في سنة أربع

الإستعداد للغزوة

قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة بعدَ غزوة بني النَّضِير شهرَ ربيع الآخر وبعضَ جمَادَى، ثم غزا نجدا يريد بني محارِب وبنى ثعلبة من غَطفَان ، واستعمل على المدينة أبا ذَرٍّ الغِفاريَّ ؛

ويقال : عُثمان بن عفان ، فيما

قال ابن هشام.

قال ابن اسحاق : حتى نزل نَخلا ، وهى غزوةُ ذات الرِّقاع.

لماذا سميت بهذا الإسم :

قال ابن هشام : وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع ، لأنهم رقَّعوا فيها راياتِهم ،

ويقال : ذات الرقاع : شجرة بذلك الموضع ، يقال لها: ذات الرقاع.

من أسباب صلاة الخوف

قال ابن اسحاق : فلقى بها جمعا عظيما من غَطفَان ، فتقارب الناس ، ولم يكن بينهم حرب ، وقد خاف الناسُ بعضَهم بعضا ، حتى صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم انصرف بالناس.

كيفية صلاة الخوف

قال ابن هشام : حدثنا عبدُ الوارث بن سعيد التنوري - وكان يُكْنَى: أبا عُبَيدة -

قال : حدثنا يونسُ بنُ عُبَيْد: عن الحسن بن أبي الحسن ، عن جابر بن عبداللّه في صلاة الخوف ،

قال : صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بطائفة ركعتين ثم سلَّم ، وطائفة مقبلون على العدوِّ

قال : فجاءوا فصلى بهم ركعتين أخريين ، ثم سلَّم.

قال ابن هشام : وحدثنا عبدُ الوارث ،

قال : حدثنا أيوب ، عن أبي الزبير، عن جابر،

قال : صَفَّنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صفين ، فركع بنا جميعا، ثم سجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسجد الصفُّ الأول ، فلما رفعوا سجد الذين يلونهم بأنفسهم ، ثم تأخر الصف الأول ، وتقدم الصف الآخر حتى قاموا مقامَهم ثم ركع النبى صلى اللّه عليه وسلم بهم جميعا، ثم سجد النبى صلى اللّه عليه وسلم وسجد الذين يلونه معه ، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون بأنفسهم. فركع النبي صلى اللّه عليه وسلم بهم جميعا، وسجد كل واحد منهما بأنفسهم سجدتين.

قال ابن هشام : حدثنا عبد الوارث بن سعيد التثُوري ، قال حدثنا أيوب عن نافع ، عن ابن عمر،

قال : يقوم الإمامُ وتقوم معه طائفة، وطائفة مما يلى عدوهم ، فيركع بهم الإمامُ ويسجد بهم ، ثم يتأخرون فيكونون مما يلي العدو، ويتقدم الآخرون فيركع بهم الإمامُ ركعةً، ويسجد بهم ، ثم تصلى كل طائفة بأنفسهم ركعة، فكانت لهم مع الإمام ركعة ركعة، وصلوا بأنفسهم ركعة ركعة.

غورث يهم بقتل الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما نزل فيه من قرآن

قال ابن اسحاق : وحدثني عَمرو بنِ عُبَيد، عن الحسن ، عن جابر بن عبداللّه : أن رجلا من بني مُحارب ، يقال له : غوْرَث ، قال لقومه من غَطَفان ومُحَارب : ألا اقتل لكم محمدا؟

قالوا: بلى،وكيف تقتلُه ؟

قال : أفتك به.

قال : فأقبل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو جالس وسيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في حِجْره ،

فقال : يا محمد، انظرُإلى سيفك هذا؟

قال : نعم وكان محلُّى بفضةٍ ، فيما

قال ابن هشام

قال : فأخذه فاستلَّه ، ثم جعل يهزه ، ويَهُم فيكبته اللّه ؛

ثم قال : يا محمد، أما تخافنى؟

قال : لا، وما أخاف منك ؟

قال : أما تخافني وفي يدي السيف ؟

قال : لا، يمنعنى اللّه منك ، ثم عمد إلى سيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرده عليه.

قال : فأنزل اللّه : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللّه وَعَلَى اللّه فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: ١١].

قال ابن اسحاق : وحدثني يزيدُ بن رُومأن ، أنها أنما أنزلت في عَمْرو بن جِحاش ، أخى بني النضير وما هَمَّ به ، فاللّه أعلم أي ذلك كان.

قصة جابر وجمله في هذه الغزوة

قال ابن اسحاق : وحدثني وهب بن كَيْسان ، عن جابر بن عبداللّه ،

قال : خرجتُ مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل ، على جمل لي ضعيف ، فلما قفل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

قال : جعلتِ الرفاقُ تمضى، وجعلتُ أتخلف ، حتى أدركنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

فقال : ما لك يا جابر؟ قال. قلت : يا رسول اللّه ، أبطأ بي جملى هذا، قال أنخْه.

قال : فأنخته ؛ وأناخ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

ثم قال : أعطني هذه العصا من يدك ، أو أقطع لي عصا من شجرة،

قال : ففعلت.

قال : فأخذها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنخسه بها نخساتٍ ،

ثم قال : اركبْ ، فركبتُ ، فخرج - والذي بعثه بالحق - يُوَاهق ناقته مُوَاهقةً.

قال : وتحدثت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال لي : اتبيعُني جملَك هذا يا جابر؟

قال : قلت : يا رسول اللّه ، بل أهبَه لك ،

قال : لا، ولكن بِعْنيه ،

قال : قلت : فَسُمْنيه يا رسول اللّه ،

قال : قد أخذته بدرهم ؛

قال : قلت لا، إذن ، تَغْبِننى يا رسول اللّه!

قال : فبدرهمين ؛

قال : قلت : لا. قال فلم يزل يرفع لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية.

قال : فقلت : أفقد رضيت يا رسول اللّه ؟

قال : نعم ؛ قلت : فهو لك ؟

قال : قد أخذته.

قال : ثم قال يا جابر، هل تزوجتَ بعدُ؟

قال : قلت : نعم يا رسول اللّه ،

قال : أثيِّبا أم بكرا؟

قال : قلتَ : لا، بل ثيبا؛

قَال : أفلا جاريِة تلاعبُها وتلاعبك !

قال : قلت : يا رسول اللّه ، أن أبي أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا، فنكحت امرأةً جامعة، تجمع رءوسهنّ ، وتقوم عليهن ؛

قال : أصبت إن شاء اللّه ، أما أنا لوقد جئنا صِرَارا أمرنا بجَزور فنُحرت ، وأقمنا عليها يومنا ذاك ، وسمعت بنا، فَنفَضتْ نمارقَها.

قال : قلت : واللّه يا رسول اللّه ما لنا من نمارق ؛ قال إنها ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كَيِّسا.

قال : فلما جئنا صرارا أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجزور فنُحرت ، وأقمنا عليها ذلك اليوم ، فلما أمسى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل ودخلنا

قال : فحدثتُ المرأةَ الحديثَ ، وما قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛

قالت : فدونَك ، فسمعٌ وطاعة.

قال : فلما أصبحتُ أخذتُ برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنختُه على باب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛

قال : ثم جلست في المسجد قريبا منه ؛

قال : وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فرأى الجمل ؛

فقال : ما هذا؛

قالوا: يا رسول اللّه هذا جمل جاء به جابر؛

قال : فأين جابر؟

قال : فدُعيت له ؟

قال : فقال يا بن أخي خذ برأسِ جملك ، فهو لك ، ودعا بلالا،

فقال له : اذهب بجابر، فأعطه أوقيةً.

قال : فذهبت معه فأعطانى أوقية، وزادني شيئا يسيرا.

قال : فواللّه ما زال يَنْمِى عندي ، ويُرَى مكانه من بيتنا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعنى يوم الحَرَّة.

ما أصيب به صاحبا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الحراسة

قال ابن اسحاق : وحدثني عمى: صَدقة بن يَسار، عن عَقيل بن جابر، عن جابر بن عبداللّه الأنصاري ،

قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع من نخل ، فأصاب رجل امرأةَ رجل من المشركين فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قافلا، أتى زوجُها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهى حتى يُهَرِيق في أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم دما فخرج يتبع أثَرَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منزلا،

فقال : من رجل يكلؤنا ليلتَنا هذه ؟

قال : فانتدب رجل من المهاجرين ، ورجل آخر من الأنصار، فقالا: نحن يا رسول اللّه ،

قال : فكونا بفم الشِّعْب.

قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه قد نزلوا إلى شِعْبٍ من الوادي ، وهما عمار بن ياسر وعَباد بن بشر فيما

قال ابن هشام

قال ابن اسحاق : فلما خرج الرجلان إلى فم الشِّعْب ، قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل تحب أن أكفيكَه : أولَه أم آخرَه ؟

قال : بل اكفني أوله ،

قال : فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاريُّ يصلى،

قال : وأتى الرجلُ ، فلما رأى شخصَ الرجلِ عَرَف أنه ربيئةُ القوم.

قال : فرمى بسهم ، فوضعه فيه ،

قال : فنزعه ووضعه ، فثبت قائما،

قال : ثم رماه بسهم آخر فوضعه فيه ،

قال : فنزعه فوضعه ، وثبت قائما، ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه ،

قال : فنزعه فوضعه ، ثم ركع وسجد، ثم أهَبَّ صاحبَه

فقال : اجلسْ فقد اثْبَتُّ ،

قال : فوثب فلما رآهما الرجل عرف أن قد نَذِرَا به ، فهرب.

قال : ولما رأى المهاجريُّ ما بالأنصاريِّ من الدماء

قال : سبحانَ اللّه ! أفلا أهْببتني أولَ ما رماك ؟

قال : كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعَها حتى أنْفِدَها، فلما تابع عليَّ الرمى ركعت فآذنتك ، وايم اللّه ، لولا أن أضيِّع ثَغرا أمرنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحفظه لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفِدَها.

قال ابن هشام :

ويقال : أنفذها.

قال ابن اسحاق : ولما قَدِم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة من غزوة الرقاع ، أقام بها بقيةَ جُمادَى الأولى وجمادَى الاخرة ورجبا.