|
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى
وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)
أخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس « عن النبي صلى الله عليه وسلم { وله أسلم
من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } أما من في السموات فالملائكة ، وأما من
في الأرض فمن ولد على الإسلام ، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في
السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون » .
وأخرج الديلمي عن أنس قال « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله { وله
أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً } قال : الملائكة أطاعوه في السماء ،
والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض » .
وأخرج ابن جرير من طريق مجاهد عن ابن عباس { وله أسلم من في السماوات والأرض
طوعاً وكرهاً } قال : حين أخذ الميثاق .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في الآية
قال : عبادتهم لي أجمعين { طوعاً وكرهاً } وهو قوله { ولله يسجد من في السماوات
والأرض طوعاً وكرهاً } [ الرعد : 15 ] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس { وله أسلم من في
السماوات } قال : هذه مفصولة { ومن في الأرض طوعاً وكرهاً } .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس { وله أسلم } قال :
المعرفة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في الآية قال : هو كقوله { ولئن سألتهم
من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } [ لقمان : 25 ] فذلك إسلامهم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال : كل آدمي أقر على
نفسه بأن الله ربي وأنا عبده . فمن أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً ، ومن
أخلص لله العبودية فهو الذي أسلم طوعاً .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : أكره أقوام على الإسلام ، وجاء أقوام
طائعين .
وأخرج عن مطر الوراق في الآية قال : الملائكة طوعاً ، والأنصار طوعاً ، وبنو
سليم وعبد القيس طوعاً ، والناس كلهم كرهاً .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أما المؤمن
فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه ، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله ، فلم
ينفعه ذلك ، ولم يقبل منهم { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } [ غافر :
85 ] .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال : في السماء الملائكة طوعاً ، وفي
الأرض الأنصار وعبد القيس طوعاً .
وأخرج عن الشعبي { وله أسلم من في السماوات } قال : استقادتهم له .
وأخرج عن أبي سنان { وله أسلم من في السماوات والأرض } قال : المعرفة . ليس أحد
تسأله إلا عرفه .
وأخرج عن عكرمة في قوله { وكرهاً } قال : من أسلم من مشركي العرب والسبايا :
ومن دخل في الإسلام كرهاً .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «
من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرأوا في أذنه { أفغير دين الله
يبغون } » .
وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن يونس بن عبيد قال : ليس رجل يكون على دابة
صعبة فيقرأ في أذنها { أفغير دين الله يبغون وله أسلم } الآية . إلا ذلت له
بإذن الله عز وجل .
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)
أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال « قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : تجئ الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول : يا رب أنا الصلاة فيقول :
إنك على خير ، وتجيء الصدقة فتقول : يا رب أنا الصدقة فيقول : إنك على خير ، ثم
يجيء الصيام فيقول : أنا الصيام فيقول إنك على خير ، ثم تجيء الأعمال كل ذلك
يقول الله : إنك على خير ، ثم يجيء الإسلام فيقول : يا رب أنت السلام ، وأنا
الإسلام فيقول الله : إنك على خير . بك اليوم آخذ ، وبك أعطي » قال الله في
كتابه { ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }
.
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ
الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ
عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا
مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)
أخرج النسائي وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن
عباس قال : كان رجل من الأنصار فأسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ، ثم ندم فأرسل
إلى قومه : أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هل لي من توبة؟ فنزلت {
كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم } إلى قوله { فإن الله غفور رحيم }
فأرسل إليه قومه فأسلم .
وأخرج عبد الرزاق ومسدد في مسنده وابن جرير وابن المنذر والباوردي في معرفة
الصحابة قال : جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كفر
فرجع إلى قومه ، فأنزل الله فيه القرآن { كيف يهدي الله قوماً كفروا } إلى قوله
{ رحيم } فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه فقال الحارث : إنك والله ما علمت
لصدوق ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك ، وأن الله عز وجل لأصدق
الثلاثة . فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن السدي في قوله { كيف يهدي الله قوماً } الآية
قال : أنزلت في الحارث بن سويد الأنصاري ، كفر بعد إيمانه . فأنزلت فيه هذه
الآيات ، ثم نزلت { إلا الذين تابوا . . . } الآية . فتاب .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد في قوله { كيف
يهدي الله قوماً . . . } الآية . قال : نزلت في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد
إيمانه فجاء الشام .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن مجاهد في الآية قال : هو رجل
من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه قال : قال ابن جريج ، أخبرني عبد الله بن
كثير ، عن مجاهد قال : لحق بأرض الروم فتنصَّر ، ثم كتب إلى قومه : أرسلوا هل
لي من توبة؟ فنزلت { إلا الذين تابوا } فآمن ثم رجع . قال ابن جريج : قال عكرمة
: نزلت في أبي عامر الراهب ، والحارث بن سويد بن الصامت ، ووحوح بن الأسلت ، في
اثني عشر رجلاً رجعوا عن الإسلام ولحقوا بقريش . ثم كتبوا إلى أهلهم هل لنا من
توبة؟! فنزلت { إلا الذين تابوا من بعد ذلك . . . } الآيات .
وأخرج ابن إسحق وابن المنذر عن ابن عباس ، أن الحارث بن سويد قتل المجدر بن
زياد ، وقْيس بن زيد أحد بني ضبيعة يوم أحد ، ثم لحق بقريش فكان بمكة ، ثم بعث
إلى أخيه الجلاس يطلب التوبة ليرجع إلى قومه . فأنزل الله فيه { كيف يهدي الله
قوماً } إلى آخر القصة .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح مولى أم هانئ ، أن الحرث بن سويد بايع رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لحق بأهل مكة ، وشهد أحداً فقاتل المسلمين ، ثم
سقط في يده فرجع إلى مكة ، فكتب إلى أخيه جلاس بن سويد يا أخي إني ندمت على ما
كان مني ، فأتوب إلى الله وأرجع إلى الإسلام؟ فاذكر ذلك لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فإن طمعت لي في توبة فاكتب إليَّ .
فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله { كيف يهدي الله قوماً كفروا
بعد إيمانهم } فقال قوم من أصحابه ممن كان عليه يتمنع ثم يراجع الإسلام . فأنزل
الله { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم وأولئك هم
الضالون } .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله { كيف يهدي
الله قوماً كفروا بعد إيمانهم } قال : هم أهل الكتاب عرفوا محمداً ثم كفروا به
.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن في الآية قال : هم أهل
الكتاب من اليهود والنصارى ، رأوا نعت محمد في كتابهم ، وأقرُّوا به ، وشهدوا
أنه حق . فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك ، فأنكروه وكفروا بعد اقرارهم
حسداً للعرب حين بعث من غيرهم .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ
تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)
أخرج البزار عن ابن عباس . أن قوماً أسلموا ، ثم ارتدوا ، ثم أسلموا ، ثم
ارتدوا . فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم . فنزلت هذه الآية { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً . . . }
الآية . هذا خطأ من البزار .
وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال : اليهود والنصارى ، لن تقبل توبتهم عند
الموت .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : هم اليهود
، كفروا بالإنجيل وعيسى ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال : إنها
نزلت في اليهود والنصارى ، كفروا بعد إيمانهم ، ثم ازدادوا كفراً بذنوب أذنبوها
، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب في كفرهم ، ولو كانوا على الهدى قبلت توبتهم ،
ولكنهم على ضلالة .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله
{ لن تقبل توبتهم } قال : تابوا من الذنوب ولم يتوبوا من الأصل .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله { ثم ازدادوا كفراً } قال : تموا
على كفرهم .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله { ثم ازدادوا كفراً } قال : ماتوا وهم كفار {
لن تقبل توبتهم } قال : إذا تاب عند موته لم تقبل توبته .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ
أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91)
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله { إن الذين كفروا وماتوا وهم
كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } قال : هو كل كافر .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي
حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال « يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له : أرأيت لو كان لك ملء
الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول : نعم . فيقال : لقد سئلت ما هو أيسر من
ذلك » فذلك قوله تعالى { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار . . . } الآية . لفظ
ابن جرير .
( معلومات الكتاب ) |