بعد حنين في سنة ثمان

فلول ثقيف

ولما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها ، وصنعوا الصنائع للقتال ‏.‏

المتخلفون عن حنين والطائف ‏:‏

و لم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ، ولا غيدن بن سلمة ، كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور ‏.‏

شعر كعب بن مالك في غزوة الطائف

ثم سار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف حين فرغ من حنين ؛ فقال كعب بن مالك ، حين أجمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السير إلى الطائف ‏:‏

قضينا من تهامة كل ريب * وخيبر ثم أجممنا السيوفا

نخيرها ولو نطقت لقالت * قواطعهن ‏:‏ دوسا أو ثقيفا

فلست لحاضن إن لم تروها * بساحة داركم منا ألوفا

وننتزع العروش ببطن وج * وتصبح دوركم منكم خلوفا

ويأتيكم لنا سرعان خيل * يغادر خلفه جمعا كثيفا

إذا نزلوا بساحتكم سمعتم * لها مما أناخ بها رجيفا

بأيديهم قواضب مرهفات * يزرن المصطلين بها الحتوفا

كأمثال العقائق أخلصتها * قيون الهند لم تضرب كتيفا

تخال جدية الأبطال فيهم * غداة الزحف جادياً مدوفا

أجدهم أليس لهم نصيح * من الأقوام كان بنا عريفا

يخبرهم بأنا قد جمعنا * عناق الخيل والنجب الطروفا

وأنا قد أتيناهم بزحف * يحيط بسور حصنهم صفوفا

رئيسهم النبي وكان صلبا * نقي القلب مصطبرا عزوفا

رشيد الأمر ذو حكم وعلم * وحلم لم يكن نزقا خفيفا

نطيع نبينا ونطيع رباً * هو الرحمن كان بنا رءوفا

فإن تلقوا إلينا السلم نقبل * ونجعلكم لنا عضدا وريفا

وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر * ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا

نجالد ما بقينا أو تنيبوا * إلى الإسلام إذعانا مضيفا

نجاهد لا نبالي من لقينا * أأهلكنا التلاد أم الطريفا

وكم من معشر ألبوا علينا * صميم الجذم منهم والحليفا

أتونا لا يرون لهم كفاء * فجدعنا المسامع والأنوفا

بكل مهند لين صقيل * يسوقهم بها سوقا عنيفا

لأمر اللّه والإسلام حتى * يقوم الدين معتدلا حنفيا

وتنسى اللات والعزى وود * ونسلبها القلائد والشنوفا

فأمسوا قد أقروا واطمأنوا * ومن لا يمتنع يقبل خشوفا

كنانة بن عبد ياليل يرد على كعب بن مالك ‏:‏

فأجابه كنانة ابن عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، فقال ‏:‏

من كان يبغينا يريد قتالنا * فإنا بدار معلم لانريمها

وجدنا بها الأباء من قبل ما ترى * وكانت لنا أطواؤها وكرومها

وقد جربتنا قبل عمرو بن عامر * فأخبرها ذو رأيها وحليمها

وقد علمت إن قالت الحق أننا * إذا ما أبت صعر الخدود نقيمها

نقومها حتى يلين شريسها * ويعرف للحق المبين ظلومها

علينا دلاص من تراث محرق * كلون السماء زينتها نجومها

نرفهها عنا ببيض صوارم * إذا جردت في غمرة لا نشيمها

شعر شداد بن عارض في المسير إلى الطائف

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقال شداد بن عارض الجشمي في مسير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف ‏:‏

لا تنصروا اللات إن اللّه مهلكها * وكيف ينصر من هو ليس ينتصر

إن التي حرقت بالسد فاشتعلت * ولم يقاتل لدى أحجارها هدر

إن الرسول متى ينزل بلادكم * يظعن وليس بها من أهلها بشر

الطريق إلى الطائف

قال ابن إسحاق ‏:‏ فسلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على نخلة اليمانية ، ثم على قرن ، ثم على المليح ، ثم على بحرة الرغاء من لية ، فابتنى بها مسجداً فصلى فيه ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عمرو بن شعيب ‏:‏ أنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء ، حين نزلها ، بدم ، وهو أول دم أقيد به في الإسلام ، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل ، فقتلته به ‏.‏

وأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو بلية ، بحصن مالك بن عوف فهدم ، ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة ، فلما توجه فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سأل عن اسمها ، فقال ‏:‏ ما اسم هذه الطريق ‏؟‏

فقيل له ‏:‏ الضيقة ، فقال ‏:‏ بل هي اليسرى ، ثم خرج منها على نخب ، حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة ‏:‏ قريباً من مال رجل من ثقيف ، فأرسل إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ إما أن تخرج ،

وإما أن نخرب عليك حائطك ؛ فأبى أن يخرج ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأخرابه ‏.‏

ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى نزل قريباً من الطائف ، فضرب به عسكره ، فقتل به ناس من أصحابه بالنبل ، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف ، وكانت النبل تنالهم ، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم ، أغلقوه دونهم ؛ فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم ، فحصرهم بضعاً وعشرين ليلة ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال ‏:‏ سبع عشرة ليلة ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ومعه امرأتان من نسائه ، إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية ، فضرب لهما قبتين ، ثم صلى بين القبتين ‏.‏

ثم أقام ، فلما أسلمت ثقيف بني على مصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمرو بن أمية بن وهب بن معتب ابن مالك مسجداً ، وكانت في ذلك المسجد سارية ، في ما يزعمون ، لا تطلع الشمس عليها يوماً من الدهر إلا سمع لها نقيض ، فحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقاتلهم قتالاً شديداً وتراموا بالنبل ‏.‏

أول من رمى بالمنجنيق في الإسلام

قال ابن هشام ‏:‏ ورماهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمنجنيق ‏.‏

حدثني من أثق به ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق ، رمى أهل الطائف ‏.‏

يوم الشدخة

قال ابن إسحاق ‏:‏ حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف ، دخل نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تحت دبابة ، ثم زحفوا إلى جدار الطائف ليخرقوه ، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار ، فخرجوا من تحتها ، فرمتهم ثقيف بالنبل ، فقتلوا منهم رجالاً ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف ، فوقع الناس فيها يقطعون ‏.‏

أبو سفيان بن حرب والمغيرة يتفاوضان مع ثقيف

وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف ، فناد يا ثقيفاً ‏:‏ أن أمنونا حتى نكلمكم فأمنوهما ، فدعوا نساء من نساء من قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما ، وهما يخافان عليهن السباء ، فأبين ، منهن آمنة بنت أبي سفيان ، كانت عند عروة بن مسعود ، له منها داود بن عروة ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال إن أم داود ميمونة بنت أبي سفيان ، كانت عند أبي مرة بن عروة بن مسعود ، فولدت له داود بن مرة ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة ، لها عبدالرحمن بن قارب ، والفقيمية أميمة بنت الناسي أمية بن قلع ؛ فلما أبين عليهما ، قال لهما ابن الأسود بن مسعود ‏:‏ يا أبا سفيان ويا مغيرة ، ألا أدلكما على خير مما جئتما له ، إن مال بني الأسود بن مسعود حيث قد علمتما ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين الطائف ، نازلا بواد يقال له العقيق ، ليس بالطائف مال أبعد رشاء ، ولا أشد مؤنة ، ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود ، وإن محمداً إن قطعه لم يعمر أبداً ، فكلماه فليأخذ لنفسه ، أو ليدعه للّه والرحم ، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل ؛ فزعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تركه لهم ‏.‏

أبو بكر يفسر رؤيا الرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

وقد بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق ‏:‏ وهو محاصر ثقيفاً ‏:‏ يا أبا بكر ، إني رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبداً ، فنقرها ديك ، فهراق ما فيها ‏.‏ فقال أبو بكر ‏:‏ ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد ‏.‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ وأنا لا أرى ذلك ‏.‏

ارتحال المسلمين عن الطائف

ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية ، وهي امرأة عثمان ،

قالت ‏:‏ يا رسول اللّه ، أعطني إن فتح اللّه عليك الطائف حلي بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة ، أو حلي الفارعة بنت عقيل ، وكانتا من أحلى نساء ثقيف ‏.‏

فذكر لي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لها ‏:‏ وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة ‏؟‏ فخرجت خويلة ، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب ، فدخل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال يا رسول اللّه ‏:‏ ما حديث حدثتنيه خويلة ، زعمت أنك قتله ‏؟‏

قال ‏:‏ قد قلته ؛

قال ‏:‏ أو ما أذن لك فيهم يا رسول اللّه ‏؟‏

قال ‏:‏ لا ‏.‏

قال ‏:‏ أفلا أؤذن بالرحيل ‏؟‏

قال ‏:‏ بلى ‏.‏

قال ‏:‏ فأذن عمر بالرحيل ‏.‏

عيينة بن حصن وما كان يرغب فيه من نساء ثقيف

فلما استقام الناس نادى سعيد بن عبيد بن أسيد بن أبي عمرو بن علاج ‏:‏ ألا إن الحي مقيم ‏.‏

قال ‏:‏ يقول عيينة بن حصن ‏:‏ أجل ، واللّه مجدة كراماً ؛ فقال له رجل من المسلمين ‏:‏ قاتلك اللّه يا عيينة ، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد جئت تنصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏!‏

فقال ‏:‏ إني واللّه ما جئت لأقاتل ثقيفاً معكم ، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف ، فأصيب من ثقيف جارية أتطئها ، لعلها تلد لي رجلاً فإن ثقيفاً قوم مناكير ‏.‏

عبيد الطائف ينزلون إلى المسلمين

ونزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في إقامته ممن كان محاصراً بالطائف عبيد ، فأسلموا ، فأعتقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏.‏

عتقاء ثقيف

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني من لا أتهم ، عن عبداللّه بن مكدم ، عن رجال من ثقيف ، قالوا ‏:‏ لما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ لا ، أولئك عتقاء اللّه ؛ وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ وقد سمى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد ‏.‏

شعر للضحاك بن سفيان وسببه

قال ابن إسحاق ‏:‏ وقد كانت ثقيف أصابت أهلا لمروان بن قيس الدوسي ، وكان قد أسلم ، وظاهر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ثقيف ، فزعمت ثقيف ، وهو الذي تزعم به ثقيف أنها من قيس ‏:‏ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لمروان بن قيس ‏:‏ خذ يا مروان بأهلك أول رجل من قيس تلقاه ، فلقي أبي بن مالك القشيري ، فأخذه حتى يؤدوا إليه أهله ، فقام في ذلك الضحاك بن سفيان الكلابي ، فكلم ثقيفاً حتى أرسلوا أهل مروان ، وأطلق لهم أبي بن مالك ، فقال الضحاك بن سفيان في شيء كان بينه وبين أبي بن مالك ‏:‏

أتنسى بلائي يا أبي بن مالك * غداة الرسول معرض عنك أشوس

يقودك مروان بن قيس بحبله * ذليلا كما قيد الذلول المخيس

فعادت عليك من ثقيف عصابة * متى يأتهم مستقبس الشر يقبسوا

فكانوا هم المولى فعادت حلومهم * عليك وقد كادت بك النفس تيأس

قال ابن هشام ‏:‏ يقبسوا عن غير ابن إسحاق ‏.‏

الشهداء يوم الطائف

قال ابن إسحاق ‏:‏ وهذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم الطائف ‏.‏

من قريش

من قريش ، ثم من بني أمية بن عبد شمس ‏:‏ سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية ، وعرفطة بن جناب ، حليف لهم ، من الأسد بن الغوث ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ ويقال ‏:‏ ابن حباب ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ ومن بني تيم بن مرة ‏:‏ عبداللّه بن أبي بكر الصديق ، رمى بسهم ، فمات منه بالمدينة بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏.‏

ومن بنى مخزوم ‏:‏ عبداللّه بن أبي أمية بن المغيرة ، من رمية رميها يومئذ ‏.‏

ومن بني عدي بن كعب ‏:‏ عبداللّه بن عامر بن ربيعة ، حليف لهم ‏.‏

ومن بني سهم بن عمرو ‏:‏ السائب بن الحارث بن قيس بن عدي ، وأخوه عبداللّه بن الحارث ‏.‏

ومن بني سعد بن ليث ‏:‏ جليحة بن عبداللّه ‏.‏

واستشهد من الأنصار ‏:‏ من بني سلمة ‏:‏ ثابت بن الجذع ‏.‏

ومن بني مازن بن النجار ‏:‏ الحارث بن سهل بن أبي صعصعة ‏.‏

ومن بني ساعدة ‏:‏ المنذر بن عبداللّه ‏.‏

ومن الأوس ‏:‏ رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية ‏.‏

فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم اثنا عشر رجلاً ، سبعة من قريش ، وأربعة من الأنصار ، ورجل من بني ليث ‏.‏

قصيدة بجير بن زهير في حنين والطائف

فلما انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الطائف بعد القتال والحصار ، قال بجير بن زهير بن أبي سلمى يذكر حنيناً والطائف ‏:‏

كانت علالة يوم بطن حنين * وغداة أوطاس ويوم الأبرق

جمعت بإغواء هوازن جمعها * فتبددوا كالطائر المتمزق

لم يمنعوا منا مقاما واحداً * إلا جدارهم وبطن الخندق

ولقد تعرضنا لكيما يخرجوا * فتحصنوا منا بباب مغلق

ترتد حسرانا إلى رجراجة * شهباء تلمع بالمنايا فيلق

ملمومة خضراء لو قذفوا بها * حضنا لظل كأنه لم يخلق

مشى الضراء على الهراس كأننا * قدر تفرق في القياد وتلتقى

في كل سابغة إذا ما استحصنت * كالنهي هبت ريحه المترقرق

جدل تمس فضولهن نعالنا * من نسج داود وآل محرق

أبو سفيان بن حرب والمغيرة يتفاوضان مع ثقيف ‏:‏

أمر أموال هوازن وسباياها وعطايا المؤلفة قلوبهم منها وإنعام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها ‏:‏

ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين انصرف عن الطائف على دحنا حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس ، ومعه من هوازن سبي كثير ، وقد قال له رجل من أصحابه يوم ظعن عن ثقيف ‏:‏ يا رسول اللّه ادع عليهم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ اللّهم اهد ثقيفا وأت بهم ‏.‏

وفد هوازن إلى الرسول ومفاوضته

ثم أتاه وفد هوازن بالجعرانة ، وكان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ، ومن الإبل والشاء ما لا يدري ما عدته ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبداللّه بن عمرو ‏:‏ أن وفد هوازن أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد أسلموا ، فقالوا ‏:‏ يا رسول اللّه إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ‏.‏ فامنن علينا ، من اللّه عليك ،

قال ‏:‏ وقام رجل من هوازن ، ثم أحد بني سعد بن بكر ، يقال له زهير ، يكنى أبا صرد ، فقال ‏:‏ يا رسول اللّه إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به ، رجونا عطفه وعائدته علينا ، وأنت خير المكفولين ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏ويروى ولو أنا مالحنا الحارث بن أبي شمر ، أو النعمان بن المنذر ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده عبداللّه بن عمرو ،

قال ‏:‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ‏؟‏ ‏.‏

فقالوا ‏:‏ يا رسول اللّه خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا ، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا ، فهو أحب إلينا ، فقال لهم ‏:‏ أما ما كان ولبني عبدالمطلب فهو لكم ، وإذا ما أنا صليت الظهر ، بالناس فقوموا ‏:‏ فقولوا إنا نستشفع برسول اللّه إلى المسلمين ، وبالمسلمين إلى رسول اللّه في أبنائنا ونسائنا ، فسأعطيكم عند ذلك ، وأسأل لكم ‏.‏

فلما صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس الظهر ، قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏

وأما ما كان لي ولبني عبدالمطلب فهو لكم ‏.‏

فقال المهاجرون ‏:‏ وما كان لنا فهو لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏.‏

وقالت الأنصار ‏:‏ وما كان لنا فهو لرسول اللّه صلى اللّه عليه فقال الأقرع بن حابس ‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا ‏.‏ وقال عيينة بن حصن ‏:‏ أما أنا وبنو فزارة فلا ‏.‏ وقال عباس بن مرداس ‏:‏ أما أنا وبنو سليم فلا ‏.‏

فقالت بنو سليم ‏:‏ بلى ما كان لنا فهو لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏.‏

قال ‏:‏ يقول ‏:‏ عباس بن مرداس لبني سليم وهنتموني ‏.‏

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي ، فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه ، فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعطى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة بن هلال بن ناصرة بن قصية بن نصر ابن سعد بن بكر ، وأعطى عثمان بن عفان جارية ، يقال لها زينب بنت حيان بن عمرو بن حيان ، وأعطى عمر بن الخطاب جارية فوهبها لعبداللّه بن عمر ابنه ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني نافع مولى عبداللّه بن عمر ، عن عبداللّه بن عمر ،

قال ‏:‏ بعثت بها إلى أخوالي من بني جمح ، ليصلحوا لي منها ويهيئوها ، حتى أطوف بالبيت ، ثم آتيهم وأنا أريد أن أصيبها إذا رجعت إليها ‏.‏

قال ‏:‏ فخرجت من المسجد حين فرغت ، فإذا الناس يشتدون ، فقلت ‏:‏ ما شأنكم ‏؟‏ قالوا ‏:‏ رد علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساءنا وأبناءنا ، فقلت ‏:‏ تلكم صاحبتكم في بني جمح ، فاذهبوا فخذوها ، فذهبوا إليها فأخذوها ‏.‏

عيينة والعجوز التي أخذها

قال ابن إسحاق ‏:‏

وأما عيينة بن حصن فأخذ عجوزا من عجائز هوازن ، وقال حين أخذها ‏:‏ أرى عجوزا إني لأحسب لها في الحي نسبا ، وعسى أن يعظم فداؤها ‏.‏

فلما رد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم السبايا بست فرائض ، أبى أن يردها ، فقال له زهير أبو صرد ‏:‏ خذها عنك فواللّه ما فوها ببارد ، ولا ثديها بناهد ، ولا بطنها بوالد ، ولا زوجها بواجد ، ولا درها بماكد ، فردها بست فرائض حين قال له زهير ما قال ؛ فزعموا أن عيينة لقي الأقرع بن حابس ، فشكا إليه ذلك ، فقال ‏:‏ إنك واللّه ما أخذتها بيضاء غزيرة ولا نصفا وثيرة

أمر مالك بن عوف وإسلامه وشعره في ذلك

وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوفد هوازن ، وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل ‏؟‏ فقالوا ‏:‏ هو بالطائف مع ثقيف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله ‏.‏ وأعطيته مائة من الإبل ‏.‏

فأتى مالك بذلك فخرج إليه من الطائف وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال له ما قال ، فيحبسوه ، فأمر براحلته فهيئت له ، وأمر بفرس له ، فأتى به إلى الطائف ، فخرج ليلاً ، فجلس على فرسه ، فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس ، فركبها فلحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأدركه بالجعرانة أو بمكة ، فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل ، وأسلم فحسن إسلامه ؛ فقال مالك بن عوف حين أسلم ‏:‏

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى تشأ يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عردت أنيابها * بالسمهري وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله * وسط الهباءة خادر في مرصد

فاستعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على من أسلم من قومه ، وتلك القبائل ‏:‏ ثمالة ، وسلمة ، وفهم ، فكان يقاتل بهم ثقيفا ، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه ، حتى ضيق عليهم ؛ فقال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي ‏:‏

هابت الأعداء جانبنا * ثم تغزونا بنو سلمة

وأتانا مالك بهم * ناقضا للعهد والحرمة

وأتونا في منازلنا * ولقد كنا أولى نقمه

تقسيم الفيء

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولما فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من رد سبايا حنين إلى أهلها ، ركب واتبعه الناس يقولون ‏:‏ يا رسول اللّه ، اقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم ، حتى ألجئوه إلى شجرة ، فاختطفت عنه رداءه ؛ فقال ‏:‏ أدوا علي ردائي أيها الناس ، فواللّه أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ، ثم ما ألفيتموني بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً ، ثم قام إلى جنب بعير ، فأخذ وبرة من سنامه ، فجعلها بين إصبعيه ، ثم رفعها

ثم قال ‏:‏ أيها الناس ، واللّه مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم ، فأدوا الخياط والمخيط ، فإن الغلول يكون على أهله عاراً وناراً وشناراً يوم القيامة ‏.‏

قال ‏:‏ فجاء رجل من الأنصار بكبة من خيط شعر ، فقال ‏:‏ يا رسول اللّه أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر ، فقال ‏:‏أما نصيبي منها فلك

قال ‏:‏ أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها ، ثم طرحها من يده ‏.‏

لا غلول في المغنم

قال ابن هشام ‏:‏وذكر زيد بن أسلم عن أبيه ‏:‏

أن عقيل بن أبي طالب دخل يوم حنين على امرأته فاطمة بنت شيبة بن ربيعة ، وسيفه متلطخ دماً ، فقالت ‏:‏ إني قد عرفت أنك قد قاتلت ، فماذا أصبت من غنائم المشركين ‏؟‏ فقال ‏:‏ دونك هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك ، فدفعها إليها ، فسمع منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول ‏:‏ من أخذ شيئا فليرده ، حتى الخياط والمخيط ‏.‏

فرجع عقيل ، فقال ‏:‏ ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت ، فأخذها فألقاها في الغنائم ‏.‏

إعطاء النبي المؤلفة قلوبهم من الغنائم

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المؤلفة قلوبهم ، وكانوا أشرافاً من أشراف الناس ، يتألفهم ويتألف بهم قومهم ، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة أخا بني عبدالدار مائة بعير ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏نصير بن الحارث بن كلدة ويجوز أن يكون اسمه الحارث أيضاً ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى سهيل ابن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبدالعزى بن أبي قيس مائة بعير ، وأعطى العلاء بن جارية الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مائة بعير ،وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة بعير ،وأعطى مالك بن عوف النصري مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير ، فهؤلاء أصحاب المئين ‏.‏

وأعطى دون المائة رجالا من قريش ، منهم مخرمة بن نوفل الزهري ، وعمير بن وهب الجمحي ، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي ، لا أحفظ ما أعطاهم ، وقد عرفت أنها دون المائة ، وأعطى سعيد بن يربوع ابن عنكشة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل ، وأعطى السهمي خمسين من الإبل ،

قال ابن هشام ‏:‏واسمه عدي بن قيس ‏.‏

شعر عباس بن مرداس يستصغر ما أعطى

قال ابن هشام ‏:‏وأعطى عباس بن مرداس أباعر ، فسخطها فعاتب فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال عباس بن مرداس يعاتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏

كانت نهابا تلافيتها * بكري على المهر في الأجرع

وإيقاظي القوم أن يرقدوا * إذا هجع الناس لم أهجع

فأصبح نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع

وقد كنت في الحرب ذا تدْرَإ * فلم أعط شيا ولم أمنع

إلا أفائل أعكيتها * عديد قوائمها الأربع

وما كان حصن ولا حابس * يفوقان شيخي في المجتمع

وما كنت دون امرئ منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع

قال ابن هشام ‏:‏أنشدني يونس النحوي ‏.‏

فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في المجتمع

إرضاء الرسول له

قال ابن إسحاق ‏:‏ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ اذهبوا به فاقطعوا عني لسانه ، فأعطوه حتى رضي ‏.‏ فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏.‏

قال ابن هشام ‏:‏وحدثني بعض أهل العلم ‏:‏

أن عباس بن مرداس أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أنت القائل ‏:‏

فأصبح نهبي ونهب العبيـ * ـد بين الأقرع وعيينة

فقال أبو بكر الصديق ‏:‏ بين عيينة والأقرع ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ هما واحد ، فقال أبو بكر ‏:‏ أشهد أنك كما قال اللّه‏:‏ ‏(‏ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ‏)‏ ‏.‏

توزيع غنائم حنين على المبايعين من قريش

قال ابن هشام ‏:‏وحدثني من أثق به من أهل العلم في استشهاد له عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد اللّه بن عبداللّه بن عتبة ، عن ابن عباس ،

قال ‏:‏ بايع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قريش وغيرهم ، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين ‏.‏

من بني أمية بن عبد شمس ‏:‏ أبو سفيان بن حرب بن أمية ، وطليق بن سفيان بن أمية ، وخالد بن أسد بن أبي العيص بن أمية ‏.‏

ومن بني عبدالدار بن قصي ‏:‏ شيبة بن عثمان بن أبي طلح بن عبد أتعزى بن عثمان بن عبدالدار ، وأبو السنابل بن أعكك بن الحارث بن عميلة بن السباق ، بن عبدالدار وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبدالدار ‏.‏

ومن بني مخزوم بن يقظة ‏:‏ زهير بن أبي أمية بن المغيرة ، والحارث بن هشام بن المغيرة ، وخالد بن هشام بن المغيرة ، وهشام بن الوليد بن المغيرة ، وسفيان بن الأسد بن عبداللّه بن عمر بن مخزوم ، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبداللّه بن عمر بن مخزوم ‏.‏

ومن بني عدي بن كعب ‏:‏ مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة ، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم ‏.‏

ومن بني جمح بن عمرو ‏:‏ صفوان بن أمية بن خلف ، وأحيحة بن أمية ابن خلف ، وعمير بن وهب بن خلف ‏.‏

ومن بني سهم ‏:‏ عدي بن قيس بن حذافة ‏.‏

ومن بني عمر بن لؤي ‏:‏ حويطب بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبد ود ، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب ‏.‏

ما أعطاه لرجال من أفناء القبائل

ومن أفناء القبائل ‏:‏ من بني بكر بن مناة بن كنانة ‏:‏ نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل ‏.‏

ومن بني قيس ، ثم من بني عامر بن صعصعة ، ثم من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة ‏:‏ علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب ‏.‏

ومن بني عامر بن ربيعة ‏:‏ خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة ، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو ‏.‏

ومن بني نصر بن معاوية مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع

ومن بني سليم بن منصور ‏:‏ عباس بن مرداس بن أبي عامر ، أخو بني الحارث بن بهثة بن سليم ‏.‏

ومن بني غطفان ، ثم من بني فزارة ‏:‏ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر ‏.‏

ومن بني تميم ثم من بني حنظلة ‏:‏ الأقرع بن حابس بن عقال ، من بني مجاشع بن دارم ‏.‏

لماذا لم يعط جعيل بن سراقة

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ‏:‏

أن قائلاً قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أصحابه ‏:‏ يا رسول اللّه ، أعطيت عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس مائة مائة ، وتركت جعيل بن سراقة الضمري ‏!‏

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض ، كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، ولكني تألفتهما ، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ‏.‏

اعتراض ذي الخويصرة المنافق على قسمته صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن مقسم أبي القاسم ، مولى عبداللّه بن الحارث بن نوفل ،

قال ‏:‏

خرجت أنا وتليد بن كلاب الليثي ، حتى أتينا عبداللّه بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقا نعله بيده ، فقلنا له هل حضرت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين كلمه التميمي يوم حنين ‏؟‏

قال ‏:‏ نعم ، جاء رجل من بني تميم ، يقال له ذو الخويصرة ، فوقف عليه وهو يعطي الناس ، فقال ‏:‏ يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أجل فكيف رأيت ‏؟‏ فقال ‏:‏ لم أرك عدلت ، فغضب النبي صلى اللّه عليه وسلم

ثم قال ‏:‏ ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ‏!‏

فقال عمر بن الخطاب ‏:‏ يا رسول اللّه ألا أقتله ‏؟‏ فقال ‏:‏ لا دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين ، حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية ينظر في النصل ، فلا يوجد شيء ، ثم في القدح ، فلا يوجد شيء ،ثم في القدح ، فلا يوجد شيء ثم في الفوق ، فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني محمد بن علي بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبي عبيدة ، وسماه ذا الخويصرة ‏.‏

قال ابن إسحاق ‏:‏ وحدثني عبداللّه بن أبي نجيح عن أبيه ، بمثل ذلك ‏.‏

شعر حسان بن ثابت في حرمان الأنصار

قال ابن هشام ‏:‏ولما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أعطى في قريش وقبائل العرب ، ولم يعط الأنصار شيئاً ، قال حسان بن ثابت يعاتبه في ذلك ‏:‏

زادت هموم فماء العين منحدر * سحا إذا حفلته عبرة درر

وجداً بشماء إذ شماء بهكنة * هيفاء لا دنس فيها ولا خور

دع عنك شماء إذ كانت مودتها * نزرا وشر وصال الواصل النزر

وأت الرسول فقل يا خير مؤتمن * للمؤمنين إذا ما عدد البشر

علام تدعى سليم وهي نازحة * قدام قوم هم آووا وهم نصروا

سماهم اللّه أنصارا بنصرهم * دين الهدى وعوان الحرب تستعر

وسارعوا في سبيل اللّه اعترفوا * للنائبات وما خاموا وما ضجروا

والناس ألب علينا فيك ليس لنا * إلا السيوف أطراف القنا وزر

نخالد الناس لا نبقي على أحد * ولا نضيع من توحي به السور

ولا تهمر جناة الحرب نادينا * ونحن حين تلظى نارها سعر

كما رددنا ببدر دون ما طلبوا * أهل النفاق وفينا ينل الظفر

ونحن جندك يوم النعف من أحد * إذ حربت بطرا أحزابها مضر

فما ونينا وما خمنا وما خبروا * منا عثارا وكل الناس قد عثروا

وجد الأنصار من حرمانهم واسترضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏

قال ابن هشام ‏:‏حدثني زياد بن عبداللّه ،

قال ‏:‏ حدثنا ابن إسحاق

قال ‏:‏ وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن أبي سعيد الخدري

قال ‏:‏

لما أعطى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا ، في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم ، حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم ‏:‏ لقي واللّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه ‏.‏

عتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم للأنصار

فدخل عليه سعد بن عبادة ، فقال ‏:‏ يا رسول اللّه ، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم ، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب ، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء ‏.‏

قال ‏:‏ فأين أنت من ذلك يا سعد ‏؟‏

قال ‏:‏ يا رسول اللّه ، ما أنا إلا من قومي ‏.‏

قال ‏:‏ فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة ‏.‏

قال ‏:‏ فخرج سعد ، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ‏.‏ فجاء رجال من المهاجرين فتركهم ، فدخلوا ، وجاء آخرون فردهم ‏.‏

فلما اجتمعوا له أتاه سعد ، فقال ‏:‏ قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ، فأتاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ،

ثم قال ‏:‏ يا معشر الأنصار ، ما قاله بلغني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ‏؟‏ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه ، وعالة فأغناكم اللّه ، وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ‏!‏

قالوا ‏:‏ بلى ، اللّه ورسوله أمن وأفضل ‏.‏

ثم قال ‏:‏ ألا تجيبونني يا معشر الأنصار ‏؟‏

قالوا ‏:‏ بماذا نجيبك يا رسول اللّه ‏؟‏ اللّه ولرسوله المن والفضل ‏.‏

قال صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فلصدقتم ولصدقتم ‏:‏ أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك وعائلاً فآسيناك ، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ‏.‏

ألا ترضون يا معشر الأنصار ، أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه إلى رحالكم ‏؟‏ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعبا ، لسلكت شعب الأنصار ‏.‏ اللّهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ‏.‏

قال ‏:‏ فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا رضينا برسول اللّه قسماً وحظاً ثم انصرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتفرقوا ‏.‏