فحدثني يزيدُ بن رُومان مولى ال الزبير بن عُروة بن الزبير، ومَنْ لا أتهم
، عن عبداللّه بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القُرَظى، والزهري ، وعاصم بن عمر بن قَتادَة، وعن عبداللّه بن أبي
بكر، وغيرِهم من علمائنا، كلهم قد اجتمع حديثُه في
الحديث عن الخندق ، وبعضُهم يحدِّث ما لا يحدِّث به بعض.
قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود، منهم : سَلام
بن أبي الحُقَيق النَّضَري وحُيىُّ بن أخْطَب النَّضَري ، وكِنانة بن أبي الحُقيْق
النَّضَرى ، وهَوْذة بن قَيْس الوَائِلي ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني
النَّضِير، ونفر من بني وائل ، وهم الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، خرجوا حتى
قَدِموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم وقالوا: انا سنكون معكم عليه ، حتى نستأصلَه.
فقالت لهم قريش: يا معشرَ يهود، إنكم أهلُ الكتابِ الأولِ والعلم بما أصبحنا نختلف
فيه نحن ومحمد، أفديننا خيرٌ أم دينُه ؟ قالو: بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى
بالحق منه. فهم الذين أنزل اللّه تعالى فيهم : {أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ
آمَنُوا سَبِيلًا. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللّه وَمَنْ يَلْعَنْ اللّه
فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } إلى قوله
تعالى : { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
عَلَى مَا آتَاهُمْ اللّه مِنْ فَضْلِهِ } : أي النبوة، {فَقَدْ
آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا
عَظِيمًا، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى
بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } [النساء
: ٥٢-٥٥].
قال : فلما قالوا ذلك لقريش ، سرهم ونَشَطوا لما دعوهم اليه ، من
حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فاجتمعوا لذلك واتَّعدوا له ؛ ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غَطَفان من قَيْس
عيلان ، فدعَوْهم إلى حربِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشا قد تابعوهم
على ذلك ، فاجتمعوا معهم فيه.
قال ابن
اسحاق : فخرجت قريش ، وقائدُها أبو سفيان بن حرب.
وخرجت غَطَفان ، وقائدُها عُيَيْنة بن حِصْن بن حُذَيفة بن بدر، في بني فَزارة
والحارث بن عوف بن حارثة المري ، في بني مُرة ومِسْعر بن رُخَيْلة بن نُوَيْرة بن
طَرِيف بن سُحْمة ابن عبداللّه بن هلال بن خَلاوة بن أشجع بن رَيْث بن غَطَفان ،
فيمن تابعة من قومه من أشْجع.
فلما سمع بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندقَ على المدينة، فعمل فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين ، وجعلوا يُوَرُّون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهليهم بغيرِ علمٍ من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ولا إذنٍ. وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لا بد له منها، يذكر ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق بحاجته ، فيأذن له ، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله ، رغبة في الخير، واحتسابا له.
فأنزل اللّه
تعالى في أولئك من المؤمنين : {
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّه وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا
مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّه
وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ
مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللّه إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور : ٦٢] فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير، والطاعة للّه
ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم.
ثم قال
تعالى، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ، ويذهبون بغير إذن من النبى صلى
اللّه عليه وسلم: {لَا
تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ
يَعْلَمُ اللّه الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: ٦٣]
قال ابن
هشام : اللواذ: الإستتار بالشيء عند الهرب ، قال حسان
بن ثابت :
وقريشٌ تفر
منا لِوَاذا أن يُقيموا وخَف منها
الحُلومُ
وهذا البيت في قصيدة له ، قد ذكرتها في أشعار يوم أحد.
{أَلَا إِنَّ للّه مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ
يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ}
قال ابن
اسحاق : من صدق أو كذب.
{ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا
وَاللّه بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور:
٦٤].
قال ابن
اسحاق : وعمل المسلمون فيه حتى أحكموه ، وارتجزوا
فيه برجل من المسلمين ، يقال له جُعَيْل ، سماه. رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم: عَمْرا،
فقالوا:
سَماه من
بعد جُعَيْلٍ عَمرَا وكان للبائس يَوْما ظهرا
فإذا مروا: ب " عَمْرَا " قال رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم: عمرا، وإذا مروا
ب "ظهرَا" قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ظهرا.
قال ابن اسحاق : وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من اللّه تعالى عبرة في تصديق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتحقيق نبوته ، عاين ذلك المسلمون.
ظهور الكدية والتغلب عليها: فكان مما بلغنى أن جابر بن عبداللّه كان يحدث : أنه أشتدت عليهم في بعض الخندق كُدْية ، فشَكَوْها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فدعا بإناء من ماء، فتفل فيه ، ثم دعا بما شاء اللّه أن يدعُوَ به ، ثم نضح ذلك الماء على تلك الكُدْية، فيقول من حضرها: فوالذي بعثه بالحق نبيّا لانهالت حتى عادت كالكثيب لا ترد فأسا ولا مِسْحاة.
قال ابن
اسحاق : وحدثني سعيد بن مِينا أنه حُدِّث : أن ابنةً
لبَشير بن سعد، أخت النعمان بن بشير،
قالت : دعتنى أمى عَمْرة بنت رَواحة، فأعطتنى حفنة من تمر في ثوبي
،
ثم قالت : أي بُنَية، اذهبى إلى أبيك وخالك عبداللّه ابن رَواحة بغدائهما،
قالت : فأخذتها، فانطلقت بها، فمررت برسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالى،
فقال : تعالى يا بُنَية، ما هذا معك ؟
قالت : فقلت ، يا رسول اللّه ، هذا تمر، بعثتنى به أمى إلى أبي،
بشير ابن سعد، وخالى عبداللّه بن رواحة يتغذيانه ،
قال : هاتيه ،
قالت : فصببته في كفَّىْ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ، فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له ثم دَحا بالتمر عليه ، فتبدد فوق الثوب ،
ثم قال لإنسان عنده : اصرخ في أهل الخندق : أن هلم إلى الغداء
فاجتمع الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيد، حتى صدر أهلُ الخندق عنه ،
وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
قال ابن
اسحاق : وحدثني سعيد بن مينا، عن جابر بن عبداللّه ،
قال : عملنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الخندق ، فكانت عندي شُوَيْهة ، غير جِدّ سمينة. قال
فقلت : واللّه لو صنعناها لرسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم ،
قال : فأمرت امرأتي ، فطحنت لنا شيئا من شعير، فصنعت لنا منه
خبزا، وذبحت تلك الشاة، فشويناها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
قال : فلما أمسينا وأراد رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم الإنصراف عن الخندق -
قال : وكنا نعمل فيه نهارنا، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا -
قال : قلت : يا رسول اللّه ، إنى قد صنعت لك شوَيْهة كانت عندنا، وصنعنا معها شيئا من
خبز هذا الشعير، فأحب أن تنصرف معى إلى منزلي ، وانما أريد أن ينصرف معى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحده.
قال : فلما أن قلت له ذلك ،
قال : نعم ، ثم أمر صارخا فصرخ : أن انصرفوا مع رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبداللّه
،
قال : قلت إنا للّه وإنا اليه راجعون !
قال : فأقبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأقبل الناس معه ،
قال : فجلس وأخرجناها اليه.
قال : فبرَّك وسمَّى اللّه ، ثم أكل ، وتواردها الناس ، كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس ، حتى
صدر أهل الخندق عنها.
قال ابن اسحاق : وحُدثت عن سلمان الفارسي ، أنه
قال : ضربت في ناحية من الخندق ، فغلظت عليّ صخرة ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريب مني ، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علىَّ، نزل فأخذ المِعْوَل من يدي ، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة،
قال : ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى.
قال : ثم ضرب به الثالثةَ، فلمعت تحتَه برقة أخرى.
قال : قلت بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه ! ما هذا الذي رأيت لمع تحت المِعْوَل وأنت تضرب ؟
قال : أوَقَدْ رأيتَ ذلك يا سلمانُ ؟
قال : قلت نعم ،
قال : أما الأولى فإن اللّه فتح علي بها اليمن ،
وأما الثانية فإن اللّه فتح علىَّ بها الشام والمغرب ،
وأما الثالثة فإن اللّه فتح علي بها المشرق. "
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول - حين فُتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده -:افتتحوا ما بدا لكم ، فوالذى نفس أبي هريرة بيده ، ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة إلاوقد أعطى اللّه سبحانه محمدا صلى اللّه عليه وسلم مفاتيحَها قبلَ ذلك.
قال ابن
إسحاق : ولما فرغ رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم من الخندق ، أقبلت قريش
حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُومَة، بين الجُرُف وزَغابة ، في عشرة ألاف من
أحابيشهم ، ومن تبعهم من بني كنانة وأهل. تِهامة، وأقبلت غَطَفان ومن تبعهم من أهل
نجد، حتى نزلوا بذَنب نَقمَى، إلى جانب أحد. وخرج رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا
ظهورهم إلى سَلع في ثلاثة ألاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه
وبين القوم.
قال ابن
هشام : واستعمل على المدينة بن أم مكتوم.
قال ابن
اسحاق : وأمر بالذراري والنساء فجعلوا في الأطام حيى
بن أخطب يحرش كعب بن أسد: قال وخرج عدو اللّه حُيىَ بن أخطب النضري ، حتى أتى كعب
بن أسد القرظي ، صاحب عَقد بني قُريظة وعهدهم ، وكان قد وادع رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قومه ،
وعاقده على ذلك وعاهده ؛ فلما سمع كعب بحيى بن أخطب أغلق دونه باب حصنه ، فاستأذن
عليه ، فأبى أن يفتح له ، فناداه حُيى : ويحك يا كعب افتح لي.
قال : ويحك يا حيى ، إنك امرؤ مشئوم ، وإني قد عاهدت محمدا فلست
بناقض ما بيني وبينه ، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقا؛ قال ويحك افتح لي أكلمْك ؛
قال : ما أنا بفاعل ،
قال : واللّه إن أغلقت دونى إلا عن جشيشتك أن آكل معك منها.
فاحْفَظ الرجلَ ، ففتح له ؛
فقال : ويحك يا كعب ، جئتك بعزِّ الدهر وببحر طامٍ ، جئتك بقريش
على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رُومَة، وبغَطَفان على قادتها
وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نَقْمَى إلى جانب أحد، قد عاهدونى على أن لا يبرحوا حتى
نستأصلَ محمدا ومن معه.
قال : فقال له كعب : جئتنى واللّه بذل الدهر، وبجَهام قد هَرَاق ماءَه ، فهو يَرْعُد
ويُبرق ، ليس فيه شيء، ويحك يا حُيى : فدعنى وما أنا عليه ، فانى لم أرَ من محمد
إلا صدقا ووفاء. فلم يزل حُيى بكعب يفتله في الذِّروة والغارب حتى سمح له ، على أن
أعطاه عهدا من اللّه وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ، ولم يصيبوا محمدا أن أدخل
معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد عهدَه ، وبرئ مما كان بينه وبين
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
الرسول عليه الصلاة والسلام يستوثق من
نقض كعب ميثاقه : فلما انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر وإلى المسلمين بعث رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم سعد بن معاذ بن النعمان ،
وهو يومئذ سيد الأوْس ، وسعد ابن عبادة بن دُلَيْم ، أحد بني ساعدة بن كعب بن
الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما. عبداللّه بن رواحة، أخو بني الحارث بن الخزرج
، وخَوَّات بن جُبَير، اخو بني عمرو بن عَوْف ،
فقال : انطلقوا حتى تنظروا، أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟
فان كان حقا فالحِنوا لي لَحْنا أعرفه ، ولا تَفُتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على
الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
قال : فخرجوا حتى أتَوْهم ، فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم ،
فيما نالوا من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقالوا: مَن رسول اللّه ؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد. فشاتمهم سعد
ابن معاذ وشاتموه ، وكان رجلا فيه حِدَّة فقال له سعد بن عبادة : دَعْ عنك مشاتمتهم ، فما بيننا وبينهم
أربَى من المشاتمة. ثم أقبل
سعد وسعد ومن معهما، إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسلموا عليه :
ثم قالوا: عَضلٌ والقارة، أي كغدر عضل والقارة باصحاب الرجيع ، خُبَيْب وأصحابه ، فقال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه
أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين ظهور النفاق من المنافقين : قال وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف ، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، حتى ظن المؤمنون
كُل ظن ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال مُعَتِّب بن قشَيْر، أخو بني
عمرو بن عَوْف : كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن
على نفسه أن يذهب إلى الغائط.
قال ابن
هشام : وأخبرني من أثق به من أهل العلم : أن مُعَتِّب
بن قشير لم يكن من المنافقين ، واحتج بأنه كان من أهل بدر
قال ابن
اسحاق : وحتى قال أوْس بن قَيْظِي ، أحد بني حارثة
ابن الحارث : يا رسول اللّه ، إن بيوتَنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه
، فأذنْ لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا، فإنها خارج من المدينة. فأقام رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأقام عليه
المشركون بضعا وعشرين ليلةً، قريبا من شهر، لم تكن بينهم حرب إلا الرّمِّيا
بالنَبل والحصار.
قال ابن
هشام : ويقال الرَّمْيا.
فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا اتهم ، عن محمد بن مُسلم بن عبيداللّه بن شهاب الزهري ، إلى عُيينة بن حصن بن حُذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عَوْف بن أبي حارثة المُرِّي ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلثَ ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه. فجرى بينه وبينهما الصلح ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ، إلا المراوضة في ذلك فلما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يفعل ، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد ابن عبادة، فذكر لهما، واستشارهما فيه ، فقالا له : يا رسول اللّه أمرا تحبه فنصنعه ، أم شيئا أمرك اللّه به ، لا بد لنا من العمل به أم شيئا تصنعه لنا؟
قال : بل شىء أصنعه لكم ، واللّه ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قَوْس واحدة، وكالبوكم من كل جانب ، فاردت ان أكسر عنكم من شوكَتِهم إلى أمر مَّا، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول اللّه ، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان ، لا نعبدُ اللّه ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلا قِرًى أو بيعا، أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام وهدنا له وأعزنا بك وبه ، نعطيهم أموالَنا! واللّه ما لنا بهذا من حاجة، واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب ،
ثم قال : ليجهدُوا علينا.
قال ابن
اسحاق : فأقام رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون وعدوهم
محاصروهم ، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارسَ من قريش، منهم عَمرو بن عَبد وُدّ
بن أبي قَيْس ، أخو بني عامر بن لُؤي.
قال ابن
هشام :
ويقال : عمرو بن عبد بن أبي قيس.
قال ابن
اسحاق : وعِكْرمة بن أبي جهل ، وهُبَيْر بن أبي وهب المخزوميان ، وضِرار بن
الخطاب الشاعر ابن مِرْداس ، أخو بني مُحارب ابن فِهْر، تلبَّسوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم ، حتى مروا بمنازل بني كنانة،
فقالوا: تهيئوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم. ثم أقبلوا تُعْنِقُ بهم خيلُهم ، حتى وقفوا على الخندق ، فلما
رأوه
قالوا: واللّه إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
قال ابن
هشام : يقال : إن سلمان الفارسي أشار به على رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم وحدثني بعض أهل العلم :
أن المهاجرين يوم الخندق
قالوا: سلمان منا، وقالت الأنصار: سلمان منا، فقال رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم : سلمان منا
أهل البيت.
قال ابن اسحاق : ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق ، فضربوا خيلَهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السَّبخة بين الخندق وسَلْع ، وخرج على بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثَّغْرة التى اقحموا منها خيلَهم وأقبلت الفرسان تُعْنِق نحوَهم ، وكان عَمرو بن عبد وُدّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلمّا كان يوم الخندق خرج مُعْلَما ليُرَى مكانُه. فلما وقف هو وخيلُه ،
قال : من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب
فقال له : يا عمرو، إنك قد كنت عاهدت اللّه ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خَلَّتين إلا أخذتها منه ، قال له : أجل ؛ قال له على: فإني أدعوك إلى اللّه وإلى رسوله ، وإلى الإسلام ؛
قال : لا حاجة لي بذلك ؛
قال : فإنى أدعوك إلى النزال ؛
فقال له : لم يا بن أخى؟ فواللّه ما أحب أن أقتلَك ، قال له على : لكنى واللّه أحب أن أقتلك ؛ فحمى عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقره ، وضرب وجهه ، ثم أقبل علَى علي ، فتنازلا وتجاولا، فقتله علىّ رضي للّه عنه وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
قال ابن
اسحاق : وقال عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليه في ذلك :
نصَر الحجارةَ من سَفاهة رأيه ونصرتُ ربّ محمدٍ بصوابى
فصَدرت حين تركته متجدِّلا كالجذعِ بينَ
دكادِكٍ وروابى
وعففتُ عن أثوابِه ولو أننـي كنتُ
المقطَّرَ بَزَّنى أثوابي
لا تحسِبُنَّ اللّه خاذلَ دينــه ونبيِّه
يا معشرَ الأحزابِ
قال ابن
هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي بن أبي
طالب.
هجاء حسان عكرمة :
قال ابن اسحاق : وألقى عكرمة بن أبي جهل رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو؛
فقال حسان بن ثابت في ذلك :
فر وألقى لنا رمحَــــه لعلك عِكْرِمَ لم تفعل
وولَّيت تعدو كعدْوِ الظَّليـمِ ما إن
تجور عن المَعْدَلِ
ولم تَلقَ ظهرَك مُستأنسـا كان قفاك قفا
فُرْعُل
قال ابن هشام
: الفرعل : صغير الضباع وهذه الأبيات في قصيدهّ
له.
شعار المسلمين يوم الخندق : وكان شعار أصحاب رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم يوم الخندق وبني قريظة :
حم لا ينصرون.
قال ابن
اسحاق : وحدثني أبو ليلى عبداللّه بن سَهْل بن عبد
الرحمن بن سَهْل الأنصاري ، أخو بني حارثة : أن عائشة أم المؤمنين كانت في حِصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من
أحرز حصون. المدينة.
قال : وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن ؛ فقالت عائشة وذلك قبل أن يُضرب علينا الحجاب : فمر سعد وعليه دِرع له
مُقَلَّصة ، قد خرجت منها ذراعُه كلُّها، وفى يده حربته يرفل بها ويقول :
لبثتْ
قليلا يشهدُ الهيْجا جَمَلْ لا بأسَ
بالموتِ إذا حان الأجَلْ
قال : فقالت له أمه : الحقْ ، أي بني، فقد واللّه أخَّرت.
قالت عائشة: فقلت لها: يا أم سعد ،
واللّه لوددتُ أن دِرعَ سعد كانت أسبغ مما هي ؛
قالت : وخفتِ عليه حيث أصاب السهم منه ، فرُمى سعد بن معاذ بسهم ،
فقُطع منه الأكْحَل ، رماه كما حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة، حبان بن قَيْس ابن
العَرِقَة ، أحد بني عامر ابن لؤي ، فلما أصابه ،
قال : خذها منى وأنا ابن العَرِقَة؛ فقال له سعد: عَرَّق اللّه وجهك في النار، اللّهم إن كنت أبقيت من
حرب قريش شيئا فأبقني لها، فانه لا قوم أحب الي أن أجاهدهم من قوم أذَوْا رسولَك
وكذبوه وأخرجوه ، اللّهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة، ولا
تمتنى حتى تُقرَّ عينى من بني قريظة.
قال ابن اسحاق : وحدثني من لا أتهم عن عبداللّه بن كعب بن مالك أنه كان يقول : ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أمامة الجُشَمى، حليف بني مخزوم.
وقد قال ابو أمامة في ذلك شعرا لعكرمة بن أبي جهل :
أعكْرمُ هلا لمتنى اذ تقولُ
لـــيٍ فداك بآطامِ المدينةِ خالدُ
ألستُ الذي ألزمتُ سعدا مُرِشَّــة لها
بين أثناءِ المرافِق عاندُ
قضي نحبَه منها سُعَيد فاعولــت عليه
الشُّمْطُ والعذارَى النواهدُ
وأنت الذي دافعْتَ عنه وقد دعـا عُبيدةُ
جمعا منهمُ إذ يُكابدُ
على حين ما هُم جائر عن طريقِه وآخر
مَرعوبٌ عن القصدِ قاصدُ
قال ابن
هشام :
ويقال : إن الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم ابن حبان.
قال ابن
اسحاق : وحدثني يحيى بن عَبَّاد بن عبداللّه بن
الزبير، عن أبيه عَبَّاد
قال : كانت صَفية بنت عبد المطلب في فَارِع ، حِصن حسان بن ثابت
قالت : وكان حسان بن ثابت معنا فيه ، مع النساء والصبيان. قالت
صفية : فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن ، وقد حاربتْ بنو قُرَيظة، وقطعت ما
بينها وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وليس بيننا وبينَهم أحد يدفع عنا، ورسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم
لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم الينا إن أتانا آت.
قالت : فقلت : يا حسان ، إن هذا اليهودي كما ترى يُطيف بالحِصْن ، وإنى واللّه ما آمنه
أن يَدُلَّ على عورتِنا مَنْ ورأءَنا من يهود، وقد شُغل عنا رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ،
فأنزل إليه فأقتلْه ؛
قال : يغفر اللّه لك يابنة عبد
المطلب ، واللّه لقد عرفتِ ما أنا بصاحب هذا.
قالت : فلما قال لي ذلك ، ولم أرَ عنده شيئا، احتجزْتُ ثم أخذتُ عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته.
قالت : فلما فرغت منه ، رجعت إلى الحصن ،
فقلت : يا حسان ، انزل اليه فاسلبْه ، فإنه لم يمنعنى من سَلْبه
إلا أنه رجل ،
قال : ما لي بسَلْبه من حاجة يابنة عبد
المطلب.
قال ابن اسحاق : وأقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، فيما وصف اللّه من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم ، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم.
قال :ثم إن نُعيم بن مسعودبن عامر بن أنَيْف بن ثعلبة بن قُنْفُد بن هلال بن خَلاوة بن أشجع بن رَيْث بن غَطَفان ، أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،
فقال : يا رسول اللّه ، إنى قد أسلمتُ ، وإن قومى لم يعلموا بإسلامى، فمرنى بما شئت.
فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انما أنت فينا رجل واحد، فخذِّل عنا إن استطعت ، فإن الحرب خدعة.
فخرج نُعَيم بن مسعود حتى أتى بني قُرَيظة، وكان لهم نديما في الجاهلية،
فقال : يا بني قريظة، قد عرَفتم ودي إياكم ، وخاصَّة ما بينى وبينكم ،
قالوا: صدقتَ ، لست عندنا بمتهم ؛
فقال لهم : إن قريشا وغَطَفان ليسوا كانتم ، والبلد بلدكم ، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم ، لا تقدرون على أن تَحَوَّلوا منه إلى غيره ، وإن قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا نُهْزَة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلَّوْا بينَكم وبينَ الرجل ببلدكم ولا طاقةَ لكم به إن خلا بكم ، فلا تُقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم ، يكونوا بأيديكم ثقة لكم على أن تُقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه ،
فقالوا: لقد أشرت بالرأي ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبى سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : قد عَرَفتم ودي لكم وفراقي محمدا، وإنه قد بلغنى أمر قد رأيت عليَّ حقّا أن أبلغكموه ، نُصحا لكم فاكتموا عني ،
فقالوا: نفعل :
قال : تَعَلَّمو أن معشر يهود قد نَدِموا على ما صنعوا فيما بينَهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه : أنا قد ندِمْنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرفهم فنعطيكهم ،فتضرب أعناقَهم ثم نكون معك على من بغي منهم حتى نستأصلَهم ؟ فارسلَ إليهم : أنْ نعم. فإن بعثتْ إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى أتى غَطَفان ،
فقال : يا معشر غطفان ، إنكم أصلي وعشيرتى، وأحبّ الناس إلى، ولا أراكم تتهمونى ؛
قالوا: صدقتَ ، ما أنتَ عندنا بمهتم ؛
قال : فاكتموا عني ؛
قالوا: نفعل ، فما أمرُك ؟،
ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذَّرهم ما حذرهم.
ما أنزل اللّه بالمشركين : فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صُنع اللّه لرسوله صلى اللّه عليه وسلم، أن أرسل أبو سفيان ابن حرب ورءوس غَطَفان إلى بني قريظة : عِكْرمة بن أبي جهل ، في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مُقام ، قد هلك الخفُّ والحافر ، فاغدُوا للقتال حتى نناجزَ محمدا، ونَفْرغَ مما بيننا وبينه ؛ فارسلوا اليهم : ان اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نفعل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضُنا حدثا، فاصابه ما لم يَخْفَ عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذينٍ نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجزَ محمدا، فانا نخشى إن ضَرَّستكم الحربُ ، واشتد عليكم القتال أن تَنْشَمروا إلى بلادِكم وتتركونا، والرجلُ في بلدِنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعتْ إليهم الرسل بما قالت بنو قُريظة، قالت قريش وغَطَفان : واللّه إن الذين حدثكم نُعَيم بن مسعود لحق ، فارسلوا إلى بني قريظة: إنا واللّه لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قُريظة، حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذين ذكر لكم نُعَيْم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم. وخلوا بينكم وبينَ الرجل في بلدكم ؛ فارسلوا إلى قريش وغطفان : إنا واللّه لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رُهُنا فأبَوْا عليهم ، وخذَّل اللّه بينَهم ، وبعث اللّه عليهم الريحَ في ليالٍ شاتيةٍ باردةٍ شديدةِ البردِ، فجعلت تَكْفأ قدورَهم ، وتطرح أبنيتَهم.
استخبار ما حل بالمشركين : قال فلما انتهى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما اختلف من أمرِهم ، وما فرَّق اللّه من جماعتهم ، دعا حُذيفة ابن اليمان ، فبعثه اليهم ، لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن اسحاق : فحدثني يزيدُ بن زياد، عن محمد بن كعب القرظى،
قال : قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان : يا أبا عبداللّه ، أرايتم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصحبتموه ؟
قال : نعم ، يابن أخى
قال : فكيف كنتم تصنعون ؟
قال : واللّه لقد كنا نَجهَد؛
قال : فقال : واللّه لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا.
قال : فقال حذيفة : يابن أخى واللّه لقد رأيتُنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالخندق ، وصلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هُوِيًّا من الليل ، ثم التفت إلينا
فقال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الرجعة - أسأل اللّه تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم ، من شدة الخوف ، وشدة الجوع ، وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد، دعانى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلم يكن لي بُد من القيام حين دعاني ؛
فقال : يا حذيفة اذهب فادخل مع القوم ، فأنظر ماذا يصنعون ، ولا تُحْدِثَنَّ شيئا حتى تأتينَا.
قال : فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود اللّه تفعل بهم ما تفعل ، لا تُقر لهم قِدْر ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان
فقال : يا معشر قريش ، لينظر امرؤ من جليسه ؟ قال حذيفة : فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبى،
فقلت : من أنت ؟
قال : فلان ابن فلان.
ثم قال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم واللّه ما أصبحتم بدار
مُقام ، لقد هلك الكُراع والخف ، وأخلفتْنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره ،
ولَقينا من شدة الريح ما تَرَوْنَ ، ما تطمئن لنا قِدْر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسكلنا
بناء، فارتجلوا فإنى مُرْتَحل ثم قام إلى جمله وهو معقول ، فجلس عليه ، ثم ضربه ، فوثب به على ثلاثٍ ، فواللّه ما أطلق عقاله إلا وهو
قائم ، ولولا عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليًّ "أن لا تُحدث شيئا حتى تأتيني"، ثم شئت ، لقتلته بسهم.
رجوع حذيفة بالخبر اليقين : قال حذيفة : فرجعت إلى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو قائم
يصلي في مِرْطٍ لبعض نسائه ، مراجل.
قال ابن
هشام : المراجل : ضرب من وشى اليمن. فلما رآني ادخلني
إلى رجليه ، وطَرح عليَّ طَرَف المِرط ، ثم ركع وسجد، وإني لفيه ، فلما سلَّم أخبرته الخبر، وسَمِعَتْ
غَطَفان بما فعلت قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
قال ابن
اسحاق : ولما أصبح رسول اللّه
صلى اللّه عليه وسلم انصرف عن الخندق راجعا
إلى المدينة والمسلمين ، ووضعوا السلاح.