ندم من تخلف يوم أحد والخروج مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : فلما كان الغدُ من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال ، أذن مؤذنُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام ؛

فقال : يا رسول اللّه ، إن أبي كان خلفنى على أخوات لي سبع ،

وقال : يا بُنىّ، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نفسي ، فتخلفْ على أخواتك ؛ فتخلفت عليهن.

فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فخرج معه. وإنما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مرهبا للعدو؛ وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ، ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

من جرح بأحد يواصلون الجهاد مع الرسول

قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن خارجة بن زيد بن ثابت ، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان : أن رجلا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، من بنى عبد الأشْهل كان شهد أحداً مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

قال : شهدت أحداً مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين ، فلما أذن مؤذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي أو قال لي : أتفوتنا غزوة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ واللّه ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل ، فخرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكنت أيسر جرحا، فكان إذا غُلب حملته عُقْبة، ومشى عُقْبةً، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

استعمال ابن أم مكتوم على المدينة في هذه الغزوة

قال ابن إسحاق : فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى انتهى إلى حَمْراء الأسَد، وهى من المدينة على ثمانية أميال ، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما

قال ابن هشام.

قال ابن إسحاق : فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

شأن معبد الخزاعى

قال : وقد مرَّ به كما حدثني : عبد اللّه بن أبي بكر، مَعْبِد بن أبي مَعْبِد الخزاعي ، وكانت خزاعة، مسلمُهم ومشركُهم عَيْبَةَ نُصح لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بِتِهامة، صَفْقَتُهم معه ، لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومَعْبد يومئذ مشرك ،

فقال : يا محمد، أما واللّه لقد عز علينا ما أصابك ، ولوددنا أن اللّه عافاك فيهم ، ثم خرج ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحمراء الأسد، حتى لَقيَ أبا سفيان بن حرب ومن معه بالرَّوْحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ،

وقالوا: أصبنا حد أصحابه وأشرافهم وقادتهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلَهم ، لنكُرَّن على بقيتهم ، فلنَفْرغنَّ منهم. فلما رأى أبو سفيان مَعْبداً،

قال : ما وراءك يا معبد؟

قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلَه قط ، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَق عليكم شىء لم أر مثلَه قطُّ ؛

قال : ويحك ! ما تقول ؟

قال : واللّه ما أرى أن ترتحل حتى أرى نواصى الخيل ؛

قال : فواللّه لقد أجمعنا الكرَّة عليهم ، لنستأصل بقيتهم ، قال فإنى أنهاك عن ذلك

قال : واللّه لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتا من شعر،

قال : وما قلت ؟

قال : قلت :

كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتــى   إذ سالت الأرضُ بالجُرْد الأبابيلِ
تَرْدي بأسْدٍ كرام لاتنابلــــــةٍ    عنداللقاءِولامِيلٍ معازيلِ
فظلْتُ عدواً أظن الأرضَ مائلــةً  لما سَمَوْا برئيسٍ غيرِ مخذولِ
ف
قلتُ : ويل ابنِ حرب من لقائكـمُ   إذاتَغَطْمَطَتِ البطحاءُ بالجيلِ
إنى نذيرٌ لأهلِ البَسْل ضاحيـــةَ  لكلِّ ذي إِرْبةٍ منهمْ ومعقولِ
من جيش أحمدَ لا وَخشٍ تنابلــةٍ  وليس يُوصَفُ ما أنذرتُ بالقيلِ

فثَنى ذلك أبا سفيان ومن معه.

رسالة أبي سفيان مع الركب بالوعيد

ومر به ركب من عبد القَيْس ،

فقال : أين تريدون.

قالوا: نريد المدينة.

قال : ولم ؟

قالوا: ، نريد المِيرة ،

قال : فهل أنتم مُبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها ؟ إليه ، وأحمل لكم هذه غداً زبيباً بعُكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا نعم ،

قال : فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ،

فقال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل.

قال ابن هشام : حدثنا أبو عُبَيدة : أن أبا سفيان بن حرب انصرف يوم أحد، أراد الرجوع إلى المدينة، ليستأصل بقيةَ أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال لهم صفوان بن أمية بن خلف : لا تفعلوا، فإن القوم قد حَربوا ، وقد خَشينا أن يكونَ لهم قتال غيرُ الذي كان ، فارجعوا، فرجعوا. فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم، وهو بحمراء الأسد، حين بلغه أنهم هَمُّوا بالرجعة : والذي نفسى بيده ، لقد سُوِّمَت لهم حجارة، لو صُبِّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب.

قتل الرسول أبا عزة ومعاوية بن المغيرة: قال أبو عبيدة : وأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في جهة ذلك ، قبل رجوعه إلى المدينة معاوية ابن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ، وهو جد عبد الملك بن مروان ، أبو أمه عائشة بنت معاوية، وأبا عزة الجُمحِى ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسره ببدر، ثم مَنَّ عليه ،

فقال : يا رسول اللّه ، أقلني ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: واللّه لا تمسح عَارِضَيْك بمكة، بعدَها وتقول : خدعتُ محمداً مرتين ، اضربْ عنقَه يا زبير. فضرب عنقه.

قال ابن هشام : وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه

قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : "إن المؤمنَ لا يُلدغ من جحر مرتين. اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت " فضرب عنقه.

قال ابن هشام :

ويقال : إن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر قتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأمنه ، على أنه إن وُجد بعد ثلاث قُتل ، فأقام بعدَ ثلاث وتوارى فبعثهما النبى صلى اللّه عليه وسلم ،

وقال : إنكما ستجدانه. بموضع كذا وكذا، فوجداه فقتلاه.

شأن عبد اللّه بن أبي بعد غزوة أحد

قال ابن إسحاق : فلما قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، وكان عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، كما حدثني ابن شهاب الزهري ، له مقام يقومه كل جمعة لا يُنْكر، شرفاً ، له في نفسه وفي قومه ، وكان فيهم شريفا، إذا جلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس ، قام

فقال : أيها الناس ، هذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهركم ، أكرمكم اللّه وأعزكم به ، فانصروه وعزّروه ، واسمعوا له وأطيعوا، ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ، ورجع بالناس ، قام يفعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ،

وقالوا: اجلس ، أيْ عدوَّ اللّه ، لست لذلك بأهل ، وقد صنعتَ ما صنعتَ ، فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : واللّه لكأنما قلت بَجْراً أن قمتُ اشَدِّد أمره. فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد،

فقال : ما لك ؟ ويلك !

قال : قمت أشدِّد أمره ، فوثب علىَّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفوننى، لكأنما قلت بَجْراً أنْ قمت أشدِّد أمرَه ؟

قال : ويلك ! ارجع يستغفر لك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

قال : واللّه ما أبتغى أن يستغفرَ لي.

تمحيص المؤمنين يوم أحد

قال ابن إسحاق : كان يومَ بلاء ومصيبة وتمحيص ، اختبر اللّه به المؤمنين ، ومحَن به المنافقين ، ممن كان يظهر الإِيمان بلسانه ، وهو مستخف بالكفر في قلبه ، ويوماً اكرم اللّه فيه من أراد كرامتَه بالشهادة من أهل ولايته.

ذكر ما أنزل اللّه في أحد من القرآن

بسم اللّه الرحمن الرحيم

قال : حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام ،

قال : حدثنا زياد ابن عبد اللّه البكائى عن محمد بن إسحاق المطَّلبي ،

قال : فكان مما أنزل اللّه تبارك وتعالى في يوم أحد من القرآن ستون آية من آل عمران ، فيها صفة ما كان في يومهم ذلك ومعاتبة من عاتب منهم ، ي

قول اللّه تبارك وتعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.[آل عمران: ١٢١]

قال ابن هشام : تبوِّئُ المؤمنين : تتخذ لهم مقاعدَ ومنازلَ. قال الكُمَيْت بن زيد:

ليتنى كنتُ قبلَــــــــه  قد تبوأتُ مَضجعا

وهذا البيت في أبيات له.

أي سميع بما تقولون ، عليم بما تخفون. {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا}  أي تتخاذلا، والطائفتان : بنو سَلَمة بن جُشَم بن الخزرج ، وبنو حارثة بن النَّبيت من الأوْس ، وهما الجناحان يقول اللّه تعالى :{ وَاللّه وَلِيُّهُمَا } أي المدافع عنهما ما همتا به من فشلهما، وذلك أنه إنما كان ذلك منهما عن ضعف ووهن أصابهما غير شك في دينهما، فتولى دفعَ ذلك عنهما برحمته وعائدته ، حتى سلمتا من و هونهما وضعفهما، ولحقتا بنبيهما صلى اللّه عليه وسلم.

قال ابن هشام : حدثني رجل من الأسْد من أهل العلم ،

قال : قالت الطائفتان : ما نحب أنا لم نهم بما هممنا به ، لتولى اللّه إيانا في ذلك.

قال ابن إسحاق : يقول اللّه تعالى : { وَعَلَى اللّه فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } [آل عمران: ١٢٢]: أي من كان به ضعف. من المؤمنين فليتوكل عليَّ ، وليستعن بى، أعنه على أمره ، وأدافع عنه ، حتى أبلغ عنه ، وأقويه على نبيه : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللّه بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : أي فاتقونى، فإنه شُكر نعمتى، ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أقل عددا وأضعف قوة { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ *بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: ١٢٣ـ١٢٥]: أي إن تصبروا لعدُوي ، وتطيعوا أمري ، ويأتوكم من وجهِهم هذا، أمدكم بخمسة الاف من الملائكة مسومين.

قال ابن هشام : مُسوَّمين : مُعَلَّمين. بلغنا عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه

قال : أعْلَموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض.

فأما ابن إسحاق

فقال : كانت سيماهم يوم بدر عمائم بيضاً. وقد ذكرت ذلك في حديث بدر. والسِّما: العلامة. وفي كتاب اللّه عز وجل : { سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } [الفتح: ٢٩]: أي علامتهم.

و {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ *مُسَوَّمَةً } [هود: ٨٢،٨٣] يقول : معلمة. بلغنا عن الحسن ابن أبي الحسن البصري أنه

قال : عليها علامة، أنها ليست من حجارة الدنيا، وأنها من حجارة العذاب. قال رُؤبة بن العَجَّاج :

فالآنَ تُبلَى في الجيادُ السَّهَمُ  ولا تُجارينى إذا ما سَوَّموا
وشَخَصتْ أبصارُهم وأجْذَمُوا

وهذه الأبيات في أرجوزة له. والمسوَّمة أيضاً : المرعية، وفي كتاب اللّه تعالى : { وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ } [آل عمران: ١٤] و{شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ }.[النحل: ١٠] تقول العرب : سوَّم خيلَه وإبله ، وأسامها: إذا رعاها. قال الكُمَيْت بن زيد:

راعياً كان مُسْجحاً ففقدْنا  وفَقْدُ المسيمِ هُلْكُ السَّوَامِ

قال ابن هشام : مُسجحا: سَلِس السياسة مُحسن إلى الغنم. وهذا البيت في قصيدة له.

{وَمَا جَعَلَهُ اللّه إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللّه الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [آل عمران:١٢٦]: أي ما سَميت لكم من سميت من جنود ملائكتى إلا بُشرى لكم ، ولتطمئن قلوبكم به ، لما أعرف من ضَعفِكم ، وما النصر إلا من عندي ، لسلطانى وقدرتي ، وذلك أن العز والحكم إلىَّ، لا إلى أحد من خلقي.

ثم قال : { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ } [آل عمران: ١٢٧]: أي ليقطع طرفا من المشركين بقتل ينتقم به منهم ، أو يردهم خائبين : أي ويرجع من بَقيَ منهم فَلا خائبين ، لم ينالوا شيئاً مما كانوا يأملون.

قال ابن هشام : يكبتهم : يغمهم أشد الغم ، ويمنعهم ما أرادوا. قال ذو الرمة :

ما أنْسَ من شَجن لا أنس  موقفنا في حيرةٍ بين مسرورٍ ومكبوتِ

ويكبتهم أيضاً: يصرعهم لوجوههم.

قال ابن إسحاق :

ثم قال لمحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :{ لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } [آل عمران:١٢٨]: أي ليس لك من الحكم شىء في عبادي ، إلا ما أمرتك به فيهم ، أو أتوب عليهم برحمتى، فإن شئتُ فعلتُ ، أو أعذبهم بذنوبهم فبحقى {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }. أي قد استوجبوا ذلك لمعصيتهم إياي { وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ } : أي يغفر الذنب ويرحم العباد، على ما فيهم.

ثم قال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } ، أي لا تأكلوا في الإِسلام ، إذ هداكم اللّه به ما كنتم تأكلون إذ أنتم على غيره ، مما لا يحل لكم في دينكم { وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي فأطيعوا اللّه لعلكم تنجون مما حذركم اللّه من عذابه ، وتدركون ما رغبكم اللّه فيه من ثوابه ،{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ، أي التي جعلت داراً لمن كفر بى. ؟

ثم قال : { وَأَطِيعُوا اللّه وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [آل عمران: ١٢٩ـ١٣٢] معاتبة للذين عصوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم به في ذلك اليوم وفي. غيره.

ثم قال : { وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران: ١٣٣]: أي داراً لمن أطاعنى وأطاع رسولى. { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران: ١٣٤]: أي وذلك هو الإِحسان ، وأنا أحب من عمل به ، { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران: ١٣٥]: أي إن أتوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم بمعصية ذكروا نهي اللّه وما حرم عليهم ، فاستغفروه لها، وعرفوا أنه لا يغفر الذنوب إلا هو.{ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [آل عمران: ١٣٥]:: أي لم يقيموا على معصيتى كفعل من أشرك بي فيما غَلوْا به في كفرهم ، وهم يعلمون ما حرمت عليهم من عبادة غيري. { أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } [آل عمران: ١٣٦] أي ثواب المطيعين.

ثم استقبل ذكر المصيبه التي نزلت بهم ، والبلاء الذي أصابهم ، والتمحيص لما كان فيهم ، واتخاذه الشهداءَ منهم ،

فقال : تعزيةً لهم ، وتعريفاً لهم فيما صنعوا، وفيما هو صانع بهم : { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } [آل عمران: ١٣٧] أي قد مضت منى وقائع نقمة في أهل التكذيب لرسلى والشرك بي : عاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مَدْين ، فرأوا مَثُلاتٍ قد مضت منى فيهم ، ولمن هو على مثل ما هم عليه من ذلك منى، فإني أمليت لهم : أي لئلا يظنوا أن نقمتى انقطعت عن عدوكم وعدوي ، للدولة التي أدلْتُهم بها عليكم ، ليبتليَكم بذلك ، ليعلمكم ما عندكم.

ثم قال تعالى: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } : أي هذا تفسير للناس إن قبلوا الهدى { وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ } أي نور وأدب  { لِلْمُتَّقِينَ } [آل عمران:١٣٨] أي لمن أطاعني وعرف أمري. { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا } أي لا تضعفوا ولا تبئسوا على ما أصابكم ،{ وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ) : أي لكم تكون العاقبة والظهور { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران: ١٣٩] أي إن كنتم صدقتم نبيي بما جاءكم به عنى. { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } أي جراح مثلها، { وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} : أي نصرفها بين الناس للبلاء والتمحيص { وَلِيَعْلَمَ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّه لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } [آل عمران: ١٤٠]: أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين ، وليكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة، ، { وَاللّه لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } : أي المنافقين الذين يظهرون الطاعة وقلوبهم مُصرَّة على المعصية { وَلِيُمَحِّصَ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا } : أي يختبر الذين امنوا حتى يخلصهم بالبلاء الذي نزل بهم ، وكيف صبرهم ، ويقينهم { وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: ١٤١]: أي يبطل من المنافقين قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، حتى يظهر منهم كفرهم الذي يستترون به.

ثم قال تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } [آل عمران: ١٤٢]: أي حسبتم أن تدخلوا الجنة، فتصيبوا من ثوابى الكرامة، ولم أختبركم بالشدة، وأبتليكم بالمكاره ، حتى أعلم صدق ذلك منكم بالإِيمان بي ، والصبر على ما أصابكم فيَّ ولقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم ، يعنى الذين استنهضوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى خروجه بهم إلى عدوهم ، لما فاتهم من حضور اليوم الذي كان قبله ببدر، ورغبة في الشهادة التي فاتتهم بها،

فقال : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ { يقول { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [آل عمران: ١٤٣] أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال قد خلَّى بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم ، ثم صدَّهم عنكم. { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّه الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:١٤٤]: أي لقول الناس : قُتل محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وانهزامهم عند ذلك ، وانصرافهم عن عدوهم { أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ { رجعتم عن دينكم كفارا كما كنتم ، وتركتم جهادَ عدوكم ، وكتاب اللّه. وما خلف نبيه صلى اللّه عليه وسلم من دينه معكم وعندكم ، وقد بين لكم فيما جاءكم به عنى أنه ميت ومفارقكم ، { وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ } : أي يرجع عن دينه { فَلَنْ يَضُرَّ اللّه شَيْئًا } : أي ليس ينقص ذلك عزَّ اللّه تعالى ولا ملكه ولا سلطانه ولا قدرته ، { وَسَيَجْزِي اللّه الشَّاكِرِينَ } [آل عمران: ١٤٤]: أي من أطاعه وعمل بأمره.

ثم قال : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللّه كِتَابًا مُؤَجَّلًا } : أي إن لمحمد صلى اللّه عليه وسلم أجلا هو بالغه ، فإذا أذن اللّه عز وجل في ذلك كان. { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } [آل عمران: ١٤٥]: أي من كان منكم يريد الدنيا، ليست له رغبة في الاخرة، نؤته منها ما قُسم له من رزق ، و لا يَعْدُوه فيها، وليس له في الآخرة من حظ { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا {  ما وُعِد به مع مايُجزَى عليه من رزقه في دنياه { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } [آل عمران: ١٤٥] أي المتقين

ثم قال :{ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّه وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللّه يُحِبُّ الصَّابِرِينَ } [آل عمران: ١٤٦]: أي وكأين من نبي أصابه القتل ، ومعه ربيون كثير: أي جماعة، فما وهنوا لفقد نبيهم ، وما ضعفوا عن عدوِّهم ، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن اللّه تعالى وعن دينهم ، وذلك الصبر، واللّه يحب الصابرين { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } [آل عمران: ١٤٧].

قال ابن هشام : واحد الربيين : رَبِّي ؛ وقولهم : الرباب ، لولد عبد مناة بن أد بن طابخة بن الياس ، ولضبة، لأنهم تجمعوا وتحالفوا، من هذا، يريدون الجماعات. وواحدة الرباب : رِبَّة وربابة وهى جماعات قداح أو عصى ونحوها، فشبهوها بها. قال أبو ذؤيب الهذلى:

وكأنهنَّ رِبابة وكأنـــــه  يَسَرٌ يَفيض على القداحِ ويَصْدعُ

وهذا البيت في أبيات له. وقال أمية بن أبي الصلت :

حول شياطينهم أبابيلُ ربيو ن شدوا سنوَّراً مَدْسُورَا

وهذا البيت في قصيدة له.

قال ابن هشام : والرِّبابة أيضاً: الخِرْقة التي تُلفُّ فيها القِداح.

قال ابن هشام : والسنَوْر: الدروع. والدُّسُر، هي المسامير التي في الحِلَق ، يقول اللّه عز وجل { وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } [القمر: ١٣]. قال الشاعر، وهو أبو الأخزر الحِمَّانى ، من تميم :

دَسْراً بأطرافِ القَنا المقَوَّمِ

قال ابن إسحاق : أي فقولوا مثل ما قالوا، واعلموا أنما ذلك بذنوب منكم ، واستغفروه كما استغفروه ، وامضوا على دينكم كما مضوا على دينهم ، ولا ترتَدُّوا على أعقابكم راجعين ، واسألوه كما سألوه أن يثبِّت أقدامَكم ، واستنصروه على القوم الكافرين ، فكل هذا من قولهم قد كان ؛ وقد قُتل نبيهم ، فلم يفعلوا كما فعلتم ، فاتاهم اللّه ثوابَ الدنيا بالظهور على عدوهم وحسن ثواب الاخرة وما وعد اللّه فيها، واللّه يحب المحسنين.

{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [آل عمران : ١٤٩] أي عن عدوكم ، فتذهب دنياكم واخرتُكم { بَلْ اللّه مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ } [آل عمران: ١٥٠] ، فإن كان ما تقولون بألسنتكم صدقا في قلوبكم فاعتصموا به ، ولا تستنصروا بغيرِه ، ولا ترجعوا : على أعقابكم مرتدين عن دينه { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } [آل عمران : ١٥١]: أي الذي به كنت أنصركم عليهم بما أشركوا بى ما. لم أجعل لهم من حجة، أي فلا تظنوا أن لهم عاقبة نصر ولا ظهور عليكم ما اعتصمتم بي ، واتبعتم أمري ، للمصيبة التي أصابتكم منهم بذنوب قدمتموها لأنفسكم ، خالفتم بها أمري للمعصية وعصيتم بها النبىَّ صلى اللّه عليه وسلم { وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللّه وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران : ١٥٢] أي قد وفَّيْت لكم بما وعدتكم من النصرِ على عدوكم ، إذ تَحسُّونهم بالسيوف ، أي القتل ، بإذنى وتسليطي أيديكم عليهم ، وكفِّى أيديهم عنكم.

قال ابن هشام : الحَسُّ الاستئصال : يقال : حَسَست الشيء : أي استأصلته بالسيف وغيره. قال جرير:

تَحسُّهم السيوفُ كما تَسامَى حريقُ النارِفى الأجَمِ الحصيدِ

وهذا البيت في قصيدة له. وقال رؤبة بن العجاج :

إذا شَكَوْنا سنةً حَسُوسَا

تأكلُ بعدَ الأخضرِ اليبيسَا

وهذان البيتان في أرجوزة له.

قال ابن إسحاق : { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ } أي تخاذلتم { وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ } أي اختلفتم في أمري ، أي تركتم أمر نبيكم وما عهَد إليكم ، يعنى الرماة { وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ } : أي الفتح ، لا شك فيه ، وهزيمة القوم عن نسائهم وأموالهم ، { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا } : أي الذين أرادوا النهب في الدنيا وترك ما أمروا به من الطاعة التي عليها ثواب الاخرة { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ } : أي الذين جاهدوا في اللّه ، ولم يخالفوا إلى ما نُهوا عنه ، لعَرَض من الدنيا، رغبة فيها، رجاء ما عند اللّه من حُسن ثوابه في الآخرهّ : أي الذين جاهدوا في الدين ولم يخالفوا إلى ما نُهوا عنه ، لعرض من الدنيا، ليختبركم ، وذلك ببعض ذنوبكم ، ولقد عفا اللّه عن عظيم ذلك ، أن لا يهلككم بما أتيتم من معصية نبيكم ، ولكني عُدت بفضلى عليكم ، وكذلك مَنَّ اللّه على المؤمنين أن عاقب ببعض الذنوب في عاجل الدنيا أدباً وموعظة، فإنه غير مستأصل لكلِّ ما فيهم من الحق له عليهم ، بما أصابوا من معصيته ، رحمةً، وعائدة عليهم ، لما فيهم من الإِيمان.

ثم أنبهم بالفرار عن نبيهم صلى اللّه عليه وسلم، وهم يُدْعَون لا يعطفون عليه لدعائه إياهم ،

فقال : { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ } : أي كربا بعد كرب ، بقتل من قتل من إخوانكم ، وعلو عدوكم عليكم ، وبما وقع في أنفسكم من قول من :

قال : قُتل نبيكم ، فكان ذلك مما تتابع عليكم غما بغم : لكيلا تحزنوا ، على ما فاتكم من ظهوركم على عدوكم ، بعد أن رأيتموه بأعينكم ولا ما أصابكم من قتل إخوانكم ، حتى فرجت ذلك الكرب عنكم - { وَاللّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }. وكان الذي فرَّج اللّه به عنهم ما كانوا : فيه من الكربِ والغمِّ الذي أصابهم ، أن اللّه عز وجل رد عنهم كذبة الشيطان بقتل نبيهم صلى اللّه عليه وسلم فلما رأوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حيّاً بين أظهرهم هان عليهم ما فاتهم من القوم بعد الظهور عليهم ، والمصيبة التي أصابتهم في إخوانهم ، حين صرف اللّه القتل عن نبيهم صلى اللّه عليه وسلم { ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّه غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ للّه يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّه مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [آل عمران: ١٥٤]

فأنزل اللّه النعاس أمنة منه على أهل اليقين به ، فهم نيام لا يخافون ، وأهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم ، يظنون باللّه غير الحق ظن الجاهلية، تخوف القتل ، وذلك أنهم لا يرجون عاقبة، فذكر اللّه عز وجل تلاومهم وحسرتَهم على ما أصابهم ،

ثم قال اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ } لم تحضروا هذا الموطن الذي أظهر اللّه فيه منكم ما أظهر من سرائركم { لَبَرَزَ } لأخرج { الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } إلى موطن غيره يُصْرَعون فيه ، حتى يبتلىَ به ما في صدورهم { وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [آل عمران: ١٥٤] أي : لا يخفى عليه ما في صدورهم مما استخفوا به منكم.

ثم قال : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّه ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّه يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [آل عمران : ١٥٦] أي لا تكونوا كالمنافقين الذي ينهون إخوانهم عن الجهاد في سبيل اللّه ، والضرب في الأرض في طاعة اللّه عز وجل ، وطاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ويقولون إذا ماتوا أو قُتلوا، لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا { لِيَجْعَلَ اللّه ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ { لقلة اليقين بربهم ، { وَاللّه يُحْيِ وَيُمِيتُ } ، أي يعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء من ذلك من آجالهم بقدرته. قال تعالى: { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّه أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللّه وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } [آل عمران: ١٥٧] ، أي إن الموت لكائن لا بد منه ، فموت في سبيل اللّه ، أو قتل ، خير لو علموا وأيقنوا مما يجمعون من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد، تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهرة الدنيا زهادة في الآخرة { وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } [آل عمران: ١٥٨] أيّ ذلك كان { لَإِلَى اللّه تُحْشَرُونَ } ، أي أن إلى اللّه المرجع ، فلا تغرنكم الدنيا، ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم اللّه فيه من ثوابه اثر عندكم منها.

ثم قال تبارك وتعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللّه لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } ، أي لتركوك { فَاعْفُ عَنْهُمْ } ، أي فتجاوز عنهم { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } [آل عمران: ١٥٩] فذكر لنبيه صلى اللّه عليه وسلم لينه لهم ، وصبره عليهم ، لضعفهم ، وقلة صبرهم على الغلظة لو كانت منه عليهم في كل ما خالفوا عنه مما افترض عليهم من طاعة نبيهم صلى اللّه عليه وسلم

ثم قال تبارك وتعالى : { فَاعْفُ عَنْهُمْ } ، أي تجاوز عنهم { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ذنوبهم ، من قارف من أهل الإيمان منهم { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } ، أي لتُرِيهم أنك تسمع منهم ، وتستعين بهم ، وإن كنت غنيا عنهم ، تألفاً لهم بذلك على دينهم { فَإِذَا عَزَمْتَ } ، أي على أمر جاءك منى وأمر من دينك في جهاد عدوك لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك ، فامض على ما امرت به ، على خلافِ من خالفك ، وموافقةِ من وافقَك ، { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه } ، أي ارض به من العباد، { إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللّه فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ } : أي لئلا. تترك أمري للناس ، وارفض أمر الناس إلى أمري ، { وَعَلَى اللّه { لا على الناس ، { فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ } [آل عمران: ١٦٠].

ثم قال : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } [آل عمران: ١٦١] : أي ما كان لنبى أن يكتم الناس ما بعثه اللّه به إليهم ، عن رهبة من الناس ولا رغبة، ومن يفعل ذلك يأت يوم القيامة به ، ثم يُجزى بكسبه ؛ غير مظلوم ولا مُعْتَدٍ عليه { أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّه }  على ما أحب الناس أو سخطوا { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللّه } لرضا الناس أو لسخطهم. يقول : أفمن كان على طاعتى فثوابه الجنة ورضوان من اللّه كمن باء بسخط من اللّه واستوجب سخطه { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [آل عمران: ١٦٢] أسَوَاء المثلان ! فاعرفوا. { هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللّه وَاللّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } [آل عمران: ١٦٣] لكل درجات مما عملوا في الجنة والنار: أي إن اللّه لا يخفى عليه أهل طاعته من أهل معصيته.

ثم قال :  { لَقَدْ مَنَّ اللّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [آل عمران: ١٦٤]: أي لقد مَنَّ اللّه عليكم يا أهل الإِيمان ، إذ بعث فيكم رسولا من أنفسكم يتلو عليكم آياته فيما أحدثتم ، وفيما عملتم فيعلمكم الخير والشر، لتعرفوا الخيرَ فتعملوا به والشر فتتقوه ؛ ويخبركم برضاه عنكم إذا أطعتموه فتستكثروا من طاعته ، وتجتنبوا ما سخط منكم من معصيته ، ولتتخلصوا بذلك من نقمته ، وتدركوا بذلك ثوابَه من جنته { وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } : أي لفي عَمياء من الجاهلية، أي لا تعرفون حسنة ولا تستغفرون من سيئة صُمّ عن الخير، بُكْم عن الحق ، عُمْىٌ عن الهدَى.

ثم ذكر المصيبة التي أصابتهم ،

فقال : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [آل عمران: ١٦٥]: أي إن تك أصابتكم مصيبة في إخوانكم بذنوبكم فقد أصبتم مثليها قبلُ من عدوكم ، في اليوم الذي كان قبلَه ببدر، قتلاً وأسراً ونسيتم معصيتكم وخلافكم عما أمركم به نبيكم صلى اللّه عليه وسلم ، أنتم أحللتم ذلك بأنفسكم { إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } : أي إن اللّه على ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّه وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: ١٦٦] أي ما أصابكم حين التقيتم أنتم وعدوكم فبإذنى، كان ذلك حين فعلتم ما فعلتم بعد أن جاءكم نصري ، وصدقتكم وعدي ، ليميز بين المؤمنين والمنافقين { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا { منكم : أي ليظهر ما فيهم. { وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّه أَوْ ادْفَعُوا } يعنى عبد اللّه بن أبي وأصحابه الذين رجعوا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين سار إلى عدوه من المشركين بأحد،. وقولهم : لو نعلم أنكم تقاتلون لسرنا معكم ، ولدفعنا عنكم ؛ ولكنا لا نظن أنه يكون قتال. فأظهر منهم ما كانوا يخفون في أنفسهم.

يقول اللّه عز وجل : { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } ، أي يظهرون لك الإِيمان وليس في قلوبهم { وَاللّه أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } [آل عمران : ١٦٧]: أي ما يُخفون { الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ } الذين أصيبوا معكم من عشائرهم وقومهم : { لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [آل عمران: ١٦٨]: أي أنه لا بد من الموت ، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل اللّه ، حرصا على البقاء في الدنيا. وفراراً من الموت.

ثم قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، يرغِّب المؤمنين في الجهاد، ويهوِّن عليهم القتل : {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [آل عمران: ١٧٠] أي لا تظنن الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتاً: أي قد أحييتهم ، فهم عندي يُرزقون في رَوْح الجنة وفضلها، مسرورين بما آتاهم اللّه من فضله على جهادهم عنه ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : أي ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم ، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب اللّه الذي أعطاهم ، قد أذهب اللّه عنهم الخوف والحزَن. يقول اللّه تعالى : { يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللّه وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّه لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: ١٧١] لما عاينوا من وفاء الموعود وعظيم الثواب.

فضل الشهادة

قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن ابن عباس

قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللّه أرواحَهم في أجواف طير خُضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب ، في ظلِّ العرش ، فلما وجدوا طِيبَ مشربهم ومأكلهم ، وحُسنَ مَقيلهم ،

قالوا: يا ليت إخوانَنا يعلمون ما صنع اللّه بنا، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب ، فقال اللّه تعالى : فأنا أبلغهم عنكم ،

فأنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم هؤلاء الايات : ولا تحسبَنَّ.. ".

قال ابن إسحاق : وحدثني الحارثُ بن الفُضَيْل ، عن محمود بن لَبيد الأنصاري عن ابن عباس أنه

قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " الشهداء على بارقٍ نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزتهم من الجنة بُكرةً وعشيّاً".

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن عبد اللّه بن مسعود أنه سُئل عن هؤلاء الآيات : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } [آل عمران: ١٦٩]

فقال : أما إنا قد سألنا عنها فقيل لنا إنه لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللّه أرواحَهم في أجواف طير خُضر، ترد في أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظلِّ العرش ، فيطَّلع اللّه عز وجل عليهم اطِّلاعة فيقول : يا عبادي ، ما تشتهون فأزيدكم ؟

قال : فيقولون : ربَّنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا!

قال : ثم يطَّلع اللّه عليهم اطِّلاعة، فيقول : يا عبادى، ما تشتهون ، فأزيدكم ؟ فيقولون : ربنا لا فوق ما أعطيتنا، الجنة نأكل منها حيث شئنا!

قال : ثم يطلع عليهم اطِّلاعة، فيقول : يا عبادي ، ما تشتهون فأزيدكم ؟ فيقولون : ربنا لا فوق ما أعطيتنا الجنة نأكل منها حيث شئنا! إلا أنا نحبُّ أن تَردَّ أرواحَنا في إجسادِنا، ثم نُرَد إلى الدنيا، فنقاتل فيك ، حتى نُقتلَ مرةً أخرى.

قال ابن إسحاق : وحدثني بعضُ أصحابنا، عن عبداللّه بن محمد بن عقيل ،

قال : سمعت جابر بن عبد اللّه يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " ألا أبشرك يا جابر؟ قال قلت : بلى يا نبي اللّه،

قال : إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه اللّه عز وجل ،

ثم قال له : ما تحب يا عبد اللّه ابن عَمرو أن أفعل بك ؟

قال : أي ربِّ ، أحب أن تردنى إلى الدنيا فأقاتل فيك ، فأقتل مرة أخرى ".

قال ابن إسحاق : وحدثني عمرو بن عبيد، عن.الحسن ،

قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: " والذي نفسى بيده ، ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجعَ إليها ساعة من نهار؟ وأن له الدنيا وما فيها إلا الشهيد فإنه يحب أن يُردَّ إلى الدنيا، فيقاتل في سبيل اللّه ، فيقتل مرة أخر ى "

من خرجوا مع الرسول إلىحمراء الاسد

قال ابن اسحاق

ثم قال تعالى { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للّه وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ } أى الجراح وهم المؤمنون الذين ساروا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الغد من يوم أحد إلى حمراء الأسد على ما بهم من ألم الجراح : { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [آل عمران: ١٧٢، ١٧٣] والناس الذين قالوا لهم ما قالوا من عبد القيس الذين قال لهم ابو سفيان مال قال قالوا :ان ابا سفيان و من معه راجعون اليكم يقول اللّه عز و جل { فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللّه وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّه وَاللّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [آل عمران: ١٧٤] لما صرف اللّه عنهم من لقاء عدوهم { إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ } أى لأولئك الرهط وما القى الشيطان على أفواههم { يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ } أى يرهبكم بأوليائه ، { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }. وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } [آل عمران: ١٧٥، ١٧٦]: أي المنافقين { إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللّه شَيْئًا يُرِيدُ اللّه أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللّه شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ. مَا كَانَ اللّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ } أي المنافقين { وَمَا كَانَ اللّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ } : أي فيما يريد أن يبتليكم به. لتحذروا ما يدخل عليكم فيه { وَلَكِنَّ اللّه يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } أي يعلمه ذلك { فَآمِنُوا بِاللّه وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا } أي ترجعوا وتتوبوا { فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } [آل عمران : ١٧٦-١٧٩].