ففي هؤلاء من أحبار يهود، والمنافقين من الأوس والخزرج ، نزل صدرُ سورةِ البقرة إلى المئة منها - فيما بلغني - واللّه أعلم.

يقول اللّه سبحانَه وبحمده : { الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: ١،٢] أي لا شك فيه.

قال ابن هشام : قال ساعدة بن جُؤيَة الهُذَلى :

فقالوا عَهِدْنا القومَ قد حَصَروا بـه   فلا رَيْبَ أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ

وهذا البيت في قصيدة له ، والريب أيضاً : الريبة. قال خالد بن

زُهير الهُذلي :

كأننى أرِيبُة بريْب

قال ابن هشام : ومنهم من يرويه :

كأننى أربته بريْب

وهذا البيت في أبيات له. وهو ابن أخى أبي ذُؤيْب الهُذَلي.

{ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} أي الذين يحذرون من اللّه عقوبتَه في تَرْك ما يعرفون من الهدَى، ويرجون رحمتَه بالتصديق بما جاءهم منه {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: ٣] أي يقيمون الصلاةَ بفرْضِها، ويؤتون الزكاة احتساباً لها { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } [البقرة :٤] ، أي يصدقونك بما جئت به من اللّه عز وجل ، وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين ، لا يفرقون بينهم ، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } [البقرة: ٤] أي بالبعثِ والقيامةِ والجنةِ والنارِ والحسابِ والميزانِ أي هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما كان من قبلك ، وبما جاءك من ربك { أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } أي على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } [البقرة: ٥] أي الذين أدركوا ما طلبوا ونَجَوْا من شرِّ ما منه هربوا. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي بما أنزل إليك ، وإن قالوا إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [البقرة: ٦] ، أي أنهم كفروا بما عندهم من ذكرك ، وجحدوا ما أخذ عليهم الميثاق لك ، فقد كفروا بما جاءك ، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يستمعون منك إنذاراً أو تحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك. { خَتَمَ اللّه عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ { عن الهدَى أن يصيبوه أبدا، يعني بما كذبوك به من الحق الذي جاءك من ربِّك حتى يؤمنوا به ، وإن آمنوا بكلِّ ما كان قبلك {وَلَهُمْ { بما هم عليه من خلافك {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: ٧].

فهذا في الأحْبار من يهود، فيما كذبوا به من الحقِّ بعدَ معرفته.

{وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّه وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يعنى المنافقين من الأوس والخزرج ، ومن كان على أمرهم {يُخَادِعُونَ اللّه وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة:٩، ١٠] أي شك { فَزَادَهُمْ اللّه مَرَضًا } أي شكا {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } [البقرة: ١٠،١١] أي إنما نريد الإصلاحَ بين الفريقين : من المؤمنين وأهل الكتاب ، يقول اللّه تعالى { أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ } [البقرة: ١٢-١٤] من يهود، الذين يأمرونهم بالتكذيب بالحق ، وخلاف ما جاء به الرسول {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } أي إنا على مثل ما أنتم عليه. { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } : أي إنما نستهزئ بالقوم ، ونلعب بهم ، يقول اللّه عز وجل : { اللّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } [البقرة: ١٥].

قال ابن هشام : يَعْمَهون : يحارون تقول العرب : رجل عَمة وعامه: أي حيران ، قال رُؤبة بن العَجاج يصف بلداً :

أعْمى الهُدى بالجاهلين العُمَّه

وهذا البيت في أرجوزة له. فالعُمَّه : جمع عامه :

وأما عَمِه : فجمعه : عَمِهون. والمرأة : عَمِهة وعَمْهاء.

{ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} أي الكفر بالإيمان { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}.

قال ابن إسحاق : ثم ضرب لهم مثلاً فقال تعالى :{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: ١٧] أي لا يُبصرون الحقَّ ويقولون به حتى ، إذا خرجوا به من ظلمةِ الكفر أطفئوه بكفرِهم به ونفاقهم فيه ، فتركهم اللّه في ظلمات الكفر فهم لا يبصرون هُدًى، ولا يستقيمون على حق {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } [البقرة: ١٨] أي لا يرجعون إلى الهُدَى، صُم بكم عُمى عن الخير، لا يرجعون إلى خير، ولا يصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللّه مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ }.[البقرة: ١٩]

قال ابن هشام : الصَيِّب : المطهر، وهو من صاب يصوب ، مثل قولهم : السيِّد، من سادَ يسود، والميت : من مات يموت ، وجمعه صيائِب. قالَ عَلْقمة بن عَبَدَة، أحد بنى ربيعة بن مالك بن زيد مَناة ابن تميم :

كأنهمُ صابت عليهم سحابـة   صواعقُها لطيرِهنَّ دَبيبُ

وفيها :

فلا تَعْدِلي بينى وبين مُغَمَّر   سَقَتْكَ رَوَايا المُزْنِ حيثُ تَصوبُ

وهذان البيتان في قصيدة له.

قال ابن إسحاق : أي هم من ظلمة ما هم فيه من الكفر والحذَر من القتل من الذي هم عليه من الخلاف والتخوف لكم ، على مثل ما وُصف. من الذي هو في ظُلمة الصَّيْب. يجعل أصابعَه في أذنيه من الصواعق حَذَرَ الموت. يقول : واللّه مُنْزِل ذلك بهم من النَّقْمة. أي هو محيط بالكافرين { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي لشدة ضوء الحق { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أي يعرفون الحق ويتكلمون به. فهم من قولهم به على استقامة فإذا ارتكسوا منه في الكفر قاموا متحيرين { وَلَوْ شَاءَ اللّه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } أي لما تركوا من الحق بعد معرفته { إنَ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: ٢٠] ثم

قال :{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ { للفريقين جميعاً : من

الكفار والمنافقين. أي وحِّدوا ربّكم { الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للّه أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة: ٢١،٢٢]

قال ابن هشام : الأندادُ : الأمثالُ : واحدهم نِد. قال لَبيد بن ربيعة :

أحْمَدُ اللّه فلا نِدَّ لــــه   بيديْه الخيرُ ما شاء فَعَلْ

وهذا البيت في قصيدة له.

قال ابن إسحاق : أي لا تُشركوا باللّه غيرَه من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا ربَّ لكم يرزقكم غيره ، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك لا فيه. { وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا  } أي في شك مما جاءكم { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّه {، أي من استطعتم من أعوانكم على ما أنتم عليه { كُنتُمْ إِنْ صَادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [البقرة: ٢٣،٢٤] أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.

ثم رغَّبهم وحذَّرهم نقضَ الميثاق الذي أخذ عليهم لنبيه صلى اللّه عليه وسلم إذا جاءهم وذكر لهم بدء خلقهم حين خلقهم ، وشأن أبيهم آدم عليه السلام وأمره ، وكيف صنع به في خالف عن طاعته ،

ثم قال : { يَابَنِي إِسْرَائِيلَ { للأحبار من يهود { اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي بلائى عندكم وعند ابائكم ، لما كان نجاهم به من فرعون وقومه { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي { الذي أخذتُ في أعناقكم لنبيي أحمد، إذا جاءكم { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ { أنجز لكم ما وعدتكم على تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } أي : أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره. { وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ { وعندكم من العلم فيه ما ليس عند غيركم { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ* وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [البقرة:٤١،٤٢] أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولى ومما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة:٤٤]، أي أتنْهوْن الناسَ عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وتتركون أنفسكم ، أي وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي ، وتنقضون ميثاقي ، وتجحدون ما تعلمون من كتابي.

ثم عدَّد عليهم أحداثهم ، فذكر لهم العجل وما صنعوا فيه ، وتوبته عليهم ، وإقالته إياهم ، ثم قولهم : { أَرِنَا اللّه جَهْرَةً } [النساء: ١٥٣]

قال ابن هشام : جهرة، أى ظاهراً لنا لا شىء يستره عنا. قال أبو الأخْزَر الحَمانىُّ واسمه قتيبة :

يجهر أجوافَ المياه السَّدُم

وهذا البيت في أرجوزة له.

يجهر : يقول : يظهر الماء، ويكشف عنه ما يستره من الرمل وغيره.

قال ابن إسحاق : وأخْذَ الصاعقة إياهم عند ذلك لغرّتهم ، ثم إحياءَه إياهم بعد موتهم وتظليله عليهم الغمام ، وإنزاله عليهم المن والسلوى، وقوله لهم :{ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ } [البقرة:٥٨] أي قولوا ما أمركم به أحطّ به ذنوبَكم عنكم ، وتبديلهم ذلك من قوله استهزاءً بأمره ، وإقالته إياهم ذلك بعد هُزْئهم.

قال ابن هشام : المنُّ شيء كان يسقط في السَّحَر على شجرهم ، فَيَجْتَنونه حُلواً مثل العسل فيشربونه ويأكلونه. قال أعشَى بني قَيْس ابن ثَعْلبة :

لو أطعِموا المنَّ والسلْوَى مكانَهُمُ  ما أبصر الناسُ طُعْماً فيهمُ نَجَعَا

وهذا البيت في قصيدة له ، والسّلْوى : طير واحدتها : سَلْواة

ويقال : إنها السُّمَانى ، ويقال للعسل أيضاً : السَّلْوى. وقال خالد بن زُهير الهُذَلي :

وقاسَمَها باللّه حقّا لأنتــم   ألذ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها

وهذا البيت في قَصيدة له وحِطَّة : أي حُطَّ عنا ذنوبَنا.

قال ابن إسحاق : وكان من تبديلهم ذلك كما حدثني صالح بن كَيْسان عن صالح مولى التَّوْءَمة بنت أمية بن خلف ، عن أبي هريرة ومن لا أتهم ، عن ابن عباس ، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

قال : دخلوا الباب الذي أمروا أن يدخلوا منه سُجَّداً يزحفون ، وهم يقولون حِنْط في شعير.

قال ابن هشام : ويروى : حنطة في شعيرة.

قال ابن إسحاق : واستسقاءَ موسى لقومهِ ، وأمرَه إِياه أن يضربَ بعصاه الحجرَ، فانفجرت لهم منه اثنتا عشرة عينا، لكل سِبْط عين يشربون منها، قد عَلم كُلُّ سِبْط عينَه التي منها يشرب ، وقولهم لموسى عليه السلام :{ لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا } [البقرة:٦٠]

قال ابن هشام : الفوم : الحنطة. قال أمية بن أبي الصَّلت الثقفى :

فوقَ شِيزَى مثل الجوابي عليها   قِطَعٌ كالوَذِيلِ في نِقْىِ فُومِ

قال ابن هشام : الوذيل : قطع الفضة، والفوم : القمح ، واحدته : فومة. وهذا البيت في قصيدة له.

{ وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ }.

قال ابن إسحاق : فلم يفعلوا، ورفْعه الطور فوقَهم ليأخذوا ما أوتوا، والمسخ الذي كان فيهم ، إذ جعلهم قردةً بإحْداثهم ، والبقرة التي أراهم اللّه عز وجل بها العبرة في القتيل الذي اختلفوا فيه ، حتى بيَّن اللّه لهم أمره ، بعد التردد على موسى عليه السلام في صفة البقرة، وقسوة قلوبهم بعد ذلك حتى كانت كالحجارة أو أشد قسوة،

ثم قال تعالى : {وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّه } أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق {وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }.

ثم قال لمحمد عليه الصلاة والسلام ولمن معه من المؤمنين يؤْيسهم منهم { أَفَتَطْمَعونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللّه ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [البقرة: ٧٥]. وليس قوله " يسمعون التوراةَ " أنّ كلهم قد سمعها، ولكنه فريق منهم ، أي خاصة.

قال ابن إسحاق : فيما بلغنى عن بعض أهل العلم : قالوا لموسى :

يا موسى، قد حيل بينَنا وبين رؤية اللّه ، فأسمعنا كلامَه حين يكلمك ، فطلب ذلك موسى عليه السلام من ربه ،

فقال له : نعم مرهم فليطَّهروا، أو ليطهروا ثيابَهم ، وليصوموا، ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتى بهم الطورَ فلما غشيهم الغمامُ أمرهم موسى فوقعوا سُجّداً وكلمه ربه ، فسمعوا كلامه تبارك وتعالى، يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلما جاءهم حرَّف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا، حين قال موسى لبنى إسرائيل : إن اللّه قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذي ذكر اللّه عز وجل : إنما قال كذا وكذا، خلافاً لما قال اللّه لهم ، فهم الذين عنى اللّه عز وجل لرسوله صلى اللّه عليه وسلم.

ثم قال تعالى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا }، أي بصاحبكم رسول اللّه ، ولكنه إليكم خاصة،{ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا }: لا تحدثوا العرب بهذا، فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم ، فكان فيهم

فأنزل اللّه عز وجل فيهم : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللّه عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } [البقرة: ٧٦] أي تقرون بأنه نبى، وقد عرفتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه ، وهو يخبركم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا لهم به ، يقول اللّه عز وجل : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّه يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ* وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ }.[البقرة:٧٧،٧٨]

قال ابن هشام ، عن أبي عُبَيْدة : إلا أمانيّ ، إلا قراءة، لأن الأمى : الذي يقرأ ولا يكتب. يقول : لا يعلمون الكتاب ، إلا أنهم يقرءونه.

قال ابن هشام : عن أبي عُبيدة ويونس ، أنهما تأولا ذلك عن العرب في قول اللّه عز وجل ، حدثني أبو عُبَيدة بذلك.

قال ابن هشام : وحدثني يونس بن حبيب النحويُّ وأبو عُبَيدة :

أن العرب تقول : تمنَّى، في معنى قرأ. وفى كتاب اللّه تبارك وتعالى:

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } [الحج: ٨٢]

قال : وأنشدنى أبو عُبَيْدة النحوي :

تمنَّى كتابَ اللّه أولَ ليلــــهِ   وآخرَهُ وافى حِمامُ المقادِرِ

وأنشدنى أيضاً :

تمنَّى كتابَ اللّه في الليلِ خالياً   تَمنِّيَ داودَ الزَّبورَ على رِسْلِ

وواحدة الأماني : أمنيَّة. والأمانى أيضاً : أن يتمنى الرجلُ المالَ

أو غيرَه.

قال ابن إسحاق : { وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }: أي لا يعلمون الكتاب ولا يدرون ما فيه ، وهم يجحدون نبوتك بالظن.{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللّه عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّه مَا لَا تَعْلَمُونَ }.[البقرة: ٨٠]

ما ادعاه يهود في عذاب الآخرة

قال ابن إسحاق : وحدثني

مولى لزيد بن ثابت عن عِكْرمة، أو عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس ،

قال : قَدِمَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، واليهود تقول : إنما مدة الدنيا سبعةُ الاف سنة، وإنما يُعذب اللّه الناسَ في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار من أيامِ الآخرة، وإنما هي سبعة أيام ثم ينقطع العذاب.

فأنزل اللّه في ذلك من قولهم :{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللّه عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللّه عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّه مَا لَا تَعْلَمُونَ* بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } [البقرة: ٨٠،٨١]. أي من عمل بمثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، يحيط كفره بما له عند اللّه من حسنة { فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي خُلْد أبداً { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [البقرة: ٨٢] أي من آمن بما كفرتم به ، وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً، لا انقطاع له.

قال ابن إسحاق :

ثم قال اللّه عز وجل يؤنبهم :{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } ، أي ميثاقكم { لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّه وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ }، أي تركتم ذلك كله ليس بالتنقص { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } [البقرة: ٨٤]

قال ابن هشام : تسفكون : تصبُّون. تقول العرب : سَفك دمَه ، أي صبَّه وسفك الزق أي هراقه. قال الشاعر :

وكنا إذا ما الضيفُ حَلَّ بأرضِنا   سفكنا دماءَ البُدْنِ في تُرْبةِ الحالِ

قال ابن هشام : يعنى " بالحال " : الطين الذي يخالطه الرمل ، وهو الذي تقول له العرب : السَّهلة. وقد جاء في الحديث : أن جبريل لما قال فرعونُ :{ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ } [يونس: ٩٠] أخذ من حال البحر وحَمْأته ، فضرب به وجه فرعون. والحال : مثل الحمأ".

قال ابن إسحاق : { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }. على أن هذا حق من ميثاقى عليكمَ : { ثم أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [البقرة:٨٥] : أي أهل الشرك : حتى يُسفكوا دماءَهم معهم ، ويخرجوهم من ديارهم معهم.{ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ } وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ }: في كتابكم { إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }، أي أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفاراً بذلك { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ }.[البقرة:٨٥،٨٦] فأنبهم اللّه عز وجل بذلك من فعلهم ، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفكَ دمائِهم. وافترض عليهم فيها فداء أسراهم.

فكانوا فريقين ، منهم بنو قَيْنقاع ولَفُّهم ، حلفاء الخزرج والنضير وقريظة ولَفُّهم ، حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب ، خرجت بنو قَيْنقاع مع الخزرج وخرجت النضير وقريظة مع الأوس يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا. دماءهم بينهم ، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم ، والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان. لا يعرفون جنةً ولا ناراً، ولا بَعْثاً ولا قيامة، ولا كتاباً، ولا حلالاً ولا حراماً، فإذا وَضعت الحرب أوزارَها افتدوا أساراهم تصديقاً لما في التوراة، وأخذَ به بعضُهم من بعضٍ ، يفتدي بنو قينقاع من كان من أسراهم في أيدي الأوس وتفتدي النضير وقريْظة ما في أيدي الخزرج منهم. ويُطِلُّون ما أصابوا من الدماء، وقَتْلى من قُتلوا منهم فيما بينهم ، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول اللّه تعالى لهم حين أنبهم بذلك : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }، أي تفاديه بحكم التوراة وتقتله ، وفى حكم التوراة  أن لا تفعل ، تقتله وتُخرجه من داره وتُظاهر عليه من يُشركُ باللّه ، ويعبد الأوثان من دونه ، ابتغاء عَرَض الدنيا. ففى ذلك من فعلِهم مع الأوْس والخزرج - فيما بلغنى - نزلت هذه القصة.

ثم قال تعالى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ } أي الآيات التي وُضعت على يديه ، من إحياء الموتى، وخلْقهِ من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه ، وإبراء الأسقام ، والخبر بكثير من الغيوب : مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة مع الإِنجيل ، الذي أحدث اللّه إليه. ثم ذكر كفرَهم بذلك كله ،

فقال :{ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ }،

ثم قال تعالى : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ } : في أكِنَّة. يقول عز وجل : { بَلْ لَعَنَهُمْ اللّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّه عَلَى الْكَافِرِينَ }.[البقرة: ٨٩]

قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عُمر بن قتادة عن أشياخ من قومه ،

قال : قالوا : فينا واللّه وفيهم نزلت هذه القصة، كنا قد عَلَوْناهم ظَهْراً في الجاهلية ونحن أهل الشرك وهم أهل كتاب فكانوا يقولون لنا : إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه قد أظَلَّ زمانهُ ، نقتلكم معه قتلَ عادٍ وإرَم. فلما بعث اللّه رسولَه صلى اللّه عليه وسلم من قريش فاتبعناه كفروا به يقول اللّه : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّه عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللّه بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللّه مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } أي أن جعله في غيرهم { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ }.[البقرة: ٨٩،٩٠]

قال ابن هشام : فباءوا بغضب : أي اعترفوا به واحتملوه. قال

أعْشَى بنى قَيْس بن ثَعْلبة :

أصالحُكم حتى تبوءوا بمِثلها   كصرْخَةِ حُبْلَى يَسَّرَتْها قبيلُها

قال ابن هشام : يسرتها. أجلستها للولادة. وهذا البيت في قصيدة له.

قال ابن إسحاق : فالغضب على الغضب ، لغضبه عليهم فيما كانوا ضيَّعوا من التوراة، وهى معهم ، وغضب بكفرهم بهذا الني صلى اللّه عليه وسلم الذي أحدث اللّه إليهم.

ثم أنَّبهم برفع الطور عليهم ، واتخاذهم العجلَ إلهاً دون ربِّهم ، يقول اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم: { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللّه خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ }، [البقرة: ٩٤] أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب عند اللّه ، فأبَوْا ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. يقول اللّه جل ثناؤه لنبيه عليه الصلاة والسلام :{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } ، أي بعلمهم بما عندهم من العلم بك ، والكفر بذلك فيقال لو تمنوه يوم قال ذلك لهم ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات. ثم ذكر رغبتهم في الحياة الدنيا وطول العمر، فقال تعالى { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ } اليهود { وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ } [البقرة: ٩٦]، أي ما هو بمنجيه من العذاب ، وذلك أن المشركَ لا يرجو بعثاً بعدَ الموت ، فهو يحب طولَ الحياة، وأن اليهوديَّ قد عرف ما له في الآخرة من الخِزْي بما ضَيَّع مما عنده من العلم.

ثم قال تعالى :{ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه } [البقرة:٩٧].

سؤال اليهود الرسول ، وإجابته

قال ابن إسحاق : حدثني عبد اللّه بنُ عبد الرحمن بن أبي حُسَيْن المَكِّى، عن شَهْر بن حَوْشَب الأشْعَري ، أن نفراً من أحبار يهود جاءوا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقالوا : يا محمدُ، أخبرنا عن أربعٍ نسألك عنهنَّ ، فإن فعلتَ ذلك اتبعناك وصدقناك ، وآمنا بك.

قال : فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم:عليكم بذلك عهدُ اللّه وميثاقُه لئن أنا أخبرتُكم بذلك لتصدِّقُنَّنِى، قالوا : نعم ،

قال : فاسئلوا عما بَدَا لكم. قالوا : فأخبرنا كيف يشبه الولدُ أمَّه ، وإنما النطفة من الرجل ؟

قال : فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنشدكم باللّه وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه ! قالوا : اللّهم نعم.

قالوا: فأخْبرنا كيف نومُك ؟

فقال : أنشدكم باللّه وبأيامه عند بنى إسرائيل هل تعلمون أن نومَ الذي تزعمون أنى لستُ به تنام عينه وقلبه يقظان ؟

فقالوا : اللّهم نعم

قال : فكذلك نومى؟ تنام عيني وقلبي يقظان.

قالوا : فأخبرنا عما حرَّم إسرائيلُ على نفسه ؟

قال : أنشدكم باللّه وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه كان أحَبَّ الطعام والشراب إليه ألبانُ الإِبل ولحوما وأنه اشتكى شكوى فعافاه اللّه منها فحرَّم على نفسه أحبّ الطعام والشراب إليه شكراً للّه فحرم على نفسه لحومَ الإِبل وألبانها؟ قالوا : اللّهم نعم.

قالوا : فأخبرنا عن الروح ؟

قال : أنشدكم باللّه وبأيامِهِ عند بني إسرائيل ، هل تعلمونه جبريلَ ، وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : اللّهم نعم ، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك ، إنما يأتى بالشدة وبسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك ،

قال :

فأنزل اللّه عز وجل فيهم : { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }... إلى قوله تعالى :{ أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللّه وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ* وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أي السحر { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ }.[البقرة: ١٠٠ـ١٠٣] اليهود يُنكرون نبوة سليمان عليه السلام ورد اللّه عليهم :

قال ابن إسحاق : وذلك أن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغنى - لما في ذكر سليمان بن داود في المرْسَلين ، قال بعضُ أحب ارهم : ألا تعجبونمن محمد، يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًّا، واللّه ما كان إلا ساحراً.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } أي باتباعهم السحر وعملهم به { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ }.

قال ابن إسحاق : وحدثني بعض من لا أتهم عن عِكْرمة، عن ابن عباس ، أنه كان لِقول : الذي حرم إسرائيلُ على نفسه زائدتا الكَبْد ، والكُلْيتان والشحْم ، إلا ما كان على الظَّهْر، فإن ذلك كان يُقَرَّب للقربان ، فتأكله النار.

كتابه صلى اللّه عليه وسلم إلى يهود خيبر

قال ابن إسحاق : وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى يهود خيبر، فيما حدثني مولَى زيد بن ثابت ، عن عِكْرمة أو عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس : بسم اللّه الرحمن الرحيم : من مُحمدٍ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، صاحبِ موسى وأخيه ، والمصدِّق لما جاء به موسى :ألا إن اللّه قد قال لكم يا معشرَ أهل التوراة، وإنكم لَتَجِدُون ذلك في كتابكم : { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّه وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللّه وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللّه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [الفتح: ٢٩].

وإني أنشدكم باللّه ، وأنشدكم بما أنزل عليكم ، وأنشدكم بالذي أطْعم من كان قبلكم من أسباطكم المن والسلْوَى، وأنشدكم بالذي أيبس البحر لآبائكم حتى أنجاهم من فرعون وعمله ، إلاَّ أخبرتمونى : هل تجدون فيما أنزل اللّه عليكم أن تؤمنوا بمحمد؟ إن كنتم لا تجدون ذلك في كتابكم فلا كُرْه عليكم.{ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ } [البقرة: ٢٥٦] فأدعوكم إلى اللّه وإلى نبيه.

قال ابن هشام : شطؤه : فراخه وواحدته : شطأة. تقول العرب قد أشطأ الزرع ، إذا أخرج فراخَه. وأزَره : عاونه ، فصار الذي قبله مثلَ الأمهات. قال امرؤ القيس بن حُجْر الكِنْديُّ :

بِمَحْنيةٍ قد آزر الضَّالَ نَبتُها   مَجَرَّ جيوش غانمين وخُيَّب

وهذا البيت في قصيدة له. وقال حُمَيد بن مالك الأَرْقَط ، أحد بنى ربيعة بن مالك بن زَيْد مَناة:

زَرْعاً وقَضباً مُؤْزَرَ النباتِ

وهذا البيت في أرجوزة له ، وسوقه : جمع ساق ، لساق الشجرة.

ما نزل في أبي ياسر وأخيه :

قال ابن إسحاق : وكان ممن نزل فيه القرآن، بخاصة من الأحبار وكفار يهود، الذي كانوا يسألونه ويتعنتونه ليُلبسوا الحقَّ بالباطل - فيما ذُكر لي عن عبد اللّه بن عباس وجابر بن عبد اللّه بنِ رئاب - أن أبا ياسر بن أخْطَبَ مرَّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو يتلو فاتحة البقرة : { الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ } [البقرة: ١،٢] فأتى أخاه حُيَى بن أخطب في رجال من يهود،

فقال : تَعَلَّموا واللّه ، لقد سمعتُ محمداً يتلو فيما أنزل عليه ، { الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ }:

فقالوا : أنت سمعتَه ؟

فقال : نعم ، فمشى حُيى بن أخطب في أولئك النفر من يهود إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. فقالوا له : يا محمد، ألم يُذكر لنا أنك تتلو فيما أنزل إليك : { الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ }؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بَلَى قالوا : أجاءك به جبريل من عند اللّه ؟

فقال : نعم ،

قالوا: لقد بعث اللّه قبلكَ أنبياءَ، ما نعلمه بيَّن لنبى منهم ما مدة مُلكِهِ ، وما أكْل أمته غيرك ، فقال حُيِى بن أخطب ، وأقبل على من معه ،

فقال لهم : الألف واحدة، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين إنما مدة ملكه وأكْل أمته إحدى وسبعون سنة؟

ثم أقبل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقال : يا مُحمدُ، هل مع هذا غيره ؟

قال : نعم ،

قال : ماذا؟

قال : { المص }.[الأعراف: ١]

قال : هذه واللّه أثقل وأطول ، الألف واحدة واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ،فهذه إحدى وستون ومئة سنة. بخ هل مع هذا يا محمد غيره ؟

قال : نعم { الَر }

قال : هذه واللّه أثقل وأطول ، الألف واحدة، واللام ثلاثون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومئتان.

هل مع هذا غيره يا محمد؟

قال : نعم { المر }.

قال : هذه واللّه أثقلُ وأطول ، الألف واحدة، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مئتان ، فهذه إحدى وسبعون ومئتا سنة.

ثم قال : لقد لُبِّس علينا أمرُك يا محمد، حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً ؟ ثم قاموا عنه ، فقال أبو ياسر لأخيه حيى بن أخطب ولمن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جُمع هذا كلُّه لمحمد، إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ومئة، وإحدى وثلاثون ومئتان ، وإحدى وسبعون ومئتان ، فذلك سبع مئة وأربع وثلاثون سنة،

فقالوا : لقد تشابه علينا أمره. فيزعمون أن هؤلاء الايات نزلت فيه :{ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران: ٧]

قال ابن إسحاق : وقد سمعتُ من لا أتهم من أهل العلم يذكر :

إن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في أهل نجران ، حين قَدِموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم عليه السلام.

قال ابن إسحاق : وقد حدثني محمدُ بن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيْف ، أنه قد سمع : أن هؤلاء الآيات إنما أنزلن في نفر من يهود، ولم يفسر ذلك لى. فاللّه أعلم أي ذلك كان.

كفر اليهود بالإِسلام وما نزل في ذلك

قال ابن إسحاق : وكان فيما بلغني عن عِكْرِمة مولى ابن عباس ، أو عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس : أن يهودَ كانوا يستفتحون على الأوْس والخزرج برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل مبعثه ، فلما بعثه اللّه من العربِ كفروا به ، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. فقال لهم مُعاذ بن جبل ، وبِشر بن البراء بن معرور، أخو بنى سَلمة : يا معشر يهود، اتقوا اللّه وأسْلِموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك ، وتخبروننا أنه مبعوث ، وتصفونه لنا بصفته ، فقال سَلاَّم بن مِشْكَم ، أحد بنى النَّضِير: ما جاءنا بشىء نعرفه ، وما هو بالذي كنا نذكره لكم ؟

فأنزل اللّه في ذلك من قولهم : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّه مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّه عَلَى الْكَافِرِينَ } [البقرة: ٨٩].

و قال ابن إسحاق : وقال مالك بن الصَّيْف ، حين بُعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، - وذَكر لهم ما أخذ عليهم له من الميثاق ، وما عَهِد اللّه إليهم فيه : واللّه ما عُهِد إلينا في محمد عهدٌ وما أخذ له علينا من ميثاق ،

فأنزل اللّه فيه : { أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }.[البقرة: ١٠٠ ]

وقال أبو صَلُوبا الفَطْيُونى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا محمدُ ما جئتنا بشىءٍ نعرفه ، وما أنزل اللّه عليك من آية فنتبعك لها.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قوله : { وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ } [البقرة: ٩٩].

وقال رافع بن حُرَيْمِلة، ووهب بن زيد لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يا محمد، ائتنا بكتاب تُنزله علينا من السماء نقرؤه ، وفَجِّر لنا أنهاراً نتبعْك ونصدقْك ،

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما : { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلْ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ }.[البقرة: ١٠٨]

قال ابن هشام : سواء : وسط السبيل. قال حسان بن ثابت:

يا وَيْحَ أنصارِ الني ورهطـهِ   بعد المُغَيَّب في سَواءِ المُلْحَدِ

وهذا البيت في قصيدة له سأذكرها في موضعها إن شاء اللّه تعالى

قال ابن إسحاق : وكان حُيى بن أخطب وأخوه أبو ياسر بن أخطب من أشد يهودٍ للعرب حسداً، إذ خَصَّهم اللّه تعالى برسوله صلى اللّه عليه وسلم، وكانا جاهدَيْن في رَدِّ الناس بما استطاعا.

فأنزل اللّه تعالى فيهما : { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّه بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }.[البقرة: ١٠٩]

تنازع اليهود والنصارى عندَ الرسول صلى اللّه عليه وسلم

قال ابن إسحاق : ولما قَدِم أهلُ نجران من النصارى على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أتتهم أحبارُ يهود، فتنازعوا عندَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال رافع بن حُرَيْملة : ما أنتم على شىء وكفر بعيسى وبالإِنجيل ، فقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود : ما أنتم على شىء، وجحد نبوةَ موسى وكفر بالتوراة،

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم :{ وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّه يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [البقرة: ١١٣] أي كل يتلو في كتابه تصديقَ ما كفر به ، أي يكفر اليهودُ بعيسى، وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى عليه السلام بالتصديق بعيسى عليه السلام ، وفى الإِنجيل ما جاء به عيسى عليه السلام ، من تصديق موسى عليه السلام ، وما جاء به من التوراة من عند اللّه ، وكل يكْفُر بما في يد صاحبه.

قال ابن إسحاق : وقال رافع بن حُرَيْمِلة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: يا محمدُ، إن كنت رسولاً من اللّه كما تقول ، فقل للّه فليكلمنا حتى نسمعَ كلامَه.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قوله :{ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللّه أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }.[البقرة: ١١٨] وقال عبد اللّه بن صُوريا الأعور الفِطْيُوني لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ما الهُدَى إلا ما نحن عليه ، فاتبعنا يا محمد تَهْتَدِ، وقالت النصارى مثل ذلك.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قول عبد اللّه بن صُوريا وما قالت النصارى :{ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } [البقرة: ١٣٥] ثم القصة إلى قول اللّه تعالى: { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.[البقرة: ١٤١]

ما قالته اليهود عند صرف القبلة إلى الكعبة

قال ابن إسحاق : ولما صُرِفت القبلة عن الشام إلى الكعبة، وصُرفت في رجب على رأس سبعةَ عشرَ شهراً من مَقْدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، أتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم رفاعةُ بن قَيْس ، وقَرْدَم بن عَمرو، وكعب بن الأشْرف ، ورافع بن أبي رافع ، والحجاج بن عمرو، حليف كعب بن الأشرف ، والربيع بن الربيع بن أبي الحُقَيق ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق ،

فقالوا : يا محمد، ما ولاَّك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ؟ ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقْك ، وإنما يريدون بذلك فتنته عن دينه.

فأنزل اللّه تعالى فيهم :

{ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للّه الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ }. أي ابتلاء واختبار{ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّه } أي من الفتن : أي الذين ثبَّت اللّه{ وَمَا كَانَ اللّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ {، أي إيمانكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم ، واتباعكم إياه إلى القبلة الآخرة، وطاعتكم نبيكم فيها : أي ليعطينكم أجرهما جميعاً{ إِنَّ اللّه بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } [البقرة: ١٤٣].

ثم قال تعالى :{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }.[البقرة: ١٤٤]

قال ابن هشام : شطره : نحوَه وقصده. قال عُمر بن أحمر الباهلي -وباهلة بن يَعْصر بن سعد بن قَيْس بن عيلان -يصف ناقة له :

تعدو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهى عاقدةٌ  قد كارَبَ العَقْدُ من إيفادها الحَقَبا

وهذا البيت في قصيدة له.

وقال قَيْس بن خُوَيْلد الهُذَلي يصف ناقته :

إن النَّعوسَ بها داءٌ مُخامِرها فَشَطْرَها نظرُ العَيْنين مَحْسور

وهذا البيت في أبيات له.

قال ابن هشام : والنعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير، من قوله : { وَهُوَ حَسِيرٌ } [الملك: ٤].

{ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ* وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ } [البقرة: ١٤٤،١٤٥].

قال ابن إسحاق : إلى قوله تعالى : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ } [البقرة: ١٤٧]

كتمانهم ما في التوراة

وسأل معاذ بن جبل ، أخو بني سَلَمة، ثم وسعد بن معاذ، أخو بنى عبد الأشْهل وخارجة بن زَيْد، أخو بَلْحارث بن الخزرج ، نفراً من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم في إياه ، وأبوا أن يخبروهم عنه.

فأنزل اللّه تعالى فيهم : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللّه وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ } [البقرة: ١٥٩]

جوابهم النبي عليه السلام حين دعاهم إلى الإِسلام

قال : ودعا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم اليهودَ من أهل الكتاب إلى الإِسلام ورغبهم فيه ، وحذَّرهم عذاب اللّه ونقمته. فقال له رافع بن خَارجة، ومالك

ابن عَوْف : بل نتبع يا محمد ما وجدنا عليه اباءَنا، فهم كانوا أعلم وخيراً منا.

فأنزل اللّه عز وجل في ذلك من قولهما :{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّه قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ }.[البقرة: ١٧٠].

جمعهم في سوق بني قينقاع

ولما أصاب اللّه عز وجل قريشاً يَوْمَ بدر جمع رسُولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهودَ في سوق بنى قَيْنقاع ، حين قدم المدينة،

فقال : يا معشر يهود، أسْلِمُوا قبل أن يُصيبكم اللّه بمثل ما أصاب به قريشاً، فقالوا له : يا محمد، لايغرنَّك من نفسِك أنك قتلتَ نفراً من قريش، كانوا أغْماراً لا يعرفون القتال ،إنك واللّه لو قاتلتنا لعرفت أنا نحنُ الناسُ ، وأنك لم تَلْقَ مثلَنا،

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ* قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّه وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّه يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الْأَبْصَارِ }.[آل عمران: ١٢،١٣].

دخوله صلى اللّه عليه وسلم بيت المِدْرَاس

قال : ودخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بَيْتَ المِدْرَاس على جماعة من يهود، فدعاهم إلى اللّه فقال له النعمان بن عمرو، والحارث بن زيد : على أيّ دين أنت يا محمد؟

قال : على ملة إبراهيم ودينه قالا : فإن إبراهيم كان يهوديُّا، فقال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فهلُمَّ إلى التوراة، فهي بيننا وبينَكم ، فأبَيَا عليه.

فأنزل اللّه تعالى فيهما : { أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّه لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }.[آل عمران: ٢٣،٢٤].

تنازع اليهود والنصارى في إبراهيمَ عليه السلام

وقال أحبارُ يهودَ ونصارى نجران حين اجتمعوا عندَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتنازعوا فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا وقالت النصارى من أهل في نجران : ما كان إبراهيم إلا نَصْرانيا.

فأنزل اللّه عز وجل فيهم :{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ* هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللّه يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ* مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللّه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }.[آل عمران: ٦٥ـ٦٨].

ما نزل في إيمانهم غُدْوَة وكفرهم عَشِيًّا

وقال عبد اللّه ابن صَيْف ، وعَدِي بن زيد، والحارث بن عَوْف ، بعضُهم لبعض : تعالَوْا نؤمنُ بما أنزل على محمد وأصحابه غُدَوة، ونكفر به عشية، حتى نَلبس عليهم دينَهم لعلهم يصنعون كما نصنع ، ويرجعون عن دينه.

فأنزل اللّه تعالى فيهم : { يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ* وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّه أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ }.[آل عمران: ٧١ـ٧٣].

ما نزل في قول أبي رافع أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى

يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ وقال رجل من أهل نجران نصراني ، يقال له : الريِّس ، ويروى : الرُّبيِّس ، والرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال.

فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: معاذ اللّه أن أعبد غير اللّه أو آمر بعبادة غيره ، فما بذلك بعثنى اللّه ، ولا أمرنى أو كما قال.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّه الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّه وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ }... إلى قوله تعالى : { بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.[آل عمران: ٧٩ـ٨٠].

قال ابن هشام : الربانيون : العلماء الفقهاء السادة؟ واحدهم : رَبَّانى.

قال الشاعر :

لو كنتُ مُرتهِناً في القَوْس أفْتَنني   منها الكلامُ وربانىَّ أحبارِ

قال ابن هشام : القوس : صومعة الراهب. وأفتنني ، لغة تميم. وفتننى، لغة قيس.

قال جرير :

لا وَصْلَ إذ صَرمتْ هندٌ ولو وقفت  لاستنزلتنى وذا المِسْحَيْن في القَوْسِ

أي صومعة الراهب. والرباني : مشتق من الرب ، وهو السيد. وفي كتاب اللّه :{ فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا } [يوسف: ٤١] أي سيده.

قال ابن إسحاق :{ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران: ٨٠]

ما نزل في أخذ الميثاق عليهم

قال ابن إسحاق : ثم ذكر ما أخذ اللّه عليهم ، وعلى أنبيائهم من الميثاقِ بتصديقه إذ هو جاءهم ، وإقرارهم ،

فقال :{ وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ } [آل عمران: ٨٠] إلى آخر القصة.

سعيهم في الوقيعة بين الأنصار

قال ابن إسحاق : ومر شَأس ابن قيْس ، وكان شيخاً قد عسا ، عظيم الكفر شديد الضّغْن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الأوْس والخزرج ، في مجلس قد جمعهم ، يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية.

فقال : قد اجتمع ملأ بنى قَيْلة بهذه البلاد، واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.

فأمر فتى شاباً من يهود كان معهم ،

فقال : ، اعمدْ إليهم ، فاجلس معهم ، ثم اذكر يومَ بُعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار

يوم بعاث

وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه يومئذ للأوس على الخزرج ، وكان على الأوس يومئذ حُضَيْر بن سِماك الأشهلي : أبو أسَيْد بن حُضيْر؟ وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضى ، فقُتلا جميعاً.

قال ابن هشام : قال أبو قَيْس بن الأسلت :

على أنْ قد فُجِعْتُ بذي حِفــاظٍ    فعاودنى له حزن رَصينُ
فإما تقتلوه فإن عَمْــــــراً    أعَضَّ برأسِهِ عَضَبٌ سنين

وهذان البيتان في قصيدة له. وحديث يوم بُعاث أطول مما ذكرت ، وإنما منعني من استقصائه ما ذكرت من القطع.

قال ابن هشام : سنين ، مسنون ، من سَنَّه إذا شَحذَه.

قال ابن إسحاق : ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكب ، أوْس بن قَيْظِى، أحد بني حارثة بن الحارث ، من الأوْس ، وجَبَّار بن صَخْر، أحد بني سَلمة من الخزرج ، فتقاولا

ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جَذَعة، فغضب الفريقان جميعاً، وقالوا : قد فعلنا موعدكم الظاهرة - والظاهرة : الحرة - السلاحَ السلاحَ. فخرجوا إليها.

فبلغ ذلك رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم ،

فقال : يا معشر المسلمين ، اللّه اللّه ، أبدعْوى ، الجاهلية، وأنا بينَ أظهرِكم بعد أن هداكم اللّه للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به من قلوبكم ؟! فعرف القوم أنها نَزْغة من الشيطان ، وكيد من عدوهم ، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضاً، ثم انصرفوا مع رسول ،اللّه صلى اللّه عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ اللّه عنهم كَيْد عدو اللّه شَأس بن قيس.

فأنزل اللّه تعالى في شأس بن قيس وما صنع : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّه وَاللّه شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ* قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّه مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ([آل عمران: ٩٨،٩٩]  وأنزل اللّه في أوْس بن قَيْظي وجبار بن صخر ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا، عما أدخل عليهم شأس من أمر الجاهلية : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ* وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّه وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّه فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.[آل عمران: ١٠٠ـ١٠٢] .. إلى قوله تعالى : { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: ١٠٥].

ما نزل في قولهم : ما اتبع محمداً إلا شرارنا

قال ابن إسحاق : ولما أسلم عبدُ اللّه بن سلام وثعلبةُ بن سَعْية، وأسيد بن سعية، وأسد بن عُبَيد، ومن أسلم من يهود معهم ، فآمنوا وصدَّقوا ورغبوا في الإسلام ، ورسخوا فيه ، قالت أحبار يهود، أهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين ابائهم وذهبوا إلى غيره.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم : { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّه آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [آل عمران: ١١٣].

قال ابن هشام : آناء الليل : ساعات الليل : وواحدها : إنْي. قال المُتنَخِّلُ الهُذَلي ، واسمه مالك بن عُوَيْمر، يرثي أثيْلة ابنه :

حُلْوٌ ومُر كعَطْفِ القِدْحِ شيمتهُ   في كُلِّ إنْىٍ قضاه الليلُ يَنْتَعلُ

وهذا البيت في قصيدة له وقال لبيد بن ربيعة يصف حمارَ وَحْشٍ :

يُطَرِّب آناءَ النهار كأنــه   غَوِي سقاه في التِّجارِ نديمُ

وهذا البيت في قصيدة له ،

ويقال : إنى مقصور، فيما أخبرنى يونس.

{ يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ }.[آل عمران: ١١٤].

ما نزل في نَهْي المسلمين عن مباطنة اليهود

قال ابن إسحاق : وكان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلف ،

فأنزل اللّه تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم :{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ* هَاأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } [آل عمران: ١١٨،١١٩]، أي تؤمنون بكتابكم ، وبما مضى من الكتب قبل ذلك وهم يكفرون بكتابكم ، فأنتم كنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الْأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [آل عمران: ١١٩] إلى آخر القصة.

دخول أبي بكر بيت المدراس

ودخل أبو بكر الصديق بيت المدراس على يهود، فوجد منهم ناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم ، يقال له فِنْحاص ، وكان من علمائهم وأحبارهم ، ومعه في حَبْر من أحبارهم ، يقال له : أشْيع ، فقال أبو بكر لفنحاص : ويحك ! يا فنحاص ! اتق اللّه وأسْلمْ ؟ فواللّه إنك لتعلم أن محمداً لرسول اللّه ، قد جاءكم بالحق من عنده ، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص لأبى بكر: واللّه يا أبا بكر، ما بنا إلى اللّه من فقر،وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغني ، ولو كان عنا غنياً ما استقرضنا أموالَنا، كما يزعم صاحبُكم ، ينهاكم عن الربا ويُعْطيناه ولو كان عنا غنياً ما أعطانا الربا

قال : فغضِب أبو بكر، فضرب وجْهَ فنحاص ضرباً شديداً،

وقال : والذي نفسي بيده ، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك ، أيْ عدوَّ اللّه.

قال : فذهب فِنْحاص إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

فقال : يا محمد، انظر ما صنع بى صاحبك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعتَ ؟ فقال أبو بكر يا رسول اللّه ، إن عدو اللّه قال قولاً عظيماً : إنه زعم أن اللّه فقير وأنهم أغنياء فلما قال ذلك غضبتُ للّه مما قال ، وضربت وجهه. فجحد ذلك فِنحاص ،

وقال : ما قلت ذلك.

فأنزل اللّه تعالى فيما قال فنحاص رداً عليه وتصديقاً لأبى بكر :

{ لَقَدْ سَمِعَ اللّه قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّه فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ }.[آل عمران: ١٨١]

ونزل في أبي بكر الصديق رضى اللّه عنه ، وما بلغه في ذلك من الغضب { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ }.[آل عمران: ١٨٦].

ثم قال فيما قال فنحاص والأحبار معه.من يهود { وَإِذْ أَخَذَ اللّه مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ* لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [آل عمران: ١٨٧،١٨٨] يعنى فنحاص ، وأشْيَع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة، ويحبونه أن يُحمدوا بما لم يفعلوا أن يقول الناس : علماء، وليسوا بأهل علم ، لم يحملوهم على هُدى ولا حَق ، ويحبون أن يقول الناس : قد فعلوا.

أمر اليهود المؤمنين بالبخل

قال ابن إسحاق : وكان كَرْدَمُ ابن قيس ، حليف كعب بن الأشرف ، وأسامة بن حبيب ، ونافع بن أبي نافع ، وبَحْري بن عَمرو، وحُيى بن أخْطَب ، ورفاعة بن زَيْد بن التابوت ، يأتون رجالاً من الأنصار كانوا يخالطونهم ، ينتصحون لهم ، من أصحابِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيقولون لهم : لا تنفقوا أموالَكم فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تُسارعوا في النفقة فإنكم لا تدرون علامَ يكون ؟

فأنزل اللّه فيهم : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللّه مِنْ فَضْلِهِ }، أي من التوراة، التي فيها تصديق ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللّه وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } …إلى قوله تعالى{ وَكَانَ اللّه بِهِمْ عَلِيمًا } [النساء: ٣٧ـ٣٩]..

اليهود – لعنهم اللّه – يجحدون الحقَّ

قال ابن إسحاق : وكان رفاعة بن زيْد بن التابوت من عظماء يهود، إذا كلم رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم لوى لسانَه ،

وقال : أرْعنا سمعَك يا محمد، حتى نفهمك ، ، ثم طعن في الإِسلام وعابه.

فأنزل اللّه فيه :{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللّه أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللّه وَلِيًّا وَكَفَى بِاللّه نَصِيرًا* مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا }، أي راعنا سمعك { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمْ اللّه بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا }.[النساء: ٤٤ـ٤٦] وكَلم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم رؤساءَ من أحبارِ يهود، منهم : عبد اللّه بن صُوريا الأعور، وكعب بن أسد،

فقال لهم : يا معشر يهود، اتقوا اللّه وأسلموا، فواللّه إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به لحق ، قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد : فجحدوا ما عرفوا، وأصروا على الكفر ،

فأنزل اللّه تعالى فيهم : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّه مَفْعُولًا }.[النساء: ٤٧].

قال ابن هشام : نطمس : نمسحها فنسويها،فلا يُرى فيها عينٌ ولا أنف ولا فم ، ولا شيء بما يُرَى في الوجه ، وكذلك { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } [القمر: ٣٧] المطموس العين : الذي ليس بين جفنيه شق.

ويقال : طمست الكتابَ والأثر، فلا يرى منه شىء. قال الأخطل ، واسمه الغَوْث ابن هُبَيْرة بن الصَّلْت التَّغْلبى، يصف إبلاً كَلَّفها ما ذكر:

وتُكْلِيفُناهَا كلَّ طامسةِ الصُّـوَى   شطونٍ ترى حِرْباءَها يتململُ

وهذا البيت في قصيدة له :

قال ابن هشام : واحدة الصُّوَى : صُوَّة. والصُّوَى : الأعلام التي يُستدل بها على الطرق والماء.

قال ابن هشام : يقول : مُسِحت فاستوت بالأرض ، فليس فيها شىء ناتيء.

مَنْ حَزَّب الأحزاب

قال ابن إسحاق : وكان الذين حَزَّبوا الأحزابَ من قريش وغطفان وبني قريظة : حُيى بن أخْطَب ، وسلام ، ابن أبي الحُقَيق ، أبو رافع ، والربيع بن الربيع بن أبي الحُقَيق وأبو عَمَّار، ووَحْوَح بن عامر، وهَوْذة بن قيس. فأما وَحْوَح ، وأبو عَمَّار، وهَوْذة فمن بنى وائل ، وكان سائرهم من بنى النضير. فلما قدموا على قريش قالوا : هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول ، فسلوهم ، دينُكم خير أم دينُ محمد؟ فسألوهم ،

فقالوا : بل دينُكم خير من دينه ، وأنتم أهْدَى منه وممن اتبعه.

فأنزل اللّه تعالى فيهم : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ }

قال ابن هشام : الجبت عند العرب : ما عُبد من دون اللّه تبارك وتعالى : والطاغوت : كل ما أضل عن الحقِّ. وجَمْع الجِبْت : جُبوت وجمع الطاغوت طَوَاغيت.

قال ابن هشام : وبلغنا عن ابن أبي نَجِيح أنه

قال : الجبت : السحر والطاغوت : الشيطان.

{ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا } [النساء: ٥١]

قال ابن إسحاق : إلى قوله تعالى :{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللّه مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا }.[النساء: ٥٤]

إنكار اليهودِ التنزيلَ

قال ابن إسحاق : وقال سُكَيْن وعَدي ابن زيد: يا محمد، ما نعلم أن اللّه أنزل على بَشر من شيء بعد موسى.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما : { إنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا* وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّه مُوسَى تَكْلِيمًا* رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّه عَزِيزًا حَكِيمًا } [النساء: ١٦٣ـ١٦٥] ودخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جماعة منهم ،

فقال لهم : أمَا واللّه إنكم لتعلمون أنى رسول من اللّه إليكم ؟ قالوا : ما نعلمه ، وما نشهد عليه.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم :{ لَكِنْ اللّه يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّه شَهِيدًا }.[النساء: ١٦٦]

اتفاقهم على طرح الصخرة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى بنى النَّضير يستعينهم في دِية العامرييْن اللَّذَيْن قتلَ عمرو بنُ أمية الضَّمْري. فلما خلا بعضُهم ببعض قالوا : لن تجدوا محمداً أقربَ منه الآنَ ، فَمَنْ رجل يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرةً فيريحنا منه ؟ فقال عَمرو بن جحاش بن كعب : أنا فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر، فانصرف عنهم.

فأنزل اللّه تعالى فيه ، وفيما أراد هو وقومه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللّه وَعَلَى اللّه فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ }.[المائدة: ١١]

ادِّعاؤهم أنهم أحباء اللّه

وأتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعمانُ بن أضاء، وبَحْري بن عَمرو، وشأس بن عَدي ، فكلموه وكلمهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ودعاهم إلى اللّه ، وحذَّرهم نِقْمته ، فقالوا، ما تُخوفنا يا محمد، نحن واللّه أبناءُ اللّه وأحباؤه ، كقول النصارى.

فأنزل اللّه تعالى فيهم : { وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّه وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللّه مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } [المائدة: ١٨]

إنكارهم نزول كتاب من بعد موسى

قال ابن إسحاق : ودعا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم يهودَ إلى الإسلام ورغبهم فيه ، وحذرهم غيرَ اللّه وعقوبته ، فأبَوْا عليه ، وكفروا بما جاءهم به ، فقال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عُبادة، وعقبة بن وهب : يا معشر يهود، اتقوا اللّه ، فواللّه إنكم لتعلمون أنه رسول اللّه ، لقد كنتم تذكرونه لنا قبلَ مبعثه وتصفونه لنا بصفته ؟ فقال رافع بن حُرَيْملة، ووهب بن يَهُوذا : ما قلنا لكم هذا قط ، وما أنزل اللّه من كتاب بعدَ موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعدَه.

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهما : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [المائدة: ١٩].

ثم قص عليهم خبرَ موسى وما لقى منهم ، وانتقاضهم عليه وما ردوا عليه من أمر اللّه حتى تاهوا في الأرض أربعين سنة عقوبةً.

رجوعهم إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في حكم الرجم

قال ابن إسحاق : وحدثني ابنُ شهاب الزهري أنه سمع رجلاً من مُزَيْنة، من أهل العلم ، يحدِّث سعيدَ بن المسيَّب ، أن أبا هريرة حدثهم : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المِدْراس ، حين قدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينةَ، وقد زنى رجلٌ منهم بعد إحصانه بامرأة من يهودَ قد أحصنت ،

فقالوا : ابعثوا بهذا الرجلِ وهذه المرأة إلى محمد، فَسَلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبية - والتجبية : الجلد بحبل من ليف مَطْلى بقارٍ ، ثم تُسَوَّد وجوههما ثم يُحملان على حِمَاريْن وتجعل وجوههما من قِبلِ أدبار الحمارين - فاتبعوه ، فإنما هو مَلِك ، وصدقوه : وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبى، فاحذروه على ما في أيديكم أن يَسْلبَكُموه ، فأتوه ،

فقالوا : يا محمد هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما، فقد وليناك الحكم فيهما. فمشى رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أتى أحبارَهم في بيت المدْرَاس

فقال : يا معشر يهود أخرجوا إلىَّ علماءَكم ، فأخرج له عبد اللّه بن صوريا.

قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعضُ بنى قُرَيْظة : أنهم قد أخرجوا إليه يومئذ، مع ابن صُوريا، أبا ياسر بن أخْطَب ، ووهب بن يَهُوذا،

فقالوا : هؤلاء علماؤنا. فسألهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، حتى حَصَّل أمرَهم ، إلى أن قالوا لعبد اللّه بن صوريا : هذا أعلم من بقيَ بالتوراة.

قال ابن هشام : من قوله : " وحدثني بعض بنى قريظة " - إلى " أعلم من بقى بالتوراة " من قول ابن إسحاق ، وما بعده من الحديث الذي قبله فخلا به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان غلاماً شابّاً من أحدثهم سِنا، فألَظَّ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المسألة، يقول له : يابن صُوريا، أنْشُدك اللّه وأذكِّرك بأيامِهِ عند بنى إسرائيلَ ، هل تعلم أن اللّه حكم فيمن زنَى بعد إحصانهِ بالرجم في التوراة؟

قال : اللّهم نعم ، أما واللّه يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبى مُرْسَل ولكنهم يحسدونك.

قال : فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأمر بهما فرُجما عند باب مسجده في بنى غَنْمِ بن مالك بن النجار: ثم كفر بعد ذلك ابن صُوريا، وجحد نبوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال ابن إسحاق :

فأنزل اللّه تعالى فيهم : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } [المائدة: ٤١] أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا، وأمروهم  به من تحريف الحكم عن مواضعه ،

ثم قال : { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ } ، أي الرجم { فَاحْذَرُوا } [المائدة: ٤١] إلى آخر القصة.

قال ابن إسحاق : وحدثني محمدُ بن طلحة بن يزيد بن رَكَانة عن إسماعيل عن إبراهيم ، عن ابن عباس ،

قال : أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برجمهما، فرُجما بباب مسجده ، فلما وجدَ اليهوديُّ مَسَّ الحِجارة قام إلى صاحبته فجنأ عَليْها ، يقيها مَسَّ الحجارةِ، حتى قُتلا جميعاً.

قال : وكان ذلك مما صنع اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم في تحقيق الزنا منهما.

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كَيْسان ، عن نافع مولى عبد اللّه ابن عُمر عن عبد اللّه بن عمر،

قال : لما حكَّموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهما، دعاهم بالتوراة وجلس حَبْر منهم يتلوها، وقد وضع يده على آية الرجم ،

قال : فضرب عبدُ اللّه بن سَلام يد الحَبْر

ثم قال : هذه يا نبى اللّه آية الرجم ، يأبى أن يتلوَها عليك.

فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ويحكم يا معشر يهود ما دعاكم. إلى ترك حُكم اللّه وهو بأيديكم ؟

قال : فقالوا : أما واللّه إنه قد كان فينا يُعمل به ، حتى زنا رجل منا بعد إحصانه ، من بيوت الملوك وأهل الشرف ، فمنعه الملك من الرجم ، ثم زنا رجل بعده ، فأراد أن يرجمه ،

فقالوا : لا واللّه ، حتى ترجم فلاناً، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية،

وأماتوا ذكر الرجم والعمل به.

قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: فأنا أول من أحيا أمرَ اللّه وكتابه وعمل به ، ثم أمر بهما فرُجما عندَ باب مسجده. وقال عبد اللّه بن عمر: فكنت فيمن رجمهما.

ظلمهم في الدية

قال ابن إسحاق : وحدثني داودُ بن الحُصَيْن عن عكْرمة، عن ابن عباس : أن الآيات من المائدة التي قال اللّه فيها : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في الدية بين بنى النضير وبين بنى قُريظة، وذلك أن قتلى بنى النضير، وكان لهم شرف ، يؤدون الديةَ كاملة، وأن بنى قريظة كانوا يؤدون نصفَ الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فأنزل اللّه ذلك فيهم ، فحملهم رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الحقِّ في ذلك ، فجعل الديةَ سواء.

قال ابن إسحاق : فاللّه أعلم أي ذلك كان.

رغبتهم في فتنة الرسول صلى اللّه عليه وسلم

قال ابن إسحاق : وقال كعب ابن أسد، وابن صلوبا، وعبد اللّه بن صُوريا، وشَأس بن قيس ، بعضهم لبعض : اذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه ، فإنما هو بشر، فأتَوْه ، فقالوا له : يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم ، وأنا إن اتبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عليهم.

فأنزل اللّه فيهم : { وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللّه وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّه إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّه أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللّه حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } [المائدة: ٤٩،٥٠]

إنكارهم نبوةَ عيسى عليه السلام

قال ابن إسحاق : وأتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم نفرٌ منهم : أبو ياسر بن أخْطب ، ونافع بن أي نافع وعازر بن أبي عازر، وخالد، وزيد، وإزار بن أبي إزار، وأشْيع. فسألوه عمن يؤمن به من الرسل ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نؤمنُ باللّه وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ ، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتى النبيون من ربِّهم ، لا نفرِّقُ بينَ أحدٍ منهم ونحن له مسلمون ". فلما ذَكر عيسى ابن مريم جحدوا نبوته ، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ابن مريم ولا بمن آمن به ،

فأنزل اللّه تعالى فيهم :{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللّه وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } [المائدة: ٥٩]

ادعاؤهم أنهم على الحق

وأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رافعُ بن حارثة، وسلام بن مِشْكم ، ومالك بن الصيْف ، ورافع بن حُرَيملة،

فقالوا : يا محمد، ألستَ تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، وتؤمن بما عندنا من التوراة ، وتشهد أنها من اللّه حقّ ؟

قال : بلَى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ اللّه عليكم من الميثاق فيها، وكتمتُم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس ، فبَرئْتُ من إحداثِكم قالوا : فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدَى والحق ، ولا نؤمن بك ، ولا نتبعك.

فأنزل اللّه تعالى فيهم : {قل يأهلَ الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراةَ والإِنجيلَ ، وما أنزل إليكم من ربِّكم ، وليزيدَنَّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من رَبِّك طُغياناً وكُفراً، فلا تأسَ على القومِ الكافرين} .

إشراكهم باللّه

قال ابن إسحاق : وأتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم النَّحَّامُ ابن زيد، وقَرْدَم بن كعب ، وبَحْري بن عَمْرو، فقالوا له : يا محمد، أما تعلم مع اللّه إلهاً غيرَه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه لا إله إلا هُوَ، بذلك بُعثت ، وإلى ذلك أدعو.

فأنزل اللّه فيهم وفى قولهم :{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللّه شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّه آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }.[الأنعام: ١٩،٢٠].

نهْيُ اللّه المؤمنين عن موادتهم

وكان رفاعةُ بن زيد بن التابوت ، وسُوَيد بن الحارث قد أظهرا الإِسلام ونافقا، فكان رجال من المسلمين يوادونهم.

فأنزل اللّه تعالى فيهما : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللّه إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ } [المائدة: ٥٧]... إلى قوله :{ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللّه أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ }.[المائدة: ٦١]

سؤالهم عن قيام الساعة

وقال جَبَل بن أبي قُشَيْر، وشَمْوِيل ابن زَيْد، لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا محمدُ، أخبرنا، متى تقومُ الساعةُ إن كنت نبياً كما تقول ؟

فأنزل اللّه تعالى فيهما : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللّه وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }.[الأعراف: ١٨٧]

قال ابن هشام : أيان مُرْسَاها؟ متى مرساها، قال قيس بن الحُدَادِيَّةِ الخُزاعى :

فجئتُ ومُخْفَى السِّرِّ بينى وبينَها    لأسألها أيان من سار راجعُ ؟

وهذا البيت في قصيدة له ، ومُرساها : منهاها، وجمعه : مَرَاسٍ. وقال الكُمَيْت بن زيد الأسدي :

والمصيبين بابَ ما أخطأ النا   سُ ومُرْسَى قواعد الإِسلامِ

وهذا البيت في قصيدة له. ومُرْسَى السفينة حيث تنتهى. وحَفِى عنها - على التقديم والتأخير - يقول : يسألونك عنها كأنك حَفِىّ بهم تخبرهم بما لا تخبر به غيرهم. والحَفِىُّ : البَرُّ المتعهد. وفي كتاب اللّه : { إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } [مريم: ٤٧]وجمعه : أحفياء. وقال أعشى بنى قَيْس بن ثعلبة :

فإن تسألي عني فيا رُبُّ سائلٍ   حَفِي عن الأعشَى به حيثُ أصْعدا

وهذا البيت في قصيدة له. والحفي أيضاً : المُستحفى عن علم الشىء،المبالغ في طلبه.

في ادعاؤهم أن عُزَيْراً ابن اللّه

قال ابن إسحاق : وأتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم: سلاَّمُ بنُ مِشْكم ، ونعمان بن أبي أوفى أبو أنس ، ومحمود ثم ابن دِحْية، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصَّيف ، فقالوا له : كيف نتبعك وقد تركت قبلَتنا، وأنت لا تزعم أن عُزيراً ابن اللّه ؟

فأنزل اللّه عز وجل في ذلك في قولهم : { وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّه وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّه ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللّه أَنَّى يُؤْفَكُونَ } [التوبة: ٣٠] ألى آخر القصة.

قال ابن هشام : يضاهون : أي يُشاكل قولُهم قولَ الذين كفروا، نحو أن تحدِّث بحديث فيحدث آخر بمثله ، فهو يضاهيك.

طلبهم كتاباً من السماء

قال ابن إسحاق : وأتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم محمودُ بن سَيْحان ، ونُعمان بن أضاء، وبَحْري بن عمرو، وعُزَيْز ابن أبي عُزَيْز، وسَلاَّم بن مِشْكم ،

فقالوا : أحقٌّ يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند اللّه ؟فإنا لا نراه متسقاً كما تتسق التوراة. فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما واللّه إنكم لتعرفون أنه من عند اللّه. تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة، ولو اجتمعت الإِنسُ والجنُّ على أن يأتوا بمثله ما جاءوا به فقالوا عند ذلك ، وهم جميع : فنحاص ، وعبدُ اللّه بن صوريا، وابن صلوبا، وكنانة بنالربيع بن أبي الحُقَيق، وأشيْع ، وكعب بن أسد، وشَمْوِيل بن زيد، وجبل بن سُكَينة : يا محمد، أما يعلِّمك هذا إنس ولا جن ؟

قال : فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أما واللّه إنكم لتعلمون أنه من عند اللّه. تجدون ذلك مكتوباً عندكم في التوراة؟

فقالوا : يا محمد، فإن اللّه يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدره منه على ما أراد، فأنزلْ علينا كتاباً من السماء نقرؤه ونعرفه ، وإلا جئناك بمثل ما تأتي به.

فأنزل اللّه تعالى فيهم وفيما قالوا :{ قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [الإسراء: ٨٨]

قال ابن هشام : الظهير : العَوْن. ومنه قول العرب : تظاهروا عليه ، أي تعاونوا عليه. قال الشاعر :

يا سَمِىَّ النبيِّ أصبحتَ للدين   قواماً وللإِمام ظهيرَا

أي عَوْنا وجمعه ظُهراء..

سؤالهم له صلى اللّه عليه وسلم عن ذي القرنين

قال ابن إسحاق : وقال حُيى بن أخطب ، وكعب بن أسَد، وأبو رافع ، وأشْيع ، وشَمْويل بن زيد، لعبد اللّه بن سَلاَّم حين أسلم : ما تكون النبوة في العرب ، ولكن - صاحبك مَلك ، ثم جاءوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه عن ذي القرنين فقص عليهم ما جاءَه من اللّه تعالى فيه ، مما كان قص على قريش وهم كانوا ممن أمر قريشاً أن يسألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عنه ، حين بعثوا إليهم النَّضر بن الحارث ،وعُقبة بن أبي مُعَيْط.

تهجمهم على ذات اللّه

قال ابن إسحاق : وحُدثت عن سعيد ابن جُبير أنه

قال : أتى رهطٌ من يهود إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقالوا : يا محمدُ، هذا اللّه خَلَقَ الخلْقَ ، فمن خلق اللّه ؟

قال : فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى انتقع لونُهُ ، ثم ساورهم غضباً لربه.

قال : فجاءه جبريلُ عليه السلام فسكَّنه ،

فقال : خَفِّضْ عليك يا محمد، وجاءه من اللّه بجوابِ ما سألوه عنه : { قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ* اللّه الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: ١ـ٤]

قال : فلما تلاها عليهم

قالوا: فصف لنا يا محمد كيف خَلْقُه كيف ذِراعه ؟ كيف عَضده. فغضب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشد من غضبه ،الأول ، وساورهم ، فأتاه جبريل عليه السلام ، فقال له مثلَ ما قال له أولَ مرة، وجاءه من اللّه تعالى بجوابِ ما سألوه. يقول اللّه تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللّه حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }.[الزمر: ٦٧]

قال ابن إسحاق : وحدثني عُتبة بن مُسلم ، مولى بنى تيم ، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة،

قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : " يوشك الناسُ أن يتساءلوا بينَهم حتى يقول قائلُهم : هذا اللّه خَلَقَ الخَلْقَ ، فمن خلق اللّه ؟ فإذا قالوا ذلك فقولوا : { قُلْ هُوَ اللّه أَحَدٌ* اللّه الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } [الإخلاص: ١ـ٤]. ثم ليتفُل الرجل عن يساره ثلاثا، وليستعذْ باللّه من الشيطان الرجيم ".

قال ابن هشام : الصمد : الذي يُصمَد إليه ، ويُفْزَع إليه. قالت هند بنت مَعْبد بن نَضْلة تبكى عَمرو بن مسعود، وخالد بن نَضْلة، عميها الأسديين ، وهما اللذان قتل النعمان بن المنذر اللخمى، وبَنَى الغَرِيين اللَّذيْن بالكوفة عليها :

ألا بَكَرَ الناعى بَخَيْرَيْ بنى أسدْ   بعمرو بن مسعود وبالسيِّد الصَّمَدْ

ذكر نصارى نجران وما أنزل اللّه فيهم

معنى العاقب والسيد والأسقف

قال ابن إسحاق : وقَدِم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفدُ نصارَى نَجران ، ستون راكباً، فيهم أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم ، وفي الأربعةَ عشرَ منهم ثلاثةُ نفر إليهم يئول أمرُهم : العاقب ، أميرُ القوم وذو رأيهم ، وصاحب مشورتهم ، والذي لا يُصْدرون إلا عن رأيه ، واسمه عبدُ المسيح والسيد لهم ، ثمالهم وصاحبُ رَحْلهم ومجتَمعهم ، واسمه الأيْهم ، وأبو حارثة بن علقمة، أحد بني بكر بن وائل ، أسْقُفهم وحَبْرهم

وإمامهم ، وصاحب مِدْرَا سِهم. وكان أبو حارثة قد شَرُف فيهم ، ودرس كتبَهم ، حتى حَسُن علمه في دينهم ، فكانت ملوك الروم من النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه ، وبَنَوْا له الكنائس ، وبسطوا عليه الكرامات ، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.

إسلام كُوز بن علقمة

فلما رجعوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. من نجران ، جلس أبو حارثة على بغلة له موجِّهاً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له ، يقال له : كُوز بن علقمة -

قال ابن هشام :

ويقال : كرز - فعثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز : تعس الأبعد : يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فقال له أبو حارثة : بل وأنت تَعستْ !

فقال : ولم يا أخي ؟

قال : واللّه إنه للنبي الذي كنا ننتظر، فقال له كوز : ا يمنعك منه وأنت تعلم بذا ؟

قال : ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شَرَّفونا ومَولونا وأكرمونا، وقد أُبوْا إلا خِلاَفه ، فلو فعلتُ نزعوا منا كلَّ ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه كُوز بن علقمة، حتى أسلمَ بعد ذلك.

فهو كان يُحدِّث عنه هذا الحديث فيما بلغنى.

رؤساء نجران وإسلام ابن رئيس

قال ابن هشام : وبلغنى أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتباً عندَهم. فكلما مات رئيسٌ منهم فأفْضَت الرياسة إلى غيره ، ختم على تلك الكُتب خاتماً مع الخواتم التي كانت قبله ولم يكسِرها، فخرج الرئيسُ الذي كان على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم يمشي فعثر، فقال له ابنه : تعس الأبعد، يريد الني صلى اللّه عليه وسلم فقال له أبوه : لا تفعل ، فإنه نبى، واسمه في الوضائع ، يعنى الكتب.

فلما مات لم تكن لابنهِ هِمَّة إلا أن شد فكسر الخواتم ، فوجد فيها ذِكْرَ النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأسلم فحسُن إسلامُهُ وحج ، وهو الذي يقول :

إليكَ تعدو قَلِقاً وَضينُها   مُعْترِضاً في بطنِها جَنينُها
مخالفاً دينَ النصارى دينُها

قال ابن هشام : الوضين : الحزام ، حزام الناقة، وقالَ هشام بن عروة : وزاد فيه أهلُ العراق :

مُعترضاً في بطنِها جنينُها

فأما أبو عُبَيدة فأنشدناه فيه.

صلاتهم إلى جهة المشرق

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير،

قال : لما قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحِبرات ، ، جُبَب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب.

قال : يقول بعضُ من رآهم من أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يومئذ : ما رأينا وفداً مثلَهم ، وقد حانت صلاتُهم ، فقاموا في مسجدِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يصلون : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دَعُوهم فصلَّوْا إلى المشرق.

أسماؤهم ومعتقداتهم

قال ابن إسحاق : فكانت تسمية الأربعةَ ، عشرَ، الذين يئول إليهم أمرهم : العاقبُ وهو عبد المسيح والسَّيد وهو الأيْهم ، وأبو حارثة بن عَلْقَمة أخو بنى بكر بن وائل ، وأوْس و الحارث ، وزَيْد ، وقيْس ، و يزيد ، و نبيه ، و خوَيْلد ، وعمرو ، وخالد ، وعبد اللّه ، ويُحَنَّس ، في ستين راكباً فكلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح ، والأيهم السيد وهم من النصرانية - على دين الملك ، مع اختلاف من أمرهم ، يقولون : هو اللّه ، ويقولون : هو والد اللّه. ويقولون : هو ثالث ثلاثة وكذلك قول النصرانية فهم يحتجون في قولهم : "هو اللّه " بأنّه كان يُحيى الموتى، ويبرئ الأسقام ، ويخبر بالغيوب ، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفِخ فيه فيكون طائراً، وذلك كلُّه بأمر اللّه تبارك وتعالى : { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } [مريم: ٢١].

ويحتجون في قولهم : إنه ولد اللّه بأنهم يقولون : لم يكن له أب يُعلم ، وقد تكلم في المهد، وهذا لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. ويحتجون في قولهم : " إنه ثالثُ ثلاثة " بقول اللّه : فَعَلْنا، وأمرْنا، وخلقْنا، وقَضَيْنا، فيقولون : لو كان واحداً ما قال إلا فعلتُ ، وقضيتُ ، وأمرتُ ، وخلقتُ ولكنه هو وعيسى ومريم ، ففى كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن.. فلما كلَّمه الحَبْران ، قال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: أسْلِما قالا : قد أسلمنا قال إنكما لم تُسلما فأسْلِما، قالا : بلَى، قد أسلمنا قبلك : قال كذبتما، يمنعكما من الإِسلام دعاؤكما للّه ولداً، وعبادتكما الصليب ، وأكلكما الخنزير قالا : فمن أبوه يا محمد؟ فصمت عنهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم يجبهما.

ما نزل فيهم من القرآن

فأنزل اللّه تعالى في ذلك من قولهم ، واختلاف أمرهم كله ، صدر سورة آل عمران ، إلى بضع وثمانين آية منها، قال جل وعز : { الم* اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [آل عمران:١،٢] فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا، وتوحيده إياه بالخلق والأمر، لا شريك له فيه ، رداً عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجاً بقولهم عليهم في صاحبهم ، ليعرفهم بذلك ضلالتهم :

فقال : الم* اللّه لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ { ليس معه غيره شريك في أمره { الْحَيُّ الْقَيُّومُ } [آل عمران:١،٢] الحي الذي لا يموت ، وقد مات عيسى وصُلب في قولهم. والقيوم القائم على مكانه من سلطانه في خلقه لا يزول ، وقد زال عيسى في قولهم عن مكانه الذي كان به ، وذهب عنه إلى غيره. { نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ {أي بالصدق فيما اختلفوا فيه ، { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ } : التوراة على موسى، والإِنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله{ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ }، أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره. ،{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّه لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }، أي أن اللّه منتقم ممن كفر باياته ، بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها. { إِنَّ اللّه لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ } أي قد علم ما يريدون ، وما يكيدون ، وما يضاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه إلهاً وربًّا، وعندهم من، علمه غير ذلك ، غِرَّة باللّه ، وكُفراً به. { هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ }، أي قد كان عيسى ممن صُور في الأرحام ، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه كما صُور غيره من ولد ادم ، فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل.

ثم قال تعالى إنزاهاً لنفسه ، وتوحيداً لها مما جعلوا معه :{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } العزيز في انتصاره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في حجته وعذره إلى عباده.

{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ }، فهن حجة الرب ، وعِصمة العباد، ودَفْع الخصوم والباطل ، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه { وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } لهن تصريف وتأويل ، ابتلى اللّه فيهنَّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ، ألا يُصْرَفن إلى الباطل ، ولا يُحرَّفن عن الحق. يقول عز وجل :{ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي ميل عن الهدى{ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ {، أي ما تصرف منه ، ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا، لتكون لهم حجة، ولهم على ما قالوا شبهة { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ {، أي اللبس{ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ }. ذلك على ما رَكِبوا من الضلالة في قولهم : خَلَقْنا وقَضَيْنا. يقول :{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } أي الذي به أرادوا، ما أرادوا { إِلَّا اللّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } فكيف يختلف وهو قول واحد، من رب واحد. ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، واتسق بقولهم الكتاب ، وصدَّق بعضُه بعضاً، فنفذت به الحُجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل ، ودمغ به الكفر. يقول اللّه تعالى في مثل هذا : { وَمَا يَذَّكَّرُ { في مثل هذا{ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ* رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا }. أي لا تمل - قلوبنا، وإن ملنا بأحداثنا. { وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: ٥ـ ٨ ].

ثم قال :{ شَهِدَ اللّه أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ } بخلاف ما قالوا { قَائِمًا بِالْقِسْطِ }، أي بالعدل فيما يريد{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّه الْإِسْلَامُ }، أي ما أنت عليه يا محمد : التوحيد للرب ، والتصديق للرسل. { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ } [آل عمران: ١٨،١٩] أي الذي جاءك ، أي في أن اللّه الواحد الذي ليس له شريك { بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّه فَإِنَّ اللّه سَرِيعُ الْحِسَابِ* فَإِنْ حَاجُّوكَ }، أي بما يأتون به من الباطل من قولهم : خَلَقْنا وفَعلْنا وأمَرْنا، فإنما هى شُبهةُ باطلٍ قد عرفوا ما فيها من الحق { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي للّه }، أي وحده { وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ } الذين لا كتاب لهم { أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } [آل عمران: ٢٠]

ما نزل من القرآن فيما اتبعه اليهود والنصارى

ثم جمع أهل الكتابين جميعاً ، وذكر ما أحدثوا وما ابتدعوا، من اليهود والنصارى،

فقال :{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّه وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ } [آل عمران: ٢١]، إلى قوله :{ قُلْ اللّهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ } أي رب العباد، والملك الذي لا يقضى فيهم غيره { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ } ، أي لا إله غيرك{ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }، أي لا يقدر على هذا غيرك بسلطانك وقدرتك { تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ } بتلك القدرة { وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [آل عمران: ٢٦،٢٧] لا يقدر على ذلك غيرك ، ولا يصنعه إلا أنت أي فإن كنت سلطت عيسى على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله ، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام والخلق للطير من الطين ، والإِخبار عن الغيوب ، لأجعله به آية للناس ، وتصديقاً له في نبوته التي بعثته بها إلى قومه ، فإن من سلطاني وقدرتى ما لم أعطه : تمليكَ الملوك بأمر النبوة، ووضعها حيث شئت ، وإيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل ، وإخراج الحى من الميت ، وإخراج الميت من الحى، ورزق من شئت من بر أو فاجر بغير حساب : فكل ذلك لم أسلط عيسى عليه ، ولم أملِّكه إياه ، أفلم تكن لهم في ذلك عِبرة وبينة! أن لو كان ذلك كله إليه ، وهو في علمهم يهرب من الملوك ، وينتقل منهم في البلاد، من بلد إلى بلد. ما نزل من القرآن في وعظ المؤمنين وتحذيرهم : ثم وعظ المؤمنين وحذَّرهم ،

ثم قال { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّه } أي إن كان هذا من قولكم حقا، حُبًّا للّه وتعظيماً له { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللّه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } أي ما مضى من كفركم { وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ *قُلْ أَطِيعُوا اللّه وَالرَّسُولَ } فأنتم تعرفونه وتجدونه في كتابكم { فَإِنْ تَوَلَّوْا } ، أي على كفرهم { فَإِنَّ اللّه لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ }.[آل عمران: ٣١،٣٢]

ما نزل في خلق عيسى وخبر مريم وزكريا

ثم استقبل لهم أمرَ عيسى عليه السلام ، وكيف كان في بدء ما أراد اللّه به ، فقال { إِنَّ اللّه اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ }.[آل عمران: ٣٣،٣٤] ثم ذكر أمر امرأة عمران ، وقولها : { رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } ، أي نذرته فجعلته عتيقاً، تعبُّده للّه ، لا ينتفع به لشيء من الدنيا { فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللّه أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }، أي ليس الذكر كالأنثى كما جعلتها محرراً لك نذيرة { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } [آل عمران:٣٥،٣٦] ي

قول اللّه تبارك وتعالى: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } [آل عمران: ٣٧] بعد أبيها وأمها.

قال ابن هشام : كفَّلها : ضمَّها.

خبر زكريا ومريم عليهما السلام

قال ابن إسحاق : فذكَّرها باليتم ، ثم قص خبرَها وخبرَ زكريا وما دعا به ، وما أعطاه إذْ وهب له يحيى. ثم ذكر مريمَ ، وقول الملائكة لها :{ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّه اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ* يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ }.[آل عمران: ٤٢،٤٣] يقول اللّه عز وجل : { ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ }، أي ما كنت معهم { إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }.

قال ابن هشام : أقلامهم : سهامهم ، يعنى قِداحهم التي استهموا بها عليها، فخرج قِدْح زكريا فضمها، فيما قال الحسن بن أبي الحسن البَصري.

كفالة جُرَيج مريم

قال ابن إسحاق : كفلها هاهنا جُرَيْج الراهب ، رجل من بنى إسرائيل نجار، خرج السهم عليه بحملها، فحملها، وكان زكريا قد كَفَلها قبل ذلك ، فأصابت بنى إسرائيل أزمة شديدة، فعجز زكريا عن حملها، فاستهموا عليها أيهم يكفُلُها فخرج السهم على جُرَيج الراهب بكفولها فكفَلَها. { وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }، أي ما كنت معهم إذ يختصمون فيها. يخبره بخفىِّ ما كتموا عنه من العلم عندَهم ، لتحقيق نبوته والحجة عليهم بما يأتيهم به بما أخفوا منه.

ثم قال : { إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّه يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ }، أي هكذا كان أمره ، لا كما تقولون فيه { وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } أي عند اللّه { وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ* وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ } [آل عمران: ٤٥،٤٦] يخبرهم بحالاته التي يتقلب فيها في عمره ، كتقلب بنى آدم في أعمارهم ، صغاراً وكباراً، إلا أن اللّه خصه بالكلام في مهده آيةً لنبوته ، وتعريفاً للعباد بمواقع قدرته.{ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّه يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } أي يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء من بشر أو غير بشر{ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ { مما يشاء وكيف شاء، { فَيَكُونُ { كما أراد ثم أخبرها بما يريد به ،

فقال : { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ } التي كانت فيهم من عهد موسى قبله { وَالْإِنجِيلَ } [آل عمران: ٤٨]، كتاباً آخر أحدثه اللّه عز وجل إليه لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء بعده ،{ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } أي يحقق بها نبوتى، أنى رسول منه إليكم { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّه } الذي بعثني إليكم ، وهو ربكم { وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ }.

قال ابن هشام : الأكمه : الذي يُولد أعمى. قال رؤبة بن العَجَّاج :

هَرَّجْتُ فارتدَّ ارتداد الأكْمه

وجمعه : كُمْه.

قال ابن هشام : هَرَّجت : صحتُ بالأسد، وجلبتُ عليه. وهذا البيت في أرجوزة له. { وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّه وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ } أنى رسول اللّه من اللّه إليكم { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ* وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ } أي لما سبقنى عنها { وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } ، أي أخبركم به أنه كان عليكم حراماً فتركتموه ، ثم أحله لكم تخفيفاً عنكم فتصيبون يُسره وتخرجون من تِباعاتِه { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللّه وَأَطِيعُونِي إِنَّ اللّه رَبِّي وَرَبُّكُمْ } أي تبرياً من الذي يقولون فيه ، واحتجاجاً لربه عليهم { فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }، أي هذا الذي قد حملتكم عليه وجئتكم به { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ } والعدوان عليه ، { قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللّه قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّه آمَنَّا بِاللّه } هذا قولهم الذي أصابوا به الفضل من ربهم { وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجُّونك فيه { رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } أي هكذا كان قولهم وإيمانهم

رفع عيسى عليه السلام

ثم ذكر سبحانه وتعالى رفْعَه عيسى إليه حين اجتمعوا لقتله ،

فقال :{ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّه وَاللّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }.

ثم أخبرهم ورد عليهم فيما أقروا لليهود بصَلْبه ، كيف رفعه وطهره منهم ،

فقال : { إِذْ قَالَ اللّه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا } ، إذ هموا منك بما هموا{ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [آل عمران: ٥٥] ثم القصة، حتى انتهى إلى قوله : { ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ } يا محمد { مِنْ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ } [آل عمران: ٥٨] القاطع الفاصل الحق ، الذي لا يخالطه الباطل ، من الخبر عن عيسى، وعما اختلفوا فيه من أمره ، فلا تقبلنَّ خبراً غيره.

{ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّه} فاستمع { كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } ، أي ما جاءك من الخبر عن عيسى {فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ} أي قد جاءك الحق من ربك فلا تمتريَنَّ فيه ،

وإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذَكر فقد خَلقت آدم من تراب ، بتلك القدرة من غير أنثى ولا ذكر، فكان كما كان عيسى لحماً ودماً، وشَعْراً وبَشراً، فليس خَلْق عيسى من غير ذَكر بأعجب من هذا. { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ } أي من بعدما قصصت عليك من خبره ،وكيف كان أمره ، { فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } [آل عمران: ٥٩ـ٦١].

قال ابن هشام : قال أبو عُبَيْدة : نبتهل : ندعو باللعنة، قال أعْشَى بنى قَيْس بن ثَعْلَبة : ،

لا تقْعُدَنَّ وقد أكَّلْتَها حَطباً   نعوذُ من شرِّها يوماً ونبتهلُ

وهذا البيت في قصيدة له. يقول : ندعو باللعنة. وتقول العرب :

بَهل اللّه فلاناً، أي لعنه ، وعليه بَهْلةُ اللّه،

قال ابن هشام :

ويقال : بُهْلة اللّه ، أي لعنة اللّه ، ونبتهل أيضاً: نجتهد، في الدعاء.

قال ابن إسحاق : { إِنَّ هَذَا } الذي جئت به من الخبر عن عيسى { لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ } من أمره { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللّه وَإِنَّ اللّه لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّه عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ* قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللّه وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّه فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مسلمون } [آل عمران: ٦٢ـ٦٤] فدعاهم إلى النَّصَف ، وقطع عنهم الحجة.

إباؤهم الملاعنة

فلما أتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبرُ من اللّه عنه ، والفَصْلُ من القضاء بينَه وبينهم ، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه ، دعاهم إلى ذلك ، فقالوا له : يا أبا القاسم ، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه ، ثم خَلَوْا بالعاقب ، وكان ذا رأيهم ،

فقالوا : يا عبدَ المسيح ، ماذا ترى؟

فقال : واللّه أيا معشر النصارى لقد عَرَفتم أن محمداً لنبى مرسل ، ولقد جاءكم بالفَصْل من خبرِ صاحبِكم ، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيّاً قط فبقى كبيرُهم ، ولا نبت صغيرهم ، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم ، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلْف دينِكم ، والإِقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم ، فوادعوا الرجلَ ، ثم انصرِفوا إلى بلادكم. فأتَوْا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقالوا : يا أبا القاسم ، قد رأينا ألا نُلاعنك ، وأن نتركَك على دينِك ونرجع على ديننا، ولكن ابعثْ معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالِنا، فإنكم عندنا رِضاً.

أبو عبيْدة يتولى أمرهم : قال محمد بن جعفر فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ائتونى العَشِية أبعث معكم القوىَّ الأمين.

قال : فكان عمر ابن الخطاب يقول : ما أحببتُ الإمارة قط حبِّى إياها يومئذٍ ، رجاء أن أكونَ صاحبَها، فرُحْتُ إلى الظهرِ مُهَجِّراً، فلما صلّى بنا رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم الظهرَ سَلَّم ، ثم نظر عن يمينه وعن يسارِه ، فجعلت أتطاولُ له ليرانى، فلم يزلْ يلتمس ببصره حتى رأى أبا عُبيدة بن الجراح ، فدعاه

فقال : اخرجْ معهم ، فاقضِ بينَهم بالحقِّ فيما اختلفوا فيه ، قال عمر : فذهب بها أبو عُبَيْدة.