ما قاله لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وردهم عليه :

قال : وقد كان فيما بين ذلك ، من غزو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمرُ بنى قَيْنُقاع. كان من حديث بني قَيْنُقَاع أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمعهم بسوق بنى قَيْنُقَاع ،

ثم قال : يا معشر يهود، احذَرُوا من اللّه مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسْلموا فإنكم قد عَرَفتم أني نبي مرسل ، تجدون ذلك في كتابِكم وعهدِ اللّه إليكم ؛ قالوا : يا محمد، إنك ترى أنا قومُك ؟!

لا يَغُرَّنك أنك لقيتَ قوماً لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصةً، إنا واللّه لئن حاربناك لتعلَمنَّ أنا نحنُ الناسُ.

ما نزل فيهم من القرآن

قال ابن إسحاق : فحدثني مولى قال زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير، أو عن عكرمة عن ابن عباس ،

قال : ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم : {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا} [آل عمران:١١،١٢]: أي أصحاب بدر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقريش {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّه وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: ١٢،١٣].

بنو قينقاع أول من نقض عهده صلى اللّه عليه وسلم :

قال ابن إسحاق :

وحدثنى عاصم بن عمر بن قتادة : أن بنى قينقاع كانوا أولَ يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وحاربوا فيما بينَ بدر وأحد.

سبب حرب المسلمين إياهم

قال ابن هشام : وذكر عبد اللّه ابن جعفر بن المِسْوَر بن مَخْرَمة، عن أبى عون ،

قال : كان من أمر بني قَيْنقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلبٍ لها، فباعته بسوق بني قَيْنُقاع ، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشفِ وجهها، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرِها، فلما قامت انكشفت سوءتُها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، وكان يهودياً، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه ، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون ، فوقع الشرُّ بينهم وبين بنى قَيْنُقاع.

تدخل ابن أبي في شأنهم معه صلى اللّه عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة،

قال : فحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه ، فقام إليه عبدُ اللّه بنُ أبى ابنُ سلول ، حين أمكنه منهم ،

فقال : يا محمد، أحسن في مواليَّ ، وكانوا حلفاء الخزرج.

قال : فأبطأ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

فقال : يا محمدُ أحسنْ فى مَوَاليَّ ،

قال : فأعرض عنه. فأدخل يَده في جَيْبِ دِرْعِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

قال ابن هشام : وكان يقال لها : ذات الفُضول.

قال ابن إسحاق : فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أرسلْني ، وغضب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظُلَلاً

ثم قال : ويْحك ! أرسلْني ؛

قال : لا واللّه لا أرسلك حتى تُحسنَ في موالىَّ، أربعمائةِ حاسر وثلاثمائةِ دارعٍ قد منعوني من الأحمر والأسود، تَحْصُدهم في غَداةٍ واحدة، إنى واللّه امرؤ أخشى الدوائرَ؛

قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هم لك.

مدة حصار بني قينقاع

قال ابن هشام : واستعمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المدينة فى محاصرته إياهم بشير بن عبد المنذر، وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة.

خلع ابن الصامت بني قينقاع وما نزل فيه من القرآن وفي ابن أُبَي

قال ابن إسحاق : وحدثني أبى: إسحاقُ بن يسار، عن عُبادة بن الوَليد بن عبادة بن الصامت

قال : لما حاربت بنو قينقاع رِسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبدُ اللّه بنُ أبي ابنُ سلول وقام دونهم. ومشى عبادةُ بن الصامت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وكان أحد بني عَوْف ، لهم من حِلفه مثلُ الذى لهم من عبد اللّه بن أبي ، فخلعهم إلى رسول صلى اللّه عليه وسلم، وتبرأ إلى اللّه عز وجل ، وإلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم من حلفِهم ،

وقال : يا رسول اللّه ، أتولى اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ، وأبرأ من حِلف هؤلاء الكفار وولايتهم.

قال : ففيه وفى عبد اللّه بن أبى نزلت هذه القصة من المائدة{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ* فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي لعبد اللّه بن أبى وقوله : إنى أخشى الدوائر {يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللّه أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ* وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللّه جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: ٥١ـ٥٣] ثم القصة إلى قوله تعالى :{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللّه وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}.[المائدة: ٥٥] وذكر لتولي عبادة بن الصامت اللّه ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بنى قينقاع وحلفهم وولايتهم :{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّه وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّه هُمْ الْغَالِبُونَ}.[المائدة: ٥٦]