قال ابن
إسحاق : ثم إن رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم سَمِع بأبى سفيان بن حرب مُقبلاً من الشام في عِير لقريش عظيمة، فيها
أموالٌ لقريش وتجارة من تجاراتهم ، وفيها ثلاثون رجلاً من قريش أو أربعون ، منهم مَخْرَمة بن نَوْفل بن أهَيْب بن عبد مناف
بن زُهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام.
قال ابن
هشام :
ويقال : عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم.
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم ابن عمر بن قتادة، وعبد اللّه بن أبى بكر ويزيد بن رومان عن عُروة ابن الزبير وغيرهم من علمائنا عن ابن عباس ، كل قد حدثني بعض هذا الحديث فاجتمع حديثُهم فيما سقته من حديث بدر.
قالوا : لما سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأبى سفيان مقبلاً من الشام ، ندب المسلمين إليهم
وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل اللّه يُنْفِلُكموها. فانتدب الناسُ ، فخف بعضُهم وثقل بعضُهم ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يَلْقَى حرباً.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبارَ ويسأل من لقي من الرّكبان تخوفا على أمر الناس. حتى أصاب خبرا من بعض الركبان. : أن محمداً قد استنفر أصحابَه لك ولعيرك ، فحذر عند ذلك ، فاستاجر ضَمْضَم بن عَمْرو الغفارى، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتىَ قريشاً فيستنفرهم إلى أموالِهم ، ويُخبرهم أن محمداً قد عرض لها في اصحابة فخرج ضمضم بن عمروسريعاً الى مكة.
قال ابن
إسحاق : فأخبرني من لا أتهم عن عكرمة عن ابن
عباس ، ويزيد بن رومان ، عن عروة ابن
الزبير، قالا : وقد رأت عاتكة بنت عبد
المطلب ، قبل قدوم ضَمْضم مكة بثلاث ليال ، رؤيا
أفزعتها. فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب.
فقالت له : يا أخى، واللّه لقد رأيتُ الليلة رؤيا أفظعتنى، وتخوفْتُ أن
يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك به ؟
فقال لها : وما رأيت ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير له ، حتى وقف بالأبطَح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا لَغُدُر لمصارعكم في ثلاث
، فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة،
صرخ بمثلها : ألا أنفروا يا لغدر لمصارعكم في ثلاث : ثم مَثَل به بعيره على رأس أبي قُبَيْس ، فصرخ بمثلها ثم أخذَ صخرةً فأرسلها. فأقبلت تَهْوي ، حتى إذا كانت بأسفل
الجبل أرفضت. فما بقي بيتٌ من بيوت مكة، ولا دارٌ إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس : واللّه إن هذه لرؤيا، وأنتِ فاكتميها، ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس ، فلقي الوليدَ ابنَ عُتبة بن ربيعة، وكان له
صديقاً : فذكرها له ، واستكتمه إياها. فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث
بمكة، حتى تحدثت به قريش في أنديتها.
قال العباس : فغدوتُ لأطوفَ بالبيت وأبو جهل بن هشام في رَهْط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما
رآني أبو جهل
قال : يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا؟ فلما فرغت
أقبلتُ حتى جلستُ معهم ، فقال لى أبو جهل : يا بنى عبد المطلب ؟ متى حدثت فيكم هذه النبية؟
قال : قلت : وما ذاك ؟
قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة :
قال :
فقلت : وما رأت ؟
قال : يا بنى عبد المطلب ، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ، قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه
قال : انفروا في ثلاث ، فسنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يكُ حقّاً
ما تقول فسيكون ، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء، نكتب عليكم كتاباً أنكم
أكذبُ أهل بيت في العرب. قال العباس : فواللّه ما كان مني إليه كبير، إلا أني جحدت
ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً
قال : ثم تفرقنا.
فلما أمسيتُ ، لم تبق امرأة من بنى عبد
المطلب إلا أتتنى، فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساءَ وأنت تسمعُ ، ثم لم يكن عندك غِيَر لشىء بما سمعت ،
قال : قلت : قد واللّه فعلت ، ما كان مني إليه من كبير. وايم اللّه لأتعرضن له ، لاكفينَّكُنَّه.
قال فغدوتُ في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة، وأنا حديد مُغْضَب أرى أني قد فاتنى منه أمر أحِب أن أدركَه منه.
قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فواللّه إنى لأمشى نحوه أتعرَّضه ، ليعود لبعض ما قال فأقع به ، وكان رجلاً خفيفاً، حديد الوجه ، حديد اللسان ، حديد النظر.
قال : إذ خرج نحو باب المسجد يشتدُّ.
قال : فقلت في نفسي : ما له لعنه اللّه ، أكلُّ هذا فَرَق مني أن أشاتمه !
قال : وإذا هو قد سمع مالم أسمعٍ : صوت ضَمْضم بن عَمرو الغِفاري ، وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره ، قد جدع بعيرَه ، وحوَّل رحلَه ، وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشرَ قُريش ، اللطيمةَ اللطيمة أموالُكم مع أبى سفيان قد عَرَض لها محمد في أصحابه ، لا أرى أن تدْرِكوها، الغَوْثَ الغَوْثَ.
قال : فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر.
فتجهز الناسُ سراعاً، وقالوا : أيظن محمد وأصحابُه أن تكون كعير ابن
الحضرمى، كلا واللّه ليعلَمنَّ غير ذلك. فكانوا بين رجلين ، إما خارج
وإما باعث مكانَه رجلاً. وأوعبت قريش ، فلما يتخلف من أشرافِها
أحدٌ.
إلا أن أبا لهب بن عبد المطلب تخلف ، وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، وكان قد لاط
له بأربعةِ الاف درهم كانت له عليه ، أفلس بها، فاستأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه
، فخرج عنه ، وتخلف أبو لهب.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدُ اللّه بن أبى نجيحٍ : أن أمية بن خلف كان أجمع القعود، وكان شيخاً جليلاً جسيما ثقيلاً، فأتاه عُقبة بن أبى مُعَيْط ، وهو جالس في المسجد بين ظهرانى قومه ، بمجمرة يحملها، فيها نار ومَجْمَر، حتى وضعها بين يديه ،
ثم قال : يا أبا علىِ، استجمر، فإنما أنت من النساء:
قال : قبحك اللّه وقبَّح ما جئت به ؟
قال : ثم تجهز فخرج مع الناس.
قال ابن
إسحاق : ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسيرَ،
ذكروا ما كان بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ،
فقالوا : إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، وكانت الحرب التي كانت بين
قريش وبين بني بكر-كما حدثني بعض بني عامر بن لُؤَى، عن محمد ابن سعيد
بن المسيب - في ابنٍ لحفص بن الأخْيَف ، أحد بني مَعيص
بن عامر بن لُؤَي ، خرج يبتغى ضالةً له بضَجنان ، وهو غلام حدث في رأسه ذُؤابة،
وعليه حُلَّة له ، وكان غلاماً وضيئاً نظيفاً، فمر بعامر بن يزيد بن عامر بن
المُلَوَّح ، أحد بنى يَعْمَر بن عوف ابن كعب بن عامر بن لَيْث بن بكر بن عبد
مَناة بن كنانة، وهو بضَجْنان ، وهو سيد بنى بكر يومئذ، فرآه فأعجبه
فقال : من أنت يا غلامُ ؟
قال : أنا ابنٌ لحفصِ بن الأخْيف القرشى. فلما ولى الغلام ، قال
عامر بن زيد : يا بنى بكر، ما لكم في قريش من دم ؟ قالوا : بلى واللّه ، إن لنا
فيهم لدماءً
قال : ما كان رجل ليقتل هذا الغلام برَجُله إلا كان قد استوفى
دمه.
قال : فتبعه رجل من بنى بكر، فقتله بدمٍ كان له في قريش؟ فتكلمت
فيه قريش ، فقال عامر بن يزيد : يا معشر قريش "قد كانت لنا فيكم دماء، فما
شئتم ؟ إن شئتم فأدُّوا علينا ما لنا قِبَلَكم ، ونؤدى ما لكم قبلنا، وإن شئتم
فإنما هى الدماء : رجل برجل ، فتجافوا عما لكم قبلنا، ونتجافى عما لنا قبلكم ،
فهان ذلك الغلام على هذا الحى من قريش، وقالوا : صدق ، رجل برجل. فلهوا عنه ، فلم
يطلبوا به.
قال : فبينما أخوه محرز بن حَفْص بن الأخيف يسير بمر الظهران ،
إذ نظر إلى عامر بن يزيد ابن الملَوَّح على جمل له ، فلما راه أقبل إليه حتى أناخ
به ، وعامر متوشح سيفه ، فعلاه مكرز بسيفه حتى قتله ، ثم خاض بطنه بسيفه ؟
ثم أتى به مكة، فعلقه من الليل بأستار الكعبة. فلما أصبحت
قريش رأوا سيف عامر بن يزيد بن عامر معلقاً بأستار الكعبة، فعرفوه فقالوا إن هذا
لسيف عامر بن يزيد، عدا عليه مكرز بن حفص فقتله ، فكان ذلك من أمرهم.
فبينما هم في ذلك من حربهم ، حجز الإسلامُ بينَ الناس فتشاغلوا به ، حتى
أجمعت قريش المسيرَ إلى بدلي ، فذكروا الذي بينهم وبينَ بنى بكر فخافوهم.
ما قاله مكرز شعراً في قتله عامر : وقال مكرز بن حفص في قتله عامراً :
لما رأيتُ أنه هُوَ عامــــــــر تذكرت أشلاءَ الحبيبِ الملحَّبِ
وقلت لنفسى : إنه هُوَ عامـــــرٌ فلا
تَرْهبيه ، وانظري أيَّ مَرْكبِ
وأيقنتُ أني إن أجَللّه ضربـــــة متى ما
أصبْه بالفُرافرِ يَعْطَبِ
خفضتُ له جأشى وألقيتُ كَلْكَلـــى على
بطلٍ شاكي السلاحِ مُجَرَّب
ولم أك لما التف روعى وروعـــه عصارة هجن
من نساء ولا أبَ
حللت به وتري ولم أنس ذحلــــه إذا ما
تناسى ذحله كل عيهب
قال ابن
هشام : الفرافر في غير هذا الموضع : الرجل الأضبط ،
وفى هذا الموضع : السيف ، والعيهب : الذي لا عقل له ، ويقال لتيس الظباء وفحل
النعام : العيهب. قال الخليل : العيهب : الرجل الضعيف عن إدراك وتره.
قال ابن
إسحاق : وحدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير،
قال : لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بنى بكر،
فكاد ذلك يثنيهم ، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، وكان
من أشراف بنى كنانة،
فقال لهم : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه ،
فخرجوا سراعاً.
قال ابن إسحاق : وخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه -
قال ابن هشام : خرج يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر رمضان - واستعمل عمرو ابن أم مكتوم - ويقال اسمه : عبد اللّه ابن أم مكتوم أخا بني عامر بن لُؤي ، على الصلاة بالناس ، ثم رد أبا لبابة من الروحاء، واستعمله على المدينة.
قال ابن
إسحاق : ودفع اللواء إلى مصعب ابن عمير بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدار.
قال ابن
هشام : وكان أبيض.
قال ابن
إسحاق : وكان أمام رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم رايتان سوداوان إحداهما
مع على بن أبي طالب ، يقال لها:
العقاب ، والأخرى مع بعض الأنصار.
قال ابن
إسحاق : وكانت إبل أصحاب رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم يومئذ سبعين بعيراً،
فاعتقبوها فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعلى بن أبى طالب ، ومرثد بن أبى مرثد الغنوي يعتقبون
بعيراً، وكان حمزة بن عبد المطلب ، وزيد بن حارثة، وأبو كبشة، وأنسة، موليا رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتقبون
بعيراً، وكان أبو بكر، وعمر وعبد
الرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً.
قال ابن
إسحاق : وجعل على السَّاقة قيس بن أبي صعصعة أخا بنى
مازن بن النجار. وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ، فيما
قال ابن
هشام
قال ابن إسحاق : فسلك طريقه من المدينة إلى مكة، على نَقْب المدينة، ثم على العقيق ، ثم على ذي الحُليفة، ثم على أولات الجَيْش.
قال ابن هشام ،: ذات الجيش.
قال ابن إسحاق : ثم مر على تُرْبان ، ثم على مَلَل ، ثم غَميس الحَمام من مَرَرَيْن ، ثم على صُحَيْرات اليمام ، ثم على السَّيالة، ثم على فَجِّ الرَّوْحاء، ثم على شَنُوكة، وهى الطريق المعتدلة، حتى إذا كان بعرق الظبية -
قال ابن هشام : الظبية : عن غير ابن إسحاق - لقوا رجلاً من الأعراب ، فسألوه عن الناس فلم ، يجدوا عنده خبراً. فقال له الناس : سلِّم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
قال : أوفيكم رسول اللّه ؟ قالوا : نعم ، فسلَّم عليه ،
ثم قال : إن كنت رسول اللّه فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه. قال له سَلَمة بن سلامة بن وَقش: لا تسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،، وأقبل علىَّ فأنا أخبرك عن ذلك. نزوت عليها، ففى بطنها منك سَخْلة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مَهْ أفحشْتَ على الرجل ، ثم أعرض عن سَلمة ونزل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم سَجْسج وهى بئر الرَّوْحاء ثم ارتحل منها، حتى إذا كان بالمنْصَرَف ، ترك طريق مكة بيسار، وسلك ذات اليمين على النازية، يريد بدراً، فسلك في ناحية منها، حتى جَزَع وادياً، يقال له رُحْقان ، بين النازية وبين مَضِيق الصَّفْراء، ثم على المضيق ، ثم انصب منه ، حتى إذا كان قريباً من الصفراء، بعثَ بَسْبَس ابن الجُهَنى حليفَ بني ساعدة، وعَدِي بن أبي الزّغْباء الجهنى، حليف بنى النجار، إلى بدر يتحسسان له الأخبار، عن أبي سفيان ابن حرب وغيره ، ثم ارتحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد قدمها. فلما استقبل في الصَّفراء، وهي قرية بين جَبَلين ، سأل عن جبليهما ما اسماهما؟
فقالوا: يقال لأحدهما، هذا مُسْلح ، وللآخر : هذا مُخْزِىء، وسأل عن أهلهما فقيل : بنو النار وبنو حُراق ، بطنان من بني غِفار فكرههما رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما : فتركهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له : ذَفِرَان ، فجزع فيه ، ثم نزل.
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار الناس ، وأخبرهم عن
قريش، فقام أبو بكر الصديق ،
فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن
الخطاب ، فقال وأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو
فقال : يا رسول اللّه ، امضِ لما أراك اللّه فنحن معك ، واللّه لا
نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى :{ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ
فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ }.[المائدة: ٢٤]. ولكن
اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى بَرْك
الغماد لجالدنا معك من دونه ، حتى تبلغه. فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيراً، ودعا له به.
ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أشيروا عليَّ أيها الناس. وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم
عدد الناس ، وأنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا : يا رسول اللّه ، إنا بُراء من
ذمامِك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه
أبناءَنا ونساءَنا. فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتخوَّف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه
بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.
فلما قال ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ : واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه
؟ قال أجل :
قال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ،
وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول اللّه لما
أردت فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحق ، لو استعرضت بنا هذا البحر فخُضته لخضناه معك
، ما تخلَّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنَّا لَصُبُرٌ في
الحرب ، صُدُقٌ في اللقاء، لعل اللّه يُريك منا ما تقر به عينُك ، فسِر بنا على
بركة اللّه. فسُر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقول سعد، ونشَّطه ذلك ،
ثم قال : سيروا وأبشروا، فإن اللّه تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين ،
واللّه لكأنى الآن أنظر إلى مصارع القوم.
ثم ارتحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من ذَفران ، فسلك على ثَنايا، يقال لها: الأصَافِر، ثم انحط منها إلى بلد يقال له : الدَّبَّة، وترك الحَنَّان بيمين وهو كَثيب عظيم كالجبل العظيم ، ثم نزل قريباً من بدر فركب هو ورجل من أصحابه.
قال ابن هشام : الرجل هو أبو بكر الصديق.
قال ابن إسحاق : كما حدثني محمد بن يحيى بن حبان : حتى وقف على شَيْخ من العرب ، فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه ، وما بلغه عنهم ؟ فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك. قال أذاك بذاك ؟
قال : نعم قال الشيخ : فإنه بلغنى أن محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش. فلما فرغ من خبره ،
قال : ممن أنتما؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : نحن من ماء، ثم انصرف عنه. قال يقول الشيخ : ما من ماء، أمن ماء العراق ؟
قال ابن هشام : يقال : ذلك الشيخ : سفيان الضَّمْري.
قال ابن إسحاق : ثم رجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه ، فلما أمسى بعث علىَّ بن أبى طالب ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، في نفر من أصحابه ، إلى ماء بدر، يلتمسون الخبر له عليه - كما حدثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير - فأصابوا رَاويةً لقريش فيها أسْلَم ، غلام بني الحجَّاج ، وعَرِيض أبو يسار، غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلى، فقالا : نحن سقاة قريش ، بعثونا نسقيهم من الماء فكره القومُ خبرَهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ، فضربوهما. فلما أذلقوهما قالا : نحن لأبى سفيان ، فتركوهما. وركع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وسجد سجدتيه ، ثم سلم ،
وقال : إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما،. صدقا، واللّه إنهما لقريش، أخبراني عن قريش ؟ قالا : هم واللّه وراء هذا الكَثيب الذي ترى -بالعُدْوة القُصْوى - والكثيب : العَقَنْقَل.
فقال لهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كم القوم ؟ قالا : كثير؟
قال : ما عدتهم ؟ قالا : لا ندري ،
قال : كم ينحرون كل يوم ؟ قالا : يوماً تسعاً، ويوماً عشراً، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : القوم فيما بين التسع مئة والألف.
ثم قال لهما : فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا : عتبة ابنِ ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخْتَري بن هشام ، وحَكيم بن حِزام ، ونوْفل بن خوَيلد، والحارث بن عامر بن نَوْفل ، وطُعَيْمة بن عَدِي ابن نَوْفل ، والنَّضْر بن الحارث ، وزَمَعَة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، ونُبَيه ، ومُنَبّه ابنا الحجاج ، وسُهَيل بن عمرو، وعَمرو ابن عبد ود. فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الناس ،
فقال : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها.
قال ابن إسحاق : وكان بَسْبَس بن عمرو، وعدي بن أبي الزَّغْباء قد مضيا حتى نزلا بدراً، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شَنًّا لهما يسقيان فيه ، ومجدي بن عمرو الجهنى على الماء فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر، وهما يَتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها : إنما تأتي العيرُ غداً أو بعد غدٍ ، فأعمل لهم ، ثم أقضيك الذي لك ، قال مَجْدِي : صدقتِ ، ثم خلَّص بينهما.
وسمع ذلك عَدي وبَسْبس ، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبراه بما سمعا.
وأقبل أبو سفيان بن حرب ، حتى تقدم العير حذَراً، حتى ورد الماء؟ فقال
لمجدي بن عمرو : هل أحسستْ أحداً؟
فقال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا
إلى هذا التل ، ثم
استقيا في شَنٍّ لهما، ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مُناخَهما، فأخذ من أبعارِ بعيريهما، ففته ، فإذا
فيه النوى؟
فقال : هذه واللّه علائف يثرب. فرجع إلى أصحابه سريعاً، فضرب وجه
عيره عن الطريق ، فساحَلَ بها، فترك بدراً بيسار وانطلق حتى أسرع.
قال : وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجُحْفة، رأى جُهَيم بن الصَّلْت
بن مَخْرمة بن عبد المطلب ابن عبد مناف
رؤيا،
فقال : إنى رأيت فيماّ يرى النائم ، وإنى لبين النائم واليقظان ،
إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف ، ومعه بعير له ؟
ثم قال : قُتل عُتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن
هشام ، وأمية بن خَلَف ، وفلان وفلان ، فعدد رجالاً ممن قُتل يوم بدرِ، من أشراف
قريش ، ثم رأيته ضرب في لَبَّة بعيره ، ثم
أرسله في العسكر؟ فما بقى خباء من أخْبية
العسكر إلا أصابه نَضْح - من دمه.
قال : فبلغتْ أبا جهل ؟
فقال : وهذا أيضاً نبى آخر من بني المطلب ، سيعلم غداً من المقتول
إن نحن التقينا.
قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحْرز عيره ، أرسل إلى قريش : إنكم إنما خرجتم لتَمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجاها اللّه ، فارجعوا؟ فقال أبو جهل بن هشام : واللّه لا نرجع حتى نرد بدراً - وكان بدر موسماً من مواسم العرب ، يجتمع لهم به سوق كل عام - فنقيم عليه ثلاثاً، فننحر الجُزر، ونطعم الطعام ونُسْقي الخمر، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا.
وقال الأخنس بن شريق بن عمرو ابن وهب الثقفي : وكان حليفاً لبنى زُهرة وهم
بالجُحْفة : يا بنى زُهرة، قد نجَّى اللّه لكم أموالكم ، وخَلَّص لكم صاحبكم
مَخْرمة بن نوفل ، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله ، فاجعلوا لي جُبْنَها وارجعوا، فإنه
لا حاجة لكم بأن تخرجوا في ضَيْعة، لا ما يقول هذا، يعنى أبا جهل. فرجعوا، فلم يشهدها زُهْرِيّ واحد، أطاعوه وكان
فيهم مُطاعاً.
ولم يكن بقى من قريش بطن إلا وقد نَفر منهم ناس ، إلا بنى عَدِي بن كعب ،
لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس بن شَرِيق ، فلم يشهد بدراً من
هاتين القبيلتين أحد، ومشى القوم. وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة،
فقالوا : واللّه لقد عرفنا يا بنى هاشم ، وإن خرجتم معنا، أن هواكم
لمع محمد: فرجع طالب إلى مكة مع من رجع. ، وقال طالب بن أبى طالب :
لاهُمَّ إمايَغْزُوَنَّ
طالـــــبْ في عُصبةٍ محالف مُحاربْ
في مِقْنبٍ من هذه المقانــبْ فليكن
المسلوب غيرَ السالبْ
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن
هشام : قوله " فليكن المسلوب "، وقوله
: " وليكن المغلوب " عن غير واحد من
الرواة للشعر.
قال ابن
إسحاق : ومضت قريش حتى نزلوا بالعُدْوَة القُصْوَى
من الوادي ، خلف العَقَنْقَل وبطن الوادي ، وهو يَلْيَل ، بين بدر وبين
العَقَنْقَل الكثيب الذي خلفه قريش، والقُلُب ببدر في العُدْوة الدنيا من بطن
يَلْيَل إلى المدينة.
وبعث اللّه السماء، وكان الوادي دَهْساً، فأصاب رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه منها ما لَبَّد
لهم الأرضَ ، ولم يمنعهم عن السير، وأصاب قريشاً منها مالم يقدروا على أن يرتحلوا
جمعه. فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به.
قال ابن إسحاق : فحُدثت عن رجال من بني سَلمة، أنهم ذكروا: أن الحُباب بن المنذر ابن الجَموح
قال : يا رسول اللّه ؟ أرأيتَ هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلَكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ، ولا نتأخر عنه ، أم هو الرأيُ والحربُ والمكيدة؟
قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
فقال : يا رسول اللّه ، فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتى أدنى ماء من القوم ، فننزله ثم نُغَوِّر ما وراءه من القُلُب ، ثم نبنى عليه حوضاً فنمْلؤه ماء، ثم نقاتل القوم ، فنشرب ولا يشربون ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد أشرتَ بالرأي. فنهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ، ثم أمر بالقُلُب فغُوِّرت ، وبنى حَوْضا على القُلُب الذي نزل عليه فملىء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية.
قال ابن
إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن أبى بكر أنه حُدث : أن
سعد بن معاذ
قال : يا نبى اللّه ، ألا نبتني لك عريشاً تكون فيه ، ونُعد عندك
ركائبك ، ثم نلقى عدونا فإن أعزنا اللّه وأظهرنا على
عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا،
فقد تخلف عنك أقوام ، يا نبى اللّه ، ما نحن بأشد لك حبًّا منهم ، ولو ظنوا أنك
تلقى حرباً ما تخلفوا عنك ، يمنعك اللّه بهم ، يناصحونك ويجاهدون معك ، فأثنى عليه
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بُنى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عريشٌ ، فكان فيه
قال ابن
إسحاق : وقد ارتحلت قريش حين أصبحت ، فأقبلت ، فلما
رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تَصوَّب من العَقَنْقَل - وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي
قال : اللّهم هذه قريش قد أقبلت بخُيلائها وفخرها، تُحادُّ ك
وتكذِّب رسولَك ، اللّهم فنصرَك الذي وعدتنى، اللّهم أحِنْهم الغداة.
وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وقد رأى عتبةُ بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر: إن
يكن في أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يَرْشُدوا.
وقد كان خُفاف بن أيماء بن رَحَضة الغِفاري ، أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري ، بعث إلى قريش، حين مروا به ،
ابناً له بجزائره أهداها لهم ،
وقال : إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا.
قال : فأرسلوا إليه مع ابنه : أن وصَلَتْك رَحِم ، قد قضيت الذي
عليك فلعَمْري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم ، ولئن كنا إنما
نقاتل اللّه ، كما يزعم محمد، فما لأحد باللّه من طاقة.
فلما نزل الناس أقبل نفرٌ من قريش حتى وردوا حوضَ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، فيهم حكيم بن حزام ،
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دعوهم : فما شرب منه رجل يومئذ إلا قُتل ، إلا ما كان من حَكيم بن حزام ،
فإنه لم يُقتل ، ثم أسلم
بعد ذلك ، فحسن إسلامه. فكان إذا جهد في يمينه ،
قال : لا والذي نجانى من يوم بدر.
قال ابن إسحاق : وحدثني أبي : إسحاق بن يسار، وغيره من أهل العلم ، عن أشياخ من الأنصار،
قالوا: لما اطمأن القوم ، بعثوا عُمَير بن وهب الجُمَحى
فقالوا : احْزُروا لنا أصحاب محمد،
قال : فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم ،
فقال : ثلاث مئة رجل ، يزيدون قليلاً أو ينقصون ، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد؟
قال : فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئاً، فرجع إليهم
فقال : ما وجدت شيئاَ، ولكن قد رأيت ، يا معشر قريش، البَلايا تحمل المنايا، نواضح يَثْرب تحمل الموتَ الناقع ، قوم ليس معهم مَنَعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، واللّه ما أرى أن يُقتل رجل منهم ، حتى يَقتل رجلاً منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك ؟ فَرَوْ رأُيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عُتبة بن ربيعة،
فقال : يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تُذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟
قال : وما ذاك يا حكيم ؟
قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمرَ حليفك عَمرو ابن الحضرمى،
قال : قد فعلتُ ، أنت عليَّ بذلك ، إنما هو حليفي ، فعلىَّ عقلُه وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية.
قال ابن
هشام : والحنظلية أم أبى جهل ، وهى أسماء بنت
مُخَرَّبة، أحد بنى نَهْشِل بن دارم بن مالك بن حنظلة ابن مالك بن زيد مناة بن
تميم - فإنى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره ، يعنى أبا جهل بن هشام. ثم قام عُتبة بن ربيعة خطيباً،
فقال : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما تصنعون بأن تلْقَوْا محمداً
وأصحابه شيئاً، واللّه لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه
، قَتل ابنَ عمه وابنَ خاله ، أو رجلاً من عشيرته ، فارجعوا أو خلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم ، وإن كان
غير ذلك ألفاكم ولم تَعَرَّضوا منه ما تريدون.
قال حَكيم : فانطلقتُ حتى جئتُ أبا جهل ، فوجدته قد نَثَل دِرْعاً له من
جرابها، فهو يَهْنِئها. -
قال ابن
هشام : يُهيئها -
فقلتُ له : يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، للذي قال ،
فقال : انتفخ واللّه سَحْرُه حين رأى محمداً وأصحابه ، كلا واللّه
لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبينَ محمد، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن
محمداً وأصحابه أكلةَ جَزُور، وفيهم ابنه ، فقد تخوَّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحَضْرمى،
فقال : هذا يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم
فأنشد خُفْرَتَك ، ومقتل أخيك.
فقام عامر بن الحَضْرمى فاكتشف ثم صرخ : واعَمْراه. واعَمْراه ، فحميت الحرب ، وحَقِب الناس ، واستوسقوا على
ما هم عليه من الشَّرِّ. وأفسد على الناس الرأيُ الذي دعاهم إليه عتبة.
فلمابلغ عُتبة قول أبى جهل "انتفخ واللّه سَحْرُه "،
قال : سيعلم مُصَفِّرُ استِه من انتفخ سَحْرُه ، أنا أم هو؟
قال ابن
هشام : السَّحْر : الرئة وما حولها مما يعلق بالحلقوم
من فوق السرة. وما كان تحت السرة، فهو القُصْب ، ومنه قوله : رأيت عَمرو بن لحى يجر قُصْبَه في النار.
قال ابن هشام
: حدثني بذلك أبو عبيدة.
ثم التمس عُتبة بَيْضةً ليُدخلها في رأسه ، فما وجد في الجيش
بيضة تسعه من عظم هامته. فلما رأى ذلك اعتجر على رأسه بُبرد له.
قال ابن
إسحاق : وقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى، وكان
رجلاً شَرِساً سيِّئ الخُلُق ،
فقال : أعاهد اللّه لأشربنَّ من حوضِهم ، أو لأهدِمَنَّه. أو لأموتَنَّ دونه ، فلما خرج ، خرج إليه حمزة بن عبد
المطلب ، فلما التقيا ضربه حمزة فأطن قدمَه بنصف ساقه
، وهو دون الحَوْض فوقع على ظهره تشخب رجله دما نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحَوْض حتى اقتحم فيه ، يريد أن يبر بيمينه ،
وأتبعه حمزةُ فضربه حتى قتله في الحوض.
قال : ثم خرج بعدُ عتبة بن ربيعة، بين أخيه شَيْبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عُتبة، حتى إذا فَصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فِتية من الأنصار ثلاثة وهم : عَوْف ، ومعُوّذ، ابنا الحارث - وأمهما عفراء - ورجل آخر، يقال : هو عبد اللّه بن رَوَاحةَ
فقالوا : من أنتم ؟
فقالوا : رهط من الأنصار
قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم : يا محمد، أخرجْ إلينا اكْفاءَنا من قومنا؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قم يا عُبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة، وقم يا علىّ، فلما قاموا ودنوا منهم ،
قالوا: من أنتم ؟ قال عُبي دة : عبيدة، وقال حمزة : حمزة، وقال عليّ : علىّ قالوا : نعم ، أكْفاء كرام ، فبارز عبيدة، وكان أسن القوم ، عُتبة بن ربيعة وبارز حمزة شَيْبة بن ربيعة وبارز على الوليد بن عتبة. فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله
وأما علي فلم يمهل الوليد أن قتله واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه ، وكَرَّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتبة فذَفَّفا عليه ، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عُمر بن قتادة : أن عُتبة ابن ربيعة قال للفتية من الأنصار حين انتسبوا : أكفاء كرام ، إنما نريد قومنا.
قال ابن
إسحاق : ثم تزاحف الناس ودنا بعضُهم من بعض ، وقد أمر رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى
يأمرَهم ،
وقال : إن اكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنَّبْل ، ورسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العريش ،
معه أبو بكر الصديق.
فكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان.
قال ابن
إسحاق : كما حدثني أبو جعفر محمد بن على بن الحسين.
قال ابن إسحاق : وحدثني حَبَّان ابن واسع بن حَبَّان عن أشياخ من قومه : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عَدَّل صفوفَ أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدل به القوم ، فمر بسَواد بن غَزِيَّة، حليف بنى عدي بن النجار -
قال ابن هشام : يقال ، سَوَّاد، مثقلة، وسواد في الأنصار غير هذا، مخفف - وهو مُسْتَنْتل من الصف -
قال ابن هشام : ويقال مُسْتَنصلِ من الصف - فطعن في بطنه بالقدْح ،
وقال : استوِ يا سَوَّاد
فقال : يا رسول اللّه ، أوجعتنى وقد بعثك اللّه بالحق والعدل ،
قال : فأقدْني فكشف رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن بطنه ،
وقال : استقدْ،
قال : فاعتنقه فقبَّل بطنه :
فقال : ما حملك على هذا يا سَواد؟
قال : يا رسول اللّه ، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخرُ العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدَك. فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير، وقاله له.
قال ابن
إسحاق : ثم عدَّل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصفوف ورجع إلى العريش فدخله ، ومعه فيه أبو بكر الصديق ، ليس معه فيه غيره ، ورسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم يناشد ربَّه ما وعده من
النصر، ويقول فيما يقول : اللّهم إن تَهْلك هذه العصابة اليوم لا تُعْبد، وأبو
بكر يقول : يا نبِىِ اللّه ، بعضَ مُناشدتك ربك ،
فإن اللّه مُنْجِز لك ما وعدك. وقد خفق رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم خَفْقةً وهو في العريش ، ثم انتبه
فقال : أبشرْ يا أبا بكر، أتاك نصرُ اللّه ، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرس - يقوده ، على ثناياه النَّقْعُ.
قال ابن
إسحاق : وقد رُمِي مِهْجع ، مولى عمر
بن الخطاب بسهم فقُتل فكان أول قتيل من المسلمين ثم رُمى حارثة بن سُرَاقة، أحد بنى عَدِي بن النجار، وهو يشرب
من الحَوْض ، بسهم فأصاب نحره ، فقُتل.
قال : ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الناس فحرَّضهم ،
وقال : والذي نفس محمد بيده ، لا يقاتلهم اليومَ رجلٌ فيُقتل صابراً محتسباً، مُقبلاً غير مُدْبر، إلا أدخله اللّه الجنة.
فقال عُمَيْر بن الحُمام أخو بني سَلمة، وفى يده تمرات يأكلهن : بَخْ بَخْ ، أفما بيني وبين أن أدخلِ الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء، ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه ، فقاتل القومَ حتى قُتل.
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عُمر بن قَتادة : أن عوف ابن الحارث ، وهو ابن عفراء قال يا رسول اللّه ، ما يُضْحك الرب من عبده ؟ قال غَمْسه يَده في العدو حاسراً. فنزع درعاً كانت عليه فقذفها، ثم أخذ سيفَه فقاتل القوم حتى قُتل.
قال ابن
إسحاق : وحدثني محمد ابن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبد اللّه بن ثعلبة بن صُعَيْر العُذْري ، حليف بني
زُهرة، أنه حدثه : لما التقى الناسُ ، ودنا بعضُهم من بعض ، قال أبو
جهل بن هشام : اللّهم أقطَعنا للرحم ، وآتانا بما
لا يُعْرف ، فأحِنْه الغَداةَ. فكان هو المستفتح.
قال ابن
إسحاق : في إن رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم أخذ حفنة من الحَصْباء
فاستقبل قريشاً بها،
ثم قال : شاهتِ الوجوهُ ، ثم نَفَحهم بها، وأمر أصحابه
فقال : شُدُّوا فكانت الهزيمة، فقتَل اللّه تعالى من قَتل من
صناديد قريش ، وأسَر من أسر من أشرافهم. فلما وضع القومُ أيديهم يأسرون ورسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العريش ،
وسعد بن معاذ قائمٌ على باب العريش ، الذي فيه رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ّ ، متوشِّح السيف ، في
نفر من الأنصار يحرسون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، يخافون عليه كَرَّة العدو، ورأى رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم - فيما ذكر لى - في وجه
سَعْد بن معاذ الكراهية لما يصنع الناس ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : واللّه لكأنك يا سعدُ تكره ما يصنع القوم ؟
قال :أجل واللّه يا رسول اللّه ، كانت أول وقعة أوقعها اللّه
بأهل الشرك. فكان الِإثخان في القتل بأهل الشرك أحبَّ إلي من استبقاء الرجال.
قال ابن إسحاق : وحدثني العباس بن عبد اللّه بن معبد، عن بعض أهله ، عن ابن عباس : أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يومئذ : إني قد عرفت أن رجالاً من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، ولا حاجة لهم بقتالنا : فمن لقى منكم أحداً من بنى هاشم فلا يقتُله ومن لقي أبا البَخْتَري بن هشام ابن الحارث بن أسد فلا يقتله ، فإنه إنما أخرج مُسْتكرَهاً.
قال : فقال أبو حُذيفة : أنقتل آباءَنا وأخواتنا وعشيرتنا. ونترك العباس ؟ واللّه لئن لقيتُه لألحِمنه السيف
قال ابن هشام : ويقال لألجمنه السيف
قال : فبلغت رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص - قال عمر : واللّه إنه لأول يوم كَنَّانى فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأبي حَفْص - أيضرب وجه عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالسيف ؟ فقال عمر : يا رسول اللّه ، دعنى فلأضرب عنقهُ بالسيف ، فواللّه لقد نافق فكان أبو حذيفة يقول : ما أنا بامن من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها عنى الشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيداً.
قال ابن إسحاق : وإنما نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قتل أبى البَخْتَري لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذيه ، ولا يبلغه عنه شىء يكرهه ، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قُريش على بني هاشم وبنى المطلب. فلقيه المجَذَّر بن زياد البَلَوي ، حليف الأنصار، ثم من بني سالم بن عَوْف ، فقال المجَذَّر لأبي البَخْتري : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد نهانا عن قتلك - ومع أبي البَختري زميل له ، قد خرج معه من مكة، وهو جُنادة بن مُلَيحة بنت زهير بن الحارث بن أسد، وجنادة رجل من بنى لَيْث واسم أبى البَخْتري : العاص -
قال : وزميلي ؟ فقال له المجذر : لا واللّه ، ما نحن بتاركى زميلك ما أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا بك وحدك ؟
فقال : لا واللّه ، إذن لأموتن أنا وهو جميعاً، لا تتحدث عني نساءُ مكة أني تركت زميلى حرصاً على الحياة. فقال أبو البَخْتري حين نازله المجذّر وأبى إلا القتال ، يرتجز :
لن يُسْلِمَ ابنُ حُرةٍ زميلَـــــهْ حتى يموتَ أو يَرى سبيلَهْ
فاقتتلا، فقتله المجذّر بن زياد. وقال المجذر بن زياد في قتله
أبا البَخْتري :
إما
جَهِلْتَ أو نسيتَ نسبـــى فأثبِت النسبةَ أنىِّ من بَلِى
الطاعنين برماحِ اليَزنــــي والضاربين الكبشَ حتى ينحنِى
بشِّر بيُتمِ من أبوه البَخْتــري أو بَشِّرن بمثلِها من بَنى
أنا الذي يُقال أصلي من بَلـى أطعنُ بالصَّعْدةِ حتى تَنْثَني
وأعبِطِ القِرْنَ بعَضْبٍ مَشْرَفى أرْزِمُ للموتِ كإرزامِ المَرِي
فلا ترى مجذَّراً يَفْرِي فَرِي
قال ابن هشام : " المَري " عن غير ابن اسحاق. والمَري : الناقة التي يستنزل لبنها على عُسر.
قال ابن إسحاق : ثم إن المجذَّر أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
فقال : والذي بعثك بالحق لقد جهدتُ عليه أن يَستأسر فآتيك به ، فأبى إلا أن يُقاتلني ، فقاتلتُهُ فقتلتُه.
قال ابن هشام : أبو البَخْتري : العاص بن هشام بن الحارث بن أسد.
مقتل أمية بن خلف :
قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه ،
قال ابن إسحاق : وحدثنيه أيضاً عن عبد اللّه بن أبى بكر وغيرهما، عن عبد الرحمن بن عوف
قال : كان أمية بن خلف لى صديقاً بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسمَّيت ، حين أسلمتُ ، عبدَ الرحمن ، ونحن بمكة، فكان يلقاني إذ نحن بمكة فيقول : يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكَه أبواك ؟ فأقول : نعم ، فيقول : فإني لاأعرف الرحمن ، فاجعل بينى وبينك شيئاً أدعوك به ، أما أنت فلا تجيبنى باسمك الأول ،
وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف ،
قال : فكان إذا دعانى : يا عبد عمرو، لم أجبه.
قال : فقلت له : يا أبا علىٍّ ، اجعلْ ما شئت ،
قال : فأنت عبد الإله ،
قال :
فقلت : نعم ،
قال : فكنت إذا مررت به
قال : يا عبد الِإله فأجيبه ، فأتحدث معه حتى إذا كان يوم بدر مررتُ به ، وهو واقف مع ابنه ، علىِّ ابن أمية، آخذ بيده ومعى أدراع قد استلبتها، فأنا أحملها فلما رآنى قال لى : يا عبد عمرو، فلم أجبه ،
فقال : يا عبد الِإله ؟
فقلت :نعم ،
قال : هل لك في، فأنا خير لك من هذه الأدراع التي معك ؟
قال : قلت نعم ، ها اللّه ذا.
قال : فطرحتُ الأدراع من يدي ، وأخذت بيده ويد ابنه ، وهو يقول : ما رأيتُ كاليوم قط ، أما لكم حاجة في اللبن ؟
قال : ثم خرجت أمشي بهما.
قال ابن هشام : يريد باللبن ، أن من أسرنى افتديت منه بإبل كثيرة اللبن.
قال ابن إسحاق : حدثني عبد الواحد بن أي عَوْن ، عن سعد ابن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن عوف ،
قال : قال لي أمية بن خلف ، وأنا بينه وبين ابنه ، آخذ بأيديهما : يا عبد الِإله ، مَن الرجل منكم المعلَّم بريشة نعامة في صدره ؟
قال : قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب ، قال ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.
قال عبد الرحمن : فواللّه إنى لأقودهما إذ رآه بلال معى - وكان هو الذي يعذّب بلالاً بمكة على ترك الِإسلام ، فيُخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت ، فيُضجعه على ظهره ثم يأمر بالصَّخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول : لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال : أحَدٌ أَحَدٌ.
قال : فلما رآه ، قال رأس الكفر أمية بن خلف ، لا نجوتُ إن نجا
قال : قلت : أي بلال ، أبأسيري
قال : لا نجوت إن نجا.
قال : قلت أتسمع يابن السوداء،
قال : لا نجوتُ إن نجا.
قال : ثم صرخ بأعلى صوته. يا أنصارَ اللّه ، رأس الكفر أميةُ بن خلف ، لا نجوت إن نجا.
قال : فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المُسْكة وأنا أذُبُّ عنه.
قال : فأخلف رجلٌ السيفَ ، فضرب رِجْل ابنه فوقع ، وصاح أمية صيحة ما سمعتُ مثلَها قط.
قال :
فقلتْ : انجُ بنفسك ولا نجاءَ بك فواللّه ما أغنى عنك شيئاً.
قال : فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما،
قال : فكان عبد الرحمن يقول : يرحم اللّه بلالاً، ذهبت أدراعي وفَجَعني بأسيري.
قال ابن
إسحاق : وحدثني عبد اللّه ابن أبي
بكر أنه حُدث عن ابن عباس
قال : حدثني رجل من بنى غِفار،
قال : أقبلتُ أنا وابن عم لى حتى أصعدنا في جبل يُشرف بنا على
بدر، ونحن مُشركان ، ننتظر الوقعة على من تكون الدَّبْرة، فننتهب مع من ينتهب.
قال : فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة، فسمعنا فيها
حَمْحَمة الخيل ، فسمعت قائلاً يقول : أقدْم حَيْزومُ فأما ابن عمى فانكشف قناعُ
قلبه ، فمات مكانَه ،
وأما أنا فكِدْت أهلِك ، ثم تماسكت.
قال ابن
إسحاق : وحدثني عبد اللّه بن أبي
بكر، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسَيد مالك بن
ربيعة، وكان شهد بدراً، قال ، بعد أن ذهب بصرُه : لو كنتُ اليوم ببدر ومعى بصري
لأريتكم الشِّعْب الذي خرجتْ منه الملائكة، لا أشك فيه ولا أتمارى.
قال ابن
إسحاق : وحدثني أبي : إسحاق بن يسار، عن رجال من بنى
مازن بن النجار، عن أبي داود المازني ، وكان شهد بدراً،
قال : إنى لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه ، إذ وقع
رأسُه قبل أن يصلَ إليه سيفي ، فعرفت أنه قد قتله غيري.
قال ابن
إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مِقْسم ، مولى عبد اللّه
ابن الحارث ، عن عبد اللّه بن عباس ،
قال : كانت سِيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضاً قد أرسلوها على
ظهورهم ، ويوم حُنين عمائم حمراً.
قال ابن
هشام : وحدثني بعضُ أهل العلم أن على
بن أبي طالب
قال : العمائم تيجان العرب وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضاً
وقد أرخوها على ظهورهم ، إلا جبريل فإنه كانت عليه عمامة صفراء.
قال ابن
إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن مِقْسَم ، عن ابن
عباس ،
قال : ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى بدر من الأيام ، وكانوا
يكونون فيما سواه من الأيام عَدداَ ومَدداً لا يَضربون.
قال ابن
إسحاق : وأقبل أبو جهل يومئذ يرتجز، وهو يقاتل ويقول :
ما
تَنْقِم الحربُ العَوانُ منى بازلُ
عامَيْن حديث سِنىّ
لمثلِ
هذا ولدتنى أمى
قال ابن
هشام : وكان شعار أصحاب رسولِ اللّه
صلى اللّه عليه وسلم يوم بدر : أحَدٌ أحَدٌ.
قال ابن
إسحاق : فلما فرغ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم من عَدوه ، أمر بأبى جهل
أن يُلْتمس في القتلى.
وكان أول من لقى أبا جهل ، كما حدثني ثَوْر بن يزيد عن عِكْرمة، عن ابن عباس ، وعبد اللّه بن أبي بكر أيضاً قد حدثني ذلك قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح ، أخو بني سَلمة :
سمعت القوم وأبو جهل في مثل
الحَرَجة -
قال ابن
هشام : الحَرَجة : الشجر الملتف. وفي الحديث عن عمر
بن الخطاب : أنه سأل أعرابيّاً عن الحَرَجة؟
فقال : هي شجرة من الأشجار لا يوصل إليها – وهم يقولون : أبو الحَكم لا يُخلص
إليه.
قال : فلما سمعتها جعلته من شأني ، فصمَدْتُ نحوَه ، فلما أمكننى
حملت عليه ، فضربته ضربة أطنَّت قدمَه بنصف ساقه ، فواللّه ما شبهتها حين طاحت إلا
بالنواة تطيح من تحت مِرْضخة النوى حين يُضرب بها.
قال : وضربني ابنه عِكرمة على عاتقى، فطرح يدي ، فتعلقت بجلْدة
من جَنْبي ، وأجهضنى القتالُ عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأسحبها خلفى،
فلما آذتنى وضعت عليها قدمى، ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها.
قال ابن
إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان.
ثم مر بأبي جهل وهو عَقير: مُعَوّذ بن عفراء، فَضَرَبه حتى
أثبته ، فتركه وبه رمق. وقاتل مُعَوذ حتى قُتل ، فمر عبد اللّه بن مسعود بأبي جهل
، حين أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يُلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم - فيما بلغنى - انظروا -
إن خفىِ عليكم في القتلى - إلى أثر جُرح في ركبته ، فإنى ازدحمت يوماَ أنا وهو على
مأدُبة لعبد اللّه بن جُدْعان ، ونحن غلامان ، وكنت أشفَّ منه بيَسير، فدفعتُهُ
فوقع على ركبتيه ، فجحش في إحداهما جَحْشاً لم يزل أثره به. قال عبد اللّه بن
مسعود : فوجدته بآخر رَمَق فعرفته ، فوضعت رجلي على عُنقه -
قال : وقد كان ضبَث بن مرة بمكة، فآذانى ولكزنى، ثم قلت له : هل أخزاك اللّه يا عدوَّ اللّه ؟
قال : وبماذا أخزانى أعْمَدُ من رجل قتلتموه ، أخْبرنى لمن
الدائرة اليومُ ؟
قال : قلت للّه ولرسوله.
قال ابن
هشام : ضَبَثَ : قبض عليه ولَزِمه. قال ضابىء بن
الحارث البُرْجمى :
فأصبحت
مما كان بَيْنى وبينَكم من الودِّ مثلَ الضابثِ الماءَ باليدِ
قال ابن
هشام :
ويقال : أعَارٌ على رجل قتلتموه ، أخبرنى لمن الدائرة اليوم ؟
قال ابن إسحاق : وزعم رجال من بني مخزوم ، أن ابن مسعود كان يقول : قال لى : لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رُوَيْعي الغنم
قال : ثم احتززت رأسَه
ثم جئت به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
فقلت : يا رسول اللّه ، هذا رأس عدو اللّه أبي جهل ؟
قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه الذي لا إله غيره –
قال : وكانت يمين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم – قال قلتُ نعم ، واللّه الذي لا إله غيره ، ثم ألقيت رأسَه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحمد اللّه.
قال ابن هشام : وحدثني أبو عبيدة وغيره من أهل العلم بالمغازي :
أن عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص ، ومر به : إنى أراك كأن في نفسك شيئاً، أراك تظن أني قتلت أباك ، إنى لو قتلته لم أعتذر إليك من قتله ولكني قتلت خالي العاص بن هشام بن المغيرة، فأما أبوك فإنى مررت به وهو يبحث بحث الثور بروقه فحدت عنه ، وقصد له ابن عمه على فقتله.
قال ابن
إسحاق : وقاتل عُكَّاشة ابن مِحْصَن بن حُرْثان
الأسدي حليف بني عبد شمس بن عبد مناف يوم بدر بسيفه حتى انقطع في يده ، فأتى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعطاه
جِذْلاً من حَطب ،
فقال : قاتلْ بهذا يا عُكَّاشة، فلما أخذه من رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم هزه ، فعاد
سيفاً في يده طويل القامة، شديد المتْن ، أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح اللّه
تعالى على المسلمين ، وكان ذلك السيف يُسمى : العَوْن. ثم لم يزل عنده يَشْهد به المشاهد مع رسولِ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى قُتل
في الرِّدَّة، وهو عنده ، قتله طُليحة ابن خُوَيلد الأسدي ، فقال طُليحة في ذلك :
فما ظنكم بالقومِ إذ تقتلونهـــم أليسوا وأن لم يُسْلموا برجالِ
فإن تك أذاودٌ أصِبْنَ ونِسْــــــوة فلن
تذهبوا فِرْغاً بقتلِ حِبالِ
نصبْت لهم صدرَ الحِمالــــــةِ إنها
معاودة قِيلَ الكُماة نَزَالِ
فيوماً تراها في الجِلالِ مَصُونـــةً ويوماً
تراها غيرَ ذاتِ جِلالِ
عشيَّةَ غادرتُ ابنَ أقرمَ ثاويـــــاً وعُكَّاشة
الغَنْمِي عندَ حجالِ
قال ابن
هشام : حِبال : ابن طُلَيحة بن خُوَيلد.وابن أقْرَم :
ثابت ابن أقْرم الأنصاري.
قال ابن
إسحاق : وعُكَّاشة بن محصن الذي قال لرسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين قال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يدخل الجنة
سبعون ألفاً من أمتى على صورة القمر ليلة البدر.
قال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يجعلنى منهم ،
قال : إنك منهم ، أو اللّهم اجعله منهم ، فقام رجل من الأنصار،
فقال : يا رسول اللّه ، ادع اللّه أن يجعلنى منهم ،
فقال : سبقك بها عُكَّاشة وبردت الدعوةُ.
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيما بلغنا عن أهله : منا خيرُ فارس في العرب ، قالوا ومن هو يا رسول اللّه
؟
قال : عُكَّاشة بن مِحْصَن ، فقال
ذاك رجل منا يا رسول اللّه ،
قال : ليس منكم ولكنه منا للحِلْف
قال ابن
هشام : ونادى أبو بكر الصديق ابنَه عبد الرحمن ، وهو يومئذ مع المشركين ، فقال
أين مالى يا خبيثُ ؟ فقال عبد الرحمن :
لم
يَبْقَ غيرُ شِكَّةٍ ويَعْبــــوبْ وصارمٌ
يَقْتلُ ضُلاَّلَ الشِّيبْ
فيما ذكر لي عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي.
قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد ابن رومان عن عُروة بن الزبير عن عائشة،
قالت : لما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالقتلى أن يُطرحوا في القَليب طُرحوا فيه ، إلا ما كان من أمية بن خلف ، فإنه انتفخ في دِرْعه فملأها، فذهبوا ليحركوه ، فتزايل لحمه ، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. فلما ألقاهم في القليب ، وقف عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
فقال : يأهلَ القَليب. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّاً؟ فإنى قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً.
قالت : فقال له أصحابه : يا رسول اللّه. أتكلم قوماً مَوْتَى؟
فقال لهم : لقد علموا أن ما وعدَهم ربُّهم حقّاً.
قالت عائشة : والناس يقولون : لقد سمعوا ما قلت لهم ، وإنما قال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد علموا.
قال ابن إسحاق : وحدثني حُمَيد الطويل ، عن أنس بن مالك ،
قال : سمع أصحابُ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم من جَوف الليل وهو يقول : يأهلَ القَليب ، يا عتبةَ بن ربيعة، ويا شَيْبة بن ربيعة، ويا اُّمية بن خلف ، ويا أبا جهل بن هشام ، فعدَّد من كان منهم في القَليب : هل وجدتم ما وعدَ ربُّكم حقّاً؟ فإنى قد وجدتُ ما وعدني ربى حقاً؟ فقال المسلمون. يا رسول اللّه ، أتنادي قوماً قد جيفُوا؟
قال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أنَ يجيبونى.
قال ابن إسحاق : وحدثني بعضُ أهل العلم : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال يوم هذه المقالة : يأهل القَليب ، بئس عشيرةُ النبىِّ كنتم لنبيكم ، كذبتمونى وصدقنى الناس ، وأخرجتمونى وأواني الناس ، وقاتلتموني ونصرنى الناس ،
ثم قال : هل وجدتم ما وعدَكم ربُّكم حقّاً؟ للمقالة التي قال.
قال ابن
إسحاق : وقال حسانُ بن ثابت :
عرفتُ ديارَ زَيْنبَ بالكَثيبِ كخَطِّ الوَحْى في الورقِ القَشيبِ
تداولُها الرياحُ وكل جَــــوْنٍ من
الوَسْمِىِّ منهمر سكوبِ
فأمسى رسمها خَلَقــــــاً وأمستْ يباباً
بعدَ ساكِنِها الحبيبِ
فدعْ عنك التذكُّرَ كلَّ يــــومٍ ورُدَّ
حرارةِ الصدرِ الكئيبِ
وخَبِّر بالذي لا عَيْبَ فيــــه بصِدْقٍ
غيرِ إخبارِ الكذوبِ
بما صنع المليكُ غَداةَ بـــدر لنا في
المشركين من النَّصيبِ
غداةَ كأن جَمَعَهُئم حِــــراءٌ بدتْ
أركانُة جُنْح الغروبِ
فلاقَيناهُمُ منا بجَمْــــــع كأسْد
الغابِ مردانٍ وشيبِ
أمامَ محمد قـــــد وازروه على الأعداءِ
في لَفْحِ الحروبِ
بأيديهم صَوارمُ مُرهَفـــات وكلُّ
مجرَّب خَاظِى الكُعوبِ
بنو الأوسِ الغَطارفُ وازرَتْها بنو
النجارِ في الدينِ الصليبِ
فغادرنا أبا جهل صريعـــاً وعُتبةَ قد
تركنا بالجَبوبِ
وشَيْبةَ قد تركنا في رجــال ذوي حسبٍ إذا
نُسبوا حسيبِ
يناديهم رسولُ اللّه لمـــــا قذفناهم
كباكِبَ في القَليبِ
ألم تجدوا كلامي كان حَقُّـــا وأمرُ اللّه
يأخدُ بالقَلوبِ ؟
فما نطقوا، ولو نطقوا لقالـوا: صدقتَ
وكنتَ ذا رأيٍ مُصيبِ
قال ابن
إسحاق : ولما أمر رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم أن يُلقوا في القَليب ،
أخذ عتبة بن ربيعة، فسُحب إلى القليب. فنظر رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغني - في وجه أبي
حذيفة بن عُتبة، فإذا هو كئيب قد تغير لونه ،
فقال : يا أبا حذيفة، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شىء؟ أو كما قال صلى اللّه عليه وسلم
فقال : لا واللّه يا رسول اللّه ، ما شككتُ في أبي ولا في مصرعه ،
ولكنى كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلإ، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الِإسلام ،
فلما رأيت ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بَعْدَ الذي كنت أرجو له ،
أحزنني ذلك ، فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخير، وقال له خيراً.
الفتية الذين نزل فيهم {
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ }: وكان
الفتية الذين قُتلوا ببدر، فنزل فيهم من القرآن ، فيما ذكر لنا : { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي
أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّه وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ
مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [النساء:٩٧]
من بني أسد بن عبد العزى بن قصي : الحارث بن زمعة بن الأسود بن عبد
المطلب بن أسد.
ومن بنى مخزوم : أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد اللّه ابن عُمر بن
مخزوم ، وأبو قَيْس بن الوليد بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.
ومن بني جمَح : علىّ بن أمية بن خلف بن وهب بن حُذافة بن جُمَح
ومن بني سهم : العاص بن مُنَبه بن الحجاج بن عامر بن حُذيفة ابن سعد بن سهم.
وذلك أنهم كانوا أسلموا، ورسول اللّه صلى اللّه عليهوسلم بمكة، فلما هاجر رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة
حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعاً.
ثم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أمر بما في العسكر، مما جَمع الناس ، فجُمع ، فاختلف المسلمون فيه ، فقال من جمعه : هو لنا. ومَال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه : واللّه لولا نحن ما أصبتموه ، لنحن شَغلْنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم وقال الذين كانوا يحرسون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مخافةَ أن يُخالف إليه العدو : واللّه ما أنتم بأحق به منا، واللّه لقد رأينا أن نقتل العدو إن منحنا اللّه تعالى أكتافه ، ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونَه من يمنعه ، ولكنا خِفنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كَرَّة العدو، فقمنا دونَه فما أنتم بأحق به منا.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى عن مكحول ، عن أبي أمامة الباهلي واسمه صُدَيُّ بن عَجْلان فيما
قال ابن هشام -
قال : سألت عُبادة بن الصامت عن الأنفال ،
فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه اللّه من أيدينا، فجعله إلى رسوله ، فقسمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين المسلمين عن بَوَاء. يقول : على السواء.
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد اللّه بن أبي بكر،
قال : حدثني بعضُ بني ساعدة عن أبي أسَيد الساعدي مالك بن ربيعة،
قال : أصبتُ سيف بني عائط المخزوميين الذين يسمَّى المَرْزُبان يوم بدر، فلما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الناسَ أن يردوا ما في أيديهم من النَّفْل ، أقبلتُ حتى ألقيته في النفل.
قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يمنع شيئاً سُئله ، فعرفه الأرقم بن أبى الأرقم ، فسأله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأعطاه إياه.
قال ابن
إسحاق : ثم بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عندَ الفتح عبدَ اللّه بن رَواحة بشيراً إلى أهل العالية، بما فتح اللّه
عز وجل على رسوله صلى اللّه عليه وسلم وعلى المسلمين ، وبعث زَيد بن حارثة إلى أهل السَّافلة. قال أسامة بن زيد
: فأتانا الخبر - حين سَوَّيْنا الترابَ على رُقية ابنة رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، التي كانت عند عثمان بن
عفان. كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خَلفنى عليها مع عثمان - أن زيد بن حارثة قد قدم.
قال : فجئته وهو واقف بالمصلى قد غشيه الناس ، وهو يقول : قُتل
عتبة بن ربيعة، وشيْبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام ، وزَمْعَة بن الأسود، وأبو البَخْتري العاص بن هشام ، وأمية بن
خلف ، ونُبيه ومُنبه ابنا الحجاج.
قال : قلت : يا أبتِ ، أحقٌّ هذا؟
قال : نعم ، واللّه يا بني.
ثم أقبل رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قافلاً إلى المدينة، ومعه الأسارى من المشركين ، وفيهم
عُقبة بن أبي مُعَيْط ، والنَّضر بن الحارث ، واحتمل رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم معه النفل الذي أصيب من
المشركين ، وجعل على النفل عبدَ اللّه بن كعب بن عمرو بن عَوْف بن مبذول ابن غَنْم
بن مازن بن النجار فقال راجز من المسلمين
قال ابن
هشام : يقال : إنه عدي بن أبى الزَّغْباء:
أقِمْ لها صدورَها يا بَسْبَـــسُ ليس بذي الطَّلْحِ لها مُعَرَّسُ
ولا بصحراءِ غُمَيْر مَحْبَــس إن مطايا
القومِ لا تُخَيَّس
فحمْلُها على الطريق أكْيَــس قد نصر اللّه
وفرَّ الأخْنَسُ
ثم أقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - حتى إذا خرج من مَضيق الصفراء نزل على كثيب بين المضيق وبين النازية - يقال له : سير - إلى سَرْحة به فقسم هنالك النفل الذي أفاء اللّه على المسلمين من المشركين على السواء، ثم ارتحل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى إذا كان بالروحاء لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح اللّه عليه ومن معه من المسلمين ، فقال لهم سَلَمة بن سلامة - كما حدثني عاصم بن عُمر بن قتادة، ويزيد بن رُومان - : ما الذي تهنئوننا به ؟ فواللّه إن لقينا إلا عجائزَ صُلْعاً كالبُدْن المعقَّلة، فنحرناها، فتبسم.رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
ثم قال : أي ابن أخي ، أولئك الملأ
قال ابن هشام : الملأ:الأشراف والرؤساء.
قال ابن
إسحاق : حتى إذا كان رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم بالصَّفْراء قُتل النضر
بن الحارث ، قتله على بن أبى طالب ، كما أخبرنى بعض أهل العلم من أهل مكة.
قال ابن
إسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرْق الظَّبْية قُتل عُقبة ابن أبي مُعَيْط.
قال ابن
هشام : عِرْق الظَّبية عن غير ابن إسحاق.
قال ابن
إسحاق : والذي أسر عُقبة : عبدُ اللّه بن سلمة أحد
بني العَجْلان.
قال ابن
إسحاق : فقال عُقبة حين أمر رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقتله : فمن
للصبية يا محمد؟
قال : النار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح الأنصاري ، أخو
بنى عَمرو بن عوف ، كما حدثني أبو عُبيده بن محمد بن عمار بن ياسر.
قال ابن
هشام : ويقال قتله علىُّ بن أبى طالب فيما ذكر لى ابن
شهاب الزهري وغيره من أهل
العلم.
قال ابن
إسحاق : ولقى رسولَ اللة صلى اللّه
عليه وسلم بذلك الموضع أبو هند،
مولى فَرْوة بن عَمرو البَياضى بحَميت مملوء حَيْساً. ،
قال ابن
هشام : الحَميت : الزّق ، وكان قد تخلف عن بدر، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، وهو كان حَجَّامَ رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنما هو
أبو هند امرؤ من الأنصار.
فأنكِحوه ، وأنكِحوا إليه ، ففعلوا.
قال ابن
إسحاق : ثم مضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى قدم المدينة قبلَ الأسارَى بيوم.
قال ابن
إسحاق : وحدثني عبدُ اللّه بن أبى بكر أن يحيى بن عبد
اللّه بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة،
قال : قدم بالأسارى حين قُدم بهم ، وسَوْدة بنت زَمْعة زوج النبى
صلى اللّه عليه وسلم عند آل
عفراء، فىمناحتهم على عَوْف ومعوذ ابنى عفراء، وذلك قبل أن يُضرب عليهن الحجاب.
قال : تقول سَوْدة : واللّه إنى لعندهم إذ أتينا، فقيل : هؤلاء
الأسارى، قد أتى بهم.
قالت : فرجعتُ إلى بيتي ، ورسولُ اللّه
صلى اللّه عليه وسلم فيه ، وإذا أبو يزيد
سُهيل بن عمرو في ناحية الحجرة، مجموعة يداه إلى عُنقه بحبل
قالت : فلا واللّه ما ملكت نفسى حين رأيت أبا يزيد كذلك أن قلت
: أي أبا يزيد : أعطيتم بأيديكم ، ألا مُتم كراماً، فواللّه ما أنبهني إلا قول رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم من البيت :
يا سَوْدة، أعلى اللّه ورسوله تُحرّضين ؟!
قالت : قلتُ : يا رسول اللّه ، والذي بعثك بالحق ، ما ملكت نفسى حين رأيت أبا يزيد
مجموعة يداه إلى عنقه أن قلتُ ما قلتُ
قال ابن
إسحاق : وحدثني نُبيه بن وهب ، أخو بني عبد الدار،
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أقبل بالأسارى فرقهم بين أصحابه ، وقال. استوصوا بالأسارى خيراً.
قال : وكان أبو عزيز ابن عُمَير بن هاشم ، أخو مُصْعَب بن عُمير
لأبيه وأمه في الأسارى.
قال : فقال أبو عزيز: مَرَّ بى أخي مُصْعب بن عُمير ورجل من
الأنصار يأسرني ،
فقال : شد يديك به ، فإن أمه ذات متاعً ، لعلها تفديه منك ، قَال
وكنت في رَهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدَّموا غداءهم وعشاءهم
خصوني بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز
إلا نفحني بها.
قال : فأستحيى فأردها على أحدهم ، فيردها عليَّ ما يمسها.
قال ابن هشام : وكان أبو عزيز صاحب لواء المشركين ببدر بعد النَّضر بن الحارث ،
فلما قال أخوه مُصْعب بن عُمَير لأبى اليَسَر، وهو الذي أسره ، ما قال ، قال له أبو عَزيز : يا أخى، هذه وَصاتُك بى، فقال له مُصْعَب : إنه أخى دونَك. فسألتْ أمه عن أغلى ما فُدِي به قُرشي ، فقيل لها : - أربعة ألاف درهم ، فبعثته بأربعة الاف درهم ، ففدته بها.
قال ابن إسحاق : وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحَيْسُمان ابن عبد اللّه الخُزاعى،
فقالوا : ما وراءك ؟
قال : قُتل عُتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام ، وأمية بن خَلف ، وزَمْعة بن الأسود، ونُبيه ومُنبه ابنا الحجاج ، وأبو البَخْتري بن هشام ، فلما جعل يعدد أشرافَ قريش قال صفوان بن أمية، وهو قاعد في الحِجْر : واللّه إن يَعْقل هذا فاسئلوه عنى
فقالوا : ما فعل صَفْوان بن أمية؟
قال : ها هو ذاك جالساً في الحِجْر، وقد واللّه رأيت أباه وأخاه حين قُتلا.
قال ابن إسحاق : وحدثني حُسين بن عبد اللّه بن عُبيد اللّه بن عباس ، عن عِكْرمة مولى ابن عباس ،
قال : قال أبو رافع مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كنتُ غلاماً للعباس بن عبد المطلب ، وكان الِإسلام قد أدخلنا أهل البيت ، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمتُ وكان العباس يهاب قومَه ويكره خلافَهم وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه ، وكان أبو لهب قد تخلَّف عن بدر، فبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلاً، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته اللّه وأخزاه ، ووجدنا في أنفسنا قوةً وعِزًّا.
قال : وكنت رجلاً ضعيفأ، وكنت أعمل الأقداح ، أنحتها في حُجرة زمزم ، فواللّه إنى لجالس فيها أنحت أقداحي ، وعندي أمُّ الفضل جالسة، وقد سَرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بِشَر. حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري.
فبينما هو جالس إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -
قال ابن هشام : واسم أبى سفيان المغيرة - قد قدم.
قال : فقال أبو لهب : هلمَّ إليَّ ، فعندك لعمري الخبر،
قال : فجلس إليه والناس قيام عليِه ،
فقال : يابن أخي ، أخبرنى كيف كان أمر الناس ؟
قال : واللّه ما هو إلا أن لقينا القومَ فمنحناهم أكتافنا يقودوننا كيف شاءوا، ويأسروننا كيف شاءوا، وايم اللّه مع ذلك ما لُمت الناس ، لقينا رجالاً بيضاً، على خَيْل بُلْق ، بين السماء والأرض ، واللّه ما تُليق شيئاً، ولا يقوم لها شىء.
قال أبو رافع : فرفعت طُنُب الحجرة بيدي ، ثم قلت : تلك واللّه الملائكة
قال : فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهى ضربةً شديدة.
قال : وثاورْتُه فاحتملنى فضرب بي الأرض ، ثم برك عليَّ يضربنى، وكنت رجلاً ضعيفاً. فقامت أم الفضل إلى عمود من عُمد الحجرة، فأخذته فضربته فلَعت في رأسه شَجَّة منْكَرة، وقالت : استضعفته أن غاب عنه سيدُه ؟ فقام مُولِّيا ذليلا، فواللّه ما عاش إلا سبعَ ليالٍ حتى رماه اللّه بالعَدَسة فقتلته.
قال ابن
إسحاق : وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن
الزبير، عن أبيه عَبَّاد،
قال : ناحت قريش على قتلاهم ،
ثم قالوا : لا تفعلوا فيبلُغَ محمداً وأصحابَه ، فيشمَتوا بكم ولا
تبعثوا في أسراكم حتى تسْتأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء. قال
وكان الأسود بن المطَّلب قد أصيب له ثلاثة من ولده ، زَمعة بن الأسود، وعَقيل بن
الأسود، والحارث بن زَمعة، وكان يحب أن يبكي على بنيه ، فبينما هو كذلك إذ سمع
نائحةً من الليل ، فقال لغلام له ، وقد ذهب بصره : أنظر هل أحِلَّ النَّحْب ، هل
بكت قريش على قتلاها؟ لعلى أبكى على أبي حكيمة، يعنى زمعة، فإن جوفى قد احترق
قال : فلما رجع إليه الغلام
قال : إنما هي امرأة تبكى على بعير لها أضلته.
قال : فذاك حين يقول الأسود :
أتبكى أن يَضلَّ لها بعيــــرٌ ويمنعُها من النومِ السُّهودُ
فلا تبكي على بَكْر ولكـــن على بدرٍ
تقاصرتِ الجُدودُ
على بدرٍ سَرَاةِ بنى هُصيْــصٍ ومخزومٍ
ورَهْط أبي الوليدِ
وبَكِّى إن بكيتِ على عَقيــل وبكّى
حارثاً أسَدَ الأسودِ
وبكيِّهم ولا تَسَمى جميعـــــاً وما
لأبي حَكيمةَ من نَدِيدِ
ألا قد ساد بعدَهُمُ رجـــــــال ولولا
يومُ بدر لم يَسُودوا
قال ابن
هشام : هذا إقواء، وهي مشهورة من أشعارهم ، وهي عندنا
إكفاء. وقد أسقطنا من رواية ابن إسحاق ما هو أشهر من هذا.
قال ابن
إسحاق : وكان في الأسارى أبو وَداعة بن ضُبَيْرة
السَّهْمى، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن له بمكة ابناً كَيِّساً تاجراً ذا مال ، وكأنكم به قد
جاءكم في طلب فداء أبيه ، فلما قالت قريش لا تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم
محمد وأصحابه ، قال المطلب بن أبي وَداعة - وهو الذي كان رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم عني - : صدقتم ، لا
تعجلوا، وانسلَّ من الليل فقدم المدينة، فأخذ أباه بأربعة ألاف درهم ، فانطلق به.
فداء سُهَيل بن عمرو : قال ،
ثم بعثت قريش في فداء الأسارى، فقدم مِكْرَز بن
حفص بن الأخْيف في فداء سُهَيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدُّخْشُم ، أخو
بنى سالم بن عوف ،
فقال :
أسرتُ سُهيْلا فلا أبتغـــــي أسيراً به من جميعِ الأممْ
وخِنْدف تعلم أنَّ الفتــــــى فتاها
سُهَيل إذا يُظَّلَمْ
ضربتُ بذي الشَّفْر حتى انثنـى وأكرهتُ
نفسى على ذي العَلَمْ
وكان سُهَيل رجلاً أعلم من شفته السُّفْلَى
قال ابن
هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك ابن
الدُّخْشُم.
قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء، أخو بنى عامر بن لُؤَي ، أن عمر بن الخطاب قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه ، دعنى أنزع ثنيتىْ سَهل بن عمرو، ويَدْلَع لسانه ، فلا يقوم عليك خطيباً في موطن أبداً :
قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا أمثِّل به فيمثل اللّه بى وإن كنت نبياً.
قال ابن إسحاق: وقد بلغنى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعمر في هذا الحديث : إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تَذمُّه. -
قال ابن هشام : وسأذكر حديث ذلك المقام في موضعه - إن شاء اللّه تعالى.
قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مِكْرَز وانتهى إلى رضاهم ، قالوا : - هاتِ الذي لنا،
قال : اجعلوا رجلى مكان رجله ، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه ، فخَلَّوْا سبيل سُهَيل ، وحبسوا مِكْرزاً مكانه عندهم ، فقال مِكْرز :
فديتُ بأذوادٍ ثِمانٍ سِبا فَتـــى ينال الصميمَ غُرمُها لا المواليا
رهنْتُ يدي والمالُ أيسرُ من يدي علىَّ ولكنى خَشيت المخازِيَا
وقلتُ : سُهيلٌ خيرُنا فاذهبوا بـه لأبنائِنا حتى نُديرَ الأمانيا
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا لمِكْرَز.
قال ابن
إسحاق : وحدثني عبد اللّه ابن أبى بكر،
قال : كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب ، وكان لبنت عقبة بن أبي
مُعَيْط -
قال ابن
هشام : أم عمرو بن أبى سفيان - بنت أبى عمرو، وأخت
أبى مُعَيط بن أبى عمرو - أسيراً في يَدَيْ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، من أسرى بدر.
قال ابن
هشام : أسره على بن أبى طالب.
قال ابن إسحاق : حدثني عبد اللّه بن أبي بكر،
قال : فقيل لأبى سفيان : أفد عَمراً ابنك ،
قال : أيجمع علىَّ دمى ومالى؟ قتلوا حَنْظلة، وأفْدِي عَمراً!
دعوه في أيديهم يُمسكوه ما بدا لهم.
قال : فبينما هو كذلك ،محبوس بالمدينة عند رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذ خرج سعدُ
بن النعمان بن أكَّال ، أخو بنى عَمرو بن عَوْف ثم أحد بني معاوية معتمراً ومعه مُرَيَّةٌ له ، وكان شيخاً
مسلما، في غنم له بالنَّقيع فخرج من هنالك معتمراً، ولا يخشى الذي صُنع به ، لم
يظن أنه يُحبس بمكة، إنما جاء معتمراً. وقد كان عَهِدَ قريشاً لا يَعْرضون لأحد
جاء حاجاً أو معتمراً إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان ابن
حرب بمكة فحبسه بابنه عَمْرو،
ثم قال أبو سفيان :
أرهطَ ابنِ أكَّالٍ أجيبوا
دُعــــاءَه تعاقدتم لا تُسلموا السَّيدَ
الكَهْلاَ
فإن بنى عَمْرو لئامٌ أذِلـــــــةٌ لئن
لم يَفُكُّوا عن أسيرِهم الكَبْلا
فأجابه حسان بن ثابت
فقال :
لو كان سعد يومَ مكةَ مُطلقـــاً لأكثرَفيكم قبلَ أن يُؤْسَرَالقَتْلا
بعَضْبٍ حُسَامٍ أو بصفراءَ نبعةٍ تحنُّ
إذا ما أنْبِضَتْ تَحْفِزُالنَّبلا
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخبروه خبره ، وسألوه أن يعطيَهم عمرو بن أبى سفيان
فيفكوا. به صاحبهم ، ففعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فبعثوا به إلى أبي سفيان ، فخلى سبيل سعد.
قال ابن
إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن
عبد العُزَّى بن عبد شمس ، خَتْن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وزوج ابنته زينب.
قال ابن
هشام : أسرهِ خِرَاش بن الصِّمَّة، أحد بني حرام.
قال ابن
إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين ،
مالاً،
وأمانة، وتجارة، وكان لهالة بنت خوَيْلد، وكانت خديجة خالته.
فسألت خديجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يزوجه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يخالفها، وذلك قبل أن ينزل عليه الوحى، فزوَّجه ، وكانت
تعده بمنزلة ولدها : فلما أكرم اللّه رسوله صلى اللّه
عليه وسلم بنبوته آمنت به خديجة وبناته ، فصدَّقْنه ،
وشَهدْن أن ما جاء به الحق ، ودِنَّ بدينه ، وثبت أبو العاص على شركه.
وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد زوج عُتبة بن أبى لهب رُقية، أو أم كلثوم. فلما بادى قريشاً بأمر اللّه تعالى وبالعداوة، قالوا : إنكم قد فَرَّغْتم محمداً من همه ، فردُّوا عليه بناتِهِ ، فاشغلوه بهنَّ فمشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئتَ ،
قال : لا واللّه ، إنى لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بامرأتى امرأةً من قريش. وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يثنى عليه في صِهْره خيراً، فيما بلغني ، ثم مشوا إلى عُتبة بن أبى لهب ، فقالوا له : طَلِّق بنت محمد ونحن ننكحك أي امرأة من قريش شئتَ : فقال ، إن زوجتمونى بنت أبان بن سعيد بن العاص ، أو بنت سعيد بن العاص فارقتها، فزوجوه بنت سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن أدخل بها فأخرجها اللّه من يده كرامة لها، وهواناً له ، وخَلَفَ عليها عثمانُ بن عفان بعده.
وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يُحل بمكة ولا يُحرم مغلوباً على أمره ، وكان الِإسلام قد فرَّق بين
زينب بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أسلمت وبين أبى العاص ابن الربيع ، إلا أن رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق
بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه ، حتى هاجر رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، فلما صارت قريش إلى
بدر، صار فيهم أبو العاص بن الربيع فأصيب في الأسارَى يوم بدر، فكان بالمدينة عند رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم
قال ابن
إسحاق وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن
الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة قالت لما بعث أهلُ مكة في فداءِ أسرائهم ، بعثت زينب بنت رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم في فداء أبي
العاص بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص
حين بَنَى عليها
قالت : فلما رآها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رَقَّ لها رِقةً شديدة
وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالَها،
فافعلوا؟
فقالوا : نعم يا رسول اللّه. فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
قال : وكان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أخذ عليه ، أو وعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، أن يخلى سبيل زينب ، أو كان فيما شرط عليه في إطلاقه ، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيُعلم ما هو، إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخُلي سبيله ، بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار مكانه ،
فقال : كونا ببطن يأجَج حتى تمر بكما زينب ، فتصحباها حتى تأتياني بها. فخرجا مكانَهما، وذلك بعد بدر بشهر أو شَيْعِه ، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تَجَّهز.
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد اللّه بن أبي بكر،
قال : حُدثت عن زينب أنها
قالت : بينا أنا أتجهز بمكة للحوق بأبي لقيتنى هند بنت عتبة، فقالت : يا بنت محمد، ألم يبلغنى أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟
قالت : ما أردتُ ذلك ، فقالت : أي ابنة عمي ، لا تفعلى، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك ، أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ، فإن عندي حاجتك ، فلا تَضْطَني منى فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال.
قالت : واللّه ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل ،
قالت : ولكنى خِفتُها، فأنكرت أن أكون أريد ذلك ، وتجهزت.
كنانة يرجع بزينب حتى تهدأ الأصوات ضدها
فلما فرغت بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من جهازها قَدَّم لها حَمُوها كِنانةُ بن الربيعِ أخو زو جها بعيراً، فركبته ، وأخذ قوسَه وكنانته ، ثم خرج بها نهاراَ يقود بها، وهى في هَوْدج لها. وتحدث بذلك رجال من قريش ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طُوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار ابن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والفِهْري ، فروَّعها هَبَّار بالرُّمح وهي في هودجها، وكانت المرأة حاملاً - فيما يزعمون - فلما رِيعتْ طرحتْ ذا بطنها. وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته ،
ثم قال : واللّه لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهماً، فتكَرْكر الناس عنه. وأتى أبو سفيان في جلَّة من قريش
فقال : أيها الرجل ، كف عنا نبلَك حتى نكلمَك فكف ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ،
فقال : إنك لم تُصب ، خر جت بالمرأة على رؤوس الناسِ علانية، وقد عرفتَ مصيبتَنا ونكبتَنا، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذُلّ أصابنا عن مصيبتنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضَعْف ووَهْن ، ولعَمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، ومالنا في ذلك من ثُؤْرة، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصواتُ ، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسُلَّها سِرًّا، وألحقها بأبيها
قال : ففعل. فأقامت لياليَ ، حتى إذا هدأت الأصواتُ خرج بها ليلاً حتى أسلمها إلى زيد ابن حارثة وصاحبه ، فقدما بها على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
شعر لأبي خيثمة في شأن زينب :
قال ابن إسحاق : فقال عبد اللّه بن رواحة : أو أبو خَيْثمة، أخو بنى سالم بن عوف في الذي كان من أمر زينب -
قال ابن هشام : هي لأبى خيثمة-:
أتانى الذي لا يقدرُ الناسُ قَــــدْرَه لزينَب فيهم من عُقوقٍ ومَأثَم
وإخراجُها لم يُخْزَ فيها محمـــــدٌ على مَأقِطٍ وبيننا عِطْرُ مَنْشَمِ
وأمسى أبوسفيانَ من حِلْفِ ضَمْضَـمً ومن حربنا في رَغْمَ أنفٍ ومَنْدم
قرنَّا ابنَه عَمراً ومولَى يمينـــــه بذي حَلَقٍ جَلْدِالصَّلاصلِ مُحكَمِ
فأقسمْتُ لا تَنْفكُّ منا كتائــب سُراةُ خَميسٍ في لُهامٍ مُسَوَّمِ
نزوعُ قريش الكفرِ حتى نَعُلَّهـا بخاطمةٍ فوقَ الأنوفِ بميْسَمِ
ننزلهم أكنافَ نجدٍ ونخلـةٍ وإن يُتْهموا بالخيلِ والرَّجْلِ نُتهِمِ
يد الدهرِ حتى لا يُعَوَّجُ سِربُنـا ونُلحقهم آثارَ عادٍ وجُرْهم
ويندَم قومٌ لم يُطيعوا محمــداً على أمرِهم وأيّ حين تَنَدُّمِ
فأبلغْ أبا سفيانَ إما لَقِيتَه لئـن أنتَ لم تُخلصْ سجوداً وتُسْلم
فأبشرْ بخزْيٍ في الحياةِ معُجَّلٍ وسِرْبالِ قارٍ خالداً في جَهنمِ
قال ابن هشام : ويروى : وسربال نار.
قال ابن إسحاق : ومولى يمين أبى سفيان ، الذي يعنى : عامر ابن الحضرمي : كان في الأسَارَى وكان حلف الحضرمى إلى حرب ابن أمية.
قال ابن هشام : مولى يمين أبى سفيان ، الذي يعنى : عُقبة بن عبد الحارث بن الحضرمى، فأما عامر بن الحضرمى فقتل يوم بدر.
شعر هند وكنانة في هجرة زينب : ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة فقالت لهم :
أفى السِّلمِ أعْيارٌ جَفاءً وغِلظةً وفي الحربِ أشباهُ النساءِ العَوارِكِ
وقال كنانة بن الربيع في أمر زينب ، حين دفعها إلى الرجلين :
عَجبتُ لهبَّارٍ وأوباقِ قومِـــهِ يريدون إخفاري ببنتِ محمدِ
ولستُ أبالى ما حَيِيتُ عديدهم وما استجمَعَتْ قبضاً يَدِي بالمهتدِ
الرسول يستبيح دم هبار الذي روع ابنته زينب :
قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن بُكَير بن عبد اللّه بن الأشَجّ ، عن سليمان بن يسار، عن أبي إسحاق الدَّوْسي. عن أبى هريرة.
قال : بعث رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم سَرِيَّة أنا فيها. فقال لنا : إن ظفرتم بهبَّار بن الأسود، أو الرجل الاخر الذي سبق معه إلى زينب.
قال ابن هشام : وقد سمى ابنُ إسحاق الرجلَ في حديثه
وقال : هو نافع بن عبد قيس - فحرِّقوهما بالنار : قال ، فلما كان الغدُ بعث إلينا.
فقال : إنى كنت أمرتُكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما. ثم رأيت أنه لا ينبغى لأحد أن يعذِّب بالنارِ إلا اللّه ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما.
المسلمون يستولون على مال لأبي العاص وقدومه لاسترداده :
قال ابن
إسحاق : وأقام أبو العاص بمكة، وأقامت زينب عند رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة.
حين فرق بينهما الِإسلام. حتى إذا كان قُبَيل الفتح ، خرج أبو العاص تاجراً إلى
الشام ، وكان رجلاً مأموناً، بمال له وأموال لرجال من قريش، أبضعوها معه ، فلما
فرغ من تجارته وأقبل قافلاً، لقيته سَرِيَّة لرسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم فأصابوا ماله ، وأعجزهم
هارباً، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله ، أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل
على زينب بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فاستجار بها، فأجارته ، وجاء في طلب مالهِ ، فلما خرج رسولُ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الصبح -
كما حدثني يزيدُ بن رومان - فكبر وكبر الناس معه ، صرخت زينبُ من صُفَّة النساء :
أيها الناس ، إنى قد أجرتُ أبا العاص ابن الربيع ،
قال : فلما سلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس ،
فقال : أيها الناس ! هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا : نعم ؟
قال : والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما
سمعتُ ، إنه يُجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسول اللة صلى اللّه
عليه وسلم، فدخل على ابنته ،
فقال : أي بُنَية، أكرمى مثواه ، ولا يخلصنَّ إليك ، فإنك لا تحلين له.
المسلمون يردون على أبي العاص ماله وإسلامه بعد
ذلك :
قال ابن
إسحاق : وحدثني عبد اللّه بن أبي
بكر : أن رسول اللّه صلى
اللّه عليه وسلم بعث إلى السَّرية الذين
أصابوا مال أبى العاص ،
فقال لهم : إن هذا الرجل منا حيثُ قد علمتم ، أصبتم له مالاً، فإن
تُحسنوا وتردوا عليه الذي له ، فإنا نُحب ذلك ، وإن أبيتم فهو فَيْءُ اللّه الذي
أفاء عليكم ، فأنتم أحقُّ به ،
فقالوا : يا رسول اللّه ، بل نرده عليه ، فردوه عليه ، حتى إن الرجل
ليأتى بالدَّلْوِ، ويأتى الرجل بالشَّنَّة وبالِإداوة، حتى إن أحدهم ليأتى
بالشَظاظ ، حتى ردوا عليه مالَه بأسرِه ، لا يفقد منه شيئاً، ثم احتمله إلى مكة، فأدى إلى كلِّ ذى مال من قريش مالَه ، ومن
كان أبضع معه ،
ثم قال : يا معشر قريش، هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه قالوا :
لا. فجزاك اللّه خيراً، فقد وجدناك وفِيّاً كريماً،
قال : فأنا أشهدُ أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمداً عبده ورسوله
، واللّه ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوّفي أن تظنوا أني أردت أن آكلَ أموالَكم
، فلما أداها اللّه إليكم وفرغت منها أسلمتُ. ثم خرج حتى قدم على رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم.
الرسول يرد زينب إلى أبي العاص :
قال ابن
إسحاق : وحدثني داودُ بن الحُصَيْن عن عِكرمة عن ابن
عباس
قال : رد عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زينبَ على النكاح الأول لم يُحدثْ شيئاً بعد ستِ سنين.
من أمانة زوج زينب ابنة الرسول :
قال ابن
هشام : وحدثني أبو عبيدة : أن أبا العاص بن الربيع
لما قَدِم من الشام ومعه أموال المشركين ، قيل له : هل لك أن تُسلم وتأخذ هذه
الأموال ، فإنها أموال المشركين ؟ فقال أبو العاص : بئس ما أبدأ به إسلامى أن أخون
أما نتى.
قال ابن
هشام : وحدثني عبد الوارث بن سعيد التنَوري ، عن داود
ابن أبي هند، عن عامر الشَّعبي ، بنحو من حديث أي عبيدة عن أبى العاص.
مَنْ مُنَّ عليه بغير فداء :
قال ابن
إسحاق : فكان ممن سُمى لنا من الأسارى ممن مُنَّ
عليه بغير فداء، من بني عبد شمس بن عبد مناف : أبو العاص بن الربيع بن عبد
العُزَّى بن عبد شمس مَنَّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد-أن بعثت زينب بنت رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم بفدائه. ومن بنى مخزوم بن
يقظة : المطَّلب بن حَنْطَب بن الحارث ابن عُبَيدة بن عُمر بن مخزوم ، كان لبعض
بنى الحارث بن الخزرج ، فتُرك في أيديهم حتى خَلَّوا سبيله. فلحق بقومه.
قال ابن
هشام : أسره خالد بن زَيْد، أبو أيوب الأنصاري ، أخو
بنى النجَّار.
قال ابن
إسحاق : وَصَيْفى بن أبى رفاعة بن عابد بن عبد اللّه
ابن عُمر بن مخزوم ، تُرك في أيدي أصحابه ، فلما لم يأتِ أحد في فدائه أخذوا عليه
ليبعثنَّ إليهم بفدائه ، فخلَّوْا سبيله ، فلم يَفِ لهم بشىء فقال حسان بن ثابت في
ذلك :
وما كان صَيفيٌّ ليُوفى ذمــةً قَفا ثعلبٍ أعيا ببعضِ الموارِدِ
قال ابن
هشام : وهذا البيت في أبيات له.
قال ابن
إسحاق : وأبو عزَّة، عَمرو بن عبد اللّه بن عثمان بن
أهَيْب بن حُذافة بن جُمَح ، كان محتاجاً ذا بنات ، فكلم رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم،
فقال : يا رسول اللّه لقد عرفتَ مالىَ من مال ، وإنى لذو حاجة،
وذو عيال ، فامنُنْ علىَّ؟ فمنَّ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ، وأخذ عليه ألا يظاهر عليه أحداً.
ما مدح به أبو عزة الرسول عندما أطلقه بغير فداء :
فقال أبو عزة.في ذلك ، يمدح رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ويذكر فضله في قومه :
مَنْ مُبلغ عني الرسولَ محمــداً بأنك حقٌّ والمليكُ حَميدُ
وأنت امرؤ تدعوإلى الحقِّ والهــدَى عليك
من اللّه العظيمِ شهيدُ
وأنتَ امرؤ بوِّئتَ فينا مَبــــــاءةً له
درجاتٌ سَهْلةٌ وصعودُ
فإنك من حاربته لمُحـــــــارَبٌ شَقِيّ
ومن سالمته لسعيدُ
ولكن إذا ذُكرْتُ بدراً وأهلَــــــه تأوَّب
ما بى : حَسرةٌ وقعودُ
مقدار الفداء للأسير :
قال ابن
هشام : كان فداء المشركين يومئذ أربعة الاف درهم
للرجل ، إلى ألف درهم ، إلا من لا شىء له ، فمنَّ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم عليه.
قال ابن
إسحاق : وحدثني محمدُ بن جعفر بن الزبير، عن عُروة ابن
الزبير
قال : جلس عُمَيْر بن وهب الجُمحي مع صفوان بن أمية بعد مُصاب
أهل بدر من قريش - في الحِجْر - بيسير، وكان عُمير ابن وهب شَيْطاناً من شياطين
قريش، وممن كان يُؤذِي رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، ويَلْقَون منه عناءً وهو بمكة، وكان ابنهُ وهب
بن عُمَيْر في أسارى بدر.
قال ابن
هشام : أسره رفاعة بن رافع أحد بنى زُرَيْق.
قال ابن
إسحاق : حدثني محمد بن جَعْفر بن الزُّبير، عن عُروة
ابن الزبير،
قال : فذكر أصحابَ القَليب ومُصابهم ، فقال صفوان : واللّه إنْ
في العيش بعدهم خيرٌ ؟ قال له عُمير : صدقتَ واللّه ، أما واللّه لولا دَيْن علىَّ ليس له عندي قضاء، وعيالٌ أخشى
عليهم الضَّيْعةَ بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتلَه ، فإن لى قبلهم علة : ابنى
أسير في أيديهم
قال : فاغتنمها صفوان
وقال : علىَّ دينُك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالُك مع عيالى أواسيهم.ما
بَقُوا، لا يَسَعُنى شىءٌ ويعجز عنهم فقال له عُمَير : فاكتم شأنى وشأنك
قال : أفعل.
قال : ثم أمر عُمير بسيفه ، فشُحِذ له وسُمَّ ، ثم انطلق حتى قَدِم المدينة فبينا عمر بن
الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر،
ويذكرون ما أكرمهم اللّه به ، وما أراهم من عدوهم ، إذ نظر عمر إلى عُمَيْر بن وهب
حين أناخ على باب المسجد متوشحاً السيفَ ،
فقال : هذا الكلب عدوُّ اللّه عُمَيْر بن وَهْب ، واللّه ما جاء
إلا لشرٍّ. وهو الذي حَرَّش بينَنا، وحَزَرنا للقوم يوم بدر.
ثم دخل عُمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم
فقال : يا نبي اللّه ، هذا عدو اللّه عُمَيْر بنَ وَهْب قد جاء
متوشِّحاً سيفَه :
قال : فأدخلْه علىَّ،
قال : فأقبل عمر حتى أخذ بحمَّالة سيفه فرط عُنقه فلبَّبه بها،
وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار : ادخلوا على رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم فاجلسوا عنده ، واحذروا
عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون ، ثم دخل به على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
من دلائل نبوته صلى اللّه عليه وسلم فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه ،
قال : أرسلْه يا عمر، ادْنِ يا عُمير؟ فدنا ثم
قال : انعموا صباحاً، وكانت تحيةَ أهلِ الجاهليةِ بينَهم ، فقال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فقد أكرمنا
اللّه بتحيةٍ خير من تحيتك يا عُمير، بالسلام :
تحية أهل الجنة.
فقال : أما واللّه يا محمد إن كنتُ بها لحديثُ عهد.
قال : فما جاء بك يا عمير؟
قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحْسنوا فيه ،
قال : فما بال السيفُ في عنقك ؟
قال : قبَّحها اللّه من سيوف ، وهل أغنتْ عنا شيئاً؟
قال : أصدقْنى، ما الذي جئتُ له ؟
قال : ما جئتُ إلا لذلك.
قال : بل قعدتَ أنت وصفوان بن أمية في الحِجْر، فذكرتما أصحابَ
القليب من قريش، ثم قلت ،
لولا دين علىَّ وعيال عندي لخرجت حتى أقتلَ محمداً، فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك ،
على أن تقتلنى له ، واللّه حائل بينك وبين ذلك ، قال عُمَيْر : أشهد أنك رسول اللّه
، قد كنا يا رسول اللّه نكذّبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من
الوحى، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فواللّه إنى لأعلم ما أتاك به إلا اللّه
، فالحمد للّه الذي هدانى للإِسلام وساقني هذا المساق ، ثم شهد شهادةَ الحقِّ. فقال رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم : فقهوا أخاكم في دينه ،
واقرئوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره ، ففعلوا. عمير يدعو إلى الِإسلام في مكة :
ثم قال : يا رسولَ اللّه ، إني كنت جاهداً على إطفاء نور اللّه ،
شديد الأذى لمن كان على دين اللّه عز وجل ، وأنا أحب أن تأذنَ لى، فأقدم مكة،
فأدعوهم إلى اللّه تعالى، وإلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، لعل اللّه يهديهم ، وإلا اذيتهم في دينهم كما كنت أوذي
أصحابك في دينهم ؟ فأذن له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلحق بمكة، وكان صفوان بن أمية حين خرج عُمَيْر بن وهب ،
يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه
الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبداً، ولا ينفعه
بنفع أبداً.
قال ابن
إسحاق : فلما قدم عُمير مكة، أقام بها يدعو إلى
الإسلام ، ويؤذِي من خالفه أذًى شديداً، فأسلم على يديه ناس كثير.
من رأى إبليس عندما نكص على عقبيه يوم بدر :
قال ابن
إسحاق : وعُمير بن وهب ، أو الحارث بن هشام ، قد ذكر لى أحدهما، الذي رأى إبليس حين
نكص على عقبيه يوم بدر، فقيل : أين ، أي سُراق ؟ ومَثَلَ عدو اللّه فذهب ،
فأنزل اللّه
تعالى فيه : { وَإِذْ
زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ
مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ }. فذكر
استدراج إبليس إياهم ، وتشبهه بسُراقة ابن مالك بن جُعْشم لهم ، حين ذكروا ما
بينهم وبين بنى بكر بن عبد مَناة بن كنانة في الحرب التي كانت بينهم. يقول
اللّه تعالى : { فَلَمَّا تَرَاءَتْ
الْفِئَتَانِ { ونظر عدو اللّه إلى جنود اللّه من الملائكة، قد أيد اللّه بهم
رسولَه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على عدوهم { نَكَصَ عَلَى
عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ }. وصدق عدو اللّه ، رأى ما لم يَرَوْا،
وقال : { إِنِّي أَخَافُ اللّه وَاللّه
شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال: ٤٨] فذكر لي أنهم كانوا يَرَوْنه في كل منزل في صورة سراقة لا
ينكرونه ، حتى إن كان يوم بدر، والتقى الجمعان نكص على عقبيه ، فأوردهم ثم أسلمهم.
قال ابن
هشام : نكص : رجع : قال أوْس بن حجر، أحد بنى أسْد بن
عَمرو بن تميم :
نكصتُم
على أعقابِكم يومَ جئتُـمُ تُزَجُّونَ
أنفالَ الخميسِ العَرَمْرَمِ
وهذا البيت في قصيدة له.
شعر حسان بن ثابت يفخر بقومه ويذكر خداع إبليس قريشاً :
قال ابن
إسحاق : وقال حسان بن ثابت :
قومى الذين هُمُ آوَوْا
نبيَّهـــم وصدَّقوه وأهلُ الأرضِ
كُفَّارُ
إلا خصائصَ أقوامٍ همُ سَلَــفٌ للصالحين
مع الأنصارِ أنصارُ
مُسْتبشرين بقَسْمِ اللّه قولُهــــم لما
أتاهم كريمُ الأصلِ مُختارُ:
أهلاً وسهلاً ففى أَمْنٍ وفــــى سَعَةٍ
نعمَ النبىُّ ونعمَ القَسْمُ والجارُ
فأنزلوه بدارٍ لا يُخاف بهــــا من كان
جارَهمُ داراً هىَ الدارُ
وقاسَمُوه بها الأمــــــوالَ إذ قدموا
مهاجرين وقَسْمُ الجاحدِ النارُ
سِرنا وساروا إلى بَــــــدْرٍ لِحيْنهمُ
لو يعلمون يقينَ العلمِ ما ساروا
دَلاَّهُمُ بغرورٍ ثم أسْلَمهــــم إن
الخبيثَ لمن والاَه غَزَّارُ
وقال إني لكم جَار فأوردَهــم شَرَّ
المواردِ فيه الخِزْى والعارُ
ثم التقينا فولَّوْا عن سَراتِهــمُ من
مُنْجدينَ ومنهم فرقة غاروا
قال ابن
هشام : أنشدني قولَه : " لما أتاهم كريمُ الأصلِ مختارُ "
أبو زيد الأنصاري.
قال ابن إسحاق : وكان المطعمون من قريش ، ثم من بنى هاشم بن عبد مناف : العباس بن عبد المطلب بن هاشم.
ومن بني عبد شمس بن عبد مناف : عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
ومن بني نَوْفل بن عبد مناف : الحارث بن عامر بن نَوْفل ، وطُعَيْمة ابن عدي بن نوفل ، يعتقبان ذلك.
ومن في أسد بن عبد العُزَّى : أبا البخْتري بن هشام بن الحارث ابن أسد. وحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد : يعتقبان ذلك.
ومن بني عبد الدار بن قُصى : النَّضْر بن الحارث بن كَلَدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار.
قال ابن هشام :
ويقال : النضر بن الحارث بن عَلْقمة بن كَلَدة ابن عبد مناف بن عبد الدار.
قال ابن إسحاق : ومن بني مخزوم بن يقظة : أبا جهل بن هشام ابن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخزوم.
ومن بني جُمح : أمية بن خلف بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح. ومن بني سَهْم بن عَمرو: نُبَيها ومُنبِّهاً ابني الحجاج بن عامر ابن حُذيفة بن سعد بن سَهْم ، يعتقبان ذلك.
ومن بني عامر بن لُؤَي : سُهيل بن عبد شمي بن عبد وُدّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر.
قال ابن
هشام : وحدثني بعض أهل العلم : أنه كان مع المسلمين
يوم بدر من الخيل ، فرس مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوِي ، وكان يقال له : السبل وفرس
المِقْداد بن عَمْرو البَهْراني ، وكان يقال له : بَعْزجة، ويقال له : سَبْحة وفرس
الزبير بن العوام ، وكان يقال له : اليَعْسوب.
قال ابن
هشام : ومع المشركين مائة فرس.
ما نزل في تقسيم الفيء بعد اختلاف المسلمين فيه :
قال ابن
إسحاق : فلما انقضى أمر بدر، أنزل اللّه عز وجل فيه
من القرآن الأنفال بأسرها، فكان مما نزل منها في اختلافهم في النفل حين اختلفوا
فيه.{ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ للّه
وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّه وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّه
وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ } [الأنفال:
١] فكان عُبادة بن الصامت - فيما بلغني - إذا
سُئل عن الأنفال ، قال ، فينا معشر أهل بدر نزلت ، حين اختلفنا في النفل يوم بدر،
فانتزعه اللّه من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقُنا، فردَّه على رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقسمه.
بيننا عن بَوَاء - يقول على السواء - وكان في ذلك تقوى اللّه وطاعته ، وطاعة رسوله
صلى اللّه عليه وسلم وصلاح ذات
البين.
ما نزل في خروج المسلمين لملاقات قريش : ثم ذكر القومَ ومسيرَهم مع رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حين عرف
القومُ أن قريشاً قد ساروا إليهم ، وإنما خرجوا يريدون العير طمعاً في الغنيمة،
فقال :{
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ* يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ
كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ {: أي
كراهية للقاء القوم ، وإنكاراً لمسير قريش، حين ذكروا لهم { وَإِذْ يَعِدُكُمْ
اللّه إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } : أي الغنيمة دون الحرب { وَيُرِيدُ
اللّه أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } [الأنفال: ٥ـ٧] : أي بالوقعة التي أوقع بصناديد قريش وقادتهم يوم بدر { إِذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ {: أي لدعائهم حين
نظروا إلى كثرة عدوهم ، وقلة عددهم { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ { بدعاء رسولِ
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودعائكم{ أَنِّي مُمِدُّكُمْ
بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: ٩]..{
إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ {: أي
أنزلت عليكم الأمنة حين نمتم لا تخافون { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ
مَاءً { للمطر الذي أصابهم تلك الليلة، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء، وخلى
سبيل المسلمين إليه{ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ } [الأنفال : ١١] : أي ليذهب عنكم شك الشيطان ، لتخويفه إياهم عدوهم واستجلاد الأرض لهم ، حتى
انتهوا إلى منزلهم الذي سبقوا إليه عدوَّهم.
ما نزل في تبشير المسلمين وتحريضهم على القتل :
ثم قال
تعالى : { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى
الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } : أي ازروا الذين امنوا { سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ
كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ
بَنَانٍ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّه وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللّه
وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّه شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال: ١٢،١٣]،
ثم قال :{
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا
تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ }.{
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللّه وَمَأْوَاهُ
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [الأنفال: ١٦] أي تحريضاً لهم على عدوهم لئلا ينكلوا عنهم إذا لقوهم ، وقد وعدهم اللّه فيهم
ما وعدهم.
ما نزل في رميهم بالحصباء :
ثم قال
تعالى، في رمى رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم إياهم بالحصباء من يده ،
حين رماهم : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّه رَمَى } : أي لم يكن ذلك برميتك ، لولا الذي جعل اللّه فيها من نصرك ، وما ألقى في صدور
عدوك منها حين هزمهم اللّه { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ
بَلَاءً حَسَنًا } [الأنفال: ١٧] : أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم ، وقلة عددهم ،
ليعرفوا بذلك حقه ، ويشكروا بذلك نعمته.
ما نزل في الاستفتاح :
ثم قال : { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ
جَاءَكُمْ الْفَتْحُ {: أي لقول أبى
جهل : اللّهم أقطعنا للرحمِ ، وآتانا بما لا يُعرف ، فأحْنه الغَداة. والاستفتاح :
الإنصاف في الدعاء.
يقول اللّه
جل ثناؤه :{ وَإِنْ تَنتَهُوا } : أي لقريش{ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ
تَعُودُوا نَعُدْ } : أي بمثل الوقعة التي أصبناكم بها يوم ، بدر: {
وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّه مَعَ
الْمُؤْمِنِينَ } [الأنفال: ١٩]: أي أن عددكم وكثرتكم في أنفسكم لن تغنيَ عنكم شيئاً، وإني مع المؤمنين ،
أنصرهم على من خالفهم.
ثم قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ }. ولا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله ، وتزعمون أنكم منه ، { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } : أي كالمنافقين الذين يظهرون له الطاعة، ويُسرون له المعصية { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّه الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ }: أي المنافقين الذين نهيتكم أن تكونوا مثلهم ، بُكم عن الخير، صُم عن الحق ، لا يعقلون : لا يعرفون ما عليهم في ذلك من النقمة والتَّباعة {وَلَوْ عَلِمَ اللّه فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ }، أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ، ولكن القلوب خالفت ذلك منهم ، ولو خرجوا معكم { لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } [الأنفال: ٢١ـ٢٣] ما وفوا لكم بشيء مما خرجوا عليه { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّه وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } [الأنفال: ٢٤] : أي للحرب التي أعزكم اللّه بها بعد الذل ، وقواكم بها بعد الضعف ، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم{ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللّه وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال: ٢٦،٢٧] أى لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ، ثم تخالفوه في السر إلى غيره ، فإن ذلك هلاك لأماناتكم ، وخيانة لأنفسكم.{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّه يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الأنفال: ٢٩] : أي فصلاً بين الحق والباطل ، ليظهر اللّه به حقكم ، ويطفىء به باطل من خالفكم.
تذكير الرسول بنعمة اللّه عليه : ثم ذَكَّر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنعمته عليه ، حين مكر به القوم ليقتلوه أو يُثبتوه أو يخرجوه{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّه وَاللّه خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } [الأنفال: ٣٠]: أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.
ما نزل في غرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم : ثم ذكر غِرة قريش واستفتاحهم على أنفسهم ، إذ قالوا { وَإِذْ قَالُوا اللّهمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } أي ما جاء به محمد { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاء { كما أمطرتها على قوم لوط { أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [الأنفال: ٢٧] أي بعض ما عذبت به الأمم قبلنا، وكانوا يقولون : إن اللّه لا يعذبنا ونحن نستغفره ، ولم يعذب أمة ونبيها معها حتى يخرجه عنها. وذلك من قولهم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم ، فقال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم، يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم ، حين نعى سوء أعمالهم :{ وَمَا كَانَ اللّه لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ { ([الأنفال: ٣٣] أي لقولهم : إنا نستغفر ومحمد بين أظهرنا،
ثم قال { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ اللّه } وإن كنت بين أظهرهم ، وإن كانوا يستغفرون كما يقولون { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } : أي من آمن باللّه وعبده : أي أنت ومن أتبعك ،{ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } الذين يحرمون حرمته ويقيمون الصلاة عنده : أي أنت ومن امن بك { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ* وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ } التي يزعمون أنه يدفع بها عنهم { إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً }
قال ابن هشام : المكاء : الصفير. والتصدية التصفيق. قال عنترة
ابن عَمرو بن شداد العبْسى :
ولرُبَّ قِرْنٍ قد تركتُ مُجَــدَّلاً تَمكُو فريصتُهُ كشِدْقِ الأعْلمِ
يعنى : صوت خروج الدم من الطعنة، كأنه الصفير : وهذا البيت
في قصيدة له. وقال الطِّرِمَّاح بن حكيم الطائي :
لها -كلَّما رِيعت - صَداة ورَكْدةَ بمُصْدَانِ أعلَى ابنَىْ شَمامِ البَوائنِ
وهذا البيت في قصيدة له. يعنى الأرْوِية، يقول : إذا فزعت. قرعت بيدها الصَّفاةَ ثم ركدت - تسمع صدى قرعها بيدها الصَّفاة- مثل التصفيق. والمُضْدان : الحِرْز وابنا شمام جبلان
قال.ابن إسحاق : وذلك ما لا يرضي اللّه عز وجل ولا يحبه ، ولا ما افترض عليهم ، ولا ما أمرهم به{ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } [الأنفال: ٣٤،٣٥] : أي لما أوقع بهم يوم بدر من القتل.
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبيه عباد، عن عائشة
قالت : ما كان بين نزول :{ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } [المزمل: ١]، وقول اللّه تعالى فيها :{ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا* إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا* وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا } [المزمل: ١١ـ١٣] إلا يسير، حتى أصاب اللّه قريشاً بالوقعة يوم بدر.
قال ابن هشام : الأنكال : القيود واحدها : نِكْل. قال رُؤبة بن العَجَّاج :
يكفيك نِكْلى بغى كلِّ نِكْلِ
وهذا البيت في أرجوزة له.
ما نزل في معاوني أبي سفيان :
قال ابن إسحاق : ثم قال اللّه عز وجل :{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّه فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } [الأنفال: ٣٦] يعنى النفر الذين مشوا إلى أبى سفيان ، وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة، فسألوهم أن يُقَووهم بها على حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ففعلوا.
ثم قال { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا { لحربك { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } [الأنفال: ٣٨] أي من قتل منهم يوم بدر.
ثم قال
تعالى
:{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ كُلُّهُ للّه } : أي حتى لا
يُفتن مؤمن عن دينه ، ويكون التوحيد للّه خالصاً ليس له فيه شريك ، ويُخلَع ما
دونه من الأنداد { فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللّه بِمَا
يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* وَإِنْ تَوَلَّوْا } عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم{ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللّه مَوْلَاكُمْ } الذي أعزكم
ونصركم عليهم يوم بدر في كثرة عددهم وقلة عددكم { نِعْمَ
الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } [الأنفال: ٣٩،٤٠].
ما نزل في تقسيم الفيء وأسباب النصر : ثم أعلمهم مَقاسِمَ
الفيء وحكمه فيه ، حين أحله لهم ، فقال{ وَاعْلَمُوا
أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للّه خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ
آمَنْتُمْ بِاللّه وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ
الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [الأنفال: ٤١] أي
يوم فرقت فيه بين الحق والباطل بقدرتى يوم التقى الجمعان منكم ومنهم { إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا } من الوادي { وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى } من الوادي إلى مكة { وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ }: أي عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها، وخرجوا ليمنعوها
عن غير ميعاد منكم ولا منهم { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ
لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } أي ولو
كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغكم كثرة عددهم ، وقلة عددكم ما لقيتموهم { وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا }
أي ليقضي ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله
وإذلال الكفر وأهله عن غير بلاء منكم ففعل ما أراد من ذلك بلطفه ،
ثم قال{
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَإِنَّ اللّه لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأنفال: ٤٢]
أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية
والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك.
ما نزل في لطفه تعالى به صلى اللّه عليه وسلم : ثم ذكر
لطفه به وكيده له ،
ثم قال : { إِذْ يُرِيكَهُمْ اللّه فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ
أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ
اللّه سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [الأنفال:٤٣] فكان ما أراك من ذلك نعمه من
نعمه عليهم ، شجعهم بها على عدوهم ، وكف بها عنهم ماتُخوِّف عليهم من ضعفهم ،
لعلمه بما فيهم.
قال ابن
هشام :
تخوف : مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحاق ولم أذكرها
{ وَإِذْ
يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } [الأنفال: ٤٤] أي
ليؤلف بينهم على الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه ، والإنعام على من أراد إتمام
النعمة عليه من أهل ولايته.
وعظ المسلمين وتعليمهم فنون الحرب : ثم وعظهم وفهمهم
وأعلمهم الذي ينبغى لهم أن يسيروا به في حربهم ، فقال
تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً } تقاتلونهم في سبيل اللّه عز وجل{ فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّه } الذي له بذلتم أنفسكمِ ، والوفاء
له بما أعطيتموه من بيعتكم{ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*
وَأَطِيعُوا اللّه وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا } أي لا تختلفوا فيتفرق أمركم {
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } أي وتذهب حدتكم { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّه مَعَ الصَّابِرِينَ } [الأنفال: ٤٥،٤٦] أي إني معكم إذا فعلتم ذلك {
وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ
النَّاسِ }: أي لا تكونوا كأبي جهل
وأصحابه ، الذين قالوا : لا نرجع حتى نأتى بدراً فننحر به الجُزر ونسقى بها الخمر،
وتعزف علينا فيها القيان ، وتسمع العرب : أي لا
يكون أمركم رياءً، ولا سُمعةً، ولا التماس ما عند الناس ، وأخلصوا للّه النية
والحِسْبة في نصر دينكم ، وموازرة نبيكم ، لا تعملوا إلا لذلك ولا تطلبوا غيره.
ثم قال
تعالى :{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا
غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ }
قال ابن
هشام :
وقد مضى تفسير هذه الاية.
قال ابن
إسحاق :
ثم ذكر اللّه تعالى أهل الكفر، وما يلقون عند موتهم ، ووصفهم بصفتهم وأخبر نبيه
صلى اللّه عليه وسلم عنهم ، حتى انتهى إلى أن قال{
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } [الأنفال: ٥٧]
أي فنكِّل بهم من ورائهم لعلهم يعقلون { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ
رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّه وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ
دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللّه يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ
فِي سَبِيلِ اللّه يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ } [الأنفال: ٥٩] أي
لا يضيع لكم عند اللّه أجره في الآخرة، وعاجل خلفه في الدنيا
ثم قال
تعالى
:{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا }:
أي إن دعوك إلى السلم على الإسلام فصالحهم عليه { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه } إن اللّه كافيك { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }.[الأنفال: ٦١]
قال ابن
هشام :
جنحوا للسَّلْم : مالوا إليك للسَّلْم. الجنوح : الميل. قال لَبيد بن ربيعة:
جُنوحُ الهالِكى على
يَدَيْـــه مُكِبًّا يَجْتَلى نُقَبَ
النِّصالِ
وهذا البيت في قصبيدة
له والسَّلْم أيضاً : الصلح ، وفىِ كتاب اللّه
عز وجل : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ
الْأَعْلَوْنَ } [محمد: ٣٥]،
ويقرأ : "إلى السِّلْم "، وهو ذلك المعنى. قال زُهَير بن أبى سُلْمى :
وقد
قلتما إن نُدْرِك السّلْمَ واسعــــاً
بمالٍ ومعروفٍ من القولِ نَسْلَم
وهذا البيت في قصيدة
له.
قال ابن
هشام :
وبلغنى عن الحسن بن أبى الحسن البَصري ، أنه كان يقول : {
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } للإِسلام. وفى كتاب اللّه تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ
كَافَّةً } ،[البقرة:٢٠٨] ويقرأ { فِي السِّلْمِ } وهو
الِإسلام. قال أمية بن أبى الصَّلْت:
فما
أنابُوا لسَلْمٍ حين تُنْذِرُهــم رُسْلُ
الإلهِ وما كانوا له عَضُدَا
وهذا البيت في قصيدة
له. وتقول العرب لدَلْو تُعمل مستطيلة : السَّلْم. قال طَرَفة بن العبد أحد بنى
قَيْس بن ثَعْلبة، يصف ناقة له :
لها
مِرْفقانِ أفتلانِ كأنمـــا تمرُّ
بسَلمَي دالجٍ مُتشددِ
وهذا البيت في قصيدة
له.
{ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّه } هو من وراء
ذلك { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ } بعد
الضعف { وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ } على الهدى الذي بعثك اللّه به إليهم{
لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
وَلَكِنَّ اللّه أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بدينه الذي جمعهم عليه { إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.[الأنفال:
٦٢،٦٣]
ثم قال
تعالى
:{ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّه وَمَنْ
اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ* يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ
عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ } [الأنفال:
٦٤،٦٥] : أي لا
يقاتلون على نية ولا حق ولا معرفة بخير ولا بشَر.
قال ابن
إسحاق :
حدثني عبد اللّه بن أي نَجيح عن عطاء بن أبى
رَباح ، عن عبد اللّه بن عباس
قال : لما نزلت
هذه الاية اشتد على المسلمين ، وأعظموا أن يُقاتل عشرون مئتين ، ومئةٌ ألفاً، فخفف
اللّه عنهم ، فنسختها الآيه الأخرى، { الْآنَ خَفَّفَ
اللّه عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا
أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّه وَاللّه مَعَ الصَّابِرِينَ } [الأنفال: ٦٦]
قال : فكانوا على
الشِّطر من عدوهم لم ينبغ لهم أن يفروا منهم ، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم
قتالهم ، وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم.
ما نزل في المغانم والأسارى :
قال ابن
إسحاق :
ثم عاتبه
اللّه تعالى في
الأسارى، وأخذ المغانم ، ولم يكن أحد قبله من الأنبياء يأكل مغنما من عدو له.
قال ابن
إسحاق :
حدثني محمد أبو جعفر بن على بن الحسين ،
قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم " نُصرت بالرعب ،
وجُعلت لي الأرض. مسجداً وطهوراً، وأعطيت جوامعَ الكلم ، وأحلت لي الغنائمُ ولم
تُحْلَل لنبى كان قبلى، وأعطيت الشفاعة، خمس لم يؤتهن نبي قبلى".
قال ابن
إسحاق :
فقال : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ }: أي قبلك { أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } من عدوه { حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } ، أي يثخن عدوه ، حتى ينفيه من الأرض { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } : أي المتاع ، الفداء بأخذ الرجال{ وَاللّه يُرِيدُ الْآخِرَةَ } : أي
قتلهم لظهور الدين الذي يريد إظهاره ، والذي تدرك به الآخرة { لَوْلَا كِتَابٌ مِنْ اللّه سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا
أَخَذْتُمْ }: أي من الأسارَى والمغانم ،{ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [الأنفال:
٦٧،٦٨] : أي لولا
أنه سبق من أنى لا أعذِّب إلا بعد النهي ، ولم يك نهاهم ، لعذبتكم فيما صنعتم ، ثم
أحلَّها له ولهم رحمة منه ، وعائدة من الرحمن الرحيم ،{
فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللّه إِنَّ اللّه
غَفُورٌ رَحِيمٌ } [الأنفال: ٦٩]
ثم قال :{
يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الْأَسْرَى إِنْ
يَعْلَمْ اللّه فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ
مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ }.[الأنفال: ٧٠] الحض على التواصل والتواد
والولاية بين المسلمين ورد المواريث إلىأهلها : وحض المسلمين على التواصل ، وجعل
المهاجرين والأنصار أهل ولاية الدين دون من سواهم ، وجعل الكفار بعضهم أولياء بعض،
ثم قال{
إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } [الأنفال: ٧٣] أي
إلا يوال المؤمن من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به : {
تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ } أي شبهة
في الحق والباطل ، وظهور الفساد في إلأرض بتولي المؤمن الكافر دون المؤمن.
ثم رد المواريث إلى
الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونهم إلى الأرحام التي بينهم
،
فقال :{ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّه } أي بالميراث { إِنَّ اللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الأنفال: ٧٥].