سبب تأخر أبي بكر وعلي في الهجرة : وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكةَ بعدَ أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤْذَن له في الهجرة، ولم يتخلفْ معه بمكة أحد من المهاجرين إلا من حُبس أو فُتن ، إلا على بن أبي طالب ، وأبو بكر بن أبي قُحافة الصديق رضى اللّه عنهما، وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الهجرة، فيقول له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تعجل لعل اللّه يجعل لك صاحباً، فيطمع أبو بكر أن يكونَه.
قريش تتشاور في أمره عليه السلام :
قال ابن إسحاق : ولما رأت قريش أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد صارت له شِيعة وأصحاب من غيرهم بغيرِ بلدهم ، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنهم قد نزلوا داراً، وأصابوا منهم مَنَعَة، فحذروا خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، وعرفوا أنهم قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دار قُصَي بن كلاب التي كانت قريش لا تقضى أمراً إلا فيها - يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين خافوه.
قال ابن إسحاق : فحدثني مَنْ لا أتهم من أصحابنا، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد بن جُبير أبي الحجاج ، وغيره ممن لا أتهم ، عن عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما
قال : لما أجمعوا لذلك ، واتَّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمرِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، غَدَوْا في اليوم الذي اتَّعدوا له ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة، فاعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل ، عليه بتلة ، فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفاً على بابها؟ قالوا : من الشيخ ؟
قال : شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتَّعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون ، وعسى أن لا يُعدمكم منه رأياً ونصحاً، قالوا : أجل فادخل معهم ، وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب ، ومن بني نوفل بن عبد مناف : طُعَيمة بن عدي ، وجُبَيْر بنُ مُطْعِم ، والحارث بن عامر بن نَوْفل. ومن بنى عبد الدار بن قُصَى : النضر بن الحارث بن كَلَدة. ومن بنى أسد بن عبد العُزَّى : أبو البَخْتَرِيّ بن هشام ، وزَمْعَة بن الأسود بن المطلب ، وحكيم بن حِزام. ومن بنى مخزوم ، أبو جهل بن هشام. ومن بني سَهْم : نُبيه ومُنبَّه ابنا الحجاج. ومن بنى جُمَح : أمية بن خلف. ومن كان معهم وغيرهم ممن لا يعد من قريش.
فقال بعضهم لبعض : إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، فإنا واللّه ما نأمنه على الوثوب علينا فيمن قد اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأياً.
قال : فتشاوروا
ثم قال قائل منهم : احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه باباً، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله ، زهيراً والنابغة، ومن مضى منهم ، من هذا الموت ، حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي : لا واللّه ، ما هذا لكم برأي. واللّه لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم ، فيُنزِعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به ، حتى يغلبوكم على أمرِكم ، ما هذا لكم برأي ، فانظروا في غيره. فتشاوروا.
ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا، فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فواللّه ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه ، فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت ، فقال الشيخ النجدى : لا واللّه ، ما هذا لكم برأي ، ألم تَرَوْا حُسنَ حديثه ، وحلاوةَ منطقه ، وغَلبته على قلوب الرجال بما يأتي به ، واللّه لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم ، فيأخذ أمرَكم من أيديكم ، ثم يفعل بكم ما أراد، دبروا فيه رأيا غير هذا.
قال : فقال أبو جهل بن هشام : واللّه إن لي فيه لرأياً ما أراكمِ وقعتم عليه بعدُ قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نُعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ثم يَعْمِدوا إليه ، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه ، فنستريح منه. فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل ، فعقلناه لهم.
قال : فقال الشيخ النجدي : القول ما قال الرجل ، هذا الرأي الذي لا رأي غيره ، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له
استخلافه صلى اللّه عليه وسلم عليّا : فأتى جبريلُ عليه السلام رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،
فقال : لا تَبِتْ هذه الليلة على فراشِك الذي كنتَ تبيت عليه ،
قال : فلما كانت عَتْمَة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام ، فيثبون عليه ؟ فلما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكانهم ، قال لعلىِّ بن أبي طالب : نم على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرمي الأخضر، فنم فيه ، فإنه لن يَخْلُص إليك شيء تكرهه منهم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينام في بُرْدِه ذلك إذا نام.
قال ابن إسحاق : فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرظى
قال : لما اجتمعوا له ، وفيهم أبو جهل بن هشام ، فقال وهم على بابه : إن محمداً يزعُم أنكم إن تابعتموه على أمره ، كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بُعثتم من بعد موتكم ، فجُعلت لكم جِنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذَبْح ، ثم بُعثتم من بعدِ موتكم ، ثم جُعلت لكم نار تُحرقون فيها.
قال : وخرج عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذ حفنةً من تُراب في يده ،
ثم قال :أنا أقول ذلك ، أنتَ أحدُهم. وأخذ اللّه تعالى على أبصارِهم عنه ، فلا يَرَوْنَه ، فجعل يَنثرُ ذلك الترابَ على رؤوسِهم وهو يتلو هؤلاءِ الآيات من يس : { يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ* عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ*تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } [يس: ١ـ٥] إلى قوله { فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } [يس:٩] حتى فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا قد وضع على رأسه تراباً، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهبَ ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم ،
فقال : ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا : محمداً :
قال : خيبكم اللّه ! قد واللّه خرجٍ عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسِهِ ترابا، وانطلق لحاجته ، أفما تَرَوْنَ ما بكم ؟
قال : فوضع كلُّ رجلٍ منهم يدَه على رأسِه ، فإذا عليه ترابٌ ثم جعلوا يتطلَّعون فَيَروْن علياً على الفراش مُتَسَجِّياً بِبُرْد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فيقولون : واللّه إن هذا لمحمد نائمأ، عليه بُرْدُه. فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام على رضى اللّه عنه عن الفراش
فقالوا : واللّه لقد كان صدَّقنا الذي حدثنا.
قال ابن
إسحاق : وكان مما أنزل اللّه عز وجل من القرآنِ في
ذلك اليوم ، وما كانوا أجمعوا له : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال: ٣٠]، وقول اللّه عز وجل : { أَمْ
يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ* قُلْ تَرَبَّصُوا
فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ } [الطور: ٣٠،٣١]
قال ابن
هشام : المنون : الموت. وريب المنون : ما يريب ويعرض
منها. قال أبو ذؤيب الهذلي
أمن
المنُون ورَيْبها تتوجَّعُ والدهرُ ليس
بِمُعْتِبٍ من يَجْزعُ
وهذا البيت في قصيدة له.
قال ابن
إسحاق : وأذِنَ اللّه تعالى لنبيه صلى
اللّه عليه وسلم عند ذلك في الهجرة.
قال ابن
إسحاق : وكان أبو بكر رضي اللّه عنه رجلاً ذا مال ، فكان حين استأذن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الهجرة، فقال
له رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم : لا تعجلْ ، لعل اللّه يجد لك صاحباً، قد طمع
بأن يكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، إنما يعني نفسه ، حين قال له ذلك ،
فابتاع راحلتين ، فاحتبسهما في دارِه ، يعلفهما إعداداً لذلك.
قال ابن إسحاق : فحدثني من لا أتهم ، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها
قالت : كان لا يُخطيء رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأتىَ بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار، إما بكرة
وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهريْ قومه ، أتانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتى فيها :
قالت : فلما رآه أبو بكر،
قال : ما جاء رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الساعة إلا لأمر حدث.
قالت : فلما دخل ، تأخر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختى أسماءُ بنت أبي بكر، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أخرجْ عني من عندَك.
فقال : يا رسول اللّه ، إنما هما ابنتاي ، وما ذاك ؟ فداك أبي وأمي !
فقال : إن اللّه قد أذن لى في الخروج والهجرة.
قالت : فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول اللّه.
قال : الصحبة.
قالت : فواللّه ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكى من الفرح ، حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ ،
ثم قال : يا نبى اللّه إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا.
فاستأجرا عبد اللّه بن أرقط - رجلا من بنى الدّئل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سَهْم بن عمرو، وكان مشركا - يدلهما على الطريق ، فدفعا إليه راحلتيهما، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
قال ابن
إسحاق : ولم يعلم فيما بلغنى، بخروج رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحد، حين خرج
، إلا علي ابن أبي طالب ، وأبو
بكر الصديق ، وآل أبي بكر. أما على فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغني - أخبره بخروجه ، وأمره أن يتخلف بعدَه بمكه،
حتى يؤدِّيَ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الودائعَ ، التي كانت عندَه للناس ، وكان رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس بمكة أحد
عندَه شىء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يعلم من صدقه
وأمانته صلى اللّه عليه وسلم
قال ابن
إسحاق : فلما أجمع رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم الخروج ، أتى أبا بكر بن
أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ، ثم عمدا إلى غار بثور - جبل بأسفل مكة - فدخلاه ، وأمر أبو
بكر ابنه عبد اللّه بن أبي بكر أن يتسمَّع لهما ما يقول الناسُ فيهما نهارَه ، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر وأمر
عامرَ بنَ فُهيرة مولاه أن يرعى غنمَهُ نهارَه ، ثم يريحها عليهما، يأتيهما إذا أمسى في الغارِ. وكانت أسماءُ
بنت أبي بكر تأتيهما من
الطعام إذا أمست بما يصلحهما.
قال ابن
هشام : وحدثني بعضُ أهلِ العلم ، أن الحسنَ بنَ أبي الحسن البَصْريَّ
قال : انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر إلى الغار ليلاً، فدخل أبو بكر رضي اللّه عنه قبلَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلَمِس الغار، لينظر أفيه سبع أو حية، يقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنفسِهِ
قال ابن إسحاق : فأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغار ثلاثاً ومعه أبو بكر وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائةَ ناقة، لمن يرده عليهم. وكان عبد اللّه بن أبي بكر يكون في قريش نهارَه معهم ، يسمع ما يأتمرون به ، وما يقولون في شأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبى بكر. ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر. وكان عامر بن فُهَيْرة مولَى أبي بكر رضى اللّه عنه ، يرعى في رُعْيانِ أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنمَ أبي بكر. فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد اللّه بن أبي بكر غدَا من عندهما إلى مكة، اتبع عامرُ ابنُ فُهَيْرة أثرَه بالغنم حتى يُعَفِّى عليه ، حتى إذا مضت الثلاثُ ، وسكن عنهما الناسُ أتاهما صاحبُهما الذي استأجراه ببعيريْهما وبعير له ، وأتتهما أسماءُ بنت أبي بكر رضى اللّه عنها بسُفْرتهما، ونسيت أن تجعل لها عِصاماً فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السّفرةَ، فإذا ليس لها عِصام ، فتحل نِطاقها فتجعله عِصاما، ثم علقتها به.
سبب تسمية أسماء بذات النطاق : فكان يقال لأسماء بنت أبي بكر : ذات النطاق ، لذلك.
قال ابن هشام : وسمعت غيرَ واحد من أهل العلم يقول : ذات النطاقين ، وتفسيره : أنها لما أرادت أن تعلق السفرة شقت نطاقها باثنين : فعلقت السفرة بواحد، وانتطَقَتْ بالآخر.
راحلة الرسول
قال ابن إسحاق : فلما قَرَّب أبو بكر، رضى اللّه عنه ، الراحلتين إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قدم له أفضَلَهما،
ثم قال : اركبْ ، فداك أبي وأمى فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنى لا أركب بعيراً ليس لى
قال : فهي لك يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمى،
قال : لا، ولكن ما الثمنُ الذي ابتعتها به ؟
قال : كذا وكذا؟
قال : قد أخذتُها به.
قال : هى لك يا رسول اللّه. فركبا وانطلقا وأردف أبو بكر الصدِّيق رضى اللّه عنه عامرَ بن فهيرة مولاه خلفَه ، ليخدمَهما في الطريق.
قال ابن
إسحاق : فَحُدثت عن أسماءَ بنتِ أبي
بكر أنها
قالت : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر رضى اللّه عنه ، أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم ،
فقالوا : أين أبوك يا بنت أبي بكر
قالت : قلت : لا أدري واللّه أين أبي ؟
قالت : فرفع أبو جهل يده ، وكان فاحشاً خبيثاً؟ فلطم خدي لطمةً طرح منها قُرطى.
الجني الذي تغنى بمقدمه صلى اللّه عليه وسلم :
قالت : ثم انصرفوا. فمكثنا ثلاثَ ليالٍ ، وما ندري أينَ وَجْهُ رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أقبل
رجل من الجن من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غِناءَ العرب ، وإن الناس ليتبعونه
، يسمعون صوتَه وما يَرَوْنَه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول :
جزى
اللّه ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ رفيقين
حلاَّ خَيْمَتَىْ أم مَعْـبَدِ
هما نزلا بالبَرِّ ثم تَرَوَّحَـــــا فأفلح
من أمسى رفيقَ محمدِ
لِيهْنِ بنو كَعْبٍ مكانُ فتاتِهـــم ومقعدُها
للمؤمنين بمرصــد
نسب أم معبد :
قال ابن هشام : أم مَعْبَدِ
بنت كعب ، امرأة من بنى كعب ، من خزاعة وقوله ، " حلاَّ خيمَتَيْ " و
" هما نزلا بالبر ثم تروحا " عن غير ابن إسحاق.
قال ابن
إسحاق : قالت أسماء بنت أبي بكر رضى اللّه عنهما فلما سمعنا قوله ، عرفنا حيث وَجْه رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأن
وَجْهَه إلى المدينة وكانوا أربعة : رسولُ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم، وأبو بكر الصديق رضى اللّه عنه وعامرُ بن فُهَيْرة مولى أبي
بكر، وعبد اللّه بن أرْقَطْ دليلهما.
قال ابن
هشام :
ويقال : عبد اللّه بن أرَيْقط.
قال ابن إسحاق : فحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير أن أباه
عَبَّاداً حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر،
قالت : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وخرج أبو بكر معه ، احتمل أبو بكر ماله كلَّه ، ومعه خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف ، فانطلق بها معه.
قالت : فدخل علينا جَدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره ،
فقال : واللّه إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
قالت : قلت : كلا يا أبت ! إنه قد ترك لنا خيراً كثيرا.
قالت : فأخذت أحجاراً فوضعتها في كُوَّةٍ في البيت الذي كان أبي
يضع ماله فيها، ثم وضعت
عليها ثوباً، ثم أخذت بيده ،
فقلت : يا أبت ، ضع يدك على هذا المال.
قالت : فوضع يده عليه ، فقال لا بأس ، إذا كان ترك لكم هذا فقد
أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم. لا واللّه ما ترك لنا شيئاً ولكنى أردت أن أسكن الشيخ
بذلك.
قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري أن عبد الرحمن بن مالك بن جُعْشُمْ حدثه عن أبيه ، عن عمه سُرَاقة بن مالك ابن جُعْشُم ،
قال : لما خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكةَ مهاجراً إلى المدينة، جعلت قريش فيه مائةَ ناقة لمن رده عليهم.
قال : فبَيْنا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا،
فقال : واللّه قد رأيتُ رَكَبة ثلاثة مروا عليَّ آنفاً، إني لأراهم محمداً وأصحابه ،
قال : فأومأت إليه بعينى : أن اسكت ، ثم قلت : إنما هم بنو فلان ، يبتغون ضالة بهم ،
قال : لعله ، ثم سكت.
قال : ثم مكثت قليلاً، ثم قمت فدخلت بيتي ، ثم أمرت بفرسى، فقُيد لى إلى بطن الوادي ، وأمرت بسلاحي ، فأخرج لي من دُبُر حجرتى، ثم أخذت قِداحي التي أستقسم بها، ثم انطلقت ، فلبست لامتى ثم أخرجت قِداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره " لا يضره ".
قال : وكنت أرجو أن أرده على قريش ، فآخذ المائة الناقة،
قال : فركبت على أثره ، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي ، فسقطت عنه
قال :
فقلت : ما هذا؟
قال : ثم أخرجت قداحى فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره " لا يضره "،
قال : فأبيت إلا أن أتبعه ،
قال : فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بى، عثر بي ، فسقطت عنه ،
قال :
فقلت : ما هذا؟
قال : ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره " لا يضره "
قال : فأبيت إلا أن أتبعه فركبت في أثره ، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي ، فذهبت يداه في الأرض ، وسقَطْت عنه ثم انتزع يديه من الأرض ، وتبعهما دخان كالإِعصار.
قال : فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد مُنع منى، وأنه ظاهر.
قال : فناديت القوم :
فقلت : أنا سُراقة بن جُعْشُم : انظرونى أكلمْكم ، فواللّه لا أريبكم ولا يأتيكم مني شىء تكرهونه.
قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبى بكر : قل له : وما تبتغى منا؟
قال : فقال ذلك أبو بكر.
قال : قلت : تكتب لى كتاباً يكون آية بيني وبينك.
قال : اكتب له يا أبا بكر.
قال : فكتب لى كتاباً في عَظْم ، أو في رُقعة، أو في خزَفة، ثم ألقاه
إليَّ ، فأخذته ، فجعلته فَي كِنانتى، ثم رجعت ، فسكتُّ فلم أذكر شيئاً مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفرغ من
حُنَين والطائف ، خرجت ومعي الكتاب لألقاه ، فلقيته بالجِعِرَانة.
قال : فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار.
قال : فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون : إليك ماذا تريد؟
قال : فدنوت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو على ناقته ، واللّه لكأنى أنظر إلى ساقه في غِرْزِهِ كأنها جُمَّارة.
قال : فرفعت يدي بالكتاب ، ثم قلت : يا رسول اللّه ، هذا كتابك ، أنا سُراقة بن جُعْشُم
قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يوم وفاء وبر، أدْنُهْ
قال : فدنوت منه ، فأسلمت. ثم تذكرت شيئاً اسأل رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم عنه فما أذكره ، إلا أني قلت
: يا رسول اللّه ، الضالة من الإِبل تغشى حياضى،
وقد ملأتها لإِبلى، هل لي من أجر في أن أسقيها؟
قال : نعم ، في كل ذات كَبد حَرَّى أجر.
قال : ثم رجعت إلى قومي فسُقت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدقتي.
قال ابن
هشام : عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم.
قال ابن
إسحاق : فلما خرج بهما دليلهما عبد اللّه بن أرْقَط
، سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل ، حتى عارض الطريق أسفل من عُسْفان ، ثم سلك بهما على أسفل أمَج ، ثم استجاز بهما، حتى عارض بهما الطريق ، بعد أن أجاز
قُدَيداً، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك ، فسلك بهما
الخَرَّار، ثم سلك بهما ثَنِيَّة المرة، ثم سلك بهما لِقْفا.
قال ابن
هشام : ويقال ؟ لَفْتا. قال مَعْقِل بن خُوَيلد
الْهُذَلي :
نزيعا مُحْلِباً من أهل لَفْت لحىّ بين أثْلةَ والنِّحامِ
قال ابن
إسحاق : ثم أجاز بهم مَدْلَجة لِقْف ثم استبطن بهما مَدْلجة محاج -
ويقال : مِجاج فيما
قال ابن
هشام - ثم سلك بهما مَرْجِح مَحاجِ ، ثم تبطن بهما مَرْجِح من ذي الغَضَوين.
قال ابن
هشام :
ويقال : العضوين.
ثم في ذي كَشْر، ثم أخذ بهما على الجَداجَد ، ثم على الأجْرد ثم سلك
بهما ذا سَلَم مَن بطن أعداء مَدْلِجَة تِعْهِن : ثم على العَبابيد.
قال ابن
هشام :
ويقال : العَبابيب :
ويقال : العِثْيانة. يريد : العبابيب.
قال ابن
إسحاق : ثم أجاز بهما الفاجَّة،
ويقال : القاحَّة، فيما
قال ابن
هشام : ثم هبط بهما العَرْج وقد أبطأ عليهم بعضُ ظهرهم ، فحمل رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل من أسلم
، يقال له : أوس بن حجر، على جمل له - يقال له : ابن الرَّداء - إلى المدينة، وبعث
معه غلاماً له ، يقال له : مسعود بن هُنَيْدة، ثم خرج بهما دليلهما من العَرْج فسلك بهما ثَنية العائر، عن
يمين رَكُوبة -
ويقال : ثنية الغائر، فيما
قال ابن
هشام - حتى هبط بهما في رِئْم ، ثم قدم بهما قُباء، على بنى عَمرو بن عوف ، لاثنتى عشرة ليلة
خلت من شهر ربيع الأول يوم الاثنين ، حين اشتد الضَّحاء ، وكادت الشمس تعتدل.
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر ابن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عُوَيْمر بن ساعدة،
قال : حدثني رجال من قوس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،
قالوا: لما سمعنا بمخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من مكة، وتوكفنا قدومه ، كنا نخرج إذا صلينا الصبح ، إلى ظاهر حَرَّتنا ننتظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فواللّه ما نبرح حتى تغلبنا الشمس على الظلال ، فإذا لم نجد ظلاً دخلنا وذلك في أيام حارة، حتى إذا كان اليومُ الذي قدم فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، جلسنا كما كنا نجلس ، حتى إذا لم يبق ظل دخلنا بيوتنا، وقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين دخلنا البيوت ، فكان أول من رآه رجل من اليهود، قد رأى ما كنا نصنع ، وأنا ننتظر قدوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علينا، فصرخ بأعلى صوته : يا بنى قَيْلة ، هذا جَدكُم قد جاء
قال : فخرجنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو في ظل نخلة، ومعه أبو بكر رضي اللّه عنه في مثل سنه وأكثرُنا لم يكن رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل ذلك ، وركبه الناس وما يعرفونه من أبي بكر، حتى زال الظل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقام أبو بكر فأظله بردائه ، فعرفناه عند ذلك.
قال ابن
إسحاق : فنزل رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم- فيما يذكرون - على
كُلْثوم بن هِدْم ، أخي بنى عَمرو ابن عَوْف ثم أحد بنى عُبَيْد
ويقال : بل نزل على سعد بن خَيْثمة ويقول من يذكر أنه نزل على
كُلثوم بن هِدْم : إنما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا خرج من منزل كلثوم بن هِدْم جلس الناس في بيت سعد بن
خَيْثمة. وذلك أنه كان عازباً لا أهل له ، وكان منزل الأعزاب من أصحاب رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المهاجرين
، فمن هنالك يقال نزل على سعد بن خَيْثمة، وكان يقال لبيت سعد بن خيثمة: بيت
الأعزاب. فاللّه أعلم أي ذلك كان ، كلا قد سمعنا.
ونزل أبو بكر الصديق رضى اللّه
عنه على خُبَيْب بن إسَاف ، أحد بنى الحارث بن الخزرج بالسُّنْح. ويقول قائل : كان
منزله على خارجة بن زيد بن أبي زُهَيْر، أخي بنى الحارث ابن الخزرج.
منزل علي
بقباء : وأقام على بن
أبي طالب عليه السلام بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم الودائع التي كانت عنده
للناس حتى إذا فرغ منها، لحق برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فنزل معه على كلثوم بن هِدْم.
من فضائل
سهل بن حنيف : فكان على
بن أبي طالب ، وإنما كانت إقامته بقباء ليلة أو ليلتين يقول : كانت بقباء امرأة لا زوج لها، مسلمة. قال فرأيت إنساناً يأتيها من جوف الليل ، فيضرب عليها بابها، فتخرج إليه فيعطيها
شيئاً معه فتأخذه.
قال : فاستربت بشأنه ، فقلت لها : يا أمة اللّه ، من هذا الرجل
الذي يضرب عليك بابك كل ليلة، فتخرجين إليه فيعطيك شيئاً لا أدري ما هو، وأنت
امرأة مسلمة لا زوج لك ؟
قالت : هذا سهل بن حنيف بن واهب ، قد عرف أني امرأة لا أحد لى، فإذا
أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها، ثم جاءني بها،
فقال : احتطبى بهذا، فكان على رضى اللّه عنه يأثر ذلك من أمر سهل
بن حنيف ، حتى هلك عنده بالعراق.
قال ابن
إسحاق : وحدثني هذا، من حديث على رضى اللّه عنه :
هند بن سعد بن سهل بن حنيف ، رضى اللّه عنه.
مسجد قباء
قال ابن
إسحاق : فأقام رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم بقباء، في بنى عمرو بن
عَوْف ، يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس ، وأسس مسجده.
ثم أخرجه اللّه من بين أظهرهم يوم الجمعة وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك - فاللّه أعلم أي ذلك كان ، فأدركتْ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجمعةُ في بني سالم بن عَوْف ،فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، وادي رانُونَاء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة.
اعتراض القبائل له لينزل عندها : فأتاه عِتْبان بن مالك ، وعباس ابن عُبادة بن نَضلة في رجال من بنى سالم بن عوف ،
فقالوا : يا رسول اللّه ، أقم عندنا في العَدد والعُدَّة والمَنَعَة؟ قال خلوا سبيلَها : فإنها مأمورة، لناقته : فخلَّوْا سبيلَها؛ فانطلقت حتى إذا وازنت دار بني بَيَاضَة، تلقاه زياد بن الوليد، وفروة بن عمرو، في رجال من بنى بَيَاضة
فقالوا : يا رسول اللّه : هلم إلينا، إلى العَدد والعُدة والمَنَعة؛
قال : خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها. فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة، اعترضه سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، في رجال من بني ساعدة
فقالوا : يا رسول اللّه ؟ هلم إلينا إلى العدد والعُدة والمنَعة؟
قال : خلوا سبيلها؟ فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها، فانطلقت ، حتى إذا وازنت دار بني الحارث بن الخزرج ، اعترضه سعد ابن الربيع ، وخارجة بن زيد؟ وعبد اللّه بن رَوَاحَة، في رجال من بني الحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول اللّه ، هلُم إلينا إلى العَدد والعُدة والمَنَعة
قال : خلوا سبيلها، فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها. فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى عدي بن النجار، وهم أخواله دِنْيا - أم عبد المطلب ، سَلْمى بنت عمرو إحدى نسائهم - اعترضه سَلِيط بن قَيْس ، وأبو سَلِيط ، أسَيْرة بن أبي خارجة، في رجال من بنى عدي بن النجار،
فقالوا : يا رسول اللّه ، هلم إلى أخوالك ، إلى العَدد والعُدة والمَنَعة
قال : خلوا سبيلَها فإنها مأمورة، فخلَّوْا سبيلها، فانطلقت.
مبرك الناقة : حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده صلى اللّه عليه وسلم، وهو يومئذ مِرْبَد لغلامين يتيمين من بنى النجار، ثم من بنى مالك بن النجار، وهما في حِجر مُعاذ بن عَفْراء، سَهْل وسُهَيْل ابنى عمرو، فلما بركت ،ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليها لم ينزل ، وثبت فسارت غيرَ بعيد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ، ثم التفتت إلى خلفها، فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ، ثم تَحلْحَلت ورزَمت وألقت بجرانِها فنزل عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاحتمل أبو أيوب خالدُ بن زَيْد رحلَه ، فوضعه في بيته ، ونزل عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وسأل عن المِرْبَد لمن هو؟ فقال له معاذ بن عفراء : هو يا رسول اللّه لَسهْل وسُهَيْل ابنىْ عمرو وهما يتيمان لي ، وسأرضيهما منه ، فاتخذْه مسجداً.
بناء مسجد المدينة :
قال : فأمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبنَ مسجداً، ونزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أبي أيوب حتى بُنى مسجده ومساكنه ، فعمل فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليرغب المسلمين في العمل فيه ، فعمل فيه المهاجرون والأنصار : ودأبوا فيه : فقال قائل من المسلمين :
لئن قعدنا والنبيُّ يعمــــلُ لذاك منا العمل المضلِّلُ
وارتجز المسلمون قوهم يبنونه يقولون :
لا عيشَ إلا عيش الآخـــره اللّهم ارحم الأنصار والمهاجره
قال ابن هشام : هذا كلام وليس برجز.
قال ابن إسحاق : فيقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا عيش إلا عيش الآخرة، اللّهم ارحم المهاجرين والأنصار.
عمّار والفئة الباغية :
قال : فدخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللَّبِن ، فقال يا رسول اللّه قتلوني ؟ يحملون علىّ ما لا يحملون. قالت أم سلمة زوجٍ النبي صلى اللّه عليه وسلم : فرأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينفُض وَفْرَته بيده : وكان رجلا جَعْدا، وهو يقول : ويح ابن سُمَية ليسوا بالذين يقتلونك. إنما تقتلك الفئةُ الباغية.
وارتجز على بن أبي طالب رضي اللّه عنه يومئذ :
لا يستوي من يُعمرُ المساجــــدا يدأبُ فيه قائماً وقاعدَا
قال ابن هشام : سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر، عن هذا الرجز،
فقالوا : بلغنا أن على بن أبي طالب ارتجز به ، فلا يُدْرَى : أهو قائله أم غيره.
قال ابن إسحاق : فأخذها عمار بن ياسر، فجعل يرتجز بها.
قال ابن هشام : فلما أكثر، ظن رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه إنما يعرِّض به ، فيما حدثنا زياد بن عبد اللّه البكَّائي ، عن ابن إسحاق ، وقد سمى ابنُ إسحاق الرجلَ.
قال ابن إسحاق : فقال قد سمعتُ ما تقول منذ اليوم يا ابنَ سمية، واللّه إني لأراني سأعرض هذه العصا لأنفك.
قال : وفى يده عصا.
قال : فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
ثم قال : ما لهم ولعمار، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار، إن عماراً جِلْدَة ما بين عينىَّ وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يُستبق فاجتنبوه.
قال ابن هشام : وذكر سفيان بن عيينة عن زكريا، عن الشعبى،
قال : إن أول من بنى مسجداً عمار بن ياسر.
قال ابن
إسحاق : فأقام رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم في بيت أبي أيوب ، حتى
بُنى له مسجده ومساكنُهُ ، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب رحمة اللّه عليه و رضوانه.
من أدب
أبيِ أيوب :
قال ابن
إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن مَرْثد بن عبد اللّه
اليَزَني عن أبي رُهْم السَّماعي
قال : حدثني أبو أيوب ،
قال : لما نزل عليَّ رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم في بيتى، نزل في السُّفْل وإنا وأم أيوب في
العُلو، فقلت له : يا نبي اللّه ، بأبى أنت وأمى، إنى لأكره وأعظم أنأكون فوقك ،
وتكون تحتى، فأظهر أنت فكن في العُلْوِ، وننزل نحن فنكون فِي السُّفْل.
فقال : يا أبا أيوب ، إن أرفق بنا وبمن يغشانا، أن نَكون في سُفْل
البيت.
قال : فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سُفله ، وكنا فوقه في المسكن ، فقد انكسر حب لنا فيه
ماء فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها، نكشف بها الماء، تخوّفاً أن
يقطر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منه شىء فيؤذيه.
قال : وكنا نصنع له العشاء، ثم نبعث إليه ، فإذا رد علينا فضلَه تيممت أنا وأم أيوب موضع
يدَه ، فأكلنا منه نبتغى بذلك البركةَ، حتى بعثنا إليه ليلة بعَشائه وقد جعلنا له
بصلاً أو ثَوْماً، فرده رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم، ولم أر ليده فيه أثراً.
قال : فجئته فزعاً،
فقلت : يا رسول اللّه بأبى أنت وأمي ، رددت عَشاءَك ، لم أر فيه
موضعَ يدك ، وكنت إذا رددته علينا، تيممت أنا وأم أيوب موضعَ يدك ، نبتغي بذلك
البركة،
قال : إني وجدت فيه ريح هذه الشجرة، وأنا رجل أناجى؟ فأما أنتم
فكلوه ، فأكلناه ، ولم نصنع له تلك الشجرة بعدُ.
قال ابن
إسحاق : وتلاحق المهاجرون إلى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلم يبق
بمكة منهم أحد، إلا مفتون أو محبوس ، ولم يوعب أهل هجرة مكة بأهليهم وأموالهم إلى اللّه تبارك وتعالى
وإلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا أهل دور مُسَمَّوْن : بنو مظعون من بني جُمَح ، وبنو جحش بن رِئاب ،
حلفاء بني أمية، وبنو البُكَير، من بني سعد بن لَيْث ، حلفاء بني عدي بن كعب ، فإن
دورَهم غُلقت بمكة هجرةً، ليس فيها ساكن.
أبو سفيان
يعتدي على دار بني جحش
ولما خرج بنو جَحْش بن رِئاب من دارهم. عدا عليها أبو سفيان بن حرب ،
فباعها من عمرو بن علقمة، أخي بنى عامر بن لؤى، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان
بدارهم ، ذكر ذلك عبد اللّه بن جحش لرسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا ترضى يا عبد اللّه أن يعطيك اللّه بها داراً خيراً
منها في الجنة؟
قال : بلى؟
قال : فذلك لك.
فلما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة، كلمه أبو أحمد في دارِهم ، فأبطأ عليه رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال الناس
لأبي أحمد : يا أبا أحمد، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في اللّه عز
وجل ، فأمسك عن كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وقال لأبى سفيان :
أبلغْ أبا سُفيانَ عـــن أمر عواقبه ندامهْ
دارَ ابنِ عمِّك بعتَهــا تقضي بها عنك
الغرامهْ
وحليفُكم باللّه ربّ الناسِ مجتهد القَسَامَهْ
اذهبْ بها، اذهبْ بها طُوِّقْتَها طَوْقَ
الحمامهْ
من بقي
على شركه من أهل المدينة
قال ابن
إسحاق : فأقام رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة إذ قَدِمها شهرَ
ربيع الأول ، إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بُنى له فيها مسجدُه ومساكنهُ ،
واستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم
أهلُها، إلا ما كان من خَطْمة، وواقف ، ووائل ، وأمية، وتلك أوس اللّه ، وهم حى من
الأوس ، فإنهم أقاموا على شركهم.
وكانت أول خطبة خطبها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن - نعوذ باللّه أن نقول على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما لم يقل - أنه قام فيهم ، فحمِد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ،
ثم قال :
أما بعد، أيها الناس ، فقدِّموا لأنفسكم. تَعَلَّمنُ واللّه ليُصْعَقَنَّ أحدُكم ثم لَيَدَعَنَّ غنمَه ليس لها راعٍ ، ثم ليقولنَّ له ربُّه وليس له تَرجمان ولا حاجب يحجبه دونه : ألم يأتك رسولي فبلَّغك ، وآتيتك مالاً وأفضلت عليك ؟ فما قدمت لنفسك ؟ فلينظرن يمينا وشمالاً فلا يرى شيئاً، ثم لينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بِشِق من تمرة فليفعل ، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تُجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف ، والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.
قال ابن إسحاق : ثم خطب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناس مرةً أخرى،
فقال : إنَّ الحمدَ للّه ، أحمدُهُ وأستعينه ، نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضلل فلا هاديَ له ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له إن أحسنَ الحديثَ كتاب اللّه تبارك وتعالى، قد أفلح من زينه اللّه في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحسنُ الحديث وأبلغهُ ، أحبوا ما أحب اللّه ، أحبوا اللّه من كل قلوبكم ، ولا تملُّوا كلامَ اللّه وذِكْرَه ، ولا تَقْسُ عنه قلوبُكم ، فإنه من كل ما يخلق اللّه يختار ويصطفى ، وقد سماه اللّه خِيرته من الأعمال ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث ، ومن كل ما أوتى الناس الحلال والحرام ، فاعبدوا اللّه ولا تُشركوا به شيئاً، واتقوه حق تقاته ، وأصدقوا اللّه صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابُّوا بروح اللّه بينكم إن اللّه يغضب أن يُنْكَسَ عهدُهُ ، والسلام عليكم.
قال ابن
إسحاق : وكتب رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم كتاباً بين المهاجرين
والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم ، وأقرَّهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم ، واشترط عليهم :
بسم اللّه الرحمن
الرحيم ،
هذا كتاب من محمد الني
صلى اللّه عليه وسلم بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ، ومن تبعهم ، فلحق بهم
، وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ،
المهاجرون من قريش على
رِبْعَتِهم يتعاقلون بينهم ، وهم يَفدون عَانيهم بالمعروف والقِسط بين المؤمنين.
وبنو عوف على رِبْعتهم
يتعاقلون معاقِلَهم الأولى، كل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
وبنو ساعدة على
رِبْعَتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى وكل طائفة منهم تَفْدي عانيها بالمعروف والقسط
بين المؤمنين ،
وبنو الحارث على
رِبْعتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفدي عانيها بالمعروف والقسط بين
المؤمنين ،
وبنو جُشَم على
رِبْعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تَفْدي عانيها بالمعروف والقسط
بين المؤمنين ،
وبنو النجار على
رِبْعَتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة منهم تَفْدِي عانيها بالمعروف
والقسط بين المؤمنين ،
وبنو عَمْرو بن عَوْف
على رِبْعَتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفْدي عانيها بالمعروف والقسط
بين المؤمنين ،
وبنو النَّبِيت على
رِبْعتهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكل طائفة تَفْدى عانيها بالمعروف والقسط بين
المؤمنين ،
وبنو الأوْس على رِبْعتهم
يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة منهم تفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين
المؤمنين ،
وإن المؤمنين لا يتركون
مُفْرَحاً بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فِداء أو عقل.
قال ابن
هشام
: المفْرَح : المثقَّل بالدَّيْن والكثير العيال. قال الشاعر :
إذا أنت لم تبرح تؤدي
أمانةً وتحملُ أخرى أفرَحَتْك الودائعُ
وأن لا يحالف مؤمنٌ
مولى مؤمن دونَه وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ظُلم ، أو
إثم ، أو عدوان ، أو فساد بين المؤمنين وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان وَلدَ
أحدهم ، ولا يَقتلُ مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصرُ كافراً على مؤمن وإن ذمة اللّه
واحدة يُجير عليهم أدناهم وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وإنه من تبعنا
من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم وإنَّ سِلْمَ
المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمنٍ في قتال في سبيل اللّه ، إلا على سواء
وعدل بينهم وإن كل غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضاً وإن المؤمنين يُبيء بعضهم على
بعض بما نال دماءَهم في سبيل اللّه ، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هَدْي وأقومه ، وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا
يحول دونه على مؤمن وإنه من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بَينة فإنه قود به إلا أن يرضى
ولىُّ المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه وإنه لا يحل
لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن باللّه واليوم الآخر، أن ينصر مُحْدِثاً ولا
يؤويه ، وأنه من نصره أو أواه ، فإن عليه لعنة اللّه وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ
منه صرف ولا عدل ، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء ، فإن مردَّه إلى اللّه عز وجل ،
وإلى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين
، وإن يهودَ بني عَوْف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم مواليهم
وأنفسهم ، إلا من ظَلم وأثِم ، فإنه لا يُوتِغ إلا نفسَه ، وأهلَ بيته ، وإن ليهود
بنى النجار مثل ما ليهود بنى عَوْف ، وإن ليهود بنى الحارث مثل ما ليهود بنى عَوْف
، وإن ليهود بنى ساعدة مثل ما ليهود بني عَوْف ، وإن ليهود بنى جُشَم مثل ما ليهود
بني عَوْف ، وإن ليهود بنى الأوْس مثل ما ليهود بنى عَوْف ، وإن ليهود بنى ثَعْلبة
مثل ما ليهود بنى عَوْف ، إلا من ظَلم وأثِم ، فإنه لا يُوتغ إلا نفسه وأهل بيته ،
وإن جَفْنةَ بطن من ثعلبة كأنفسهم ، وإن لبنى الشُّطَيْبة مثل ما ليهود بنى عَوْف
، وإن البر دون الإثم وإن موالى ثعلبة كأنفسهم ، وإن بطانة يهود كأنفسهم ، وإنه لا
يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى اللّه عليه وسلم، وإنه لا ينحجز على نار جُرْح ،
وإنه من فتك فبنفسه فتك ، وأهل بيته ، إلا من ظلم ، وإن اللّه على أبر هذا وإن على
اليهود نفقتَهم وعلى المسلمين نفقتَهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه
الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإِثم ، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه
وإن النصر للمظلوم وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يثرب
حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة وإن الجار كالنفس غير مُضار ولا أثم ، وإنه لا تُجار
حُرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف
فساده ، فإن مردَّه إلى اللّه عز وجل ، وإلى محمد رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وإن اللّه على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه
وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم يثرب ، وإذا دُعوا
إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، وإنهم إذا دُعوا إلى مثل
ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم في جانبهم
الذي قِبَلهم وإن يهود الأوس ، مواليهم وأنفسهم ، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع
البر المحض من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن
هشام
:
ويقال : مع البر
المحسن من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن
إسحاق
: وإن البر دون الإثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ، وإن اللّه على أصدق ما في هذه
الصحيفة وأبره وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وإثم ، وأنه من خرج آمن ومن قعد
آمن بالمدينة، إلا من ظَلم أو أثِم ، وان اللّه جار لمن بَرَّ واتقى، ومحمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.