الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 1 ص -345-      كتاب الأضحية
"الكبيرة السّتّون بعد المائة:
ترك الأضحيّة مع القدرة عند من قال بوجوبها"
عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من وجد سعةً لأن يضحّي فلم يضحّ فلا يحضر مصلّانا".
تنبيه: عدّ ذلك كبيرةً هو ظاهر هذا الحديث, وإن لم أر من صرّح به فإنّ منعه من حضور المصلّى فيه وعيد شديد ؛ ويجاب من طرف القائلين بندب الأضحيّة كالشّافعيّ وغيره بأنّ الحديث وإن رواه الحاكم مرفوعًا هكذا وصحّحه لكنّه رواه موقوفًا قال غيره: ولعلّه أشبه فلم تتمّ الحجّة في الحديث على أنّ لنا أن نقول منعه من الحضور لا وعيد فيه ألا ترى أنّه جاء في الحديث الصّحيح:
"من أكل ثومًا أو بصلًا أو كرّاثًا" وفي روايةٍ "أو فجلًا فلا يقربنّ مسجدنا" ومع ذلك فلا حرمة في أكل ما ذكر إلّا أن يجاب بأنّ المنع هنا ظهرت حكمته وهي إيذاء النّاس أو الملائكة بالرّائحة فحملنا النّهي عليه, وأمّا في خبر الأضحيّة فلم يكن للمنع حكمة إلّا تغليظ تركه لها وورد للأضحيّة فضائل تقتضي مزيد اعتناء الشّارع بها.
منها: "يا فاطمة قومي إلى أضحيّتك فاشهديها فإنّ لك بأوّل قطرةٍ تقطر من دمها أن يغفر لك ما سلف من ذنوبك, قالت يا رسول اللّه ألنا خاصّةً أهل البيت أو لنا وللمسلمين؟ قال: بل لنا وللمسلمين", رواه جماعة وفي سنده من تكلّم فيه لكنّه وثّق.
وفي روايةٍ حسّن بعض الحفّاظ سندها: "يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيّتك فإنّ لك بأوّل قطرةٍ تقطر من دمها مغفرةً لكلّ ذنبٍ, أما إنّه يجاء بدمها ولحمها فيوضع في

 

ج / 1 ص -346-      ميزانك سبعين ضعفًا فقال أبو سعيدٍ يا رسول اللّه هذا لآل محمّدٍ خاصّةً فإنّهم أهل لما خصّوا به من الخير, أو لآل محمّدٍ وللمسلمين عامّةً؟ فقال لآل محمّدٍ خاصّةً وللمسلمين عامّةً".
"ما هذه الأضاحيّ؟ قال سنّة أبيكم إبراهيم, قالوا فما لنا فيها يا رسول اللّه؟ قال بكلّ شعرةٍ حسنة قالوا فالصّوف؟ قال بكلّ شعرةٍ من الصّوف حسنة", صحّحه الحاكم, واعترض بأنّ في سنده ساقطين.
"ما عمل آدميّ من عملٍ يوم النّحر أحبّ إلى اللّه من إهراق الدّم, وإنّها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها, وإنّ الدّم ليقع من اللّه بمكانٍ قبل أن يقع على الأرض فطيبوا بها نفسًا" قال التّرمذيّ: حسن غريب والحاكم صحيح الإسناد وفيه واهٍ لكنّه وثّق.
"ما عمل آدميّ في هذا اليوم أي الأضحى أفضل من دمٍ يهراق إلّا أن تكون رحمًا توصل".
قال المنذريّ في إسناده: يحيى الخشنيّ لا يحضرني حاله.
"يا أيّها النّاس ضحّوا واحتسبوا بدمائها فإنّ الدّم وإن وقع في الأرض فإنّه يقع في حرز اللّه عزّ وجلّ".
"من ضحّى طيّبة نفسه محتسبًا لأضحيّته كانت له حجابًا من النّار", رواهما الطّبرانيّ.
"الكبيرة الحادية والسّتّون بعد المائة: بيع جلد الأضحيّة"
لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من باع جلد أضحيّته فلا أضحيّة له".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً لم أره لكنّ ظاهر هذا الحديث يقتضي ذلك, فإنّ انتفاء الأضحيّة ببيعه يدلّ على أنّ فيه وعيدًا شديدًا لإبطاله ثواب تلك العبادة العظيمة من أصلها كما اقتضاه ظاهر النّفي الموضوع أصالةً لانتفاء الذّات من أصلها, ويؤيّده أيضًا أنّه بالأضحيّة خرج عن ملكه وصار ملكًا للفقراء, فإذا استولى عليه وباعه كان كالغاصب لحقّ الغير, وسيأتي أنّ الغصب كبيرة وهذا منه كما علمت فاتّضح عدّي له كبيرةً.
وينبغي أن يلحق بالبيع إعطاؤه أجرةً للجزّار فإنّهم صرّحوا بأنّه حرام كبيعه, وكما أن في البيع غصبًا له كما تقرّر, فكذا في إعطائه أجرةً للجزّار فلم يبعد أنّه مثله في أنّه كبيرة أيضًا.