الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 1 ص -323-      كتاب الصيام:
"الكبيرة الأربعون والحادية والأربعون بعد المائة:
ترك صوم يومٍ من أيّام رمضان, والإفطار فيه بجماعٍ
أو غيره بغير عذرٍ من نحو مرضٍ أو سفرٍ"

أخرج أبو يعلى بإسنادٍ حسنٍ عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما, قال حمّاد بن زيدٍ ولا أعلمه إلّا وقد رفعه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: قال:
"عرى الإسلام وقواعد الدّين ثلاثة عليهنّ ابتني الإسلام من ترك واحدةً منهنّ فهو بها كافر حلال الدّم: شهادة أن لا إله إلّا اللّه والصّلاة المكتوبة وصوم رمضان" وفي روايةٍ: "من ترك منهنّ واحدةً فهو باللّه كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حلّ دمه وماله".
والتّرمذيّ واللّفظ له وأبو داود والنّسائيّ وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقيّ: "من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصةٍ ولا مرضٍ لم يقضه صوم الدّهر كلّه وإن صامه".
وذكره البخاريّ تعليقًا غير مجزومٍ به فقال: ويذكر عن أبي هريرة رفعه:
"من أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ ولا مرضٍ لم يقضه صوم الدّهر وإن صامه". وأخذ بظاهر هذا الخبر عليّ وابن مسعودٍ رضي اللّه عنهما, فقالا: "إنّ من أفطر يومًا من رمضان لا يقضيه صوم الدّهر ", لكن قال النّوويّ في شرح المهذّب إسناده غريب وإن سكت عليه أبو داود, وبالغ النّخعيّ فأوجب في كلّ يومٍ أفطر من رمضان ثلاثة آلاف يومٍ, وقال ابن المسيّب: يجب في كلّ يومٍ ثلاثون يومًا, وقال ربيعة شيخ مالكٍ رضي اللّه عنهما: يجب في كلّ يومٍ اثنا عشر يومًا.
والّذي عليه أكثر العلماء أنّه يجزئ عن اليوم يوم ولو أقصر منه لظاهر قوله تعالى:
{فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [البقرة: 184].

 

ج / 1 ص -324-      وابنا خزيمة وحبّان في صحيحيهما: "بينما أنا نائم أتاني رجلان فأخذا بضبعيّ فأتيا بي جبلًا وعرًا, فقالا: اصعد, فقلت: إنّي لا أطيقه, فقالا: إنّا سنسهّله لك, فصعدت حتّى إذا كنت في سواء الجبل إذا بأصواتٍ شديدةٍ, فقلت: ما هذه الأصوات؟ قالوا: هذه عواء أهل النّار, ثمّ انطلق بي فإذا أنا بقومٍ معلّقين بعراقيبهم مشقّقةً أشداقهم دمًا, قلت من هؤلاء؟ قال الّذين يفطرون قبل تحلّة صومهم", الحديث: أي قبل تحقّق دخول وقته وأحمد مرسلًا: "أربع فرضهنّ اللّه في الإسلام من أتى بثلاثةٍ لم يغنين عنه شيئًا حتّى يأتي بهنّ جميعًا, الصّلاة والزّكاة وصوم رمضان وحجّ البيت" والدّارقطنيّ: "من أفطر يومًا من رمضان في الحضر فليهد بدنةً".
تنبيه: عدّ ما ذكر كبيرةً هو ما صرّحوا به ودليله ما ذكرته. وظاهر أنّ مثل ذلك ترك واجبٍ مضيّقٍ من نذرٍ وكفّارةٍ, فيكون كبيرةً كالإفطار منه بغير عذرٍ, وظاهر واللّه أعلم أنّ حكمة كثرة ما جاء من الوعيد في ترك الصّلاة والزّكاة دون الصّوم أنّه لا يتركه كسلًا مع القدرة عليه إلّا الفذّ النّادر, بخلاف ترك الصّلاة والزّكاة فإنّه كثير في النّاس بل أكثر النّاس يتهاونون بالصّلاة والزّكاة ومع ذلك يثابرون على الصّوم, ومن ثمّ تجد كثيرين يصومون وهم لا يصلّون وكثيرين لا يصلّون إلّا في رمضان دون غيره.
"الكبيرة الثّانية والأربعون بعد المائة:
تأخير قضاء ما تعدّى بفطره من رمضان"
وعدّ هذا كبيرةً وإن لم أره إلّا أنّه ظاهر, لما تقرّر من أنّه إذا تعدّى بالإفطار يكون فاسقًا فتجب عليه التّوبة فورًا خروجًا من الفسق, ولا تصحّ التّوبة إلّا بالقضاء فإذا أخّره من غير عذرٍ كان متماديًا في الفسق, والتّمادي في الفسق فسق, فاتّضح أنّ التّأخير هنا فسق فتأمّله, ويجري ذلك في كلّ واجبٍ تركه تعدّيًا وأخّر قضاءه كفرض الصّلاة والحجّ الّذي أفسده, ولا يبعد جريان ذلك أيضًا فيما لو أخّر قضاء رمضان إلى رمضان الثّاني وإن كان إنّما أفطر لعذرٍ لأنّه يتضيّق عليه قرب رمضان ثمّ رأيت الهرويّ من أكابر أصحابنا صرّح في كتابه [ أدب القضاء ] بما ذكرته وهو أنّ ترك الفرائض المأمور بها وهي واجبة على الفور كبيرة.

 

ج / 1 ص -325-      الكبيرة الثّالثة والأربعون بعد المائة:
صوم المرأة غير ما وجب فورًا وزوجها حاضر بغير رضاه"
أخرج الشّيخان: "لا يحلّ لامرأةٍ أن تصوم وزوجها شاهد إلّا بإذنه ولا تأذن في بيته إلّا بإذنه".
زاد أحمد بسندٍ حسنٍ: "إلّا رمضان".
وفي روايةٍ صحيحةٍ:
"لا تصم المرأة وزوجها شاهد يومًا من غير شهر رمضان إلّا بإذنه".
والطّبرانيّ من رواية بقيّة وهو حديث غريب وفيه نكارة "أيّما امرأةٍ صامت بغير إذن زوجها فأرادها على شيءٍ فامتنعت عليه كتب اللّه عليها ثلاثًا من الكبائر".
والطّبرانيّ خبرًا فيه: "ومن حقّ الزّوج على الزّوجة أن لا تصوم تطوّعًا إلّا بإذنه, فإن فعلت جاعت وعطشت ولا يقبل منها".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً وإن لم أره, لكنّه صريح الحديث الثّالث, وعلى تسليم أن لا يحتجّ به لما ذكر فيؤخذ كونه كبيرةً من أمرٍ آخر أشير إليه في الحديث الأوّل بقوله: "ولا تأذن في بيته إلّا بإذنه", وذلك الأمر المشار إليه بذلك هو إيذاؤه بالتّسبّب إلى منعه من حقّه المقدّم على الصّوم وغيره, ولا نظر إلى أنّه يمكنه شرعًا أن يطأها, والإثم عليها إن كان فرضًا, لأنّ الغالب أنّ الإنسان يهاب إبطال العبادة كما صرّحوا به وإذا هابها امتنع من وطئها وإن احتاج إليه فيحصل له الضّرر الشّديد غالبًا, ولا شكّ أنّ ضرر الغير الشّديد بمنعه لحقّه أو التّسبّب فيما يمنعه منه يكون كبيرةً, فاتّجه ما ذكرته, والحديث حينئذٍ إنّما هو عاضد فقط.
الكبيرة الرابعة والأربعون بعد المائة:
صوم العيدين وأيّام التّشريق"
أخرج أحمد وأبو داود والتّرمذيّ والنّسائيّ والحاكم:
"يوم الفطر ويوم النّحر وأيّام التّشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيّام أكلٍ وشربٍ".
وابن ماجه: "صام نوح الدّهر إلّا يوم الفطر ويوم الأضحى".
ومسلم:
"لا يصلح الصّيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان".

 

ج / 1 ص -326-      وأحمد والنّسائيّ: "لا تصوموا هذه الأيّام أيّام التّشريق فإنّها أيّام أكلٍ وشربٍ".
تنبيه: الأخبار في النّهي عن ذلك كثيرة فعدّه كبيرةً محتمل لما فيه من الإعراض به عن ضيافة اللّه عزّ وجلّ لعباده.
"خاتمة في سرد أحاديث صحيحةٍ أو حسنةٍ تتعلّق بالصّوم"
وقد ألّفت فيه كتابًا حافلًا سمّيته [ إتحاف أهل الإسلام بخصوصيّات الصّيام ].
وهذه الأحاديث من خلاصته قال اللّه تعالى:
"كلّ عمل ابن آدم له إلّا الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به والصّيام جنّة: أي وقاية من النّار, فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب, فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل" أي بلسانه وقلبه "إنّي صائم". والّذي نفس محمّدٍ بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند اللّه من ريح المسك". "للصّائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره, أي طبعًا أو لإتمامه هذه العبادة العظيمة الفضل وإذا لقي ربّه فرح بصومه" أي لعظيم ما يلقى من ثوابه, ومن ثمّ أضافه تعالى إليه إعلامًا بأنّه لا يحصي ثوابه غيره.
"كلّ عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ. قال اللّه تعالى : إلّا الصّوم فإنّه لي وأنا أجزي به, يدع شهوته وطعامه من أجلي"
"والّذي نفس محمّدٍ بيده لخلوف فم الصّائم": أي تغيّر ريحه من الصّوم "أطيب عند اللّه يوم القيامة من ريح المسك".
"إنّ في الجنّة بابًا يقال له الرّيّان: يدخل منه الصّائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم, فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد أبدًا, من دخل شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا".
"اغزوا تغنموا, وصوموا تصحّوا, وسافروا تستغنوا" "الصّيام جنّة وحصن حصين من النّار".
"الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصّيام أي ربّ منعته الطّعام والشّهوة فشفّعني فيه, ويقول القرآن منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه, قال فيشفعان" "عليك بالصّوم فإنّه لا عدل له" "ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل اللّه تعالى إلّا باعد اللّه اليوم وجهه عن النّار سبعين خريفًا" "من صام يومًا في سبيل اللّه جعل اللّه بينه وبين النّار خندقًا كما بين السّماء والأرض "
"من صام يومًا في سبيل اللّه بعدت منه النّار مسيرة مائة عامٍ" وخصّ طوائف سبيل اللّه هنا بالجهاد, وقال آخرون: المراد به خلوصه للّه تعالى :

 

ج / 1 ص -327-      "ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصّائم حين يفطر", وفي روايةٍ صحيحةٍ: "حتّى يفطر, والإمام العادل ؛ ودعوة المظلوم يرفعها اللّه فوق الغمام وتفتح لها أبواب السّماء ويقول الرّبّ: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حينٍ" "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا" أي تصديقًا "ورغبةً في ثوابه طيّبةً به نفسه طالبًا لوجه اللّه وعظيم ما عنده, غفر له ما تقدّم من ذنبه, ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه", وفي روايةٍ صحيحةٍ: "وما تأخّر", وذكرها أحمد بعد الصّوم أيضًا بإسنادٍ حسنٍ إلّا أنّ حمّادًا شكّ في وصله أو إرساله: "من صام رمضان وحفظ حدوده وتحفّظ ممّا ينبغي له أن يتحفّظ منه كفّر ما قبله".
"الصّلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفّرات ما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر".
"احضروا المنبر فحضرنا, فلمّا ارتقى درجةً قال آمين فلمّا ارتقى الدّرجة الثّانية قال آمين, فلمّا ارتقى الدّرجة الثّالثة قال آمين, فلمّا نزل: قلنا يا رسول اللّه لقد سمعنا منك اليوم شيئًا ما كنّا نسمعه, قال: إنّ جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له, قلت آمين, فلمّا رقيت الثّانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصلّ عليك, قلت آمين, فلمّا رقيت الثّالثة قال: بعد من أدرك أبويه عنده الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنّة قلت آمين".
"خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في آخر يومٍ من شعبان فقال: يا أيّها النّاس قد أظلّكم شهر عظيم مبارك شهر فيه ليلة خير من ألف شهرٍ, شهر جعل اللّه صيامه فريضةً, وقيام ليله تطوّعًا, من تقرّب فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدّى فريضةً فيما سواه, ومن أدّى فريضةً فيه كان كمن أدّى سبعين فريضةً فيما سواه, وهو شهر الصّبر, والصّبر ثوابه الجنّة, وشهر المواساة, وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه, من فطّر فيه صائمًا كان مغفرةً لذنوبه, وعتق رقبته من النّار, وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء, قالوا يا رسول اللّه ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم, قال صلّى اللّه عليه وسلّم: يعطي اللّه هذا الثّواب من فطّر صائمًا على تمرةٍ أو شربة ماءٍ أو مذقة لبنٍ, وهو شهر أوّله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار, من خفّف عن مملوكه فيه غفر اللّه له وأعتقه من النّار, واستكثروا فيه من أربع خصالٍ: خصلتين ترضون بهما ربّكم

 

ج / 1 ص -328-      وخصلتين لا غنى بكم عنهما, فأمّا الخصلتان اللّتان ترضون بهما ربّكم: فشهادة أن لا إله إلّا اللّه وتستغفرونه, وأمّا الخصلتان اللّتان لا غنى بكم عنهما: فتسألون اللّه الجنّة وتتعوّذون به من النّار, ومن سقى صائمًا سقاه اللّه من حوضي شربةً لا يظمأ بعدها أبدًا", وفي سنده من صحّح, وحسّن له التّرمذيّ, لكن ضعّفه غيره, ومن ثمّ ذكره ابن خزيمة في صحيحه وعقّبه بقوله إن صحّ.
وفي روايةٍ في سندها من ذكر: "من فطّر صائمًا في شهر رمضان من كسبٍ حلالٍ صلّت عليه الملائكة ليالي رمضان كلّها وصافحه جبريل ليلة القدر, ومن صافحه جبريل عليه السّلام يرقّ قلبه وتكثر دموعه"
"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنّة, وغلّقت أبواب النّار, وصفّدت الشّياطين, أي شدّت بالأغلال فلا يبلغون فيه من الإفساد ما يبلغونه منه في غيره".
وفي روايةٍ: "الشّياطين ومردة الجنّ", وفي أخرى: "مردة الجنّ" "إذا كان أوّل ليلةٍ من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشّهر كلّه, وغلّقت أبواب النّار فلم يفتح منها باب واحد الشّهر كلّه, وغلّت عتاة الجنّ, ونادى منادٍ من السّماء كلّ ليلةٍ إلى انفجار الصّبح: يا باغي الخير تمّم وأبشر, ويا باغي الشّرّ أقصر وأبصر, هل من مستغفرٍ يغفر له, هل من تائبٍ يتاب عليه, هل من داعٍ يستجاب له, هل من سائلٍ يعطى سؤاله؟ وللّه عزّ وجلّ عند كلّ فطرٍ من شهر رمضان كلّ ليلةٍ عتقاء من النّار ستّون ألفًا, فإذا كان يوم الفطر أعتق اللّه مثل ما أعتق في جميع الشّهر ثلاثين مرّةً ستّين ألفًا".