الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية

الكتاب الثاني: في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية
القاعدة الأولى: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد
مدخل
...
الكتاب الثاني: في قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.
القاعدة الأولى: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
الأصل في ذلك إجماع الصحابة رضي الله عنهم نقله ابن الصباغ وأن أبا بكر حكم في مسائل خالفه عمر فيها ولم ينقض حكمه, وحكم عمر في المشركة بعدم المشاركة ثم بالمشاركة وقال ذلك على ما قضينا وهذا على ما قضينا, وقضى في الجد قضايا مختلفة.
وعلته أنه ليس الاجتهاد الثاني بأقوى من الأول فإنه يؤدي إلى أنه لا يستقر حكم وفي ذلك مشقة شديدة فإنه إذا نقض هذا الحكم نقض ذلك النقض وهلم جرا.
ومن فروع ذلك:
لو تغير اجتهاده في القبلة عمل بالثاني ولا قضاء حتى لو صلى أربع ركعات لأربع جهات بالاجتهاد فلا قضاء.

(1/101)


ومنها لو اجتهد فظن طهارة أحد الإناءين فاستعمله وترك الآخر, ثم تغير ظنه لا يعمل بالثاني, بل يتيمم.
ومنها لو شهد الفاسق فردت شهادته فتاب وأعادها لم تقبل ; لأن قبول شهادته بعد التوبة يتضمن نقض الاجتهاد بالاجتهاد, كذا علله في التتمة.
ومنها لو ألحقه القائف بأحد المتداعيين ثم رجع وألحقه بالآخر لم يقبل.
ومنها لو ألحقه قائف بأحدهما, فجاء قائف آخر فألحقه بالآخر لم يلحق به ; لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
ومنها لو حكم الحاكم بشيء ثم تغير اجتهاده لم ينقض الأول وإن كان الثاني أقوى, غير أنه في واقعة جديدة لا يحكم إلا بالثاني بخلاف ما لو تيقن الخطأ.
ومنها حكم الحاكم في المسائل المجتهد فيها لا ينقض. ولذلك أمثلة.
منها: الحكم بحصول الفرقة في اللعان بأكثر الكلمات الخمس وببطلان خيار المجلس والعرايا ومنع القصاص في المثقل, وصحة النكاح بلا ولي أو بشهادة فاسقين, وبيع أم الولد وثبوت الرضاع بعد حولين, وصحة نكاح الشغار والمتعة, وأنه لا قصاص بين الرجل والمرأة في الأطراف ورد الزوائد مع الأصل في الرد بالعيب, وجريان التوارث بين المسلم والكافر وقتل الوالد بالولد والحر بالعبد والمسلم بالذمي, على ما صححه في أصل الروضة في الجميع وإن كان الصواب في الأخير النقض بمخالفته النص الصحيح الصريح.
ومنها لو خالع زوجته ثلاثا ثم تزوجها الرابعة بلا محلل, لاعتقاده أن الخلع فسخ, ثم تغير اجتهاده وهو باق معها بذلك النكاح, قال الغزالي: إن حكم حاكم بصحته لم تجب عليه مفارقتها, وإن تغير اجتهاده لما يلزم في فراقها من تغير حكم الحاكم في المجتهدات. قال: وإن لم يحكم حاكم ففيه تردد, والمختار وجوب المفارقة لما يلزم في إمساكها من الوطء الحرام على معتقده.
الثاني: قالوا: وما ذكره في حكم الحاكم مبني على أن حكمه ينفذ باطنا وإلا فلا يلزم من فراقه إياها نقض حكم الحاكم لأن هذا بالنسبة إلى أخذه في خاصة نفسه وامتناع نقض الحكم في المجتهدات لما تقدم, ليظهر أثره في المتنازعين.
وعلى ذلك أيضا نبني ما حكاه ابن أبي الدم في أدب القضاء عن الأصحاب أن الحنفي إذا خلل خمرا فأتلفها عليه شافعي لا يعتقد طهارتها بالتخليل فترافعا إلى حنفي وثبت ذلك عنده بطريقه فقضى على الشافعي بضمانها لزمه ذلك قولا واحدا حتى لو لم يكن للمدعي بينة وطالبه بعد ذلك بأداء ضمانها, لم يجز للمدعى عليه أن يحلف أنه لا يلزمه شيء لأنه على خلاف ما حكم به الحاكم والاعتبار في الحكم باعتقاد القاضي دون اعتقاده وكأن هذا مفرع على نفوذ الحكم باطنا وإلا فيسوغ له الحلف ويؤيده الخلاف فيما إذا حكم الحنفي للشافعي بشفعة الجوار هل تحل له.

(1/102)


التنبيه الأول: وقع في فتاوى السبكي أن امرأة وقفت دارا...الخ
...
تنبيهات:
الأول: وقع في فتاوى السبكي أن [امرأة وقفت دارا ذكرت أنها بيدها وملكها وتصرفها على ذريتها ] وشرطت النظر لنفسها ثم لولدها وأشهد حاكم شافعي على نفسه بالحكم بموجب الإقرار المذكور وبثبوت ذلك عنده وبالحكم به وبعده شافعي آخر فأراد حاكم مالكي إبطال هذا الوقف بمقتضى شرطها النظر لنفسها واستمرار يدها عليها وبمقتضى كون الحاكم لم يحكم بصحته وأن حكمه بالموجب لا يمنع النقض وأفتاه بعض الشافعية بذلك تعلقا بما ذكره الرافعي عن أبي سعيد الهروي في قول الحاكم صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله وألزمت العمل بموجبه أنه ليس بحكم وتصويب الرافعي ذلك.
قال السبكي: والصواب عندي أنه لا يجوز نقضه سواء اقتصر على الحكم بالموجب أم لا لأن كل شيء حكم فيه حاكم حكما صحيحا لا ينقض حكمه وأما من خص ذلك في الحكم بالصحة فلا.
وليس هذا اللفظ في شيء من كتب العلم فليس من شرط امتناع النقض أن يأتي الحاكم. بلفظ الحكم بالصحة.
قال ولأن الحكم بموجب الإقرار مستلزم للحكم بصحة الإقرار وصحة المقر به في حق المقر, فإذا حكم المالكي ببطلان الوقف استلزم الحكم ببطلان الإقرار وببطلان المقر به في حق المقر.
قال ولأن الاختلاف بين الحكم بالصحة والموجب إنما يظهر فيما يكون الحكم فيه بالصحة مطلقا على كل أحد. أما الإقرار فالحكم بصحته إنما هو على المقر والحكم بموجبه كذلك.
قال: وأما ما نقله الرافعي عن الهروي فالضمير في قوله "بموجبه" عائد على الكتاب وموجب الكتاب صدور ما تضمه من إقرار أو تصرف أو غير ذلك. وقبوله, وإلزام العمل به هو أنه ليس بزور, وأنه مثبت الحجة غير مردود, ثم يتوقف الحكم بها على أمور أخر.
منها عدم معارضة بينة أخرى كما صرح به الهروي في بقية كلامه وغير ذلك ولذلك قال الرافعي الصواب أنه ليس بحكم ونحن نوافقه على ذلك في تلك المسألة. أما مسألتنا هذه فالحكم بموجب الإقرار الذي هو مضمون الكتاب ولم يتكلم الرافعي ولا الهروي فيه بشيء فزال التعلق بكلامهما, انتهى.

(1/103)


التنبيه الثاني: معنى قولهم: "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"
...
الثاني: معنى قولهم "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد"
أي في الماضي ولكن بغير الحكم في المستقبل لانتفاء الترجيح الآن ولهذا يعمل بالاجتهاد الثاني في القبلة ولا ينقض ما مضى.

(1/103)


وفي المطلب ما قاله الأصحاب في الخنثى إذا تعارض البول مع الحيض فلا دلالة تقتضي أنه لو بال من فرج الرجل وحكمنا بذكورته ثم حاض في أوانه حكمنا بإشكاله إذ البول يتقدم إمكان الحيض.
قال وما اقتضاه كلامهم مشكل لأنه نقض للاجتهاد بالاجتهاد.
قال الأسنوي: والجواب عنه أن النقض الممتنع إنما هو في الأحكام الماضية ونحن لا نتعرض لها وإنما غيرنا الحكم لانتفاء المرجح الآن وصار كالمجتهد في القبلة وغيرها إذا غلب على ظنه دليل فأخذ به ثم عارضه دليل آخر فإنه يتوقف عن الأخذ به في المستقبل ولا ينقض ما مضى.

(1/104)


التنبيه الثالث: استثني من القاعدة صور
...
الثالث: استثني من القاعدة صور:
الأولى: للإمام الحمى ولو أراد من بعده نقضه فله ذلك في الأصح لأنه للمصلحة وقد تتغير ومنع الإمام الاستثناء وقال ليس مأخذ التجويز هذا ولكن حمى الأول كان للمصلحة وهي المتبع في كل عصر. الثانية: لو قسم في قسمة إجبار ثم قامت بينة بغلط القاسم أو حيفه نقضت مع أن القاسم قسم باجتهاده فنقض القسمة بقول مثله والمشهود به مجتهد فيه مشكل وقد استشكله صاحب المطلب لذلك.
الثالثة: إذا قوم المقومون ثم اطلع على صفة زيادة أو نقص بطل تقويم الأول لكن هذا يشبه نقض الاجتهاد بالنص لا بالاجتهاد.
الرابعة لو أقام الخارج بينة وحكم له بها وصارت الدار في يده ثم أقام الداخل بينة حكم له بها ونقض الحكم الأول لأنه إنما قضى للخارج لعدم حجة صاحب اليد هذا هو الأصح في الرافعي.
وقال الهروي: في الإشراف. قال القاضي حسين: أشكلت علي هذه المسألة منذ نيف وعشرين سنة, لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد, وتردد جوابي, ثم استقر رأيي على أنه لا ينقض.
فائدة:
قال السبكي: إذا كان للحاكم أهلية الترجيح ورجح قولا منقولا بدليل جيد جاز, ونفذ حكمه. وإن كان مرجوحا عند أكثر الأصحاب ما لم يخرج عن مذهبه, وليس له أن يحكم بالشاذ الغريب في مذهبه, وإن ترجح عنده ; لأنه كالخارج عن مذهبه فلو حكم بقول خارج عن مذهبه وقد ظهر له رجحانه, فإن لم يشرط عليه الإمام في التولية التزام

(1/104)


مذهب جاز, وإن شرط عليه باللفظ أو العرف كقوله: "على قاعدة من تقدمه" ونحو ذلك لم يصح الحكم لأن التولية لم تشمله.
وأفتى ابن عبد السلام بأن الحاكم المعلوم المذهب إذا حكم بخلاف مذهبه وكان له رتبة الاجتهاد, أو وقع الشك فيه. فالظاهر أنه لا يحكم بخلاف مذهبه فينقض حكمه.
وقال الماوردي: إذا كان الحاكم شافعيا وأداه اجتهاده في قضية أن يحكم بمذهب أبي حنيفة جاز.
ومنع منه بعض أصحابنا لتوجه التهمة إليه, ولأن السياسة تقتضي مدافعة استقرار المذاهب وتمييز أهلها. وقال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد أن يحكم في هذا الزمان بغير مذهبه, فإن فعل نقض لفقد الاجتهاد في أهل هذا الزمان.
خاتمة:
ينقض قضاء القاضي إذا خالف نصا, أو إجماعا, أو قياسا جليا.
قال القرافي: أو خالف القواعد الكلية. قال الحنفية: أو كان حكما لا دليل عليه, نقله السبكي في فتاويه.
قال: وما خالف شرط الواقف فهو مخالف للنص. وهو حكم لا دليل عليه, سواء كان نصه في الوقف نصا, أو ظاهرا.
قال: وما خالف المذاهب الأربعة, فهو كالمخالف للإجماع.
قال: وإنما ينقض حكم الحاكم لتبين خطئه, والخطأ قد يكون في نفس الحكم بكونه خالف نصا أو شيئا مما تقدم, وقد يكون الخطأ في السبب كأن يحكم ببينة مزورة ثم يتبين خلافه, فيكون الخطأ في السبب لا في الحكم, وقد يكون الخطأ في الطريق, كما إذا حكم ببينة ثم بان فسقها.
وفي هذه الثلاثة ينقض الحكم بمعنى أنا تبينا بطلانه, فلو لم يتعين الخطأ, بل حصل مجرد التعارض: كقيام بينة بعد الحكم بخلاف البينة التي ترتب الحكم عليها, فلا نقل في المسألة.
والذي يترجح: أنه لا ينقض, لعدم تبين الخطأ.

(1/105)


القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال و الحرام غلب الحرام
مدخل
...
القاعدة الثانية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام
وأورده جماعة حديثا بلفظ: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال". قال الحافظ أبو الفضل العراقي: ولا أصل له, وقال السبكي في الأشباه والنظائر

(1/105)


نقلا عن البيهقي: هو حديث رواه جابر الجعفي, رجل ضعيف, عن الشعبي عن ابن مسعود, وهو منقطع.
قلت: وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه. وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع.
ثم قال ابن السبكي: غير أن القاعدة في نفسها صحيحة. قال الجويني في السلسلة: لم يخرج عنها إلا ما ندر.
فمن فروعها:
إذا تعارض دليلان: أحدهما يقتضي التحريم والآخر الإباحة قدم التحريم في الأصح ومن ثم قال عثمان, لما سئل عن الجمع بين أختين بملك اليمين: "أحلتهما آية وحرمتهما آية. والتحريم أحب إلينا" وكذلك تعارض حديث: "لك من الحائض ما فوق الإزار", وحديث: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح", فإن الأول يقتضي تحريم ما بين السرة والركبة. والثاني يقتضي إباحة ما عدا الوطء, فيرجح التحريم احتياطا.
قال الأئمة: وإنما كان التحريم أحب لأن فيه ترك مباح لاجتناب محرم. وذلك أولى من عكسه.
ومنها: لو اشتبهت محرم بأجنبيات محصورات لم تحل.
ومنها: قاعدة مد عجوة ودرهم.
ومنها: من أحد أبويها كتابي, والآخر مجوسي. أو وثني: لا يحل نكاحها ولا ذبيحتها, ولو كان الكتابي الأب في الأظهر, تغليبا لجانب التحريم.
ومنها: من أحد أبويه مأكول, والآخر غير مأكول. لا يحل أكله, ولو قتله محرم ففيه الجزاء تغليبا للتحريم في الجانبين.
ومنها: لو كان بعض الضبة للحاجة, وبعضها للزينة: حرمت.
ومنها: لو كان بعض الشجرة في الحل, وبعضها في الحرم: حرم قطعها.
ومنها: لو اشترك في الذبح مسلم ومجوسي, أو في قتل الصيد سهم وبندقة: لم يحل. ومنها: عدم جواز وطء الجارية المشتركة.
ومنها: لو اشتبه مذكى بميتة, أو لبن بقر بلبن أتان أو ماء وبول: لم يجز تناول شيء منها ولا بالاجتهاد, ما لم تكثر الأواني كاشتباه المحرم.
ومنها: لو اختلطت زوجته بغيرها, فليس له الوطء, ولا باجتهاد, سواء كن محصورات أم لا بلا خلاف, قاله في شرح المهذب.
ومن صوره: أن يطلق إحدى زوجتيه مبهما, فيحرم الوطء قبل التعيين أو يسلم على أكثر من أربع, فيحرم قبل الاختيار.

(1/106)


ومنها: ما ذكره النووي في فتاويه: إذا أخذ المكاس من إنسان دراهم فخلطها بدراهم المكس, ثم رد عليه قدر درهمه من ذلك المختلط. لا يحل له إلا أن يقسم بينه وبين الذي أخذت منهم.
وفي فتاوى ابن الصلاح: لو اختلط درهم حلال بدراهم حرام. ولم يتميز فطريقه: أن يعزل قدر الحرام بنية القسمة. ويتصرف في الباقي, والذي عزله إن علم صاحبه سلمه إليه, وإلا تصدق به عنه, وذكر مثله النووي وقال: اتفق أصحابنا, ونصوص الشافعي على مثله فيما إذا غصب زيتا أو حنطة. وخلط بمثله, قالوا: يدفع إليه من المختلط قدر حقه. ويحل الباقي للغاصب.
قال: فأما ما يقوله العوام: إن اختلاط ماله بغيره يحرمه, فباطل, لا أصل له. ومنها: لو انتشر الخارج فوق العادة, وجاوز الحشفة أو الصفحة, فإنه لا يجزي الحجر في غير المجاوز أيضا.
ومنها: لو تلفظ الجنب بالقرآن. بقصد القراءة والذكر معا: فإنه يحرم.
ومنها: لو وقف جزءا من أرض مشاعا مسجدا: صح. ووجب القسمة, ولا يجوز قبل القسمة للجنب المكث في شيء من أجزائها, ولا الاعتكاف تغليبا للتحريم في الجانبين ذكره ابن الصلاح في فتاويه.
ومنها: لو رمى الصيد فوقع بأرض, أو جبل, ثم سقط منه, حرم لحصول الموت بالسهم والسقطة. وخرج عن هذه القاعدة فروع:
منها: الاجتهاد في الأواني والثياب, والثوب المنسوخ من حرير وغيره يحل إن كان الحرير أقل وزنا, وكذا إن استويا في الأصح, بخلاف ما إذا زاد وزنا.
ونظيره: التفسير, يجوز مسه للمحدث إن كان أكثر من القرآن, وكذا إن استويا في الأصح, إلا إن كان القرآن أكثر.
ومنها: لو رمى سهما إلى طائر فجرحه, ووقع على الأرض فمات, فإنه يحل وإن أمكن إحالة الموت على الوقوع على الأرض ; لأن ذلك لا بد منه, فعفي عنه.
ومنها: معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه لا يحرم في الأصح, لكن يكره وكذا الأخذ من عطايا السلطان إذا غلب الحرام في يده كما قال في شرح المهذب إن المشهور فيه الكراهة, لا التحريم, خلافا للغزالي.
ومنها: لو اعتلفت الشاة علفا حراما لم يحرم لبنها ولحمها, ولكن تركه أورع. نقله في شرح المهذب عن الغزالي.
ومنها: أن يكون الحرام مستهلكا أو قريبا منه ; فلو أكل المحرم شيئا قد استهلك فيه

(1/107)


الطيب فلا فدية, ولو خالط المائع الماء بحيث استهلك فيه جاز استعماله كله في الطهارة ولو مزج لبن المرأة بماء بحيث استهلك فيه, لم يحرم, وكذا لو لم يستهلك, ولكن لم يشرب الكل, ولا يجوز القراض على المغشوش. قال الجرجاني: ما لم يكن مستهلكا.
ومنها: لو اختلطت محرمه بنسوة قرية كبيرة: فله النكاح منهن.
ولو اختلط حمام مملوك بمباح لا ينحصر. جاز الصيد ولو كان المملوك غير محصور أيضا في الأصح. قال في زوائد الروضة: ومن المهم: ضبط العدد المحصور. فإنه يتكرر في أبواب الفقه وقل من بينه.
قال الغزالي: وإنما يضبط بالتقريب, فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد, لعسر على الناظرين عده بمجرد النظر. كالألف ونحوه, فهو غير محصور. وما سهل, كالعشرة والعشرين فهو محصور, وبين الطرفين أوساط متشابهة, تلحق بأحد الطرفين بالظن, وما وقع فيه الشك استفتي فيه القلب.
ولو ملك الماء بالاستسقاء, ثم انصب في نهر, لم يزل ملكه عنه ولا يمنع الناس من الاستقاء. وهو في حكم الاختلاط بغير المحصور.
قال في الإحياء: ولو اختلط في البلد حرام لا ينحصر. لم يحرم الشراء منه, بل يجوز الأخذ منه, إلا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام.

(1/108)


فصل: يدخل في هذه القاعدة: تفريق الصفقة.
وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال.
ويجري في أبواب وفيها غالبا قولان, أو وجهان: أصحهما الصحة في الحلال,
والثاني: البطلان في الكل. وادعى في المهمات: أنه المذهب
واختلف في علته. فالصحيح: أنها الجمع بين الحلال والحرام فغلب الحرام وقيل: الجهالة بما يخص الملك من العوض.
ومن أمثلة ذلك في البيع: أن يبيع خلا وخمرا, أو شاة وخنزيرا, أو عبدا وحرا, أو عبده وعبد غيره, أو مشتركا بغير إذن شريكه, أو مال الزكاة قبل إخراجها, أو الماء الجاري مع قراره, أو غير الجاري, وقلنا: الماء لا يملك. والأظهر الصحة في القدر المملوك بحصته من المسمى.
ومنها: أن يهب ذلك, كما صرح به في التتمة, فيما إذا وهب عبدا فخرج بعضه مستحقا أن يرهنه, أو يصدقه, أو يخالع عليه.
وفي النكاح: أن يجمع من لا تحل, له الأمة: بين حرة وأمة في عقد, فالأظهر: صحة النكاح في الحرة. وكذا لو جمع في عقد بين مسلمة ووثنية, أو أجنبية ومحرم أو خلية.

(1/108)


ومعتدة, أو مزوجة. وكذا لو جمع من تحل له الأمة بين أمة وأختين, فإنه يبطل في الأختين وفي الأمة: القولان.
وفي الهدنة: إذا زادت على القدر الجائز. بطلت في الزائد: وفي الباقي: القولان أظهرهما: الصحة. وفي المناضلة: إذا كانت بين حزبين, فظهر في أحدهما من لا يحسن الرمي, بطل العقد فيه. وسقط من الحزب الآخر مقابله وهل يبطل العقد في الباقي: فيه القولان. أصحهما: لا.
وفي الضمان والإبراء: لو قال: ضمنت لك الدراهم التي على فلان, أو أبرأتك من الدراهم التي عليك, وهو لا يعلم قدرها, فهل يصح في ثلاثة ; لأنها القدر المستيقن:
وجهان من تفريق الصفقة. كذا في الروضة وأصلها في الصداق ومقتضاه الصحة.
وذكر المسألة في باب الضمان, وقالا: وجهان, كما لو أجر كل شهر بدرهم. وهل يصح في الشهر الأول ومقتضاه تصحيح البطلان, فإنه الأصح في مسألة الإجارة.
ولو أهدى من له عادة بالإهداء للقاضي, وزاد على المعتاد قبل الولاية, ففي أصل الروضة: صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية, ومقتضاه: تحريم الكل.
قال في المهمات: والقياس تخصيص ذلك بما زاد, وتخريج الباقي على تفريق الصفقة. وحينئذ فتصير الهدية مشتركة على الصحيح, فإن زاد في المعنى, كأن أهدى الحرير بعد أن كان يهدي الكتان, فهل يبطل في الجميع, أو يصح فيها بقدر قيمة العادة فيه نظر, والأوجه: الأول انتهى.
وقال البلقيني: المعتمد اختصاص التحريم بالزيادة, فإن تميزت, وإلا حرم الكل. وفي إحياء الموات: لو تحجر الشخص فأكثر مما يقدر على إحيائه, فقيل: يبطل في الجميع ; لأنه لا يتميز ما يقدر عليه من غيره. وقال المتولي. يصح فيما يقدر عليه. قال في الروضة: وهو قوي.
وفي الوصية: لو أوصى بثلثه لوارث وأجنبي, بطلت في الوارث. وفي الآخر: وجهان: أصحهما: الصحة.
وألحق بعضهم بذلك: ما إذا أوصى بأكثر من الثلث, ولا وارث له, فالمعروف فيه الجزم بالصحة في الثلث.
وفي الشهادات: لو جمع في شهادته بين ما يجوز, وما لا يجوز, هل تبطل في الكل, أو فيما لا يجوز خاصة, ويقبل فيما يجوز فيه قولا تفريق الصفقة.
ومن أمثلته:
لو ادعى بألف: فشهد له بألفين. بطلت في الزائد, وفي الألف المدعى بها قولا تفريق الصفقة أصحهما: الصحة.

(1/109)


ذكر شروط لجريان الخلاف في تفريق الصفقة
...
تنبيه:
ذكروا لجريان الخلاف في تفريق الصفقة شروطا:
الأول: أن لا يكون في العبادات, فإن كانت فيها, صح فيما يصح فيه قطعا.
فلو عجل زكاة سنتين, صح لسنة قطعا.
ولو نوى حجتين: انعقدت واحدة قطعا.
ولو نوى في النفل: أربع ركعات بتسليمتين. انعقدت بركعتين قطعا, دون الأخيرتين لأنه لما سلم منهما خرج عن الصلاة فلا يصير شارعا في الأخيرتين, إلا بنية وتكبيرة.
ذكره القاضي حسين في فتاويه.
ويستثنى صور:
الأولى: لو نوى في رمضان صوم جميع الشهر, بطل فيما عدا اليوم الأول, وفيه وجهان, أصحهما: الصحة.
الثانية: لو نوى التيمم لفرضين, بطل في أحدهما, وفي الآخر وجهان. أصحهما: الصحة.
وقد انعكست هذه المسألة على الزركشي, فقال, في قواعده: صح لواحد قطعا. وفي الآخر خلاف, وهو غلط.
الثالثة: ادعى على الخارص الغلط بما يبعد, لم يقبل فيما زاد على القدر المحتمل. وفي المحتمل: وجهان. أصحهما: القبول فيه.
الرابعة: نوى قطع الوضوء في أثنائه. بطل ما صادف النية قطعا ; وفي الماضي وجهان أصحهما: لا.
قال في الخادم: وهي من مسائل تفريق الصفقة في العبادات.
الخامسة: مسح أعلى الخفين, وهو ضعيف, ووصل البلل إلى أسفل القوي, وقصدهما, لم يصح في الأعلى, وفي الأسفل وجهان أصحهما: الصحة.
السادسة: صلى على موتى, واعتقدهم أحد عشر, فبانوا عشرة فوجهان في البحر.
أصحهما: الصحة والثاني: البطلان ; لأن النية قد بطلت في الحادي عشر, لكونه معدوما, فتبطل في الباقي.
السابعة: صلى على حي وميت, فالذي يظهر أن يكون فيه وجهان من تفريق الصفقة, لكن في البحر: إن جهل الحال صحت, وإلا فلا. كمن صلى الظهر قبل الزوال, وفيما قاله نظر.
الثامنة: ولم أر من تعرض لها - إذا جاوز الغائط الأليتين, أو البول الحشفة, وتقطع فإن الماء يتعين في المجاوز قطعا, وفي غيره وجهان أصحهما: يجزي فيه الحجر. ذكره

(1/110)


في شرح المهذب, وجزم به في الكفاية. ونقله القاضي حسين عن النص, والروياني عن الأصحاب والثاني: يجب غسل الجميع, حكاه في الحاوي.
الشرط الثاني:
أن لا يكون مبنيا على السراية, والتغليب, فإن كان, كالطلاق, والعتق بأن طلق زوجته وغيرها, أو أعتق عبده وغيره, أو طلقها أربعا, نفذ فيما يملكه إجماعا.
الثالث:
أن يكون الذي يبطل فيه معينا بالشخص, أوالجزئية, ليخرج ما إذا اشترط الخيار أربعة أيام, فإنه يبطل في الكل, ولم يقل أحد بأنه يصح في الثلاثة: وغلط البالسي, في شرح التنبيه, حيث خرجها على القولين, وما إذا عقد على خمس نسوة, أو أختين معا, فإنه يبطل في الجميع: ولم يقل أحد بالصحة في البعض ; لأنه ليست هذه بأولى من هذه,
وغلط صاحب الذخائر بتخريجها.
ولو جمع من تحل له الأمة لإعساره بين حرة وأمة في عقد فطريقان: أظهرهما عند الإمام, وابن القاص أنه على القولين. وقال ابن الحداد وأبو زيد وآخرون: يبطل قطعا لأنه جمع بين امرأتين, يجوز إفراد كل منهما, ولا يجوز الجمع, فأشبه الأختين. والأول فرق بأن الأختين ليس فيهما أقوى. والحرة أقوى.
واستثني من هذا الشرط مسألتا المناضلة, والتحجر السابقتان فإن الأصح فيهما: الصحة. تخريجا على القولين, مع أنه لا يتعين الذي يبطل فيه.
الرابع:
إمكان التوزيع, ليخرج ما لو باع مجهولا ومعلوما
ومن ذلك: ما لو باع أرضا مع بذر, أو زرع. لا يفرد بالبيع, فإنه يبطل في الجميع على المذهب. وقيل: في الأرض القولان.
واستثني من ذلك مسألة بيع الماء مع قراره, فإن الماء الجاري مجهول القدر.
الخامس:
أن لا يخالف الإذن, ليخرج ما لو استعار شيئا ليرهنه على عشرة فرهنه بأكثر فالمذهب: البطلان في الكل, لمخالفة الإذن. وقيل: تخرج على تفريق الصفقة ولو استأجره لينسج له ثوبا, طوله عشرة أذرع, في عرض معين, فنسج أحد عشر لم يستحق شيئا من الأجرة, أو تسعة فإن كان طول السدى عشرة, استحق من الأجرة

(1/111)


بقدره, لأنه لو أراد أن ينسج عشرة لتمكن منه: وإن كان طوله تسعة, لم يستحق شيئا حكاه الرافعي عن التتمة.
ولو أجر الراهن العين المرهونة مدة تزيد على محل الدين: بطل في الكل على الصحيح. وقيل: بل في القدر الزائد, وفي الباقي قولا تفريق الصفقة, واختاره السبكي.
ونظير ذلك: أن يشرط الواقف: أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة مثلا فيزاد, فأفتى الشيخ ولي الدين العراقي بالبطلان في الكل, قياسا على مسألة الرهن.
وأفتى قاضي القضاة: جلال الدين البلقيني بالصحة, في القدر الذي شرطه الواقف.
قال له الشيخ ولي الدين: أنت تقول بقول الماوردي في الرهن قال: لا. قال: فافرق. قال: حتى أعطي المسألة كتفا.
قلت: والمسألة ذكرها الزركشي في قواعده. وقال: لم أر فيها نقلا, والظاهر أنها على خلاف تفريق الصفقة, حتى يصح في المشروط وحده: وذكرها أيضا الغزي, في أدب القضاء, وقال: لا نقل فيها والمتجه: التخريج على تفريق الصفقة, انتهى.
فائدة:
قال الزركشي: مخالفة الإذن على ثلاثة أقسام: مخالفة إذن وصفي, كمسألة الإعارة للرهن, ومخالفة إذن شرعي, كمسألة إجارة المرهون. ومخالفة إذن شرطي, كمسألة إجارة الوقف المذكورة.
السادس:
أن لا يبنى على الاحتياط, فلو زاد في العرايا على القدر الجائز. فالمذهب: البطلان في الكل: وفي المطلب عن الجويني: تخريجه على القولين.
ولو أصدق الولي عن الطفل أو المجنون, عينا من ماله أكثر من مهر المثل, فالمجزوم به في الصداق في أصل الروضة فساد الصداق, والذي في التنبيه: أنه يبطل الزائد فقط, ويصح في قدر مهر المثل من المسمى وأقره في التصحيح, وصححه في أصل الروضة, في نكاح السفيه.
ثم حكي عن ابن الصباغ: أن القياس بطلان المسمى ووجوب مهر المثل من المسمى, وأن الفرق أنه على قوله: يجب مهر المثل في الذمة, وعلى الأول: تستحق الزوجة مهر المثل من المسمى.
قال ابن الرفعة: فهذا تناقض, إذ لا فرق بين ولي الطفل, وولي السفيه.
وقال السبكي: في تصوير المسألة بين الأصحاب, وابن الصباغ: نظر: فإن الولي

(1/112)


إن لم يتعرض للمهر, فالعقد إنما يكون على الذمة, ولا يصح إلا بمهر المثل, لا بمسمى غيره, فلا يتحقق الخلاف.
وإن أذن في عين هي أكثر من مهر المثل فينبغي أن يبطل في الزائد. وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة, أو هو كبيعه بالإذن عينا من ماله.
قال: ويمكن أن يصور بقوله: انكح فلانة, وأصدقها من هذا المال, فأصدق منه أكثر من مهر مثلها, لكن يأتي فيه الخلاف في إذنه في البيع.
قال: وقد تصور بما إذا لم ينص على المهر, وعقد على زائد من غير نقد البلد, فعند ابن الصباغ: يرجع إلى مهر المثل من نقد البلد. وعند غيره: يصح في قدر مهر المثل مما سمي. انتهى.
السابع:
أن يورد على الجملة ليخرج ما لو قال: أجرتك كل شهر بدرهم, فإنه لا يصح في سائر الشهور قطعا, ولا في الشهر الأول على الأصح.
ولو قال: ضمنت نفقة الزوجة, فالضمان في الغد, وما بعده فاسد, وهل يصح في يوم الضمان؟ وجهان. أصحهما: لا, بناء على مسألة الإجارة.
الثامن:
أن يكون المضموم إلى الجائز يقبل العقد في الجملة
فلو قال: زوجتك بنتي وابني, أو وفرسي: صح نكاح البنت على المذهب ; لأن المضموم لا يقبل النكاح, فلغا. وقيل: بطرد القولين.
تنبيه:
كما تفرق الصفقة في المثمن تفرق في الثمن
ومثاله: ما قالوه في الشفعة: لو خرج بعض المسمى مستحقا بطل البيع في ذلك القدر, وفي الباقي خلاف تفريق الصفقة في الابتداء.

(1/113)


فصل: ويدخل في هذه القاعدة أيضا: قاعدة: "إذا اجتمع في العبادة جانب الحضر, وجانب السفر غلب جانب الحضر"
لأنه اجتمع المبيح, والمحرم فغلب المحرم.
فلو مسح حضرا, ثم سافر, أو عكس. أتم مسح مقيم.
ولو مسح إحدى الخفين حضرا, والأخرى سفرا, فكذلك على الأصح عند النووي طردا للقاعدة.

(1/113)


ولو أحرم قاصرا, فبلغت سفينته دار إقامته أتم.
ولو شرع في الصلاة في دار الإقامة, فسافرت سفينته, فليس له القصر.
واستشكل تصويره ; لأن القصر شرطه النية في الإحرام. ولا يصح بنيته في الإقامة فامتناع القصر إذا سافر أثناءها, لفقد نيته, لا لتغليب حكم الحضر.
وأجيب: بأنا نعلل وجوب الإتمام بعلتين. إحداهما: اجتماع حكم الحضر, والسفر والأخرى: فقد نية القصر.
ولو قضى فائتة سفر في الحضر, أو عكسه: امتنع القصر.
ولو أصبح صائما في الإقامة, فسافر أثناء النهار, أو في السفر, فأقام أثناءه: حرم الفطر على الصحيح. ولو ابتدأ النافلة على الأرض, ثم أراد السفر فأراد ترك الاستقبال: لم يجز له بلا خلاف قاله في شرح المهذب.
ولو أقام بين الصلاتين: بطل الجمع, أو قبل فراغهما في جمع التأخير: صارت الأولى قضاء.
ولو شرع المسافر في الصلاة بالتيمم, فرأى الماء: لم تبطل, فإن نوى الإقامة بعده بطلت على الصحيح.
ولو نوى الإقامة, ولم ير ماء: أتمها. وهل تجب الإعادة؟ وجهان. أحدهما: نعم لأنه صار مقيما, والمقيم تلزمه الإعادة والثاني: لا وبه قطع الروياني, واختاره ابن الصباغ.
قال البغوي: ولو اتصلت السفينة التي يصلي فيها بدار الإقامة في أثناء صلاته بالتيمم لم تبطل. ولم تجب الإعادة في الأصح, كما لو وجد الماء. نقل ذلك في شرح المهذب. وأقره, فعلى ما ذكره الروياني, والبغوي. يستثنى ذلك من القاعدة.
فرع:
ولدته, ولم أره منقولا
لو أحرم بالجمعة في سفينة بدار الإقامة على الشط ; بأن اتصلت الصفوف إليه, فصلى مع الإمام ركعة, ثم نوى المفارقة جاز وصح إتمامه الجمعة.
فلو سارت السفينة, والحالة هذه, وفارقت عمران البلد, فيحتمل أن يتم الجمعة ; لأنه أدركها بإدراك ركعة مع الإمام, والوقت باق. ويحتمل أن تنقلب ظهرا ; لأن الجمعة شرطها دار الإقامة, فلما فارقها أشبه ما لو خرج الوقت في أثنائها. ويحتمل أن تبطل الصلاة بالكلية لأنه طرأ مانع من إتمامها جمعة والوقت باق. وفرضه الجمعة, وهو عاص بمفارقته بلد الجمعة قبل انقضائها, ومتمكن من العود إليها لإدراكها, ومن

(1/114)


فرضه الجمعة لا يصح منه الظهر قبل اليأس منها. وهذا الاحتمال أوجه عندي, ولم أر المسألة مسطورة.

(1/115)


فصل: ويدخل في هذه القاعدة أيضا, قاعدة "إذا تعارض المانع والمقتضي, قدم المانع".
ومن فروعها:
لو استشهد الجنب, فالأصح أنه لا يغسل.
ولو ضاق الوقت أو الماء عن سنن الطهارة: حرم فعلها.
ولو ارتد الزوجان معا تشطر الصداق في الأصح, كما لو ارتد وحده.
ولو جرحه جرحين: عمدا, وخطأ, أو مضمونا, وهدرا, ومات بهما: لا قصاص.
ولو كان ابن الجاني ابن ابن عم لم يعقل, وفي قول: نعم, كما يلي النكاح, في هذه الصورة. وأجاب الأول: بأن البنوة في العقل مانعة, فلا يعمل معها المقتضي, وفي ولاية النكاح ليست بمانعة, بل غير مقتضية, فإذا وجد مقتض, عمل.
ونظير ذلك: ما ذكره ابن المسلم في استحقاق الخنثى السلب إن قلنا: المرأة لا تستحقه. قال: يحتمل وجهين, منشؤهما التردد في أن الذكورة مقتضية, أم الأنوثة مانعة؟
قال: والأظهر الاستحقاق,
ولو تغير فم الصائم بسبب غير الصوم, كأن نام بعد الزوال. فهل يكره له السواك؟ قال الزركشي: قياس هذه القاعدة الكراهة. وصرح المحب الطبري: بأنه لا يكره وخرج عن هذه القاعدة صور:
منها: اختلاط موتى المسلمين بالكفار, أو الشهداء بغيرهم. يوجب غسل الجميع والصلاة وإن كان الصلاة على الكفار والشهداء حراما. واحتج له البيهقي: بأن النبي صلى الله عليه وسلم : "مر بمجلس, فيه أخلاط من المسلمين والمشركين, فسلم عليهم".
ومنها: يحرم على المرأة ستر جزء من وجهها في الإحرام, ويجب ستر جزء منه مع الرأس للصلاة, فتجب مراعاة الصلاة.
ومنها: الهجرة على المرأة من بلاد الكفر واجبة. وإن كان سفرها وحدها حراما.
خاتمة:
لهم قاعدة عكس هذه القاعدة, وهي: "الحرام لا يحرم الحلال" وهو لفظ حديث أخرجه ابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر, مرفوعا.

(1/115)


قال ابن السبكي: وقد عورض به حديث: "إذا اجتمع الحلال والحرام, غلب الحرام" وليس بمعارض ; لأن المحكوم به ثم إعطاء الحلال حكم الحرام تغليبا واحتياطا لا صيرورته في نفسه حراما.
ومن فروع ذلك: ما تقدم في خلط الدرهم الحرام بالمباح. وخلط الحمام المملوك بالمباح غير المحصور. وكذا المحرم بالأجانب, وغير ذلك.
ومنها: لو ملك أختين فوطئ واحدة, حرمت عليه الأخرى. فلو وطئ الثانية لم تحرم عليه الأولى, لأن الحرام لا يحرم الحلال.
وفي وجه. إذا أحبل الثانية حلت, وحرمت الأولى, قال في الروضة: وهو غريب.

(1/116)


القاعدة الثالثة: الإيثار في القرب مكروه. وفي غيرها محبوب.
قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
قال الشيخ عز الدين: لا إيثار في القربات, فلا إيثار بماء الطهارة, ولا بستر العورة ولا بالصف الأول ; لأن الغرض بالعبادات: التعظيم, والإجلال. فمن آثر به, فقد ترك إجلال الإله وتعظيمه.
وقال الإمام: لو دخل الوقت ومعه ماء يتوضأ به فوهبه لغيره ليتوضأ به, لم يجز, لا أعرف فيه خلافا ; لأن الإيثار: إنما يكون فيما يتعلق بالنفوس, لا فيما يتعلق بالقرب, والعبادات.
وقال في شرح المهذب, في باب الجمعة: لا يقام أحد من مجلسه ليجلس في موضعه, فإن قام باختياره, لم يكره, فإن انتقل إلى أبعد من الإمام كره.
قال أصحابنا: لأنه آثر بالقربة.
وقال الشيخ أبو محمد, في الفروق: من دخل عليه وقت الصلاة, ومعه ما يكفيه لطهارته, وهناك من يحتاجه للطهارة, لم يجز له الإيثار.
ولو أراد المضطر: إيثار غيره بالطعام, لاستبقاء مهجته, كان له ذلك, وإن خاف فوات مهجته. والفرق: أن الحق في الطهارة لله, فلا يسوغ فيه الإيثار, والحق في حال المخمصة لنفسه.
وقد علم أن المهجتين على شرف التلف, إلا واحدة تستدرك بذلك الطعام, فحسن إيثار غيره على نفسه.
قال: ويقوي هذا الفرق مسألة المدافعة ; وهي: أن الرجل إذا قصد قتله ظلما

(1/116)


وهو قادر على الدفع, غير أنه يعلم أن الدفع ربما يقتل القاصد, فله الاستسلام.
وقال الخطيب في الجامع: كره قوم إيثار الطالب غيره بنوبته في القراءة, لأن قراءة العلم والمسارعة إليه قربة, والإيثار بالقرب مكروه, انتهى.
وقد جزم بذلك النووي في شرح المهذب ; وقال في شرح مسلم: الإيثار بالقرب مكروه, أو خلاف الأولى, وإنما يستحب في حظوظ النفس, وأمور الدنيا.
قال الزركشي: وكلام الإمام ووالده السابق: يقتضي أن الإيثار بالقرب حرام, فحصل ثلاثة أوجه. قلت: ليس كذلك, بل الإيثار إن أدى إلى ترك واجب فهو حرام: كالماء, وساتر العورة, والمكان في جماعة لا يمكن أن يصلي فيه أكثر من واحد, ولا تنتهي النوبة, لآخرهم إلا بعد الوقت, وأشباه ذلك, وإن أدى إلى ترك سنة, أو ارتكاب مكروه فمكروه, أو لارتكاب خلاف الأولى, مما ليس فيه نهي مخصوص, فخلاف الأولى وبهذا يرتفع الخلاف.
تنبيه:
من المشكل على هذه القاعدة: من جاء ولم يجد في الصف فرجة, فإنه يجر شخصا بعد الإحرام, ويندب للمجرور أن يساعده, فهذا يفوت على نفسه قربة, وهو أجر الصف الأول.

(1/117)


القاعدة الرابعة: التابع تابع
القاعدة الأولى: أنه لا يفرد بالحكم لأنه إنما جعل تبعا
...
القاعدة الرابعة: التابع تابع.
يدخل في هذه العبارة قواعد:
الأولى: أنه لا يفرد بالحكم ; لأنه إنما جعل تبعا.
ومن فروعه:
لو أحيا شيئا له حريم, ملك الحريم في الأصح, تبعا فلو باع الحريم دون الملك, لم يصح.
ومنها: الحمل يدخل في بيع الأم تبعا لها, فلا يفرد بالبيع.
ومنها: الدود المتولد في الطعام يجوز أكله معه, تبعا لا منفردا في الأصح.
ومنها: لو نقض السوقة العهد, ولم يعلم الرئيس والأشراف, ففي انتقاض العهد في حق السوقة وجهان: أحدهما: المنع, كما لا اعتبار بعهدهم. حكاه الرافعي عن ابن كج.

(1/117)


ومنها قولهم: صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط ; لأنها تابعة,
فلو أسقط من عليه الدين المؤجل الأجل ; لم يسقط, ولا يتمكن المستحق من مطالبته في الحال, في الأصح لأنه صفة تابعة والصفة لا تفرد بالإسقاط, وكذا لو أسقط الجودة أو الصحة لا تسقط, جزم به الرافعي.
ولو أسقط الرهن, أو الكفيل سقط في الأصح.
وقال الجويني: لا كالأجل, وفرق غيره بأن شرط القاعدة: أن لا يكون الوصف مما يفرد بالعقد, كالرهن والكفيل, بخلاف الأجل, فإنه وصف لازم لا يمكن إنشاؤه بعقد مستقل.

(1/118)


القاعدة الثانية: التابع يسقط بسقوط المتبوع
...
الثانية: التابع يسقط بسقوط المتبوع.
ومن فروعه:
من فاتته صلاة في أيام الجنون, لا يستحب قضاء رواتبها ; لأن الفرض سقط, فكذا تابعه.
ومنها: من فاته الحج فتحلل بالطواف, والسعي, والحلق, لا يتحلل بالرمي, والمبيت لأنها من توابع الوقوف, وقد سقط فيسقط التابع.
ومنها: إذا بطل أمان رجال, أو أشراف, ففي وجه: يبطل الأمان في الصبيان والنساء, والسوقة ; لأنهم إنما دخلوا في الأمان تبعا, ولكن الأصح خلافه.
ومنها: لو مات الفارس سقط سهم الفرس لأنه تابع: فإذا فات الأصل سقط. ولو مات الفرس استحق الفارس سهم الفرس ; لأنه متبوع.
ومنها: لو مات الغازي, ففي قول: لا يصرف لأولاده وزوجته من الديوان لأن تبعيتهم زالت بموته, والأصح خلافه, ترغيبا في الجهاد.
ومنها: لو امتنع غسل الوجه في الوضوء لعلة به, وما جاوره صحيح, لم يستحب غسله للغرة كما صرح به الإمام, ونقله في المطلب وأقره ; لأنه تابع لغسل الوجه, فسقط لسقوطه لكن جزموا بأنه لو قطع من فوق الذراع ندب غسل باقي عضده, محافظة على التحجيل.
قال الجويني: وإنما لم يسقط التابع في هذه الصورة لسقوط المتبوع, كمن فاتتها صلاة زمن الحيض والجنون فإنها لا تقضي رواتبها, كما لا يقضى الفرض ; لأن سقوط القضاء فيما ذكر رخصة مع إمكانه, فإذا سقط الأصل مع إمكانه, فالتابع أولى. وسقوط الأصل هنا لتعذره, والتعذر مختص بالذراع, فبقي العضد على ما كان من الاستحباب, وصار كالمحرم الذي لا شعر على رأسه, يندب إمرار الموسى عليه. كذا فرق الجويني, وجزم به الشيخان.

(1/118)


وفرق ابن الرفعة بأن السنة شهدت بأن تلك النوافل مكملة لنقص الفرائض, فإذا لم يكن فريضة, فلا تكملة, وليس تطويل التحجيل مأمورا به لتكملة غسل اليدين والرجلين, لأنه كامل بالمشاهدة, فتعين أن يكون مطلوبا لنفسه.
وفي هذا الفرق منع كونه تابعا, وإليه مال الأسنوي. وفرق بين مسألة اليد والوجه: بأن فرض الرأس المسح, وهو باق عند تعذر غسل الوجه. واستحباب مسح العنق والأذنين باق بحاله, فإذا لم يستحب غسل ذلك, لم يخل المحل المطلوب عن الطهارة, ولا كذلك في مسألة اليد.
تنبيه:
يقرب من ذلك قولهم: "الفرع يسقط إذا سقط الأصل".
ومن فروعه:
إذا برئ الأصيل برئ الضامن لأنه فرعه, فإذا سقط الأصيل, سقط بخلاف العكس, وقد يثبت الفرع, وإن لم يثبت الأصل, ولذلك صور:
منها: لو قال شخص: لزيد على عمرو ألف, وأنا ضامن به فأنكر عمرو, ففي مطالبة الضامن وجهان أصحهما: نعم.
ومنها: ادعى الزوج الخلع, وأنكرت: ثبتت البينونة, وإن لم يثبت المال الذي هو الأصل.
ومنها قال: بعت عبدي من زيد, وأعتقه زيد. فأنكر زيد, أو قال: بعته من نفسه فأنكر العبد, عتق فيهما, ولم يثبت العوض.
ومنها: قال أحد الابنين فلانة بنت أبانا, وأنكر الآخر ففي حلها للمقر وجهان. والمجزوم به في النهاية: التحريم, وهو المعمول به, فقد ثبت الفرع دون الأصل:
ومنه: قال لزوجته أنت أختي من النسب, وهي معروفة النسب من غير أبيه ففي تحريمها عليه وجهان, أو مجهولة النسب, وكذبته: انفسخ نكاحها في الأصح.
ومنها: ادعت زوجية رجل, فأنكر, ففي تحريم النكاح عليها وجهان.
ومنها: ادعت الإصابة, قبل الطلاق, وأنكر, ففي وجوب العدة عليها وجهان الأصح: نعم.

(1/119)


القاعدة الثالثة: التابع لا يتقدم على المتبوع
...
الثالثة: التابع لا يتقدم على المتبوع.
ومن فروعه:
المزارعة على البياض بين النخل والعنب جائزة تبعا لها بشروط.

(1/119)


منها: أن يتقدم لفظ المساقاة, فلو قدم لفظ المزارعة, فقال: زارعتك على البياض, وساقيتك على النخل على كذا. لم يصح ; لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.
ومنها: لو باع بشرط الرهن فقدم لفظ الرهن على البيع, لم يصح.
ومنها: لا يصح تقدم المأموم على إمامه في الموقف. ولا في تكبيرة الإحرام والسلام ولا في سائر الأفعال في وجه.
ومنها: لو كان بينه وبين الإمام شخص يحصل به الاتصال ولولا هو لم تصح قدوته لم يصح أن يحرم قبله ; لأنه تابع له, كما أنه تابع لإمامه, ذكره القاضي حسين.
ومنها: ذكر القاضي أيضا أنه لو حضر الجمعة من لا تنعقد به, كالمسافر والعبد والمرأة لم يصح إحرامهم بها إلا بعد إحرام أربعين من أهل الكمال لأنهم تبع لهم كما في أهل الكمال مع الإمام.

(1/120)


القاعدة الرابعة: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها
...
الرابعة: يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها
وقريب منها: يغتفر في الشيء ضمنا ما لا يغتفر فيه قصدا.
وربما يقال: يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل.
وقد يقال: أوائل العقود تؤكد بما لا يؤكد به أواخرها,
والعبارة الأولى أحسن وأعم.
ومن فروعها:
سجود التلاوة في الصلاة, يجوز على الراحلة قطعا تبعا, وجرى فيه خارجها خلاف لاستقلاله.
ومنها: المستعمل في الوضوء, لا يستعمل في الجنابة اتفاقا, ويستتبع غسل الجنابة الوضوء على الأصح, ويندرج فيه الترتيب والمسح.
ومنها: المستعمل في الحدث, لا يستعمل في الخبث, وعكسه على الأصح.
ولو كان على محل نجاسة فغسله عنها وعن الحدث طهرا في الأصح.
ومنها: لا يثبت شوال إلا بشهادة اثنين قطعا.
ولو صاموا بشهادة واحد ثلاثين يوما ولم يروا الهلال, أفطروا في الأصح لحصوله ضمنا وتبعا.
ومنها: لا يثبت النسب بشهادة النساء, فلو شهدن بالولادة على الفراش ثبت النسب تبعا.
ومنها: البيع الضمني, يغتفر فيه ترك الإيجاب والقبول, ولا يغتفر ذلك في البيع المستقل.

(1/120)


ومنها: الصور التي يصح فيها ملك الكافر المسلم, لكونه تبعا له ولا يصح استقلالا وستأتي في الكتاب الخامس.
ومنها: لا يصح بيع الزرع الأخضر إلا بشرط القطع, فإن باعه مع الأرض جاز تبعا ومنها:
لا يجوز تعليق الإبراء. ولو علق عتق المكاتب جاز وإن كان متضمنا للإبراء.
ومنها: لا يجوز تعليق الاختيار, وله تعليق طلاق أربع منهن مثلا, فيقع الاختيار. معلقا ضمنا, فإن الطلاق اختيار للمطلقة.
ومنها: الوقف على نفسه, لا يصح.
ولو وقف على الفقراء ثم صار منهم استحق في الأصح تبعا.

(1/121)


القاعدة الخامسة: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة
هذه القاعدة نص عليها الشافعي وقال: "منزلة الإمام من الرعية منزلة الولي من اليتيم". قلت: وأصل ذلك: ما أخرجه سعيد بن منصور في سننه. قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق, عن البراء بن عازب قال: قال عمر رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم, إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته فإن استغنيت استعففت".
ومن فروع ذلك:
أنه إذا قسم الزكاة على الأصناف يحرم عليه التفضيل, مع تساوي الحاجات.
ومنها: إذا أراد إسقاط بعض الجند من الديوان بسبب: جاز, وبغير سبب لا يجوز حكاه في الروضة.
ومنها: ما ذكره الماوردي أنه لا يجوز لأحد من ولاة الأمور أن ينصب إماما للصلاة فاسقا, وإن صححنا الصلاة خلفه ; لأنها مكروهة. وولي الأمر مأمور بمراعاة المصلحة, ولا مصلحة في حمل الناس على فعل المكروه.
ومنها: أنه إذا تخير في الأسرى بين القتل, والرق, والمن والفداء, لم يكن له ذلك بالتشهي بل بالمصلحة. حتى إذا لم يظهر وجه المصلحة يحبسهم إلى أن يظهر.
ومنها: أنه ليس له العفو عن القصاص مجانا ; لأنه خلاف المصلحة, بل إن رأى المصلحة في القصاص اقتص, أو في الدية أخذها.
ومنها: أنه ليس له أن يزوج امرأة بغير كفء, وإن رضيت ; لأن حق الكفاءة للمسلمين, وهو كالنائب عنهم, فلا يقدر على إسقاطه.
ومنها: أنه لا يجيز وصية من لا وارث له بأكثر من الثلث.
ومنها: أنه لا يجوز له أن يقدم في مال بيت المال غير الأحوج على الأحوج.

(1/121)


قال السبكي في فتاويه, فلو لم يكن إمام, فهل لغير الأحوج أن يتقدم بنفسه فيما بينه وبين الله تعالى, إذا قدر على ذلك, ملت إلى أنه لا يجوز.
واستنبطت ذلك من حديث: "إنما أنا قاسم, والله المعطي".
قال: ووجه الدلالة: أن التمليك والإعطاء إنما هو من الله تعالى لا من الإمام, فليس للإمام أن يملك أحدا إلا ما ملكه الله. وإنما وظيفة الإمام القسمة. والقسمة لا بد أن تكون بالعدل.
ومن العدل: تقدم الأحوج والتسوية بين متساوي الحاجات فإذا قسم بينهما, ودفعه إليهما علمنا أن الله ملكهما قبل الدفع. وأن القسمة إنما هي معينة لما كان مبهما, كما هو بين الشريكين, فإذا لم يكن إمام وبدر أحدهما واستأثر به, كان كما لو استأثر بعض الشركاء بالماء المشترك, ليس له ذلك.
قال: ونظير ذلك ما ذكره الماوردي في باب التيمم: أنه لو ورد اثنان على ماء مباح وأحدهما أحوج, فبدر الآخر وأخذ منه: أنه يكون مسيئا.
ومنها: وقع بعد السبعمائة ببلاد الصعيد أن عبدا انتهى الملك فيه لبيت المال فاشترى نفسه من وكيل بيت المال, فأفتى جلال الدين الدشناوي بالصحة فرفعت الواقعة إلى القاضي شمس الدين الأصبهاني فقال: لا يصح ; لأنه عقد عتاقة, وليس لوكيل بيت المال أن يعتق عبد بيت المال.
قال ابن السبكي في التوشيح: والصواب ما أفتى به الدشناوي, فإن هذا العتق إنما وقع بعوض, فلا تضييع فيه على بيت المال.

(1/122)


القاعدة السادسة: الحدود: تسقط بالشبهات
قال صلى الله عليه وسلم: "ادرءوا الحدود بالشبهات" أخرجه ابن عدي ; في جزء له من حديث ابن عباس.
وأخرج ابن ماجه من حديث أبي هريرة: "ادفعوا الحدود ما استطعتم".
وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم من حديث عائشة: "ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم, فإن وجدتم للمسلم مخرجا, فخلوا سبيله, فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة".
وأخرجه البيهقي عن عمر, وعقبة بن عامر, ومعاذ بن جبل موقوفا.
وأخرج من حديث علي مرفوعا: "ادرءوا الحدود" فقط.
وقال مسدد في مسنده: حدثنا يحيى القطان, عن شعبة, عن عاصم, عن أبي وائل

(1/122)


عن ابن مسعود قال: "ادرءوا الحدود بالشبهة" وهو موقوف, حسن الإسناد.
وأخرج الطبراني عنه موقوفا: "ادرءوا الحدود, والقتل عن عباد الله ما استطعتم".
الشبهة تسقط الحد
سواء كانت في الفاعل, كمن وطئ امرأة ظنها حليلته أو في المحل, بأن يكون للواطئ فيها ملك أو شبهة, كالأمة المشتركة, والمكاتبة. وأمة ولده ومملوكته المحرم أو في الطريق بأن يكون حلالا عند قوم, حراما عند آخرين, كنكاح المتعة, والنكاح بلا ولي أو بلا شهود, وكل نكاح مختلف فيه, وشرب الخمر للتداوي. وإن كان الأصح تحريمه, لشبهة الخلاف.
وكذا يسقط الحد بقذف من شهد أربعة بزناها, وأربع أنها عذراء, لاحتمال صدق بينة الزنا, وأنها عذراء لم تزل بكارتها بالزنا. وسقط عنها الحد لشبهة الشهادة بالبكارة. ولا قطع بسرقة مال أصله, وفرعه وسيده, وأصل سيده وفرعه, لشبهة استحقاق النفقة وسرقة ما ظنه ملكه, أو ملك أبيه أو ابنه.
ولو ادعى كون المسروق ملكه. سقط القطع, نص عليه للشبهة. وهو اللص الظريف ونظيره: أن يزني بمن لا يعرف أنها زوجته. فيدعي أنها زوجته, فلا يحد.
ولا يقتل فاقد الطهورين بترك الصلاة متعمدا, لأنه مختلف فيه. وكذا من مس أو لمس وصلى متعمدا وهو شافعي, أو توضأ ولم ينو. ذكره القفال في فتاويه.
ويسقط القصاص أيضا بالشبهة,
فلو قد ملفوفا وزعم موته, صدق الولي ولكن تجب الدية دون القصاص للشبهة ولو قتل الحر المسلم: من لا يدرى أمسلم أو كافر؟ وحر أو عبد؟ فلا قصاص للشبهة نقله في أصل الروضة, عن البحر.
تنبيه:
الشبهة: لا تسقط التعزير, وتسقط الكفارة
فلو جامع ناسيا في الصوم أو الحج, فلا كفارة للشبهة.
وكذا لو وطئ على ظن أن الشمس غربت, أو أن الليل باق, وبان خلافه, فإنه يفطر, ولا كفارة. قال القفال: ولا تسقط الفدية بالشبهة ; لأنها تضمنت غرامة بخلاف الكفارة فإنها تضمنت عقوبة, فالتحقت في الإسقاط بالحد, وتسقط الإثم والتحريم, إن كانت في الفاعل دون المحل.

(1/123)


تنبيه:
شرط الشبهة: أن تكون قوية, وإلا فلا أثر لها
ولهذا يحد بوطء أمة أباحها السيد, ولا يراعى خلاف عطاء في إباحة الجواري للوطء وفي سرقة مباح الأصل, كالحطب ونحوه. وفي القذف على صورة الشهادة.
ولو قتل مسلم ذميا, فقتله ولي الذمي: قتل به وإن كان موافقا لرأي أبي حنيفة.
ومن شرب النبيذ يحد, ولا يراعى خلاف أبي حنيفة.

(1/124)


القاعدة السابعة: الحر: لا يدخل تحت اليد
ولهذا: لو حبس حرا, ولم يمنعه الطعام حتى مات حتف أنفه, أو بانهدام حائط ونحوه, لم يضمنه. ولو كان عبدا ضمنه, ولا يضمن منافعه ما دام في حبسه. إذا لم يستوفها ويضمن منافع العبد.
ولو وطئ حرة بشبهة فأحبلها, وماتت بالولادة: لم تجب ديتها في الأصح.
ولو كانت أمة وجب القيمة.
ولو طاوعته حرة على الزنا ; فلا مهر لها بالإجماع.
ولو طاوعته أمة: فلها المهر, في رأي لأن الحق للسيد ; فلا يؤثر إسقاطها, وإن كان الأصح خلافه. ولو نام عبد على بعير فقاده, وأخرجه عن القافلة, قطع ; أو حر فلا في الأصح.
ولو وضع صبيا حرا في مسبعة, فأكله السبع ; فلا ضمان في الأصح, بخلاف ما لو كان عبدا,
ولو كانت امرأة تحت رجل وادعى أنها زوجته, فالصحيح أن هذه الدعوى عليها, لا على الرجل ; لأن الحرة لا تدخل تحت اليد.
ولو أقام كل بينة: أنها زوجته, لم تقدم بينة من هي تحته, لما ذكرنا, بل لو أقاما بينتين على خلية, سقطتا.
ولو كان في يد المدبر مال, فقال: كسبته بعد موت السيد فهو لي, وقال الوارث: بل قبله فهو لي, صدق المدبر بيمينه لأن اليد له بخلاف دعواهما الولد ; لأنها تزعم أنه حر والحر لا يدخل تحت اليد, وثياب الحر وما في يده من المال لا يدخل في ضمان الغاصب لأنها في يد الحر حقيقة, وكذا لو كان صغيرا أو مجنونا على الأصح.

(1/124)


القاعدة الثامنة: الحريم له حكم ما هو حريم له.
الأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات, فقد استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام, كالراعي يرعى حول الحمى, يوشك أن يرتع فيه", الحديث, أخرجه الشيخان.
قال الزركشي: الحريم يدخل في الواجب, والحرام والمكروه وكل محرم له حريم يحيط به, والحريم: هو المحيط بالحرام, كالفخذين فإنهما حريم للعورة الكبرى.
وحريم الواجب: ما لا يتم الواجب إلا به.
ومن ثم وجب غسل جزء من الرقبة والرأس مع الوجه ليتحقق غسله وغسل جزء من العضد, والساق مع الذراع وستر جزء من السرة والركبة مع العورة, وجزء من الوجه مع الرأس للمرأة, وحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة في الحيض لحرمة الفرج.
ضابط:
كل محرم فحريمه حرام إلا صورة واحدة, لم أر من تفطن لاستثنائها, وهي دبر الزوجة, فإنه حرام, وصرحوا بجواز التلذذ بحريمه, وهو ما بين الأليتين.
فصل:
ويدخل في هذه القاعدة حريم المعمور, فهو مملوك لمالك المعمور في الأصح ولا يملك بالإحياء قطعا. وحريم المسجد, فحكمه حكم المسجد, ولا يجوز الجلوس فيه للبيع ولا للجنب, ويجوز الاقتداء فيه بمن في المسجد, والاعتكاف فيه.
وضابط حريم المعمور: تعرضوا له في باب إحياء الموات.
وأما رحبة المسجد فقال في شرح المهذب, قال صاحب الشامل والبيان: هي ما كان مضافا إلى المسجد, وعبارة المحاملي: هي المتصلة به خارجه.
قال النووي: وهو الصحيح خلافا لقول ابن الصلاح إنها صحنه وقال البندنيجي: هي البناء المبني بجواره متصلا به, وقال القاضي أبو الطيب: هو ما حواليه, وقال الرافعي الأكثرون على عد الرحبة منه ; ولم يفرقوا بين أن تكون بينها وبين المسجد طريق أم لا, وهو المذهب وقال ابن كج: إن انفصلت عنه فلا.

(1/125)


القاعدة التاسعة: إذا اجتمع أمران من جنس واحد, ولم يختلف مقصودهما, دخل أحدهما في الآخر غالبا.
فمن فروع ذلك.
إذا اجتمع حدث وجنابة, كفى الغسل على المذهب, كما لو اجتمع جنابة وحيض, ولو باشر المحرم فيما دون الفرج, لزمته الفدية.
فلو جامع دخلت في الكفارة على الأصح, بناء على تداخل الحدث في الجنابة.
ولو اجتمع حدث ونجاسة حكمية كفت لهما غسلة واحدة في الأصح, عند النووي. ولو جامع بلا حائل, فعن المسعودي: أنه لا يوجب غير الجنابة واللمس الذي يتضمنه يصير مغمورا به كخروج الخارج الذي يتضمنه الإنزال.
والأكثرون قالوا: يحصل الحدثان ; لأن اللمس يسبق حقيقة الجماع بخلاف الخروج فإنه مع الإنزال.
ولو دخل المسجد وصلى الفرض دخلت فيه التحية.
ولو دخل الحرم محرما, بحج فرض أو عمرة. دخل فيه الإحرام لدخول مكة.
ولو طاف القادم عن فرض أو نذر, دخل فيه طواف القدوم, بخلاف ما لو طاف للإفاضة لا يدخل فيه طواف الوداع لأن كلا منهما مقصود في نفسه, ومقصودهما مختلف وبخلاف ما لو دخل المسجد الحرام, فوجدهم يصلون جماعة فصلاها, فإنه لا يحصل له تحية البيت, وهو الطواف, لأنه ليس من جنس الصلاة.
ولو صلى: عقيب الطواف فريضة, حسبت عن ركعتي الطواف ; اعتبارا بتحية المسجد نص عليه في القديم, وليس في الجديد ما يخالفه. وقال النووي: إنه المذهب. ولو تعدد السهو في الصلاة: لم يتعدد السجود بخلاف جبرانات الإحرام, لا تتداخل لأن القصد بسجود السهو رغم أنف الشيطان. وقد حصل بالسجدتين آخر الصلاة.
والمقصود بجبرانات الإحرام: جبر هتك الحرمة, فلكل هتك جبر فاختلف المقصود, ولو زنى بكر, أو شرب خمرا, أو سرق مرارا ; كفى حد واحد.
قال الرافعي: وهل يقال وجب لها حدود, ثم عادت إلى حد واحد, أو لم يجب إلا حد واحد ; وجعلت الزنيات كالحركات في زنية واحدة؟ ذكروا فيه احتمالين.
ولو زنى أو شرب, فأقيم عليه بعض الحد. فعاد إلى الجريمة, دخل الباقي في الحد الثاني.
وكذا لو زنى في مدة التغريب. غرب ثانيا ودخلت فيه بقية المدة.
ولو قذفه مرات: كفى حد واحد أيضا في الأصح.
ولو زنى وهو بكر, ثم زنى وهو ثيب, فهل يكتفى بالرجم؟ وجهان في أصل الروضة

(1/126)


بلا ترجيح. وجه المنع: اختلاف جنسهما, لكن صحح البارزي في التمييز. التداخل. بخلاف ما لو سرق, وزنى, وشرب وارتد. فلا تداخل لاختلاف الجنس.
ولو سرق وقتل في المحاربة, فهل يقطع, ثم يقتل, أو يقتصر على القتل والصلب. ويندرج حد السرقة في حد المحاربة؟ وجهان, في الروضة بلا ترجيح.
ولو وطئ في نهار رمضان مرتين, لم تلزمه بالثاني كفارة ; لأنه لم يصادف صوما. بخلاف ما لو وطئ في الإحرام ثانيا, فإن عليه شاة. ولا تدخل في الكفارة لمصادفته إحراما لم يحل منه.
ولو لبس ثوبا مطيبا, فرجح الرافعي لزوم فديتين. وصحح النووي واحدة لاتحاد الفعل وتبعية الطيب. ولو قتل المحرم صيدا في الحرم لزمه جزاء واحد, وتداخلت الحرمتان في حقه لأنهما من جنس واحد, كالقارن إذا قتل صيدا, لزمه جزاء واحد, وإن كان قد هتك به حرمة الحج والعمرة.
ولو أحرم المتمتع بالعمرة, فجرح صيدا ثم أحرم بالحج, فجرحه جرحا آخر, ثم مات, فهل يلزمه جزاءان؟.
قال الشيخ أبو إسحاق في الملخص: هذه المسألة لا يعرف فيها نقل.
فلو كشط جلدة الرأس, فلا فدية, والشعر تابع.
قال الرافعي: وشبهوه بما لو أرضعت أم الزوج زوجته. يجب المهر, ولو قتلها لم يجب.
ولو تكرر الوطء بشبهة واحدة, تداخل المهر بخلاف ما إذا تعدد جنس الشبهة.
ولو وطئ بشبهة بكرا وجب أرش البكارة ولا تداخل لاختلاف الجنس والمقصود فإن أرش البكارة يجب إبلا. والمهر: نقدا, والأرش: للجناية والمهر للاستمتاع.
ولو قطع كامل الأصابع يدا ناقصة إصبعا ; فإن لقط أصابعه الأربعة, فله حكومة أربعة أخماس الكف ولا يتداخل, لأنها ليست من جنس القصاص وله حكومة خمس الكف أيضا, وإن أخذ دية الأصابع الأربع, فلا حكومة لمنابتها من الكف ; لأنها من جنس الدية فدخلت فيها, وله حكومة خمس الكف لاختلاف الجهة.
ولو أزال أطرافا ولطائف, ثم مات سراية, أو حز: دخلت في دية النفس.
ولو كان أحد الفعلين عمدا والآخر خطأ, فلا تداخل للاختلاف فإن دية العمد مثلثة حالة على الجاني, ودية الخطأ مخمسة مؤجلة على العاقلة.
ولو قطع الأجفان وعليها أهداب, دخلت حكومتها في ديتها, وكذا تدخل حكومة الشعر في دية الموضحة, والشارب في دية الشفة. والأظفار والكف في دية الأصابع.

(1/127)


والسنخ في دية السن والذكر في دية الحشفة, والثدي في دية الحلمة, على الأصح في الكل.
وكذا حكومة قصبة الأنف في دية المارن, على ما قاله الإمام إنه الظاهر وصححه في أصل الروضة. وقال في المهمات: الفتوى على خلافه.
ولا يدخل أرش الجرح في دية العقل, ولا الأسنان في اللحيين ولا الموضحة في الأذنين, ولا حكومة جرح الصدر في دية الثدي, ولا العانة في دية الذكر والشفرين لاختلاف محل الجناية فيها.
ولو لزمها عدتا شخص من جنس, بأن طلق, ثم وطئ في العدة. تداخلتا. بخلاف ما إذا كانتا لشخصين, بأن وطئ غيره بشبهة, فلا تداخل.
ولو كانتا لواحد, واختلف الجنس, بأن كانت الأولى بغير الحمل. والثانية به, فوجهان, أصحهما: التداخل. وقيل: لا لاختلاف الجنس.
والوجهان مبنيان على أن التداخل في العدد هل هو سقوط الأولى, والاكتفاء بالثاني أو انضمام الأولى للثاني, فيؤديان بانقضاء مدة واحدة؟, وفيه وجهان, فعلى الأول: يتداخل. وعلى الثاني: لا.
وقد علمت ما أوردناه من الفروع. مع احترازنا عنه بقولنا "من جنس واحد" وبقولنا "ولم يختلف مقصودهما" وبقولنا "غالبا".

(1/128)


القاعدة العاشرة: إعمال الكلام أولى من إهماله
من فروعه:
ما لو أوصى بطبل, وله طبل لهو, وطبل حرب صح, وحمل على الجائز, نص عليه.
وألحق به القاضي حسين: ما لو كان له زق خمر, وزق خل, فأوصى بأحدهما صح, وحمل على الخل.
ومنها: لو قال لزوجته وحمار: أحدكما طالق, فإنها تطلق, بخلاف ما لو قال ذلك لها, ولأجنبية. وقصد الأجنبية. يقبل في الأصح. لكون الأجنبية من حيث الجملة قابلة.
ومنها: لو وقف على أولاده, وليس له إلا أولاد أولاد. حمل عليهم. كما جزم به الرافعي. لتعذر الحقيقة. وصونا للفظ عن الإهمال.
ونظيره: ما لو قال: زوجاتي طوالق. وليس له إلا رجعيات طلقن قطعا, وإن كان في دخول الرجعية في ذلك مع الزوجات خلاف.

(1/128)


ومنها: قال لزوجته: إن دخلت الدار أنت طالق, بحذف الفاء, فإن الطلاق لا يقع قبل الدخول. صونا للفظ عن الإهمال.
وقال محمد بن الحسن, صاحب أبي حنيفة: يقع, لعدم صلاحية اللفظ للجزاء, بسبب عدم الفاء, فحمل على الاستئناف. ونقل الرافعي: عدم الوقوع عن جماعة, ثم نقل عن البوشنجي: أنه يسأل, فإن قال: أردت التنجيز, حكم به.
قال الأسنوي: وما قاله البوشنجي لا إشكال فيه, إلا أنه يشعر بوجوب سؤاله. ومنها: قال لزوجته في مصر: أنت طالق في مكة, ففي الرافعي, عن البويطي: أنها تطلق في الحال, وتبعه في الروضة. قال الأسنوي: وسببه: أن المطلقة في بلد مطلقة في باقي البلاد.
قال: لكن رأيت في طبقات العبادي, عن البويطي: أنها لا تطلق, حتى تدخل مكة.
قال: وهو متجه, فإن حمل الكلام على فائدة أولى من إلغائه.
قال: وقد ذكر الرافعي قبل ذلك بقليل, عن إسماعيل البوشنجي مثله, وأقره عليه. ومنها: وقع في فتاوى السبكي: أن رجلا وقف عليه, ثم على أولاده, ثم على أولادهم ونسله, وعقبه, ذكرا وأنثى {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} على أن من توفي منهم عن ولد أو نسل, عاد ما كان جاريا عليه من ذلك على ولده, ثم على ولد ولده, ثم على نسله على الفريضة, وعلى أن من توفي من غير نسل, عاد ما كان جاريا عليه ; على من في درجته من أهل الوقف المذكور, يقدم الأقرب إليه فالأقرب, ويستوي الأخ الشقيق والأخ من الأب. ومن مات من أهل الوقف قبل استحقاقه لشيء من منافع الوقف, وترك ولدا, أو أسفل منه استحق ما كان يستحقه المتوفى, لو بقي حيا إلى أن يصير إليه شيء من منافع الوقف المذكور, وقام في الاستحقاق مقام المتوفى, فإذا انقرضوا, فعلى الفقراء.
وتوفي الموقوف عليه وانتقل الوقف. إلى ولديه: أحمد, وعبد القادر, ثم توفي عبد القادر, وترك ثلاثة أولاد, هم علي, وعمر ولطيفة, وولدي ابنه محمد, المتوفى في حياة والده. وهما: عبد الرحمن, وملكة.
ثم توفي عمر عن غير نسل, ثم توفيت لطيفة, وتركت بنتا. تسمى فاطمة, ثم توفي علي وترك بنتا تسمى: زينب, ثم توفيت فاطمة بنت لطيفة من غير نسل, فإلى من ينتقل نصيب فاطمة المذكورة؟ فأجاب: الذي يظهر لي الآن أن نصيب عبد القادر جميعه, يقسم هذا الوقف على ستين جزءا لعبد الرحمن منه: اثنان وعشرون ; ولملكة: أحد عشر ولزينب:

(1/129)


سبعة وعشرون, ولا يستمر هذا الحكم في أعقابهما, بل كل وقت بحسبه.
قال: وبيان ذلك: أن عبد القادر لما توفي انتقل نصيبه إلى أولاده الثلاثة وهم: عمر وعلي ولطيفة. {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}: لعلي: خمساه, ولعمر: خمساه, وللطيفة خمسه, هذا هو الظاهر عندنا.
ويحتمل أن يقال: يشاركهم عبد الرحمن, وملكة "ولدا محمد المتوفى في حياة أبيه, ونزلا منزلة أبيهما" فيكون لهما: السبعان. ولعلي: السبعان. ولعمر السبعان, وللطيفة سبع.
وهذا وإن كان محتملا, فهو مرجوح عندنا ; لأن الممكن في مأخذه ثلاثة أمور: أحدها: أن مقصود الواقف: أن لا يحرم أحد من ذريته, وهذا ضعيف لأن المقاصد إذا لم يدل عليها اللفظ, لا يعتبر.
الثاني: إدخالهم في الحكم, وجعل الترتيب بين كل أصل وفرعه, لا بين الطبقتين جميعا. وهذا محتمل, لكنه خلاف الظاهر.
وقد كنت ملت إليه مرة في وقف, للفظ اقتضاه فيه, لست أعمه في كل ترتيب.
الثالث: الاستناد إلى قول الواقف "إن مات من أهل الوقف قبل استحقاقه لشيء, قام ولده مقامه" وهذا أقوى. لكنه إنما يتم لو صدق على المتوفى في حياة والده: أنه من أهل الوقف.
وهذه مسألة كان قد وقع مثلها في الشام قبل التسعين وستمائة, وطلبوا فيها نقلا. فلم يجدوه, فأرسلوا إلى الديار المصرية يسألون عنها.
ولا أدري ما أجابوهم. لكني رأيت بعد ذلك في كلام الأصحاب: فيما إذا وقف على أولاده. على أن من مات منهم انتقل نصيبه إلى أولاده. ومن مات, ولا ولد له, انتقل إلى الباقين من أهل الوقف, فمات واحد عن ولد انتقل نصيبه إليه, فإذا مات آخر عن غير ولد انتقل نصيبه إلى أخيه, وابن أخيه ; لأنه صار من أهل الوقف.
فهذا التعليل يقتضي: أنه إنما صار من أهل الوقف بعد موت والده فيقتضي أن ابن عبد القادر, المتوفى في حياة والده, ليس من أهل الوقف, وأنه إنما يصدق عليه اسم أهل الوقف, إذا آل إليه الاستحقاق.
قال: ومما يتنبه له أن بين" أهل الوقف" و "الموقوف عليه" عموما وخصوصا من وجه, فإذا وقف مثلا على زيد, ثم عمرو, ثم أولاده, فعمرو موقوف عليه في حياة زيد لأنه معين قصده الواقف بخصوصه. وسماه وعينه. وليس من أهل الوقف, حتى يوجد شرط استحقاقه, وهو موت زيد. وأولاده إذا آل إليهم الاستحقاق: كل واحد منهم من أهل الوقف, ولا يقال في كل واحد منهم: إنه موقوف عليه بخصوصه لأنه لم

(1/130)


يعينه الواقف, وإنما الموقوف عليه: جهة الأولاد, كالفقراء.
قال: فتبين بذلك أن ابن عبد القادر, والد عبد الرحمن, لم يكن من أهل الوقف أصلا ; ولا موقوفا عليه, لأن الواقف لم ينص على اسمه.
قال: وقد يقال: إن المتوفى في حياة أبيه يستحق أنه لو مات أبوه جرى عليه الوقف فينتقل هذا الاستحقاق إلى أولاده.
قال: وهذا قد كنت في وقت أبحته, ثم رجعت عنه.
فإن قلت: قد قال الواقف "إن من مات من أهل الوقف قبل استحقاقه لشيء" فقد سماه من أهل الوقف, مع عدم استحقاقه, فيدل على أنه أطلق "أهل الوقف" على من لم يصل إليه الوقف, فيدخل محمد والد عبد الرحمن, وملكة في ذلك, فيستحقان. ونحن إنما نرجع في الأوقاف إلى ما يدل عليه لفظ واقفها, سواء وافق ذلك عرف الفقهاء أم لا.
قلت: لا نسلم مخالفة ذلك لما قلناه.
أما أولا فلأنه لم يقل "قبل استحقاقه" وإنما قال قبل استحقاقه لشيء, فيجوز أن يكون قد استحق شيئا صار به من أهل الوقف, ويترقب استحقاقا من آخر فيموت قبله, فنص الواقف على أن ولده يقوم مقامه في ذلك الشيء الذي لم يصل إليه.
ولو سلمنا أنه قال: "قبل استحقاقه" فيحتمل أن يقال: إن الموقوف عليه, أو البطن الذي بعده, وإن وصل إليه الاستحقاق. أعني أنه صار من أهل الوقف: قد يتأخر استحقاقه, إما لأنه مشروط بمدة: كقوله: في كل سنة كذا, فيموت في أثنائها أو ما أشبه ذلك فيصح أن يقال: إن هذا من أهل الوقف, وإلى الآن ما استحق من الغلة شيئا. إما لعدمها, أو لعدم شرط الاستحقاق, بمضي زمان, أو غيره, فهذا حكم الوقف بعد موت عبد القادر.
فلما توفي عمر عن غير نسل انتقل نصيبه إلى أخويه, عملا بشرط الواقف لمن في درجته فيصير نصيب عبد القادر كله بينهما أثلاثا لعلي: الثلثان, وللطيفة: الثلث ويستمر حرمان عبد الرحمن وملكة.
فلما ماتت لطيفة انتقل نصيبها, وهو: الثلث إلى بنتها. ولم ينتقل لعبد الرحمن, وملكة شيء, لوجود أولاد عبد القادر, وهم يحجبونهم ; لأنهم أولاده. وقد قدمهم على أولاد الأولاد, الذين هم منهم.
فلما توفي علي بن عبد القادر. وخلف بنته زينب. احتمل أن يقال: نصيبه كله, وهو: ثلثا نصيب عبد القادر لها. عملا بقول الواقف: "من مات منهم عن ولد انتقل نصيبه لولده". وتبقى هي وبنت عمتها مستوعبتين لنصيب جدهما. لزينب: ثلثاه. ولفاطمة.ثلثه.

(1/131)


واحتمل أن يقال: إن نصيب عبد القادر كله يقسم الآن على أولاده, عملا بقول الواقف: "ثم على أولاده ثم على أولاد أولاده" فقد أثبت لجميع أولاد الأولاد استحقاقا بعد الأولاد. وإنما حجبنا عبد الرحمن وملكة, وهما من أولاد الأولاد: بالأولاد, فإذا انقرض الأولاد زال الحجب, فيستحقان. ويقسم نصيب عبد القادر بين جميع أولاد أولاده, فلا يحصل لزينب جميع نصيب أبيها. وينقص ما كان بيد فاطمة, بنت لطيفة وهذا أمر اقتضاه النزول الحادث بانقراض طبقة الأولاد "المستفاد من شرط الواقف: أن أولاد الأولاد بعدهم.
ولا شك أن فيه مخالفة لظاهر قوله "إن من مات فنصيبه لولده" فإن ظاهره يقتضي أن نصيب علي لبنته زينب. واستمرار نصيب لطيفة لبنتها فاطمة, فخالفناه بهذا العمل فيهما جميعا, ولو لم نخالف ذلك, لزمنا مخالفة قول الواقف: "إن بعد الأولاد يكون لأولاد الأولاد", وظاهره يشمل الجميع.
فهذان الظاهران تعارضا, وهو تعارض قوي صعب. ليس في هذا الوقف محز أصعب منه. وليس الترجيح فيه بالهين بل هو محل نظر الفقيه. وخطر لي فيه طرق:
منها: أن الشرط المقتضي لاستحقاق أولاد الأولاد جميعهم متقدم في كلام الواقف, والشرط المقتضي لإخراجهم بقوله "من مات انتقل نصيبه لولده" متأخر, فالعمل بالمتقدم أولى ; لأن هذا ليس من باب النسخ, حتى يقال: العمل بالمتأخر أولى.
ومنها ; أن ترتيب الطبقات أصل, وذكر انتقال نصيب الوالد إلى ولده فرع وتفصيل لذلك الأصل, فكان التمسك بالأصل أولى.
ومنها: أن "من" صيغة عامة, فقوله "من مات وله ولد" صالح لكل فرد منهم, ولمجموعهم, وإذا أريد مجموعهم, كان انتقال نصيب مجموعهم إلى مجموع الأولاد من مقتضيات هذا الشرط, فكان إعمالا له من وجه, مع إعمال الأول, وإن لم نعمل بذلك كان إلغاء للأول من كل وجه وهو مرجوح.
ومنها: إذا تعارض الأمر بين إعطاء بعض الذرية وحرمانهم, تعارضا لا ترجيح فيه فالإعطاء أولى ; لأنه لا شك أقرب إلى غرض الواقفين.
ومنها: أن استحقاق زينب لأقل الأمرين وهو الذي يخصها إذا شرك بينها وبين بقية أولاد الأولاد: محقق. وكذا فاطمة, والزائد على المحقق في حقها: مشكوك فيه, ومشكوك في استحقاق عبد الرحمن, وملكة له, فإذا لم يحصل ترجيح في التعارض بين اللفظين, يقسم بينهم, فيقسم بين عبد الرحمن, وملكة, وزينب. وفاطمة.
وهل يقسم للذكر مثل حظ الأنثيين, فيكون لعبد الرحمن: خمساه. ولكل من الإناث: خمسه, نظرا إليهم, دون أصولهم, أو ينظر إلى أصولهم, فينزلون منزلتهم

(1/132)


لو كانوا موجودين, فيكون لفاطمة: خمسه, ولزينب: خمساه, ولعبد الرحمن وملكة خمساه؟ فيه احتمال.
وأنا إلى الثاني أميل. حتى لا يفضل فخذ على فخذ في المقدار, بعد ثبوت الاستحقاق.
فلما توفيت فاطمة من غير نسل, والباقون من أهل الوقف: زينب بنت خالها, وعبد الرحمن وملكة, ولدا عمها, وكلهم في درجتها. وجب قسم نصيبها بينهم, لعبد الرحمن: نصفه, ولملكة: ربعه, ولزينب: ربعه.
ولا نقول هنا: ننظر إلى أصولهم ; لأن الانتقال من مساويهم, ومن هو في درجتهم فكان اعتبارهم بأنفسهم أولى. فاجتمع لعبد الرحمن, وملكة: الخمسان, حصلا لهما بموت علي. ونصف وربع الخمس, الذي لفاطمة, بينهما بالفريضة, فلعبد الرحمن خمس, ونصف خمس, وثلث خمس. ولملكة: ثلثا خمس وربع خمس. واجتمع لزينب: الخمسان بموت والدها, وربع خمس فاطمة, فاحتجنا إلى عدد يكون له خمس. ولخمسه ثلث وربع. وهو ستون, فقسمنا نصيب عبد القادر عليه. لزينب خمساه وربع خمسه. وهو سبعة وعشرون ولعبد الرحمن: اثنان وعشرون. وهي خمس ونصف خمس وثلث خمس. ولملكة: إحدى عشر وهي ثلثا خمس وربع خمس.
فهذا ما ظهر لي, ولا أشتهي أحدا من الفقهاء يقلدني. بل ينظر لنفسه, انتهى كلام السبكي.
قلت: الذي يظهر لي اختياره أولا, دخول عبد الرحمن وملكة, بعد موت عبد القادر عملا بقوله: "ومن مات من أهل الوقف إلخ".
وما ذكره السبكي: من أنه لا يطلق عليه أنه من أهل الوقف: ممنوع. وما ذكره في تأويل قوله: "قبل استحقاقه" خلاف الظاهر من اللفظ. وخلاف المتبادر إلى الأفهام.
بل صريح كلام الواقف: أنه أراد بأهل الوقف: الذي مات قبل استحقاقه, لا الذي لم يدخل في الاستحقاق بالكلية. ولكنه بصدد أن يصل إليه. وقوله: "لشيء من منافع الوقف" دليل قوي لذلك, فإنه نكرة في سياق الشرط. وفي سياق كلام معناه النفي, فيعم ; لأن المعنى لم يستحق شيئا من منافع الوقف. وهذا صريح في رد التأويل الذي قاله.
ويؤيده أيضا, قوله: "استحق ما كان يستحقه المتوفى, لو بقي حيا إلى أن يصير إليه شيء من منافع الوقف" فهذه الألفاظ كلها صريحة في أنه مات قبل الاستحقاق. وأيضا: لو كان المراد ما قاله السبكي, لاستغني عنه بقوله أولا "على أن من مات عن

(1/133)


ولد عاد ما كان جاريا عليه على ولده "فإنه يغني عنه ولا ينافي هذا اشتراطه الترتيب في الطبقات بثم ; لأن ذاك عام, خصصه هذا. كما خصصه أيضا قوله: "على أن من مات عن ولد" إلى آخره.
وأيضا: فإنا إذا عملنا بعموم اشتراط الترتيب لزم منه إلغاء هذا الكلام بالكلية. وأن لا يعمل في صورة ; لأنه على هذا التقدير: إنما استحق عبد الرحمن وملكة لما استووا في الدرجة, أخذا من قوله: "عاد على من في درجته" فبقي قوله: "ومن مات قبل استحقاقه إلخ" مهملا لا يظهر أثره في صورة. بخلاف ما إذا أعملناه, وخصصنا به عموم الترتيب, فإن فيه إعمالا للكلامين, وجمعا بينهما وهذا أمر ينبغي أن يقطع به.
وحينئذ, فنقول: لما مات عبد القادر قسم نصيبه بين أولاده الثلاثة, وولدي ولده أسباعا: لعبد الرحمن وملكة: السبعان أثلاثا, فلما مات عمر, عن غير نسل, انتقل نصيبه إلى أخويه وولدي أخيه, فيصير نصيب عبد القادر كلهم بينهم. لعلي: خمسان وللطيفة: خمس, ولعبد الرحمن, وملكة خمسان, أثلاثا. ولما توفيت لطيفة انتقل نصيبها بكماله لبنتها فاطمة ولما مات علي انتقل نصيبه بكماله لبنته زينب ولما توفيت فاطمة بنت لطيفة والباقون في درجتها زينب وعبد الرحمن وملكة. قسم نصيبها بينهم: "للذكر مثل حظ الأنثيين" اعتبارا بهم, لا بأصولهم. لما ذكر السبكي: لعبد الرحمن: نصف ولكل بنت ربع, فاجتمع لعبد الرحمن بموت عمر: خمس وثلث, وبموت فاطمة: نصف خمس. ولملكة, بموت عمر: ثلثا خمس, وبموت فاطمة: ربع خمس. ولزينب بموت علي: خمسان, وبموت فاطمة: ربع خمس, فيقسم نصيب عبد القادر ستين جزءا. لزينب: سبعة وعشرون, وهي خمسان وربع خمس, ولعبد الرحمن: اثنان وعشرون, وهي خمس ونصف وثلث. ولملكة: أحد عشر, وهي ثلثا خمس وربع.
فصحت مما قاله السبكي, لكن الفرق تقدم استحقاق عبد الرحمن, وملكة. والجزم حينئذ بصحة هذه القسمة, والسبكي تردد فيها, وجعلها من باب قسمة المشكوك في استحقاقه ونحن لا نتردد في ذلك. وسئل السبكي أيضا: عن رجل وقف على حمزة, ثم أولاده, ثم أولادهم وشرط أن من مات من أولاده انتقل نصيبه للمستحقين من إخوته ومن مات قبل استحقاقه. لشيء من منافع الوقف, وله ولد, استحق ولده ما كان يستحقه المتوفى, لو كان حيا.
فمات حمزة, وخلف ولدين, وهما عماد الدين, وخديجة. وولد ولد, مات أبوه في حياة والده, وهو: نجم الدين بن مؤيد الدين بن حمزة, فأخذ الوالدان نصيبهما, وولد الولد: النصيب الذي لو كان أبوه حيا لأخذه, ثم ماتت خديجة, فهل يختص أخوها بالباقي, أو يشاركه ولد أخيه نجم الدين؟.

(1/134)


فأجاب: تعارض فيه اللفظان, فيحتمل المشاركة. ولكن الأرجح اختصاص الأخ ويرجحه: أن التنصيص على الإخوة وعلى المستحقين منهم: كالخاص. وقوله: "ومن مات قبل الاستحقاق" كالعام فيقدم الخاص على العام.
تنبيه:
قال السبكي, وولده: محل هذه القاعدة: أن يستوي الإعمال والإهمال بالنسبة إلى الكلام. أما إذا بعد الإعمال عن اللفظ, وصار بالنسبة إليه كاللغز فلا يصير راجحا ومن ثم: لو أوصى بعود من عيدانه: وله عيدان لهو, وعيدان قسي, وبناء. فالأصح بطلان الوصية, تنزيلا على عيدان اللهو ; لأن اسم العود عند الإطلاق له.
واستعماله في غيره مرجوح وليس كالطبل لوقوعه على الجميع وقوعا واحدا. كذا فرق الأصحاب بين المسألتين.
ولو قال: زوجتك فاطمة, ولم يقل: بنتي: لم يصح على الأصح. لكثرة الفواطم.
فصل:
يدخل في هذه القاعدة: قاعدة "التأسيس أولى من التأكيد.
فإذا دار اللفظ بينهما ; تعين على التأسيس.
وفيه فروع:
منها: قال: أنت طالق. أنت طالق, ولم ينو شيئا, فالأصح الحمل على الاستئناف.
ومنها: إذا قال لزوجته: إن ظاهرت من فلانة الأجنبية, فأنت علي كظهر أمي, ثم تزوج تلك, وظاهر. فهل يصير مظاهرا من الزوجة الأولى؟ وجهان: أصحهما في التنبيه: لا. حملا للصفة على الشرط. فكأنه علق ظهاره على ظهاره من تلك, حال كونها أجنبية, وذلك تعليق على ما لا يكون ظهارا شرعيا. والثاني: نعم. ويجعل الوصف بقوله "الأجنبية", توضيحا, لا تخصيصا ; وهذا هو الأصح عند النووي.

(1/135)


القاعدة الحادية عشرة: "الخراج بالضمان"
هو حديث صحيح. أخرجه الشافعي, وأحمد, وأبو داود, والترمذي, والنسائي وابن ماجه, وابن حبان. من حديث عائشة. وفي بعض طرقه ذكر السبب. وهو أن رجلا ابتاع عبدا, فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم, ثم وجد به عيبا, فخاصمه إلى النبي

(1/135)


صلى الله عليه وسلم ; فرده عليه, فقال الرجل: يا رسول الله, قد استعمل غلامي. فقال: "الخراج بالضمان".
قال أبو عبيد: الخراج في هذا الحديث غلة العبد يشتريه الرجل فيستغله زمانا, ثم يعثر منه على عيب دلسه البائع, فيرده, ويأخذ جميع الثمن. ويفوز بغلته كلها ; لأنه كان في ضمانه, ولو هلك هلك من ماله, انتهى.
وكذا قال الفقهاء: معناه ما خرج من الشيء: من غلة, ومنفعة, وعين, فهو للمشتري عوض ما كان عليه من ضمان الملك, فإنه لو تلف المبيع كان من ضمانه, فالغلة له, ليكون الغنم في مقابلة الغرم.
وقد ذكروا هنا سؤالين:
أحدهما: لو كان الخراج في مقابلة الضمان ; لكانت الزوائد قبل القبض للبائع, ثم العقد, أو انفسخ, لكونه من ضمانه, ولا قائل به.
وأجيب: بأن الخراج معلل قبل القبض بالملك وبعده به, وبالضمان معا: واقتصر في الحديث على التعليل بالضمان ; لأنه أظهر عند البائع, وأقطع لطلبه, واستبعاده أن الخراج للمشتري.
الثاني: لو كانت العلة: الضمان, لزم أن يكون الزوائد للغاصب, لأن ضمانه أشد من ضمان غيره. وبهذا احتج لأبي حنيفة في قوله: "إن الغاصب لا يضمن منافع المغصوب". وأجيب: بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بذلك في ضمان الملك, وجعل الخراج لمن هو مالكه, إذا تلف تلف على ملكه, وهو المشتري, والغاصب لا يملك المغصوب. وبأن الخراج: هو المنافع, جعلها لمن عليه الضمان. ولا خلاف أن الغاصب لا يملك المغصوب بل إذا أتلفها, فالخلاف في ضمانها عليه, فلا يتناول موضع الخلاف.
نعم: خرج عن هذا مسألة, وهي ما لو أعتقت المرأة عبدا, فإن ولاءه يكون لابنها ولو جنى جناية خطأ, فالعقل على عصبتها, دونه, وقد يجيء مثله في بعض العصبات, يعقل ولا يرث.

(1/136)


القاعدة الثانية عشرة: الخروج من الخلاف مستحب.
فروعها كثيرة جدا لا تكاد تحصى:
فمنها: استحباب الدلك في الطهارة, واستيعاب الرأس بالمسح, وغسل المني بالماء, والترتيب في قضاء الصلوات, وترك صلاة الأداء خلف القضاء, وعكسه, والقصر في سفر يبلغ ثلاث مراحل, وتركه فيما دون ذلك, وللملاح الذي يسافر بأهله وأولاده, وترك الجمع. وكتابة العبد القوي الكسوب, ونية الإمامة. واجتناب استقبال القبلة

(1/136)


واستدبارها مع الساتر, وقطع المتيمم الصلاة إذا رأى الماء ; خروجا من خلاف من أوجب الجميع. وكراهة الحيل في باب الربا. ونكاح المحلل خروجا من خلاف من حرمه.
وكراهة صلاة المنفرد خلف الصف, خروجا من خلاف من أبطلها. وكذا كراهة مفارقة الإمام بلا عذر, والاقتداء في خلال الصلاة ; خروجا من خلاف من لم يجز ذلك.
تنبيه:
لمراعاة الخلاف شروط:
أحدها: أن لا يوقع مراعاته في خلاف آخر,
ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله, ولم يراع خلاف أبي حنيفة لأن من العلماء من لا يجيز الوصل.
الثاني: أن لا يخالف سنة ثابتة ; ومن ثم سن رفع اليدين في الصلاة, ولم يبال برأي من قال بإبطاله الصلاة من الحنفية ; لأنه ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية نحو خمسين صحابيا.
الثالث: أن يقوى مدركه ; بحيث لا يعد هفوة.
ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه ; ولم يبال بقول داود: إنه لا يصح.
وقد قال إمام الحرمين في هذه المسألة: إن المحققين لا يقيمون لخلاف أهل الظاهر وزنا.
تنبيه:
شكك بعض المحققين على قولنا بأفضلية الخروج من الخلاف فقال: الأولوية والأفضلية, إنما تكون حيث سنة ثابتة. وإذا اختلفت الأمة على قولين: قول بالحل ; وقول بالتحريم, واحتاط المستبرئ لدينه, وجرى على الترك ; حذرا من ورطات الحرمة لا يكون فعله ذلك سنة ; لأن القول بأن هذا الفعل يتعلق به الثواب من غير عقاب على الترك, لم يقل به أحد, والأئمة كما ترى بين قائل بالإباحة, وقائل بالتحريم. فمن أين الأفضلية؟
وأجاب ابن السبكي: بأن أفضليته ليست لثبوت سنة خاصة فيه, بل لعموم الاحتياط والاستبراء للدين, وهو مطلوب شرعا مطلقا, فكان القول بأن الخروج من الخلاف أفضل, ثابتا من حيث العموم, واعتماده من الورع المطلوب شرعا.

(1/137)


خاتمة:
من فروع هذه القاعدة, في العربية:
إذا دار الأمر في ضرورة الشعر, أو التناسب, بين قصر الممدود ومد المقصور. فالأول أولى ; لأنه متفق على جوازه, والثاني مختلف فيه.

(1/138)


القاعدة الثالثة عشرة: "الدفع أقوى من الرفع"
ولهذا: الماء المستعمل, إذا بلغ قلتين, في عوده طهورا, وجهان.
ولو استعمل القلتين ابتداء لم يصر مستعملا, بلا خلاف.
والفرق أن الكثرة في الابتداء دافعة, وفي الأثناء رافعة. والدفع أقوى من الرفع.
ومن ذلك: للزوج منع زوجته من حج الفرض, ولو شرعت فيه بغير إذنه, ففي جواز تحليلها قولان. ووجود الماء قبل الصلاة للمتيمم, يمنع الدخول فيها, وفي أثنائها لا يبطلها, حيث تسقط به. واختلاف الدين المانع من النكاح يدفعه ابتداء, ولا يرفعه في الأثناء, بل يوقف على انقضاء العدة. والفسق: يمنع انعقاد الإمامة ابتداء, ولو عرض في الأثناء, لم ينعزل.

(1/138)


القاعدة الرابعة عشرة: الرخص لا تناط بالمعاصي.
ومن ثم لا يستبيح العاصي بسفره شيئا من رخص السفر: من القصر والجمع والفطر والمسح ثلاثا, والتنقل على الراحلة, وترك الجمعة, وأكل الميتة ; وكذا التيمم, على وجه اختاره السبكي, ويأثم بترك الصلاة إثم تارك لها, مع إمكان الطهارة ; لأنه قادر على استباحة التيمم بالتوبة. والصحيح أنه يلزمه التيمم لحرمة الوقت, ويلزمه الإعادة لتقصيره بترك التوبة.
ولو وجد العاصي بسفره ماء, واحتاج إليه للعطش, لم يجز له التيمم بلا خلاف. وكذا من به مرض وهو عاص بسفره ; لأنه قادر على التوبة.
قال القفال في شرح التلخيص ; فإن قيل: كيف حرمتم أكل الميتة على العاصي بسفره مع أنه مباح للحاضر في حال الضرورة, وكذا من به مرض يجوز له التيمم في الحضر؟ فالجواب: أن ذلك وإن كان مباحا في الحضر عند الضرورة لكن سفره سبب لهذه الضرورة, وهو معصية, فحرمت عليه الميتة في الضرورة, كما لو سافر لقطع الطريق

(1/138)


القاعدة الخامسة عشرة: "الرخصة لا تناط بالشك"
ذكرها الشيخ تقي الدين السبكي وفرع عليها:
أنه إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها, لا يستبيح ; لأنه لم يدخلهما طاهرتين.
ومن فروعها:
وجوب الغسل: لمن شك في جواز المسح.
ووجوب الإتمام لمن شك في جواز القصر, وذلك في صور متعددة.

(1/141)


القاعدة السادسة عشرة: "الرضا بالشيء رضا بما يتولد منه"
وقريب منها القاعدة "المتولد من مأذون فيه لا أثر له"
ومن فروعها:
رضي أحد الزوجين بعيب صاحبه ; فزاد: فلا خيار له على الصحيح.
ومنها: أذن المرتهن للراهن في ضرب العبد المرهون, فهلك في الضرب. فلا ضمان لأنه تولد من مأذون فيه, كما لو أذن في الوطء فأحبل.
ومنها: قال مالك أمره: اقطع يدي, ففعل, فسرى, فهدر, على الأظهر,
ومنها: لو قطع قصاصا, أو حدا, فسرى: فلا ضمان,
ومنها: تطيب قبل الإحرام, فسرى إلى موضع آخر بعد الإحرام فلا فدية فيه.
ومنها: محل الاستجمار معفو عنه, فلو عرق فتلوث منه. فالأصح العفو.
ومنها: لو سبق ماء المضمضة, أو الاستنشاق إلى جوفه, ولم يبالغ. لم يفطر في الأصح بخلاف ما إذا بالغ, لأنه تولد من منهي عنه,
ويستثنى من القاعدة:
ما كان مشروطا بسلامة العاقبة, كضرب المعلم, والزوج, والولي, وتعزير الحاكم وإخراج الجناح, ونحو ذلك.

(1/141)


القاعدة السابعة عشرة: "السؤال معاد في الجواب"
فلو قيل له على وجه الاستخبار: أطلقت زوجتك؟ فقال: نعم كان إقرارا به, يؤاخذ به في الظاهر. ولو كان كاذبا.
ولو قيل ذلك على وجه التماس الإنشاء, فاقتصر على قوله: نعم, فقولان: أحدهما: أنه كناية لا يقع إلا بالنية.

(1/141)


القاعدة الثامنة عشرة: "لا ينسب للساكت قول"
هذه عبارة الشافعي رضي الله عنه ولهذا لو سكت عن وطء أمته لا يسقط المهر قطعا, أو عن قطع عضو منه, أو إتلاف شيء من ماله مع القدرة على الدفع لم يسقط ضمانه, بلا خلاف, بخلاف ما لو أذن في ذلك.
ولو سكتت الثيب عند الاستئذان في النكاح. لم يقم مقام الإذن قطعا.
ولو علم البائع بوطء المشتري الجارية في مقدار مدة الخيار. لا يكون إجازة في الأصح.
ولو حمل من مجلس الخيار, ولم يمنع من الكلام. لم يبطل خياره في الأصح.
وخرج عن القاعدة صور:
منها: البكر سكوتها في النكاح إذن للأب والجد قطعا, ولسائر العصبة والحاكم في الأصح.
ومنها سكوت المدعى عليه عن الجواب, بعد عرض اليمين عليه, يجعله كالمنكر الناكل. وترد اليمين على المدعي.
ومنها: لو نقض بعض أهل الذمة. ولم ينكر الباقون بقول, ولا فعل, بل سكتوا انتقض فيهم أيضا.

(1/142)


ومنها: لو رأى السيد عبده يتلف مالا لغيره, وسكت عنه ضمنه.
ومنها: إذا سكت المحرم, وقد حلقه الحلال مع القدرة على منعه لزمه الفدية على الأصح.
ومنها: لو باع العبد البالغ, وهو ساكت. صح البيع, ولا يشترط أن يعترف بأن البائع سيده في الأصح.
ومنها: القراءة على الشيخ وهو ساكت ينزل منزلة نطقه في الأصح.
ومنها: مسائل أخر. ذكرها القاضي جلال الدين البلقيني, أكثرها على ضعيف, وبعضها اقترن به فعل قام مقام النطق, وبعضها فيه نظر.

(1/143)


القاعدة التاسعة عشرة: "ما كان أكثر فعلا, كان أكثر فضلا"
أصله قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "أجرك على قدر نصبك" رواه مسلم.
ومن ثم كان فصل الوتر أفضل من وصله ; لزيادة النية, والتكبير, والسلام. وصلاة النفل قاعدا على النصف من صلاة القائم. ومضطجعا على النصف من القاعد.
وإفراد النسكين أفضل من القران.
وخرج عن ذلك الصور:
الأولى: القصر أفضل من الإتمام بشرطه.
الثانية: الضحى أفضلها ثمان, وأكثرها: اثنتا عشر. والأول أفضل, تأسيا بفعله. صلى الله عليه وسلم:
الثالثة: الوتر بثلاث. أفضل منه بخمس, أو سبع, أو تسع, على ما قاله في البسيط تبعا لشيخه إمام الحرمين, وهو ضعيف, والمجزوم به في شرح المهذب خلافه, وإن كان الأكثر أفضل منه, ونقله ابن الرفعة عن الروياني, وأبي الطيب.
وقال ابن الأستاذ: ينبغي القطع به.
الرابعة: قراءة سورة قصيرة في الصلاة أفضل من بعض سورة, وإن طال, كما قاله المتولي ; لأنه المعهود من فعله صلى الله عليه وسلم غالبا.
الخامسة: الصلاة مرة في الجماعة أفضل من فعلها وحده خمسا وعشرين مرة.
السادسة: صلاة الصبح أفضل من سائر الصلوات, مع أنها أقصر من غيرها.
السابعة: ركعة الوتر أفضل من ركعتي الفجر, على الجديد, بل من التهجد في الليل, وإن كثرت ركعاته. ذكره في المطلب.
قال: ولعل سببه انسحاب حكمها على ما تقدمها.
الثامنة: تخفيف ركعتي الفجر, أفضل من تطويلهما.
التاسعة: صلاة العيد, أفضل من صلاة الكسوف, مع كونها أشق, وأكثر عملا.

(1/143)


العاشرة: الجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرفات, والفصل بغرفتين أفضل منه بست.
الحادية عشرة: التصدق بالأضحية بعد أكل لقم يتبرك بها أفضل من التصدق بجميعها.
الثانية عشرة: الإحرام من الميقات أفضل منه من دويرة أهله في الأظهر.
الثالثة عشرة: الحج, والوقوف راكبا أفضل منه ماشيا, تأسيا بفعله صلى الله عليه وسلم في الصورتين.
تنبيه:
أنكر الشيخ عز الدين كون الشاق أفضل. وقال: إن تساوى العملان من كل وجه في الشرف, والشرائط, والسنن, كان الثواب على أشقهما أكثر, كاغتسال في الصيف والشتاء, سواء في الأفعال, ويزيد أجر الاغتسال في الشتاء بتحمل مشقة البرد, فليس التفاوت في نفس العملين, بل فيما لزم عنهما.
وكذلك مشاق الوسائل, كقاصد المساجد, أو الحج أو العمرة من مسافة قريبة, وآخر من بعيد, فإن ثوابهما يتفاوت بتفاوت الوسيلة, ويتساويان من جهة القيام بأصل العبادة, وإن لم يتساو العملان, فلا يطلق القول بتفضيل أشقهما. بدليل أن الإيمان أفضل الأعمال, مع سهولته وخفته على اللسان, وكذلك الذكر, على ما شهدت به الأخبار, وكذلك إعطاء الزكاة مع طيب النفس, أفضل من إعطائها مع البخل, ومجاهدة النفس, وكذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة, وجعل الذي يقرؤه ويتتعتع فيه, وهو عليه شاق له أجران.

(1/144)


القاعدة العشرون: "المتعدي أفضل من القاصر".
ومن ثم قال الأستاذ أبو إسحاق, وإمام الحرمين وأبوه: للقائم بفرض الكفاية مزية على العين ; لأنه أسقط الحرج عن الأمة.
وقال الشافعي: طلب العلم, أفضل من صلاة النافلة.
وأنكر الشيخ عز الدين هذا الإطلاق أيضا. وقال: قد يكون القاصر أفضل كالإيمان.
وقد قدم النبي صلى الله عليه وسلم. التسبيح عقب الصلاة على الصدقة: وقال: "خير أعمالكم الصلاة".
وسئل أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله, ثم جهاد في سبيل الله, ثم حج مبرور", وهذه كلها قاصرة. ثم اختار تبعا للغزالي في الإحياء: أن أفضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها.

(1/144)


القاعدة الحادية و العشرون: "الفرض أفضل من النفل"
...
القاعدة الحادية والعشرون:"الفرض أفضل من النفل"
قال صلى الله عليه وسلم فيما يحكيه عن ربه: "وما تقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" رواه البخاري.
قال إمام الحرمين: قال الأئمة: خص الله نبيه صلى الله عليه وسلم بإيجاب أشياء لتعظيم ثوابه, فإن ثواب الفرائض يزيد على ثواب المندوبات بسبعين درجة.
وتمسكوا بما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في شهر رمضان: "من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه, ومن أدى فريضة فيه, كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" فقابل النفل فيه بالفرض في غيره, وقابل الفرض فيه بسبعين فرضا في غيره, فأشعر هذا بطريق الفحوى أن الفرض يزيد على النفل سبعين درجة ا هـ.
قال ابن السبكي: وهذا أصل مطرد لا سبيل إلى نقضه بشيء من الصور, وقد استثني:
فروع:
أحدها: إبراء المعسر فإنه أفضل من إنظاره, وإنظاره واجب, وإبراؤه مستحب.
وقد انفصل عنه التقي السبكي بأن الإبراء يشتمل على الإنظار اشتمال الأخص على الأعم, لكونه تأخيرا للمطالبة, فلم يفضل ندب واجبا ; وإنما فضل واجب. وهو الإنظار الذي تضمنه الإبراء, وزيادة "وهو خصوص الإبراء" واجبا آخر. وهو مجرد الإنظار.
قال ابنه: أو يقال: إن الإبراء محصل لمقصود الإنظار وزيادة من غير اشتماله عليه.
قال: وهذا على تقدير تسليم أن الإبراء أفضل, وغاية ما استدلوا عليه بقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وهذا يحتمل أن يكون افتتاح كلام, فلا يكون دليلا على أن الإبراء أفضل, ويتطرق من هذا إلى أن الإنظار أفضل: لشدة ما ينال المنظر من ألم الصبر, مع تشويف القلب. وهذا فضل ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس.
الثاني: ابتداء السلام, فإنه سنة: والرد واجب, والابتداء أفضل, لقوله صلى الله عليه وسلم: "وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام".

(1/145)


وحكى القاضي حسين في تعليقه وجهين: في أن الابتداء أفضل أو الجواب.
ونوزع في ذلك بأنه ليس في الحديث: أن الابتداء أفضل من الجواب, بل إن المبتدئ خير من المجيب. وذلك لأن المبتدئ فعل حسنة وتسبب إلى فعل حسنة. وهي الجواب مع ما دل عليه الابتداء من حسن الطوية, وترك الهجر والجفاء, الذي كرهه الشارع.
الثالث: قال ابن عبد السلام: صلاة نافلة واحدة أفضل من إحدى الخمس الواجب فعلها على من ترك واحدة منها, ونسي عينها.
قلت: لم أر من تعقبه, وهو أولى بالتعقب من الأولين. وما ذكره من أن صلاة نافلة واحدة أفضل من إحدى الخمس المذكورة, فيه نظر. والذي يظهر: أنها إن لم تزد عليها في الثواب لا تنقص عنها. الرابع: الأذان سنة وهو على ما رجحه الإمام النووي: أفضل من الإمامة, وهي فرض كفاية, أو عين.
وقد سئل عن ذلك السبكي في الحلبيات,
فأجاب بوجوه:
منها: أنه لا يلزم من كون الجماعة فرضا كون الإمامة فرضا. لأن الجماعة: تتحقق بنية المأموم الائتمام, دون نية الإمام.
ولو نوى الإمام فنيته محصلة لجزء الجماعة. والجزء هنا: ليس مما يتوقف عليه الكل لما بيناه, فلم يلزم وجوبه, وإذا لم يلزم ذلك لم يلزم القول بأن الإمامة فرض كفاية, فلم يحصل تفضيل نفل على فرض, وإنما نية الإمام شرط في حصول الثواب له.
ومنها: أن الجماعة صفة للصلاة المفروضة, والأذان عبادة مستقلة, والقاعدة المستقرة في أن الفرض أفضل من النفل في العبادتين المستقلتين أو في الصفتين.
أما في عبادة, وصفة, فقد تختلف.
ومنها: أن الأذان والجماعة جنسان, والقاعدة المستقرة في أن الفرض أفضل من النفل في الجنس الواحد.
أما في الجنسين: فقد تختلف, فإن الصنائع والحرف فروض كفايات, ويبعد أن يقال: إن واحدة من رذائلها أفضل من تطوع الصلاة, وإن سلم أنه أفضل من جهة أن فيه خروجا من الإثم, ففي تطوع الصلاة من الفضائل ما قد يجبر ذلك, أو يزيد عليه, وجنس الفرض أفضل من جنس النفل.
وقد يكون في بعض الجنس المفضول ما يربو على بعض أفراد الجنس الفاضل, كتفضيل بعض النساء على بعض الرجال.

(1/146)


وإذا تؤمل ما جمعه الأذان من الكلمات العظيمة ومعانيها ودعوتها ظهر تفضيله وأنى يدانيه صناعة؟ قيل: إنها فرض كفاية.
الخامس: الوضوء قبل الوقت سنة وهو أفضل منه في الوقت صرح به القمولي في الجواهر وإنما يجب بعد الوقت,
وقلت قديما:
الفرض أفضل من تطوع عابد ... حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا التطهر قبل وقت وابتدا ... للسلام كذاك إبرا معسر

(1/147)


القاعدة الثانية والعشرون: "الفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى من المتعلقة بمكانها".
قال في شرح المهذب: هذه قاعدة مهمة صرح بها جماعة من أصحابنا وهي مفهومة من كلام الباقين. ويتخرج عليها مسائل مشهورة:
منها: الصلاة في جوف الكعبة أفضل من الصلاة خارجها فإن لم يرج فيها الجماعة وكانت خارجها فالجماعة خارجها أفضل.
ومنها: صلاة الفرض في المسجد أفضل منه في غيره.
فلو كان مسجد لا جماعة فيه وهناك جماعة في غيره فصلاتها مع الجماعة خارجه أفضل من الانفراد في المسجد.
ومنها: صلاة النفل في البيت أفضل منها في المسجد لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها, فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص. وأبعد من الرياء وشبهه حتى أن صلاة النفل في بيته أفضل منها في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
ومنها: القرب من الكعبة في الطواف مستحب والرمل مستحب, فلو منعته الزحمة من الجمع بينهما ولم يمكنه الرمل مع القرب, وأمكنه مع البعد, فالمحافظة على الرمل مع البعد أولى من المحافظة على القرب بلا رمل, لذلك.
وخرج عن ذلك صور:
منها: الجماعة القليلة في المسجد القريب إذا خشي التعطيل لو لم يحضر فيه. أفضل من الكثيرة في غيره.
ومنها الجماعة في المسجد أفضل منها في غيره وإن كثرت, صرح به الماوردي, لكن خالفه أبو الطيب.

(1/147)


القاعدة الثالثة و العشرون: "الواجب لا يترك إلا لواجب"
...
القاعدة الثالثة والعشرون: "الواجب لا يترك إلا لواجب".
وعبر عنها قوم بقولهم: "الواجب لا يترك لسنة" وقوم بقولهم "ما لا بد منه لا يترك إلا لما لا بد منه" وقوم بقولهم "جواز ما لو لم يشرع لم يجز. دليل على وجوبه", وقوم بقولهم: ما كان ممنوعا إذا جاز وجب.
وفيها فروع:
منها: قطع اليد في السرقة, لو لم يجب لكان حراما.
ومنها: إقامة الحدود على ذوي الجرائم.
ومنها: وجوب أكل الميتة للمضطر.
ومنها: الختان, لو لم يجب لكان حراما لما فيه من قطع عضو وكشف العورة, والنظر إليها.
ومنها: العود من قيام الثالثة إلى التشهد الأول, يجب لمتابعة الإمام لأنها واجبة, ولا يجوز للإمام والمنفرد ; لأنه ترك فرض لسنة وكذا العود إلى القنوت.
ومنها: التنحنح بحيث يظهر حرفان, إن كان لأجل القراءة فعذر ; لأنه لواجب أو للجهر فلا ; لأنه سنة.
وخرج عن هذه القاعدة صور:
منها: سجود السهو, وسجود التلاوة. لا يجبان, ولو لم يشرعا لم يجوزا.
ومنها: النظر إلى المخطوبة, لا يجب, ولو لم يشرع, لم يجز.
ومنها: الكتابة لا تجب إذا طلبها الرقيق الكسوب, وقد كانت المعاملة قبلها ممنوعة لأن السيد لا يعامل عبده.
ومنها: رفع اليدين على التوالي في تكبيرات العيد.
ومنها: قتل الحية في الصلاة: لا يجب, ولو لم يشرع لكان مبطلا للصلاة.
ومنها: زيادة ركوع في صلاة الكسوف: لا يجب, ولو لم يشرع لم يجز.
ومن المشكل هنا قول المنهاج: ولا يجوز زيادة ركوع ثالث, لتمادي الكسوف, ولا نقصه للانجلاء, في الأصح فإنه يشعر بوجوبه, وهو مخالف لما في شرح المهذب: من أنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر صحت, وكان تاركا للأفضل.
وقد جمع بينهما الشيخ جلال الدين المحلي, بأن ذاك حيث نوى في الإحرام أداءها على تلك الكيفية, فلا يجوز له التغيير.

(1/148)


تنبيه:
استنبطت من هذه القاعدة دليلا لما أفتيت به, من أن الصلاة في صف شرع فيه قبل إتمام صف أمامه, لا يحصل فضيلة الجماعة لأمرهم بالتخطي, إذا كان أمامه فرجة لأنهم مقصرون بتركها. وأصل التخطي مكروه أو حرام, كما اختاره النووي.
فلولا أنه واجب لإتمام الصف لم يجز, وليس هو واجبا لصحة الصلاة, فتعين أن يكون لحصول الفضيلة.

(1/149)


القاعدة الرابعة والعشرون: ما أوجب أعظم الأمرين بخصوصه لا يوجب أهونهما بعمومه
ذكرها الرافعي. وفيها فروع:
منها: لا يجب على الزاني التعزير بالملامسة والمفاخذة فإن أعظم الأمرين وهو الحد قد وجب.
ومنها: زنا المحصن. لم يوجب أهون الأمرين وهو الجلد بعموم كونه زنا خلافا لابن المنذر.
ومنها: خروج المني, لا يوجب الوضوء على الصحيح بعموم كونه خارجا, فإنه قد أوجب الغسل, الذي هو أعظم الأمرين.
ونقضت هذه القاعدة بصور:
منها: الحيض والنفاس والولادة. فإنها توجب الغسل, مع إيجابها الوضوء أيضا. ومنها: من اشترى فاسدا ووطئ: لزمه المهر وأرش البكارة ولا يندرج في المهر. ومنها: لو شهدوا على محصن بالزنا فرجم, ثم رجعوا: اقتص منهم, ويحدون للقذف أولا.
ومنها: من قاتل من أهل الكمال أكثر من غيره يرضخ له مع السهم, ذكره الرافعي عن البغوي وغيره.

(1/149)


القاعدة الخامسة و العشرون: ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط
...
القاعدة الخامسة والعشرون: ما ثبت بالشرع مقدم على ما ثبت بالشرط.
ولهذا لا يصح نذر الواجب.
ولو قال: طلقتك بألف على أن لي الرجعة. سقط قوله "بألف" ويقع رجعيا ; لأن المال ثبت بالشرط, والرجعة بالشرع ; فكان أقوى,
ونحوه: تدبير المستولدة, لا يصح ; لأن عتقها بالموت ثابت بالشرع, فلا يحتاج معه إلى التدبير.

(1/149)


القاعدة السادسة و العشرون: ماحرم استعماله حرم اتخاذه
...
القاعدة السادسة والعشرون: ماحرم استعماله حرم اتخاذه.
ومن ثم حرم اتخاذ آلات الملاهي وأواني النقدين والكلب لمن لايصيد والخنزير والفواسق والخمر والحرير والحلي للرجل.
ونقضت هذه القاعدة بمسألة الباب في الصلح فإن الأصح أن له فتحه إذا سمره.
وأجيب عنها: بأن أهل الدرب يمنعونه من الاستعمال فإن ماتوا فورثتهم.
وأما متخذ الإناء ونحوه فليس عنده من يمنعه فربما جره اتخاذه إلى استعماله.

(1/150)


القاعدة السابعة و العشرون: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه
...
القاعدة السابعة والعشرون: ما حرم أخذه حرم إعطاؤه.
كالربا ومهر البغي, وحلوان الكاهن والرشوة, وأجرة النائحة والزامر. ويستثنى صور:
منها: الرشوة للحاكم, ليصل إلى حقه, وفك الأسير وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه, ولو خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال فله أن يؤدي شيئا ليخلصه وللقاضي بذل المال على التولية, ويحرم على السلطان أخذه.

(1/150)


القاعدة الثامنة و العشرون: المشغول لا يشغل
...
القاعدة الثامنة والعشرون: المشغول لا يشغل.
ولهذا لو رهن رهنا بدين, ثم رهنه بآخر: لم يجز في الجديد.
ومن نظائره: لا يجوز الإحرام بالعمرة للعاكف بمنى, لاشتغاله بالرمي والمبيت.
ومنها: لا يجوز إيراد عقدين على عين في محل واحد.
واعلم أن إيراد العقد على العقد ضربان:
أحدهما: أن يكون قبل لزوم الأول وإتمامه, فهو إبطال للأول إن صدر من البائع كما لو باع المبيع في زمن الخيار, أو أجره أو أعتقه فهو فسخ وإمضاء للأول إن صدر من المشتري بعد القبض.
الثاني: أن يكون بعد لزومه, وهو ضربان:
الأول: أن يكون مع غير العاقد الأول, فإن كان فيه إبطال الحق الأول. لغا, كما لو رهن داره ثم باعها بغير إذن المرتهن, أو آجرها مدة يحل الدين قبلها, وإن لم يكن فيه إبطال للأول صح, كما لو أجر داره ثم باعها لآخر, فإنه يصح لأن مورد البيع: العين, والإجارة المنفعة. وكذا لو زوج أمته ثم باعها.
الثاني: أن يكون مع العاقد الأول, فإن اختلف المورد صح قطعا, كما لو أجر داره ثم باعها من المستأجر, صح ولا تنفسخ الإجارة في الأصح, بخلاف ما لو تزوج بأمة ثم اشتراها فإنه يصح, وينفسخ النكاح ; لأن ملك اليمين أقوى من ملك النكاح, فسقط الأضعف بالأقوى, كذا عللوه. واستشكله الرافعي بأن هذا موجود في الإجارة.
ولو رهنه دارا, ثم أجرها منه. جاز, ولا يبطل الرهن, جزم به الرافعي.
قال: وهكذا لو أجرها, ثم رهنها منه. يجوز ; لأن أحدهما ورد على محل الآخر فإن الإجارة على المنفعة, والرهن على الرقبة, وإن اتحد المورد, كما لو استأجر زوجته لإرضاع ولده, فقال العراقيون: لا يجوز ; لأنه يستحق الانتفاع بها في تلك الحالة, فلا يجوز أن يعقد عليها عقدا آخر يمنع استيفاء الحق والأصح: أنه يجوز, ويكون الاستئجار من حين يترك الاستمتاع.

(1/151)


ولو استأجر إنسانا للخدمة شهرا, لم يجز أن يستأجر تلك المدة لخياطة ثوب, أو عمل آخر. ذكره الرافعي, في النفقات.
قال الزركشي: ومنه يؤخذ امتناع استئجار العكامين للحج.
قال: وهذا من قاعدة "شغل المشغول لا يجوز" بخلاف شغل الفارغ.

(1/152)


القاعدة التاسعة والعشرون: "المكبر لا يكبر"
ومن ثم لا يشرع التثليث في غسلات الكلب, خلافا لما وقع في الشامل الصغير, ولا التغليظ في أيمان القسامة: ولا دية العمد, وشبهه, ولا الخطأ إذا غلظت بسبب, فلا يزداد التغليظ بسبب آخر في الأصح. وإذا أخذت الجزية باسم زكاة ; وضعفت لا يضعف الجبران في الأصح ; لأنا لو ضعفناه لكان ضعف الضعف. والزيادة على الضعف لا تجوز.
تنبيه:
تجري هذه القاعدة في العربية.
ومن فروعها:
الجمع يجوز جمعه مرة ثانية, بشرط أن لا يكون على صيغة منتهى الجموع.
ونظيره في العربية أيضا قاعدة: المصغر لا يصغر. وقاعدة المعرف لا يعرف.
ومن ثم امتنع دخول اللام المعرفة على العلم والمضاف.

(1/152)


القاعدة الثلاثون: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه.
من فروعها:
إذا خللت الخمرة بطرح شيء فيها, لم تطهر.
ونظيره: إذا ذبح الحمار ليؤخذ جلده ; لم يجز. كما جزم به في الروضة.
قال بعضهم: وقياسه: أنه لو دبغ لم يطهر, لكن صرح القمولي في الجواهر بخلافه.
ومنها: حرمان القاتل الإرث.
ومنها: ذكر الطحاوي, في مشكل الآثار: أن المكاتب إذا كانت له قدرة على الأداء فأخره ليدوم له النظر إلى سيدته, لم يجز له ذلك ; لأنه منع واجبا عليه, ليبقى له ما يحرم عليه إذا أداه, ونقله عنه السبكي, في شرح المنهاج. وقال: إنه تخريج حسن, لا يبعد من جهة الفقه.

(1/152)


القاعدة الحادية و الثلاثون: النفل أوسع من الفرض
...
القاعدة الحادية والثلاثون: النفل أوسع من الفرض
ولهذا لا يجب فيه القيام, ولا الاستقبال في السفر, ولا تجديد الاجتهاد في القبلة. ولا تكرير التيمم, ولا تبييت النية, ولا يلزم بالشروع.
وقد يضيق النفل عن الفرض في صور ترجع إلى قاعدة: "ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها".
من ذلك: التيمم لا يشرع للنفل في وجه, وسجود السهو لا يشرع في النفل في قول غريب.
والنيابة عن المعضوب, لا تجزئ في حج التطوع, في قول.

(1/154)


القاعدة الثانية و الثلاثون: الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة
...
القاعدة الثانية والثلاثون: الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة.
ولهذا لا يتصرف القاضي مع وجود الولي الخاص وأهليته.
ولو أذنت للولي الخاص أن يزوجها بغير كفء ففعل. صح, أو للحاكم. لم يصح في الأصح.
وللولي الخاص استيفاء القصاص, والعفو على الدية, ومجانا, وليس للإمام العفو مجانا.
ولو زوج الإمام لغيبة الولي, وزوجها الولي الغائب بآخر في وقت واحد, وثبت ذلك بالبينة, قدم الولي. إن قلنا: إن تزويجه بطريق النيابة عن الغائب. وإن قلنا: إنه بطريق الولاية, فهل يبطل؟ كما لو زوج الوليان معا, أو تقدم ولاية الحاكم لقوة ولايته وعمومها كما لو قال الولي: كنت زوجتها في الغيبة, فإن نكاح الحاكم يقدم, كما صرحوا به. تردد فيه صاحب الكفاية, والأصح: أن تزويجه بالنيابة. بدليل عدم الانتقال إلى الأبعد, فعلى هذا يقدم نكاح الولي.
ضابط:
الولي قد يكون وليا في المال والنكاح, كالأب, والجد وقد يكون في النكاح فقط, كسائر العصبة, وكالأب فيمن طرأ سفهها, وقد يكون في المال فقط, كالوصي.

(1/154)


فائدة:
قال السبكي: مراتب الولاية أربعة:
الأولى: ولاية الأب والجد, وهي شرعية. بمعنى أن الشارع فوض لهما التصرف في مال الولد لوفور شفقتهما. وذلك وصف ذاتي لهما, فلو عزلا أنفسهما, لم ينعزلا بالإجماع ; لأن المقتضي للولاية: الأبوة, والجدودة, وهي موجودة مستمرة لا يقدح العزل فيها, لكن إذا امتنعا من التصرف تصرف القاضي, وهكذا ولاية النكاح لسائر العصبات.
الثانية: وهي السفلى. الوكيل, تصرفه مستفاد من الإذن, مقيد بامتثال أمر الموكل فلكل منهما العزل. وحقيقته: أنه فسخ عقد الوكالة, أو قطعه. والوكالة: عقد من العقود قابل للفسخ.
واختلف الأصحاب فيما إذا كانت بلفظ الإذن, هل هي عقد ; فيقبل الفسخ, أو إباحة, فلا تقبله؟ لأن الإباحة لا ترتد بالرد, والمشهور: الأول. وفي الفرق بين الوكالة والإذن غموض.
الثالثة: الوصية. وهي بين المرتبتين, فإنها من جهة كونها تفويضا تشبه الوكالة. ومن جهة كون الموصي لا يملك التصرف بعد موته, وإنما جوزت وصيته للحاجة, لشفقته على الأولاد, وعلمه بمن هو أشفق عليهم تشبه الولاية. وأبو حنيفة لاحظ الثاني, فلم يجوز له عزل نفسه, والشافعي لاحظ الأول, فجوز له عزل نفسه على المشهور من مذهبه. ولنا وجه كمذهب أبي حنيفة.
الرابعة: ناظر الوقف يشبه الوصي من جهة كون ولايته ثابتة بالتفويض, ويشبه الأب من جهة أنه ليس لغيره تسلط على عزله, والوصي يتسلط الموصي على عزله في حياته بعد التفويض: بالرجوع عن الوصية. ومن جهة أنه يتصرف في مال الله تعالى, فالتفويض أصله أن يكون منه. ولكنه أذن فيه للواقف, فهي ولاية شرعية. ومن جهة أنه إما منوط بصفة, كالرشد ونحوه, وهي مستمرة, كالأبوة. وإما منوط بذاته, كشرط النظر لزيد ; وهو مستمر, فلا يفيد العزل. كما لا يفيد في الأب, بخلاف الوكيل والوصي, فإنه يقطع ذلك العقد, أو يرفعه.
قال: فلذلك أقول: إن الذي شرط له الواقف النظر معينا, أو موصوفا بصفة. إذا عزل نفسه. لا ينفذ عزله لنفسه, لكن إن امتنع من النظر, أقام الحاكم مقامه, وإن لم نجد ذلك مصرحا به في كلام الأصحاب, إلا ابن الصلاح. قال في فتاويه: لو عزل الناظر نفسه, فليس للواقف نصب غيره, فإنه لا نظر له, بل ينصب الحاكم ناظرا, وهذا يوهم أنه إذا عزل نفسه انعزل, ويمكن تأويله.

(1/155)


قال: ويوضح ذلك أن شرط النظر من الواقف: إما تمليك, أو توكيل. فإن كان توكيلا لم يصح أن يكون توكيلا عنه ; لأنه لا نظر له, فكيف يوكل؟ ولأنه لو كان وكيلا عنه لجاز له عزله, وهو لو عزله لم ينفذ. ولا عن الموقوف عليه, للأمرين, فلم يبق إلا أنه تمليك, أو توكيل عن الله تعالى, أو إثبات حق في الوقف ابتداء, فإن رقبة الموقوف تنتقل إلى الله تعالى, ولا بد لها من متصرف, واعتبر الشارع حكم الواقف في الصرف, وفي تعيين المتصرف, وهو الناظر, فعلم أن استحقاق الناظر النظر بالشرط كاستحقاق الموقوف عليه الغلة, والموقوف عليه لو أسقط حقه من الغلة, لم يسقط, فكذلك إسقاط النظر.
ثم إن جعلناه تمليكا منه, حسن اشتراط القبول باللفظ, كسائر التمليكات. وإن جعلناه استخلافا عن الله تعالى لم يشترط.
قال: ويحتمل أن لا يشترط أيضا على التمليك ; لأنه ليس بعقد مستقل, بل وصف في الوقف, كسائر شروطه.
قال: وهذا هو الأقوى.
قال: بل أزيد أنه لو رد, لا يرتد, بخلاف الوقف على معين, حيث يرتد بالرد, لما قلناه: من أن النظر ليس مستقلا, بل وصف في الوقف تابع له, كسائر شروطه. إلا أنا لا نضره بإلزام النظر. بل إن شاء نظر, وإن شاء لم ينظر ; فينظر الحاكم.
قال: ثم هذا كله إذا كان المشروط له النظر معينا. أما إذا كان موصوفا, فينبغي أن لا يشترط القبول قطعا كالأوقاف العامة.
ثم قال: فإن قيل: النظر حق من الحقوق, فيتمكن صاحبه من إسقاطه, فإن كل من ملك شيئا. له أن يخرجه عن ملكه, عينا كان أو منفعة, أو دينا, فكيف لا يتمكن الناظر من إسقاط حقه من النظر؟ فالجواب: أن ذاك فيما هو في حكم خصلة واحدة. وحق النظر في كل وقت يتجدد بحسب صفة فيه, وهو الرشد مثلا إن علقه الواقف بها, أو بحسب ذاته, إن شروطه له بعينه, فلا يصح إسقاطه, كما لو أسقط الأب أو الجد حق الولاية من مال ولده, أو التزويج, ونحوه انتهى كلام السبكي ملخصا من كتابه "تسريح الناظر في انعزال الناظر".

(1/156)


القاعدة الثالثة و الثلاثون: لا عبرة بالظن البين خطؤه
...
القاعدة الثالثة والثلاثون: لا عبرة بالظن البين خطؤه.
من فروعها:
لو ظن المكلف, في الواجب الموسع أنه لا يعيش إلى آخر الوقت. تضيق عليه, فلو لم يفعله, ثم عاش وفعله: فأداء على الصحيح.
ولو ظن أنه متطهر, فصلى, ثم بان حدثه.
أو ظن دخول الوقت, فصلى, ثم بان أنه لم يدخل.
أو طهارة الماء, فتوضأ به, ثم بان نجاسته.
أو ظن أن إمامه مسلم, أو رجل قارئ, فبان كافرا, أو امرأة, أو أميا. أو بقاء الليل, أو غروب الشمس, فأكل, ثم بان خلافه.
أو دفع الزكاة إلى من ظنه من أهلها, فبان خلافه.
أو رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة شدة الخوف, فبان خلافه, أو بان أن هناك خندقا.
أو استناب على الحج, ظانا أنه لا يرجى برؤه, فبرئ: لم يجز في الصور كلها.
فلو أنفق على البائن ظانا حملها, فبانت حائلا: استرد.
وشبهه الرافعي: بما إذا ظن أن عليه دينا فأداه. ثم بان خلافه. وما إذا أنفق على ظن إعساره, ثم بان يساره.
ولو سرق دنانير ظنها فلوسا, قطع. بخلاف ما لو سرق مالا يظنه ملكه, أو ملك أبيه, فلا قطع, كما لو وطئ امرأة يظنها زوجته, أو أمته.
ويستثنى صور:
منها لو صلى خلف من يظنه متطهرا, فبان حدثه: صحت صلاته.
ولو رأى المتيمم ركبا, فظن أن معهم ماء: توجه عليه الطلب.
ولو خاطب امرأته بالطلاق. وهو يظنها أجنبية, أو عبده بالعتق, وهو يظنه لغيره ; نفذ.
ولو وطئ أجنبي أجنبية حرة يظنها زوجته الرقيقة: فالأصح أنها تعتد بقرأين, اعتبارا بظنه, أو أمة يظنها زوجته الحرة. فالأصح أنها تعتد بثلاثة أقراء لذلك.

(1/157)


القاعدة الرابعة والثلاثون: الاشتغال بغير المقصود إعراض عن المقصود.
ولهذا لو حلف: لا يسكن هذه الدار, ولا يقيم فيها, فتردد ساعة: حنث, وإن اشتغل بجمع متاعه, والتهيؤ لأسباب النقلة: فلا.
ولو قال طالب الشفعة للمشتري, عند لقائه: بكم اشتريت؟ أو اشتريت رخيصا؟ بطل حقه.
ولو كتب: أنت طالق, ثم استمد. فكتب: إذا جاءك كتابي, فإن لم يحتج إلى الاستمداد طلقت, وإلا فلا.

(1/158)


القاعدة الخامسة و الثلاثون: لا ينكر المختلف فيه, وإنما ينكر المجمع عليه
...
القاعدة الخامسة والثلاثون: لا ينكر المختلف فيه, وإنما ينكر المجمع عليه.
ويستثنى صور, ينكر فيها المختلف فيه:
إحداها: أن يكون ذلك المذهب بعيد المأخذ, بحيث ينقص.
ومن ثم وجب الحد على المرتهن بوطئه المرهونة, ولم ينظر لخلاف عطاء.
الثانية: أن يترافع فيه الحاكم, فيحكم بعقيدته, ولهذا يحد الحنفي بشرب النبيذ ; إذ لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف معتقده.
الثالثة: أن يكون للمنكر فيه حق, كالزوج يمنع زوجته من شرب النبيذ, إذا كانت تعتقد إباحته, وكذلك الذمية على الصحيح.

(1/158)


القاعدة السادسة و الثلاثون: يدخل القوي على الضعيف, و لا عكس
...
القاعدة السادسة والثلاثون: يدخل القوي على الضعيف, ولا عكس.
ولهذا يجوز إدخال الحج على العمرة قطعا, لا عكسه على الأظهر.
ولو وطئ أمة, ثم تزوج أختها, ثبت نكاحها وحرمت الأمة ; لأن الوطء بفراش النكاح أقوى من ملك اليمين, ولو تقدم النكاح, حرم عليه الوطء بالملك ; لأنه أضعف الفراشين.

(1/158)


القاعدة السابعة و الثلاثون: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد
...
القاعدة السابعة والثلاثون: يغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد.
ومن ثم جزم بمنع توقيت الضمان, وجرى في الكفالة خلاف ; لأن الضمان: التزام المقصود, وهو المال, والكفالة التزام للوسيلة ويغتفر في الوسائل ما لا يغتفر في المقاصد, وكذلك لم تختلف الأمة في إيجاب النية للصلاة, واختلفوا في الوضوء.

(1/158)


القاعدة الثامنة و الثلاثون: الميسور لا يسقط بالمعسور
...
القاعدة الثامنة والثلاثون: الميسور لا يسقط بالمعسور.
قال ابن السبكي: وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
وبها رد أصحابنا على أبي حنيفة قوله: "إن العريان يصلي قاعدا". فقالوا: إذا لم يتيسر ستر العورة, فلم يسقط القيام المفروض؟
وذكر الإمام: أن هذه القاعدة من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة.
وفروعها كثيرة:
منها: إذا كان مقطوع بعض الأطراف, يجب غسل الباقي جزما.
ومنها: القادر على بعض السترة, يستر به القدر الممكن جزما.
ومنها: القادر على بعض الفاتحة, يأتي به بلا خلاف.
ومنها: إذا لم يمكنه رفع اليدين في الصلاة إلا بالزيادة على القدر المشروع, أو نقص أتى بالممكن. ومنها: إذا كان محدثا وعليه نجاسة, ولم يجد إلا ما يكفي أحدهما, عليه غسل النجاسة قطعا.
ومنها: لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لزمه بلا خلاف عندنا.
ومنها: نقل العراقيون عن نص الشافعي: أن الأخرس يلزمه أن يحرك لسانه بدلا عن تحريكه إياه بالقراءة كالإيماء بالركوع والسجود.
ومنها: لو خاف الجنب من الخروج من المسجد, ووجد غير تراب المسجد, وجب عليه التيمم كما صرح به في الروضة ووجه بأن أحد الطهورين التراب: وهو ميسور فلا يسقط بالمعسور.
ومنها: واجد ماء لا يكفيه لحدثه أو نجاسته, فالأظهر وجوب استعماله.
ومنها: واجد تراب لا يكفيه, فالمذهب القطع بوجوب استعماله.
ومنها: من بجسده جرح يمنعه استيعاب الماء, والمذهب القطع بوجوب غسل الصحيح مع التيمم عن الجريح.
ومنها: المقطوع العضد من المرفق, يجب غسل رأس عظم العضد على المشهور. ومنها: واجد بعض الصاع في الفطرة يلزمه إخراجه في الأصح.
ومنها: لو أعتق نصيبه وهو موسر ببعض نصيب شريكه, فالأصح السراية إلى القدر الذي أيسر به.

(1/159)


ومنها: لو انتهى في الكفارة إلى الإطعام فلم يجد إلا إطعام ثلاثين مسكينا: فالأصح وجوب إطعامهم, وقطع به الإمام.
ومنها: لو قدر على الانتصاب وهو في حد الراكعين, فالصحيح أنه يقف كذلك. ومنها: من ملك نصابا بعضه عنده وبعضه غائب, فالأصح أنه يخرج عما في يده. في الحال.
ومنها: المحدث الفاقد للماء إذا وجد ثلجا أو بردا, قيل: يجب استعماله, فيتيمم عن الوجه واليدين, ثم يمسح به الرأس, ثم يتيمم عن الرجلين, ورجحه النووي في شرح المهذب, نظرا للقاعدة, والمذهب أنه لا يجب.
ومنها: إذا أوصى بعتق رقاب, فلم يوجد إلا اثنان وشقص, ففي شراء الشقص, وجهان أصحهما عند الشيخين: لا, وخالفهما ابن الرفعة والسبكي نظرا للقاعدة.
تنبيه:
خرج عن هذه القاعدة مسائل:
منها: واجد بعض الرقبة في الكفارة, لا يعتقها, بل ينتقل إلى البدل بلا خلاف. ووجه بأن إيجاب بعض الرقبة مع صوم الشهرين, جمع بين البدل والمبدل, وصيام شهر مع عتق نصف الرقبة فيه تبعيض الكفارة, وهو ممتنع, وبأن الشارع قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} وواجد بعض الرقبة لم يجد رقبة.
فلو قدر على البعض, ولم يقدر على الصيام ولا الإطعام, فثلاثة أوجه لابن القطان:
أحدها: يخرجه ويكفيه.
والثاني: يخرجه ويبقى الباقي في ذمته.
والثالث: لا يخرجه.
ومنها: القادر على صوم بعض يوم دون كله, لا يلزمه إمساكه.
ومنها: إذا وجد الشفيع بعض ثمن الشقص, لا يأخذ قسطه من الشقص.
ومنها: إذا أوصى بثلثه يشترى به رقبة, فلم يف بها, لا يشترى شقص.
ومنها: إذا اطلع على عيب, ولم يتيسر له الرد ولا الإشهاد, لا يلزمه التلفظ بالفسخ, في الأصح.

(1/160)


القاعدة التاسعة والثلاثون: ما لا يقبل التبعيض, فاختيار بعضه كاختيار كله, وإسقاط بعضه كإسقاط كله.
ومن فروعها:
إذا قال: أنت طالق نصف طلقة أو بعضك طالق, طلقت طلقة.

(1/160)


ومنها: إذا عفا مستحق القصاص عن بعضه, أو عفا بعض المستحقين, سقط كله. ومنها إذا عفا الشفيع عن بعض حقه, فالأصح سقوط كله, والثاني لا يسقط شيء لأن التبعيض تعذر, وليست الشفعة مما يسقط بالشبهة, ففارقت القصاص والطلاق.
ومنها: عتق بعض الرقبة, أو عتق بعض المالكين نصيبه وهو موسر.
ومنها: هل للإمام إرقاق بعض الأسير؟ فيه وجهان, فإن قلنا لا, فضرب الرق على بعضه رق كله. قال الرافعي: وكان يجوز أن يقال: لا يرق شيء, وضعفه ابن الرفعة بأن في إرقاق كله درء القتل, وهو يسقط بالشبهة كالقصاص, ثم وجهه بنظيره من الشفعة.
ومنها: إذا قال: أحرمت بنصف نسك, انعقد بنسك كالطلاق, كما في زوائد الروضة, ولا نظير لها في العبادات.
ومنها: إذا اشترى عبدين فوجد بأحدهما عيبا, لم يجز إفراده بالرد, فلو قال رددت المعيب منهما, فالأصح لا يكون ردا لهما, وقيل يكون.
ومنها: حد القذف, ذكر الرافعي في باب الشفعة: أن بالعفو عن بعضه لا يسقط شيء عنه, واستشهد به للوجه القائل بمثله في الشفعة, وتبعه جماعة آخرهم السبكي.
قال ولده, ولم يذكر المسألة في باب حد القاذف, وإنما ذكر فيه مسألة عفو بعض الورثة, وفيها الأوجه المشهورة أصحها: أن لمن بقي استيفاء جميعه, وهو يؤيد أن حد القذف لا يتبعض.
قال: وفيه نظر فإنه جلدات معروفة العدد, ولا ريب في أن الشخص لو عفا بعد جلد بعضها سقط ما بقي منها, فكذلك إذا أسقط منها في الابتداء قدرا معلوما.
تنبيه:
حيث جعلنا اختيار البعض اختيارا للكل, فهل هو بطريق السراية أو لا, بل اختياره للبعض نفس اختياره للكل؟ فيه خلاف مشهور في تبعيض الطلاق وطلاق البعض وعتق البعض وإرقاق البعض.
ضابط:
لا يزيد البعض على الكل إلا في مسألة واحدة وهي:
إذا قال: أنت علي كظهر أمي فإنه صريح, ولو قال: أنت علي كأمي لم يكن صريحا.

(1/161)


القاعدة الأربعون: إذا اجتمع السبب أو الغرور والمباشرة, قدمت المباشرة
من فروعها:
لو أكل المالك طعامه المغصوب جاهلا به, فلا ضمان على الغاصب في الأظهر.
وكذا لو قدمه الغاصب للمالك على أنه ضيافة فأكله, فإن الغاصب يبرأ.
ولو حفر بئرا فرداه فيها آخر أو أمسكه, فقتله آخر, أو ألقاه من شاهق فتلقاه آخر فقده, فالقصاص على المردي والقاتل والقاد فقط.
تنبيه:
يستثنى من القاعدة صور:
منها: إذا غصب شاة, وأمر قصابا بذبحها, وهو جاهل بالحال, فقرار الضمان على الغاصب قطعا, قاله في الروضة.
ومنها: إذا استأجره لحمل طعام فسلمه زائدا, فحمله المؤجر جاهلا, فتلفت, الدابة, ضمنها المستأجر في الأصح.
ومنها: إذا أفتاه أهل للفتوى بإتلاف ثم تبين خطؤه, فالضمان على المفتي.
ومنها: قتل الجلاد بأمر الإمام ظلما وهو جاهل, فالضمان على الإمام.
ومنها: وقف ضيعة على قوم, فصرفت غلتها إليهم, فخرجت مستحقة, ضمن الواقف, لتغريره.

(1/162)