نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

الباب الأول: باب [بيان] جواز النسخ والفرق بينه وبين البداء
...
تحقيق كتاب نواسخ القرآن
مقدّمة المؤلِّف
بسم الله الرحمن الرحيم
حدثنا1 الشيخ الإمام العالم الأوحد شيخ الإسلام وحبر الأمة قدوة الأئمة سيد العلماء، جمال الدين أبوالفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي2 قدس الله روحه، ونور ضريحه.
قال: الحمد لله على التوفيق، والشكر للّه على التحقيق، وأشهد أن لا إله إلا هو شهادة سالك من الدليل أوضح طريق، ومنزه له عما لا يجوز ولا يليق. وصلى الله على أشرف فصيح، وأطرف3 منطيق، محمّد أرفق نبي بأمته وألطف شفيق4، وعلى أصحابه، وأزواجه وأتباعه إلى يوم الجمع والتفريق، وسلم تسليمًا كثيراً.
أما بعد:
__________
1 روى هذا الكتاب عن مؤلفه ابن الجوزي رحمه الله، الشيخ محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمني، ذكر ذلك العلامة محمّد بن علي الشوكاني في كتابه إتحاف الأكابر ص: 113، بسنده المتصل إليه. راجع المقدمة عند ذكر نسبة الكتاب إلى ابن الجوزي.
2 في (هـ): ابن جوزي، بدون أل. ولعله سقط من الناسخ.
3 أطرف: أي: جاء بطرفة، أي: الحديث الجديد المستحسن. انظر: المصباح المنير 2/18.
4 في (هـ): سعي، ولعله تصحيف عما أثبت.

(1/101)


فإن نفع العلم بدرايته لا بوراثته1 وبمعرفة أغواره2 لا بروايته3 وأصل الفساد الداخل على عموم العلماء تقليد سابقيهم، وتسليم الأمر إلى معظميهم، من غير بحث عما صنفوه ولا طلب للدليل عما ألفوه. وإني رأيت كثيراً من المتقدمين على كتاب الله عزوجل بآرائهم الفاسدة، وقد دسوا في تصانيفهم للتفسير أحاديث باطلة وتبعهم على ذلك مقلدوهم، فشاع ذلك وانتشر، فرأيت العناية بتهذيب علم التفسير عن الأغاليط من اللازم.
وقد ألفت كتاباً كبيراً سميته بـ: (المغني في التفسير)4 يكفي عن جنسه، وألفت كتاباً متوسط الحجم مقنعاً في ذلك العلم سميته (زاد
__________
1 في (هـ): لا بدراشته بالدال والشين المعجمة، وهوتصحيف.
2 الأغوار، جمع غور بالفتح، من كل شيء قعره، يقال: عارف بالأمور وغار في الأمر، إذا دقق النظر فيه. انظر: المصباح المنير 2/ 115.
3 في (هـ): لا بزاويته، وهو تصحيف.
4 ذكره ابن رجب في الذيل1/416، بعنوان: (كتاب المغني في التفسير) وقال: إنه (81) جزءاً، وذكره كحالة في معجم المؤلفين5/157 بعنوان: (المغني في علم القرآن). وعده العلوجي في مؤلفات ابن الجوزي 219) من الآثار الضائعة أو التي يحتمل ضياعها، وقال: ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام بعنوان: (المغني في علم القرآن).
وأمّا ما ذكره العلوجي كتاباً آخر باسم (المعين في علم التفسير) وأنه يقع 81) جزءاً معزياً ذلك إلى سبط ابن الجوزي، فيغلب ظني أنه الكتاب الذي ذكره المؤلّف هنا. ولعله تحريف من المغني بدليل أن سبط ابن الجوزي لم يذكر كتاباً آخر باسم المغني مع أنه في مقدمة كتب التفسير لجدّه، وبدليل أنالم نجد في ثبت مؤلفات ابن الجوزي الذي كتبه هو بخطه، والذي رواه عنه تلميذه القطيعي، كتاباً بهذا الاسم، إنما وجدنا اسم هذا الكتاب الذي ذكره المؤلِّف هنا، وهو (المغني في التفسير) انظر: الذيل لابن رجب1/416.

(1/102)


المسير)1 وجمعت كتاباً دونه سميته بـ: (تيسير التبيان في علم القرآن)2 واخترت فيه الأصوب من الأقوال ليصلح للحفظ، واختصرته بتذكرة الأريب في تفسير الغريب3، وأرجو أن تغني هذه المجموعات عن كتب التفسير مع كونها مهذبة عن خللها سليمة من زللها.
__________
1 وهو كتاب محقّق ومطبوع على تسعة أجزاء، بدمشق سنة: 1384هـ/1964م بالمكتب الإسلامي للطباعة والنشر.
2 ذكره ابن رجب في الذيل1/416،وذكره العلوجي في مؤلفات ابن الجوزي 213، ضمن الآثار الضائعة لابن الجوزي، وقال: ذكره سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان.
3 ذكره حاجي خليفة بعنوان: (تذكرة الأديب في التفسير)، وذكر ابن رجب بعنوان (تذكرة الأريب في تفسير الغريب)، ويوجد في بولندا نسخة مخطوطة باسم (تفسير غريب القرآن) لابن الجوزي، وفي الجامعة الإسلامية نسختان مصورتان إحداهما من الكلية (الباقيات الصالحات) بجنوب الهند، بعنوان: (الأديب في تفسير الغريب)، والثانية مصورة من الكلية (دار العلوم ندوة العلماء) بشمال الهند، بعنوان: (تذكرة الأديب) وهو الآن تحت التحقيق يحقّقه الشيخ عبد القادر منصور السوري. انظر: مؤلفات ابن الجوزي (68).

(1/103)


فصل1: [ثم إني رأيت الذين وقع منهم التفسير صحيحاً قد صدر عنهم ما هو أفظع فآلمني]2 وهو الكلام في الناسخ والمنسوخ، فإنهم أقدموا)3 على هذا العلم فتكلموا فيه، وصنفوه، وقالوا بنسخ [ما ليس] بمنسوخ، ومعلوم أن نسخ الشيء، رفع حكمه وإطلاق القول [برفع حكم آية]لم يرفع جرأة عظيمة.
ومن نظر في كتاب الناسخ والمنسوخ للسدي4 رأى من (التخلط) العجائب، ومن قرأ في كتاب هبة الله المفسر5 رأى العظائم.
__________
1 من هنا تبدأ النسخة المدنية، وفي بدايتها (بسم الله الرحمن الرحيم: قال الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن عليّ بن محمّد بن الجوزي رحمه الله، جمع كتاباً لطيفاً في علم القرآن).
2 العبارة التي بين معقوفين، فيها سقط وقلق في النسختين، فقد جاء في (م): "ثم إني رأيت الذين [ ] قد تصدر ما هو أقطع فما [ ] عنهم وهو الكلام..." وجاء في (هـ): "ثم إن رأيت الذين وقع في التفسير صححي منهم قد صدر ما هو أقطع مما لمسي عنهم فهو الكلام" ولعل ما أثبت أقرب إلى الصواب.
3 في (م): أقلاد.
4 أما السدي؛ فهو: إسماعيل بن عبد الرحمن المتوفى سنة: (281هـ) صاحب التفسير والمغازي، والسير، وهو ثقة عند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، بدليل أنهم أخرجوا له، وكذلك ابن حبان فقد ذكره من الثقات، وقال حسين بن واقد: "سمعت السدي فأقمت حتى سمعته يتناول أبا بكر وعمر فلم أعد إليه".
وحكي عن أحمد: "أنه ليحسن الحديث إلا أن هذا التفسير الذي يأتي به قد جعل له اسناداً واستكلفه". وقال الطبري: "إنه لا يحتج بحديثه". وأما كتاب السدي المذكور، فلم أعثر عليه بعد. انظر: التهذيب1/313؛ والجرح والتعديل2/184-185.
5 هو: هبة الله بن سلامة بن نصر بن علي أبو القاسم الضرير، مفسر من أهل بغداد وكان له حلقة في جامع المنصور، وله مؤلفات عديدة منها: الناسخ والمنسوخ في القرآن الذي أشار إليه المؤلّف. وطيع بمصر سنة: 1387هـ. توفي رحمه الله سنة: (410هـ). انظر: تأريخ بغداد14/170؛ وشذرات الذهب3/192، والأعلام 9/ 59.

(1/104)


وقد تداوله1 الناس لاختصاره، ولم (يفهموا) دقائق أسراره فرأيت كشف هذه الغمة عن الأمة ببيان إيضاح الصحيح، وهتك ستر2 القبيح، متعيناً على من أنعم الله عليه بالرسوخ في العلم وأطلعه على أسرار النقل، واستلب زمامه من أيدي التقليد فسلمه إلى يد3 الدليل فلا يهوله قول معظم، فكيف بكلام جاهل مبرسم4.
__________
1 في (هـ): تداولوه.
2 في (هـ): سر، بدل ستر، وهو تصحيف.
3 في (هـ): أيدي.
4 يقال: برسم الرجل وهو مبرسم، البرسم داء معروف يعرض للحجاب الذي بين الكبد والقلب. انظر: المصباح المنير1/48.

(1/105)


فصل: و[قد] قدمت أبواباً قبل الشروع في بيان الآيات هي كالقواعد والأصول للكتاب ثم أتيت بالآيات المدعى عليها النسخ [على ترتيب القرآن إلا أني أعرضت عن ذكر آيات أدعي عليها النسخ] [من] حكاية لا تحصل إلا تضييع الزمان أفحش تضييع كقول السدي: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} 1 نسخها {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ} 2 وقوله: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ} 3 نسخها {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} 4وقوله: {إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ} 5.
[نسخها {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} ]6 وقوله: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ} 7 نسخها {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ]مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا[} 8 وقوله: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} 9 نسخها {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} 10 في نظائر
__________
1 الآية الثانية من سورة النساء.
2 الآية الخامسة من سورة النساء.
3 الآية (38) من سورة النساء.
4 الآية (53) من سورة التوبة.
5 الآية (106) من سورة المائدة.
6 الآية (106) من سورة المائدة. وما بين معقوفتين ساطقة من (هـ).
7 الآية (63) من سورة الأنعام.
8 الآية (11) من سورة محمّد. وما بين معقوفتين ساقطة من (هـ).
9 الآية (45) من سورة العنكبوت.
10 الآية (152) من سورة البقرة.

(1/106)


كثيرة لهذه الآيات"1.
لا أدري أي الأخلاط الغالبة حملته على هذا التخليط. فلما كان مثل هذا ظاهر الفساد، وريت2 (عنه غيرةً) 3 على الزمان أن يضيع، وإن كنت قد ذكرت مما يقاربه طرفاً، لأنبه. بمذكوره على (مغفله)4.
__________
1 في النسختين هنا قلق في العبارة.وقد جاء في (م): (في نظائره كثير الآيات). وفي (هـ): (في نظائر كثيرة لهذه الآيات). والفقرة الأخيرة في (هـ) مكررة أيضاً. ولعل ما أثبت أقرب إلى المعنى المطلوب.
2 ورّى الشيء تورية عن كذا، أي: أراده وأظهر غيره.انظر: أقرب المورد 2/1447.
3 في (م): عبر، وفي (هـ): عند غيره. كلاهما تصحيف ولعل الصواب ما سجلت.
4 في (هـ): معقله، وهو تصحيف.

(1/107)


فصل: ولما رأيت المصنفين في هذا العلم، قد تباينوا، فمنهم من أطال بما لا حاجة بمثل هذا التصنيف إليه، ومنهمِ من قلد [القائلين] ولم يحكم على الاختلاف ببيان [الصواب، منهم] من نقص بحذف ما يحتاج إليه أتيتك بهذا الكتاب متوسطاً، وحذفت كثيراً من الأسانيد الطرق خوف الملل والله ولي التوفيق1.
__________
1 من هنا يوجد في (م) صفحتان مكررتان بخطين مختلفين. فبالخط الثاني يستمر الكتاب إلى النهاية.

(1/108)


الباب الأوّل: باب [بيان] جواز النسخ والفرق بينه وبين البداء 1
اتفق جمهور علماء الأمم على جواز النسخ عقلاً وشرعاً وانقسم اليهود في ذلك ثلاثة أقسام:
فالقسم الأوّل: قالوا: لا يجوز عقلاً ولا شرعاً، وزعموا أن النسخ هو عين البداء2.
__________
1 قال الفيومي في المصباح المنير1/46: "وبدا له في الأمر، أي: ظهر له ما لم يظهر أوّلاً والاسم البداء".
وقد جاء في القرآن كلمة البداء على معنين:
أوّلاً: الظهور بعد الخفاء كقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} سورة الزمر (48).
ثانياً: نشأة رأي جديد لم يكن، كقوله تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} يوسف (35) و الله سبحانه وتعالى منزه عن أن يتصف بالبداء بكلا المعنين.
2 وهم الشمعونية؛ نسبة إلى شمعون بن يعقوب. انظر: النسخ في القرآن الكريم1/27.

(1/109)


والقسم الثاني: 1 قالوا: يجوز عقلاً وإنما منع الشرع من ذلك زعموا أن موسى عليه السلام، (قال)2 إن شريعته لا تنسخ من بعده، وإن3 ذلك في التوراة ومن هؤلاء من قال: لا يجوز النسخ إلا في موضع واحد، وهو(أنه)4 يجوز نسخ عبادة أمر اللّه بها بما هو أثقل على سبيل العقوبة لا غير.
والقسم الثالث: 5 قالوا: يجوز شرعاً لا عقلاً، واختلف هؤلاء في عيسى ومحمد، صلى الله عليهما، فمنهم من قال: لم يكونا نبيين لأنهما
__________
1 أما أصحاب القسم الثاني: فقد اشتهروا باسم العنانية، نسبة إلى عنان بن داود وهو رأس الجالوت تخالف فرقته سائر اليهود في السبت والأعياد، وينهون عن أكل الطير والظباء، والسمك، ويذبحون الحيوان على القفا، ويصدقون عيسى عليه السلام في مواعظه وإرشاداته، ويقولون إنه لم يخالف التوراة البتة بل قررها ودعا الناس إليها، وهو من بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة والمستجيبين لموسى عليه السلام غير أنه لا يعترف بنبوته، ولا برسالته. انظر: الملل والنحل للشهرستاني2/54.
2 في (هـ): أخبر، بدل (قال).
3 في (هـ): وأن من ذلك.
4 في (هـ): وهو الله، ولعله تحريف عما أثبت.
5 أما أصحاب القسم الثالث: هم العيسوية نسبة إلى أبي عيسى، إسحق بن يعقوب الأصفهاني، وقيل اسمه عويفيل الوهيم أي عابد لله وهو يدعي بأن عيسى نبي وأفضل ولد آدم وأعلى من منزلة الأنبياء الماضين، وخالفوا اليهود في كثير من أحكام الشريعة. انظر: الملل والنحل2/55-56.

(1/110)


(لم يأتيا بمعجزة، وإنما أتيا بما)1 هو من جنس (الشعوذة)2. ومنهم من قال: كانا نبيين صادقين، غير أنهما لم يبعثا بنسخ شريعة موسى ولا بعثا إلى بني إسرائيل إنما بعثا إلى العرب والأميين3.
__________
1 هكذا في النسختين، ونحن نرى أن المذهب الثالث الذي حكاه ابن الجوزي لا يستقيم مع ما قاله العلماء السابقون عليه كأبي الحسين صاحب كتاب المعتمد إذ إنهم حكوا المذهب الثالث بجوازه عقلاً وشرعاً فلعل ابن الجوزي قد وقع في كتابه خطأ فبدل اللام الواو، ويمكن أن يعزا ذلك إلى النساخ، وإلا لكان ابن الجرزي نبه على ذلك بقوله مثلاً "وما نقل عن هذه الفرقة غير صحيح إذ إنه يجوز شرعاً لا عقلاً وحيث لم يذكر ذلك دلّ على أنه مع الأصوليين، فثبت ما قلناه من أن ذلك خطأ من النساخ". انظر: كتاب المعتمد1/401.
2 في (هـ): شعبذة. والشعوذة مثل الشعبذة وزناً ومعناً، لعب يرى الإنسان منه ما ليس له حقيقة كالسحر. انظر: المصباح المنير 1/337.
3 تجد آراء الفرق اليهودية الثلاثة في النسخ، في معظم كتب الأصول. انظر مثلاً: الأحكام في أصول الأحكام للآمدي3/103؛ وشرح الأسنوي2/146؛ وكشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام 3/153.

(1/111)


فصل: وأما الدليل على جواز النسخ عقلاً، فهو أن التكليف (لا يخلو) أن يكون موقوفاً على مشيئة المكلف أو على مصلحة المكلف، فإن كان الأول، فلا [يمتنع أن يريد] تكليف العباد عبادة في مدة معلومة ثم يرفعها ويأمر بغيرها.
وإن كان [الثاني] فجائز أن تكون المصلحة للعباد في فعل عبادة زمان دون زمان [ويوضح هذا أنه قد جاز] في العقل تكليف عبادة متناهية كصوم يوم، وهذا تكليف انقضى بانقضاء زمان، ثم قد ثبت أن الله تعالى ينقل من الفقر إلى الغنى ومن الصحة إلى السقم [ثم] قد رتب الحر والبرد والليل والنهار وهو أعلم بالمصالح [وله] الحكم1.
__________
1 تجد نحو هذا الدليل والتوجيهات على جواز النسخ عقلاً، في كشف الأسرار3/161-162؛ نقلاً عن الأصوليين.

(1/112)


فصل: والدليل على جواز النسخ شرعاً، أنه قد ثبت أن من دين آدم [عليه السلام] وطائفة من أولاده، جواز نكاح الأخوات وذوات المحارم1 والعمل في يوم السبت ثم نسخ ذلك في شريعة موسى2 وكذلك
__________
1 وقد جاء في سفر التكوين في الأصحاح الرابع: (أن آدم أمر بتزويج بناته من بنيه، تنزيلاً لاختلاف البطون منزلة اختلاف الأنساب، لتكثير الأفراد الذين يعمرون الأرض ويسكنونها في بدء الخليقة لضرورة عمارة الدنيا وكثرة النسل) وقد جاء في الآية (17) من الباب عشرين من سفر الأحبار "أي رجل تزوج أخته ابنة أبيه أو أخته ابنة أمه، ورأى عورتها ورأت عورته، فهذا عار شديد، فيقتلان أمام شعبهما وذلك لأنه كشف عورة أخته فيكون إثمهما في رأسهما" هذا كان في شريعة موسى.
2 وأما العمل يوم السبت فقد كان محرماً في شريعة موسى، ونسخ التحريم في شريعة يحيى وشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فقد جاء في سفر الخروج؛ الإصحاح (16): "أن الله حرم على اليهود العمل الدنيوي، ومنه الاصطياد يوم السبت في كل أسبوع".
ووقع في باب (31) من سفر الخروج هكذا (13): "كلم بني إسرائيل وقل لهم أن يحفظوا يوم السبت من أجل أنه علاقة بيني وبينكم في أجيالكم، لتعلموا أني أنا الرب أطهركم".
(14) فاحفظوا يومي يوم السبت فإنه طهر لكم، ومن لا يحفظه فليقتل قتلاً فيه فتهلك تلك النفس من شعبها. انظر في ذلك كله: الكتاب المقدس المطبوعة بالمطبعة الأميركانية ببيروت 1969م؛ وكتاب فتح المنان ص: 158-160.
قلت: ذكر الأمثلة من كتب اليهود للاحتجاج عليهم من باب الإلزام فقط لأن ما فيها بعد التحريف والتبديل لا يصلح لإثبات حقّ إلا ما ورد منه في القرآن أو ثبت في السنة ا لمطهرة.

(1/113)


(الشحوم)1 كانت مباحة ثم حرمت في دين موسى، فإن ادعوا أن هذا ليس بنسخ فقد خالفوا في اللفظ دون المعنى.
فصل: وأما قول من قال: لا يجوز النسخ إلا على وجه العقوبة2 فليس بشيء، لأنه إذا أجاز النسخ في الجملة جاز أن يكون للرفق بالمكلف، كما جاز للتشديد عليه.
فصل: وأما (دعوى من ادعى)3 أن موسى عليه السلام أخبر أن شريعته لا تنسخ فمحال. ويقال: إن ابن الراوندي4 علمهم أن يقولوا: إن موسى قال: لا نبي بعدي. ويدل على ما قلنا: إنه لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى عليه السلام، لأن الله تعالى [لا يصدق] بالمعجزة
__________
1 في (هـ) سحوم، وهو تصحيف. وأما حرمتها لليهود فقد قال الله تعالى في سورة الأنعام (146) {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ}.
2 القائلون بذلك بعض العنانية، كما تقدم آنفاً.
3 في (هـ): وأما دعى من ادعى وهو تحريف عما سجلت.
4 في (م) و (هـ): ابن الريوندي، وهو تحريف عما أثبت، وهو أبن الراوندي المشهور بالإلحاد والزندقة اسمه أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الراوندي ابن الراوندي البغدادي، من علماء الفلاسفة. له من الكتب المؤلفة مائة وأربعة عشر كتاباً. توفي سنة (298هـ) انظر: وفيات الأعيان 1/78؛ والبداية والنهاية11/112؛ وشذرات الذهب2/235..

(1/114)


من كذب موسى فإن أنكروا معجزة عيسى لزمهم ذلك في معجزة موسى، فإن اعترفوا ببعض معجزاته، لزمهم تكذيب من نقل عن موسى عليه السلام (لأنه قال: لا نبي بعدي [ومما] يدل على كذبهم فيما ادعوا أن اليهود ما كانوا يحتجون على نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم بكل شيء.
وكان نبينا صلى الله عليه وسلم مصدقاً لموسى عليه السلام، وحكم عليهم بالرجم عملاً بما في شريعة موسى1 [صلى الله عليه وسلم] فهلا احتجوا عليه بذلك، ولو احتجوا لشاع نقل ذلك، فدل على أنه قول أبتدع بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
فصل: وأما قول من قال: [إن عيسى و] محمداً = عليهما السلام = كانا نبيين لكنهما لم يبعثا إلى بني إسرائيل فتغفيل من قائله، لأنه إذا أقر بنبوة نبي فقد أقر بصدقه، لأن النبي لا يكذب، وقد كان عيسى عليه السلام يخاطب بني إسرائيل، ونبينا صلى الله عليه وسلم يقول: "بعثت إلى الناس كافة" 2 ويكاتب ملوك الأعاجم3.
__________
1 رواه مسلم في كتاب الحدود في باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا. انظر: صحيح مسلم بشرحه للنووي2/54.
2 رواه البخاري في باب التيمم، بلفظ: " بعثت إلى الناس عامة" . انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري1/455.
3 جاء ذلك في الحديث السادس من صحيح البخاري.

(1/115)


فصل: فأما الفرق بين النسخ والبداء، فذلك من وجهين:
أحدهما: أن النسخ (تغيير)1 عبادة أمر بها المكلف، وقد علم الآمر حين الأمر أن (لتكليف)2 المكلف بها غاية ينتهي الإِيجاب (إليها)3 ثم يرتفع بنسخها. والبداء (أن ينتقل الأمر عن ما أمر به)4 وأراده دائمًا بأمر حادث لا بعلم سابق5.
والثاني: أن (سبب)6 النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأوّل، والبداء يكون (سببه)7 دالاً على إفساد الموجب، لصحة الأمر الأوّل، مثل أن يأمره بعمل يقصد به مطلوباً فيتبين أن
__________
1 في (م): تعين،ولعله تحريف عما سجلت عن (هـ).
2 في النسختين: (التكليف) بال، وهو خطأ.
3 غير واضحة من (م).
4 في العبارة قلق في (هـ) وقد جاء فيه: (أن الأمر على ما أمر به)، وفي (م) كما أثبت إلا أن فيه: "على" بدل "عن" صححتها كي يستقيم المعنى.
5 قال بن حزم الظاهري في الفرق بين النسخ والبداء: (وهو أن البداء أن يأمر بالأمر والآمر لا يدري ما يؤول إليه الحال، والنسخ: هو: أن يأمر بالأمر والآمر يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد، قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه. انظر: الأحكام في أصول الأحكام4/446.
6 في (هـ): تسبب، وهو تصحيف.
7 في (هـ): شبه، وهو تصحيف.

(1/116)


المطلوب لا يحصل بذلك الفعل (فيبدو)1 له ما يوجب الرجوع عنه، وكلا الأمرين يدل على قصور في العلم والحق عزوجل منزه عن ذلك.
__________
1 في (هـ): فسدوا، وهو تصحيف.

(1/117)