مختصر الفقه الإسلامي في ضوء القرآن والسنة

4 - الإيمان بالرسل
- الإيمان بالرسل: هو التصديق الجازم بأن الله عز وجل بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى عبادة الله وحده، والكفر بما يعبد من دونه، وأنهم جميعاً مرسلون صادقون، وقد بلَّغوا جميع ما أرسلهم الله به، منهم مَنْ أعلمنا الله باسمه، ومنهم مَنْ استأثر الله بعلمه.

- تربية الأنبياء وأتباعهم:
الله عز وجل يربي الأنبياء وأتباعهم ليجتهدوا أولاً على أنفسهم للحصول على الإيمان بالعبادة والتزكية والنظر والتفكر، والصبر والتضحية بكل شيء من أجل الدين، والبذل والترك من أجل إعلاء كلمة الله حتى يكمل الإيمان في حياتهم، ويأتي اليقين في قلوبهم على أن الله خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وأنه المستحق للعبادة وحده، ثم يجتهدون على حفظ الإيمان بالبيئات الصالحة كالمساجد المعمورة بالإيمان والأعمال الصالحة.
ثم يجتهدون لقضاء حاجات الدين وحاجاتهم على الاستفادة من الإيمان، فيرون أن الله معهم حيثما كانوا ينصرهم ويرزقهم ويؤيدهم كما حصل من النصر للمسلمين في بدر وفتح مكة وحنين وغيرها، يتوكلون عليه سبحانه، ولا يتوكلون على أحد سواه، ثم يجتهدون على نشر الإيمان بين أقوامهم ومن أُرسلوا إليه؛ ليعبدوا الله وحده لا شريك له، ويعلمونهم أحكامه، ويتلون عليهم آيات ربهم.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)} [الجمعة/ 2 - 4].

- الرسول: هو من أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه إلى من لا يعلمه، أو يعلمه ولكنه خالفه.

(1/74)


- النبي: هو من أوحى الله إليه بشرع سابق، ليُعْلِم مَنْ حوله مِنْ أصحاب ذلك الشرع ويجدده، فكل رسول نبي ولا عكس.
- بعث الأنبياء والرسل:
لم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة مَنْ قبله ليجددها.
1 - قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل/36].
2 - وقال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ} [المائدة/44].

- عدد الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كثيرون.
1 - منهم مَنْ بَيَّنَ الله أسماءهم في القرآن وقص علينا أخبارهم، وهم خمسة وعشرون.
1 - آدم - صلى الله عليه وسلم - {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)} [طه/115].
2 - 19 قال الله تعالى ذاكراً بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام/83 - 89].

(1/75)


20 - إدريس - صلى الله عليه وسلم - {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56)} [مريم/56].
21 - هود - صلى الله عليه وسلم - {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125)} [الشعراء/123 - 125].
22 - صالح - صلى الله عليه وسلم - {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143)} [الشعراء/141 - 143].
23 - شعيب - صلى الله عليه وسلم - {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178)} [الشعراء/176 - 178].
24 - ذو الكفل - صلى الله عليه وسلم - {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (48)} [ص/48].
25 - محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب/40].
2 - ومن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من لم نعلم أسماءهم ولم يقص الله علينا خبرهم فنؤمن بهم إجمالاً.
1 - قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر/78].
2 - وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا». أخرجه أحمد والطبراني (1).

- أولو العزم من الرسل:
أولو العزم من الرسل خمسة وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وقد ذكرهم الله بقوله سبحانه: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى/13].
_________
(1) صحيح/ أخرجه أحمد برقم (22644)، وأخرجه الطبراني في الكبير (8/ 217).

(1/76)


- أول الرسل:
الأنبياء والرسل دينهم واحد، وشرائعهم مختلفة، أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به.
وأول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض نوح - صلى الله عليه وسلم -، أرسله الله لقوم كافرين، ليدعوهم إلى الله، ويأمرهم بعبادة الله وحده، وينهاهم عن الشرك.
1 - قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران/81].
2 - وقال الله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء/163].
3 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه - مرفوعاً - في حديث الشفاعة، وفيه أن آدم - صلى الله عليه وسلم - قال: «اذْهَبُوا إلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُونَ: يَا نُوْحُ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسلِ إلَى أَهْلِ الأرْضِ». متفق عليه (1).

- آخر الرسل:
آخر الرسل محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب/40].

- إلى مَنْ بعث الله الأنبياء والرسل:
1 - بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام إلى أقوامهم خاصة كما قال سبحانه: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7)} [الرعد/7].
2 - وبعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين وأفضلهم، فهو سيد ولد آدم، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، أرسله الله رحمة للعالمين.
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3340)، واللفظ له، ومسلم برقم (194).

(1/77)


1 - قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)} [سبأ/28].
2 - وقال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء/107].

- الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل:
1 - دعوة الناس إلى عبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه.
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل/36].
2 - بيان الطريق الموصل إلى الله.
قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)} [الجمعة/2].
3 - بيان حال الناس بعد الوصول إلى ربهم يوم القيامة.
قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)} [الحج/49 - 51].
4 - إقامة الحجة على الناس.
كما قال سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء/165].
5 - الرحمة.
كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} [الأنبياء/107].

- صفات الأنبياء والرسل:
1 - جميع الأنبياء والرسل رجال من البشر، اختارهم الله عز وجل، واصطفاهم واجتباهم من بين سائر عباده، فَضَّلهم بالنبوة والرسالة، وأيَّدهم بالمعجزات،

(1/78)


أكرمهم الله بالرسالة وكلفهم بها، وأمرهم بإبلاغها إلى الناس ليعبدوا الله وحده ويتركوا عبادة ما سواه، ووعدهم على ذلك الجنة، وقد صدقوا وبلَّغوا عليهم الصلاة والسلام.
1 - قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل/43].
2 - وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)} [آل عمران/33].
3 - وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل/36].
2 - أمر الله جميع الأنبياء والمرسلين بالدعوة إلى الله، وعبادته وحده لا شريك له، وشرع لكل قوم من الشرائع ما يناسب أحوالهم كما قال سبحانه: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة/48].
3 - أن الله تعالى لما اصطفى الأنبياء والرسل وصفهم بالعبودية له في أعلى مقاماتهم كما قال عن محمد - صلى الله عليه وسلم - في مقام التنزيل: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان/1].
وقال في عيسى بن مريم - صلى الله عليه وسلم -: { ... إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59)} [الزخرف/59].
4 - أن جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر مخلوقون يأكلون ويشربون، وينسون، وينامون، ويصيبهم المرض والموت، وهم كغيرهم لا يملكون شيئاً من خصائص الربوبية والألوهية، فلا يملكون النفع والضر لأحد إلا ما شاء الله، ولا يملكون شيئاً من خزائن الله، ولا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه.
قال الله سبحانه لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ

(1/79)


يُؤْمِنُونَ (188)} [الأعراف/188].

- خصائص الأنبياء والرسل:
الأنبياء والرسل أطهر البشر قلوباً، وأذكاهم عقولاً، وأصدقهم إيماناً، وأحسنهم أخلاقاً، وأكملهم ديناً، وأقواهم عبودية، وأكملهم أجساماً، وأحسنهم صورة، وقد خصهم الله بخصائص أهمها:
1 - أن الله اصطفاهم بالوحي والرسالة.
1 - قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} [الحج/75].
2 - وقال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف/110].
2 - أنهم معصومون فيما يبلغونه للناس من العقيدة والأحكام، ولو أخطؤا فالله عز وجل يردهم إلى الحق والصواب.
قال الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)} [النجم/1 - 5].
3 - أنهم لا يورثون بعد موتهم.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقةً». متفق عليه (1).
4 - أنهم تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.
عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء -وفيه- فقال أنس: وَالنَّبِيُ - صلى الله عليه وسلم - نَائِمَةٌ عَينَاهُ، وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ، وَلا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ. أخرجه البخاري (2).
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (6730)، واللفظ له، ومسلم برقم (1757).
(2) أخرجه البخاري برقم (3570).

(1/80)


5 - أنهم يخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إلا خُيِّرَ بَينَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». متفق عليه (1).
6 - أنهم يقبرون حيث ماتوا.
عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لَنْ يُقْبَرَ نَبِيٌّ إلا حَيْثُ يَمُوتُ». أخرجه أحمد (2).
7 - أنهم أحياء في قبورهم يصلون.
1 - عن أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِم يُصَلُّونَ». أخرجه أبو يعلى (3).
2 - عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الكثيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». أخرجه مسلم (4).
8 - أن أزواجهم لا تُنكح من بعدهم.
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)} ... [الأحزاب/53].

- حكم الإيمان بالأنبياء والرسل:
يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل، ومَنْ كفر بواحد منهم فقد كفر بهم جميعاً، ويجب تصديق ما صح عنهم من أخبارهم، والاقتداء بهم في صدق الإيمان، وكمال التوحيد وحسن الخلق، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم وهو خاتمهم وأفضلهم، المرسل إلى الناس كافة وإلى العالم قاطبة، محمد - صلى الله عليه وسلم -.
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (4586)، واللفظ له، ومسلم برقم (2444).
(2) صحيح/ أخرجه أحمد برقم (27).
(3) جيد/ أخرجه أبو يعلى برقم (3425)، وانظر السلسلة الصحيحة رقم (621).
(4) أخرجه مسلم برقم (2375).

(1/81)


رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (136)} [النساء/136].

- تفاضل الأنبياء والرسل:
الأنبياء سواء من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما يكون التفاضل بين الأنبياء والرسل في زيادة الأحوال، والخصائص، والآيات، والمعجزات، والألطاف.
ولهذا منهم رسل، ومنهم أنبياء، ومنهم أولو عزم، ومنهم من اتخذه الله خليلاً، ومنهم من كلم الله، ورفع بعضهم درجات ونحو ذلك من الفضائل.
وأفضلهم في ذلك كله سيد ولد آدم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
1 - قال الله تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة/253].
2 - قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55)} [الإسراء/55].
3 - قال الله تعالى: { ... وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125)} [النساء/125].
4 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ». أخرجه مسلم (1).
5 - وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الْأُولَى». متفق عليه (2).
_________
(1) أخرجه مسلم برقم (523).
(2) متفق عليه/ أخرجه البخاري برقم (2412)، واللفظ له، ومسلم برقم (2374).

(1/82)


- ثمرات الإيمان بالأنبياء والرسل:
معرفة رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث أرسل إليهم الرسل يهدونهم إلى عبادة ربهم، وكيف يعبدونه.
ومنها: حمد الله وشكره على هذه النعمة.
ومنها: محبة الرسل والثناء عليهم من غير إطراء؛ لأنهم رسل الله، قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالته، والنصح لعباده.

(1/83)


أفضل الأنبياء والرسل
محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
- نسبه ونشأته - صلى الله عليه وسلم -:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وأمه (آمنة بنت وهب).
ولد - صلى الله عليه وسلم - بمكة عام الفيل الموافق لعام (570م)، مات والده (عبد الله) وهو حمل في بطن أمه، ولما ولد كفله جده (عبد المطلب) وماتت والدته آمنة وهو ابن ست سنين، ولما مات جده كفله عمه (أبو طالب).
وعاش - صلى الله عليه وسلم - عظيم الأخلاق، طيب الشمايل، حتى لقبه قومه (بالأمين)، وعلى رأس الأربعين من عمره نبئ محمد - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاءه الحق وهو بغار حراء.
ثم بدأ - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وحده، فلقي صنوفاً من الأذى، فصبر حتى أظهر الله دينه، وهاجر إلى المدينة، فشُرعت الأحكام، وعز الإسلام، وكَمُل الدين.
ثم مات - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين من ربيع الأول عام أحد عشر من الهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة، ولحق بالرفيق الأعلى بعدما بَلَّغ البلاغ المبين، ودَلَّ الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، فصلوات الله وسلامه عليه.

- خصائصه - صلى الله عليه وسلم -:
من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسالته عامة للثقلين، أرسله الله رحمة للعالمين، وأُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وناداه الله بوصف النبوة والرسالة.
وقد خصه الله دون الأنبياء بخمس.
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ

(1/84)


يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُوراً، فَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أمَّتِي أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً». متفق عليه (1).
ومما يخصه - صلى الله عليه وسلم - دون أمته: الوصال في الصيام، والزواج بلا مهر، ونكاح أكثر من أربع نساء، وعدم أكل الصدقة، وأنه يسمع ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرون كما رأى جبريل - صلى الله عليه وسلم - على صورته التي خلقه الله عليها، وأنه لا يورث.

- بدء الوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -:
عَنْ عَائِشَةَ أمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّهَا قَالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أنْ يَنْزِعَ إلَى أهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قال: «مَا أنَا بِقَارِئٍ».
قال: «فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، قلت: «مَا أنَا بِقَارِئٍ»، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقلت: «مَا أنَا بِقَارِئٍ»، فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)}.
فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأخْبَرَهَا الخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (335)، واللفظ له، ومسلم برقم (521).

(1/85)


اللهُ أبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ.
فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أسَدِ ابْنِ عَبْدِالعُزَّى، ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَءاً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الكِتَابَ العِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإنْجِيلِ بِالعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأى.
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً، لَيْتَنِي أكُونُ حيّاً إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ». قال: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إلا عُودِيَ، وَإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ. متفق عليه (1).

- أفعاله - صلى الله عليه وسلم -:
حكم أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أقسام:
الأول: الفعل الجبلِّي المحض، الذي تقتضيه الطبيعة البشرية كالقيام والقعود، والأكل والشرب، والنوم والسهر، فهذا لم يفعله - صلى الله عليه وسلم - للتشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أقوم وأقعد تقرباً إلى الله، واقتداء بنبيه - صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: الفعل التشريعي المحض كأفعال الصلاة، وأفعال الحج ونحو ذلك من أحكام الشريعة، فهذا وأمثاله فَعَله النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل التأسي به فنفعله.
الثالث: الفعل المحتمل للتشريعي والجبلِّي.
وضابطه: أن تكون الجبلَّة البشرية تقتضيه، ولكنه وقع متعلقاً بعبادة أو في
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3)، واللفظ له، ومسلم برقم (160).

(1/86)


وسيلتها كالركوب في الحج، وجلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع من صلاة العيد من طريق أخرى، والضجعة على الشق الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، والنزول بالمحصَّب بعد النفر من منى ونحو ذلك.
فهذا وأمثاله محتمل للأمرين، ولمن شاء فِعْله أو تَرْكه.

- أزواجه - صلى الله عليه وسلم -:
أمهات المؤمنين هن زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة، وكلهن مسلمات، طيبات، طاهرات، نقيات، مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن، وهن:
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وسَودة بنت زَمْعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حيي، وميمونة بنت الحارث رضي الله عنهن أجمعين.
مات قبله منهن خديجة، وزينب بنت خزيمة، وتوفيت الباقيات بعده.
وأفضل أزواجه - صلى الله عليه وسلم - خديجة وعائشة رضي الله عنهن أجمعين.

- أولاد الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
1 - ولد للرسول - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أبناء: (القاسم)، و (عبد الله)، من خديجة، و (إبراهيم) من سُرِّيَّته مارية القبطية، وجميعهم ماتوا صغاراً.
2 - أما البنات: فولد له عليه الصلاة والسلام أربع بنات (زينب) و (رقية) و (أم كلثوم) و (فاطمة) وكلهن وُلدن من خديجة، وتزوجن ومتن قبله إلا فاطمة، فماتت بعده، وجميعهن مسلمات طيبات طاهرات رضي الله عنهن أجمعين.

- أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هم خير القرون، ولهم فضل عظيم على جميع الأمة،

(1/87)


اختارهم الله لصحبة نبيه، فآمنوا بالله ورسوله، وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِيْنَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِيْنَهُ، وَيَمِيْنُهُ شَهَادَتَهُ». متفق عليه (1).
- محبة أصحابه - صلى الله عليه وسلم -:
من علامات الإيمان: محبتهم جميعاً بالقلب، والثناء عليهم باللسان، والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والكف عما شجر بينهم، وعدم شتمهم؛ وذلك لما لهم من المحاسن والفضائل، والمعروف والإحسان، ونصرة الله ورسوله بالطاعة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، والهجرة والنصرة، وبذل أموالهم وأنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، فرضي الله عنهم أجمعين.
1 - قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة/100].
2 - وقال الله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74)} [الأنفال/74].
3 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ». متفق عليه (2).
_________
(1) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (2652)، واللفظ له، ومسلم برقم (2533).
(2) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (3673)، ومسلم برقم (2540)، واللفظ له.

(1/88)