|
ج / 1 ص -354-
كتاب الأطعمة
"الكبيرة
السّبعون بعد المائة: أكل المسكر الطّاهر كالحشيشة
والأفيون
والشّيكران بفتح
الشّين المعجمة وهو البنج وكالعنبر والزّعفران وجوزة
الطّيب"
فهذه كلّها مسكرة كما صرّح به النّوويّ في بعضها وغيره في
باقيها, ومرادهم بالإسكار هنا تغطية العقل لا مع الشّدّة
المطربة لأنّها من خصوصيّات المسكر المائع, وسيأتي بحثه في
باب الأشربة, وبما قرّرته في معنى الإسكار في هذه
المذكورات علم أنّه لا ينافي أنّها تسمّى مخدّرةً, وإذا
ثبت أنّ هذه كلّها مسكرة أو مخدّرة فاستعمالها كبيرة وفسق
كالخمر, فكلّ ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مستعمل شيءٍ
من هذه المذكورات لاشتراكهما في إزالة العقل المقصود
للشّارع بقاؤه, لأنّه الآلة للفهم عن اللّه تعالى وعن
رسوله والمتميّز به الإنسان عن الحيوان والوسيلة إلى إيثار
الكمالات عن النّقائص, فكان في تعاطي ما يزيله وعيد الخمر
الآتي في بابها, وقد ألّفت كتابًا سمّيته [ تحذير الثّقات
عن استعمال الكفتة والقاتّ ] لمّا اختلف أهل اليمن فيه,
وأرسلوا إليّ ثلاث مصنّفاتٍ اثنان في تحريمه وواحد في حلّه
وطلبوا منّي إبانة الحقّ فيهما, فألّفت ذلك الكتاب في
التّحذير عنهما وإن لم أجزم بحرمتهما, واستطردت فيه إلى
ذكر بقيّة المسكرات والمخدّرات الجامدة وبسطت في ذلك بعض
البسط ولا بدّ من ذكر خلاصة ذلك هنا فنقول: الأصل في تحريم
كلّ ذلك ما رواه أحمد في مسنده وأبو داود في سننه: "نهى
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كلّ مسكرٍ ومفترٍ"قال
العلماء: المفتر كلّ ما يورث الفتور والخدر في الأطراف,
وهذه المذكورات كلّها تسكر وتخدّر وتفتر.
وحكى القرافيّ وابن تيميّة الإجماع على تحريم الحشيشة,
قال: ومن استحلّها
ج / 1 ص -355-
فقد كفر قال: وإنّما لم يتكلّم فيها الأئمّة الأربعة لأنّها لم
تكن في زمنهم, وإنّما ظهرت في آخر المائة السّادسة وأوّل
المائة السّابعة حين ظهرت دولة التّتار.
وذكر الماورديّ قولًا أنّ النّبات الّذي فيه شدّة مطربة
يجب فيه الحدّ, ثمّ ما ذكرته في الجوزة هو ما أفتيت به
فيها قديمًا لمّا وقع فيها نزاع بين أهل الحرمين ومصر
وظفرت فيها من النّقل بعد الفحص والتّنقير بما لم يظفروا
به ولذا سئل عنها جمع متأخّرون فأبدوا فيها آراءً متخالفةً
بحثًا من غير نقلٍ, فلمّا عرض عليّ السّؤال أجبت فيها
بالنّقل الصّريح والدّليل الصّحيح رادًّا على من خالف ما
ذكرته وإن جلّت مرتبته.
ومحصّل السّؤال هل قال أحد من الأئمّة أو مقلّديهم بتحريم
أكل جوزة الطّيب, وهل لبعض طلبة العلم الآن الإفتاء بتحريم
أكلها وإن لم يطّلع على نقلٍ به, فإن قلتم نعم فهل يجب
الانقياد لفتواه؟
ومحصّل الجواب الّذي أجبت به عن ذلك السّؤال الّذي صرّح به
الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن دقيقٍ العيد أنّها أعني
الجوزة مسكرة, ونقله عنه المتأخّرون من الشّافعيّة
والمالكيّة واعتمدوه, وناهيك بذلك, بل بالغ ابن العماد
فجعل الحشيشة مقيسةً على الجوزة المذكورة.
وذلك أنّه لمّا حكى عن القرافيّ نقلًا عن بعض فقهاء عصره
أنّه فرّق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقًا أخضر فلا
إسكار فيها بخلافها بعد التّحميص فإنّها تسكر, قال
والصّواب أنّه لا فرق لأنّها ملحقة بجوزة الطّيب
والزّعفران والعنبر والأفيون والبنج وهو من المسكرات
المخدّرات ذكر ذلك ابن القسطلّانيّ في تكريم المعيشة
انتهى.
فتأمّل تعبيره بالصّواب, وجعله الحشيشة الّتي أجمع العلماء
على تحريمها مقيسةً على الجوزة تعلم أنّه لا مرية في تحريم
الجوزة لإسكارها أو تخديرها وقد وافق المالكيّة
والشّافعيّة على إسكارها الحنابلة, فنصّ إمام متأخّريهم
ابن تيميّة وتبعوه على أنّها مسكرة وهو قضيّة كلام بعض
أئمّة الحنفيّة ففي فتاوى المرغينانيّ منهم: المسكر من
البنج ولبن الرّماك أي أناثى الخيل حرام ولا يحدّ شاربه
قاله الفقيه أبو حفصٍ, ونصّ عليه شمس الأئمّة السّرخسيّ
انتهى.
وقد علمت من كلام ابن دقيقٍ العيد وغيره أنّ الجوزة
كالبنج, فإذا قال الحنفيّة بإسكاره لزمهم القول بإسكار
الجوزة, فثبت بما تقرّر أنّها حرام عند الأئمّة الأربعة
ج / 1 ص -356-
الشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة بالنّصّ والحنفيّة بالاقتضاء
لأنّها إمّا مسكرة أو مخدّرة وأصل ذلك في الحشيشة المقيسة
على الجوزة على ما مرّ.
والّذي ذكره الشّيخ أبو إسحاق في كتابه [ التّذكرة ]
والنّوويّ في [ شرح المهذّب ] وابن دقيقٍ العيد أنّها
مسكرة قال الزّركشيّ: ولا يعرف فيه خلاف عندنا وقد يدخل في
حدّهم السّكران بأنّه الّذي اختلّ كلامه المنظوم وانكشف
سرّه المكتوم أو الّذي لا يعرف السّماء من الأرض ولا
الطّول من العرض ثمّ نقل عن القرافيّ أنّه خالف في ذلك
فنفى عنها الإسكار وأثبت لها الإفساد ثمّ ردّ عليه وأطال
في تخطئته وتغليطه.
وممّن نصّ على إسكارها أيضًا العلماء بالنّبات من الأطبّاء
وإليهم المرجّع في ذلك وكذلك ابن تيميّة وتبعه من جاء بعده
من متأخّري مذهبه والحقّ في ذلك خلاف الإطلاقين إطلاق
الإسكار وإطلاق الإفساد وذلك أنّ الإسكار يطلق ويراد به
مطلق تغطية العقل, وهذا إطلاق أعمّ ويطلق ويراد به تغطية
العقل مع نشوةٍ وطربٍ وهذا إطلاق أخصّ وهو المراد من
الإسكار حيث أطلق فعلى الإطلاق الأوّل بين المسكر والمخدّر
عموم مطلق إذ كلّ مخدّرٍ مسكر وليس كلّ مسكرٍ مخدّرًا
فإطلاق الإسكار على الحشيشة والجوزة ونحوهما المراد منه
التّحذير ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخصّ.
وتحقيقه أنّ من شأن السّكر بنحو الخمر أنّه يتولّد عنه
النّشوة والنّشاط والطّرب والعربدة والحميّة ومن شأن
السّكر بنحو الحشيشة والجوزة أنّه يتولّد عنه أضداد ذلك من
تخدير البدن وفتوره ومن طول السّكوت والنّوم وعدم الحميّة
وبقولي من شأنه فيهما يعلم ردّ ما أورده الزّركشيّ على
القرافيّ من أنّ بعض شربة الخمر يوجد فيه ما ذكر في نحو
الحشيشة وبعض أكله نحو الحشيشة يوجد فيه ما ذكر في الخمر
ووجه الرّدّ أنّ ما نيط بالمظنّة لا يؤثر فيه خروج بعض
الأفراد كما أنّ القصر في السّفر لمّا نيط بمظنّة المشقّة
جاز وإن لم توجد المشقّة في كثيرٍ من جزئيّاته, فاتّضح
بذلك أنّه لا خلاف بين من عبّر في نحو الحشيشة بالإسكار
ومن عبّر بالتّخدير والإفساد والمراد به إفساد خاصٍّ هو ما
سبق فاندفع به قول الزّركشيّ إنّ التّعبير به يشمل الجنون
والإغماء لأنّهما مفسدان للعقل أيضًا فظهر بما تقرّر صحّة
قول الفقيه المذكور في
ج / 1 ص -357-
السّؤال إنّها مخدّرة وبطلان قول من نازعه في ذلك لكن إن كان
لجهله عذر.
وبعد أن يطّلع على ما ذكرناه عن العلماء متى زعم حلّها أو
عدم تخديرها وإسكارها يعزّر التّعزير البليغ الزّاجر له
ولأمثاله, بل قال ابن تيميّة وأقرّه أهل مذهبه من زعم حلّ
الحشيشة كفر فليحذر الإنسان من الوقوع في هذه الورطة عند
أئمّة هذا المذهب المعظّم وعجيب ممّن خاطر باستعمال الجوزة
مع ما ذكرناه فيها من المفاسد والإثم لأغراضه الفاسدة على
أنّ تلك الأغراض تحصل جميعها بغيرها فقد صرّح رئيس
الأطبّاء ابن سينا في قانونه بأنّه يقوم مقامها وزنها ونصف
وزنها من السّنبل, فمن كان يستعمل منها قدرًا ما ثمّ
استعمل وزنه ونصف وزنه من السّنبل حصلت له جميع أغراضه مع
السّلامة من الإثم والتّعرّض لعقاب اللّه سبحانه وتعالى,
على أنّ فيها بعض مضارّ بالرّئة ذكرها بعض الأطبّاء وقد
خلا السّنبل عن تلك المضارّ فقد حصل به مقصودها وزاد عليه
بالسّلامة من مضارّها الدّنيويّة والأخرويّة, واللّه
سبحانه وتعالى أعلم بالصّواب, انتهى جوابي في الجوزة وهو
مشتمل على النّفائس.
وفي بعض شروح الحاوي الصّغير أنّ الحشيشة نجسة إن ثبت
أنّها مسكرة وغلط.
وفي كتاب [ السّياسة ] لابن تيميّة أنّ الحدّ واجب في
الحشيشة كالخمر, قال لكن لمّا كانت جمادًا وليست شرابًا
تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوالٍ في مذهب أحمد
وغيره: فقيل نجسة وهو الصّحيح انتهى ويحرم إطعام الحشيشة
الحيوان أيضًا لأنّ إسكاره حرام أيضًا.
قال ابن دقيق العيد ولا ضمان على متلفها كالخمر, ونقل
الإمام أبو بكر بن القطب العسقلانيّ أنّها حارّة في
الدّرجة الثّانية يابسة في الأولى تصدّع الرّأس, وتظلم
البصر, وتعقد البطن, وتجفّف المنيّ فيتعيّن على كلّ ذي
عقلٍ سليمٍ وطبعٍ مستقيمٍ اجتنابها كغيرها ممّا سبق لما
تشتمل عليه من المضارّ الّتي هي مبدأ مداعي الهلاك, وربّما
نشأ من تجفيف المنيّ وصداع الرّأس وغيرهما أعظم المفاسد
والمضارّ ومن ثمّ قال ابن البيطار وإليه انتهت رئاسة زمنه
في معرفة النّبات والأعشاب في كتابه الجامع لقويّ الأدوية
والأغذية: ومن القنّب الهنديّ نوع ثالث يقال له القنّب ولم
أره بغير مصر, ويزرع في البساتين ويسمّى بالحشيشة أيضًا
وهو يسكر جدًّا إذا تناول منه الإنسان يسيرًا قدر درهمٍ أو
درهمين حتّى إنّ من أكثر منه أخرجه إلى حدّ الرّعونة, وقد
استعمله قوم فاختلت عقولهم وأدّى بهم الحال إلى الجنون
وربّما قتلت.
قال القطب: وقد نقل لنا أنّ البهائم لا تتناولها, فما
ج / 1 ص -358-
قدر مأكولٍ تنفر البهائم عن تناوله وهي كغيرها ممّا سبق أيضًا
ممّا يحيل الأبدان ويمسخها ويحلّل قوّاها ويحرّق دماءها
ويجفّف رطوبتها ويصفّر اللّون قال محمّد بن زكريّا إمام
وقته في الطّبّ: وتولّد أفكارًا كثيرةً رديئةً وتجفّف
المنيّ لقلّة الرّطوبة في الأعضاء الرّئيسيّة, أي وإذا
قلّت رطوبة تلك الأعضاء الرّئيسيّة كانت سببًا لحدوث أخطر
الأمراض وأقبح العلل, وممّا أنشد فيها:
قل لمن يأكل الحشيشة جهلًا
يا خسيسًا قد عشت شرّ معيشةٍ
دية العقل بدرّةٍ فلماذا
يا سفيهًا قد بعته بحشيشه
قال: وقد بلغنا من جمعٍ يفوق حدّ الحصر أنّ كثيرًا ممّن عاناها
مات بها فجأةً وآخرين اختلت عقولهم وابتلوا بأمراضٍ
متعدّدةٍ من الدّقّ والسّلّ والاستسقاء وأنّها تستر العقل
وتغمره, وممّا أنشد فيها أيضًا:
يا من غدا أكل الحشيش شعاره
وغدا فلاح عواره وخماره
أعرضت عن سنن الهدى بزخارف
لمّا اعترضت لما أشيع ضراره
العقل ينهى أن تميل إلى الهوى
والشّرع يأمر أن تبعّد داره
فمن ارتدى برداء زهرة شهوةٍ
فيها بدا للنّاظرين خساره
اقصر وتب عن شربها متعوّذًا
من شرّها فهو الطّويل عثاره.
قال بعض العلماء: وفي أكلها مائة وعشرون مضرّةً دينيّةً
ودنيويّةً: منها أنّها تورث الفكرة الرّديئة, وتجفّف
الرّطوبات الغريزيّة وتعرّض البدن لحدوث الأمراض, وتورث
النّسيان, وتصدّع الرّأس وتقطع النّسل, وتجفّف المنيّ,
وتورث موت الفجأة واختلال العقل وفساده, والدّقّ, والسّلّ
والاستسقاء, وفساد الفكر, ونسيان الذّكر, وإفشاء السّرّ,
وإنشاء الشّرّ, وذهاب الحياء, وكثرة المراء, وعدم المروءة
ونقض المودّة, وكشف العورة, وعدم الغيرة, وإتلاف الكيس,
ومجالسة إبليس, وترك الصّلوات, والوقوع في المحرّمات,
والبرص, والجذام, وتوالي الأسقام, والرّعشة على الدّوام,
وثقب الكبد, واحتراق الدّم والبخر, ونتن الفم, وفساد
الأسنان, وسقوط شعر الأجفان, وصفرة الأسنان, وعشاء العين
والفشل وكثرة النّوم والكسل, وتجعل الأسد كالعجل, وتعيد
العزيز ذليلًا والصّحيح عليلًا والشّجاع جبانًا والكريم
مهانًا, إن أكل لا يشبع وإن أعطي لا يقنع, وإن كلّم لا
يسمع, تجعل
ج / 1 ص -359-
الفصيح أبكم والذّكيّ أبلم, وتذهب الفطنة, وتحدث البطنة, وتورث
العنّة واللّعنة والبعد عن الجنّة ومن قبائحها أنّها تنسي
الشّهادتين عند الموت, بل قيل إنّ هذا أدنى قبائحها.
وهذه القبائح كلّها موجودة في الأفيون وغيره ممّا سبق, بل
يزيد الأفيون ونحوه بأنّ فيه مسخًا للخلقة كما يشاهد من
أحوال آكليه وعجيب ثمّ عجيب ممّن يشاهد من أحوال آكليه تلك
القبائح الّتي هي مسخ البدن والعقل وصيرورتهم إلى أخسّ
حالةٍ وأرثّ هيئةٍ وأقذر وصفٍ.
وأفظع مصابٍ لا يتأهّلون لخطابٍ ولا يميلون قطّ إلى صوابٍ
ولا يهتدون إلّا إلى خوارم المروآت وهو أذمّ الكمالات
وفواحش الضّلالات, ثمّ مع هذه العظائم الّتي نشاهدها منهم
يحبّ الجاهل أن يندرج في زمرتهم الخاسرة وفرقتهم الضّالّة
الحائرة متعاميًا عمّا على وجوههم من الغبرة وما يعتريها
من القترة ذلك يخشى عليه أن يكون من الكفرة الفجرة, فمن
اتّضحت له فيهم هذه المثالب وبان عنده ما اشتملوا عليه من
كثير المعايب ثمّ نحا نحوهم وحذا حذوهم فهو المفتون
المغبون الّذي بلغ الشّيطان فيه غاية أملّه بعد أن كان
يتربّص به ريب المنون, لأنّه
لعنه اللّه إذا أحلّ عبدًا في هذه الورطة لعب به كما يلعب
الصّبيّ بالكرة إذ ما يريد منه حينئذٍ شيئًا إلّا وسابقه
إلى فعله لأنّ العقل الّذي هو آلة الكمال زال عن محلّه
فصار كالأنعام بل هو أضلّ سبيلًا ومن أهل النّيران, فبئس
ما رضيه لنفسه مبيتًا ومقيلًا وأفٍّ لمن باع نعيم الدّنيا
والآخرة بتلك الصّفقة الخاسرة, وفّقنا اللّه لطاعته وحمانا
من مخالفته آمين.
تنبيه:
عدّ ما ذكر من الكبائر ظاهر وبه صرّح أبو زرعة وغيره
كالخمر, بل بالغ الذّهبيّ فجعلها كالخمر في النّجاسة
والحدّ ومال في ذلك إلى ما قدّمته عن الحنابلة وغيرهم.
قال: وهي أخبث من جهة أنّها تفسد العقل والمزاج حتّى يصير
في متعاطيها تخنيث أي ابنةٍ ونحوها ودياثةٍ وقوادةٍ وفسادٍ
في المزاج والعقل وغير ذلك من الفساد, والخمر أخبث من جهةٍ
أنّها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة كلاهما يصدّ عن ذكر
اللّه وعن الصّلاة قال: وتوقّف بعض العلماء المتأخّرين على
الحدّ فيها ورأى أنّ فيها التّعزير لأنّها تغيّر العقل من
غير طربٍ كالبنج وأنّه لم يجد للعلماء المتقدّمين فيها
كلامًا وليس كذلك, بل آكلوها يحصل لهم نشوة واشتهاء كشرب
ج / 1 ص -360-
الخمر وأكثر حتّى إنّهم لا يصبرون عنها وتصدّهم عن ذكر اللّه وعن
الصّلاة, ولكونها جامدةً مطعومةً تنازع العلماء في نجاستها
على ثلاثةٍ أقوالٍ في مذهب أحمد وغيره.
فقيل: هي نجسة كالخمر المشروبة وهذا هو الاعتبار الصّحيح,
وقيل: لا لجمودها, وقيل: يفرّق بين جامدها ومائعها, وبكلّ
حالٍ فهي داخلة فيما حرّم اللّه ورسوله من الخمر المسكر
لفظًا ومعنًى, وقال أبو موسى الأشعريّ رضي اللّه عنه: "يا
رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن البتع وهو
من الذّرة والشّعير ينبذ حتّى يشتدّ والمزر وهو الذّرة
والشّعير ينبذ حتّى يشتدّ قال وكان رسول اللّه صلّى اللّه
عليه وسلّم قد أعطي جوامع الكلم بخواتيمه, فقال صلّى اللّه
عليه وسلّم كلّ مسكرٍ حرام" "قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
ما أسكر كثيره فقليله حرام", ولم يفرّق صلّى اللّه عليه
وسلّم بين نوعٍ ونوعٍ ككونه مأكولًا أو مشروبًا, على أنّ
الخمر قد تؤكل بالخبز والحشيشة قد تذاب وتشرب وإنّما لم
يذكرها السّلف لأنّها لم تكن في زمنهم, وقد قيل فيها:
فآكلها وزاعمها حلالًا
فتلك على الشّقيّ مصيبتان
فواللّه ما فرح إبليس بمثل فرحه بالحشيشة لأنّه زيّنها للأنفس
الخسيسة فاستحلّوها واسترخصوها وقالوا فيها:
قل لمن يأكل الحشيشة
عشت في أكلها بأقبح
عيشه
قيمة العقل بدرّةٍ فلماذا
يا أخا الجهل بعته بحشيشه
هذا كلام الذّهبيّ, وما ذكره من النّجاسة والحدّ ضعيف كما مرّ.
"الكبيرة الحادية والثّانية والثّالثة والسّبعون بعد
المائة:
المسفوح أو لحم الخنزير أو الميتة وما ألحق بها في غير
مخمصةٍ"
قال تعالى:
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ
وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا
أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ
عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ
ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3] وقال جل ذكره:
{قلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى
طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ
دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145] قال المفسّرون: استثنى
اللّه تعالى في الآية الأولى من الإباحة أحد عشر نوعًا:
ج / 1 ص -361-
{الْمَيْتَةَ}: وتحريمها موافق للعقول لأنّ الدّم جوهر لطيف جدًّا, فإذا مات
الحيوان حتف أنفه احتبس دمه في عروقه وتعفّن وفسد وحصل من
أكله ما لا ينبغي, ويستثنى منها السّمك والجراد لحديثين
صحيحين بهما, وصحّ في الحديث أيضًا
"إنّ ذكاة الجنين ذكاة أمّه".
فإذا خرج جنين مذكّاةٍ ميّتًا أو به حياة غير مستقرّةٍ حلّ
تبعًا لها وإن كبر وكان له شعر, والمراد بها ما زالت حياته
لا بذكاةٍ شرعيّةٍ, فدخل فيها الأنواع الآتية وخرج منها
الجنين المذكور والصّيد إذا مات بالضّغطة أو ثقلٍ نحو
الكلب وغيره ذلك من كلّ ما زالت حياته بذكاةٍ شرعيّةٍ وإن
لم يكن فيه إنهار دمٍ.
{والدّم}:
وسبب تحريمه نجاسته أيضًا وكانوا يملئون المعى أو المباعر
من الدّم ويشوونه ويطعمونه الضّيف فحرّم اللّه عليهم ذلك,
واتّفق العلماء على تحريمه ونجاسته, نعم يعفى عمّا يبقى في
العروق واللّحم على أنّه خرج بالمسفوح في الآية الأخرى
المفيدة لإطلاقه في هذه الآية, ويستثنى منه الكبد والطّحال
للحديث الصّحيح بهما على أنّهما خرجا بالمسفوح أيضًا فلا
استثناء, ونقل بعضهم عن الجمهور أنّ الدّم حرام ولو غير
مسفوحٍ وردّ قول أبي حنيفة بحلّ غير المسفوح وليس كما زعم.
و{الْخِنْزِيرِ} وسبب تحريمه نجاسته أيضًا قال العلماء: ولأنّ الغذاء يصير جوهرًا
من بدن المتغذّي فلا بدّ وأن يحصل للمتغذّي أخلاق وصفات من
جنس ما كان حاصلًا من الغذاء, والخنزير مطبوع على أخلاقٍ
ذميمةٍ جدًّا منها الحرص الفاحش والرّغبة الشّديدة في
المنهيّات وعدم الغيرة فحرّم أكله على الإنسان لئلّا
يتكيّف بتلك الكيفيّة القبيحة, ومن ثمّ لمّا واظب النّصارى
سيّما الفرنج على أكله أورثهم حرصًا عظيمًا ورغبةً شديدةً
في المنهيّات وعدم الغيرة فإنّه يرى الذّكر من جنسه ينزو
على أنثاه ولا يتعرّض له لعدم غيرته بخلاف الغنم ونحوها
فإنّها ذوات عاريّة عن جميع الأخلاق الذّميمة, فلذلك لا
يحصل للإنسان بسبب أكلها كيفيّة خارجة عن أغراضه وأحواله,
وإنّما خصّ لحمه بالذّكر مع أنّ جميعه حرام لأنّ لحمه هو
المقصود الذّاتيّ منه قال القرطبيّ: ولا خلاف أنّ جملة
الخنزير محرّمة إلّا شعره فيجوز الخرز به انتهى, ومذهبنا
جواز الخرز به خلافًا لمن نقل عن الشّافعيّ تحريمه, وخنزير
الماء مأكول عندنا.
ج / 1 ص -362-
{وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ}: أي ذبح على اسم الصّنم, إذ
الإهلال رفع الصّوت ومنه فلان أهلّ بالحجّ إذا لبّى
واستهلّ الصّبيّ إذا صرخ حين ولادته, والهلال لأنّه يصرخ
عند رؤيته وكانوا يقولون عند الذّبح باسم اللّات والعزّى
فحرّم عليهم فمعنى "وما أهّل لغير اللّه به" وما ذبح
للطّواغيت والأصنام قاله جمع, وقال آخرون: يعني ما ذكر
عليه غير اسم اللّه قال الفخر الرّازيّ وهذا القول أولى
لأنّه أشدّ مطابقةً للفظ الآية قال العلماء لو ذبح مسلم
ذبيحةً وقصد بذبحها التّقرّب بها إلى غير اللّه تعالى صار
مرتدًّا وذبيحته ذبيحة مرتدٍّ, نعم ذبائح أهل الكتاب تحلّ
لقوله تعالى:
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] نعم إن ذبحوها باسم المسيح لم تحلّ عند الأئمّة
الأربعة وغيرهم وقال جمع تحلّ مطلقًا وردّ بأنّ "وما أهّل
لغير اللّه به" خاصّ فيقدّم على عموم "وطعام الّذين أوتوا
الكتاب حلّ لكم" ونقل ابن عطيّة عن بعضهم أنّه استفتى في
امرأةٍ مترفةٍ نحرت جزورًا للعبها فأفتى بأنّه لا يحلّ
أكلها لأنّها ذبحت لصنمٍ.
{وَالْمُنْخَنِقَةُ}: وهي الّتي تموت خنقًا بأن يحبس نفسها بفعل آدميٍّ أو غيره إلى
أن تموت وكانت الجاهليّة يخنقون الحيوان فإذا مات أكلوه.
{وَالْمَوْقُوذَةُ}: من وقذه النّعاس أي غلبه وكأنّ المادّة دالّة على سكونٍ
واسترخاءٍ ؛ فالموقوذة هي الّتي وقذت أي ضربت حتّى استرخت
وماتت, ومنها المقتولة بالبندق فهي في معنى الميتة.
والمنخنقة لأنّها ماتت ولم يسل دمها.
{وَالْمُتَرَدِّيَةُ}: من تردّى أي سقط من علوٍّ فإذا سقطت من علوٍّ كجبلٍ أو شجرةٍ
على أرضٍ أو في بئرٍ فماتت حرّمت, وإن أصابها سهم لأنّها
في الأوّل لم تزل حياتها بمحدّدٍ يجرح ويسيل بسببه دمها,
وفي الثّاني شارك المحدّد غيره فآثر غيره الحرمة لأنّ شرط
الحلّ كما مرّ إزالة الحياة بمحض محدّدٍ يجرح.
{وَالنَّطِيحَةُ}: الّتي نطحتها أخرى فهي ميتة لفقد سيلان الدّم ودخلت الهاء في
هذه الكلمات لأنّها أوصاف للشّاة وخصّ بالذّكر لأنّها من
أعمّ ما يؤكل, والكلام قد يخرج على الأعمّ الأغلب والمراد
به الكلّ.
نعم كان من حقّ النّطيحة أن لا تدخلها هاء لأنّ فعيلًا
يستوي فيه المذكّر والمؤنّث إلّا أنّها لمّا جرت مجرى
الأسماء خرجت عن قياس فعيلٍ.
ج / 1 ص -363-
{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}: أي أكل بعضه وكان أهل
الجاهليّة إذا جرح السّبع شيئًا فقتله وأكل بعضه أكلوا ما
بقي فحرّمه اللّه تعالى.
واستفيد من قوله تعالى:
{لَّا مَا ذَكَّيْتُمْ}: أنّ ما أدرك من المنخنقة وما بعدها وبه حياة مستقرّة وذكّي حلّ
وإلّا فلا.
{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ}: قيل هي الحجارة كانوا يذبحون عليها فعلى حينئذٍ واضحة, وقيل هي
الأصنام, تنصب لتعبّدٍ فعلى بمعنى اللّام أي لأجلها,
والتّقدير وما ذبح على اعتقاد تعظيمها قال مجاهد وقتادة
وابن جريجٍ: "كان حول الكعبة ثلاثمائةٍ وستّون حجرًا
منصوبةً يعبدها أهل الجاهليّة ويعظّمونها ويذبحون لها
وليست بأصنامٍ إنّما الأصنام هي الصّورة المنقوشة وكانوا
يلطّخونها بتلك الأدمية ويضعون اللّحم عليها, فقال
المسلمون يا رسول اللّه كان أهل الجاهليّة يعظّمون البيت
بالدّم فنحن أحقّ أن نعظّمه, فسكت رسول اللّه صلّى اللّه
عليه وسلّم حتّى نزل قوله تعالى:
{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ
لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا} [الحج: 37].
ومعنى قوله تعالى:
{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا
بِالْأَزْلامِ} النّهي عمّا كان تفعله
الجاهليّة من أنّ من أراد منهم حاجةً أيّ حاجةٍ كانت جاء
إلى سادن الكعبة, وكان عنده سبعة أقداحٍ مستويةٍ من شوحطٍ
وسمّيت بالأزلام لأنّها زلّمت: أي سوّيت, وكان مكتوبًا على
واحدٍ منها نعم وآخر لا وآخر منكم وآخر من غيركم: أي
التّزوّج, وآخر ملصق أي النّسب وآخر عقل: أي دية وآخر لا
شيء عليه, فإذا أرادوا أمرًا أو اختلفوا في نسبٍ أو تحمّل
ديةٍ جاءوا إلى هبل أعظم أصنامهم بمائة درهمٍ, وجزورٍ
لصاحب القداح حتّى يجيلها لهم, ويقولون يا آلهتنا إنّا
أردنا كذا وكذا, فما خرج فعلوا بقضيّته, فنهى اللّه عن ذلك
وحرّمه, وقال
{ذَلِكُمْ فِسْقٌ}ووجه
ذكرها مع هذه المطاعم أنّها كانت ترفع عند البيت معها قال
القرطبيّ: وسمّي ذلك استقسامًا لأنّهم كانوا يستقسمون به
الرّزق وما يريدون, ونظير هذا الّذي حرّمه اللّه قول
المنجّم لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج من أجل نجم كذا وقال
جماعة: المراد بالآية القمار.
وقال ابن جبيرٍ الأزلام حصًا بيض كانوا يضربون بها, ومجاهد
هي كعاب فارسٍ والرّوم يتقامرون بها والشّعبيّ: الأزلام
للعرب, والكعاب للعجم.
ج / 1 ص -364-
تنبيه: عدّ هذه الثّلاثة هو ظاهر
الآيتين الكريمتين, لأنّ اللّه تعالى سمّاها فسقًا إذ قوله
تعالى:
{ذلكم فسق} يرجع للجميع كما
صرّح به غير واحدٍ من أئمّتنا وأمّا قول بعض المفسّرين
إنّه يرجع لما وليه فقط, فليس في محلّه, إذ القاعدة
المقرّرة في الأصول قاضية برجوعه للكلّ, فلا وجه للتّخصيص
بالبعض, لكنّهم لم يصرّحوا بالدّم, وقد علمت قيام الدّليل
عليه, وينبغي أن يلحق به أكل نجاسةٍ غير معفوٍّ عنها
تعدّيًا, ثمّ رأيت التّصريح به الآتي قريبًا.
"الكبيرة
الرّابعة والسّبعون بعد المائة:
إحراق الحيوان
بالنّار"
للحديث الصّحيح أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"إنّي كنت أمرتكم أن تحرّقوا فلانًا وفلانًا بالنّار وإنّ
النّار لا يعذّب بها إلّا اللّه, فإن وجدتموهما فاقتلوهما" قال ابن مسعودٍ رضي
اللّه عنه: "رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرية
نملٍ أي مكانه قد حرقناها, فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن,
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّه لا ينبغي أن
يعذّب بالنّار إلّا ربّها".
تنبيه:
عدّ هذا كبيرةً على إطلاقه سواء كان مأكولًا أو غيره
صغيرًا أو كبيرًا هو ما في الرّوضة وأصلها عن صاحب العدّة
وتوقّف الرّافعيّ في إطلاقه وتبعه الأذرعيّ فقال قول صاحب
العدّة وإحراق الحيوان في إطلاقه نظر, فإنّ الحكم على من
أحرق قملةً أو برغوثًا أو نحوهما بأنّه يصير بذلك فاسقًا
فيه بعد, ولا بدّ أن يكون المحرّق عالمًا بالنّهي عن ذلك
وتحريمه انتهى, وتبعه تلميذه في الخادم فتوقّف في ذلك
الإطلاق ثمّ قال: نعم إن لم يمكن قتله إلّا بها فذاك ا هـ.
وتعقّب ذلك بعضهم فقال: وفيما ذكره في الإحراق نظر والوجه
الأخذ بالإطلاق, ويوافقه جريان جماعةٍ متأخّرين على عدّ
ذلك مع إطلاقه كبيرةً ولم ينظروا إلى توقّف الرّافعيّ
وغيره, وقول الزّركشيّ نعم إلخ صرّح به غيره أيضًا وشرط
فيه أنّه لا يمكن دفعه عنه إلّا بقتله, وهو مراد الزّركشيّ
بقوله: إن لم يمكن بقتله, إلّا بها قال الجلال البلقينيّ
ولم يعترض النّوويّ الرّافعيّ في توقّفه السّابق فكأنّه
ارتضاه, ويظهر أن يقال الفواسق الخمس إذا تعيّن طريقًا
لإزالة ضررهنّ الإحراق بالنّار لا يمنع من ذلك, فأمّا
غيرها من الآدميّ والحيوان ولو غير مأكولٍ فقد يجزم بكونه
كبيرةً لخبر مسلمٍ: أنّ ابن عمر "مرّ بنفرٍ نصبوا دجاجةً
يترامونها فلمّا رأوه تفرّقوا عنها, فقال: من فعل هذا إنّ
رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعن
ج / 1 ص -365-
من فعل هذا" ؛ والتّعذيب بالنّار كالتّعذيب باتّخاذها غرضًا أو
أشدّ وروى مسلم:
"إنّ اللّه يعذّب الّذين
يعذّبون في الدّنيا", وفي روايةٍ:
"يعذّبون النّاس"
والأولى أعمّ, قال ذلك لمّا رأى قومًا يعذّبون بالشّمس فما
الظّنّ بالإحراق بالنّار.
"الكبيرة
الخامسة والسّادسة والسّابعة والسّبعون بعد المائة:
تناول النّجس
والمستقذر والمضرّ"
وعدّ هذه الثّلاثة هو ما صرّح به بعض المتأخّرين ويستدلّ
في الأولى بأنّ ما ذكر فيها هو قياس ما مرّ في الميتة
لأنّها لم تحرّم لضررها بل لنجاستها كما صرّحوا به, وإذا
حرّمت لنجاستها وقد سمّاها اللّه تعالى فسقًا فيلحق بها في
ذلك كلّ نجاسةٍ غير معفوٍّ عنها, فظهر وجه عدّ هذه كبيرةً
وفي الثّانية بأنّ المستقذر كالمخاط والمنيّ يلحق
بالنّجاسة في تلطيخ نحو المصحف كما مرّ في الكبيرة الأولى
أوّل الكتاب فلا بعد في إلحاقه بها هنا, وأمّا الثّالثة
فالحكم فيها ظاهر لأنّ تناول المضرّ مفسد للبدن أو العقل
وذلك عظيم الإثم والوزر, وكما أنّ إضرار الغير الّذي لا
يحتمل كبيرةً فكذا إضرار النّفس بل هذا أولى لأنّ حفظ
النّفس أهمّ من حفظ الغير.
فرع:
ذكر أصحابنا أنّه يحرم أكل طاهرٍ مضرٍّ بالبدن كالطّين
والسّمّ كالأفيون إلّا القليل من ذلك لحاجة التّداوي مع
غلبة السّلامة أو بالعقل كنباتٍ مسكرٍ غير مطربٍ, وله
التّداوي به وإن أسكر إن تعيّن بأن قال له طبيبان عدلان لا
ينفع علّتك غيره, ولو شكّ في نباتٍ هل هو سمٍّ أم غيره أو
في نحو لبنٍ هل هو مأكول أو غيره حرّم عليه تناوله, ولو
وقع نحو ذبابٍ في نحو طبيخٍ وتهرّئ فيه حلّ أكله أو نحو
طائرٍ أو جزء آدميٍّ لم يحلّ وإن تهرّئ, ولو وجد نجاسةً في
طعامٍ طرأ عليه الجمود وشكّ هل وقعت فيه مائعًا أو جامدًا
حلّ تناوله لأنّ الأصل طهارته مع أنّه يحتمل أنّ وقوعها
فيه جامدًا فينزعها وما حولها فقط, وإن غلب على ظنّه أنّها
وقعت فيه مائعًا, ويحرم الدّرياق المخلوط بلحم الحيّات
إلّا لضرورةٍ تجوّز أكل الميتة, ولو عمّ الحرام أرضًا ولم
يبق بها حلال وتوقّع معرفة أربابه جاز تناول قدر الحاجة
منه دون التّنعّم ولا يتوقّف على الضّرورة.
خاتمة:
الحيوان إمّا يضرّ ولا ينفع كحيّةٍ وعقربٍ وفأرةٍ وحدأةٍ
وكلبٍ عقورٍ وغرابٍ غير زاغٍ وذئبٍ وأسدٍ ونمرٍ وسائر
السّباع ودبٍّ ونسرٍ وعقابٍ وبرغوثٍ ونملٍ
ج / 1 ص -366-
صغيرٍ ووزغٍ وسامٍّ أبرص وبقٍّ وزنبورٍ, فهذه كلّها ونحوها يسنّ
قتلها ولو لمحرمٍ في الحرم.
وأمّا ما ينفع ويضرّ كفهدٍ وصقرٍ وبازٍ فلا يسنّ قتله
لنفعه ولا يكره لضرّه وأمّا ما لا ينفع ولا يضرّ كخنفساء
وجعلٍ وسرطانٍ ورخمةٍ فيكره قتله, نعم الكلب الّذي لا نفع
فيه ولا ضرر وقع في حلّ قتله تناقض, والمعتمد حرمته كما في
المجموع عن الأصحاب ويفرّق بينه وبين ما ذكر بأنّ تلك في
حكم الحشرات فاغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها ؛ ويؤيّده
قولهم هنا يحرم قتل النّمل الكبير مع أنّه لا نفع فيه ولا
ضرر قالوا: ويحرم أيضًا قتل النّحل والخطّاف والصّرد
والضّفدع وكلب نحو الصّيد أو الحراسة ولو أسود. |