قال ابن اسحاق : حدثنا الزهري ، عن علقمة بن وَقاص ، وعن سعيد ابن جُبَيْر، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيداللّه بن عُتبة،

قال : كل قد حدثني بعضَ هذا الحديث ، وبعضُ القوم كان أوعى له من بعض ، وقد جمعت لك الذي حدثني القومُ.

مَنْ كان يسافر معه من نسائه : قال محمد بن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه ، عن عائشة وعبد اللّه ابن أبي بكر، عن عَمْرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة، عن نفسها، حين قال فيها أهل الإفك ما قالوا، فكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعاً يحدثُ بعضُهم ما لم يحدِّث صاحبُه ، وكل كان عنها ثقة، فكلُّهم حدث عنها ما سمع

قالت : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائِه ، كما كان يصنعُ ، فخرج سهمي عليهنَّ معه ، فخرج بي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

سقوط عقد عائشة وتخلفها للبحث عنه

قالت : وكان النساء إذ ذاك إنما يأكلن العُلَق لم يهجهن اللحم فيثقلن ، وكنت إذا رُحِّل لي بعيري جلست في هودجى، ثم يأتي القومُ الذين يُرَحِّلون لي ويحملونني ، فيأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه ، فيضعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله ، ثم يأخذون برأس البعير، فينطلقون به.

قالت : فلما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سفره ذلك ، وجَّه قافلا، حتى إذا كان قريبا من المدينة فنزل منزلا، فبات به بعض الليل ، ثم أذَّن في الناس بالرحيل ، فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجتي ، وفى عنقى عقد لي ، فيه جَزْع ظَفَار ، فلما فرغتُ انسلَّ من عنقي ولا أدري ، فلما رَجَعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقى، فلم أجده ، وقد أخذ الناس في الرحيل ، فرجعت إلى مكانى الذي ذهبت إليه ، فالتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافى، الذين كان يرحِّلون لى البعير، وقد فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودَجَ ، وهم يظنون أنى فيه ، ثم أخذوا برأس البعير، فانطلقوا به ، فرجعت إلى العسكر وما فيه من دَاعٍ ولا مجيب ، قد انطلق الناس.

صفوان بن المعطل يعثر على عائشة

قالت : فتلففت بجلبابى، ثم اضطجعت في مكاني. وعرفت أن لو قد افُتقدت لرُجع إلىَّ،

قالت : فواللّه إنى لمضطجعة إذ مر بى صفوان بن المُعَطَّل السُّلَمي ، وقد كان تخلف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادي ، فأقبل حتى وقف علىَّ، وقد كان يرانى قبل أن يُضْرَب علينا الحجابُ ، فلما رآنى

قال : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، ظعينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا متلففة في ثيابى،

قال : ما خلَّفك يرحمك اللّه ؟

قالت : فما كلَّمته ، ثم قرَّبَ البعيرَ،

فقال : اركبى، واستأخر عنى.

قالت : فركبت ، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعا، يطلب الناس ، فواللّه ما أدركنا الناس ، وما افتُقِدت حتى أصبحتُ ، ونزل الناس ، فلما أطمأنوا طلع الرجل يقود بي ، فقال أهلُ الإِفك ما قالوا، فارتعج العسكر، وواللّه ما أعلم بشيء من ذلك.

مرضها وإعراضه عليه السلام عنها: ثم قدمنا المدينة، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدةً، ولا يبلغني من ذلك شيء ، وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإلى أبوَيَّ لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا، إلا أني قد أنكرت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض لطفه بى، كنت إذا اشتكيت رحمنى، ولَطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ؛ فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل عليَّ وعندى أمي تمرضنى.

قال ابن هشام : وهى أم رومان ، واسمها زَيْنب بنت عبد دُهمان ، أحد بني فراس بن غَنم بن مالك بن كنانة -

قال : كيف تيكم ، لا يزيد على ذلك.

انتقالها إلى بيت أبيها لتمريضها

قال ابن إسحاق :

قالت : حتى وجَدْتُ في نفسي ،

فقلت : يا رسول اللّه ، حين رأيتُ ما رأيتُ من جفائه لى : لو أذنت لى، فانتقلت إلى أمي ، فمرَّضتنى؟

قال : لا عليكِ.

قالت : فانتقلت إلى أمي ، ولا علم لي بشيء مما كان ، حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة، وكنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكُنُف التي تتخذها الأعاجم ، نَعافُها ونكرهها، إنما كنا نذهب في فُسَحِ المدينة، إنما كانت النساء يخرجن كل ليلة في حوائجهن. فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعى أم مِسْطَح بنت أبي رُهْم بن المطلب بن عبد مناف ، وكانت أمها بنت صخر بن عامر بن كعب ابن تَيْم ، خالة أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه.

علمها بما قيل فيها

قالت : فواللّه إنها لتمشى معي إذ عثرت في مِرْطِها ؛ فقالت : تَعِسَ مِسْطَح ومسطح لقب واسمه عَوْف ،

قالت : قلت : بئس لعَمْر اللّه ما قلتِ لرجلٍ من المهاجرين قد شهد بدراً،

قالت : أو ما بلغك الخبر يا بنتَ أبي بكر؟

قالت : قلت : وما الخبر؟ فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ،

قالت : قلت : أوقد كان هذا؟

قالت : نعم واللّه فقد كان.

قالت : فواللّه ما قدرت على أن أقضي حاجتى، ورجعتَ ، فواللّه ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سَيَصْدَعُ كبدى،

قالت : وقلت لأمى: يغفر اللّه لك ، تحدث الناسُ بما تحدثوا به ، ولا تذكرين لى من ذلك شيئا

قالت : أي بُنَية، خفِّض عليك الشأنَ ، فواللّه لقَلَّما كانت امرأةٌ حسناء، عند رجل يحبها، لها ضرائر، إلا كثَّرْنَ وكَثَّر الناس عليها.

خطبته صلى اللّه عليه وسلم في هذا الشأن :

قالت : وقد قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الناس يخطبهم ولا أعلم بذلك ، فحمد اللّه وأثنى عليه ،

ثم قال : أيها الناس ، ما بال رجال يُؤذونني في أهلى، ويقولون عليهم غيرَ الحقِّ ، واللّه ما علمتُ منهم إلا خيراً، ويقولون ذلك لرجل واللّه ما علمتُ منه إلا خيراً، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معى.

من أشاع حديث الإِفك :

قالت : وكان كُبْر ذلك عند عبد اللّه ابن أبى ابن سَلول في رجال من الخزرج مع الذي قال مِسْطح ، وحَمْنة بنت جَحْش ، وذلك أن أختها زينب بنت جحش كانت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولم تكن من نسائه امرأة تُناصيني في المنزلة عنده غيرها، فأما زينب فعصمها اللّه تعالى بدينها فلم تقل إلا خيراً

وأما حَمْنة بنت جحش، فأشاعت من ذلك ما أشاعت ، تُضادُّنى لأختها، فشَقِيَتْ بذلك.

ما اقترحه المسلمون بعد خطبته صلى اللّه عليه وسلم : فلما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تلك المقالة، قال أسَيد بن حُضَيْر: يا رسول اللّه ، إن يكونوا من الأوس نَكفِكهم ، وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمُرنا بأمرك ، فواللّه إنهم لأهل أن تُضرب أعناقهم ؛

قالت : فقام سَعْد بن عُبادة، وكان قبل ذلك يُرَى رجلاً صالحاً فقال. كذبت لعَمْر اللّه ، لا نضرب أعناقَهم ، أما واللّه ما قلتَ هذه المقالة إلا أنك قد عَرفت أنهم من الخزرج ولو كانوا من قومك ما قلت هذا، فقال أسَيد: كذبت لعَمر اللّه ، ولكنك منافق تجادل من المنافقين ،

قالت : وتساور الناس ، حتى كاد يكون بين هذين الحيين من الأوس والخزرج شَرا ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فدخل علىَّ.

الرسول يستشير عليا وأسامة :

قالت : فدعا علىَّ بنَ أبى طالب رضوان اللّه عليه ، وأسامةَ بن زيد، فاستشارهما، فأما أسامة فأثنى عليَّ خيراً، وقاله ؛

ثم قال : يا رسول اللّه، أهلك ولا نعلم منهم إلا خيرا، وهذا الكذبُ والباطلُ.

وأما على فإنه

قال : يا رسول اللّه إن النساءَ لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف وسَلْ الجاريةَ، فإنها ستصدقك. فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بريرة ليسألها ؛

قالت : فقام إليها علي بن أبي طالب ، فضربها ضرباً شديداً، ويقول : اصدقي رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟

قالت : فتقول واللّه ما أعلم إلا خيراً، وما كنت أعيب على عائشة شيئاً، إلا أني كنت أعجن عجينى، فآمرها أن تحفظه ، فتنام عنه ، فتأتي الشاةُ فتأكله.

حزن عائشة ونزول القرآن ببراءتها

قالت : ثم دخل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعندي أبوايَ ، وعندي امرأة من الأنصار، وأنا أبكي ، وهي تبكى معي ، فجلس ، فحَمِد اللّه ، وأثنى عليه ،

ثم قال : يا عائشةُ، إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتقي اللّه ، وإن كنت قد قارفت سوءاً مما يقول الناس فتوبي إلى اللّه ، فإن اللّه يقبل التوبةَ عن عباده ؛ فواللّه ما هو إلا أن قال لي ذلك ، فقلص دمعى حتى ما أحسُّ منه شيئاً، وانتظرت أبويَّ أن يُجيبا عني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يتكلما

قالت : وايم اللّه لأنا كنت أحقر في نفسي ، وأصغر شأنا من أن يُنزل اللّه في قرأناً يُقرأ به في المساجد، ويُصَلَّى به ، ولكني قد كنت أرجو أن يرى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم في نومه شيئاً يكذِّب به اللّه عني : لما يعلم من براءتى، أو يُخبَر خبراً، فأما قرأن ينزل في، فواللّه لنفسي كانت أحقرَ عندي من ذلك.

قالت : فلما لم أر أبويَّ يتكلمان ،

قالت : قلت لهما: ألا تجيبان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؟

قالت : فقالا: واللّه ما ندرى بماذا نجيبه ،

قالت : واللّه ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على أل أبي بكر في تلك الأيام ؛

قالت : فلما أن استعجما علي ، استعبرت فبكيت ؛ ثم قلت : واللّه لا أتوب إلى اللّه مما ذكرتَ أبدا واللّه إني لأعلم لئن أقررتُ بما يقول الناس ، واللّه يعلم أني منه بريئة، لأقولنَّ ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقونني.

قالت : ثم التمست اسمَ يعقوب فما أذكره ؛

فقلت : ولكن سأقول كما قال أبو يوسف. { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّه الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: ١٨]

قالت : فواللّه ما بَرح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مجلسَه حتى تغشَّاه من اللّه ما كان يتغشاه ؛ فسُجِّي بثوبه ووُضعت له وسادة من أدم تحت رأسه ؛ فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ؛ فواللّه ما فزعت ولا باليت ، قد عرفت أني بريئة، وأن اللّه عز وجل غير ظالمي ،

وأما أبواي، فوالذى نفس عائشة بيده ، ما سُرِّىَ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى ظننتُ لتخرجنَّ أنفسُهما، فَرَقاً من أن يأتىَ من اللّه تحقيق ما قال الناس.

قالت : ثم سُرِّيَ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ فجلس، وإنه ليتحدر منه مثلُ الجُمَان في يوم شات ، فجعل يمسح العرقَ عن جبينه ، ويقول : أبشري يا عائشة؟ فقد أنزل اللّه براءتَك ، قالت قلت : بحمد اللّه.

ثم خرج إلى الناس ، فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل اللّه عليه من القرآن في ذلك ، ثم أمر بمِسْطَح بن أثاثة، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، فضُربوا حدَّهم.

استنتاج أبي أيوب طهر عائشة

قال ابن إسحاق : وحدثني أبي : إسحاقُ بن يسار عن بعض رجال بني النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد، قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ، ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟

قال : بلى، وذلك الكذبُ ، أكنت يا أمَّ أيوب فاعلةً؟

قالت : لا واللّه ما كنت لأفعله ،

قال : فعائشةُ واللّه خير منك.

ما نزل من القرآن في حديث الإفك

قالت : فلما نزل القرآن بذكر من قال من أهل لفاحشة ما قال من أهل الإفك ، فقال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النور: ١١] وذلك حسان بن ثابت ، وأصحابهُ الذين قالوا ما قالوا.

قال ابن هشام :

ويقال : وذلك عبد اللّه بن أبي وأصحابه.

قال ابن هشام : والذي تولى كِبْرَه عبد اللّه بن أبي، وقد ذكر ابن إسحاق في هذا الحديث قبل هذا. ثم. قال تعالى : { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا } [النور: ١٢]: أي فقالوا كما قال أبو أيوب وصاحبته ،

ثم قال { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللّه عظيم } [النور: ١٥].

أبو بكر يمتنع عن الإِنفاق على مسطح ورجوعه عن ذلك

فلما نزل هذا في عائشة، وفيمن قال لها ما قال ، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته : واللّه لا أنفق على مِسْطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً بعد الذي قال لعائشة، وأدخل علينا،

قالت : فأنزل اللّه في ذلك { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللّه وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّه لَكُمْ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ } [النور: ٢٢]

تفسير ابن هشام لبعض ألفاظ القرآن

قال ابن هشام : يقال : كِبْره وكُبْره في الرواية،

وأما في القرآن فكِبْره بالكسر.

قال ابن هشام : { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُم } [النور: ٢٢] ولا يأل أولوا الفضل منكم - قال امرؤ القيس بن حُجْر الكِنْدي :

ألا رُبَّ خَصمٍ فيك ألوَى رَدَدْتُه    نصيح على تَعْذاله غيرُ مُؤْتَل

وهذا البيت في قصيدة له ، ويُقال { وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ } : ولا يحلف أولو الفضل ، وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري ، فيما بلغنا عنه.

وفي كتاب اللّه تعالى : { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } [البقرة: ٢٢٦] وهو من الألية، والألية: اليمين. قال حسان بن ثابت :

آليت ما في جميع الناس مجتهداً    مني أليَّة بِر غير إفنادِ

وهذا البيت في أبيات له ، سأذكرها إن شاء اللّه في موضعها.

فمعنى : " أن يؤتوا " في هذا المذهب : أن لا يؤتوا، وفى كتاب اللّه عز وجل : { يُبَيِّنُ اللّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } [النساء: ١٧٦] يريد: أن لا تضلوا { وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ } [الحج: ٦٥] يريد أن لا تقع على الأرض ، وقال ابن مفرّغ الحمير ي :

لاذَعَرْتُ السَّوَامَ في وَضَحِ الصبـ   ـحِ مُغيراً ولا دُعيتُ يزيدَا
يومَ أعْطىَ مخافةَ الموتِ ضَيْمــاً    والمنايا يَرْصُدْنَني أنْ أحيدَا

يريد: أن لا أحيد؛ وهذان البيتان في أبيات له.

قال ابن إسحاق :

قالت : فقال أبو بكر": بلى واللّه إني لأحب أن يغفرَ اللّه لي ، فرجع إلى مِسْطح نفقته التي كان يُنفق عليه

وقال : واللّه لا أنزعها منه أبداً.

صفوان يحاول قتل حسان

قال ابن إسحاق : ثم إن صفوان ابن المعطَّل اعترض حسان بن ثابت بالسيف ، حين بلغه ما كان يقول فيه ، وقد كان حسان قال شعراً مع ذلك يعرِّض بابن المعطل فيه ، وبمن أسلم من العرب من مُضر،

فقال :

أمسى الجلابيبُ قد عَزُّوا وقد كثروا   وابنُ الفُرَيْعة أمسى بَيْضةَ البلدِ
قد ثَكِلَتْ أمُّه مَنْ كنتَ صاحبَــه   أو كان مُنْتَشِباً في بُرْثن الأسدِ
ما لقَتِيلى الذي أغْدُو فآخُــــذُه   مِن ديةٍ فيه يُعْطَاها ولا قَوَدِ
ما البحرُ حينَ تَهبُّ الريحُ شاميـةً   فَيَغْطَئِلُّ ويرْمى العِبر بالزَّبد
يوماً بأغلَب مني حين تُبْصِرنـى   مِلْغَيْظِ أفْري كفري العارضِ البَرِدِ
أما قُريش فإني لن أسالمَهـــم   حتى يُنيبوا من الغيات للرَّشَدِ
ويتركوا اللاتَ والعُزَّى بمَعْزِلـةٍ   ويسجدوا كلهم للواحدِ الصمدِ
ويشهدوا أن ما قال الرسولُ لهـم   حق ويُوفوا بعهدِ اللّه والوُكُدِ

فاعترضه صفوان بن المعطَّل ، فضربه بالسيف ،

ثم قال ، كما حدثني يعقوب بن عُتبة:

تَلَقَّ ذُبابَ السيفِ عني فإنني    غلامٌ إذا هُوجيتُ لستُ بشاعرِ

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي :

أنَّ ثابت بن قيس بن الشماس وثب على صفوان بن المعطَّل ، حين ضرب حسان ، فجمع يديه إلى عنقه بحبل ، ثم انطلق به إلى دار بني الحارث بن الخزرج ، فلقيه عبد اللّه بن رواحة،

فقال : ما هذا؟

قال : أما أعجبك ضرب حسان بالسيف ؛ واللّه ما أراه إلا قد قتله ، قال له عبد اللّه بن رواحة : هل علم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشيء مما صنعت ؟

قال : لا واللّه ؛

قال : لقد اجترأت ، أطلق الرجل ، فأطلقه ، ثم أتَوْا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فذكروا ذلك له ، فدعا حسان وصفوان بن المعطَّل ؛ فقال ابن المعطل : يا رسول اللّه آذاني وهجانى، فاحتملنى الغضب ، فضربته فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحسان : أحسن يا حسان ، أتَشَوَّهْتَ على قومي أن هداهم اللّه للإسلام ،

ثم قال : أحسن يا حسان في الذي أصابك ،

قال : هي لك يا رسول اللّه.

قال ابن هشام :

ويقال : أبعد أن هداكم اللّه للإسلام.

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن إبراهيم : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعطاه عوضا منها بِيرَحَاء ، وهي قصر بني حُدَيْلة اليوم بالمدينة، وكانت مالاً لأبى طلحة بن سهل تصدق بها على آل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأعطاها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حسان في ضربته وأعطاه سيرين ، أمَةً قبطية، فولدت له عبد الرحمن بن حسان ،

قالت : وكانت عائشة تقول : لقد سئل عن ابن المعطل ، فوجدوه رجلا حَصُوراً، ما يأتى النساء، ثم قُتل بعد ذلك شهيداً.

قال حسان بن ثابت - يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة رضي اللّه عنها:

حَصانٌ رَزَان ما تُزَنَّ بريبةٍ    وتصبحُ غَرْثَى من لحومِ الغَوافلِ

عقيلةُ حَي من لؤى بنِ غالــبٍ   كِرام المساعي مجدُهم غيرُ زائل
مُهذَّبةٌ قد طَيَّبَ اللّه خِيمَهــــا   وطهَّرها من كلّ سُوءٍ وباطل
فإن كنتُ قد قلتُ الذي قد زَعَمتمُ   فلا رفَعَت سَوْطِي إلىَّ أناملى
و كيف ووُدِّى ما حَييتُ ونُصْرتي   لآلِ رسولِ اللّه زَينِ المحافلِ
له رَتَب عالٍ على الناسِ كلِّهـم   تقاصَرُ عنه سَوْرَةُ المتطاولِ
فإن الذي قد قيلَ ليسَ بلائطٍ  ولكنه قولُ امرئٍ بى ماحِلِ

قال ابن هشام : بيته : " عقيلة حي " والذي بعده ، وبيته : " له رتب عال " عن أبي زيد الأنصاري

قال ابن هشام : وحدثني أبو عبَيْدة : أن امرأة مدحت بنت حسان ابن ثابت عند عائشة، فقالت  

حَصانٌ رَزانٌ ما تُزنُّ بريبهٍ    وتصبح غَرْثَى من لحومِ الغَوافلِ

فقالت عائشة لكنْ أبوها.

قال ابن إسحاق : وقال قائل من المسلمين في ضَرْب حسان وأصحابه

في فِرْيتهم على عائشة:

قال ابن هشام : في ضرب حسان وصاحبيه :

لقد ذاق حسانُ الذي كان أهْلَــهُ   وحَمْنةُ إذ قالوا هَجيراً ومِسْطَحُ
تعاطَوْا برجْمِ الغيبِ زوجَ نبيِّهـم   وسَخْطةَ ذي العرشِ الكريمِ فاُتْرِحوا
وآذَوْا رسولَ اللّه فيها فجُلِّلــوا   مخازِيَ تبقَى عُمِّمُوها وفُضحوا
وصُبَّت عليهم مُحْصَداتٌ كأنهـا   شآبيبُ قَطْر من ذُرَا المُزْن تَسْفَحُ