الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 1 ص -347-      كتاب الصيد والذبائح
الكبيرة الثّانية والثّالثة والرّابعة والخامسة والسّادسة والسّتّون بعد المائة:
المثلة بالحيوان كقطع شيءٍ من نحو أنفه أو أذنه, ووسمه في وجهه,
واتّخاذه غرضًا, وقتله لغير الأكل, وعدم إحسان القتلة والذّبحة"

أخرج أحمد بسندٍ رواته ثقات مشهورون أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من مثّل بذي روحٍ ثمّ لم يتب مثّل اللّه به يوم القيامة".
وابن حبّان في صحيحه عن مالك بن نضلة قال: "أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: هل تنتج إبل قومك صحاحًا فتعدل إلى الموسى فتقطع آذانها وتشقّ جلودها وتقول هذه صرم" أي بضمّ المهملة وسكون الرّاء جمع صريمٍ وهو ما صرم أذنه: أي قطع "فتحرّمها عليك وعلى أهلك؟ قلت نعم, قال: فكلّ ما آتاك اللّه حلّ, ساعد اللّه أشدّ من ساعدك, وموسى اللّه أشدّ من موساك".
وأخرج مسلم "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ بحمارٍ وسم في وجهه فقال: لعن اللّه الّذي وسمه".
وصحّ "نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الضّرب في الوجه وعن الوسم في الوجه", وصحّ: "لعن صلّى اللّه عليه وسلّم من يسم في الوجه" وصحّ: "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ بحمارٍ قد كوي في وجهه تفور منخراه من دمٍ, فقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعن اللّه من فعل هذا ثمّ نهى عن الكيّ في الوجه والضّرب في الوجه".
والشّيخان: "أنّ ابن عمر مرّ بفتيانٍ من قريشٍ قد نصبوا طيرًا أو دجاجةً يترامونها وقد جعلوا لصاحب الطّير كلّ خاطئةٍ من نبلهم, فلمّا رأوا ابن عمر تفرّقوا فقال من فعل هذا؟ لعن اللّه من فعل هذا إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعن من اتّخذ شيئًا فيه الرّوح غرضًا" وهو بالمعجمة ما تنصبه الرّماة يقصدون إصابته من قرطاسٍ ونحوه.
والنّسائيّ وابن حبّان في صحيحه: "من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى اللّه يوم القيامة يقول يا ربّ إنّ فلانًا قتلني عبثًا ولم يقتلني منفعةً".

 

ج / 1 ص -348-      والنّسائيّ والحاكم وصحّحه: "ما من إنسانٍ يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقّها إلّا سأله اللّه عزّ وجلّ عنها يوم القيامة, قيل يا رسول اللّه وما حقّها؟ قال يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها فيرمي بها".
ومسلم والأربعة:
"إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيءٍ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة, وإذا ذبحتم فأحسنوا الذّبحة وليحدّ أحدكم شفرته: أي سكّينه وليرح ذبيحته".
والحاكم بسندٍ صحيحٍ على شرط البخاريّ: "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على رجلٍ واضعٍ رجله على صفحة شاةٍ وهو يحدّ شفرته وهي تلحظ ببصرها إليه قال أفلا قبل هذا؟ أتريد أن تميتها موتاتٍ؟ هلّا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟".
وعبد الرّزّاق موقوقًا: "أنّ ابن عمر رضي اللّه عنه رأى رجلًا يجرّ شاةً برجلها ليذبحها فقال له ويلك قدها إلى الموت قودًا جميلًا".
وصحّ: "من لا يرحم النّاس لا يرحمه اللّه".
"لن تؤمنوا حتّى تراحموا, قالوا يا رسول اللّه كلّنا رحيم, قال إنّه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمة العامّة".
"ارحموا ترحموا, واغفروا يغفر لكم".
"ويل لأقماع القول, ويل للمصرّين الّذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون, وأقماع القول من يسمعه ولا يعيه ولا يعمل به شبّهوا بالقمع, وهو ما يجعل برأس الإناء الضّيّق حتّى يملأ, بجامع أنّ نحو الماء يمرّ منه إلى غيره ولا يمكث فيه, وكذلك القول يمرّ على آذانهم ولا يعملون به".
تنبيه: ما ذكرته من عدّ هذه الخمسة من الكبائر لم أره لكنّه في الثّلاثة الأول هو صريح الوعيد الشّديد الّذي في الحديث الأوّل, والثّاني في المثلة, والثّالث والرّابع في الوسم, والخامس في اتّخاذ الحيوان غرضًا, والسّادس في القتل لغير الأكل وأمّا السّادس فدليله الحديث السّادس مع القياس على المثلة والوسم بالأولى لأنّه يؤدّي إلى تعذيب الحيوان أو أكله ميتةً وتعذيبه الشّديد لا شكّ في كونه كبيرةً كأكل الميّت الآتي ثمّ رأيت جمعًا أطلقوها أنّ تعذيب الحيوان كبيرة.
وبعضهم عدّ حبس الحيوان

 

ج / 1 ص -349-      حتّى يموت جوعًا أو عطشًا والكيّ في الوجه وكذا ضربه, واستدلّ بخبر الصّحيحين في المرأة الّتي حبست الهرّة فأدخلتها النّار, وبقول شرح مسلمٍ هذه المرأة كانت مسلمةً والمعصية كبيرة انتهى.
فإن قلت: قد صرّح أصحابنا بكراهة الذّبح بالسّكّين الكالّة, فكيف مع ذلك يكون عدم الإحسان السّابق كبيرةً؟
قلت: يتعيّن الجمع بحمل كلامهم على ما إذا كانت كالّةً لكنّها تقطع المريء والحلقوم قبل وصوله إلى حركة مذبوحٍ لحلّه حينئذٍ مع خفّة التّعذيب وهذا هو مرادهم بأنّه الّذي يكره بدليل قولهم لو ذبح بكالٍّ لا يقطع إلّا بقوّة الذّابح لم يحلّ أمّا إذا وصل إليها قبل قطع المريء أو بعض الحلقوم فإنّ ذلك يحرّمها ويصيّرها ميتةً كما صرّحوا به ؛ فالقول بأنّ ذلك
كبيرة يتعيّن حمله على هذا لأنّ تصيير الحيوان ميتةً لا شكّ في كونه كبيرةً.
واعلم أنّه لا يحلّ الحيوان البرّيّ المقدور عليه ولو وحشيًّا إلّا بالقطع المحض من مسلمٍ أو ذمّيٍّ تحلّ ذكاته لجميع الحلقوم والمريء مع استقرار الحياة في الابتداء بمحدّدٍ جارحٍ غير العظم ولو سنًّا والظّفر, فلو ذبحه من قفاه أو من صفحة عنقه أو بإدخال السّكّين في أذنه حلّ وإن انتهى بعد قطع المريء وبعض الحلقوم إلى حركة المذبوح لما ناله بقطع القفا لكنّه يعصي ويأثم بذلك, بل ربّما يفسق إن علم وتعمّد لما فيه من إيذاء الحيوان الإيذاء الشّديد ويكفي في استقرار الحياة الظّنّ كأن تشتدّ حركته بعد الذّبح ويتفجّر دمه ويتدفّق ويحرم ما أبين رأسه بسكّينٍ مع بقاء شيءٍ من الحلقوم أو المريء أو بنحو بندقةٍ وإن قطعا وما تأنّى في ذبحه فلم يتمّه حتّى ذهب استقرار الحياة أو شكّ في بقائها, وما قارن ذبحه إخراج أمعائه, وميّت بمثقلٍ محدّدٍ أصابه كعرض سهمٍ وإن أنهر الدّم أو بمحرّمٍ ومبيحٍ كجرح سهمٍ وصدمٍ عرضه في مروره وكجرحه جرحًا مؤثّرًا فوقع على محدّدٍ أو في نحو ماءٍ, ولو جرح سبع صيدًا أو سقط جدار على بعيرٍ أو أكل علفًا مضرًّا فذبحه لم يحلّ إلّا إن كانت حياته مستقرّةً عند ابتداء الذّبح, بخلاف ما لو مرض أو جاع فإنّه يحلّ ذبحه وإن انتهى إلى أدنى رمقٍ, إذ لا سبب هنا يحال عليه الهلاك بخلافه ثمّ.

 

ج / 1 ص -350-      الكبيرة السّابعة والسّتّون بعد المائة:
الذّبح باسم غير اللّه على وجهٍ لا يكفر به بأن
لم يقصد تعظيم المذبوح له كنحو التّعظيم بالعبادة والسّجود"

كذا عدّ هذه الجلال البلقينيّ وغيره, واستدلّ له بقوله تعالى:
{وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام: 121]: أي والحال أنّه كذلك بأن ذبح لغير اللّه إذ هذا هو الفسق هنا كما ذكره اللّه تعالى بقوله: {أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] وبهذا بان أنّ متروك التّسمية حلال.
ويؤيّد ذلك أنّ ابن عبّاسٍ قال في تفسير الآية يريد الميتة والمنخنقة إلى قوله:
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} [المائدة: 3] وقال الكلبيّ: يعني ما لم يذكّ أو ذبح لغير اللّه تعالى وقال عطاء: نهي عن ذبائح كانت تذبحها قريش والعرب على الأوثان.
قيل ومعنى
{وَإِنَّهُ لَفِسْق}: أي أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه من الميتة فسق: أي خروج عن الدّين.
ومعنى:
{وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ} [الأنعام: 121] أي يوسوس الشّيطان لوليّه فيلقي في قلبه الجدل للمؤمنين في الميتة بالباطل.
قال ابن عبّاسٍ: أوحى الشّيطان إلى أوليائه من الإنس كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون ما يقتل وأنتم تأكلون ما قتلتم, فأنزل اللّه قوله:
{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ}يعني في استحلال الميتة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] قال الزّجّاج: فيه دليل أنّ كلّ من أحلّ شيئًا ممّا حرّم اللّه أو حرّم شيئًا ممّا أحلّ اللّه مشرك أي بشرط أن يجمع عليه ويعلم من الدّين بالضّرورة.
فإن قيل: كيف أبحتم ذبيحة المسلم والآية كالنّصّ في التّحريم؟
قلنا: لم يفسّرها المفسّرون إلّا بالميتة ولم يحمله أحد منهم على ذبيحة المسلم إذا ترك التّسمية عليها.
وممّا يدلّ على أنّها في الميتة قوله تعالى:
{وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ولا يفسق آكل ذبيحة المسلم التّارك للتّسمية وإن اعتقد الحرمة, لأنّ ذلك لقوّة الخلاف في حلّه ينبغي أن يكون صغيرةً عند القائل بتحريمه وقوله تعالى: {وإنّ الشّياطين} إلخ إذ المناظرة

 

ج / 1 ص -351-      إنّما كانت في الميتة بإجماع المفسّرين لا في ذبيحة تارك التّسمية من المسلمين.
وقوله تعالى:
{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} والشّرك في استحلال الميتة لا في استحلال الذّبيحة الّتي لم يسمّ عليها ذكر ذلك الواحديّ وغيره.
وروى الواحديّ بسنده أحاديث في بعضها حلّ متروك التّسمية سهوًا وفي بعضها حلّه مطلقًا.
وجعل أصحابنا ممّا يحرّم الذّبيحة أن يقول باسم اللّه واسم محمّدٍ أو محمّدٍ رسول اللّه بجرّ اسم الثّاني أو محمّدٍ إن عرف النّحو فيما يظهر, أو أن يذبح كتابيّ لكنيسةٍ أو لصليبٍ أو لموسى أو لعيسى, ومسلم للكعبة أو لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أو تقرّبًا لسلطانٍ أو غيره أو للجنّ, فهذا كلّه يحرّم المذبوح وهو كبيرة على ما مرّ, بخلاف ما لو قصد الفرح بقدومه أو شكر اللّه عليه, أو قصد إرضاء ساخطٍ أو التّقرّب إلى اللّه ليدفع عنه شرّ الجنّ.
"الكبيرة الثّامنة والسّتّون بعد المائة: تسييب السّوائب"
قال اللّه تعالى:
{مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} [المائدة: 103].
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ليس منّا من سيّب السّوائب".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً ظاهر وإن لم أره لما فيه من التّشبّه بالجاهليّة المقتضي لشدّة الوعيد المشار إليه بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ليس منّا من سيّب السّوائب" وقد قال أصحابنا: من ملك صيدًا ثمّ سيّبه أثم ولم يزل ملكه عنه وإن قال عند إرساله أبحته لمن يأخذه, لكن عند قوله ذلك لمن أخذه أكله لا التّصرّف فيه بالبيع ونحوه, وليس من ذلك ما يلقيه الملّاك إعراضًا عنه ككسرة خبزٍ وسنابل الحصّادين, ومن ثمّ يملكه من أخذه.
خاتمة
لو اختلط حمامه بحمام غيره لزمه ردّه بأن يخلّي بينه وبين مالكه, وما تناسل منهما لمالك الإناث فإن لم يتميّز فله أخذ قدر ملكه بالاجتهاد ولا يخفى الورع أو نحو درهمٍ أو دهنٍ حرامٍ بدراهمه أو دهنه جاز له على ما قاله الغزاليّ وغيره إفراز قدر الحرام وصرفه لجهة استحقاقه والتّصرّف في الباقي, ونظر فيه بأنّ الشّريك لا يستقلّ بالقسمة فليرفعه إلى القاضي ليقاسمه عن المالك إن تعذّر ويجاب بأنّ هذا محلّ ضرورةٍ إذ لا تقصير هنا من ذي المال بخلاف الشّركة فإنّها تثبت بالاختيار, وما لا يثبت بالاختيار

 

ج / 1 ص -352-      كالإرث يلحق بما يثبت بالاختيار, على أنّ في رفعه للقاضي مشقّةً ظاهرةً لأنّه لا يقسّمه إلّا بعد إقامة بيّنةٍ عنده بحقيقة الحال أخذًا من قولهم لو رفع إليه أصحاب يدٍ على شيءٍ ذلك الشّيء ليقسّمه بينهم لم يجبهم إلّا ببيّنةٍ تشهد له بالملك ولا يكتفي باليد لأنّ قسمته تتضمّن الحكم منه لهم به وهو لا يجوز إلّا أن يستند إلى بيّنةٍ لا إلى مجرّد اليد, فلهذه المشقّة الّتي لا تطاق غالبًا اقتضت الضّرورة أنّه يجوز له أن يستقلّ بإفراز قدر الحرام حتّى يتصرّف في الباقي, ولا ينافي ذلك بحث الرّافعيّ إلحاق ذلك باختلاط الحمامين لأنّه أراد أنّه مثله في طريق التّصرّف, ولو اختلفا في القدر صدّق من أنشأه على ملكه لأنّ اليد له ولو اختلط حمام مملوكٍ بمباحٍ في صحراء, فإن كان المباح محصورًا بأن يسهل عدّه بمجرّد النّظر إليه حرم الاصطياد منه أو غير محصورٍ لم يحرم قال ابن المنذر: ولو أرسل جمع كلابهم على صيدٍ فأدركوا صيدًا قتيلًا وقال كلّ كلبي قتله حلّ الصّيد, ثمّ إن وجدت الكلاب ممسكةً له فهو بين أربابها أو بعضها فهو لصاحبه أو غير ممسكةٍ أقرع بينهم عند أبي ثورٍ ووقف للصّلح عند غيره, فإن خيف فساده بيع ووقف ثمنه إلى إصلاحهم.