتابعوا  بمؤتةَ منهمُ ذو الجناحين جَعفرُ

وزيدٌ وعبدُ اللّه حين تتابعوا   جميعاً وأسبابُ المنيةِ تَخْطِرُ

غداةَ مَضَوْا بالمؤمنين يقودُهم إلى الموتِ ميمونُ النقيبةِ أزهَرُ

أغرُّ كضوءِ البدرِ من ال هاشمٍ ألِىّ إذا سِيمَ الظَّلامةَ مِجْسَرُ

فطاعَن حتى مالَ غيرَ مُوَسَّدٍ   لمعتركٍ فيه قَنا مُتَكَسر

فصار مع المستشهِدين ثوابُهُ  جِنان ومُلتفُّ الحدائقِ أخضَرُ

وكنا نرى في جعفر من محمد  وفاءً وأمراً حازماً حين يَأمُرُ

فما زال في الإِسلام من آلِ هاشم  دعائمُ عزّ لا يُزَلْنَ ومَفخرُ

هُمُ جبلُ الإِسلامِ والناسُ حولَهم رِضامٌ إلى طَوْدٍ يَروقُ ويَقْهَرُ

بهاليلُ منهمْ جعفرٌ وابنُ أمِّه  علىّ ومنهم أحمدُ المتخيَّرُ

وحمزةُ والعباسُ منهمْ ومنهمُ عَقيلٌ وماءُ العودِ من حيثُ يُعْصَرُ

بهم تُفْرَجُ اللَّأوَاءُ في كلِّ مَأزِق عَماس إذا ما ضاقَ بالناس مصدر

همُ أولياءُ اللّه انزل حكمُه عليهم ، وفيهم ذا الكتابِ المطهَّرُ

شعر كعب بن مالك في غزوة مؤْتة : وقال كعب بن مالك :

نام العيونُ ودمع عينِك يَهْمِلُ  سَحّاً وَكَفَ الطَّبابُ المخضَّلُ

في ليلةٍ وردت علىَّ همومُها   طَوْراً أخِنُّ وتارة أتململ

واعتادني حُزنٌ فبتُّ كأننى   ببناتِ نَعْشٍ والسّماكِ مُوَكَّلُ

وكأنما بينَ الجوانحِ والحَشَى   مما تأوَّبَني شهاب مُدْخَلُ

وَجداً على النفرِ الذين تتابعوا   يوماً بمؤتَةَ أسندوا لم يُنْقَلُوا

صلَّى الإِلهُ عليهمُ من فتية   وَسَقَى عظامَهمُ الغَمامُ المُسْبِلُ

صبروا بمؤتةَ للإِلهِ نفوسَهم  حَذَرَ الرَّدَى ومخافةً أن يَنْكُلوا

فمضوا أمامَ المسلمين كأنهم   فُنُقٌ عليهنَّ الحديدُ المُرْفلُ  

إذ يهتدون بجعفر ولوائه   قُدَّام أولِهم فنعْمَ الأوَّلُ

حتى تفرجتِ الصفوفُ وجعفر   حيثُ التقى وعْثُ الصفوفِ مُجَدَّلُ  

فتغير القمر المنيرُ لفقدِه   والشمسُ قد كَسَفَتْ وكادت تَأفِلُ

قَرْمٌ علا بنيانُه من هاشم   فَرْعاً اشَمَّ وسُؤْدُداً ما يُنْقَل

قومٌ بهم عصم الإِلهُ عبادَه   وعليهمُ نزل الكتابُ المنْزَلُ

فَضلوا المعاشرَ عزةً وتكرُّماً   وتغمدَتْ أحلامَهم مَن يَجْهَلُ

لا يُطلقونَ إلى السَّفاهِ حُباهُمُ  ويُرَى خطيبُهم بحقّ يفْصِلُ

بيضُ الوجوه ترى بطونَ أكفِّهم   تندَى إذا اعتذر الزمانُ الممْحِلُ

وبهدْيهم رضِىَ الإِلهُ لخلقِه  وبجَدِّهم نُصر النبي المرْسَلُ

حسان يبكي جعفراً بعد غزوة مؤتة : وقال حسان بن ثابت يبكى جعفر بن أبي طالب رضى اللّه عنه :

ولقد بكيتُ وعَزَّ مهْلَكُ جعفر  حِبِّ النبي على البريةِ كُلِّها

ولقد جَزِعتُ وقلتُ حين نُعيتَ لي  مَنْ للجِلادِ لَدَى العُقابِ وظِلِّها  

بالبيضِ حين تُسَلُّ من أغمادِها  ضَرْباً وإنهالِ الرماحِ وعَلِّها  

بعدَ ابنِ فاطمةَ المباركِ جعفر  خيرِ البريةِ كلِّها وأجلِّها  

رَزْءاً وأكْرَمها جميعاً مَحتداً  وأعَزّها مُتَظلِّما وأذلِّها  

للحقِّ حين ينوبُ غير تنحُّلٍ  كَذِباً، وأنداها يداً، وأقلِّها  

فُحشاً، وأكثرِها إذا ما يُجْتَدَى   فضلاً، وأبذلها نَدًى، وأبلِّها  

بالعُرفِ غيرَ محمدٍ لا مثلُه  حي مِنَ احياءِ البريِّةِ كُلِّها

حسان يبكي زيد بن حارثة وعبد اللّه بن رواحة بعد مُؤْتة : وقال حسان بن ثابت في يوم مؤتة يبكى زيد بن حارثة وعبد اللّه بن رواحة :

عَيْنِ جودي بدمعكِ المنزورِ  واذكري في الرخاءِ أهلَ القبورِ  

واذكري مُؤْتَةَ وما كان فيها يوم راحوا في وقْعةِ التغوير

حين راحوا وغادروا ثَمَّ زيداً نعْمَ مأوَى الضَّرِيك والمأسورِ

حِبَّ خيرِ الأنامِ طُرّاً جَميعاً  سَيِّدَ الناسِ حُبُّه في الصدورِ

ذاكُمُ أحمدُ الذي لا سواه   ذاك حُزني له معاً وسروري

إن زيداً قد كان منا بأمر  ليس أمْرَ المكذَبِ المغرورِ

ثم جودي للخزرَجِىِّ بدمعٍ  سيداً كان ثَمَّ غير نَزُور  

قد أتانا من قتلهم ما كفانا  فبحُزنٍ نبيت غير سُرورِ

قول أحد الشعراء بعد رجوعه من مؤْتة :

وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤتة :

كفى حزناً أني رجَعتُ وجعفرٌ  وزيدٌ وعبدُ اللّه في رَمْسِ أَقْبُرِ

قَضَوْا نحبَهم لما مَضَوْا لسبيلهم  وخُلِّفْتُ للبلوَى مع المُتغَبِّرِ

ثلاثةُ رهطٍ قُدِّموا فتقدَّمواإلى  وِرْدِ مكروه من الموتِ أحمر

تسمية شهداء مؤتة : وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة :

من قريش ، ثم من بني هاشم : جعفرُ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وزيدُ بن حارثة رضي اللّه عنه.

ومن بني عَدِيِّ بنِ كعب : مسعودُ بن الأسود بن حارثة بن نَضْلة. ومن بني مالك بن حِسْل : وهب بن سعد بن أبي سَرْح.

ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج : عبد اللّه بن رَوَاحة، وعَبَّاد بن قَيْس.

ومن بني غَنْم بن مالك بن النجار : الحارث بن النعمان بن أساف بن نَضْلة بن عبد بن عَوْف بن غَنْم.

ومن بني مازن بن النجار: سُراقة بن عَمرو بن عطية بن خَنْساء.

قال ابن هشام : وممن استُشهد يوم مؤتة، فيما ذكر ابن شهاب.

من في مازن بن النجار : أبو كُلَيب وجابر، ابنا عمرو بن زيد بن عَوْف بن مَبْذول وهما لأب وأم.

ومن بني مالك بن أفْصَى : عَمرو وعامر، ابنا سعد بن الحارث بن عَبَّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفْصَى.

قال ابن هشام : ويقال أبو كلاب وجابر، ابنا عمرو.

ذكر الأسباب الموجبة للسير إلى مكة،