الأذكار - كتاب أذكار الجهاد
باب استحباب سؤال الشهادة
...
كتاب أذكار الجهاد
أما أذكار سفره ورجوعه فسيأتي في كتاب أذكار السفر إن شاء الله تعالى.
وأما ما يختص به فنذكر منه ما حضر الآن مختصرا.
باب استحباب سؤال الشهادة
روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم حرام، فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك " ، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قلت: ثبج البحر، بفتح الثاء المثلثة وبعدها باء موحدة مفتوحة أيضا ثم جيم: أي ظهره، وأم حرام بالراء.
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن معاذ رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سأل الله القتل من نفسه صادقا، ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد" قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وروينا في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه" .
وروينا في صحيح مسلم أيضا عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله تعالى منازل الشهداء وإن مات على فراشه" .

(1/144)


باب حث الإمام أمير السرية على تقوى الله تعالى وتعليمه إياه ما يحتاج إليه من أمر قتال عدوه ومصالحتهم وغير ذلك
روينا في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال" ... وذكر الحديث بطوله.

(1/144)


باب بيان أن السنة للإمام وأمير السرية إذا أراد غزوة أن يوري غيرها
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد سفرة إلا ورى بغيرها.

(1/144)


باب الدعاء لمن يقاتل أو يعمل على ما يعين على القتال في وجهه وذكر ما ينشطهم ويحرضهم على القتال
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} [الأنفال: 65] وقال تعالى: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 84].
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: "اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة" .

(1/145)


باب الدعاء والتضرع والتكبير عند القتال واستنجاز الله ما وعد من نصر المؤمنين
قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 45 - 47] قال بعض العلماء هذه الآية الكريمة أجمع شيء جاء في آداب القتال.
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم" فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك، فخرج وهو يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45 - 46]، وفي رواية كان ذلك يوم بدر هذا لفظ رواية البخاري.
وأما لفظ مسلم فقال: استقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه عز وجل يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه مادا يديه حتى سقط رداؤه.
قلت: يهتف بفتح أوله وكسر ثالثه، ومعناه: يرفع صوته بالدعاء.
وروينا في صحيحيهما عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - في بعض أيامه التي لقي فيها العدو - انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس قال: "أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" ، ثم قال: "اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم " وفي رواية: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم" .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين.
قال السيوطي في تحفة بنكت الأذكار: قال الحافظ: كذا في النسخة يوم حنين، بالمهملة المضمومة والنون، وهو تصحيف قديم، وإنما هو يوم خبير - في الأصل: جبير، وهو تصحيف.
وروينا في صحيحيهما عن أنس رضي الله عنه قال: صبح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، فلما رأوه قالوا:

(1/145)


محمد والخميس، فلجؤوا إلى الحصن، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: "الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" .
وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثنتان لا تردان - أو قلما تردان - الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلجم بعضهم بعضا" .
قلت: في بعض النسخ المعتمدة يلحم بالحاء، وفي بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر.
وروينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل" .
قال الترمذي: حديث حسن.
قلت: معنى عضدي: عوني.
قال الخطابي: معنى أحول: أحتال.
قال: وفيه وجه آخر، وهو أن يكون معناه: المنع والدفع، من قولك: حال بين الشيئين: إذا منع أحدهما من الآخر، فمعناه: لا أمنع ولا أدفع إلا بك.
وروينا بالإسناد الصحيح في سنن أبي داود والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" .
وروينا في كتاب الترمذي عن عمارة بن زعكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله تعالى يقول: إن عبدي كل عبدي، الذي يذكرني وهو ملاق قرنه" يعني عند القتال.
قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي.
قلت: زعكرة بفتح الزاي والكاف وإسكان العين المهملة بينهما.
وروينا في كتاب ابن السني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: "لا تتمنوا لقاء العدو، فإنكم لا تدرون ما تبتلون به منهم، فإذا لقيتموهم فقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم، وقلوبنا وقلوبهم بيدك، وإنما يغلبهم أنت" .
وروينا في الحديث الذي قدمناه عن كتاب ابن السني عن أنس رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة، فلقي العدو، فسمعته يقول: "يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين" ، فلقد رأيت الرجال تصرع تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها.
وروى الإمام الشافعي رحمه الله في الأم بإسناد مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث" .
قلت: ويستحب استحبابا متأكدا أن يقرأ ما تيسر له من القرآن، وأن يقول دعاء الكرب الذي قدمنا ذكره.
وأنه في الصحيحين "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم" .
ويقول ما قدمناه هناك في الحديث الآخر: "لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله

(1/146)


رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت، عز جارك وجل ثناؤك" .
ويقول: ما قدمناه في الحديث الآخر: "حسبنا الله ونعم الوكيل" .
ويقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، اعتصمنا بالله، استعنا بالله، توكلنا على الله" .
ويقول: "حصنتنا كلنا أجمعين بالحي القيوم الذي لا يموت أبدا، ودفعت عنا السوء بلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" .
ويقول: "يا قديم الإحسان، يا من إحسانه فوق كل إحسان، يا مالك الدنيا والآخرة، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا من لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه شيء، انصرنا على أعدائنا هؤلاء وغيرهم، وأظهرنا عليهم في عافية وسلامة عامة عاجلا" فكل هذه المذكورات جاء فيها حث أكيد، وهي مجربة.

(1/147)


باب النهي عن رفع الصوت عند القتال لغير حاجة
روينا في سنن أبي داود عن قيس بن عباد التابعي رحمه الله - وهو بضم العين وتخفيف الباء - قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال.

(1/147)


باب قول الرجل في حال القتال: أنا فلان لإرعاب عدوه
روينا في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" .
وروينا في صحيحيهما عن سلمة بن الأكوع: أن عليا رضي الله عنهما لما بارز مرحبا الخيبري، قال علي رضي الله عنه: أنا الذي سمتني أمي حيدره.
وروينا في صحيحيهما عن سلمة أيضا أنه قال في حال قتاله الذين أغاروا على اللقاح:
أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع

(1/147)


باب استحباب الرجز حال المبارزة
فيه الأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا.
روينا في صحيحي البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنهما أنه قال له رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال البراء: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، لقد رأيته وهو على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" وفي رواية فنزل ودعا واستنصر.
وروينا في صحيحيهما عن البراء أيضا قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معنا التراب يوم الأحزاب وقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا،

(1/147)


باب استحباب إظهار الصبر والقوة لمن جرح واستبشاره بما حصل له من الجرح في سبيل الله وبما يصير إليه من الشهادة، وإظهار السرور بذلك وأنه لا ضير علينا في ذلك بل هذا مطلوبنا وهو نهاية أملنا وغاية سؤلنا
قال الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 169 - 172].
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه، في حديث القراء أهل بئر معونة الذين غدرت الكفار بهم فقتلوهم: أن رجلا من الكفار طعن خال أنس وهو حرام بن ملحان، فأنفذه، فقال حرام: الله أكبر فزت ورب الكعبة.
وسقط في رواية مسلم الله أكبر.
قلت: حرام بفتح الحاء والراء.

(1/148)


باب ما يقول إذا ظهر المسلمون وغلبوا عدوهم
ينبغي أن يكثر عند ذلك من شكر الله تعالى، والثناء عليه، والاعتراف بأن ذلك من فضله لا بحولنا وقوتنا، وأن النصر من عند الله، وليحذروا من الإعجاب بالكثرة، فإنه يخاف منها التعجيز كما قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].

(1/148)


باب ما يقول إذا رأى هزيمة في المسلمين والعياذ بالله الكريم
يستحب إذا رأى ذلك أن يفزع إلى ذكر الله تعالى واستغفاره ودعائه، واستنجار ما وعد المؤمنين من نصرهم وإظهار دينه، وأن يدعو بدعاء الكرب المتقدم:
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم.

(1/148)


باب ثناء الإمام على من ظهرت منه براعة في القتال
وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في حديثه الطويل في قصة إغارة الكفار على سرح المدية وأخذهم اللقاح وذهاب سلمة وأبي قتادة في أثرهم...فذكر الحديث، إلى أن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة" .

(1/149)


باب ما يقوله إذا رجع من الغزو
فيه أحاديث ستأتي إن شاء الله تعالى في كتاب أذكار المسافر، وبالله التوفيق.

(1/149)