في سنة خمس

جبريل يأتي بحرب بني قريظة : فلما كانت الظهر،أتَى جبريل رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، كما حدثني الزهري ، مُعْتَجِرا بعمامة من اسْتبرق ، على بغلة عليها رِحَالَة ، عليها قطيفة من ديباج ،

فقال : أوَقَدْ وضعتَ السلاح يا رسولَ اللّه ؟

قال : نعم فقال جبريل : فما وضعتِ الملائكة السلاحَ بعدُ، وما رجعتْ الآنَ إلا من طلب القوم ، إن اللّه عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قُريظة، فإنى عامد إليهم فمزلزل بهم.

فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مُؤذنا، فأذَّن في الناس ، من كان سامعا مطيعا، فلا يصلينَّ العصر إلَّا ببني قريظة.

واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ، فيما

قال ابن هشام.

علي يبلغ الرسول ما سمعه من بني قريظة :

قال ابن اسحاق : وقدّم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قُريظة، وابتدرها الناسُ. فسار علي بن أبي طالب ، حتى إذ دنا من الحصون سمع منها مقالةً قبيحة لرسول للّه صلى اللّه عليه وسلم، فرجع حتى لَقِىَ رسولَ للّه صلى اللّه عليه وسلم بالطريق ،

فقال : يا رسول للّه ، لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث ؛

قال : لم ؟ أظنك سمعت منهم لي أذًى؟

قال : نعم يا رسول اللّه ؛

قال : لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلما دنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من حصونهم.

قال : يا إخوانَ القِردَةِ، هل أخزاكم اللّه وأنزل بكم نقمته ؟

قالوا: يا أبا لقاسم ، ما كنتَ جهولا جبريل في صورة دِحْية الكلبي : ومر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بنفر من أصحابه بالصَّوْرَيْن قبل أن يصل إلى بني قريظة،

فقال : هل مر بكم احد؟

قالوا: يا رسول اللّه ، قد مر بنا دِحْية بن خليفة الكلبى ، على بغلة بيضاء عليها رِحَالة، عليها قطيفة ديباج. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ذلك جبريل ، بُعث إلى بني قُريظة يزلزل بهم حصونهم ، ويقذف الرعب في قلوبهم.

ولما أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بني قُريظة : نزل على بئر من آبارِها من ناحية اموالهم يقال لها بئر أنا.

قال ابن هشام : بئر أنى.

تجمع المسلمين للقتال

قال ابن اسحاق : وتلاحق به الناس ، فأتى رجالٌ منهم من بعد العشاء الآخرة، ولم يصلُّوا العصر، لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا يصلينَّ أحد العصر إلا ببني قريظة، فشغلهم ما لم يكن منه بد في حربهم ، وأبوْا أن يصلوا، لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: حتى تأتوا بني قريظة " فصلوا العصر بها، بعد العشاء الآخرة، فما عابهم اللّه بذلك في كتابه ، ولا عنفهم به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. حدثني بهذا الحديث أبي : اسحاقُ بن يسار، عن مَعْبِد بن كعب بن مالك الأنصاري.

حصار بني قريظة

قال : وحاصرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة، حتى جهدهم الحصار، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب.

وقد كان حُيى بن أخطب دخل مع بني قريظة في حصنهم ، حين رجعت عنهم قريش وغَطَفان وفاءً لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه.

كعب بن أسد ينصح قومه : فلما أيقنوا بأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزَهم ، قال كعب بن أسد لهم : يا معشر يهود، قد نزل بكم من الأمر ما ترون ، وأنى عارض عليكم خلالا ثلاثا؛ فخذوا أيها شئتم ؛

قالوا: وما هي ؟

قال : نتابع هذا الرجل ونصدقه فواللّه لقد تبين لكم أنه لنبي مُرْسَل ، وأنه للذي تجدونه في كتابكم ، فتأمَنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم ،

قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره ؛

قال : فإذا أبيتم على هذه ، فهلمّ فلنقتل أبناءَنا ونساءَنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مُصْلِتين السيوفَ ، لم نترك وراءنا ثَقَلا، حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد، فإن نَهْلِك نهلِك ، ولم نترك وراءَنا نسلا نخشى عليه ، وإن نظهر فلعَمْرِي لنجدنَّ النساءَ والأبناءَ

قالوا: نقتل هؤلاء المساكين ! فما خير العيش بعدَهم ؟

قال : فإن أبيتم على هذه ، فإن الليلة ليلة. السبت ، وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنونا فيها، فأنزلوا لعلنا نُصيبُ من محمد وأصحابه غِرَةً،

قالوا: نُفسد سَبْتنَا علينا، ونحدث فيه مالم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يَخْفَ عليك من المسخ !

قال : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما.

قصة أبي لبابة في هذه الغزوة

قال : ثم أنهم بعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أن ابعثْ إلينا أبا لُبابة بن عبد المنذر، أخا بني عمرو ابن عوف وكانوا حلفاء الأوس ، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ؛ فلما رأوْه قام إليه الرجال ، وجهش إليه النساءُ والصبيان يبكون في وجهه ، فرَقَّ لهم ، وقالوا له : يا أبا لُبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟

قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقِه ، إنه الذبح.

قال أبو لُبابة: فواللّه ما زالت قَدَماي من مكانهما حتى عرفتُ أني قد خنت اللّه ورسولَه صلى اللّه عليه وسلم.

ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عُمُده ،

وقال : لا أبرْحُ مكاني هذا حتى يتوبَ اللّه علىَّ مما صنعتُ ؛ وعهد اللّه : أن لا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خُنت اللّه ورسولَه فيه أبدا.

ما نزل في أبي لبابة:

قال ابن هشام : وأنزل اللّه تعالى في أبي لبابة، فيما قال سفيان بن عيينة، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن عبداللّه بن أبي قَتادة : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللّه وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: ٢٧].

قال ابن اسحاق : فلما بلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبره ، وكان قد استبطأه ،

قال : أما انه لو جاءني لاستغفرتُ له ، فأما إذْ قد فعل ما فعل ، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوبَ اللّه عليه.

توبة اللّه على أبي لبابة

قال ابن اسحاق : فحدثني يزيدُ بن عبداللّه بن قُسَيْط : إن تَوْبة أبي لبابة نزلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من السحَر، وهو في بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: فسمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من السحر وهو يضحك

قالت :

فقلت : مِمَّ تضحك يا رسول اللّه ؟ أضحك اللّه سِنَّك.

قال : تيب على أبي لبابة.

قالت : قلت : أفلا أبشره يا رسول اللّه !

قال : بلى، إن شئت.

قال : فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يُضربَ عليهم الحجابُ ، فقالت : يا أبا لُبابة، أبشر فقد تاب اللّه عليك

قالت : فثار الناس إليه ليطلقوه

فقال : لا واللّه حتى يكونَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده ؛ فلما مر عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.

ما نزل في توبة أبي لبابة

قال ابن هشام : أقام أبو لبابة مُرتبطا بالجِزع ستِّ ليالٍ ، تأتيه امرأته في كل وقت صلاة، فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع ، فيما حدثني بعضُ أهل العلم ، والآية التي نزلت في توبته قول اللّه عز وجل : {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّه أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّه غَفُورٌ رَحِيمٌ}.[التوبة: ١٠٢]

إسلام بعض بني هَدْل

قال ابن اسحاق : ثم ان ثعلبة بن سعية، واسَيد بن سَعْية، أسد بن عبيد، وهم نفر من بني. هَدْل ، ليسوا من بني قُريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك ، هم بنو عم القوم ، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

قصة عمرو بن سُعْدَى

وخرج في تلك الليلة عَمْرو بن سُعْدَى القُرَظى، فمر بحرس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعليه محمد بن مسلَمة تلك الليلة؛ فلما رآه

قال : من هذا؟ قال أنا عَمرو بن سعدى - وكان عمرو قد أبي أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

وقال : لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مَسْلَمة حين عرفه : اللّهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام ، ثم خلَّى سبيله. فخرج على وجهه حتى أتى بابَ مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يُدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا، فذُكر لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شأنه ؛

فقال : ذاك رجل نجاه اللّه بوفائِه. وبعضُ الناس يزعم أنه كان أوثق برِمَّة فيمن أوثق من بني قريظة، حين نزلوا على حكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فأصبحت رمته مُلقاة، ولا يُدْرَى أين يذهب ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه تلك المقالة، واللّه أعلم أي ذلك كان.

تحكيم سعد في أمر بني قريظة :

قال : فلما أصبحوا نزلوا على حكمِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فتواثبت الأوْسُ ،

فقالوا: يا رسول اللّه ، إنهم موالينا دونَ الخزرج ، وقد فَعَلْت في موالى إخواننا بالأمس ما قد عَلمت - وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قَبْل بني قريظة قد حاصر بني قَيْنُقاع ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فنزلوا على حكمه ، فسأله إياهم عبداللّه ابن أبي ابن سَلُول ، فوهبهم له - فلما كلمته الأوس قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ألا ترضون يا معشرَ الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم ؟

قالوا: بلى؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فذاك إلى سعد بن معاذ.

وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسْلم ، يقال لها رُفَيْدة ، في مسجده ، كانت تداوي الجرحَى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضَيْعة من المسلمين، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق : اجعلوه في خيمة رُفَيْدة حتى أعودَه من قريب. فلما حكمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بني قريظة، أتاه قومه فحملوه على حمار قد وَطَّئوا له بوسادة من أدَم وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهم يقولون : يا أبا عَمْرو، أحسنْ في مواليك ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم ؛ فلما أكثروا عليه

قال : لقد أنى لسعد أن لا تأخذه في اللّه لوْمة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل ، فنعى لهم رجالَ بني قريظة، قبل أن يصل إليه سعد، عن كلمته التى سمع منه.

فلما أنتهى سعدٌ إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قوموا إلى سيِّدكم - فأما المهاجرون من قريش، فيقولون : إنما أراد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الأنصارَ؛

وأما الأنصار: فيقولون : قد عَمَّ بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

فقاموا إليه ،

فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد اللّه وميثاقه ، أن الحكم فيهم لما حَكمْتُ ؟

قالوا: نعم. وعلى من هاهنا؟ في الناحية التي فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو مُعْرِض عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إجلالاً له ؛ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نعم ؛ قال سعد: فإنى أحكم فيهم أن تُقْتَل الرجالُ ، وتُقَسَّم الأموالُ ، وتسْبَى الذراري والنساء.

رضاه عليه الصلاة والسلام بحكم سعد

قال ابن اسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعاذ، عن علقمة بن وقاص الليثي ،

قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لسعد:"لقدحكمتَ فيهم بحكمِ اللّه من فوقِ سبعةِ أرقعة".

علي ينهي المعركة لصالح المسلمين

قال ابن هشام : حدثني بعضُ من أثق به من أهل العلم : أن علي بن أبي طالب صاح وهم محاصرو بني قريظة: يا كتيبة الإيمان ، وتقدم هو والزبير بن العوام ،

وقال : واللّه لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصنهم ،

فقالوا: يا محمد، ننزل على حكم سعد بن معاذ.

حبس بني قريظة ومقتلهم

قال ابن اسحاق : ثم استُنزلوا، فحبسهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث ، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى سوق المدينة، التي هى سوقها اليوم ، فخندق بها خنادق ، ثم بعث اليهم ، فضرب أعناقَهم في تلك الخنادق ، يخرج بهم إليه أرْسالا، وفيهم عدو اللّه حُيى بن أخطب ، وكعب بن أسد، رأس القوم ، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول : كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة.

وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ارْسالا: يا كعب ، ما تراه يصنع بنا؟

قال : أفي كل موطن لا تعقلون ؟ ألا ترون الداعى لا يَنْزِع ، وأنه من ذهب به منكم لا يرجع ؟ هو واللّه القتلُ ! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.

مقتل ابن أخطب

وأتي بحُيى بن أخطب عدو اللّه ، وعليه حُلة له فقّاحية -

قال ابن هشام : فقاحية : ضرب من الوَشْي - قد شقها عليه من كل ناحية قدْرَ أنملة لئلا يُسْلَبها، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، فلما نظر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

قال : أما واللّه ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنه من يَخْذُلِ اللّه يُخذل ، ثم أقبل على الناس ،

فقال : أيها الناس ، إنه لا بأس بأمر اللّه ، كتاب وقدر ملحمة كتبها اللّه على بني اسرائيل ، ثم جلس فضُربت عنقه.

شعر جبل في مقتل حيي بن أخطب : فقال جبل بن جوال الثعلبى:

لعَمْرك ما لام ابنُ أخطبَ نفسَه    ولكنه من يخذُل اللّه يُخذلِ
لجاهد حتى أبلغَ النفسَ عذرَها    وقلقَل يبغى العزَّ كل مُقلقِلِ

قتل امراة من نسائهم وسببه

قال ابن اسحاق : وقد حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها

قالت : لم يُقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة.

قالت : واللّه إنها لعندي تَحَدَّث معى، وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقتل رجالَها في السوق ، إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟

قالت : أنا واللّه.

قالت : قلت لها: ويلك ؛ مالك ؟

قالت : أقتل : قلت : ولم ؟

قالت : لحدث أحدثته ؟

قالت : فانطلق بها، فضُرب عنقها؟ فكانت عائشة تقول : فواللّه ما أنسى عجبا منها طَيبَ نفسها وكثرة ضَحِكها، وقد عَرفت أنها تُقتل.

قال ابن هشام : وهى التى طرحت الرحا على خلاد بن سُوَيد فقتلته.

قصة الزبير بن باطا

قال ابن اسحاق : وقد كان ثابت بن قيس بن الشَّمَّاس ، كما ذكر لي ابن شهاب الزهري ، أتى الزبير ابن باطا القُرَظى، وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان الزبير قد مَنَّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية، ذكر لي بعض ولد الزبير أنه كان منَّ عليه يوم بُعَاث ، أخذه فجز ناصيته ، ثم خلَّى سبيلَه - فجاءه ثابت وهو شيخ كبير،

فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفني ؟

قال. وهل يجهل مثلى مثلَك ؛

قال : أنى قد أردت أن أجزيَك بيدك عندي ،

قال : إن الكريمَ مُجزى الكريم.

ثم أتى ثابتُ بنُ قيس رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم

فقال : يا رسول اللّه إنه قد كانت للزبير علىّ مِنة، وقد أحببتُ أن أجزيَه بها، فهب لي دمَه ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هو لك فأتاه،

فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد وهب لي دمَك ، فهو لك ،

قال : شيخ كبير لا أهل له ولا ولد، فما يصنع بالحياة؟

قَال : فأتى ثابتٌ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم

فقال : بأبى أنت وأمي يا رسول اللّه ، هب لي امرأته وولدَه ؟

قال : هم لك :

قال : فأتاه

فقال : قد وهب لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهلك وولدَك ، فهم لك

قال : أهل بيت بالحجاز لا مال لهم ، فما بقاؤهم على ذلك ؟

فأتى ثابتٌ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم،

فقال : يا رسول اللّه، ماله ،

قال : هو لك. فأتاه ثابت

فقال : قد أعطانى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مالك ، فهو لك.

قال : أى ثابت ، ما فعل الذي كان وجهه مرآة صِينية يتراءى فيها عَذارَى الحي ، كعبُ بن أسد؟

قال : قُتل ،

قال : فما فعل سيد الحاضر والبادي حييَ بن أخطب ؟

قال : قُتل قال فما فعل مُقَدِّمتنا إذا شددنا، وحاميتُنا إذا فررنا، عَزال بن سَمَوْأل ؟

قال : قتل :

قال : فما فعل المجلسان ؟ يعنى بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؛

قال : ذهبوا قتلوا؟

قال : فإنى أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتنى بالقوم ، فواللّه ما في العيش بعد هؤلاءِ من خير، فما أنا بصابر للّه فَتلة دَلو ناضح حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت ، فضرب عنقه.

فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله " ألقى الأحبة ".

قال : يلقاهم واللّه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا.

قال ابن هشام : قبلة دلو ناضح. قال زهير بن أبي سُلْمى في " قبلة ":

وقابِلٍ يتغنَّى كلما قَــدَرَتْ    على العَرَاقي يداه قائما دَفَقَا

وهذا البيت في قصيدة له.

قال ابن هشام : ويروى: وقابل يتلقى، يعني قابل الدلو يتناول.

أمر عطية القرظي ورفاعة بن سمؤال

قال ابن اسحاق : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر بقتل كل من أنبت منهم.

قال ابن اسحاق : وحدثني شُعبة بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عُمير، عن عطية القرظى،

قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر أن يُقتل من بني قريظة كل من أنبت منهم وكنتُ غلاما، فوجدوني لم أنبت ، فخلوا سبيلي.

قال ابن إسحاق : وحدثني أيوب بن عبد الرحمن بن عبداللّه بن أبي صعصعة أخو بني عدي بن النجار: أن سَلْمَى بنت قيس ، أم المنذِر، أخت سليط ابن أخت سليط بن قيس - وكانت احدى خالات رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قد صلَّت معه القبلتين ، وبايعته بيعة النساء - سالته رفاعةَ بن سمؤال القُرظي ، وكان رجلا قد بلغ ، فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك ، فقالت : يا نبى اللّه ، بأبى أنت وأمي ، هَبْ لي رفاعة، فإنه قد زعم أنه سيصلي ويأكل لحم الجمل ؛

قال : فوهبه لها، فاستَحْيته.

تقسيم الفيء

قال ابن اسحاق : ثم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قسم أموال بني قريظة ونساءَهم وأبناءَهم على المسلمين ، وأعلم في ذلك اليوم سُهمان الخيل وسُهمان الرجال ، وأخرج منها الخُمس ، فكان للفارس ثلاثة أسهم ، للفرس سهمان ولفارسه سهم ، وللراجل من ليس له فرس ، سهم. وكانت الخيل يومَ بني قريظة ستة وثلاثين فرسا، وكان أول فيء وقعت فيه السُّهمان ، وأخرج منها الخمس ، فعلى سنتها وما مضى من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيها وقعت المقاسم ، ومضت السُّنة في المغازي. ثم بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشْهل بسبى من سبايا بني قُريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا.

إسلام ريحانة:

قال : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ّ قد اصطفى لنفسه من نسائهم رَيْحانة بنت عمرو بن خُنافَة، إحدى نساء بني عمرو ابن قُريظة، فكانت عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تُوفي عنها وهى في مِلكه ، وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عرض عليها أن يتزوجها، ويضربَ عليها الحجابَ ؛ فقالت : يا رسول اللّه ، بل تتركنى في ملكك ، فهو أخف على وعليك ، فتركها. وقد كانت حين سباها قد تعصَّت بالإسلام ، وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ووجد في نفسه لذلك من أمرِها. فبينا هو مع أصحابه ، إذ سمع وقع نعلين خلفَه ؛

فقال : إن هذا لثعلبة بن سَعْية يبشرني باسلام رَيْحانة؟ فجاءه

فقال : يا رسول اللّه، قد أسلمت رَيْحانة، فسره ذلك من أمرها"

ما نزل من القرآن في الخندق وبني قريظة

قال ابن اسحاق : وأنزل اللّه تعالى في أمر الخندق ، وأمر بني قريظة من القرآن، القصة في الأحزاب ، يذكر فيها ما نزل من البلاء، ونعمته عليهم ، وكفايته إياهم حين فرج ذلك عنهم ، بعد مقالة من قال من أهل النفاق : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّه عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} [الأحزاب: ٩]. والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود التي أرسل اللّه عليهم مع الريح الملائكة. يقول اللّه تعالى : { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّه الظُّنُونَ} [الأحزاب: ١٠] فالذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة، والذين جاءوهم من أسفل منهم قريش وغطفان.

يقول اللّه تبارك وتعالى : { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللّه وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: ١١، ١٢] لقول مُعَتِّب بن قشير إذ يقول ما قال {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } [الأحزاب: ١٣] لقول أوس بن قَيْظي ومن كان على رايه من قومه {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا} [الأحزاب: ١٤]: أى المدينة.

قال ابن هشام : الأقطار: الجوانب ؟ وواحدها: قطر، وهي الإقتار، وواحدها: قتر.

قال الفرزدق :

كم من غِنًى فتح الإلهُ لهم بــه    والخيلُ مُقْعيةٌ على الأقطارِ

ويروى : " على الأقتار. وهذا البيت في قصيدة له.

{ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ } [الأحزاب: ١٤] : أي الرجوع إلى الشرك {لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللّه مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللّه مَسْئُولًا} [الأحزاب: ١٤، ١٥] فهم بنو حارثة، وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين همتا بالفشل يوم أحد، ثم عاهدوا اللّه أن لا يعودوا لمثلها أبدا، فذكر لهم الذين أعطوا من أنفسهم ،

ثم قال تعالى :{ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا* قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللّه إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا* قَدْ يَعْلَمُ اللّه الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ }[الأحزاب: ١٦،١٨]: أي أهل النفاق {وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا}: أي إلا دفعا وتعذيرا {أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ} أي للضغن الذي في أنفسهم {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ }: أي إعظاما له وفرقا منه {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ }؛ أي في القول بما لا تحبون ، لأنهم لا يرجون آخرةً، ولا تحملهم حِسْبة ، فهم يهابون الموت هيبةَ من لا يرجو ما بعده.

قال ابن هشام : سلقوكم : بالغوا فيكم بالكلام ، فأحرقوكم وآذوكم.

تقول العرب : خطيب سَلاق ، وخطيب مِسْلَق ومِسْلاق. قال أعشى بني قَيْس بن ثعلبة :

فيهم المجدُ والسماحةُ والنجـ   ـد ةُ فيهمُ والخاطبُ السَّلاقُ

وهذا البيت في قصيدة له.

{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا } قريش وغطفان {وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: ٢٠].

ثم اقبل على المؤمنين

فقال :{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّه وَالْيَوْمَ الْآخِرَ }: أي لئلا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، ولا عن مكان هو به.

ثم ذكر المؤمنين وصدقَهم وتصديقهم بما وعدهم اللّه من البلاء يختبرهم به ،

فقال : {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللّه وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللّه وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: ٢٢] : أي صبرا على البلاء وتسليما للقضاء، وتصديقا للحق ، ولما كان اللّه تعالى وعدهم ورسولُه صلى اللّه عليه وسلم

ثم قال : {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّه عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} : أى فرغ من عمله ، ورجع إلى ربه ، كمن استُشهد يوم بدر ويوم أحدا

قال ابن هشام : قضي نحبه : مات ، والنحب : النفس ، فيما أخبرنى أبو عبيدة، وجمعه : نحوب. قال ذو الرِّمَّة :

عَشيَّة فر الحارِثيون بعدما    قضى نحبَه في مُلتقَى الخيلِ هَوْبَرُ

وهذا البيت في قصيدة له. وهَوْبَر. من بني الحارث بن كعب ، أراد: يزيد بن هَوْبر. والنحْب أيضا. النذر: قال جرير بن الخَطفى:

بطِخْفَةَ جالدنا الملوكَ وخيلُنـا    عَشِيةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ

يقول : على نَذْر، كانت نَذَرت أن تقتله فقتلته ، وهذا البيت في قصيدة له. وبِسْطام : بسطام بن قَيس بن مسعود الشيْباني ، وهو ابن ذي الجَدِّين. حدثني أبو عُبيدة : أنه كان فارس ربيعة بن نزار. وطِخْفَة: موضع بطريق البصرة.

والنحب. الخِطَار، وهو الرهان. قال الفرزدق :

وإذ نَحَبَتْ كلب على الناسِ أينا   علىالنحْبِ أعطى للجزيلِ وأفضلُ

والنحب : البكاء. ومنه قولهم ينتحب. والنحب : الحاجة والهمة، تقول. ما لي عندهم نحب. قال مالك بن نُوَيْرة اليربوعى:

وما لِيَ نحب عندَهم غيرَ أننى   تلمسْتُ ماتبغي من الشدُنِ الشُّجْر

وقال نَهار بن تَوْسِعَة، أحدُ بني تيم اللات بن ثعلبة بن عُكَابة ابن صعب بن علي بن بكربن وائل.

قال ابن هشام : هؤلاء موالى بني حنيفة :

ونَجَّى يوسفَ الثقفىَّ رَكْض    دِرَاكٌ بعدَ ما وقع اللواءُ
ولو أدركْنَه لقضيْن نحبــا    به ولكلِّ مُخْطَأةٍ وِقاءُ

والنحب أيضا: السير الخفيف المَرّ.

قال ابن اسحاق : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} : أي ما وعد اللّه به من نصره ، والشهادة على ما مضى عليه أصحابه. يقول اللّه تعالى :{ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: ٢٣]: أي ما شكُّوا وما ترددوا في دينهم ، وما استبدلوا به غيره. {لِيَجْزِيَ اللّه الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّه كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا* وَرَدَّ اللّه الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ }: أي قريشا وغَطَفان{ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللّه الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّه قَوِيًّا عَزِيزًا* وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ }: اي بني قريظة {مِنْ صَيَاصِيهِمْ} والصياصى : الحصون والآطام التى كانوا فيها.

قال ابن هشام : قال سُحَيْم عَبْد بني الحَسْحَاس ، وبنو الحَسْحَاس من بني اسد بن خُزَيمة :

وأصبحت الثيرانُ صرعى وأصبحت    نساءُ تميمٍ يَبتدِرْنَ الصَّيَاصِيَا

وهذا البيت في قصيدة له والصياصى : القرون. قال النابغة الجعدي :

وسادةَ رهطي حتى بَقِيـ   ـتُ فردا كصيصَةِ الأعْضَبِ

يقول : أصاب الموتُ سادةَ رهطي. وهذا البيت في قصيدة له. وقال أبو دواد الِاياديُ :

فذَعَرْنا سُحْمَ الصياصي بأيديـ   ـهن نَضْحٌ من الكُحَيْلِ وقارِ

وهذا البيت في قصيدة له والصياصي أيضا: الشوك الذي للنساجين ، فيما أخبرنى أبو عُبَيدة. وأنشدني لدرَيد بن الصّمَّة الجُشَمي ، جُشَم ابن معاوية بن بكر بن هوازن :

نظرتُ إليه والرماحُ تنوشُه   كوقعِ الصَّياصي في النسيجِ الممددِ

وهذا البيت في قصيدة له. والصياصى أيضا: التى تكون في أرجل الديكة ناتئة كأنها القرون الصغار، والصياصى أيضا: الأصول. أخبرنى أبو عبيدة أن العرب تقول : جذَّ اللّه صيصيته : أي أصله.

قال ابن اسحاق : {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} [الأحزاب: ٢٥،٢٦]: أي قتل الرجال ، وسبي الذراري والنساء،{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا}. يعني خيبر{ وَكَانَ اللّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا }[الأحزاب: ٢٧].

إكرام سعد في موته

قال ابن اسحاق : فلما انقضى شأن بني قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحُه ، فمات منه شهيدا.

قال ابن اسحاق : حدثني مُعاذ بن رفاعة الزرَقى،

قال : حدثني من شئت من رجال ،قومي : " أن جبريل عليه السلام أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين قبض سعدَ بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق ،

فقال : يا محمد، من هذا الميت الذي فُتحت له أبواب السماء، واهتز له العرشُ ؟

قال : فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سريعا يجر ثوبَه إلى سعد، فوجده قد مات ".

قال ابن اسحاق : وحدثني عبداللّه بن أبي بكر، عن عَمرة بنت عبد الرحمن

قالت : أقبلتْ عائشةُ قافلةً من مكة، ومعها أسَيْد بن حُضَيْر، فلقيه موتُ امرأة له ، فحزن عليها بعض الحزن ، فقالت له عائشة: يغفر اللّه لك يا أبا يحيى ، أتحزن على امرأة وقد أصبت بابن عمك ، وقد اهتزَّ له العرش.

قال ابن اسحاق : وحدثني من لا أتهم عن الحسن البَصْري ،

قال : كان سعد رجلا بادنا، فلما حمله الناس وجدوا له خِفةً فقال رجال من المنافقين : واللّه إن كان لبادِنا، وما حملنا من جنازة أخفَّ منه ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،

فقال : " وإن له حملةً غيرَكم" ، والذي نفسي بيده ، لقد استبشرت الملائكةُ بروْحِ سعدٍ ، واهتز له العرشُ ".

قال ابن اسحاق : وحدثني مُعاذ بن رِفاعة، عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجَمو ح ، عن جابر بن عبداللّه ،

قال : لما دُفن سعد ونحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، سبَّح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسبَّح الناسُ معه ؟ ثم كبَّر فكبَّر الناسُ معه ،

فقالوا: يا رسول اللّه ، مِمَّ سبحت ؟

قال : لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبرُه ، حتى فرَّجه اللّه عنه.

قال ابن هشام : ومجاز هذا الحديث قول عائشة : " قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن للقبرِ لضَمَّة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ ".

قال ابن اسحاق : ولسعد يقول رجلٌ من الأنصار:

وما اهتزعرش اللّه من موتِ هالكٍ    سَمِعْنا به إلا لسعدٍ أبي عَمْرِو

وقالت أم سعد، حين احتُمل نعشه وهي تبكيه -

قال ابن هشام - وهي كُبَيْشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة بن عبد ابن الأبْجَر، وهو خُدْرَة بن عَوْف بن الحارث بن الخزرج :

وَيْلُ أمِّ سعدٍ سعـــــدَا    صَرَامةً وحَدّا
وسُوددا ومَجْـــــــدا    وفارسا مُعَدّا
سُدَّ به مَسَــــــــدَّا    يَقُدُّ هَاما قدّا

يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " كلُّ نائحة تكذب ، إلا نائحةُ سعدِ بن معاذ".

الشهداء يوم الخندق

قال ابن اسحاق : ولم يُستشهد من المسلمين يومَ الخندق إلا ستة نفر.

من بني عبد الأشهل : سعدُ بن معاذ، وأنس بن أوْس بن ستيك ابن عمرو، وعبدُاللّه بن سَهْل. ثلاثة نفر.

ومن بني جُشَم بن الخزرج ، ثم من بني سَلَمة : الطُّفَيل بن النعمان ، وثعلبة بن غنَيْمة. رجلان.

ومن بني النجار، ثم من بني النجار: كعب بن زيد، أصابه سهم غَرْب ، فقتله.

قال ابن هشام : سهمُ غربٍ وسَهْم غَرْب ، بإضافة وغير اضافة، وهو الذي لا يعرف من أين جاء ولا مَنْ رمى به.

قتلى المشركين

وقُتل من المشركين ثلاثة نفر.

من بني عبد الدار بن قصى : مُنبِّه بن عثمان بن عُبَيْد بن السَّباق ابن عبد الدار، أصابه سهم ، فمات منه بمكة.

قال ابن هشام : هو عثمان بن أمية بن مُنَبِّه بن عُبَيد بن السباق.

قال ابن إسحاق : ومن بني مخزوم بن يَقَظة: نَوْفل بن عبداللّه ابن المغيرة، سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يبيعهم جسدَه ، وكان اقتحم الخندق ، فتورَّط فيه ، فقُتل ، فغلب المسلمون على جسده فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا حاجةَ لنا في جسده ولا بثمنه ، فخلَّى بينهم وبينه.

قال ابن هشام : اعطوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بجسده عشرةَ الأف درهم ، فيما بلغني عن الزهري.

قال ابن اسحاق : ومن بني عامر بن لؤي ، ثم من بني مالك ابن حِسْل : عمرو بن عبد وُدّ قتله على بن أبي طالب رضوان اللّه عليه.

قال ابن هشام : وحدثني الثقة أنه حُدِّث عن ابن شهاب الزهري أنه

قال : قتل على بن ابى طالب يومئذ عمرو بن عبد وُدّ وابنه حِسْل ابن عمرو.

قال ابن هشام : ويقال عمرو بن عبد وُدّ،

ويقال : عمرو بن عَبْد.

الشهداء يوم بني قريظة

قال ابن إسحاق : واستُشهد يوم بني قريظة من المسلمين ، ثم من بني الحارث بن الخزرج : خَلاد بن سُوَيد بن ثعلبة بن عمرو، طُرحت عليه رحى ، فشدخته شدخا شديدا، فزعموا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

قال : إن له لـأجر شهيدين ". ومات أبو سنان بن مِحْصَن بن حُرْثان ، أخو بني أسد بن خُزَيمة، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم محاصر بني قريظة، فدُفن في مقبرة بني قريظة التي يدفنون فيها اليوم ، وإليه دفنوا أمواتَهم في الإسلام.

ولما انصرف أهلُ الخندقِ عن الخندقِ ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيما بلغنى : " لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم ". فلم تغزهم قريش بعد ذلك ، وكان هو الذي يغزوها، حتى فتح اللّه عليه مكة.

ما قيل من الشعر في أمر الخندق وبني قريظة

ما قال ضرار بن الخطاب : قال ضرار بن الخطاب بن مِرْداس ، أخو بني محارب بن فِهْر، في يوم الخندق :

ومُشْفقةٍ تظنُّ بنا الظنونَــا    وقد قُدْنا عَرَنْدَسَةً طَحُونَا
كان زُهاءَها أحُد إذا مـــا    بَدتْ أركانه للناظرينَا
ترى الأبدانَ فيها مُسْبغاتٍ    على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينَا
وجُرْدا كالقِداحِ مُسَوَّمَـاتٍ    نَؤُمُّ بها الغُواةَ الخاطيينا
كأنهمُ إذا صالوا وصلنـــا    ببابِ الخنْدقَيْن مصافحونَا
أناس لا ترى فيهم رشيــدا    وقد قالوا ألسْنا راشدِينَا
فأحْجَرناهمُ شهرا كَرِيتـــا    وكنا فوقَهم كالقاهرِينَا
نراوحُهم ونغدو كلَّ يـــومٍ    عليهم في السلاحِ مدجَّجينَا
بأيدينا صوارمُ مُرهفـــات    نَقُدُّ بها المفارقَ والشّئونَا
كأن وميضهنَّ مُعَرّبــــات    إذا لاحتْ بأيْدِي مُصلتينا
وميضُ عَقيقةٍ لمَعْت بليــــلٍ    ترى فيها العقائقَ مُسْتَبينا
فلولا خندق كانوا لديــــــه    لدمَّرنا عليهم أجمعينَا
ولكن حَالَ دونَهمُ وكانـــــوا    به من خوفِنا متعوِّذينا
فإن نرحلْ فإنا قد تركنـــــا    لدى أبياتِكم سعدا رهينَا
إذا جن الظلامُ سمعتَ نَوْحَــي    على سعدٍ يُرجِّعْنَ الحنينَا
وسوف نزوركم عما قريـــب    كما زرناكمُ متوازِرِينا
بجمعٍ من كنانة غير عُـــزْل    كأسْدِ الغابِ قد حَمَتِ العَرينَا

كعب بن مالك يرد على ضرار: فأجابه كعب بن مالك ،

أخو بني سلمة،

فقال :

وسائلةٍ تُسائلُ ما لَقينــــــا    ولو شهدتْ رأتْنا صابرينَا
صَبْرنا لا نرى للّه عَـــــدْلا    على ما نابنا مُتوكِّلينَا
وكان لنا النبيُّ وزيرَ صِـــدْق    به نعلو البريةَ أجمعينَا
نقاتلُ مَعْشرا ظلموا وعَقُّـــوا    وكانوا بالعداوةِ مُرْصِدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينــــا    بضربٍ يُعْجِلُ المتسرِّعينَا
ترانا في فضافِضَ سابغـــاتٍ    كغُدرِانِ المَلا متسربلينا
[٧]
وفى أيْمانِنا بيض خِفــــاف    بها نشْفى مِرَاح الشاغبينا
بباب الخنْدَقَيْنِ كان أسْــــدا    شَوَابِكُهُنَّ يَحْمين العَرينَا
فوارسُنا إذا بَكَرُوا وراحـــوا    على الأعداءِ شُوسا مُعْلَمِينَا
[٨]
لننصر أحمدا واللّه حتــــى    نكونَ عبادَ صِدْقٍ مخلِصينَا
ويعلمُ أهلُ مكةَ حين ســـاروا    وأحزاب أتَوْا متحزِّبينَا:
بأن اللّه ليس له شريـــــك    وأن اللّه مولَى المؤمنينَا
فإما تقتُلوا سعدا سَفاهـــا    فإن اللّه خيرُ القادرينَا
سيُدخلهُ جنانا طيبـــاتٍ    تكونُ مُقامةً للصالحينا
كما قد ردكم فَلا شريــدا    بغيظِكم خزايا خائبينَا
خزايا لم تنالوا ثَمَّ خيــرا    وكدتم أن تكونوا دامِرينَا
بريحٍ عاصفٍ هَبَّتْ عليكم    فكنتم تحتَهامُتكمِّهينَا

شعر عبداللّه بن الزبعرى في غزوة الخندق : وقال عبداللّه

ابن الزبعرى السهمي ، يوم الخندق :

حَيِّ الديارَ محا معارِفَ رسمِهـا    طولُ البلىِ وتَراوحُ الأحقابِ
فكأنما كتبَ اليهودُ رسومَهـــا    إلا الكَنيَف ومَعْقِد الأطنابِ
قفرا كأنك لم تكن تلهو بهـــا  في نعمةٍ بأوانسٍ أتْرابِ
فاتركْ تَذكُّر ما مضى من عيشـةٍ    ومَحلةٍ خَلْق المَقام بَبابِ
واذكرْ بلاءَ معاشر واشكرْهُـــمُ    ساروا بأجمعِهم من الأنصابِ
أنصابِ مكةَ عامدين ليثــــربٍ    في ذي غَيَاطِلَ جَحْفَلٍ جَبْجَابِ
يَدَع الحَزُونَ مناهِجا معلومــــةً    في كلِّ نَشر ظاهر وشِعابِ
فيها الجيادُ شَوازبٌ مَجْنوبــــة    قُبُّ البطونِ لواحقُ الأقرابِ
من كُلِّ سَلْهَبةٍ وأجْرَدَ سَلْهَــــبٍ    كالسِّيدِ بادرَ غفلَة الرُّقَّابِ
جيشٌ : عُيَيْنةُ قاصدٌ بلوائِـــه    فيه وصخر قائدُ الأحزابِ
قَرْمان كالبدْريْنِ أصبح فيهمـــا    غَيْثُ الفقيرِ ومَعْقِلُ الهرَّابِ
حتى إذا وردوا المدينةَ وارتَــدوْا    للموتِ كلَّ مُجَربٍ قضابِ
شهرا وعشرا قاهرين محمـــدا    وصِحابُه في الحرب خيرُ صِحابِ
نادوا برحلِتهم صبيحةَ قلتــــمُ    كِدنا نكونُ بها مع الخُيَّابِ
لولا الخنادقُ غادروا من جمعِهــم    قَتْلَى لطير سُغَّبٍ وذئابِ

رد حسان بن ثابت عليه : فأجابه حسان بن ثابت الأنصاري ،

فقال :

هل رَسْمُ دارسةِ المقامِ يَبــــابِ    متكلِّم لمحاورٍ بجوابِ
قَفر عَفَا رِهَمُ السحابِ رسومَـــه    وهُبوبُ كلِّ مُطِلَّةٍ مِرْبابِ
ولقد رأيتُ بها الحلول يزينُهـــم    بيضُ الوجوهِ ثواقبُ الأحسابِ
فدعِ الديارَ وذِكْرَ كلِّ خريــــدةٍ    بيضاءَ آنسةِ الحديثِ كَعابِ
واشْكُ الهمومَ إلى الإلهِ وما تــرى    من مَعْشر ظَلموا الرسولَ غِضَابِ
ساروا بأجمعِهم إليه وألَّبـــــوا    أهلَ القُرى وبوادِيَ الأعْرابِ
جيش عيينةُ وابنُ حربٍ فيهـــمُ    مُتَخَمِّطون جَلبةِ الأحزابِ
حتى إذا وردوا المدينةَ وارتجَــوْا    قَتْلَ الرسولِ ومَغْنَم الأسلابِ
وغَدَوْا علينا قادرِين بأيدِهــــم    رُدُّوا بغيظهِمُ على الأعقابِ
بهُبوب مُعْصِفَةٍ تُفرقُ جمعَهـــم    وجنود ربك سيدِ الأربابِ
فكفى الإلهُ المؤمنين قتالَهــم    وأثابهم في الأجرِ خيرَ ثوابِ
من بعد ما قَنَطوا ففرَّق جمعَهم    تنزيلُ نصرِ مليكِنا الوهابِ
وأقرَّ عينَ محمدٍ وصِحابِـــه    وأذلَّ كلَّ مكذِّبٍ مُرتابِ
عاتي الفؤادِ موقَّعٍ ذي ريبــةٍ    في الكفرِ ليس بطاهرِ الأثوابِ
عَلِقَ الشقاءُ بقلبِه ففــــؤادُه    في الكفرِ آخرُ هذه الأحقابِ

كعب بن مالك يرد على ابن الزبعرى : وأجابه كعب بن مالك أيضا

فقال :

أبقَى لنا حَدثُ الحروبِ بقيـــةً    من خيرِ نِحْلةِ ربِّنا الوهابِ
بيضاءَ مُشرفةَ الذرَى ومَعاطنــا    حُمَّ الجُذوعِ غزيرة الأحلابِ
كاللُّوبِ يُبذَل جَمُّها وحفيلُهـــا    للجارِ وابنِ العمِّ والمنتابِ
ونزائعا مثلَ السراحِ نَمَى بهــا    عَلَفُ الشعيرِ وجِزَّة المِقضابِ
عَرِيَ الشَّوَى منها وأردفَ نحضَها    جُرْدُ المُتونِ وسائرُ الأرابِ
قودا تَراحُ إلى الصياحِ إذا غــَدَت    فعلَ الضِّراءِ تَراحُ للكَلابِ
وتحوطُ سائمة الديار وتـــــارةً    تُرْدِي العِدَا وتئوبُ بالأسْلابِ
حُوشُ الوحوشِ مطارة عندَ الوغـى    عُبْسُ اللقاءِ مُبينةُ الإنجابِ
عُلفتْ على دَعةٍ فصارت بُدَّنـــا    دُخْسَ البَضِيع خَفيفةَ الإقصابِ
يِغْدُونَ بالزَّغْفِ المُضاعَف شَكَّــةً    وبِمُتْرَصاتٍ في الثقاف صِيابِ
صوارمُ نَزعَ الصياقلُ غُلْبَهــــا    وبكلِّ أروعَ ماجدِ الأنسابِ
يصِلُ اليمينَ بمارنٍ مُتقـــارِب    وُكِلَتْ وقِيعتُه إلى خَبَّاب
وأغرَّ أزرق في القناةِ كأنــــه    فيِ طُخْيَةِ الظَّلماءِ ضَوْءُ شهابِ
وكتيبةٍ يَنْفي القرآن قَتيرُهــــا    وترَدُّ حَدَّ قَوَاحِذَ النُّشَّابِ
جَأوى مُلَمْلَمَة كان رماحَهــــا    في كلِّ مَجمعةٍ ضَريمةُ غاب
يأوي إلى ظلِّ اللواءِ كأنــــه    في صَعْدَةِ الخَطيِّ فَيْءُ عُقَاب
أعْيتْ أبا كَربٍ وأعيت تُبَّعا    وأبتْ بسالتُها على الأعْرابِ
ومواعظٍ مِن ربِّنا نُهْدَى بها    بلسانِ أزهَرَ طَيِّبِ الأثْوابِ
عُرضَتْ علينا فاشتهينا ذِكْرَها   من بعدِ ما عُرضت على الأحزابِ
حِكَماء يراها المجرمون بزعمِهم    حَرَجا ويفهمُها ذَوُو الألبابِ
جاءت سَخينةُ كي تغالبَ ربَّها    فَلْيُغْلَبَنَّ مُغالِبُ الغَلابِ

قال ابن هشام : حدثني من أثق به ،

قال : حدثني عبد الملك بن يحيى بن عبّاد بن عبداللّه بن الزبير، قال كعب بن مالك :

جاءت سَخينةُ كي تغالبَ ربَّها    فَليغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الغَلابِ

قال له رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لقد شكرك اللّه يا كعبُ على قولك هذا.

قال ابن إسحاق : وقال كعبُ بنُ مالك في يومَ الخندق :

من سَرَّه ضربٌ يُمعْمِعُ بعضُه    بعضا كمَعْمَعَةِ الإباءِ المُحْرَقِ
فَلْياتِ مَاسدةً تُسنُّ سيوفُهــــا    بين المذادِ وبينَ جزع الخنْدقِ
دَرِبوا بضربِ المعلِمين وأسلَموا    مهجاتِ أنفسِهم لربِّ المشْرقِ
في عُصبةٍ نصرالإلهُ نبيَّـــه    بِهمُ وكانَ بعبْدِه ذا مَرْفقِ
في كلِّ سابغةٍ تَخط فضولُهــا    كالنَّهْي هَبَّتْ ريحُه المترقْرِق
بيضاءَ محكمةٍ كأن قَتِيرَهـــا    حَدَقُ الجنادبِ ذات شَك مُوثَقِ
جدلاء يَحْفزُها نِجادُ مُهَنَّــــدٍ    صافي الحديدةِ صارمٍ ذي رَوْنَقِ
تِلْكُم مع التقوى تكونُ لباسَنــا    يومَ الهِياجِ وكلَّ ساعةِ مَصْدَق
نَصِلُ السيوفَ إذا قَصُرْن بخطوِنا    قُدُما ونُلحِقُها إذا لم نَلْحَقِ
فترى الجماجمَ ضاحيا هاماتُهــا    بَلْهَ أخُفِّ كأنها لم تُخلَقِ
نلقَى العدوَّ بفخْمَةٍ مَلْمومــــةٍ    تنفي الجُموعَ كَفَصْد ِرأسِ المَشْرقِ
ونُعِدُّ للأعداءِ كلَّ مُقَلَّــــصٍ    وَرْدٍ ومَحْجولِ القوائمِ أبلقِ
تَرْدِي بفرسانٍ كأن كماتَهـــم    عندَ الهياجِ أسودُ طَلّ مُلْثقِ
صُدَقٌ يعاطون الكُماةَ حُتوفَهــم    تحتَ العَمايةِ بالوَشيِجِ المُزْهقِ
أمرالإلهُ بربطِها لعــــــدوِّه    في الحربِ إن اللّه خيرُمُوَفقِ
لتكونَ غيظا للعدوِّ وحُيَّطــــا    للدارِ إن دَلَفَتْ خيولُ النُّزَّقِ
ويُعيننا اللّه العزيزُ بقـــــوةٍ    منه وصِدْقِ الصبرِ ساعةَ نلتقي ،
ونطيعُ أمرَ نبيِّنا ونجيبُــــه    وإذا دعا لكريهةٍ لم نُسْبَقِ
ومتى ينادِ إلى الشدائدِ نأتِهـــا    ومتى نَرَ الحَوْماتِ فيها نعْنِق
من يتَّبعْ قولَ النبىِّ فإنـــــه    فينا مطاعُ الأمرِ حق مُصَدَّق
فبذاك يَنصرنا ويُظهر عزَّنـــا    ويُصيبنا من نيلِ ذاك بمرْفَقِ
إن الذين يكذِّبون محمـــــدا    كفروا وضلُّوا عن سبيلِ المتَّقى

قال ابن هشام أنشدنى بيته :

تلكم مع التقوى تكون لباسنا

وبيته :

من يتبع قولَ النبى

أبو زيد. وأنشدني

تنفي الجموعَ كرأس قُدْسِ المشرِقِ

قال ابن اسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم الخندق :

لقد عَلِمَ الأحزابُ حين تألَبوا    علينا وراموا دِينَنا ما نُوادعُ
أضامِيمُ من قيسِ بنِ عَيْلانَ أصفقَتْ   وخِنْدِفَ لم يَدْروا بما هو واقعُ
يَذُودوننا عن ديننَا ونَذُودُهم    عن الكفرِ والرحمنُ راءٍ وسامعُ
إذا غايَظونا في مقامٍ أعاننا   على غَيْظِهم نصر من اللّه واسعُ
وذلك حِفْظُ اللّه فينا وفضلُه    علينا ومن لم يحفَظِ اللّه ضائعُ
هدانا لدينِ الحقِّ واختاره لنا    وللّه فوقَ الصانعين صنائعُ

قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له :

قال ابن اسحاق : وقال كعب بن مالك في يوم الخندق :

ألا أبلغْ قريشا أن سَلْعــا    وما بينَ العُرَيْض إلى الصمادِ
نواضحُ في الحروبِ مُدرَّبات   وخوص ثُقِّبَت من عهدِ عادِ
رواكدُ يزخَرُ المُرَّارُ فيهـا    فليستْ بالجِمامِ ولا الثَّمادِ
كان الغابَ والبَرْدِيَّ فيها    أجَشُّ إذا تبقَّعَ للحَصادِ
ولم نَجعلْ تجارتَنا اشتراءَ الـ   حميرِ لأرضِ دَوْسٍ أو مُرادِ
بلادٌ لم تُثَرْ إلا لكَيْمَـــا    نُجالدُ إن نَشِطتمْ للجِلادِ
أثَرْنا سِكَّةَ الأنباطِ فيهــا    فلم تَرَ مثلَها جَلَهَاتِ وادِ
قصَرْنا كلَّ ذي حُضَر وطُولٍ   على الغاياتِ مُقتَدر جواد
أجيبونا إلى ما نجتَدِيكـــمْ   من القولِ المُبيَّن والسَّدادِ
وإلا فاصبروا لجلادِ يــــومٍ    لكم منا إلى شَطرِ المذَادِ
نُصبِّحكم بكلِّ أخي حُـــروبٍ    وكلِّ مُطَهَّمٍ سَلِسِ القيادِ
وكلِّ طِمِرَّةٍ خَفِق حشاهــــا    تَدف دفيفَ صَفْراء الجرادِ
وكلِّ مُقَلَّصِ الآرابِ نَهْــــدٍ    تميمِ الخَلْق من أخْر وهادى
خيولٌ لا تُضاعُ إذا أضيعــت    خيولُ الناسِ في السنةِ الجَمادِ
يُنازعْنَ الأعنَّةَ مُصْغيــــاتٍ    إذا نادَى إلى الفزعِ المنادِي
إذا قالت لنا النُّذُرُ استعـــدُّوا    توكلْنا على ربِّ العِبادِ
وقلنا لن يُفرِّج ما لقِينَـــــا    سوى ضربِ القَوانِسِ والجهادِ
فلم تَرَ عُصبةً فيمن لَقِينَــــا    من الأقْرَامِ من قاس وبادى
أشدَّ بسالة منا إذا مــــــا    أردناه وأليَنَ في الوِدادِ
إذا ما نحنُ أشرَجْنا عليهـــا    جِياد الجُدْلِ في الأرَبِ الشِّدادِ
قذفنا في السَّوابغِ كلَّ صَقْـــر    كريمٍ غير مُعْتَلِثِ الزنادِ
أشمَّ كأنه أسد عبـــــوسٌ    غَداةَ بدا ببطْنِ الجزعِ غادِي
يُغَشِّي هامةَ البطلِ المذكَّـــى    صَبى السيْفِ مُسْترخِي النِّجادِ
لنُظْهِر دينَك اللّهمَّ إنـــــا    بكَفك فاهدِنا - سُبَلَ الرشاد

قال ابن هشام : بيته :

قصرنا كل ذي حُضْر وطول

والبيت الذي يتلوه ، والبيت الثالث منه ، والبيت الرابع منه ، وبيته :

أشم كأنه أسد عبوس

والبيت الذي يتلوه ، عن أبي زيد الأنصارى.

ما بكى به مسافع عمرو بن عبد ود:

قال ابن اسحاق : وقال مسافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح ، يبكى عمرو بن عبد ود، ويذكر قتل على بن أبي طالب إياه:

عمرُو بنُ عبدٍ كان أولَ فارسٍ   جزع المذادَ وكان فارسَ يَلْيَل
سَمْحُ الخلائقِ ماجد ذو مـرَّةٍ   يبغي القتالَ بشِكّةٍ لم يَنْكُلَ
ولقد عَلمتمْ حين وَلَّوْا عنكـمُ   ان ابنَ عبدٍ فيهمُ لم يَعْجَل
حتى تكنَّفه الكماةُ وكلُّهـــمٍ  يبغي مَقاتلَه وليس بمؤْتَلِي
ولقد تكنفت الأسنَّةُ فارســا   بجنوبِ سَلْعٍ غيرَ نَكْسٍ أمْيلِ
تَسَلُ النِّزالَ عليَّ فارس غالبٍ  بجنوب سَلعٍ ليته لم يَنْزِلِ
فاذهبْ علىَّ فما ظَفِرْتُ بمثلِه   فخرا ولا لاقيتَ مثلَ المُعْضِلِ
نفسى الفداءُ لفارسٍ من غالبٍ  لاقَى حِمامَ الموتِ لم يَتَحَلْحَلِ
أعنى الذي جزعَ المذَادَ بمهرِه   طلبا لثأرِ معاشر لم يَخْذُلِ

ما أنبَ به مسافع أصحاب عمرو بن عبد ود: وقال مسافع أيضا يؤنب فرسان

عمرو الذين كانوا معه ، فأجْلَوْا عنه وتركوه :

عمرُو بنُ عبدٍ والجيادُ يقودُها    خيل تُقادُ له وخَيْل تُنْعَل
أجلَتْ فوارسُه وغادرَ رهطُــه    رُكنا عظيما كان فيها أول
عجبا وإن أعجبْ فقد أبصرتُـه    مهما تسومُ عليَّ عَمرا ينزِل
لا تَبْعَدَنَّ فقد أصبت بقتلِـــه    ولَقيتُ قبلَ الموتِ أمرا يَثْقُلُ
وهُبَيْرةُ المسلوبُ ولَّى مدبِــرا    عندَ القتالِ مخافةً أن يُقتلُوا
وضرارُ كان البأسَ منه مُحْضرا    ولُّى كما ولَّى اللئيمُ الأعْزَلُ

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له. وقوله : " وعمرا ينزل " عن غير ابن اسحاق.

ما قاله هبيرة في فراره ورثائه عمرو بن عبدود:

قال ابن اسحاق : وقال هُبَيْرة بن أبي وهب يعتذر من فراره ، ويبكي عَمرا، ويذكر قتل على إياه.

لَعَمْري ما ولَّيْتُ ظهري محمـدا    وأصحابَه جُبْنا ولا خِيفةَ القتلِ
ولكنني قلَّبت أمري فلم أجــدْ    لسيفي غَنَاء إن ضربتُ ولا نَبْلي
وقَفت فلمَّا لم أجدْ لي مُقَدُّمــا    صَدَرْتُ كضِرغامٍ هِزَبْرأبى شَبْلِ
ثنَى عِطْفَه عن قِرْنِه حين لم يجدْ    مَكَرّا وقِدْما كان ذلك من فعلي
فلا تَبْعَدَنْ يا عمرُ حيّا وهالكــا    وحُقَّ لحُسْنِ المدْحِ مثلُك من مثلى
وِلا تَبْعَدَنْ يا عمرُو حيّا وهالكـا    فقد بِنْتَ محمودَ الثنا ماجدَ الأصلِ
فمَنْ لِطرَادِ الخيلِ تُقْدَعُ بالقَنــا    وللفخرِ يوما عندَ قَرْقَرَةِ البُزْلِ
هناك لو كان ابنُ عبدٍ لزارهــا    وفرَّجها حقّا فَتًى غيرُ ما وَغْل
فعنك علىّ لا أرى مثلَ موقــفٍ    وقَفت على نَجدِ المقدَّم كالفحلِ
فماظفِرَتْ كفاك فخرا بمثلِــه    أمِنْتَ به ماعِشْتَ من زَلَّةِ النعل

ما قاله هبيرة في رثاء عمرو أيضاً : وقال هبيرة بن أبي وهب يبكى عمرو بن عبد ود، ويذكر قتل على إياه :

لقد عَلِمَتْ عُلْيَا لُؤَيِّ بنِ غالبٍ    لَفَارسُها عَمرو إذا ناب نائبُ
لفارسُها عَمرو إذا ما يَسومُـه    عَلي وإن الليث لا بد طالب
عَشِية يَدعوه عليُّ وإنــــه    لفارسُها اذ خَام عنه الكتائِبُ
فيا لهْفَ نفسى إن عَمْرا تركتُه    بيثرِبَ لا زالتْ هُناك المصائبُ

حسان يفتخربقتل عمرو: وقال حسان بن ثابت يفتخر بقتل عَمرو بن عبد ود:

بَقِيتكم عَمْرو أبحناه بالقّنـــا    بيثرِبَ نحمى والحُماة قليل
ونحن قتلناكم بكلِّ مُهنَّــــدٍ    ونحن وُلاةُ الحربِ حين نصولُ
ونحن قتلناكم ببدر فأصبحـتْ    معاشرُكم في الهالكين تجولُ

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.

قال ابن اسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا في شأن عمرو ابن عبد ود:

أمسى الفتى عمرُو بنُ عَبْدٍ يبتغي    بجنوبِ يَثْرب ثأرَه لم يُنْظَرِ
فلقد وجدْتَ سيوفَنا مشهــورةً    ولقد وجدْتَ جيادَنا لم تُقْصَر
ولقد لقيتَ غَداةَ بدر عُصبــةً    ضربوك ضربا غيرَ ضَرْبِ الحُسَّرِ
أصبحت لاتُدْعَى ليومِ عظيمـةٍ    يا عمرُو أو لجسيمِ أمر مُنْكَرِ

قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان.

قال ابن اسحاق : وقال حسان بن ثابت أيضا:

ألا ابلغْ أبا هِدْمٍ رســولا    مُغَلْغَلةً تَخُبُّ بها المَطِىُّ
أكنتُ وليَّكم في كلِّ كُــرْهٍ    وغير في الرَّخاءِ هو الولىُّ
ومنكم شاهدٌ ولقد رآنــى    رُفِعْت له كما احتُمِلَ الصبيُّ

قال ابن هشام : وتروى هذه الأبيات لربيعة بن أمية الديلي ، ويروى فيها آخرها:

كبَبْت الخزرجىَّ على يديه    وكان شفاءَ نفسى الخزرجىُّ

وتُروى أيضا لأبى أسامة الجُشَمي.

ما قاله حسان في بكاء سعد بن معاذ:

وقال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابت في يوم بني قريظة يبكى سعد بن معاذ ويذكر حُكمه فيهم :

لقد سَجَمت من دَمْعِ عينى عَبرة   وحُقَّ لعيني أن تفيضَ على سعدِ
قتيل ثَوَى في معركٍ فجُعتْ به   عيونُ ذوارِى الدمعِ دائمةُ الوجدِ
على مِلةِ الرحمنِ وارثَ جَنّـةٍ   مع الشهداءِ وفدُها أكرمُ الوفدِ
فإن تك قد ودعْتَنا وتركتنــا   وأمسيْتَ في غَبراء مُظلمة اللحد
فأنت الذي يا سعدُ أبْتَ بمشهد   كريمٍ وأثوابِ المكارمِ والحمدِ
بحكمِك في حَيَّىْ قريظةَ بالذي   قضى اللّه فيهم ماقضيْت على عَمْدِ
فوافق حكمَ اللّه حكمُكَ فيهـمُ   ولم تعفُ إذ ذُكِّرْتَ ماكان من عهدِ
فإن كان رَيْبُ الدهرِأمضاك في الألى   شَرَوْا هذه الدنيا بجناتِها الخلدِ
فنعم مصيرُ الصادقين إذا دُعوا   إلى اللّه يوما للوجاهةِ والقَصْدِ

ما قاله حسان في بكاء سعد بن معاذ وغيره : وقال حسان ابن ثابت أيضا، يبكى سعد بن معاذ، ورجالا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الشهداء، ويذكرهم بما كان فيهم من الخير:

ألا يا لَقومي هل لِما حُمَّ دافــعُ   وهل مامضى من صالحِ العيش راجعُ
تذكرت عَصْرا قد مَضى فتهافتتْ  بناتُ الحَشَى وانهلَّ مني المدامع
صبابة وجْدٍ ذكرتني أحِبَّــــةً   وقتلَى مضَى فيها طُفَيْل ورافعُ
وسعدٌ فأضحوا في الجِنانِ وأوحَشَتْ   منازلُهم فالأرضُ منهم بلاقِع
وَفَوْا يومَ بدر للرسولِ وفوقَهـــم   ظلالُ المنايا والسيوفُ اللوامعُ
دعا فأجابوه بحق وكلُّهــــــمٍ   مطيعٌ له في كلِّ أمر وسامعُ
فما نكَلوا حتى تَوَلَّوْا جماعــــة   ولا يقطعُ الآجالَ إلا المَصارعُ
لأنهم يرجون منه شفاعـــــةً   إذا لم يكنْ إلا النبيونَ شافعُ
فذلك يا خيرَ العبادِ بلاؤنـــــا   إجابتُنا للّه والموتُ ناقعُ
لنا القَدَمُ الأولى إليكَ وخلفُنــــا   لأوَّلِنا في مِلةِ اللّه تابعُ
ونعلم أن المُلكَ للّه وحـــــدَه   وأن قضاءَ اللّه لا بدَّ واقعُ

ماقاله حسان في يوم بني قريظة : وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بني قريظة :

لقد لَقِيتْ قريظةُ ما سآهــا   وما وجَدَتْ لذُلّ من نصيرِ
أصابهمُ بلاءٌ كان فيــــه   سوى ما قد أصاب بني النضيرِ
غَداةَ أتاهمُ يهوي إليهـــم    رسول اللّه كالقمرِ المنيرِ
له خيل مُجُنَّبة تَعَــــادَى    بفرسانٍ عليها كالصقورِ
تركناهم وما ظفروا بشــيءٍ    دماؤهُمُ عليهم كالغَديرِ
فهم صَرْعَى تحوم الطيرُ فيهم    كذاك يُدانُ ذو العَنَدِ الفَجُورِ
فأنذِرْ مثلَها نُصحا قريشـــا    من الرحمنِ إن قَبِلَتْ نذيري

وقال حسان بن ثابت في بني قريظة :

لقد لَقِيَتْ قريظةُ ما سآهــا    وحَلَّ بحصنِها ذل ذليلُ
وسعد كان أنذرهم بنصــحٍ    بأن إلهكم رب جليلُ
فما بَرِحوا بنقضِ العهدِ حتي    فَلاهم في بلادِهم الرسولُ
أحاط بحصنِهم منا صفـوف    له من حَرِّ وقعَتِهم صليلُ

وقال حسان بن ثابت أيضا في يوم بني قريظة:

تفاقد مَعْشَرٌ نصروا قُريشا    وليس لهم ببَلْدتِهم نصيرُ
هُمُ أوتوا الكتابَ فضيَّعـوه    وهم عُمْى من التوراةِ بورُ
كفرتم بالقرآن وقد أتيْتُــم    بتصديقِ الذي قال النذيرُ
فهان علَى سَراةِ بني لُـؤَي    حريقٌ بالبُوَيْرةِ مُسْتَطيرُ

أبو سفيان يرد على حسان : فأجابه أبو سفيان بن الحارث ابن عبد المطلب ،

فقال :

أدامَ اللّه ذلك من صنيــعٍ    وحَرَّق في طرائِقِها السعيرُ
ستعلم أينا منها بنُـــزْهٍ    وتعلم
أيُّ أرضِينا تضيرُ
فلو كان النخيلُ بها رِكابـا    لقالوا لا مُقامَ لكم فسيروا

جبل بن جوال يرد على حسان : وأجابه جبل بن جَوَّال الثعلبي أيضا، وبكي النضير وقُريظة،

فقال :

ألا يا سَعْدُ سَعْدَ بني مُعــاذٍ    لِمَا لَقِيَتْ قريظةُ والنضيرُ
لعَمْرُكَ إنَّ سَعْدَ بني مُعــاذٍ    غَداةَ تحمَّلوا لهوَ الصَّبورُ
فأما الخزرَجيُّ أبو حُبــابٍ    فقال لقَينُقاعٍ لا تَسيروا
وبُدِّلت الموالي من حُضَيْــر    أسَيْدا والدوائرُ قد تدورُ
وأقفرتِ البُوَيْرةُ من سَـــلامٍ    وسَعْيةَ وابنِ أخطبَ فَهْيَ بُورُ
وقد كانوا ببلدتِهم ثِقـــــالا    كما ثَقُلَتْ بميْطان الصُّخورُ
[٩]
فإنْ يهلكْ أبو حَكَمٍ سَــــلام    فلا رَث السلاحِ ولا دَثُور
[١٠]
وكل الكاهنين وكان فيهـــم    مع اللِّين الخَضارمة الصقور
وجدنا المجْدَ قد ثَبتُوا عليــه    بمجدٍ لا تُغَيبه البدورُ
أقيموا يا سراةَ الأوْسِ فيهــا    كأنكمُ من المَخْزاهِ عور
تركتم قِدْرَكم لا شىءَ فيهـــا    وقِدْرُ القومِ حامية تفورُ

مقتل سلام بن أبي الحُقيق

قال ابن إسحاق : ولما انقضى شأن الخندق ، وأمر بني قريظة،

وكان سلام بن أبي الحُقَيق ، وهو أبو رافع فيمن حزَّب الأحزاب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكانت الأوْس قبل أحد قتلت كعبَ بن الأشرف ، في عداوته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتحريضه عليه ، استأذنت الخزرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قتل سَلام بن أبي الحُقَيق ، وهو بخيبر، فأذن لهم.

قال ابن اسحاق : وحدثني محمد بن مُسلم بن شهاب الزُّهري ، عن عبداللّه بن كعب بن مالك ،

قال : وكان مما صنع اللّه به لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن هذين الحيين من الأنصار: الأوْس والخزرج ، كانا يتصاولان مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تصاول الفحْلَين ، لا تصنع الأوس شيئا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غَناء إلا قالت الخزرج : واللّه لا تذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفى الإسلام.

قال : فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلَها،. وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوْس مثلَ ذلك.

ولما أصاب الأوْسُ كعبَ بنَ الأشرف في عداوته لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالت الخزرج : واللّه لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا،

قال : فتذاكروا: مَنْ رجل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العداوة كابن الأشرف ؟ فذكروا ابن أبي الحقَيق ، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في قتله ، فأذن لهم.

من خرج لقتل ابن أبي الحقيق : فخرج اليه من الخزرج من بني سَلَمة خمسهُ نفر: عبداللّه بن عَتيك ، ومسعود بن سِنان ، وعبداللّه ابن أنيس ، وأبو قَتادة، الحارث بن رِبْعي ، وخُزاعي بن أسود، حليف لهم من أسلم. فخرجوا وأمَّر عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبدَاللّه بن عَتيك ، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبي الحُقَيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه على أهله.

قال : وكان في عِلِّية له إليها عجلة

قال : فأسندوا فيها، حتى قاموا على بابه ، فاستأذنوا عليه ، فخرجت إليهم امرأته ، فقالت : من أنتم ؟

قالوا: ناس من العرب نلتمس المِيرَة

قالت : ذاكم صاحبكم ، فادخلوا عليه ،

قال : فلما دخلنا عليه ، أغلقنا علينا وعليها الحجرة، تخوُّفا أن تكون دونَه مجاولةٌ تحول بيننا وبينه ،

قالت : فصاحت امرأتُه ، فنوَّهَتْ بنا، وابتدرناه ، وهو على فراشه بأسيافنا، فواللّه ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قُبطية مُلقاة.

قال : وِلما صاحت بنا امرأته ، جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ، ثم يذكر نهْيَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيكف يده ، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.

قال : فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدُاللّه بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه ، وهو يقول. قَطْنِي قَطني. أي حسبى حسبى.

قال : وخرجنا، وكان عبداللّه بن عَتيك رجلا سيىء البصر،

قال : فوقع من الدرجة فوثِئت يدُه وثئا شديدا -

ويقال : رجلُه ، فيما

قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتيَ به مَنْهرا من عيونهم ، فندخل فيه.

قال : فأوقدوا النيران ، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا

قال : حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم ، فاكتنفوه وهو يقضى بينهم.

قال : فقلنا: كيف لنا بأن نَعلمَ بأن عدوَّ اللّه قد مات ؟

قال : فقال رجل منا: أنا اذهب فانظر لكم فانطلق حتى دخل في الناس.

قال : فوجدت امرأته ورجالَ يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه ، وتحدثهم وتقول : أما واللّه لقد سمعت صوت ابن عَتيك ، ثم أكذبتُ نفسي

وقلت : أنَّى ابن عَتيك بهذه البلاد؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه

ثم قالت. فاظ وإلهِ يهود، فما سمعتُ من كلمةٍ كانت ألذَّ إلى نفسى منها.

قال : ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدِمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فاخبرناه بقتل عدو اللّه ، واختلفنا عنده في قتله له ، كلنا يدعيه.

قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هاتوا أسيافَكم ،

قال : فجئناه بها. فنظر إليها فقال لسيف عبد اللّه بن انيس : هذا قَتله ، أرى فيه أثرَ الطعام.

شعر حسان في قتل كعب بن الأشرف وسلام بن أبىالحقيق :

قال ابن اسحاق : فقال حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق :

للّه دَرّ عصابة لاقيتهــــم    يابنَ الحقيقِ وأنتَ ياابنَ الأشرفِ.
يسرون بالبيضِ الخِفافِ إليكمُ    مَرَحا كَأسدٍ في عَرينِ مغرَفِ
حتى أتوكم في محلِّ بلادِكـم    فسَقُوكُمً حَتْفا ببيضٍ ذففِ
مستَبصرين لنصرِ دينِ نبيهمْ    مستصغِرين لكل أمرمُجْحِفِ

قال ابن هشام : قوله : " ذُفَّف " عن غير ابن اسحاق.

إسلام عَمرو بن العاص وخالد بن الوليد ذهاب عمرو ومن معه إلى النجاشي : قالابن اسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حَبيب.عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي ، حبيب بن أبي أوس الثقفي ، قال حدثني عمرو بني العاص من فيه

قال : لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش ، كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني ، فقلت لهم : تعلمون واللّه إنى أرى أمر محمد يعلو الأمورَ عُلوا منكرا، وإني قد رأيت أمرا، فما ترَون فيه ؟

قالوا: وماذا رأيت ؟

قال : رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي ، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يديْ محمد، وإن ظهر قومُنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتيَنا منهم إلا خير،

قالوا: إن هذا الرأي. قلت : فاجمعوا لنا ما نهديه له ، وكان أحبَّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأدْمُ ، فجمعنا له ادْما كثيرا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.

طلب عمرو من النجاشي قتل عمرو بن أمية: فواللّه إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضَّمْري ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه.

قال : فدخل عليه ثم خرج من عنده.

قال : فقلت لأصحابى : هذا عَمرو بن أمية الضَّمْري ، لو قد دخلت على النجاشى وسألته إياه فأعطانيه ، فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قَتلتُ رسولَ محمد.

قال : فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع ،

فقال : مرحبا بصديقى، أهديت إلىَّ من بلادك شيئا؟

قال : قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت إليك أدْما كثيرا،

قال : ثم قربته اليه ، فأعجبه واشتهاه ثم قلت له : أيها الملك ، إني قد رايت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول رجل عدو لنا، فاعطنيه لاقتله ، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا.

قال : فغضب ، ثم مد يده فضرب بها انفه ضربةً ظننت انه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فَرقا منه ثم قلت له : ايها الملك ، واللّه لو ظننتُ انك تكره هذا ما سالتُكَه ،

قال : اتسالني ان اعطيك رسولَ رجلٍ ياتيه الناموسُ الأكبرُ الذي كان ياتى موسى لتقتله !

قال : قلت : أيها الملك ، أكذلك هو؟

قال : ويحك يا عمرو أطعنى واتبعْه ، فانه واللّه لعلى الحق ، وليظْهرنَّ على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعونَ وجنودِه ،

قال : قلت : فاتبايعني له على الإسلام ؟

قال : نعم ، فبسط يده ، فبايعته على الإسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه ، وكتمت أصحابي إسلامى.

عمرو وخالد يجتمعان على الإسلام : ثم خرجتُ عامدا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأسلم ، فلقيت ، خالدَ بن الوليد، وذلك قبل الفتح ، وهو مُقبل من مكة،

فقلت : أين يا أبا سليمان ؟

قال : واللّه لقد استقام المَنْسِمُ ، وإن الرجلَ لنبى، اذهب واللّه فأسلم ، فحتى متى؟

قال : قلت : واللّه ما جئت إلا لأسلم.

قال : فقدمنا المدينة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت ،

فقلت : يا رسول اللّه ، إنى أبايعك على أن يُغْفَر لي ما تقدم من ذنبي ، ولا أذكر ما تأخر؟

قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عمرو، بايعْ ، فإن الإسلام أدْماً كثيراً،

قال : ثم قربته إليه ، فأعجبه واشتهاه ثم قلت له : أيها الملك ، إني قد رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله ، فإنه قد رأيت رجلا خرج من عندك ، وهو رسول أصاب من أشرافنا وخيارنا.

قال : فغضب ، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره ، فلو انشقت لىَ الأرض لدخلت فيها فَرقا منه ؛ ثم قلت له : أيها الملك ، واللّه لو ظننتُ أنك تكره هذا ما سألتُكَه ،

قال : أتسألني أن أعطيك رسولَ رجلٍ يأتيه الناموسُ الأكبرُ الذي كان يأتى موسى لتقتله !

قال : قلت : أيها الملك ، أكذلك هو؟

قال : ويحك يا عمرو أطعنى واتبعْه ، فإنه واللّه لعلى الحق ، وليظْهرنَّ على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعونَ وجنودِه ،

قال : قلت : فأتبايعني له على الإسلام ؟

قال : نعم ، فبسط يده ، فبايعته على الإِسلام ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأى عما كان عليه ، وكتمت أصحابي إسلامى.

عمرو وخالد يجتمعان على الإِسلام : ثم خرجتُ عامداً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأسلم ، فلقيت ، خالدَ بن الوليد، وذلك قبل الفتح ، وهو مُقبل من مكة،

فقلت :أين يا أبا سليمان ؟

قال : واللّه لقد استقام المَنْسِمُ ، وإن الرجلَ لنبى، أذهب واللّه فأسلم ، فحتى متى؟

قال : قلت : واللّه ما جئت إلا لأسلم.

قال : فقدمنا المدينة على رسول اللّه اصلى اللّه عليه وسلم، فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ، ثم دنوت ،

فقلت : يا رسول اللّه ، إنى أبايعك على أن يُغْفَر لى ما تقدم من ذنبي ، ولا أذكر ما تأخر؟

قال : فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عمرو، بايعْ ، فإن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله ، وإن الهجرة تَجُبَّ ما كان قبلها؛

قال : فبايعته ، ثم.انصرفت

قال ابن هشام :

ويقال : فإن الإسلام يَحُثُّ ما كان قبله ، وإن الهجرة تَحُث ما كان قبلها.

إسلام عثمان بن طلحة :

قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم : أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة، كان معهما، حين أسلما.

ما قاله ابن الزبعرى في إسلام عثمان بن طلحة وخالد:

قال ابن إسحاق : فقال ابن الزبَعْرى السَّهْمى:

أنشُدُ عثمانَ بنَ طلحةَ حِلفَنـا    ومُلْقَى نِعالِ القومِ عندَ المُقَبلِ
وما عَقدَ الآباءُ من كلِّ حِلْفِـه    وما خالدٌ من مثلِها بمُحَللِ
أمِفتاحَ بيتٍ غيرِ بيتك تبتغي    وما يُبتَغَى من مجدِ بيتٍ مُؤثَل
فلا تأمَننْ خالداً بعدَ هـــذه    وعثمانُ جاء بالدُّهَيْم المُعَضَّلِ

وكان فتح بني قريظة في ذي القَعدة وصدر ذي الحِجة، وولىَ تلك الحجةَ المشركون.

" بسم اللّه الرحمن الرحيم "

----------------------------------------------------------------------------

[٧] فضافض : أى متناثرين.

[٨] الشوس : من ينظرون بمؤخر عيونهم كبرا. مفرده : أشوس.

[٩] ميطان : جبل بالمدينة.

[١٠] الدثور: المتغير.