الأذكار - كتاب السلام والاستئذان
وتشميت العاطس وما يتعلق بها
قال الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61] وقال تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] وقال تعالى: {لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27] وقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59] وقال تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} [الذاريات: 24].
واعلم أن أصل السلام ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
وأما أفراد مسائله وفروعه فأكثر من أن تحصر، وأنا أختصر مقاصده في أبواب يسيرة إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق والهداية والإصابة والرعاية.

(1/167)


باب فضل السلام والأمر بإفشائه
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" .
وروينا في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعا، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك: نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه: ورحمة الله" .
وروينا في صحيحيهما عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونصر الضعيف، وعون المظلوم، وإفشاء السلام، وإبرار القسم هذا لفظ إحدى روايات البخاري.
وروينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم" .
وروينا في مسند الدارمي وكتابي الترمذي وابن ماجه وغيرها بالأسانيد الجيدة، عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس أفشوا السلام،

(1/167)


وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" ، قال الترمذي: حديث صحيح.
وروينا في كتابي ابن ماجة وابن السني عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: أمرنا نبينا ; صلى الله عليه وسلم أن نفشي السلام.
وروينا في موطأ الإمام مالك رضي الله عنه عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة، أن الطفيل بن أبي بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله على سقاط، ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا سلم عليه، قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوما، فاستتبعني إلى السوق، فقلت له: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع ولا تسوم بها ولا تجلس في مجالس السوق؟ قال: وأقول: اجلس بنا هاهنا نتحدث، فقال لي ابن عمر: يا أبا بطن وكان الطفيل ذا بطن، إنما نغدو من أجل السلام نسلم على من لقيناه.
وروينا في صحيح البخاري عنه قال: وقال عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
وروينا هذا في غير البخاري مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: قد جمع في هذه الكلمات الثلاث خيرات الآخرة والدنيا، فإن الإنصاف يقتضي أن يؤدي إلى الله تعالى جميع حقوقه وما أمره به، ويجتنب جميع ما نهاه عنه، وأن يؤدي للناس حقوقهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن ينصف أيضا نفسه فلا يوقعها في قبيح أصلا.
وأما بذل السلام للعالم، فمعناه لجميع الناس، فيتضمن أن لا يتكبر على أحد، وأن لا يكون بينه وبين أحد جفاء يمتنع بسببه من السلام عليه بسببه.
وأما الإنفاق من الإقتار فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى والتوكل عليه والشفقة على المسلمين، إلى غير ذلك، نسأل الله تعالى الكريم التوفيق لجميعه.

(1/168)


باب كيفية السلام
اعلم أن الأفضل أن يقول المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فيأتي بضمير الجمع وإن كان المسلم عليه واحدا، ويقول المجيب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ويأتي بواو العطف في قوله: وعليكم.
وممن نص على أن الأفضل في المبتدئ أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الإمام أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي في كتابه الحاوي في كتاب السير، والإمام أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتاب صلاة الجمعة وغيرهما.
ودليله ما رويناه في مسند الدارمي وسنن أبي داود والترمذي عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

(1/168)


"عشر"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: "عشرون"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه فجلس، فقال: "ثلاثون" فقال الترمذي: حديث حسن.
وفي رواية لأبي داود، من رواية معاذ بن أنس رضي الله عنه، زيادة على هذا، قال: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال: "أربعون"، وقال: "هكذا تكون الفضائل".
وروينا في كتاب ابن السني، بإسناد ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال: كان رجل يمر بالنبي صلى الله عليه وسلم يرعى دواب أصحابه فيقول: السلام عليك يا رسول الله، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه، فقيل: يا رسول الله تسلم على هذا سلاما ما تسلمه على أحد من أصحابك؟ قال: "وما يمنعني من ذلك وهو ينصرف بأجر بضعة عشر رجلا"؟ .
قال أصحابنا: فإن قال المبتدئ: السلام عليكم، حصل السلام، وإن قال: السلام عليك، أو سلام عليك، حصل أيضا.
وأما الجواب فأقله: وعليك السلام، أو وعليكم السلام، فإن حذف الواو فقال: عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابا، هذا هو المذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه إمامنا الشافعي رحمه الله في الأم، وقاله جمهور أصحابنا.
وجزم أبو سعد المتولي من أصحابنا في كتابه التتمة بأنه لا يجزئه ولا يكون جوابا، وهذا ضعيف أو غلط، وهو مخالف للكتاب والسنة ونص إمامنا الشافعي.
أما الكتاب فقال الله تعالى: {قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} [هود: 69] وهذا وإن كان شرعا لمن قبلنا، فقد جاء شرعنا بتقريره.
وهو حديث أبي هريرة الذي قدمناه في جواب الملائكة آدم صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا "أن الله تعالى قال: هي تحيتك وتحية ذريتك" وهذه الأمة داخلة في ذريته، والله اعلم.
واتفق أصحابنا على أنه لو قال في الجواب: عليكم، لم يكن جوابا، فلو قال: وعليكم بالواو، فهل يكون جوابا؟ فيه وجهان لأصحابنا، ولو قال المبتدئ: سلام عليكم، أو قال: السلام عليكم، فللمجيب أن يقول في الصورتين: سلام عليكم، وله أن يقول: السلام عليكم، قال الله تعالى: { قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ} قال الإمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا: أنت في تعريف السلام وتنكيره بالخيار، قلت: ولكن الألف واللام أولى.
فصل: روينا في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا.
قلت: وهذا الحديث محمول على ما إذا كان الجمع كثيرا، وسيأتي بيان هذه المسألة وكلام الماوردي صاحب الحاوي فيها إن شاء الله تعالى.
فصل: وأقل السلام الذي يصير به مؤديا سنة السلام أن يرفع صوته بحيث يسمع

(1/169)


المسلم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسلام، فلا يجب الرد عليه.
وأقل ما يسقط به فرض رد السلام أن يرفع صوته بحيث يسمعه المسلم، فإن لم يسمعه لم يسقط عنه فرض الرد، ذكرهما المتولي وغيره.
قلت: والمستحب أن يرفع صوته رفعا يسمعه به المسلم عليه أو عليهم سماعا محققا، وإذا تشكك في أنه يسمعهم، زاد في رفعه، واحتاط واستظهر، أما إذا سلم على أيقاظ عندهم نيام، فالسنة أن يخفض صوته بحيث يحصل سماع الأيقاظ ولا يستيقظ النيام.
روينا في صحيح مسلم في حديث المقداد رضي الله عنه الطويل قال: كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن، فيجئ من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلم كما كان يسلم والله اعلم.
فصل: قال الإمام أبو محمد القاضي حسين، والإمام أبو الحسن الواحدي وغيرهما من أصحابنا: ويشترط أن يكون الجواب على الفور، فإن أخره ثم رد لم يعد جوابا، وكان آثما بترك الرد.

(1/170)


باب ما جاء في كراهة الإشارة بالسلام باليد ونحوها بلا لفظ
روينا في كتاب الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكف" قال الترمذي: إسناده ضعيف.
قلت: وأما الحديث الذي رويناه في كتاب الترمذي عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما، وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم" قال الترمذي: حديث حسن، فهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة، يدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في روايته: "فسلم علينا" .

(1/170)


باب حكم السلام
اعلم أن ابتداء السلام سنة مستحبة ليس بواجب، وهو سنة على الكفاية، فإن كان المسلم جماعة، كفى عنهم تسليم واحد منهم، ولو سلموا كلهم كان أفضل.
قال الإمام القاضي حسين من أئمة أصحابنا في كتاب السير من تعليقه: ليس لنا سنة على الكفاية إلا هذا.
قلت: وهذا الذي قاله القاضي من الحصر ينكر عليه، فإن أصحابنا رحمهم الله قالوا: تشميت العاطس سنة على الكفاية كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله تعالى.
وقال جماعة من أصحابنا بل كلهم: الأضحية سنة على الكفاية في حق كل أهل بيت، فإذا ضحى واحد منهم حصل الشعار والسنة لجميعهم.
وأما رد السلام، فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد، وإن كانوا جماعة، كان رد السلام فرض كفاية عليهم، فإن رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم، أثموا كلهم، وإن ردوا كلهم، فهو النهاية في الكمال والفضيلة، كذا

(1/170)


باب الأحوال التي يستحب فيها السلام، والتي يكره فيها، والتي يباح
اعلم أنا مأمورون بإفشاء السلام كما قدمناه، لكنه يتأكد في بعض الأحوال ويخف في بعضها.
ونهي عنه في بعضها، فأما أحوال تأكده واستحبابه فلا تنحصر، فإنها الأصل فلا نتكلف التعرض لأفرادها.
واعلم أنه يدخل في ذلك السلام على الأحياء والموتى، وقد قدمنا في كتاب أذكار الجنائز كيفية السلام على الموتى.
وأما الأحوال التي يكره فيها أو يخف أو يباح فهي مستثناة

(1/173)


من ذلك فيحتاج إلى بيانها، فمن ذلك إذا كان المسلم عليه مشتغلا بالبول أو الجماع أو نحوهما فيكره أن يسلم عليه، ولو سلم لا يستحق جوابا، ومن ذلك من كان نائما أو ناعسا، ومن ذلك من كان مصليا أو مؤذنا في حال أذانه أو إقامته الصلاة، أو كان في حمام أو نحو ذلك من الأمور التي لا يؤثر السلام عليه فيها، ومن ذلك إذا كان يأكل واللقمة في فمه، فإن سلم عليه في هذه الأحوال لم يستحق جوابا.
أما إذا كان على الأكل وليست اللقمة في فمه، فلا بأس بالسلام، ويجب الجواب.
وكذلك في حال المبايعة وسائر المعاملات يسلم ويجب الجواب.
وأما السلام في حال خطبة الجمعة، فقال أصحابنا: يكره الابتداء به لأنهم مأمورون بالإنصات للخطبة، فإن خالف وسلم فهل يرد عليه؟ فيه خلاف لأصحابنا، منهم من قال: لا يرد عليه لتقصيره، ومنهم من قال: إن قلنا إن الإنصات واجب لا يرد عليه، وإن قلنا: إن الإنصات سنة رد عليه واحد من الحاضرين، ولا يرد عليه أكثر من واحد على كل وجه.
وأما السلام على المشتغل بقراءة القرآن، فقال الإمام أبو الحسن الواحدي: الأولى ترك السلام عليه لاشتغاله بالتلاوة، فإن سلم عليه كفاه الرد بالإشارة، وإن رد باللفظ استأنف الاستعاذة ثم عاد إلى التلاوة، هذا كلام الواحدي، وفيه نظر، والظاهر أن يسلم عليه ويجب الرد باللفظ.
أما إذا كان مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه، مجمع القلب عليه، فيحتمل أن يقال: هو كالمشتغل بالقراءة على ما ذكرناه، والأظهر عندي في هذا أنه يكره السلام عليه، لأنه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الأكل.
وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه، لأنه يكره له قطع التلبية، فإن سلم عليه رد السلام باللفظ، نص عليه الشافعي وأصحابنا رحمهم الله.
فصل: قد تقدمت الأحوال التي يكره فيها السلام، وذكرنا أنه لا يستحق فيها جوابا، فلو أراد المسلم عليه أن يتبرع برد السلام، هل يشرع له، أو يستحب؟ فيه تفصيل، فأما المشتغل بالبول ونحوه، فيكره له رد السلام، وقد قدمنا هذا في أول الكتاب، وأما الآكل ونحوه فيستحب له الجواب في الموضع الذي لا يجب، وأما المصلي فيحرم عليه أن يقول: وعليكم السلام، فإن فعل ذلك بطلت صلاته إن كان عالما بتحريمه، وإن كان جاهلا، لم تبطل على أصح الوجهين عندنا، وإن قال: عليه السلام، بلفظ الغيبة، لم تبطل صلاته لأنه دعاء ليس بخطاب، والمستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة، ولا يتلفظ بشيء، وإن رد بعد الفراغ من الصلاة باللفظ، فلا بأس.
وأما المؤذن فلا يكره له رد الجواب بلفظه المعتاد، لأن ذلك يسير لا يبطل الأذان ولا يخل به.

(1/174)


باب من يسلم عليه ومن لا يسلم عليه ومن يرد عليه ومن لا يرد عليه
اعلم أن الرجل المسلم الذي ليس بمشهور بفسق ولا بدعة يسلم ويسلم عليه، فيسن له السلام ويجب الرد عليه.
قال أصحابنا: والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل.
وأما المرأة مع الرجل، فقال الإمام أبو سعد المتولي: إن كانت زوجته أو جاريته أو محرما من محارمه، فهي

(1/174)


معه كالرجل مع الرجل، فيستحب لكل واحد منهما ابتداء الآخر بالسلام، ويجب على الآخر رد السلام عليه، وإن كانت أجنبية، فإن كانت جميلة يخاف الافتتان بها، لم يسلم الرجل عليها، ولو سلم، لم يجز لها رد الجواب، ولم تسلم هي عليه ابتداء، فإن سلمت، لم تستحق جوابا، فإن أجابها كره له، وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها، جاز أن تسلم على الرجل، وعلى الرجل رد السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعا، فيسلم عليهن الرجل، أو كان الرجال جمعا كثيرا، فسلموا على المرأة الواحدة جاز إذا لم يخف عليه ولا عليهن ولا عليها أو عليهم فتنة.
روينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة وغيرها عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: مر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا قال الترمذي: حديث حسن.
وهذا الذي ذكرته لفظ رواية أبي داود.
وأما رواية الترمذي، ففيها عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر في المسجد يوما وعصبة من النساء قعود، فألوى بيده بالتسليم.
وروينا في كتاب ابن السني عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على نسوة فسلم عليهن.
وروينا في صحيح البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كانت فينا امرأة - وفي رواية: كانت لنا عجوز - تأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا نسلم عليها، فتقدمه إلينا.
قلت: تكركر، معناه: تطحن.
وروينا في صحيح مسلم عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو يغتسل، وفاطمة تستره، فسلمت... وذكرت الحديث.
وفي إسناده جابر بن يزيد الجعفي، وهو ضعيف.
ولذا قال فصل: وأما أهل الذمة فاختلف أصحابنا فيهم، فقطع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، فإن سلموا هم على مسلم قال في الرد: وعليكم، ولا يزيد على هذا.
وحكى أقضى القضاة الماوردي وجها لبعض أصحابنا، أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام، لكن يقتصر المسلم على قوله: السلام عليك، ولا يذكره بلفظ الجمع.
وحكى الماوردي وجها أنه يقول في الرد عليهم إذا ابتدؤوا: وعليكم السلام، ولكن لا يقول: ورحمة الله، وهذان الوجهان شاذان ومردودان.
روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" .
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" .
وروينا في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: " إذا سلم عليكم

(1/175)


اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك، فقل: عليك" وفي المسألة أحاديث كثيرة بنحو ما ذكرنا، والله اعلم.
قال أبو سعد المتولي: ولو سلم على رجل ظنه مسلما، فبان كافرا، يستحب أن يسترد سلامه فيقول له: رد علي سلامي، والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهر له أنه ليس بينهما ألفة.
وروي أن ابن عمر رضي الله عنهما سلم على رجل، فقيل: إنه يهودي، فتبعه وقال له: رد علي سلامي قلت: وقد روينا في موطأ مالك رحمه الله أن مالكا سئل عمن سلم على اليهودي أو النصراني هل يستقيله ذلك؟ فقال: لا، فهذا مذهبه، واختاره ابن العربي المالكي.
قال أبو سعد: لو أراد تحية ذمي، فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعم الله صباحك.
قلت: هذا الذي قاله أبو سعد لا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صبحت بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة أو بالمسرة أو ما أشبه ذلك.
وأما إذا لم يحتج إليه، فالاختيار أن لا يقول شيئا، فإن ذلك بسط له وإيناس وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم ومنهيون عن ودهم فلا نظهره، والله اعلم.
فرع: إذا مر واحد على جماعة فيهم مسلمون، أو مسلم وكفار، فالسنة أن يسلم عليهم يقصد المسلمين أو المسلم.
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم.
فرع: إذا كتب كتابا إلى مشرك، وكتب فيه سلاما أو نحوه، فينبغي أن يكتب ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم في حديث أبي سفيان رضي الله عنه في قصة هرقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب: من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى.
فرع فيما يقول إذا عاد ذميا: اعلم أن أصحابنا اختلفوا في عيادة الذمي، فاستحبها جماعة، ومنها جماعة، وذكر الشاشي الاختلاف ثم قال: الصواب عندي أن يقول: عيادة الكافر في الجملة جائزة، والقربة فيها موقوفة على نوع حرمة تقترن بها من جوار أو قرابة.
قلت: هذا الذي ذكره الشاشي حسن فقد روينا في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقعد عند رأسه فقال له: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" .
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا عم قل: "لا إله إلا الله..." وذكر الحديث بطوله.
قلت: فينبغي لعائد الذمي أن يرغبه في الإسلام، ويبين له محاسنه، ويحثه عليه،

(1/176)


ويحرضه على معاجلته قبل أن يصير إلى حال لا ينفعه فيها توبته، وإن دعا له دعا بالهداية ونحوها.
فصل: وأما المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه، فينبغي أن لا يسلم عليهم، ولا يرد عليهم السلام، كذا قاله البخاري وغيره من العلماء
واحتج الإمام أبو عبد الله البخاري في "صحيحه" في هذه المسألة: بما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن غزوة تبوك هو ورفيقان له، قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا قال: وكنت آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه فأقول: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ قال البخاري: وقال عبد الله بن عمرو: لا تسلموا على شربة الخمر.
قلت: فإن اضطر إلى السلام على الظلمة، بأن دخل عليهم وخاف ترتب مفسدة في دينه أو دنياه أو غيرهما إن لم يسلم، سلم عليهم.
قال الإمام أبو بكر بن العربي: قال العلماء: يسلم، وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى المعنى: الله عليكم رقيب.
فصل: وأما الصبيان فالسنة أن يسلم عليهم.
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنه مر على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله وفي رواية لمسلم عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على غلمان فسلم عليهم.
وروينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد الصحيحين عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على غلمان يلعبون فسلم عليهم ورويناه في كتاب ابن السني وغيره، قال فيه فقال: "السلام عليكم يا صبيان" .

(1/177)


باب في آداب ومسائل من السلام
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير" وفي رواية للبخاري "يسلم الصغير على الكبير، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير" .
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا المذكور هو السنة، فلو خالفوا فسلم الماشي على الراكب أو الجالس عليهما، لم يكره، صرح به الإمام أبو سعد المتولي وغيره، وعلى مقتضى هذا لا يكره ابتداء الكثيرين بالسلام على القليل، والكبير على الصغير، ويكون هذا تركا لما يستحقه من سلام غيره عليه، وهذا الأدب هو فيما إذا تلاقى الاثنان في طريق، أما إذا ورد على قعود أو قاعد، فإن الوارد يبدأ بالسلام على كل حال، سواء كان صغيرا أو كبيرا، قليلا أو كثيرا، وسمى أقضى القضاة هذا الثاني سنة، وسمى الأول أدبا وجعله دون السنة في الفضيلة.
فصل: قال المتولي: إذا لقي رجل جماعة فأراد أن يخص طائفة منهم بالسلام كره، لأن القصد من السلام المؤانسة والألفة، وفي تخصيص البعض إيحاش للباقين، وربما صار سببا للعداوة.
فصل: إذا مشى في السوق أو الشوارع المطروقة كثيرا ونحو ذلك مما يكثر فيه

(1/177)


المتلاقون، فقد ذكر أقضى القضاة الماوردي أن السلام هنا إنما يكون لبعض الناس دون بعض، قال: لأنه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن كل مهم، ولخرج به عن العرف، قال: وإنما يقصد بهذا السلام أحد أمرين: إما اكتساب ود، وإما استدفاع مكروه.
فصل: قال المتولي: إذا سلمت جماعة على رجل فقال: وعليكم السلام، وقصد الرد على جميعهم سقط عنه فرض الرد في حق جميعهم، كما لو صلى على جنائز دفعة واحدة فإنه يسقط فرض الصلاة على الجميع.
فصل: قال الماوردي: إذا دخل إنسان على جماعة قليلة يعمهم سلام واحد، اقتصر على سلام واحد على جميعهم، وما زاد من تخصيص بعضهم فهو أدب، ويكفي أن يرد منهم واحد، فمن زاد منهم فهو أدب، قال: فإن كان جمعا لا ينتشر فيهم السلام الواحد كالجامع والمجلس الحفل، فسنة السلام أن يبتدئ به الداخل في أول دخوله إذا شاهد القوم، ويكون مؤديا سنة السلام في حق جميع من سمعه، ويدخل في فرض كفاية الرد جميع من سمعه، فإن أراد الجلوس فيهم سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين، وإن أراد أن يجلس فيمن بعدهم ممن لم يسمع سلامه المتقدم ففيه وجهان لأصحابنا، أحدهما: أن سنة السلام عليهم قد حصلت بالسلام على أوائلهم لأنهم جمع واحد، فلو أعاد السلام عليهم كان أدبا، وعلى هذا أي أهل المسجد رد عليه سقط به فرض الكفاية عن جميعهم.
والوجه الثاني: أن سنة السلام باقية لمن لم يبلغهم سلامه المتقدم إذا أراد الجلوس فيهم، فعلى هذا لا يسقط فرض رد السلام المتقدم عن الأوائل برد الأواخر.
فصل: ويستحب إذا دخل بيته أن يسلم وإن لم يكن فيه أحد، وليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقد قدمنا في أول الكتاب بيان ما يقوله إذا دخل بيته، وكذا إذا دخل مسجدا أو بيتا لغيره ليس فيه أحد، يستحب أن يسلم، وأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته.
فصل: إذا كان جالسا مع قوم ثم قام ليفارقهم، فالسنة أن يسلم عليهم.
فقد روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الجيدة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة" قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: ظاهر هذا الحديث أنه يجب على الجماعة رد السلام على هذا الذي سلم عليهم وفارقهم، وقد قال الإمامان القاضي حسين وصاحبه أبو سعد المتولي: جرت عادة بعض الناس بالسلام عند مفارقة القوم، وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب، لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وهذا كلامهما، وقد أنكره الإمام أبو بكر الشاشي الأخير من أصحابنا وقال: هذا فاسد، لأن السلام سنة عند الانصراف كما هو سنة عند الجلوس، وفيه هذا الحديث، وهذا الذي قاله الشاشي هو الصواب

(1/178)


فصل: إذا مر على واحد أو أكثر، وغلب على ظنه أنه إذا سلم لا يرد عليه، إما لتكبر الممرور عليه، وإما لإهماله المار أو السلام، وإما لغير ذلك، فينبغي أن يسلم ولا يتركه لهذا الظن، فإن السلام مأمور به، والذي أمر به المار أن يسلم، ولم يؤمر بأن يحصل الرد، مع أن الممرور عليه قد يخطئ الظن فيه ويرد.
وأما قول من لا تحقيق عنده: إن سلام المار سبب لحصول الإثم فحق الممرور عليه، فهو جهالة ظاهرة، وغباوة بينة، فإن المأمورات الشرعية لا تسقط عن المأمور بها بمثل هذه الخيالات، ولو نظرنا إلى هذا الخيال الفاسد لتركنا إنكار المنكر على من فعله جاهلا كونه منكرا، وغلب على ظننا أنه لا ينزجر بقولنا، فإن إنكارنا عليه، وتعريفنا له قبحه يكون سببا لإثمه إذا لم يقلع عنه، ولا شك في أنا لا نترك الإنكار بمثل هذا، ونظائر هذا كثيرة معروفة، والله اعلم.
ويستحب لمن سلم على إنسان وأسمعه سلامه وتوجبه عليه الرد بشروطه فلم يرد أن يحلله من ذلك فيقول: أبرأته من حقي في رد السلام، أو جعلته في حل منه، ونحو ذلك، ويلفظ بهذا، فإنه يسقط به حق هذا الآدمي، والله اعلم.
وقد روينا في كتاب ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منا" ويستحب لمن سلم على إنسان فلم يرد عليه أن يقول له بعبارة لطيفة: رد السلام واجب، فينبغي لك أن ترد علي ليسقط عنك الفرض، والله اعلم.

(1/179)


باب الاستئذان
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27] وقال تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [النور: 59].
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع" .
ورويناه في الصحيحين أيضا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروينا في صحيحيهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" .
وروينا الاستئذان ثلاثا من جهات كثيرة.
والسنة أن يسلم ثم يستأذن، فيقوم عند الباب بحيث لا ينظر إلى من في داخله، ثم يقول: السلام عليكم، أأدخل؟ فإن لم يجبه أحد، قال ذلك ثانيا وثالثا، فإن لم يجبه أحد انصرف.
وروينا في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ربعي بن حراش، بكسر الحاء المهملة وآخره شين معجمة، التابعي الجليل قال: حدثنا رجل من بني عامر" استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم

(1/179)


وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل"؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل.
وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن كلدة بن الحنبل الصحابي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه ولم أسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل"؟ قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: كلدة، بفتح الكاف واللام.
والحنبل، بفتح الحاء المهملة وبعدها نون ساكنة ثم باء موحدة ثم لام.
وهذا الذي ذكرناه من تقديم السلام على الاستئذان هو الصحيح.
وذكر الماوردي فيه ثلاثة أوجه، أحدها هذا، والثاني تقديم الاستئذان على السلام، والثالث: وهو اختياره، إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإن لم تقع عليه عينه، قدم الاستئذان.
وإذا استأذن ثلاثا فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمع، فهل يزيد عليها؟ حكى الإمام أبو بكر بن العربي المالكي فيه ثلاثة مذاهب، أحدها: يعيده، والثاني: لا يعيده، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، قال: والأصح أنه لا يعيده بحال، وهذا الذي صححه هو لذي تقتضيه السنة، والله اعلم.
فصل: وينبغي إذا استأذن على إنسان بالسلام أو بدق الباب، فقيل له: من أنت؟ أن يقول: فلان بن فلان، أو فلان الفلاني، أو فلان المعروف بكذا، أو ما أشبه ذلك، بحيث يحصل التعريف التام به، ويكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو بعض الغلمان، أو بعض المحبين، وما أشبه ذلك.
روينا في صحيحي البخاري ومسلم في حديث الإسراء المشهور ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم صعد بي جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، ثم صعد بي إلى السماء الثانية والثالثة وسائرهن، ويقال في باب كل سماء: من هذا؟ فيقول: جبريل" .
وروينا في صحيحيهما في حديث أبي موسى لما جلس النبي صلى الله عليه وسلم على بئر البستان وجاء أبو بكر فاستأذن، فقال: "من"؟ قال: أبو بكر، ثم جاء عمر فاستأذن، فقال: "من" : قال عمر، ثم عثمان كذلك.
وروينا في صحيحيهما أيضا عن جابر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب، فقال: من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا؟ كأنه كرهها.
فصل: ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف إذا لم يعرفه المخاطب بغيره، وإن كان فيه صورة تبجيل له، بأن يكني نفسه، أو يقول: أنا المفتي فلان، أو القاضي، أو الشيخ فلان، أو ما أشبه ذلك.

(1/180)


روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها، واسمها فاختة على المشهور، وقيل: فاطمة، وقيل هند، قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل وفاطمة تستره فقال: "من هذه"؟ فقلت: أنا أم هانئ".
وروينا في صحيحيهما عن أبي ذر رضي الله عنه، واسمه جندب، وقيل: برير بضم الباء تصغير بر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: "من هذا؟" فقلت: أبو ذر.
وروينا في صحيح مسلم عن أبي قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه في حديث الميضأة المشتمل على معجزات كثيرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جمل من فنون العلم، قال فيه أبو قتادة: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: من هذا؟ قلت: أبو قتادة".
قلت: ونظائر هذا كثيرة، وسببه الحاجة، وعدم إرادة الافتخار.
ويقرب من هذا ما رويناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة رصي الله عنه - واسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح - قال: قلت: يا رسول الله ادع الله أن يهدي أم أبي هريرة... وذكر الحديث...إلى أن قال: فرجعت فقلت: يا رسول الله قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة.

(1/181)


باب في مسائل تتفرع على السلام
مسألة: قال أبو سعد المتولي: التحية عند الخروج من الحمام، بأن يقال له: طاب حمامك، لا أصل لها، ولكن روي أن عليا رضي الله عنه قال لرجل خرج من الحمام: طهرت فلا نجست.
قلت: هذا المحل لم يصح فيه شيء، ولو قال إنسان لصاحبه على سبيل المودة والمؤالفة واستجلاب الود: أدام الله لك النعيم، ونحو ذلك من الدعاء فلا بأس به.
مسألة: إذا ابتدأ المار الممرور عليه، فقال: صبحك الله بالخير، أو بالسعادة، أو قواك الله، أو لا أوحش الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التي يستعملها الناس في العادة، لم يستحق جوابا، لكن لو دعا له قباله ذلك كان حسنا، إلا أن يترك جوابه بالكلية زجرا له في تخلفه وإهماله السلام وتأديبا له ولغيره في الاعتناء بالابتداء بالسلام.
فصل: إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته أو نحو ذلك من الأمور الدينية، لم يكره، بل يستحب، وإن كان لغناه ودنياه وثروته وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروه شديد الكراهة.
وقال المتولي من أصحابنا: لا يجوز فأشار إلى أنه حرام.
روينا في سنن أبي داود عن زارع رضي الله عنه، وكان في وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله.

(1/181)


قلت: زارع بزاي في أوله وراء بعد الألف على لفظ زارع الحنطة وغيرها.
وروينا في سنن أبي داود أيضا عن ابن عمر رضي الله عنهما قصة قال فيها: فدنونا: يعني من النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده.
وأما تقبيل الرجل خد ولده الصغير، وأخيه، وقبلة غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسنة.
والأحاديث فيه كثيرة صحيحة مشهورة، وسواء الولد الذكر والأنثى، وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من صغار الأطفال على هذا الوجه.
وأما التقبيل بالشهوة، فحرام بالاتفاق. وسواء في ذلك الولد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام بالاتفاق على القريب والأجنبي.
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس التميمي، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم" .
وروينا في صحيحيهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: تقبلون صبيانكم؟ فقالوا: نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أو أملك أن كان الله تعالى نزع منكم الرحمة؟" هذا لفظ إحدى الروايات، وهو مروي بألفاظ.
وروينا في صحيح البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم فقبله وشمه.
وروينا في سنن أبي داود عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: دخلت مع أبي بكر رضي الله عنه أول ما قدم المدينة، فإذا عائشة ابنته رضي الله عنها مضطجعة قد أصابتها حمى، فأتاها أبو بكر فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبل خدها.
وروينا في كتب الترمذي والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة عن صفوان بن عسال الصحابي رضي الله عنه - وعسال بفتح العين وتشديد السين المهملتين - قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات بينات...فذكر الحديث...إلى قوله: فقبلوا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي.
وروينا في سنن أبي داود بالإسناد الصحيح المليح عن إياس بن دغفل قال: رأيت أبا نضره قبل خد الحسن بن علي رضي الله عنهما.
قلت: أبو نضرة بالنون والضاد المعجمة: اسمه المنذر بن مالك بن قطعة، تابعي ثقة.
ودغفل، بدال مهملة مفتوحة ثم غين معجمة ساكنة ثم فاء مفتوحة ثم لام.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقبل ابنه سالما ويقول: اعجبوا من شيخ يقبل شيخا.
وعن سهل بن عبد الله التستري السيد الجليل أحد أفراد زهاد الأمة وعبادها رضي الله عنه أنه كان يأتي أبا داود السجستاني ويقول: أخرج لي لسانك الذي تحدث به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقبله، فيقبله.

(1/182)


وأفعال السلف في هذا الباب أكثر من أن تحصر، والله اعلم.
فصل: ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك، ولا بتقبيل الرجل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه.
روينا في صحيح البخار عن عائشة رضي الله عنها في الحديث الطويل في وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: دخل أبو بكر رضي الله عنه فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أكب عليه فقبله، ثم بكى.
وروينا في كتاب الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قدم زيد بن حارثه المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم يجر ثوبه، فاعتنقه وقبله " قال الترمذي: حديث حسن.
وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير الطفل ولغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، نص على كراهتهما أبو محمد البغوي وغيره من أصحابنا.
ويدل على الكراهة ما رويناه في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله ! الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: "لا" ، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" : قال: فيأخذه بيده ويصافحه؟ قال: "نعم" قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: وهذا الذي ذكرناه في التقبيل والمعانقة، وأنه لا بأس به عند القدوم من سفر ونحوه، ومكروه كراهة تنزيه في غيره، هو في غير الأمرد الحسن الوجه، فأما الأمرد الحسن، فيحرم بكل حال تقبيله، سواء قدم من سفر أم لا.
والظاهر أن معانقته كتقبيله، أو قريبة من تقبيله، ولا فرق في هذا بين أن يكون المقبل والمقبل رجلين صالحين أو فاسقين، أو أحدهما صالحا، فالجميع سواء.
والمذهب الصحيح عندنا تحريم النظر إلى الأمرد الحسن، ولو كان بغير شهوة، وقد أمن الفتنة، فهو حرام كالمرأة لكونه في معناها فصل: في المصافحة: اعلم أنها سنة مجمع عليها عند التلاقي.
روينا في صحيح البخاري عن قتادة قال: قلت لأنس رضي الله عنه: أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم في حديث كعب بن مالك رضي الله عنه في قصة توبته قال: فقام إلي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول، حتى صافحني وهنأني.
وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه قال: لما جاء أهل اليمن، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد جاءكم أهل اليمن وهم أول من جاء بالمصافحة" .
وروينا في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلمين يلتقيان فيتثافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" .
وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟، قال: "لا" ، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: "لا" ، قال: فيأخذ

(1/183)


بيده ويصافحه؟ قال: "نعم" قال الترمذي: حديث حسن.وفي الباب أحاديث كثيرة.
وروينا في موطأ الإمام مالك رحمه الله عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء" .
قلت: هذا حديث مرسل.
واعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به، فإن أصل المصافحة سنة، وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال، وفرطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها، لا يخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها.
وقد ذكر الشيخ الإمام أبو محمد عبد السلام رحمه الله في كتابه "القواعد" أن البدع على خمسة أقسام: واجبة، ومحرمة، ومكروهة، ومستحبة، ومباحة.
قال: ومن أمثلة البدع المباحة: المصافحة عقب الصبح والعصر، والله اعلم.
قلت: وينبغي أن يحترز من مصافحة الأمرد الحسن الوجه، فإن النظر إليه حرام كما قدمنا في الفصل: الذي قبل هذا، وقد قال أصحابنا: كل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد، فإنه يحل النظر إلى الأجنبية إذا أراد أن يتزوجها.
وفي حال البيع والشراء والأخذ والعطاء ونحو ذلك، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، والله اعلم.
فصل: ويستحب مع المصافحة، البشاشة بالوجه، والدعاء بالمغفرة وغيرها.
روينا في صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق" .
وروينا في كتاب ابن السني عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا وتكاشرا بود ونصيحة تناثرت خطاياهما بينهما" .
وفي رواية: "إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله تعالى واستغفرا، غفر الله عز وجل لهما" .
وروينا فيه عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبدين متحابين في الله، يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه، فيصليان على النبي صلى الله عليه وسلم إلا لم يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر" .
وروينا فيه عن أنس أيضا، قال: ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد رجل ففارقه حتى قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" .
فصل: ويكره حني الظهر في كل حال لكل أحد، ويدل عليه ما قدمنا في الفصلين المتقدمين من حديث أنس، وقوله: أينحني له؟ قال: "لا" وهو حديث حسن كما ذكرناه، ولم يأت له معارض، فلا مصير إلى مخالفته، ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم أو

(1/184)


صلاح وغيرهما من خصال الفضل، فإن الاقتداء إنما يكون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] وقال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
وقد قدمنا في كتاب الجنائز عن الفضيل بن عياض رضي الله عنه ما معناه: اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، وبالله التوفيق.
فصل: وأما إكرام الداخل بالقيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو شرف أو ولاية مصحوبة بصيانة، أوله ولادة أو رحم مع سن ونحو ذلك، ويكون هذا القيام للبر والإكرام والاحترام، لا للرياء والإعظام، وعلى هذا الذي اخترناه استمر عمل السلف والخلف، وقد جمعت في ذلك جزءا جمعت فيه الأحاديث والآثار وأقوال السلف وأفعالهم الدالة على ما ذكرته، ذكرت فيه ما خالفها، وأوضحت الجواب عنه، فمن أشكل عليه من ذلك شيء ورغب في مطالعة ذلك الجزء رجوت أن يزول إشكاله إن شاء الله تعالى، والله اعلم.
فصل: يستحب استحبابا متأكدا: زيارة الصالحين، والإخوان، والجيران، والأصدقاء، والأقارب، وإكرامهم، وبرهم، وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم.
وينبغي أن تكون زيارته لهم على وجه لا يكرهونه، وفي وقت يرتضونه.
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة مشهورة.
ومن أحسنها ما رويناه في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله تعالى قد أحبك كما أحببته فيه".
قلت: مدرجته بفتح الميم والراء والجيم: طريقه.
ومعنى تربها: أي تحفظها وتراعيها وتربيها كما يربي الرجل ولده.
وروينا في كتابي الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عاد مريضا، أو زار أخا له في الله تعالى، ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلا" .
فصل: في استحباب طلب الإنسان من صاحبه الصالح أن يزوره، وأن يكثر من زيارته.
روينا في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لجبريل صلى الله عليه وسلم: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} " [مريم: 64].

(1/185)


باب تشميت العاطس وحكم التثاؤب
روينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى يحب

(1/185)


العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله تعالى، كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله" .
وأما التثاؤب، فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم، فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان.
قلت: قال العلماء: معناه: أن العطاس سببه محمود، وهو خفة الجسم التي تكون لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه، لأنه يضعف الشهوة ويسهل الطاعة، والتثاؤب بضد ذلك، والله اعلم.
وروينا في صحيح البخاري عن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم" قال العلماء: بالكم: أي شأنكم.
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال:"هذا حمد الله تعالى، وإنك لم تحمد الله تعالى".
وروينا في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: وهو حديث حسن شواهده.
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" .
وروينا في صحيحيهما عن البراء رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإبرار القسم.
وروينا في صحيحيهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" .
وفي رواية لمسلم: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله تعالى فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" .
فصل: اتفق العلماء على أنه يستحب للعاطس أن يقول عقب عطاسه: الحمد لله، فلو قال: الحمد لله رب العالمين كان أحسن، ولو قال: الحمد لله على كل حال كان أفضل.
روينا في سنن أبي داود وغيره بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم" .
وروينا في كتاب الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا عطس إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عمر: وأنا أقول: الحمد لله والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، علمنا أن نقول: "الحمد لله على كل حال".

(1/186)


قلت: ويستحب لكل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله، أو يرحمكم الله، أو رحمك الله، أو رحمكم الله.
ويستحب للعاطس بعد ذلك أن يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم.
وروينا في موطأ مالك عنه عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: إذا عطس أحدكم فقيل له: يرحمك الله، يقول: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم.
كل هذا سنة ليس فيه شيء واجب، قال أصحابنا: والتشميت وهو قوله: يرحمك الله، سنة على الكفاية، لو قاله بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل أن يقوله كل واحد منهم لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي قدمناه: كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله وهذا الذي ذكرناه من استحباب التشميت هو مذهبنا.
واختلف أصحاب مالك في وجوبه، فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة، ويجزئ تشميت واحد من الجماعة كمذهبنا، وقال ابن مزين: يلزم كل واحد منهم، واختاره ابن العربي المالكي.
فصل: إذا لم يحمد العاطس لا يشمت، للحديث المتقدم، وأقل الحمد والتشميت وجوابه أن يرفع صوته بحيث يسمع صاحبه.
فصل: إذا قال العاطس لفظا آخر غير "الحمد لله" لم يستحق التشميت.
روينا في سنن أبي داود والترمذي عن سالم بن عبيد الأشجعي الصحابي رضي الله تعالى عنه قال: "بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقال: السلام عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك وعلى أمك ، ثم قال: إذا عطس أحدكم فليحمد الله تعالى، فذكر بعض المحامد، وليقل له من عنده: يرحمك الله، وليرد - يعني عليهم - يغفر الله لنا ولكم".
فصل: إذا عطس في صلاته يستحب أن يقول: الحمد لله، ويسمع نفسه، هذا مذهبنا.
ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال. أحدها هذا، واختاره ابن العربي ! والثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرا ولا في نفسه.
فصل: السنة إذا جاءه العطاس أن يضع يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه، وأن يخفض صوته.
روينا في سنن أبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فمه، وخفض أو غض بها صوته - شك الراوي أي اللفظين قال - قال الترمذي: حديث صحيح.
وروينا في كتاب ابن السني عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس" .
وروينا فيه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان" .

(1/187)


فصل: إذا تكرر العطاس من إنسان متتابعا، فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ ثلاث مرات.
روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وعطس عنده رجل، فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل مزكوم" هذا لفظ رواية مسلم.
وأما رواية أبي داود والترمذي فقالا: قال سلمة: عطس رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا شاهد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحمك الله" ، ثم عطس الثانية أو الثالثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يرحمك الله، هذا رجل مزكوم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأما الذي رويناه في سنن أبي داود والترمذي عن عبيد الله بن رفاعة الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يشمت العاطس ثلاثا، فإن زاد، فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا" فهو حديث ضعيف ، قال فيه الترمذي: حديث غريب، وإسناده مجهول.
وروينا في كتاب ابن السني بإسناد فيه رجل لم أتحقق حاله وباقي إسناده صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاثة فهو مزكوم، ولا يشمت بعد ثلاث".
واختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل: يقال له في الثانية: إنك مزكوم، وقيل: يقال له في الثالثة، وقيل: في الرابعة، والأصح أنه في الثالثة.
قال: والمعنى فيه أنك لست ممن يشمت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكام ومرض، لا خفة العطاس.
فإن قيل: فإذا كان مرضا، فكان ينبغي أن يدعى له ويشمت، لأنه أحق بالدعاء من غيره؟ فالجواب أنه يستحب أن يدعى له لكن غير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكون من باب التشميت.
فصل: إذا عطس ولم يحمد الله تعالى، فقد قدمنا أنه لا يشمت، وكذا لو حمد الله تعالى ولم يسمعه الإنسان لا يشمته، فإن كانوا جماعة فسمعه بعضهم دون بعض، فالمختار أنه يشمته من سمعه دون غيره.
وحكى ابن العربي خلافا في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا تشميت صاحبهم، فقيل: يشمته، لأنه عرف عطاسه وحمده بتشميت غيره، وقيل: لا، لأنه لم يسمعه.
واعلم أنه إذا لم يحمد أصلا يستحب لمن عنده أن يذكره الحمد، هذا هو المختار.
وقد روينا في معالم السنن للخطابي نحوه عن الإمام الجليل إبراهيم النخعي، وهو من باب النصيحة والأمر بالمعروف، والتعاون على البر والتقوى، وقال ابن العربي:
لا يفعل هذا، وزعم أنه جهل من فاعله، وأخطأ في زعمه، بل الصواب استحبابه لما ذكرناه، وبالله التوفيق.
فصل: فيما إذا عطس يهودي. روينا في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد

(1/188)


الصحيحة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فصل: روينا في مسند أبي يعلى الموصلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حدث حديثا فعطس عنده فهو حق" كل إسناده ثقات متقنون إلا بقية بن الوليد فمختلف فيه، وأكثر الحفاظ والأئمة يحتجون بروايته عن الشاميين، وقد روي هذا الحديث عن معاوية بن يحيى الشامي.
فصل: إذا تثاءب، فالسنة أن يرده ما استطاع، للحديث الصحيح الذي قدمناه.
والسنة أن يضع يده على فيه، لما رويناه في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه، فإن الشيطان يدخل" .
قلت: وسواء كان التثاؤب في الصلاة أو خارجها، يستحب وضع اليد على الفم، وإنما يكره للمصلي وضع يده على فمه في الصلاة إذا لم تكن حاجة كالتثاؤب وشبهه، والله اعلم.

(1/189)


باب المدح
اعلم أن مدح الإنسان والثناء عليه بجميل صفاته قد يكون في حضور الممدوح، وقد يكون بغير حضوره، فأما الذي في غير حضوره، فلا منع منه إلا أن يجازف المادح ويدخل في الكذب، فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحا، ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتب عليه مصلحة ولم يجر إلى مفسدة بأن يبلغ الممدوح فيفتتن به، أو غير ذلك.
وأما المدح في وجه الممدوح فقد جاءت فيه أحاديث تقتضي إباحته أو استحبابه، وأحاديثه تقتضي المنع منه.
قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان، وحسن يقين، ورياضة نفس، ومعرفة تامة، بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه، فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كره مدحه كراهة شديدة.
فمن أحاديث المنع ما رويناه في صحيح مسلم عن المقداد رضي الله عنه أن رجلا جعل يمدح عثمان رضي الله عنه، فعمد المقداد فجثا على ركبتيه، فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" .
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يثني على رجل ويطريه في المدحة فقال: "أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل" .
قلت: قوله يطريه، بضم الياء وإسكان الطاء المهملة وكسر الراء وبعدها ياء مثناة تحت.
والإطراء: المبالغة في المدح ومجاوزة الحد، وقيل: هو المدح.

(1/189)


وروينا في صحيحيهما عن أبي بكرة رضي الله عنه أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ويحك قطعت عنق صاحبك – يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل: أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك، وحسيبه الله ولا يزكني على الله أحدا" .
وأما أحاديث الإباحة فكثيرة لا تنحصر، ولكن نشير إلى أطراف منها.
فمنها قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لأبي بكر رضي الله عنه: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟.
وفي الحديث الآخر: "لست منهم" أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء.
وفي الحديث الآخر "يا أبا بكر لا تبك، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" .
وفي الحديث الآخر: "أرجو أن تكون منهم" أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها.
وفي الحديث الآخر "ائذن له وبشره بالجنة" وفي الحديث الآخر "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت الجنة فرأيت قصرا، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لعمر، فأردت أن أدخله، فذكرت غيرتك، فقال عمر رضي الله عنه: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟" .
وفي الحديث الآخر: "يا عمر ما لقيك الشيطان سالكا مجالا إلا سلك مجالا غير فجك" .
وفي الحديث الآخر: "افتح لعثمان وبشره بالجنة" .
وفي الحديث الآخر قال لعلي: "أنت مني وأنا منك" .
وفي الحديث الآخر قال لعلي: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟" .
وفي الحديث الآخر قال لبلال: "سمعت دف نعليك في الجنة" .
وفي الحديث الآخر قال لأبي بن كعب: "ليهنأك العلم أبا المنذر" .
وفي الحديث الآخر قال لعبد الله بن سلام: "أنت على الإسلام حتى تموت" .
وفي الحديث الآخر قال للأنصاري: "ضحك الله عز وجل، أو عجب من فعالكما" .
وفي الحديث الآخر قال للأنصار: "أنتم من أحب الناس إلي" .
وفي الحديث الآخر قال لأشج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله: الحلم والأناة" .
وكل هذه الأحاديث التي أشرت إليها في الصحيح مشهورة، فلهذا لم أضفها، ونظائر ما ذكرناه من مدحه صلى الله عليه وسلم في الوجه كثيرة.
وأما مدح الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء والأئمة الذين يقتدى بهم رضي الله عنهم أجمعين فأكثر من أن تحصر، والله اعلم.
قال أبو حامد الغزالي في آخر كتاب الزكاة من الإحياء : إذا تصدق إنسان بصدقة، فينبغي للآخذ منه أن ينظر، فإن كان الدافع ممن يحب الشكر عليها ونشرها فينبغي للآخذ أن يخفيها لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم، وطلبه الشكر ظلم، وإن علم من حاله أنه لا يحب الشكر ولا يقصده فينبغي أن يشكره ويظهر صدقته.
وقال سفيان الثوري رحمه الله: من عرف نفسه لم يضره مدح الناس.
قال أبو حامد الغزالي بعد أن ذكر ما سبق في أول الباب: فدقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعي قلبه، فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان لكثرة التعب وقلة النفع، ومثل هذا العلم هو الذي يقال: إن تعلم مسألة منه أفضل من عبادة سنة، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، وبالجهال به تموت عبادة العمر وبالجهل به تموت عبادة العمر وتتعطل، وبالله التوفيق.

(1/190)


باب مدح الإنسان نفسه وذكر محاسنه
قال الله تعالى: {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] اعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم ; ومحبوب، فالمذموم أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع والتميز على
الأقران وشبه ذلك، والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرا بمعروف، أو ناهيا عن منكر، أو ناصحا أو مشيرا بمصلحة، أو معلما، أو مؤدبا، أو واعظا، أو مذكرا، أو مصلحا بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شرا، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناويا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به، أو نحو ذلك، وقد جاء في هذا المعنى ما لا يحصى من النصوص، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا النبي لا كذب" .
"أنا سيد ولد آدم" .
"أنا أول من تنشق عنه الأرض" .
"أنا اعلمكم بالله وأتقاكم" .
"إني أبيت عند ربي" .
وأشباهه كثيرة، وقال يوسف صلى الله عليه وسلم: " {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55] وقال شعيب صلى الله عليه وسلم: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27].
وقال عثمان رضي الله عنه حين حصر ما رويناه في صحيح البخاري أنه قال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من جهز جيش العسرة فله الجنة؟" فجهزتهم، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حفر بئر رومة فله الجنة، فحفرتها؟ فصدقوه بما قال" .
وروينا في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال حين شكاه أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا: لا يحسن يصلي، فقال سعد: والله إني لأول رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله تعالى، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم...وذكر تمام الحديث.
وروينا في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق. قلت: برأ مهموز معناه: خلق، والنسمة: النفس.
وروينا في صحيحيهما، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود رضي الله عنه فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة، ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم، ولو اعلم أن أحدا اعلم مني لرحلت إليه".
وروينا في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن البدنة إذا أزحفت فقال: على الخبير سقطت - يعني نفسه -...وذكر تمام الحديث.
ونظائر هذا كثيرة لا تنحصر، وكلها محمولة على ما ذكرنا، وبالله التوفيق.

(1/191)


باب في مسائل تتعلق بما تقدم
مسألة: يستحب إجابة من ناداك: لبيك وسعديك أو لبيك وحدها، ويستحب أن يقول لمن ورد عليه: مرحبا، وأن يقول لمن أحسن إليه أو رأى منه فعلا جميلا: حفظك الله، وجزاك الله خيرا، وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة.
مسألة: ولا بأس بقوله للرجل الجليل في علمه أو صلاحه أو نحو ذلك: جعلني الله فداك، أو فداك أبي وأمي وما أشبهه، ودلائل هذا من الحديث الصحيح كثيرة مشهورة حذفتها اختصارا.
مسألة: إذا احتاجت المرأة إلى كلام غير المحارم في بيع أو شراء، أو غير ذلك من المواضع التي يجوز لها كلامه فيها، فينبغي أن تفخم عبارتها وتغلظها ولا تلينها مخافة من طمعه فيها.
قال الإمام أبو الحسن الواحدي من أصحابنا في كتابه البسيط: قال أصحابنا: المرأة مندوبة إذا خاطبت الأجانب إلى الغلظة في المقالة، لان ذلك أبعد من الطمع في الريبة، وكذلك إذا خاطبت محرما عليها بالمصاهرة، ألا ترى أن الله تعالى أوصى أمهات المؤمنين وهن محرمات على التأبيد بهذه الوصية، فقال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب: 32]قلت: هذا الذي ذكره الواحدي من تغليظ صوتها، كذا قاله أصحابنا.
قال الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا، طريقها في تغليظه أن تأخذ ظهر كفها بفيها وتجيب كذلك، والله اعلم.
وهذا الذي ذكره الواحدي من أن المحرم بالمصاهرة كالأجنبي في هذا ضعيف وخلاف المشهور عند أصحابنا، لانه كالمحرم بالقرابة في جواز النظر والخلوة.
وأما أمهات المؤمنين، فإنهن أمهات في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن فقط، ولهذا يحل نكاح بناتهن، والله اعلم.

(1/192)