قال ابن
إسحاق : وبعث رسولُ اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، في مقامِه ذاك بالمدينة
عُبَيْدةَ بن الحارث بن المطلب ابن عبد مناف بن قُصى، في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد،
فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز، بأسفل ثنيَّة المُرَّة، فلقي بها جمعاً عظيماً من قريش
فلم يكن بينهم قتال ، إلا أن سعد بن أبى وقاص قد رمَى يومئذ بسهم ، فكان أول سهم
رُمى به في الِإسلام.
ثم انصرف القومُ عن القوم ، وللمسلمين حامية. وفر من المشركين
إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى، حليف بنى زهرة، وعتبة ابن غزوان بن جابر
المازنى، حليف بنى نوفل بن عبد مناف ، وكانا مسلمين ، ولكنهما خرجا ليتوصلا
بالكفار. وكان على القوم عكرمة ابن أبى جهل.
قال ابن
هشام : حدثني ابن أبى عَمرو بن العلاء، عن أبي عمرو
المدنى : أنه كان عليهم مِكْرَز بن حفص بن الأخْيَف ، أحد بني مَعيص بن عامر بن
لُؤَي بن غالب بن فهر.
قال ابن إسحاق : فقال أبو بكر الصديقُ رضى اللّه عنه ، في غزوة عُبَيْدة بن الحارث.
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لأبى بكر رضى اللّه عنه - :
أمِنْ
طَيْفِ سَلْمى بالبطاحِ الدَّمائِثِ أرِقْتَ وأمر في العشيرةِ حادثِ
ترى من لُؤي فِرقةً لا يصدُّهــا عن الكفرِ تذكيرٌ ولا بَعْث باعثِ
رسول أتاهم صادقٌ فتكَذَّبــوا عليه وقالوا : لست فينا بماكِثِ
إذا ما دَعَوْناهم إلى الحقِّ أدبروا وهَرُّوا هَرِيرَ المجْحِراتِ اللواهثِ
فكم قد مَتَتْنا فيهمُ بقرابــــةٍ وتَرْكِ التُّقى شىءٌ لهم غيرُ كارثِ
فإن يرجعوا عن كفرِهــــم وعقوقِهم فما طَيباتُ الحِل مثلُ الخبائثِ
وإن يركبوا طغيانَهم وضلالَهـم فليس عذاب اللّه عنهم بلابثِ
ونحن أناس من ذؤابةِ غالــب لنا العزُّ منها في الفروعِ الأثائثِ
فأولِى بربِّ الراقِصات عشيَّـةً حَراجيجُ تُحْدَى في السَّريحِ الرثائثِ
كأدْم ظباءٍ حولَ مكة عكَّــفٍ يَرِدْنَ حِياضَ البئْرِ ذات النبائثِ
لئن لَم يُفيقوا عاجلاً مــــن ضلالِهم ولستُ إذا آليْتُ قولاً بحانثِ
لتَبْتَدِرَنَّهم غارة ذاتُ مَصْـــــدَقٍ تُحرِّمُ أطهارَ النساءِ الطوامثِ
تغادرُ قَتْلَى تَعْصِبُ الطيرُ حولَهــم ولاترأفُ الكفارَ رأفَ ابنِ حارثِ
فأبلغْ بنى سَهمٍ لديْك رسالـــــةً وكل كفورٍ يبتغي الشر باحث
فإن تَشْعَثوا عِرض على سوءِ رأيِكم فإنِّى من أعراضِكم غيرُ شاعثِ
ابن الزبعرى يرد على أبي بكر : فأجابه عبد اللّه بن الزبَعْري السَّهْمي ،
فقال :
أمِنْ رسمِ دارٍ أقفرت بالعَثاعِثِ بكيتَ بعينٍ دمعُها غيرُ لابثِ
ومن عَجَبِ الأيامِ والدهرُ كله له عجب من سابقاتٍ وحادثِ
لجيشٍ أتانا ذي عُرامٍ يقـوده عُبَيدةُ يُدْعَى في الهياجِ ابنَ حارثِ
لنتركَ أصناماً بمكةَ عُكَّفــاً مواريثَ موروثٍ كريمٍ لوارثِ
فلما لقيناهم بسُمْرِ رُدَيْنَةٍ وجُرْدٍ عِتاقٍ في العَجاجِ لَوَاهِثِ
وبيضٍ كأن المِلحَ فوقَ متونِها بأيدِي كمُاةٍ كالليوثِ العوائثِ
نقيمُ بها إصْعارَ من كان مائلاً ونشفى الذُّحولَ عاجلاً غيرَ لابثِ
فكَفُّوا على خوفٍ شديدٍ وهيْبةٍ وأعجبهم أمر لهمِ أمرُ رائثِ
ولو أنهم لم يفعلوا ناحَ نِسوة أيامَى لهم ،من بينِ نسْءٍ وطامثِ
وقد غُودرتْ قتلَى يخبرُ عنهــمُ حَفِى بهم
أو
غافلٌ غيرُ باحثِ
فأبلغْ أبا بكر لديك رسالــــةً فما أنت عن أعراضِ فِهْربماكثِ
ولما تَجِبْ منى يمينٌ غليظــةٌ تُجدد حرباً حَلْفةً غيرَحانث
قال ابن هشام : تركنا منها بيتاً واحداً، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لابن الزبعرى.
سعد بن أبي وقاص يذكر رميته في هذه السرية
قال ابن إسحاق : وقال سعد بن أبى وقاص في رميته تلك فيما يذكرون :
ألا هل أتى رسولَ اللّه أنى حَميْتُ صحابتى بصدورِ نَبْلى
أذودُ بها أوائلَهم ذيـــــاداً بكلِّ حُزُونة وبكلِّ سَهْلِ
فما يَعْتَدُّ رام في عَـــــدُوٍّ بسهمٍ يا رسولَ اللّه قبلى
وذلك أن دينَكَ دينُ صِــدْقٍ وذو حق أتيتَ به وعَدْل
يُنَجَّى المؤمنوِن به ويُجـزِي بهِ الكفارَ عندَ مقام مَهْلِ
فمهلاً قد غوِيتَ فلا تعبنــى غَويَّ الحىِّ وَيْحَك يابنَ جَهْلِ
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد.
قال ابن
إسحاق : فكانت رايةُ عبيدة ابن الحارث ـ فيما بلغنى
– أولَ راية عقدها رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الإسلام ، لأحد من المسلمين. وبعض العلماء يزعم أن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعثه حين
أقبل من غزوة الأبواء، قبل أن يصل إلى المدينة.