الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 1 ص -330-      كتاب الحج
الكبيرة الثّامنة والأربعون بعد المائة:
ترك الحجّ مع القدرة عليه إلى الموت"

عن عليٍّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من ملك زادًا وراحلةً تبلّغه إلى بيت اللّه ولم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا," وذلك أنّ اللّه يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97] رواه التّرمذيّ والبيهقيّ من رواية الحارث عن عليٍّ, وكلام النّاس في الحارث مشهور كذّبه الشّعبيّ وابن المدينيّ, وقال أيّوب: كان ابن سيرين يرى أنّ عامّة ما يروى عن عليٍّ رضي اللّه عنه باطل واختلف فيه رأي ابن معينٍ, والنّسائيّ وابن حبّان فضعّفوه تارةً ووثّقوه أخرى, وميل النّسائيّ إلى توثيقه والاحتجاج به وتقوية أمره وقال التّرمذيّ في الحديث المذكور: حديث غريب لا نعرفه إلّا من هذا الوجه انتهى.
والحاصل: أنّ الحديث ضعيف كما قاله النّوويّ في شرح المهذّب, نعم صحّ ذلك عن عمر رضي اللّه عنه ومن ثمّ قال: "لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كلّ من له جدة ولم يحجّ فليضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين", ومثل ذلك الحديث لا يقال من قبل الرّأي فيكون في حكم المرفوع ومن ثمّ أفتيت بأنّه حديث صحيح, وقد رواه البيهقيّ أيضًا عن عبد اللّه بن سابطٍ عن أبي أمامة عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من لم تحبسه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحجّ فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا".
وأخرج البزّار: "الإسلام ثمانية أسهمٍ: الإسلام أي كلمته سهم ، والصّلاة سهم, والزّكاة سهم, والصّوم سهم, وحجّ البيت سهم, والأمر بالمعروف سهم,

 

ج / 1 ص -331-      والنّهي عن المنكر سهم, والجهاد في سبيل اللّه سهم, وقد خاب من لا سهم له".
وعن أبي سعيدٍ الخدريّ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"يقول اللّه عزّ وجلّ: إنّ عبدًا صحّحت له جسمه, ووسّعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوامٍ لا يغدو عليّ لمحروم" رواه ابن حبّان في صحيحه والبيهقيّ وقال: قال عليّ بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا: كان حسن بن حيٍّ يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ ويحبّ للرّجل الموسر الصّحيح أن لا يترك الحجّ خمس سنين وقال ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما كما مرّ عنه: ما من أحدٍ لم يحجّ ولم يؤدّ زكاة ماله إلّا سأل الرّجعة عند الموت, فقيل له: إنّما يسأل الرّجعة الكفّار, وقال: وإنّ ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ, قال اللّه تعالى: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ}: أي أؤدّي الزّكاة {وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ} [المنافقون: 10] أي أحجّ وجاء عن سعيد بن جبيرٍ, قال: مات لي جار موسر لم يحجّ فلم أصلّ عليه.
تنبيه: عدّ ما ذكر كبيرةً هو ما صرّحوا به ودليله هذا الوعيد الشّديد, فإن قلت: هو لا يحكم عليه بالفسق إلّا بعد الموت فما فائدته؟
قلت: أمّا بالنّسبة للآخرة, فواضح, وأمّا بالنّسبة لأحكام الدّنيا, فله فوائد منها: أنّه يتبيّن موته فاسقًا من آخر سني الإمكان, وحينئذٍ فما كان شهد به أو قضى فيه يتبيّن بطلانه وكذلك تزويج مولّيته, وكلّ ما العدالة شرط فيه, إذ فعله في السّنة الأخيرة من سني الإمكان يتبيّن بموته بطلانه, وهذه فوائد جليلة يحتاج للتّنبيه عليها.
"الكبيرة التّاسعة والأربعون بعد المائة: الجماع وهو إيلاج الحشفة
أو قدرها ولو من ذكرٍ مبانٍ في فرجٍ ولو لبهيمةٍ من عامدٍ عالمٍ
مختارٍ في الحجّ قبل تحلّله الأوّل أو في العمرة قبل تحلّلها"

وهذا وإن لم أر فيه شيئًا من الوعيد ولم أر من عدّه كبيرةً, إلّا أنّ قياس جعلهم إفساد الصّوم كبيرةً بجماعٍ أو غيره أن يكون إفساد النّسك بالجماع كذلك, بل أولى لأنّ الصّائم إذا أفسد بغير الجماع لا شيء عليه غير الإثم والقضاء, وهنا عليه مع الإثم والقضاء المضيّ في فاسده والكفّارة, وهي ذبح بدنةٍ من الإبل ثنيّةٍ وهي ما لها

 

ج / 1 ص -332-      خمس سنين كاملةٍ, فإن عجز فثنيّة بقرٍ, وهي ما لها سنتان كاملتان, فإن عجز فسبع من الغنم الجذعة لها سنة, والثّنيّة لها سنتان, فإن عجز اشترى بقيمة البدنة طعامًا يجزئ في الفطرة وتصدّق به, فإن عجز صام عن كلّ مدٍّ يومًا وتمّم المنكسر, وصومه في الحرم أولى.
"الكبيرة الخمسون بعد المائة:
قتل المحرم بحجٍّ أو عمرةٍ صيدًا مأكولًا وحشيًّا وإن تأنّس برّيًّا أو في أحدٍ من أصوله ما هو بهذه الصّفات عامدًا عالمًا مختارًا"
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [المائدة: 95].
تنبيه: عدّ ما ذكر كبيرةً هو صريح ما في هذه الآية وبه صرّح جماعة, فإنّهم ذكروا هنا أنّ من قتل صيدًا كذلك يكون فاسقًا, لأنّه قتل حيوانًا محترمًا بلا ضرورةٍ, وفيه كلام بسطته في حاشية الإيضاح.
والظّاهر أنّ بقيّة محرّمات الإحرام ليست كبائر, لأنّ من قال بأنّ هذا كبيرة لم يلحظ كونه من محرّمات الإحرام, وإنّما لحظ ما ذكر من أنّه قتل حيوانٍ محترمٍ بلا ضرورةٍ, نعم يؤخذ من هذا أنّ إيذاء المحرم له بأيّ وجهٍ كان ممّا لا يحتمل عادةً يكون كبيرةً.
"الكبيرة الحادية والخمسون بعد المائة: إحرام الحليلة بتطوّع
حجٍّ أو عمرةٍ من غير إذن الحليل وإن لم تخرج من بيتها"

وعدّ ذلك كبيرةً هو قياس ما قدّمته بحثًا أيضًا في صوم المرأة بغير إذن زوجها الحاضر, بل هذا أولى لطول زمنه واحتياجها في الخروج منه إلى سفرٍ ونوعٍ من الهتك.
"الكبيرة الثّانية والخمسون بعد المائة: استحلال البيت الحرام"
أخرج الحاكم في مستدركه وقال صحيح الإسناد ولم يخرّجاه "أنّ رجلًا: قال يا رسول اللّه ما الكبائر؟ قال: هنّ تسع: الإشراك باللّه, وقتل نفس المؤمن بغير حقٍّ,

 

ج / 1 ص -333-      وفرار يوم الزّحف, وأكل مال اليتيم, وأكل الرّبا, وقذف المحصنة, وعقوق الوالدين المسلمين, وعمل السّحر, واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا".
وأخرجه البيهقيّ بلفظ "الكبائر تسع أعظمهنّ إشراك باللّه, وقتل نفس مؤمنٍ, وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم, وقذف المحصنة, والفرار من الزّحف, وعقوق الوالدين, واستحلال البيت الحرام".
"الكبيرة الثّالثة والخمسون بعد المائة: الإلحاد في حرم مكّة"
قال اللّه تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] نزلت كما رواه ابن أبي حاتمٍ عن ابن عبّاسٍ بسندٍ فيه ابن لهيعة في عبد اللّه بن أنيسٍ "بعث معه صلّى اللّه عليه وسلّم مهاجريًّا وأنصاريًّا فافتخروا في الأنساب فغضب ابن أنيسٍ, فقتل الأنصاريّ ثمّ ارتدّ وهرب إلى مكّة" والإلحاد العدول عن القصد واختلف المفسّرون فيه, فقيل: "إنّه الشّرك" وهو إحدى الرّوايات عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما وهو قول مجاهدٍ وقتادة وغير واحدٍ, وفي روايةٍ أخرى عن ابن عبّاسٍ: "هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم من لا يظلمك ".
وفي روايةٍ أخرى عنه: "هو أن تستحلّ من الحرام ما حرّم اللّه عليك من لسانٍ أو قتلٍ فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك, فإذا فعلت ذلك فقد وجب العذاب الأليم".
وعن مجاهدٍ " بظلمٍ تعمل فيه عملًا سيّئًا ", فاختلف قوله تبعًا لاختلاف قول أستاذه, وعنه الإلحاد فيه, لا واللّه وبلى واللّه وقال سعيد بن جبيرٍ وجندب بن ثابتٍ وغير واحدٍ: هو احتكار الطّعام بمكّة وكأنّهم أخذوه من قول ابن عمر: بيع الطّعام بمكّة أي بعد احتكاره كما هو ظاهر إلحاد, ومن قول ابن عبّاسٍ تبعًا للرّواية الثّانية عن أستاذه ابن عبّاسٍ أيضًا: "شتم الخادم ظلم فما فوقه ", وعن سعيد بن جبيرٍ: " إنّ الظّلم في الآية تجارة الأمير فيه ".
وعن عطاءٍ " هو قول الرّجل في المبايعة لا واللّه وبلى واللّه "وعن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما: " أنّه كان له فسطاطان أحدهما في الحلّ, والآخر في الحرم, فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ, فقيل له في ذلك, فقال كنّا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرّجل لأهله كلًّا واللّه وبلى واللّه " وعن عطاءٍ " هو دخول الحرم غير محرمٍ وارتكاب شيءٍ من محظورات الإحرام من قتل صيدٍ أو قطعٍ شجرٍ".

 

ج / 1 ص -334-      وفائدة قوله بظلمٍ بيان أنّ الإلحاد ليس المراد به هنا أصل معناه وهو مطلق الميل, فإنّه قد يكون إلى حقٍّ وإلى باطلٍ, وإنّما المراد به الميل المتلبّس بالظّلم, ومعلوم أنّ أصل الظّلم يشمل سائر المعاصي والكبائر والصّغائر, إذا لا معصية وإن صغرت إلّا وهي ظلم, إذ هو وضع الشّيء في غير محلّه, ويدلّ له قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] فخرج بعظيمٍ غير الشّرك, فهو ظلم, لكنّه ليس بعظيمٍ كالشّرك وإن كان عظيمًا في نفسه, وقوله: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25] بيان للوعيد المترتّب على الإلحاد المذكور, وأخذ من ذلك مجاهد قوله المرويّ عن ابن عبّاسٍ أيضًا: إنّ السّيّئات تضاعف في مكّة كما تضاعف الحسنات فيها, وحمله على أنّ المراد بالمضاعفة زيادة قبحها وعذابها لا المضاعفة المزادة في الحسنات, لأنّ النّصوص مصرّحة بأنّ السّيّئة لا جزاء عليها إلّا مثلها متعيّن, لكنّ ظاهر كلام مجاهدٍ وغيره القول بحقيقة المضاعفة, ويجعلون ذلك مستثنًى من النّصوص لدليلٍ قام عندهم على استثنائه.
ولولا أنّهم قائلون بحقيقة المضاعفة وإلّا لم يكونوا مخالفين للجمهور, إذ لا خلاف أنّ المعصية بمكّة أقبح منها بغيرها.
ودليل أنّ الإرادة كافية في ذلك خصوصيّة للحرم ما صحّ عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه مرفوعًا وموقوفًا لكنّ وقفه أشبه في قوله تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} [الحج: 25] قال: "لو أنّ رجلًا أراد فيه بإلحادٍ بظلمٍ وهو بعدن أبين لأذاقه اللّه تعالى من العذاب الأليم" وروى الثّوريّ عنه: "ما من رجلٍ يهمّ بسيّئةٍ إلّا كتبت عليه ولو أنّ رجلًا بعدن أبين همّ أن يقتل رجلًا بهذا البيت لأذاقه اللّه عزّ وجلّ من عذابٍ أليمٍ", وكذا قال الضّحّاك بن مزاحمٍ.
تنبيه: ذكري الاستحلال والإلحاد كبيرتين متغايرتين هو ما في حديثين, أخرج أبو القاسم البغويّ وغيره: أنّ ابن عمر رضي اللّه عنهما سئل عن الكبائر, فقال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"هنّ تسع: الإشراك باللّه, وقذف المحصنة, وقتل النّفس المؤمنة والفرار من الزّحف, والسّحر, وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم, وعقوق الوالدين المسلمين, والإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياءً وأمواتًا" وجاء ذلك موقوفًا عليه, فالمرفوع مقدّم على الموقوف, فتعبيره صلّى اللّه عليه وسلّم بالاستحلال في الحديث

 

ج / 1 ص -335-      السّابق, وبالإلحاد هنا يحتمل أن يريد بهما واحدًا هو ما في الآية, ويحتمل أن يريد بالأوّل استحلال حرصه وإن لم يكن بالحرم, وبالثّاني وقوع معصيةٍ منه فيه, وكلّ من هذين كبيرة أشار إليه الجلال البلقينيّ, وصرّح به غيره فقال: أعني الجلال واستحلال البيت الحرام ثمّ قال بعد أسطرٍ: والإلحاد في الحرم, واستدلّ بالآية فقال: الرّابعة عشرة الإلحاد في البيت
الحرام ولو بالإرادة, قال تعالى:
{وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}انتهى.
وممّا يؤيّد الأخذ بإطلاق الآية من أنّ كلّ معصيةٍ في حرم مكّة كبيرة ما مرّ عن ابن عبّاسٍ وغيره: "أنّ الظّلم يشمل كلّ معصيةٍ", وما مرّ عن ابن جبيرٍ في شتم الخادم وما فوقه, وعن ابن عمر ومجاهدٍ وعطاءٍ من أنّ: "لا واللّه, وبلى واللّه, أي الحلف الكاذب من الإلحاد ".
وعن عطاءٍ من أنّ منه دخول الحرم بغير إحرامٍ, وما سبق معه, وقول جماعةٍ من المفسّرين تبعًا لما مرّ عن ابن جبيرٍ في قوله "بظلمٍ" هو كشتم الخادم, وممّا هو أقوى من ذلك كلّه في الدّلالة لما ذكر رواية أبي داود وابن أبي حاتمٍ عن يعلى بن أميّة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"احتكار الطّعام في الحرم إلحاد", ورواية الطّبرانيّ عن ابن عمر رضي اللّه عنهما, عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "احتكار الطّعام بمكّة إلحاد", إذ ظاهره أنّ هذا من جملة جزئيّات الإلحاد, فلا يختصّ باحتكار الطّعام بمكّة, بل يعمّ كلّ معصيةٍ بها, ولو بالإرادة.
ثمّ رأيت بعض المفسّرين من المحدّثين لمّا ذكر أكثر الآثار السّابقة, قال: وهذه الآثار وإن دلّت على أنّ هذه الأشياء من الإلحاد, ولكن هو أعمّ من ذلك, وإنّما هي منبّهة على ما هو أغلظ منها, ولهذا لمّا همّ أصحاب الفيل بتخريب البيت أرسل اللّه تعالى عليهم طيرًا أبابيل, ترميهم بحجارةٍ من سجّيلٍ, فجعلهم كعصفٍ مأكولٍ: أي دمّرهم وجعلهم عبرةً ونكالًا لمن أراده بسوءٍ, وسيأتي في الجيش الّذي يغزوها أنّ الأرض تخسف بهم.
وروى أحمد: أنّ ابن عمر قال لابن الزّبير رضي اللّه عنهم: يا ابن الزّبير: إيّاك والإلحاد في حرم اللّه تعالى, فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"إنّه سيلحد فيه رجل من قريشٍ لو توزن ذنوبه بذنوب الثّقلين لرجحت, فلتنظر لا تكنه".
وأخرج ذلك أيضًا عن ابن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه: أنّه أتى ابن الزّبير

 

ج / 1 ص -336-      وهو في الحجر فقال: يا ابن الزّبير إيّاك والإلحاد في الحرم, فإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: " وذكر نحو ما مرّ " وعليه فتكون الصّغائر في غير مكّة كبائر فيها بمعنى شدّة عقابها المترتّب عليها من حيث المحلّ, لا من حيث ذواتها, وحينئذٍ فليست كبائر موجبةً للفسق والقدح في العدالة, لأنّ ذلك لا يمكن القول بعمومه وإلّا لم يكن بأهل الحرم عدل لتعذّر الصّون عن محقّرات الذّنوب وصغائرها, وللإجماع قديمًا وحديثًا على عدالتهم مع العلم بارتكابهم الصّغائر, إذ لا عصمة ولا حفظ بالكلّيّة, فتعيّن تأويل عدّ ذلك كبيرةً على ما ذكرته, لأنّ من عدّه كبيرةً لا يمكن أن يريد به فعل كبيرةٍ بالحرم, لأنّ هذا فسق وكبيرة في غير الحرم, فأيّ مزيّةٍ للحرم حينئذٍ, وإنّما مراده أنّ الصّغائر بغير مكّة كبائر فيها, وهذا مستحيل الظّاهر لما علمت فتعيّن تأويله.
فإن قلت: كيف وحدّ الكبيرة بأنّها ما جاء فيها وعيد شديد يشمل الصّغيرة المفعولة في الحرم؟ قلت: لا يبعد حمل الحدّ أيضًا على ما يترتّب الوعيد على قبحه من حيث ذاته لا من حيث شرف محلّه والّذي اضطرّنا إلى ذلك ما ذكرناه فوجب المصير إلى التّأويل.
وممّا يعلمك بشدّة قبح المعصية ثمّ وتعجيل عقابها ولو صغيرةً أنّ بعض الطّائفين نظر إلى أمرد أو امرأةٍ فسالت عينه على خدّه, وبعضهم وضع يده على يد امرأةٍ فالتصقتا وعجز النّاس عن فكّهما, حتّى دلّهم بعض العلماء أنّهما لا يرجعان إلى معصيتهما, ويبتهلان إلى اللّه, ويصدقان في التّوبة, ففعلا ذلك, ففرّج عنهما وقصّة إسافٍ ونائلةٍ مشهورة وهي أنّهما زنيا فمسخهما اللّه حجرين, ولا يغرّنّك أنّك ترى من يعصي ثمّ ينظر أو غيره ولا يعاجل بالعقوبة, لأنّ العاقل لا ينبغي له أن يغرّر بنفسه, وليس المغرّ لنفسه بمحمودٍ وإن سلم, وربّما عجّل اللّه لك العقوبة دون غيرك, فإنّه لا حجر عليه تعالى, على أنّ تعجيل العقوبة قد يكون بما هو أشنع وأقبح, وهو مسخ القلب, وبعده عن حضرة الحقّ وغوايته بعد هدايته وإعراضه بعد إقباله.
وقد وقع لبعض من نعرفه وكان على هيئةٍ جميلةٍ وفضلٍ تامٍّ وتصوّنٍ بالغٍ, أنّه زلّ فقبّل امرأةً عند الحجر على ما حكي, لكن ظهرت آثار صدق تلك الحكاية فمسخ

 

ج / 1 ص -337-      مسخًا كلّيًّا وصار بأرثّ هيئةٍ وأقبح منظرٍ وأفظع حالةٍ بدنًا ودنيا وعقلًا وكلامًا ؛ فنعوذ باللّه سبحانه وتعالى من الزّلّات, ونسأله سبحانه وتعالى أن يعصمنا من الفتن إلى الممات, إنّه أكرم كريمٍ وأرحم رحيمٍ وبلغني عن بعض من أعرف أيضًا أنّه وقعت منه هنات بالمسجد الحرام فعوجل عليها بعقابٍ شديدٍ في بدنه ودينه أيضًا وكذا وقع ذلك لجماعةٍ بلغنا ذلك عنهم في زمننا, ولولا ضيق المقام وخوف الفضيحة وطلب السّتر بسطت أحوالهم, ولكن في الإشارة ما يغني عن العبارة, وإنّما قصدنا بذلك أنّ الإنسان ربّما اغترّ, فظنّ ممّا يرى من عدم تعجيل العقوبة الظّاهرة أنّه لا يعاجل بشيءٍ وليس كما ظنّ, بل لا بدّ لمن تمادى على ذلك أو قدم عليه آمنًا أن تعجّل له العقوبة الظّاهرة أو الباطنة, هذا قبل عذاب الآخرة الّذي أشار سبحانه وتعالى إلى عظمته, بلى وإلى عظمة عذاب الدّنيا أيضًا بقوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
"خاتمة: في أمورٍ مشيرةٍ إلى بعض فضائل الحرم وما فيه ومن فيه"
أخرج الطّبرانيّ والحاكم: "إنّ اللّه سبحانه وتعالى ينزل على أهل المسجد, يعني مسجد مكّة في كلّ يومٍ وليلةٍ عشرين ومائة رحمةٍ, ستّين للطّائفين وأربعين للمصلّين, وعشرين للنّاظرين".
قال المنذريّ, ورواه البيهقيّ بإسنادٍ حسنٍ, وجاء في أحاديث صحيحةٍ, كما بيّنته في حاشية الإيضاح ما هو صريح في أنّ الصّلاة الواحدة في مسجد مكّة بمائة ألف ألف ألف صلاةٍ في غيره غير المدينة وبيت المقدس, فإنّ الصّلاة بمسجد المدينة بألف صلاةٍ ممّا في بيت المقدس, والصّلاة فيه بخمسمائة صلاةٍ, وفي حديث:
"بألف صلاةٍ في غيره" وصحّ أنّ الصّلاة بمكّة بمائة ألف صلاةٍ في مسجد المدينة والصّلاة فيه فيها ما ذكر, فإذا ضربت بلغ الحاصل ما ذكرته, فتأمّل سعة هذا الفضل, فإنّي لم أر من نبّه عليه.
والطّبرانيّ, في الأوسط: "إنّ للكعبة لسانًا وشفتين, ولقد اشتكت فقالت: يا ربّ قلّ عوّادي, وقلّ زوّاري, فأوحى اللّه عزّ وجلّ: إنّي خالق بشرًا خشّعًا سجّدًا يحنّون إليك كما تحنّ الحمامة إلى بيضها".
والبزّار: "رمضان بمكّة أفضل من ألف رمضان بغير مكّة".

 

ج / 1 ص -338-      وابن ماجه: "من أدرك رمضان بمكّة فصامه وقام منه ما تيسّر له كتب اللّه له مائة ألف شهر رمضان فيما سواها, وكتب اللّه له بكلّ يومٍ عتق رقبةٍ وكلّ ليلةٍ عتق رقبةٍ, وكلّ يومٍ حملان فرسٍ في سبيل اللّه, وفي كلّ يومٍ حسنةً, وفي كلّ ليلةٍ حسنةً".
والتّرمذيّ والحاكم والبيهقيّ: "إنّما سمّي البيت العتيق, لأنّ اللّه تعالى أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبّار قطّ".
والبيهقيّ: "أوّل بقعةٍ وضعت في الأرض البيت ثمّ مدّت منها الأرض, وإنّ أوّل جبلٍ وضعه اللّه تعالى على وجه الأرض أبو قبيسٍ, ثمّ مدّت منه الجبال".
والأربعة: "مكّة أمّ القرى".
والدّارقطنيّ: "من أكرم القبلة أكرمه اللّه تعالى".
وابن ماجه: "لا تزال هذه الأمّة بخيرٍ ما عظّموا هذه الحرمة حقّ تعظيمها, فإذا ضيّعوا ذلك هلكوا".
والشّيخ: "النّظر إلى الكعبة عبادة".
وأحمد والشّيخان والنّسائيّ وابن ماجه:
"أوّل مسجدٍ وضع في الأرض المسجد الحرام ثمّ المسجد الأقصى, وما بينهما أربعون سنةً", الحديث.
والشّيخان والنّسائيّ:
"ليس من بلدٍ إلّا سيطؤها الدّجّال إلّا مكّة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلّا عليه الملائكة حافّين تحرسها فينزل بالسّبخة فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفاتٍ يخرج إليه منها كلّ كافرٍ ومنافقٍ".
والتّرمذيّ وابن حبّان والحاكم: "ما أطيبك من بلدٍ وأحبّك إليّ, ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك".
وأحمد والتّرمذيّ وابن حبّان والحاكم: "واللّه إنّك لخير أرض اللّه وأحبّ أرض اللّه إليّ, ولولا أنّي أخرجت منك ما خرجت" وأيضًا: "لا تغزى مكّة بعد اليوم, أي يوم الفتح إلى يوم القيامة".
ومسلم: "لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السّلاح".
والشّيخان وغيرهما: "يا عائشة لولا أنّ قومك حديثو عهدٍ بجاهليّةٍ لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما أخرج منه: أي وهو شاذروانه, وستّة أذرعٍ أو سبعة من

 

ج / 1 ص -339-      الحجر وألزقته أي بابه بالأرض, وجعلت له بابين بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا فبلغت به أساس إبراهيم".
وفي روايةٍ لمسلمٍ زيادة:
"لأنفقت كنز الكعبة في سبيل اللّه".
وفي أخرى: "أنّ قريشًا لمّا بنته استقصرت: أي النّفقة بهم, لأنّهم لم يبنوه إلّا من مالٍ متيقّن الحلّ فأعوزهم فتركوا الشّاذروان ومن الحجر ما ذكر وقلّلوا طولها في السّماء, وسدّوا بابها الغربيّ ورفعوا بابها الشّرقيّ, ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا".
ولمّا سمع ابن الزّبير رضي اللّه عنهما من خالته عائشة تلك الأحاديث بادر لهدمه وأعاده على ما فيه, ثمّ جاء الحجّاج فأزال بناءه من ناحية الحجر فقط وجعله على ما كان عليه وسدّ الباب الغربيّ, ورفع الشّرقيّ.
وأخرج البخاريّ:
"يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأوّلهم وآخرهم ثمّ يبعثون على نيّاتهم".
ومسلم وغيره:"يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث, فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم, قيل يا رسول اللّه: فكيف بمن كان كارهًا؟ قال يخسف به معهم ولكنّه يبعثه يوم القيامة على نيّته".
وبيّنت في كتابي [ الدّرر في علامات المهديّ المنتظر ]: أنّه ذلك العائذ, وأنّ تلك البيداء الخليفة, وأنّه لا يخصّ منهم إلّا اثنان أو واحد, وفي روايةٍ لمسلمٍ وغيره: "فلا يبقى منهم إلّا الشّريد الّذي يخبر عنهم وأنّهم أرسلوا إلى المهديّ من الشّام ليقتلوه فيفرّ من المدينة إلى مكّة عائذًا بها".
وأحمد والبخاريّ:
"كأنّي أنظر إلى أسود أفحج ينقضها حجرًا حجرًا, يعني الكعبة".
وجاء في أحاديث:
"أنّ الحجر الأسود من الجنّة, وأنّه يرفع بينما هم يطوفون به إذ أصبحوا وقد فقدوه, وأنّه يبعث يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحقٍّ", وفي روايةٍ في الحجر: "أنّه يشهد لمن استلمه وقبّله من أهل الدّنيا, وأنّه شافع مشفّع", سنده حسن, وكذلك سند: "يأتي الرّكن

 

ج / 1 ص -340-      اليمانيّ يوم القيامة أعظم من أبي قبيسٍ له لسان وشفتان وأنّه كان أشدّ بياضًا من الثّلج حتّى سوّدته خطايا أهل الشّرك, ولولا ذلك ما مسّه ذو عاهةٍ إلّا شفي", وسنده حسن: "وأنّه نزل من السّماء فوضع على أبي قبيسٍ كأنّه مهاة: أي بالقصر بلّورة بيضاء فمكث أربعين سنةً, ثمّ وضع على قواعد إبراهيم" وصحّ وقفه على ابن عمر رضي اللّه عنهما وهو لا يقال من قبل الرّأي, وأنّه يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده, أي يمنه وبركته ينزّلهما عليهم إذا استلموه, وأنّه والرّكن اليمانيّ يحطّان الخطايا حطًّا, وأنّهما يبعثان يوم القيامة, ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء, وأنّ عنده تسكب العبرات, وأنّه والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنّة, فرواية ما في الأرض من الجنّة غيره مخصوصة بذلك, وأنّ اللّه طمس نورهما, ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب, وأنّ بالرّكن اليمانيّ سبعين ملكًا موكّلًا يؤمّنون على من قاله: اللّهمّ إنّي أسألك العفو والعافية في الدّنيا والآخرة {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [البقرة: 201] الآية, وأنّ بين الرّكن والمقام ملتزم ما يدعو به صاحب عاهةٍ
إلّا برئ, وأنّ جبريل لمّا وكز زمزم بعقبه, جعلت أمّ إسماعيل تجمع البطحاء رحم اللّه هاجر, لو تركتها كانت عينًا معينًا, وأنّها هزمة جبريل, وسقيا إسماعيل, وأنّ ماءها لما شرب له من أمور الدّنيا والآخرة, وأنّ التّضلّع منه براءة من النّفاق, وأنّه خير ماءٍ على وجه الأرض, وهاك سرد أحاديث صحيحةٍ أو حسنةٍ:
"أيّ العمل أفضل؟ قال إيمان باللّه ورسوله, قيل ثمّ ماذا؟ قال الجهاد في سبيل اللّه, قيل ثمّ ماذا؟ قال حجّ مبرور", أي وهو الّذي لا معصية فيه ولو صغيرةً من حين الإحرام إلى التّحلّل الثّاني.
"من حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه", والرّفث اسم لكلّ فحشٍ أو لما يريده من حليلته أو الجماع أقوال قال بكلٍّ جماعة.
"العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما, والحجّ المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة".
وقد بسطت الكلام على هذه الأحاديث في حاشية مناسك النّوويّ فاطلبه فإنّه مهمّ.
"أما علمت يا عمر: أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله, وأنّ الهجرة تهدم ما كان

 

ج / 1 ص -341-      قبلها, وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله إنّي جبان وإنّي ضعيف, فقال: هلمّ إلى جهادٍ لا شوكة فيه الحجّ أفضل جهادٍ وحجّ مبرور جهاد الكبير والضّعيف والمرأة".
"الحجّ والعمرة عملان هما أفضل الأعمال إلّا من عمل بمثلهما حجّةً مبرورةً أو عمرةً مبرورةً".
"الحجّ المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة, قيل وما برّه؟ قال إطعام الطّعام, وطيب الكلام".
وهذا لا ينافي ما مرّ في تفسير المبرور فتأمّله.
"تابعوا بين الحجّ والعمرة, فإنّهما ينفيان الفقر والذّنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذّهب والفضّة".
"ليس للحجّة المبرورة ثواب إلّا الجنّة".
"من حجّ من مكّة ماشيًا حتّى يرجع إلى مكّة كتب اللّه له بكلّ خطوةٍ سبعمائة حسنةٍ كلّ حسنةٍ مثل حسنات الحرم, قيل وما حسنات الحرم؟ قال بكلّ حسنةٍ مائة ألف حسنةٍ", صحّحه الحاكم لكن فيه ابن سوادة ضعّفه البخاريّ "إنّ آدم أتى البيت ألف أتيّةٍ, لم يركب قطّ فيهنّ من الهند على رجليه" صحّحه ابن خزيمة واعترض, بأنّ فيه واهيًا "والحجّاج والعمّار وفد اللّه, دعاهم فأجابوه, وسألوه فأعطاهم" "اللّهمّ اغفر للحاجّ ولمن استغفر له الحاجّ استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرّتين ويرفع في الثّالثة": أي بعدها.
"لمّا أهبط اللّه آدم من الجنّة قال: إنّي مهبط معك بيتًا أو منزلًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي ويصلّى عنده كما يصلّى حول عرشي فلمّا كان زمن الطّوفان رفع, وكان الأنبياء يحجّونه ولا يعلمون مكانه, فبوّأه اللّه لإبراهيم فبناه من خمسة أجبلٍ: حراء وثبير, ولبنان, وجبل الطّير, وجبل الخير, فتمتّعوا منه ما استطعتم" صحّ هذا عن ابن عمر, ومثله لا يقال من قبل الرّأي فكان كالمرفوع, وفي حديثٍ قال المنذريّ: رواته كلّهم موثّقون: "إنّ من أمّ البيت لا تضع ناقته خفًّا ولا ترفعه إلّا كتب له به حسنة ومحي عنه خطيئة, وإنّ ركعتي الطّواف كعتق رقبةٍ من بني إسماعيل والسّعي كعتق سبعين رقبةً, والوقوف تغفر به الذّنوب وإن كانت بعدد الرّمل أو كقطر المطر, أو كزبد البحر, وبكلّ حصاةٍ من الجمار تكفير كبيرةٍ من الموبقات والنّحر مذخور عند اللّه, وبكلّ شعرةٍ حلقت حسنة ومحو خطيئةٍ, وبالطّواف بعد ذلك

 

ج / 1 ص -342-      يضع ملك يديه بين كتفيه فيقول: اعمل فيما استقبل, فقد غفر لك ما مضى".
"من خرج حاجًّا فمات كتب اللّه له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة ومن خرج معتمرًا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة ومن خرج غازيًا فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة" قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعائشة في عمرتها: "إنّ لك من الأجر على قدر نصبك: أي تعبك ونفقتك النّفقة في الحجّ كالنّفقة في سبيل اللّه بسبعمائة ضعفٍ" "ما أملق حاجّ قطّ" قال جابر: ما افتقر "عمرة في رمضان تعدل حجّةً معي ما يعدل الحجّ معك؟ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عمرة في رمضان".
"ما من مؤمنٍ يظلّ يومه محرمًا إلّا غابت الشّمس بذنوبه".
"ما من ملبٍّ يلبّي إلّا لبّى ما عن يمينه وشماله من شجرٍ أو مدرٍ حتّى تنقطع الأرض هاهنا وهاهنا عن يمينه وشماله" "مسحهما أي اليمانيين كفّارةً للخطايا".
"لا يضع أي الطّائف قدمًا ولا يرفع أخرى إلّا حطّ اللّه عنه بها خطيئةً, وكتب له بها حسنةً".
"من طاف بالبيت أسبوعًا لا يلغو فيه كان كعدل رقبةٍ يعتقها".
"الكبيرة الرّابعة والخامسة والسّادسة والسّابعة والثّامنة والتّاسعة والخمسون بعد
المائة: إخافة أهل المدينة النّبويّة على مشرّفها أفضل الصّلاة والسّلام
وإرادتهم بسوءٍ وإحداث حدثٍ أي إثمٍ فيها وإيواء
محدث ذلك الإثم وقطع شجرها أو حشيشها".
أخرج الشّيخان عن سعدٍ رضي اللّه عنه, قال: سمعت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"لا يكيد أهل المدينة أحد إلّا انماع كما ينماع الملح في الماء", زاد مسلم: "ولا يريد أحد أهل المدينة بسوءٍ إلّا أذابه اللّه في النّار ذوب الرّصاص أو ذوب الملح في الماء" قال المنذريّ: وقد روي هذا الحديث عن جماعةٍ من الصّحابة في الصّحاح وغيرها وأحمد بسندٍ صحيحٍ: "من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبيّ".
وفسّره جابر راويه رضي اللّه عنه: بأنّ من أخافهم فقد أخافه صلّى اللّه عليه وسلّم, والظّاهر أنّ ذلك من مجاز المقابلة وأنّ إخافته صلّى اللّه عليه وسلّم كناية عن قطع الوصلة بين المخيف وبين نبيّه

 

ج / 1 ص -343-      محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم, إذ غاية الإخافة قطع الوصلة وتحقّق العداوة, وما يترتّب على ذلك من المخاوف والخزي والعذاب الأليم.
والطّبرانيّ بإسنادٍ جيّدٍ:
"اللّهمّ من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه وعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين, لا يقبل منه صرف أي فرض أو تطوّع أو توبة أو اكتساب أو وزن أقوالٍ, ولا عدل أي فرض أو تطوّع أو فدية أو كيل" أقوالٍ.
وأخرج الشّيخان:
"من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين, لا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا".
وصرّح ابن القيّم: بأنّ استحلال حرم المدينة كبيرة قال غيره أي عند الأئمّة الثّلاثة خلافًا لأبي حنيفة لخبر مسلمٍ: "أنّ أنسًا قيل له أحرّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة؟ فقال: بلى حرام لا يختلى أي يقطع خلاها أي كلؤها الرّطب من فعل ذلك فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين".
تنبيه: عدّ هذه السّتّة هو صريح ما في هذه الأحاديث الصّحيحة ولم أر من عدّ الأوّلين مع ظهورهما ثمّ رأيت بعض المتأخّرين صرّح بهما لكنّه عبّر بقوله: واستحلال حرم المدينة والإحداث فيها, والظّاهر أنّ مراده به ما ذكرته لما علمته من الأحاديث المصرّحة به.
فإن قلت: لا خصوصيّة بالأوّلين لهم بل ينبغي أن يكونا كبيرتين في حقّ غيرهم أيضًا كما يدلّ عليه كلامهم الآتي في الإيذاء والظّلم.
قلت: يتعيّن حمل الخصوصيّة على أنّ إرادتهم بأيّ سوءٍ وإخافتهم بأيّ نوعٍ كبيرة بخلاف غيرهم, فإنّ شرط كون كلٍّ ممّا ذكر كبيرةً أن يكون ممّا له وقع وبالٍ في العادة.
خاتمة: في سرد أحاديث أكثرها صحيح وبقيّتها حسن في فضلها.
"لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحد من أمّتي إلّا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا إذا كان مسلمًا".
"إنّي أحرّم ما بين لابتي المدينة أي حرّتيها وطرفيها أن يقطع عضاهها أي

 

ج / 1 ص -344-      شجرها أو يقتل صيدها المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبةً عنها إلّا أبدل اللّه فيها من هو خير منه".
"ليأتينّ على أهل المدينة زمان ينطلق النّاس منها إلى الأرياف يلتمسون الرّخاء فيجدون رخاءً ثمّ يأتون فيتحمّلون بأهليهم إلى الرّخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون".
"من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها فمن مات بالمدينة كنت له شفيعًا وشهيدًا".
الوباء والدّجّال لا يدخلانها".
"اللّهمّ إنّ إبراهيم خليلك وعبدك ونبيّك دعاك لأهل مكّة وأنا محمّد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك إبراهيم لمكّة ندعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدّهم وثمارهم".
"اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكّة واجعل ما بها من وباءٍ بخمٍّ" أي بضمّ المعجمة فتشديدٍ, غيضة قريب من الجحفة فلا يمرّ عليها طائر إلّا حمّ.
"اللّهمّ إنّي حرّمت ما بين لابتيها أي أنشأت تحريمه إذ لم يكن حرامًا قبل كما حرّمت على لسان إبراهيم الحرم" أي أظهرت حرمته بعد اندثارها وإلّا فهو حرام من يوم خلق اللّه السّموات والأرض كما صحّ.
"اللّهمّ بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا ومدّنا" أي ما يكال بهما من الأطعمة.
"اللّهمّ إنّ إبراهيم عبدك وخليلك ونبيّك وإنّي عبدك ونبيّك فإنّه دعاك لمكّة وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه واجعل مع البركة بركتين وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة أي لأنّها إذ ذاك مسكن اليهود, والّذي نفسي بيده ما من المدينة شيء ولا شعب ولا نقب إلّا وعليه ملكان يحرسانها اللّهمّ بارك لنا في صاعنا ومدّنا وبارك لنا في شامنا ويمننا, قيل وعراقنا قال: إنّ بها قرن الشّيطان أي أتباعه أو قوّة ملكه وتصريفه وتهييج الفتن وإنّ الجفاء بالمشرق المدينة قبّة الإسلام ودار الإيمان وأرض الهجرة ومثوى الحلال والحرام".