في سنة أربع

محاولتهم الغدر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:

قال ابن اسحاق : ثم خرج رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بني النَّضِير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قَتل عَمرو بن امية الضَّمْري ، للجوار الذي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عقد لهما، كما حدثني يزيد بن رومان ، وكان بين بني النضير وبين بني عامر عَقد وحلف. فلما أتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستعينهم في دية ذينك القتيلين ،

قالوا: نعم ، يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببتَ ، مما استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضُهم ببعض ،

فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت ، فيلقى عليه صخرة، فيريحنا منه فانتَدَب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب ، أحدُهم ،

فقال : أنا لذلك ، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نفر من اصحابه ، فيهم أبو بكر وعمر وعلي ، رضوان اللّه عليهم.

علمه صلى اللّه عليه وسلم بغدرهم واستعداده لحربهم : فاتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبرُ من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج راجعا إلى المدينة. فلما استلبث النبىَّ صلى اللّه عليه وسلم أصحابُه ، قاموا في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة، فسألوه عنه :

فقال : رايته داخلا المدينة. فاقبل اصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى انتهوا اليه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به ، وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتهيؤ لحربهم ، والسير إليهم.

قال ابن هشام : وإستعمل على المدينة ابن أم مكتوم.

قال ابن اسحاق : ثم سار بالناس حتى نزل بهم.

تاريخ غزو بين النضير

قال ابن هشام : وذلك في شهر ربيع الأول ، فحاصرهم ست ليال ، ونزل تحريم الخمر.

قال ابن اسحاق : فتحصنوا منه في الحصون ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقطع النخيل والتحريق فيها، فنادوه : أن يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه ، فما بال قطع النخيل وتحريقها الرهط الذي شجع بني النضير ثم طلبهم الصلح وهجرتهم :

وقد كان رهط من بني عَوْف بن الخزرج ، منهم عدو اللّه عبداللّه ابن أبي ابن سلول ، ووديعة ومالك بن أبي قوقل ، وسُوَيْد وداعِس ، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نُسلمَكم ، إن قُوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم ، فتربصوا ذلك من نصرهم ، فلم يفعلوا، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، وسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يجليهم ويكف عن دمائهم ، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاالحلْقة ، ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجافِ بابه ، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام.

من هاجر إلى خيبر: فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر: سلام بن أبي الحُقَيْق ، وكِنانة بن أبي الحُقَيق ، وحَيىّ بن أخطب فلما نزلوها دان بهم أهلها.

قال ابن اسحاق : فحدثني عبداللّه بن أبي بكر أنه حُدث : أنهم استقلوا بالنساء والأموال ، معهم الدفوف والمزامير، والقيان يَعْزفن خلفَهم ، وإن فيهم لأم عمرو صاحبة عُروة بن الوَرْد العَبْسى، التي ابتاعوا منه ، وكانت إحدى نساء بني غِفار، بزهاء وفخر ما رُئى مثله من حي من الناس في زمانهم.

الرسول يقسم أموال بني النضير: وخلَّوا الأموالَ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكانت لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصةً، يضعها حيثُ يشاء، فقسمها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار. إلاأن سهلَ ابن حُنَيف وأبا دُجانة سِمَاك بن خَرَشة ذكرا فقرا، فأعطاهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أسلم من بني النضير: ولم يسلم من بني النضير إلارجلان : يامينُ بنُ عُمَيْر، أبو كعب بن عمرو بن جِحاش ، وأبو سعد بن وهب ، - أسلما على أموالهما فاحرزاها.

قال ابن اسحاق : وقد حدثني بعض آل يامين : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ليامين : ألم تر ما لقيتُ من ابن عمك ، وما هَمَّ به من شأنى فجعل يامين بن عمير لرجلٍ جُعْلا على أن يقتل له عمرو بن جِحاش، فقتله فيما يزعمون.

ما نزل في بني النضير من القرآن : ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها، يذكر فيها ما أصابهم اللّه به من نقمته. وما سلط عليهم به رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وما عمل به فيهم ، فقال تعالى : {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللّه فَأَتَاهُمْ اللّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ }، وذلك لهدمهم بيوتَهم عن نُجُفِ أبوابهم إذ احتملوها {فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ. وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللّه عَلَيْهِمْ الْجَلَاءَ } [الحشر: ٢،٣] وكان لهم من اللّه نقمة، {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا }: أي بالسيف ، {وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ } [الحشر: ٣] مع ذلك {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا }. واللينة : ما خالف العجوة من النخل {فَبِإِذْنِ اللّه } : أي فبامر اللّه قُطعت ، لم يكن فسادا، ولكن كان نقمة من اللّه { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر: ٥].

قال ابن هشام : اللينة : من الألوان ، وهى ما لم تكن بَرْنية، ولا عجوة من النخل ، فيما حدثنا أبو عُبيدة : قال ذو الرُّمَّة :

كان قُتُودي فوقها عُشُّ طائـر  على لينةٍ سَوْقاءَ تهفو جُنُوبُها

وهذا البيت في قصيدة له.

{وَمَا أَفَاءَ اللّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} -

قال ابن إسحاق : يعني من بني النضير {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللّه يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر: ٦] : أي له خاصة.

قال ابن هشام : أوجفتم : حركتم وأتعبتم في. السير. قال تميم بن

أبي بن مُقْبِل أحد بني عامر بن صعصعة:

مذاويدُ بالبيض الحديثِ صِقالها عن الركبِ أحيانا إذا الركبُ أوجفوا

وهذا البيت في قصيدة له ، وهو الوجيف. وقال أبو زبيد الطائى،

واسمه حرملة بن المنذر:

مُسْنفات كانهن قَنا الهنــ   ـدِ لطولِ الوجيفِ جَدْبَ المَرُودِ

وهذا البيت في قصيدة له : ،

قال ابن هشام : السِّناف : البطان. والوجيف : وجيف القلب والكبد، وهو الضَّربان.

قال قيس بن الخَطيم الظَّفَري :

إنا وإن قَدَّموا التي علمــوا    أكبادُنا من ورائِهم تَجِفُ

وهذا البيت في قصيدة له.

{مَا أَفَاءَ اللّه عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَللّه وَلِلرَّسُولِ}

قال ابن اسحاق : ما يُوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب ، وفتح بالحرب عُنوة فللّه وللرسولَ {وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: ٧] يقول : هذا قَسْم آخر فيما أصيب بالحرب بين المسلمين ، على ما وضعه اللّه عليه.

ثم قال تعالى : {أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا} يعنى عبداللّه بن أبي واصحابه ، ومن كان على مثل أمرهم {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} [الحشر: ١١]: يعنى بني النضير، إلى قوله {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: ١٥] : يعنى بني قَيْنقاع.

ثم القصة.. إلى قوله : {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللّه رَبَّ الْعَالَمِينَ. فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: ١٦، ١٧].

ما قاله ابن لقيم العبسي من شعرفى بني النضير: وكان مما قيل في بني النضير من الشعر قول ابن لُقَيْم العَبسى،

ويقال : قاله قيس بن بحر بن طريف.

قال ابن هشام : قيس بن بحرالأشجعى -

فقال :

أهلى فداءٌ لإمرئٍ غيرِ هالكٍ    أحلَّ اليهودَ بالحَسيِّ المُزَنَّمِ
يَقيلون في جمرِ الغضاةِ وبُدِّلوا    أهَيْضِبُ غُودي بالوَدِىِّ المُكَمَّمِ
فان يكُ ظني صادقا بمحمـدٍ    تَرَوْا خيلَه بين الصَّلا وَيَرمْرَمِ
يَؤُمُّ بها عمرو بن بُهْثَةَ أنهـم    عدو وما حَي صديق كمجرمِ
عليهن أبطال مساعيرُ في الوَغَى   هزُّون أطرافَ الوشيجِ المقوَّمِ
وكلَّ رقيقِ الشفرتين مُهنَّـــد    تُووُرِثْنَ من أزمانِ عادٍ وجُرْهُمِ
فمن مُبلغ عني قريشا رسالـةً    فهل بعدَهم في المجدِمن مُتَكَرَّمِ
بأن أخاكم فأعلمُنَّ محمــدا    تليدُالنَّدَى بين الحَجُون وزمزمِ
فدينوا له بالحقِّ تَجْسُمْ أمورُكم    وتَسْموا من الدنيا إلى كلِّ مُعْظَمِ
نبي تلاقتْه من اللّه رحمـة    ولا تسألوه أمرَ غيبٍ مُرَجَّمِ
فقد كان في بدرٍ لَعَمْرِي عِبرة    لكم يا قريشا والقليبِ الملمَّمِ
غداةَ أتى في الخزرَجيةِ عامدا    إليكم مُطيعا للعظيمِ المُكرَّمِ
مُعَانا برُوح القدسِ يُنْكى عدوَّه    رسولامن الرحمنِ حقا بمَعْلَمِ
رسولا من الرحمنِ يتلو كتابَه    فلما أنارَ الحقُّ لم يتلَعْثم
أرى أمرَه يزدادُ في كلِّ موطنٍ    عُلوًّأ لأمر حَمَّهُ اللّه مُحْكَمِ

قال ابن هشام : عمرو بن بهثة، من غطفان. وقوله " بالحسي المزنم "، عن غير ابن اسحاق.

ما ينسب من الشعر لعلي في قصة بني النضير:

قال ابن اسحاق : وقال علي بن أبي طالب : يذكر اجلاءَ بني النضير، وقَتْلَ كعب بن الأشرف.

قال ابن هشام : قالها رجل من المسلمين غير علي بن أبي طالب ، فيما ذكر لي بعضُ أهل العلم بالشعر، ولم أر أحدا منهم يعرفها لعلى :

عَرفْتُ ومن يعتدلْ يَعْـــرفِ    وأيقنتُ حقا ولم أصْدِفِ
عن الكَلِمِ المُحْكَمِ الآيِ مــــن    لدى اللّه ذي الرأفةِ الأرْافِ
رسائلُ تُدرسُ في المؤمنيـــن    بهنَّ أصطَفَى أحمدَ المصطفَي
فأصبح أحمدُ فينا عزيــــزا    عزيزَ المقامةِ والموْقِفِ
فيأيها المُوعِدُوه سَفاهــــــا    ولم يأتِ جَوْرا ولم يَعْنُفِ
ألستم تخافون أدنى العــــذاب   وما آمِنُ اللّه كالأخْوَفِ
وأن تُصرعوا تحتَ أسيافِـــه    كمصرعِ كعبٍ أبي الأشرفِ
غداةَ رأى اللّه طغيانَــــــه    وأعرضَ كالجملَ الأجْنَفِ
فأنزل جبريلَ في قتلِــــــه    بوَحْيً إلى عبدِه مُلْطَفِ
فدسَّ الرسولُ رسولا لـــــه    بأبيضَ ذى هَبَّةٍ مُرْهَف
فباتت عيونٌ له مُعْــــوِلاتٌ    متى يُنْعَ كعب لها تَذْرِفِ
وقلن لأحمدَ ذَرْنا قليــــــلا    فانا من النَّوْحِ لم نَشْتَفِ
فخلاهُمُ

ثم قال أظعَنــوا    دُحورا على رغمِ الآنفِ

وأجلى النضيرَ إلى غربةٍ    وكانوا بدار ذوي زُخْرفِ
إلى أذْرعاتٍ رُدَافَى وهُمْ    على كلِّ ذي دَبَر أعْجَفِ

ما أجَابه به سماك اليهودي : فأجابه سماك اليهودي ، فقال

ان تفخَروا فهو فخرٌ لكــم    بمقتلِ كعبٍ أبي الأشرفِ
غداةَ غدوْتم على حتفِـــه    ولم يأتِ غدرا ولم يُخْلِفِ
فعل الليإلى وصَرَفَ الدهورِ    يُدين من العادلِ المُنْصِفِ
بقتْلِ النضيرِ وأحلافِهــا    وعَقْر النخيلِ ولمٍ تُقْطَفِ
فإن لا أمتْ نأتكم بالقَنَــا    وكلِّ حسامٍ معا مُرْهَفِ
بكفّ كَمِي به يحتمِـــى    متى يَلْقَ قِرْنا له يُتْلِفِ
مع القومِ صخر وأشياعُـه    إذا غاوَر القومَ لم يَضْعُفِ
كَليثٍ بِتَرْجٍ حَمَى غِيلَــه    أخِى غابةٍ هاصر أجْوَفِ

كعب بن مالك يقول شعراً في إجلاء بني النضير ومقتل كعب بن الأشرف :

قال ابن اسحاق : وقال كعب بن مالك يذكر اجلاء بني النضير وقتل كعب بن الأشرف :

لقد خَزِيَتْ بغَدْرتِها الحُبورُ    كذاكَ الدهر ذو صَرْفٍ يَدورُ
وذلك أنهم كفروا بــرب    عزيز أمرُه أمر كبيرُ
وقد أوتوا معا فَهما وعِلمـا    وجاءهمُ من اللّه النذيرُ
نذير صادق أدى كتابــا    وآيات مبينة تنير
فقالوا ما أتُيْتَ بأمْرِ صدقٍ    وأنت بمُنكَر منا جَديرُ
فقال بلَى لقد أديتُ حقـا    يُصدِّقني به الفَهِمُ الخبيرُ
فمن يَتْبعْه يُهْدَ لكلِّ رُشْـدٍ    ومن يكفرْ به يُجْز الكَفورُ|
فلما أشربوا غدرا وكفرا    وحادَ بهم عن الحق النُّفورُ
أرى اللّه النبىَّ برأيِ صدقٍ    وكان اللّه يحكم لا يجورُ
فأيده وسلَّطه عليهــــم    وكان نصيرُه نِعْمَ النصيرُ
فغُودِرَ منهمُ كعب صريعا    فذُلت بعدَ مصرعِه النضيرُ
على الكفين ثَمَّ وقد علتْـه    بأيدينا مُشَهَّرَةٌ ذُكورُ
بأمرِ محمدٍ إذ دسَّ ليــلا    إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسيرُ
فماكرهُ فأنزله بمكـــر    ومحمودٌ أخو ثقةٍ جَسُور
فتلك بنو النضيرِ بدارِ سوءٍ    أبارَهمُ بما اجترموا المُبيرُ
غداةَ أاتاهمُ في الزحفِ رَهْوا    رسولُ اللّه وهْوَ بهم بَصيرُ
وغسَّانَ الحُماةُ مُـوازرِوهُ    على الأعداءِ وهْوَ لهم وزيرُ
فقال السِّلم ويحكم فصدوا    وحالف أمرَهم كَذِبٌ وزورُ
فذاقوا غِبَّ أمرِهمُ وَبـالا    لكلِّ ثلاثةٍ منهم بعيرُ
وأجْلَوْا عامدين لقَيْنقــاعٍ    وغُودرَ منهمُ نخلٌ ودورُ

سماك اليهودي يرد على كعب بن مالك : فأجابه سماك اليهودي ،

فقال :

أرِقْتُ وضافنى هَم كبيــرُ    بليلٍ غيرُه ليل قصير
أرى الأحبارَ تُنكرُه جميعـا    وكلهمُ له عِلمٌ خبيرُ
وكانوا الدارسين لكلِّ علـمٍ    به التوراةُ تَنطقُ والزَّبورُ
قتلتم سيدَ الأحبارِ كعبــا   وقِدْما كان يأمنُ من يُجيرُ
تدلَّى نحوَ محمودٍ أخيــه    ومحمود سريرتُه الفُجورُ
فغادره كأن دما نجيعــا    يسيل على مَدارِعه عبيرُ
فقد وأبيكُمُ وأبي جميعــا    أصيبتْ إذ أصيبَ به النضيرُ
فإن نَسْلَمْ لكم نتركْ رجالا    بكعبٍ حولَهُم طيرٌ تدورُ
كأنهمُ عتائرُ يومِ عيـــدٍ    تُذَبَّحُ وَهْىَ ليس لها نكيرُ
ببيضٍ لا تُليقُ لهن عَظمـاً    صوافي الحدِّ أكثرُها ذكورُ
كما لاقيتمُ من بأسِ صَخْر    بأحْدٍ حيثُ ليس لكم نصيرُ

عباس بن مرداس يمدح رجال بني النضير: وقال عباس بن مرداس أخو بني سُليم يمتدح رجال بني النضير:

لو أن اهلَ الدارِ لم يتصدَّعوا    رأيت خِلال الدارِ مَلْهًى ومَلْعبَا
فإنك عَمْري هل أريك ظَعائنا    سلكْنَ على رُكْنِ الشَّطاةِ فَتْيأبَا
عليهن عينٌ مِن ظباء تَبالةٍ    أوانسُ يُصبينَ الحليمَ المجرَّبا
إذا جاء باغى الخيرقلن فُجـاءةً    له بوجوهٍ كالدنانيرِ مرحبَا
وأهلا فلا ممنوعَ خير طلبتَــه    ولا أنت تخشى عندَنا أن تؤنَّبَا
فلاتحسبنِّى كنتُ مولى بنِ مِشْكَمٍ   سَلامٍ ولامَوْلَى حُيَى بنِ أخْطبَا

خوات بن جبير يرد عليه : فأجابه خَوَّات بن جُبَيْر، أخو بني عَمرو بن عَوْف

فقال :

تُبَكِّى على قتلَى يهودٍ وقد ترى   من الشَّجْوِ لوتبكي أحبَّ وأقرَبَا
فهَلا على قتْلَى ببطنِ أرَينقٍ   بكَيْتَ ولم تُعْوِلْ من الشَّجْوِ مُسْهِبَا
إذا السِّلْمُ دارت في صديقٍ ردَّدتَها وفي الدِّينِ صَدَّادا وفىِ الحربِ ثَعلبَا
عمدْتَ إلى قَدْر لقومِك تبتغيٍ  لهم شَبَها كيمَا تعِزُّ و تَغْلِبَا
فانك لمَّا إن كَلِفْتَ تَمُدَّحا     لمن كان عَيْبا مدحُه وتَكَذُّبَا
رحَلْتَ بأمر كنتَ أهلا لمثلِهِ  ولم تُلْفِ فيهمْ قائلا لك مَرْحبَا
فهَلا إلى قومٍ ملوكٍ مدحتَهم  تبنَّوْا من العزِّ المؤثَّلِ مَنْصِبَا
إلى معشر صاروا مُلوكا وكُرِّمُوا  ولم يُلْفَ فيهم طالبُ العرفِ مُجْدِبَا
أولئك أحْرَى من يهودٍ بمِدْحَةٍ  تراهم وفيهم عِزَّةُ المجدِ تُرْتُبَا

عباس بن مرداس يرد على خوات بن جبير: فأجابه عباس ابن مرداس السلمي ،

فقال :

هجوْتَ صريحَ الكاهنيْن وفيكمُ   لهم نِعم كانت من الدهرتُرْتُبَا
أولئك أحْرَى لو بكيتَ عليهمُ   وقومُك لو أدَّوْا من الحقِّ مُوجبَا
من الشكرِ إن الشكرَ خير مَغَبَّة   وأوفقُ فعلا للذي كان أصوبَا
فكنتَ كمن أمسى يُقطِّع رأسَه   ليبلغَ عزًّا كان فيه مُرَكَّبَا
فبَكِّ بني هارونَ واذكرْ فعالَهم   وقتلَهمُ للجوعِ إذ كُنتَ مُجدِبَا
أخَوَّاتُ أذْرِ الدمعَ بالدمعِ وابكهمْ   وأعْرضْ عن المكروه منهم ونَكِّبَا
فإنك لو لاقيتَهمْ في ديارِهــم   لألفيْتَ عَمَّا قد تقول مُنَكِّبَا
سِراعٌ إلى العَلْيا كرام لدى الوَغَى  يُقال لباغِى الخيرِ أهلا ومرحَبَا

ما قاله أحد الصحابة في الرد على عباس بن مرداس : فأجابه كعب بن مالك ، أو عبداللّه بن رَواحة فيما

قال ابن هشام ،

فقال :

لعمري لقد حَكَّتْ رَحَى الحربِ بعدما  أطارتْ لُؤَيّا قبلُ شرقا ومغرِبَا
بقيةَ آل الكاهِنَيْن وعِزَّهــــــا   فعاد ذليلا بعدَ ما كان أغْلبا
فطاح سلام وابنُ سَعيةَ عَنْــــوةً   وقِيدَ ذليلا للمنايا ابنُ أخْطبَا
وأجْلَبَ يبغى العزَّ، والذلَّ يبتغــي   خلافَ يديْه ما جنىَ حين أجْلَبا
كتاركِ سهلِ الأرضِ،والحَزْن همُّهُ وقد كان ذا في الناسِ أكْدَىوأصْعَبَا
وشَأسٌ وعَزَّالٌ وقد صَليا بهــا   وما غُيبا عن ذاك فيمن تَغَيَبّا
وعَوْفُ بن سَلْمَى وابنُ عَوْفٍ كلاهُما   وكعب رئيسُ القومِ حانَ وخُيِّبا
فبُعدا وسُحقا للنضيرِ ومثلهـــا   إنْ أعْقبَ فتحٌ أو إنِ اللّه أعْقَبا

قال ابن هشام : قال أبو عمرو المدني : ثم غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد بني النضير بني المصطلق. وسأذكر حديثهم إن شاء اللّه في الموضع الذي ذكره ابن إسحاق فيه.