الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 1 ص -367-      كتاب البيع
الكبيرة الثّامنة والسّبعون بعد المائة: بيع الحرّ"
أخرج البخاريّ وابن ماجه وغيرهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"قال اللّه تعالى: ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة, ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثمّ غدر, ورجل باع حرًّا ثمّ أكل ثمنه, ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو صريح ما في هذا الحديث من الوعيد الشّديد وبه صرّح بعض المتأخّرين وهو ظاهر جليّ قال الطّحاويّ: وكان الحرّ يباع في الدّين الّذي عليه أوّل الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه به حتّى نسخ اللّه ذلك بقوله:
{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] ولم يقل قوم بالنّسخ, بل قالوا إنّ ذلك باقٍ إلى الآن لما رواه البزّار والدّارقطنيّ عن بعض الصّحابة قال: "كان لرجلٍ عليّ مال أو قال دين فذهب بي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يصب لي مالًا فباعني منه أو باعني له" ولا حجّة فيه لأنّه ضعيف.
"الكبيرة التّاسعة والسّبعون والثّمانون والحادية والثّمانون,
والثّانية والثّالثة والرّابعة والثّمانون بعد المائة:
أكل الرّبا وإطعامه وكتابته وشهادته والسّعي فيه والإعانة عليه"
قال اللّه تعالى:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ

 

ج / 1 ص -368-      النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 275, 276] ثمّ قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 278- 281] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 130, 131] فتأمّل هذه الآيات وما اشتملت عليه من عقوبة أكل الرّبا, وينكشف ذلك بالكلام على بعضها باختصارٍ, فالرّبا لغةً الزّيادة وشرعًا عقد على عوضٍ مخصوصٍ غير معلوم التّماثل في معيار الشّرع حالة العقد أو مع تأخيرٍ في البدلين أو أحدهما وهو ثلاثة أنواعٍ:
ربا الفضل: وهو البيع مع زيادة أحد العوضين المتّفقي الجنس على الآخر.
وربا اليد: وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما عن التّفرّق من المجلس أو التّخاير فيه بشرط اتّحادهما علّةً بأن يكون كلّ منهما مطعومًا أو كلّ منهما نقدًا وإن اختلف الجنس.
وربا النّساء: وهو البيع للمطعومين أو للنّقدين المتّفقي الجنس أو المختلفية لأجلٍ ولو لحظةً وإن استويا وتقابضا في المجلس.
فالأوّل: كبيع صاع برٍّ بدون صاع برٍّ أو بأكثر أو درهم فضّةٍ بدون درهم فضّةٍ أو بأكثر سواء أتقابضا أم لا, وسواء أجّلا أم لا.
والثّاني: كبيع صاع برٍّ بصاع برٍّ, أو درهم ذهبٍ بدرهم ذهبٍ, أو صاع برٍّ بصاع شعيرٍ أو أكثر, أو درهم ذهبٍ بدرهم فضّةٍ أو أكثر, لكن تأخّر قبض أحدهما عن المجلس أو التّخاير.
الثّالث: كبيع صاع برٍّ بصاع برٍّ أو درهم فضّةٍ بدرهم فضّةٍ, لكن مع تأجيل أحدهما ولو إلى لحظةٍ وإن تساويا وتقابضا في المجلس.
والحاصل: أنّه متى أستوى العوضان جنسًا وعلّةً كبرٍّ ببرٍّ أو ذهبٍ بذهبٍ اشترط ثلاثة شروطٍ: التّساوي وعلمهما به يقينًا عند العقد والحلول, والتّقابض قبل التّفرّق,

 

ج / 1 ص -369-      ومتى اختلفا جنسًا واتّحدا علّةً كبرٍّ بشعيرٍ أو ذهبٍ بفضّةٍ اشترط شرطان الحلول والتّقابض وجاز التّفاضل, ومتى اختلفا جنسًا وعلّةً كبرٍّ بذهبٍ أو ثوبٍ لم يشترط شيء من هذه الثّلاثة ؛ فالمراد بالعلّة هنا إمّا الطّعم بأن يقصد الشّيء للاقتيات أو الأدم أو التّفكّه أو التّداوي.
وأمّا النّقديّة: وهي منحصرة في الذّهب والفضّة مضروبةً وغيرها فلا ربا في الفلوس وإن راجت, وزاد المتولّي نوعًا رابعًا وهو ربا القرض, لكنّه في الحقيقة يرجع إلى ربا الفضل لأنّه الّذي فيه شرط يجرّ نفعًا للمقرض فكأنّه أقرضه هذا الشّيء بمثله مع زيادة ذلك النّفع الّذي عاد إليه, وكلّ من هذه الأنواع الأربعة حرام بالإجماع بنصّ الآيات المذكورة والأحاديث الآتية, وكلّ ما جاء في الرّبا من الوعيد شامل للأنواع الأربعة, نعم بعضها معقول المعنى وبعضها تعبّديّ, وربا النّسيئة هو الّذي كان مشهورًا في الجاهليّة لأنّ الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجلٍ على أن يأخذ منه كلّ شهرٍ قدرًا معيّنًا ورأس المال باقٍ بحاله, فإذا حلّ طالبه برأس ماله, فإن تعذّر عليه الأداء زاد في الحقّ والأجل, وتسمية هذا نسيئةً مع أنّه يصدق عليه ربا الفضل أيضًا لأنّ النّسيئة هي المقصودة فيه بالذّات وهذا النّوع مشهور الآن بين النّاس وواقع كثيرًا وكان ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما لا يحرّم إلّا ربا النّسيئة محتجًّا بأنّه المتعارف بينهم فينصرف النّصّ إليه, لكن صحّت الأحاديث بتحريم الأنواع الأربعة السّابقة من غير مطعنٍ ولا نزاعٍ لأحدٍ فيها, ومن ثمّ أجمعوا على خلاف قول ابن عبّاسٍ على أنّه رجع عنه لمّا قال له أبيّ أشهدت ما لم نشهد أسمعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما لم نسمع ثمّ روى له الحديث الصّريح في تحريم الكلّ ثمّ قال له: لا آواني وإيّاك ظلّ بيتٍ ما دمت على هذا فحينئذٍ رجع ابن عبّاسٍ قال محمّد بن سيرين: كنّا في بيت عكرمة فقال له رجل: "أما تذكر ونحن ببيت فلانٍ ومعنا ابن عبّاسٍ فقال إنّما كنت استحللت الصّرف برأيي, ثمّ بلغني أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم حرّمه فاشهدوا أنّي حرّمته وبرئت إلى اللّه منه".
وأبدوا لتحريم الرّبا أمورًا غير مطردةٍ في كلّ أنواعه, ومن ثمّ قلت فيما مرّ إنّ بعضه تعبّديّ: منها: أنّه إذا باع درهمًا بدرهمين نقدًا أو نسيئةً أخذ في الأوّل زيادةً من غير

 

ج / 1 ص -370-      عوضٍ, وحرمة مال المسلم كحرمة دمه وكذا في الثّاني لأنّ انتفاع الأخذ بالدّرهم الزّائد أمر موهوم, فمقابلة هذا الانتفاع الموهوم بدرهمٍ زائدٍ فيه ضرر أيّ ضررٍ.
ومنها: أنّه لو حلّ ربا الفضل لبطلت المكاسب والتّجارات إذ من يحصّل درهمين بدرهمٍ كيف يتجشّم مشقّة كسبٍ أو تجارةٍ وببطلانهما تنقطع مصالح الخلق, إذ مصالح العالم لا تنتظم إلّا بالتّجارات والعمارات والحرف والصّناعات.
ومنها: أنّ الرّبا يفضي إلى انقطاع المعروف والإحسان الّذي في القرض إذ لو حلّ درهم بدرهمين ما سمح أحد بإعطاء درهمٍ بمثله.
ومنها: أنّ الغالب غنى المقرض وفقر المستقرض, فلو مكّن الغنيّ من أخذ أكثر من المثل أضرّ بالفقير ولم يلق برحمة الرّحمن الرّحيم.
وقوله تعالى:
{لا يَقُومُونَ} إلخ: أي لا يقومون من قبورهم {إِلَّا كَمَا يَقُومُ}أي مثل قيام {الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ} أي يصرعه الشّيطان, من خبط البعير بأخفافه إذا ضرب الأرض بها {مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275] أي من أجل مسّه له أو من جهة الجنون, فإذا بعث اللّه النّاس يوم القيامة خرجوا مسرعين من قبورهم إلّا أكلة الرّبا فإنّهم كلّما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم وظهورهم, كما أنّ المصروع يحصل له ذلك, وسرّ ذلك أنّهم لمّا أكلوا هذا الحرام السّحت بوجه المكر والخداع ومحاربة اللّه ورسوله ربا في بطونهم وزاد حتّى أثقلها, فلذلك عجزوا عن النّهوض مع النّاس وصاروا كلّما أرادوا الإسراع مع النّاس ونهضوا سقطوا على ذلك الوجه القبيح وتخلّفوا عنهم ومعلوم أنّ النّار الّتي تحشرهم إلى الموقف كلّما سقطوا وتخلّعوا أكلتهم وزاد عذابهم بها, فجمع اللّه عليهم في الذّهاب إلى الموقف عذابين عظيمين ذلك التّخبّط والسّقوط في ذهابهم, ولفح النّار وأكلها لهم وسوقها إيّاهم بعنفٍ حتّى يصيروا إلى الموقف فيكونون فيه على ذلك التّخبّط ليمتازوا ويشتهروا بين أهل الموقف كما قال قتادة: إنّ آكل الرّبا يبعث يوم القيامة مجنونًا وذلك علم لأكلة الرّبا يعرفهم به أهل الموقف.
وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"لمّا أسري بي مررت بقومٍ بطونهم بين أيديهم كلّ رجلٍ منهم بطنه مثل البيت الضّخم قد مالت بهم بطونهم منضّدين على سابلةٍ": أي طريق آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النّار غدوًّا
وعشيًّا.قال: فيقبلون مثل الإبل المنهزمة لا يسمعون ولا يعقلون, فإذا

 

ج / 1 ص -371-      حسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فلا يستطيعون أن يبرحوا حتّى يغشاهم آل فرعون فيؤذونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدّنيا والآخرة.
قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الّذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلّا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ".
وفي روايةٍ قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لمّا عرج بي سمعت في السّماء السّابعة فوق رأسي رعدًا وصواعق, ورأيت رجالًا بطونهم بين أيديهم كالبيوت فيها حيّات وعقارب ترى من ظاهر بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء أكلة الرّبا".
وسيأتي هذان في الأحاديث مع حديث:
"إيّاك والذّنوب الّتي لا تغفر: الغلول, فمن غلّ شيئًا أتى به يوم القيامة, وأكل الرّبا, فمن أكل الرّبا بعث يوم القيامة مجنونًا, ثمّ قرأ هذه الآية".
وخبر: "يأتي آكل الرّبا يوم القيامة مخبّلًا يجرّ شقّيه ثمّ قرأها أيضًا".
وصحّ في الحديث السّابق بطوله أوّل كتاب الصّلاة أنّ آكل الرّبا يعذّب من حين يموت إلى يوم القيامة بالسّباحة في نهرٍ أحمر مثل الدّم وأنّه يلقم الحجارة كلّما ألقمه حجرًا سبّح به ثمّ عاد فاغرًا فاه فيلقم حجرًا آخر وهكذا إلى البعث, وتلك الحجارة هي نظير المال الحرام الّذي جمعه في الدّنيا فيلقم تلك الحجارة النّاريّة ويعذّب بها كما حاز ذلك المال الحرام وابتلعه, وسيأتي في الأحاديث أنواع العذاب الأليم الّتي أعدّت له وقوله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ} إلخ أي أذاقهم اللّه ذلك العذاب الشّديد بسبب قولهم الفاسد الّذي حكّموا فيه قياس عقولهم القاصرة حتّى قدّموه على النّصّ {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا} جاعلين الرّبا هو الأصل المقيس عليه البيع مبالغةً في حلّه ومحبّته والاعتناء بشأنه ووجه ذلك القياس الفاسد الّذي تخيّلوه أنّه كما يجوز شراء شيءٍ بعشرةٍ ثمّ بيعه بأحد عشر حالًّا أو مؤجّلًا يجوز بيع عشرةٍ بأحد عشر حالًّا أو مؤجّلًا, إذ لا فرق عقلًا بين هذه الصّور مع حصول التّراضي من الجانبين, وغفلوا عن أنّ اللّه تعالى حدّ لنا حدودًا, ونهانا عن مجاوزتها, فوجب علينا امتثال ذلك لأنّ حدود اللّه تعالى لا تقابل بقضيّة رأيٍ ولا عقلٍ, بل يجب قبولها سواء أفهمنا لها معنًى مناسبًا أم لا إذ هذا هو شأن التّكليف والتّعبّد.
والعبد الضّعيف العاجز القاصر الفهم والعقل والرّأي يتعيّن عليه الاستسلام

 

ج / 1 ص -372-      لأوامر سيّده القويّ القادر العليم الحكيم الرّحمن الرّحيم المنتقم الجبّار العزيز القهّار, ومتى حكّم عقله, وعارض به أمر سيّده انتقم منه وأهلكه بعذابه الشّديد {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج: 12] {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14].
وقوله تعالى:
{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ}أي واصلة إليه منه أو من مواعظ ربّه {فَانْتَهَى}أي رجع عمّا كان عليه من أخذ الرّبا فورًا عقب الموعظة {فَلَهُ مَا سَلَفَ}أي سبق ممّا أخذه بالرّبا قبل نزول آية تحريمه, لأنّه حينئذٍ لم يكن مكلّفًا به بخلافه بعد نزول آية تحريمه, فإنّ من تاب منه يلزمه ردّ جميع ما أخذه بالرّبا, وإن فرض أنّه لم يعلم التّحريم لبعده عن العلماء لأنّه تعاطاه وقت التّكليف به والجهل الّذي يعذر به صاحبه إنّما يؤثر في رفع الإثم دون الغرامات ونحوها من الأموال {وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}أي أمر ما سلف, أو المنتهي عن الرّبا أو الرّبا إلى اللّه في العفو وعدمه, أو في استمرار تحريم الرّبا ؛ ثمّ في معنى ذلك وجوه للمفسّرين قال الفخر الرّازيّ: والّذي أختاره أنّها مختصّة بمن ترك استحلال الرّبا من غير بيان أنّه ترك أكله أم لا: أي إلّا باعتبار ما يأتي آخر الآية فإنّه يدلّ على أنّها مختصّة بمن ترك استحلاله مع تعاطيه له, ويدلّ على الاختصاص الأوّل قوله تعالى {فَانْتَهَى}أي عمّا دلّ عليه سابقه وهو قوله: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا}من تحليله.
وقوله:
{وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] أي عاد إلى الكلام المتقدّم وهو: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا}ثمّ إذا انتهى عن استحلاله, فإمّا أنّه انتهى عن أكله أيضًا وليس مرادًا لأنّه لا يليق به وأمره إلى اللّه وإنّما يليق به المدح, أو لم ينته عن أكله مع اعتقاده لحرمته, فهذا هو المراد لأنّه هو الّذي أمره إلى اللّه إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له فهو كقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا}أي معاملةً لفاعليه بنقيض قصدهم فإنّهم آثروه تحصيلًا للزّيادة غير ملتفتين إلى أنّ ذلك يغضب اللّه تعالى, فمحق تلك الزّيادة بل والمال من أصله حتّى صيّر عاقبتهم إلى الفقر المدقع كما هو مشاهد من أكثر من يتعاطاه, وبفرض أنّه مات على غرّةٍ يمحقه اللّه من أيدي ورثته فلا يمرّ عليهم أدنى زمانٍ إلّا وقد صاروا بغاية الفقر والذّلّ والهوان قال صلّى اللّه عليه وسلّم: "الرّبا وإن كثر فإلى قلٍّ".
ومن المحقّ أيضًا ما ترتّب عليه من الذّمّ والبغض, وسقوط العدالة, وزوال

 

ج / 1 ص -373-      الأمانة, وحصول اسم الفسق والقسوة والغلظة وأيضًا فدعاء من ظلم بأخذ ماله عليه باللّعنة وذلك سبب لزوال الخير والبركة عن نفسه وماله, إذ دعوة المظلوم ليس بينها وبين اللّه حجاب: أي كناية عن قبولها ولهذا ورد: "إنّ اللّه تعالى يقول للمظلوم إذا دعا على ظالمه لأنصرنّك ولو بعد حينٍ" وأيضًا فمن اشتهر أنّه جمع مالًا من ربًا تتوجّه إليه المحن الكثيرة من الظّلمة واللّصوص وغيرهم, زاعمين أنّ المال ليس له في الحقيقة, هذا كلّه محق الدّنيا.
وأمّا محق الآخرة فقال ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: "لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حجّ ولا صلة" وأيضًا فإنّه يموت ويترك ماله كلّه وعليه عقوبته وتبعته والعذاب الأليم بسببه.
ومن ثمّ ورد: "مصيبتان لن يصاب أحد بمثلهما أن تترك مالك كلّه وتعاقب عليه كلّه".
وأيضًا صحّ أنّ الأغنياء يدخلون الجنّة بعد الفقراء بخمسمائة عامٍ, فإذا كان هذا في الأغنياء بالمال الحلال المحض, فما ظنّك بذي المال الحرام السّحت, فذلك كلّه هو المحق والنّقصان والخسران المبين والذّلّ والهوان:
{وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} أي يزيدها في الدّنيا بسؤال الملك له أنّ اللّه يعطيه خلفًا كما جاء في الأحاديث الصّحيحة: "إنّه ما من يومٍ إلّا وفيه ملك ينادي: اللّهمّ أعط منفقًا خلفًا" وبأنّه يزداد كلّ يومٍ جاهه وذكره الجميل, وميل القلوب إليه, والدّعاء الخالص له من قلوب الفقراء وانقطاع الأطماع عنه فإنّه متى اشتهر بإصلاح مهمّات الفقراء أو الضّعفاء فكلّ أحدٍ يحترز عن أذيّته والتّعرّض له, وكلّ طمّاعٍ وظالمٍ يتخوّف من التّعرّض إليه, وفي الآخرة بتربيتها إلى أن تصير اللّقمة كالجبل, كما صحّ في الأحاديث السّابقة أواخر الزّكاة {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة: 275] كلاهما صيغة مبالغةٍ من الكفر والإثم لاستمرار مستحلّ الرّبا وآكله عليهما وتماديه في ذلك, ثمّ يصحّ رجوعهما معًا للمستحلّ ولا إشكال فيه أو الأوّل له والثّاني لغيره ولا إشكال أيضًا ويصحّ أيضًا رجوعهما معًا إلى غير المستحلّ ويكون على حدّ: "من ترك الصّلاة فقد كفر أو الحجّ فقد كفر, ومن أتى امرأته وهي حائض فقد كفر, ومن أتاها في دبرها فقد كفر": أي قارب الكفر كما مرّ في الحجّ, بمعنى أنّ تلك الأعمال الخبيثة إذا داوم عليها فاعلها أدّت به إلى الكفر وسوء الخاتمة والعياذ باللّه, وفي هذا تحذير عظيم بالغ من الرّبا, وأنّه يؤدّي بمتعاطيه إلى أن يوقعه في أقبح أنواع الكفر وأفظعها.
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} إلخ أردفه تعالى بما مرّ جريًا على عادة

 

ج / 1 ص -374-      القرآن من شفع الرّهبة بالرّغبة وعكسه تذكيرًا بالعواقب وتمييزًا لمقام المطيع من العاصي, ومبالغةً في الثّناء على ذلك وفي الذّمّ لهذا {اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا}أي في ذمّة المدين, وبيّن تعالى بهذا مع قوله: {فَلَهُ مَا سَلَفَ}أنّ نزول تحريم الرّبا لا يحرّم ما سلف أخذه قبل التّحريم, بخلاف ما بقي بعد التّحريم فإنّه يحرّمه فليس له إلّا رأس ماله فقط, لأنّه لمّا كلّف به قبل أخذه صار أخذه محرّمًا عليه وسبب نزول هذه الآية أنّ أهل مكّة أو بعضهم أو بعض أهل الطّائف كانوا يرابون, فلمّا أسلموا عند فتحها تخاصموا في الرّبا الّذي لم يقبض, فنزلت آمرةً لهم بأخذ رءوس أموالهم فقط.
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم في خطبته بعرفة في حجّة الوداع:
"ألا كلّ شيءٍ من أمر الجاهليّة تحت قدمي موضوع, ثمّ قال: وربا الجاهليّة موضوع, وأوّل ربًا أضع من ربانا ربا العبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه".
وقوله تعالى:
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}أي بأن لم تنتهوا عن الرّبا {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}أي ومن حاربه اللّه ورسوله لا يفلح أبدًا.
ثمّ المراد بذلك الحرب إمّا في الدّنيا, إذ يجب على حكّام الشّريعة أنّهم إذا علموا من شخصٍ تعاطي الرّبا عزّروه عليه بالحبس وغيره إلى أن يتوب, فإن كانت له شوكة ولم يقدروا عليه إلّا بنصب حربٍ وقتالٍ نصبوا له الحرب والقتال, كما قاتل أبو بكرٍ رضي اللّه عنه مانعي الزّكاة.
وقال ابن عبّاسٍ: من عامل بالرّبا استتيب فإن تاب وإلّا ضربت عنقه, فيحتمل حمله على المستحلّ ويحتمل الإطلاق وهما قولان في الآية, فقيل الإيذان بالحرب إنّما هو للمستحلّ, وقيل بل له ولغيره والأوّل أنسب بنظم الآية إذ قوله:
{إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}أي بتحريم الرّبا {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا}أي فإن لم تؤمنوا بتحريمه {فَأْذَنُوا}إلخ, وأمّا في الآخرة بأن يختم اللّه له بسوءٍ, ومن ثمّ كان اعتياد الرّبا والتّورّط فيه علامةً على سوء الخاتمة, إذ من حاربه اللّه ورسوله كيف يختم له مع ذلك بخيرٍ؟ وهل محاربة اللّه ورسوله له إلّا كناية عن إبعاده عن مواطن رحمته وإحلاله في دركات شقاوته {وَإِنْ تُبْتُمْ}أي عن استحلاله على القول الأوّل أو عن معاملته على القول الثّاني {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ}أي الغريم بأخذ زيادةٍ منه على رأس المال {وَلا تُظْلَمُونَ}أي بنقصكم عن رءوس أموالكم ولمّا نزلت

 

ج / 1 ص -375-      هذه الآية قال المرابون بل نتوب إلى اللّه فإنّه لا طاقة لنا بحرب اللّه ورسوله, فرضوا برأس المال فشكا المدينون الإعسار فأبوا الصّبر عليهم فنزل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] أي فيلزمكم أن تمهلوه إلى يساره, وكذا يجب إنظار المعسر في كلّ دينٍ أخذًا بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب وأخذ جمع به, هذا ما يتعلّق ببعض هذه الآيات.
وأمّا ما يتعلّق بالآية الآخرة وهي قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا}إلخ ؛ فسبب نزولها أنّ الرّجل كان في الجاهليّة إذا كان له على غيره مائة درهمٍ مثلًا إلى أجلٍ وأعسر المدين قال له زدني في المال حتّى أزيد في الأجل فربّما جعله مائتين, فإذا حلّ الأجل الثّاني فعل مثل ذلك, وهكذا إلى آجال كثيرةٍ فيأخذ في تلك المائة أضعافًا, فلذا قال اللّه تعالى: {أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ}أي بترك الرّبا {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}أي تظفرون ببغيتكم, وفيه إشارة إلى أنّ من لم يترك الرّبا لا يحصل له شيء من الفلاح, وسببه ما مرّ في تلك الآية من أنّ اللّه حاربه هو ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم, ومن حاربه اللّه ورسوله كيف يتصوّر له فلاح؟ ففي هذه الآية أيضًا إيماء إلى سوء خاتمته ودوام عقوبته ومن ثمّ قال تعالى عقبها: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}أي هيّئت لهم بطريق الذّات ولغيرهم بطريق التّبع, أو المراد أنّ أكثر دركاتها أعدّت للكافرين فلا ينافي أنّ بعض عصاة المؤمنين يدخلونها, ففيها إشارة إلى أنّ من بقي على الرّبا يكون مع الكفّار في تلك النّار الّتي أعدّت لهم, لما تقرّر من تلك المحاربة الّتي حصلت له وأدّت به إلى سوء الخاتمة {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
وتأمّل وصف اللّه تعالى تلك النّار بكونها أعدّت للكافرين, فإنّ فيه غاية الوعيد والزّجر لأنّ المؤمنين المخاطبين باتّقاء المعاصي إذا علموا بأنّهم متى فارقوا التّقوى دخلوا النّار المعدّة للكافرين, وقد تقرّر في عقولهم عظمة عقوبة الكافرين انزجروا عن المعاصي أتمّ الانزجار.
فتأمّل عفا اللّه عنّا وعنك ما ذكره اللّه تعالى في هذه الآيات من وعيد آكل الرّبا يظهر لك إن كان لك أدنى بصيرةٍ قبح هذه المعصية ومزيد فحشها, وعظيم ما يترتّب من العقوبات عليها, سيّما محاربة اللّه ورسوله اللّذين لم يترتّبا على شيءٍ من

 

ج / 1 ص -376-      المعاصي إلّا معاداة أولياء اللّه تعالى المقاربة لفحش هذه الجناية وقبحها وإذا ظهر لك ذلك رجعت وتبت إلى اللّه تعالى عن هذه الفاحشة المهلكة في الدّنيا والآخرة, وقد شرح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما طوى التّصريح به في تلك الآيات من تلك العقوبات والقبائح الحاصلة لأهل الرّبا في أحاديث كثيرةٍ صحيحةٍ وغيرها أحببت هنا ذكر كثيرٍ منها ليتمّ لمن سمعها مع ما مرّ الانزجار عنها إن شاء اللّه تعالى.
فمنها: أخرج الشّيخان وأبو داود والنّسائيّ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:
"اجتنبوا السّبع الموبقات: أي المهلكات, قالوا يا رسول اللّه وما هنّ؟ قال: الشّرك باللّه, والسّحر, وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ, وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم, والتّولّي يوم الزّحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
والنّسائيّ مختصرًا ومرّ في باب الصّلاة مطوّلًا:
"رأيت اللّيلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرضٍ مقدّسةٍ فانطلقنا حتّى أتينا على نهرٍ من دمٍ فيه رجل قائم وعلى شطّ النّهر رجل بين يديه حجارة, فأقبل الرّجل الّذي في النّهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرّجل بحجرٍ في فيه فردّه حيث كان, فجعل كلّما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ فيرجع كما كان. فقلت ما هذا الّذي رأيته في النّهر؟ قال آكل الرّبا".
ومسلم والنّسائيّ:
"لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آكل الرّبا وموكله".
ورواه أبو داود والتّرمذيّ وصحّحه وابنا خزيمة وحبّان في صحيحه كلّهم من رواية عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن مسعودٍ عن أبيه ولم يسمع منه, وزادوا فيه: "وشاهديه وكاتبه".
ومسلم وغيره:
"لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء".
والبزّار من رواية عمرو بن أبي شيبة, ولا بأس به في المتابعات:
"الكبائر سبع أوّلهنّ الإشراك باللّه وقتل النّفس بغير حقّها وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم وفرار يوم الزّحف وقذف المحصنات والانتقال إلى الأعراب بعد هجرته".
والبخاريّ وأبو داود:
"لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الواشمة والمستوشمة وآكل الرّبا وموكله, ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغيّ ولعن المصوّرين".

 

ج / 1 ص -377-      وأحمد وأبو يعلى وابنا خزيمة وحبّان في صحيحيهما من رواية الحارث وهو الأعور, واختلف فيه كما مرّ عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه قال: "آكل الرّبا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به, والواشمة والمستوشمة للحسن, ولاوي الصّدقة, والمرتدّ أعرابيًّا بعد الهجرة ملعونون على لسان محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم".
والحاكم وصحّحه واعترض بأنّ فيه واهيًا: "أربع حقّ على اللّه أن لا يدخلهم الجنّة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر وآكل الرّبا, وآكل مال اليتيم بغير حقٍّ, والعاقّ لوالديه".
والحاكم وقال صحيح على شرط الشّيخين والبيهقيّ من طريقه وقال هذا إسناد صحيح والمتن بهذا منكر الإسناد ولا أعلمه إلّا وهمًا وكأنّه دخل لبعض رواته إسناد إلى إسنادٍ:
"الرّبا ثلاث وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرّجل أمّه".
والبزّار بسندٍ رواته رواة الصّحيح:
"الرّبا بضع وسبعون بابًا والشّرك مثل ذلك".
وروى ابن ماجه شطره الأوّل بسندٍ صحيحٍ والبيهقيّ:
"الرّبا سبعون بابًا أدناها الّذي يقع على أمّه", رواه بإسنادٍ لا بأس به ثمّ قال غريب بهذا الإسناد, وإنّما يعرف بعبد اللّه بن زيادٍ عن عكرمة يعني ابن عمّارٍ قال: وعبد اللّه بن زيادٍ هذا منكر الحديث.
والطّبرانيّ في الكبير عن عبد اللّه بن سلامٍ رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"الدّرهم يصيبه الرّجل من الرّبا أعظم عند اللّه من ثلاثٍ وثلاثين زنيةً يزنيها في الإسلام", وفي سنده انقطاع.
وروى ابن أبي الدّنيا والبغويّ وغيرهما موقوفًا على عبد اللّه وهو الصّحيح, وهذا الموقوف في حكم المرفوع, لأنّ كون الدّرهم أعظم وزرًا من هذا العدد المخصوص من الزّنا لا يدرك إلّا بوحيٍ فكأنّه سمعه منه صلّى اللّه عليه وسلّم, ولفظ الموقوف في أحد طرقه.
قال عبد اللّه:
"الرّبا اثنان وسبعون حوبًا أي بضمّ المهملة وبفتحها إثمًا أصغرها حوبًا كمن أتى أمّه في الإسلام, ودرهم من الرّبا أشدّ من بضعٍ وثلاثين زنيةً قال: ويأذن اللّه للبرّ والفاجر بالقيام يوم القيامة إلّا آكل الرّبا فإنّه لا يقوم إلّا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ".

 

ج / 1 ص -378-      وأحمد بإسنادٍ جيّدٍ عن كعب الأحبار قال: "لأن أزني ثلاثًا وثلاثين زنيةً أحبّ إليّ من أن آكل درهم ربًا يعلم اللّه أنّي أكلته حين أكلته ربًا".
وأحمد بسندٍ صحيحٍ والطّبرانيّ أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"درهم ربًا يأكله الرّجل وهو يعلم أشدّ من ستّةٍ وثلاثين زنيةً".
وابن أبي الدّنيا والبيهقيّ: "خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر أمر الرّبا وعظم شأنه وقال: إنّ الدّرهم يصيبه الرّجل من الرّبا أعظم عند اللّه في الخطيئة من ستّةٍ وثلاثين زنيةً يزنيها الرّجل وإنّ أربى الرّبا عرض الرّجل المسلم".
والطّبرانيّ في الصّغير والأوسط:
"من أعان ظالمًا بباطلٍ ليدحض به حقًّا فقد برئ من ذمّة اللّه وذمّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ومن أكل درهمًا من ربًا فهو مثل ثلاثٍ وثلاثين زنيةً ومن نبت لحمه من سحتٍ فالنّار أولى به".
والبيهقيّ: "إنّ الرّبا نيّف وسبعون بابًا أهونهنّ بابًا مثل من أتى أمّه في الإسلام, ودرهم من ربا أشدّ من خمسٍ وثلاثين زنيةً" الحديث.
والطّبرانيّ في الأوسط من رواية عمرو بن راشدٍ وقد وثّق:
"الرّبا اثنان وسبعون بابًا أدناها مثل إتيان الرّجل أمّه, وإنّ أربى الرّبا استطالة الرّجل في عرض أخيه".
وابن ماجه والبيهقيّ عن أبي معشرٍ وقد وثّق عن أبي سعيدٍ المقبريّ عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"الرّبا سبعون حوبًا أيسرها أن ينكح الرّجل أمّه".
والحاكم وصحّحه عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما قال:
"نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن تشترى الثّمرة حتّى تعظم"وقال: "إذا ظهر الزّنا والرّبا في قريةٍ فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب اللّه".
وأبو يعلى بإسنادٍ جيّدٍ عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه أنّه ذكر حديثًا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيه:
"ما ظهر في قومٍ الزّنا والرّبا إلّا أحلّوا بأنفسهم عذاب اللّه".
وأحمد بإسنادٍ فيه نظر:
"ما من قومٍ يظهر فيهم الرّبا إلّا أخذوا بالسّنة, وما من قومٍ يظهر فيهم الرّشا إلّا أخذوا بالرّعب" والسّنة العام المقحط نزل فيه غيث أم لا.
وأحمد في حديثٍ, طويلٍ وابن ماجه مختصرًا والأصبهانيّ:
"رأيت ليلة أسري بي

 

ج / 1 ص -379-      لمّا انتهينا إلى السّماء السّابعة, فنظرت فوقي فإذا أنا برعدٍ وبروقٍ وقواصف, قال: فأتيت على قومٍ بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى من خارج بطونهم قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء أكلة الرّبا".
والأصبهانيّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"لمّا عرج بي إلى السّماء نظرت في سماء الدّنيا فإذا رجال بطونهم كأمثال البيوت العظام قد مالت بطونهم وهم منضّدون على سابلة آل فرعون موقوفون على النّار كلّ غداةٍ وعشيٍّ يقولون ربّنا لا تقم السّاعة أبدًا, قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء, أكلة الرّبا من أمّتك لا يقومون إلّا كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ".
قال الأصبهانيّ: قوله منضّدون: أي مطروحون: أي طرح بعضهم على بعضٍ, والسّابلة المارّة: أي يطؤهم آل فرعون الّذين يعرضون على النّار كلّ غداةٍ وعشيٍّ.
والطّبرانيّ بسندٍ صحيحٍ:
"بين يدي السّاعة يظهر الزّنا والرّبا والخمر".
والطّبرانيّ بسندٍ لا بأس به عن القاسم بن عبد اللّه الورّاق قال: "رأيت عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنه في سوق الصّيارفة فقال يا معشر الصّيارفة أبشروا, قالوا بشّرك اللّه بالجنّة, بم تبشّرنا يا أبا محمّدٍ؟ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للصّيارفة أبشروا بالنّار".
والطّبرانيّ: "إيّاك والذّنوب الّتي لا تغفر الغلول فمن غلّ شيئًا أتى به يوم القيامة, وأكل الرّبا فمن أكل الرّبا بعث يوم القيامة مجنونًا يتخبّط, ثمّ قرأ صلّى اللّه عليه وسلّم:
{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275].
والأصبهانيّ: "يأتي آكل الرّبا يوم القيامة مخبّلًا: أي مجنونًا يجرّ شقّيه, ثمّ قرأ:
{لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}.
وابن ماجه والحاكم وصحّحه:
"ما أحد أكثر من الرّبا إلّا كان عاقبة أمره إلى قلّةٍ", والحاكم وصحّحه أيضًا: "الرّبا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلٍّ".
وأبو داود وابن ماجه كلاهما عن الحسن عن أبي هريرة, واختلف في سماعه

 

ج / 1 ص -380-      منه والجمهور على عدمه: "ليأتينّ على النّاس زمان لا يبقى منهم أحد إلّا أكل الرّبا فمن لم يأكله أصابه من غباره".
وعبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند:
"والّذي نفسي بيده ليبيتنّ أناس من أمّتي على أشرٍ وبطرٍ ولهوٍ ولعبٍ فيصبحوا قردةً وخنازير باستحلالهم المحارم واتّخاذهم القينات وشربهم الخمر وبأكلهم الرّبا ولبسهم الحرير".
وأحمد مختصرًا والبيهقيّ واللّفظ له:
"يبيت قوم من هذه الأمّة على طعمٍ وشربٍ ولهوٍ ولعبٍ فيصبحون قد مسخوا قردةً وخنازير, وليصيبنّهم خسف وقذف حتّى يصبح النّاس فيقولون خسف اللّيلة ببيت فلانٍ وخسف اللّيلة بدار فلانٍ, ولترسلنّ عليهم حجارة من السّماء كما أرسلت على قوم لوطٍ على قبائل منها وعلى دورٍ بشربهم الخمر ولبسهم الحرير واتّخاذهم القينات وأكلهم الرّبا وقطيعتهم الرّحم" وخصلة نسيها راويه.
القينات جمع قينةٍ: وهي المغنّية.
تنبيه: عدّ الرّبا كبيرةً هو ما أطبقوا عليه اتّباعًا لما جاء في الأحاديث الصّحيحة من تسميته كبيرةً بل من أكبر الكبائر وأعظمها.
وروى الشّيخان وأبو داود والنّسائيّ أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"اجتنبوا السّبع الموبقات, قيل يا رسول اللّه وما هنّ؟ قال: الشّرك باللّه, والسّحر, وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ, وأكل مال اليتيم, والرّبا, والتّولّي يوم الزّحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".
وفي روايةٍ للبيهقيّ:
"الكبائر تسع أعظمهنّ إشراك باللّه وقتل نفس مؤمنٍ وأكل الرّبا" الحديث.
وفي روايةٍ للبزّار: وفي سندها من ضعّفه شعبة وغيره ووثّقه ابن حبّان وغيره:
"الكبائر أوّلهنّ الإشراك باللّه وقتل النّفس بغير حقّها وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم" الحديث.
وفي أخرى للطّبرانيّ في سندها ابن لهيعة:
"اجتنبوا الكبائر السّبع: الشّرك باللّه, وقتل النّفس, والفرار من الزّحف, وأكل مال اليتيم, وأكل الرّبا" الحديث.

 

ج / 1 ص -381-      وفي أخرى لابن مردويه في تفسيره في سندها ضعيف: "كتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسّنن والدّيات, وبعث به عمرو بن حزمٍ رضي اللّه عنه, وكان في الكتاب: إنّ أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة إشراك باللّه, وقتل النّفس المؤمنة بغير حقٍّ, والفرار في سبيل اللّه يوم الزّحف, وعقوق الوالدين, ورمي المحصنة وتعلّم السّحر وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم" ويستفاد من الأحاديث السّابقة أيضًا: أنّ آكل الرّبا وموكله وكاتبه وشاهده والسّاعي فيه والمعين عليه كلّهم فسقة, وأنّ كلّ ماله دخل فيه كبيرة وقد صرّح ببعض ذلك بعض أئمّتنا وهو ظاهر جليّ فلذلك عدّت تلك كلّها كبائر.
"الكبيرة الخامسة والثّمانون بعد المائة:
الحيل في الرّبا وغيره عند من قال بتحريمها"
قال بعضهم: ورد أنّ أكلة الرّبا يحشرون في صورة الكلاب والخنازير من أجل حيلهم على أكل الرّبا كما مسخ أصحاب السّبت حين تحيّلوا على اصطياد الحيتان الّتي نهاهم اللّه عن اصطيادها يوم السّبت, فحفروا لها حياضًا تقع فيها يوم السّبت حتّى يأخذوها يوم الأحد فلمّا فعلوا ذلك مسخهم اللّه قردةً وخنازير, وهكذا الّذين يتحيّلون على الرّبا بأنواع الحيل فإنّ اللّه تعالى لا يخفى عليه حيل المحتالين قال أبو أيّوب السّختيانيّ: يخادعون اللّه كما يخادعون آدميًّا ولو أتوا الأمر عيانًا كان أهون عليهم انتهى.
تنبيه: الحيلة في الرّبا وغيره قال بتحريمها الإمامان مالك وأحمد رضي اللّه عنهما وقياس الاستدلال لها بما ذكر أن يكون أخذ الرّبا بالحيلة كبيرةً عند القائلين بتحريم الحيلة وإن وقع الخلاف في حلّه حينئذٍ ؛ وذهب الشّافعيّ وأبو حنيفة رضي اللّه عنهما إلى جواز الحيلة في الرّبا وغيره, واستدلّ أصحابنا لحلّها بما صحّ "أنّ عامل خيبر جاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بتمرٍ كثيرٍ جيّدٍ فقال له أكلّ تمر خيبر هكذا؟ قال لا وإنّما نردّ الرّديء ونأخذ بالصّاعين منه صاعًا جيّدًا فنهاه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك وأعلمه أنّه ربًا ثمّ علّمه الحيلة فيه وهي أنّه يبيع الرّديء بدراهم ويشتري بها الجيّد" وهذه من الحيل الّتي وقع الخلاف فيها فإنّ من معه صاعان رديئان يريد أن يأخذ في مقابلتهما صاعًا جيّدًا لا يمكنه ذلك من غير توسّط عقدٍ آخر لأنّه ربًا إجماعًا, فإذا باعه الرّديئين بدرهمٍ

 

ج / 1 ص -382-      واشترى بالدّرهم الّذي في ذمّته الجيّد خرج عن الرّبا إذ لم يقع العقد إلّا على مطعومٍ ونقدٍ دون مطعومين فاضمحلّت صورة الرّبا, فأيّ وجهٍ للتّحريم حينئذٍ؟ فعلم ممّا تقرّر أنّ هذه الحيلة الّتي علّمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعامل خيبر نصّ في جواز مطلق الحيلة في الرّبا وغيره إذ لا قائل بالفرق.
وأمّا ما استدلّ به أولئك من قصّة اليهود المذكورة فهو مبنيّ على أنّ شرع من قبلنا شرع لنا.
والأصحّ المقرّر في الأصول خلافه وعلى التّنزّل فمحلّه حيث لم يرد في شرعنا ما يخالفه, وقد علمت ممّا تقرّر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه ورد في شرعنا ما يخالفه, وذيل الاستدلال في هذه المسألة وغيرها طويل, ومحلّ بسطه كتب الفقه والخلاف.

باب المناهي من البيوع
"الكبيرة السّادسة والثّمانون بعد المائة: منع الفحل"
عن بريدة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"أكبر الكبائر الإشراك باللّه, وعقوق الوالدين, ومنع فضل الماء, ومنع الفحل", رواه البزّار.
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ما وقع في كلام الجلال البلقينيّ لكنّه قال بعد ذلك إسناد حديثه ضعيف ولا يبلغ ضرره ضرر غيره من الكبائر, وإنّما ذكرناه لتقدّم ذكره في الحديث انتهى.
ويؤيّده أنّ منع إعارة الفحل للضّراب غاية أمره أنّه مكروه, وبتقدير صحّته يمكن حمله على ما لو اضطرّ أهل ناحيةٍ إلى فحلٍ لفقد غيره بناحيتهم, فحينئذٍ لا يبعد القول بوجوب تمكينه من الضّراب لأنّ في ولادة الإناث حياةً للأرواح وللأبدان بالألبان وغيرها لكن لا يلزمه ذلك مجّانًا.
فإن قلت: كيف تتصوّر الإجارة هنا, وقد صحّ نهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن عسب الفحل وهو بيع ضرابه أو مائه أو أجرة ضرابه؟
قلت: يمكن تصويرها بأن يستأجر صاحب الأنثى الفحل بمالٍ معيّنٍ زمنًا معيّنًا ولو ساعةً لأن ينتفع به ما شاء فتصحّ هذه الإجارة كما هو قياس كلامهم في بابها, ويستوفي منافعه ولو بأن يحمله على أنثاه لأنّ ما لا يجوز الاستئجار له قصدًا يجوز له تبعًا.

 

ج / 1 ص -383-      الكبيرة السّابعة والثّمانون بعد المائة:
أكل المال بالبيوعات الفاسدة وسائر وجوه الأكساب المحرّمة"

قال اللّه تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] واختلفوا في المراد به, فقيل الرّبا والقمار والغصب والسّرقة والخيانة وشهادة الزّور وأخذ المال باليمين الكاذبة, وقال ابن عبّاسٍ: هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوضٍ وعليه قيل لمّا نزلت الآية تحرّجوا من أن يأكلوا عند أحدٍ شيئًا حتّى نزلت آية النّور {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} [النور: 61] إلى آخرها وقيل: هو العقود الفاسدة, والوجه قول ابن مسعودٍ إنّها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة ا هـ, وذلك لأنّ الأكل بالباطل يشمل كلّ مأخوذٍ بغير حقٍّ سواء كان على جهة الظّلم كالغصب والخيانة والسّرقة, أو الهزؤ واللّعب كالمأخوذة بالقمار والملاهي وسيأتي ذلك كلّه, أو على جهة المكر والخديعة كالمأخوذة بعقدٍ فاسدٍ ويؤيّد ما ذكرته قول بعضهم: الآية تشمل أكل الإنسان مال نفسه بالباطل بأن يتفقّه في محرّمٍ ومال غيره به كالأمثلة المذكورة.
وقوله تعالى:
{إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}استثناء منقطع لأنّ التّجارة ليست من جنس الباطل بأيّ معنًى أريد به وتأويله بالسّبب ليكون متّصلًا ليس في محلّه والتّجارة وإن اختصّت بعقود المعاوضات إلّا أنّ نحو القرض والهبة ملحق بها بأدلّةٍ أخرى.
وقوله تعالى:
{عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] أي طيب نفسٍ على الوجه المشروع, وتخصيص الأكل فيها بالذّكر ليس للتّقييد به بل لكونه أغلب وجوه
الانتفاعات على حدّ
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10]وأدلّة هذا المبحث والتّغليظات الواردة فيه من السّنّة كثيرة فلنقتصر على بعضها.
أخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
"إنّ اللّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبًا, وإنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين" فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172] ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ يا ربّ ومطعمه حرام ومشربه

 

ج / 1 ص -384-      حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك".
والطّبرانيّ بإسنادٍ حسنٍ: "طلب الحلال واجب على كلّ مسلمٍ".
والطّبرانيّ والبيهقيّ: "طلب الحلال فريضة بعد الفرائض".
والتّرمذيّ وقال حسن صحيح غريب والحاكم وصحّحه:
"من أكل طيّبًا وعمل في سنّةٍ وأمن النّاس بوائقه دخل الجنّة, قالوا يا رسول اللّه: إنّ هذا في أمّتك اليوم كثير, قال وسيكون في قرونٍ بعدي".
وأحمد وغيره بإسنادٍ حسنٍ:
"أربع إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدّنيا: حفظ أمانةٍ, وصدق حديثٍ, وحسن خلقٍ, وعفّة في طعمةٍ".
والطّبرانيّ: "طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته وكرمت علانيته وعزل عن النّاس شرّه.
طوبى لمن عمل بعلمه وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله".
والطّبرانيّ: "يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدّعوة والّذي نفس محمّدٍ بيده إنّ العبد ليقذف اللّقمة الحرام في جوفه ما يتقبّل منه عمل أربعين يومًا, وأيّما عبدٍ نبت لحمه من سحتٍ فالنّار أولى به".
والبزّار وفيه نكارة: "إنّه لا دين لمن لا أمانة له ولا صلاة ولا زكاة, إنّه من أصاب مالًا من حرامٍ فلبس جلبابًا يعني قميصًا لم تقبل صلاته حتّى ينحّي ذلك الجلباب عنه ؛ إنّ اللّه تبارك وتعالى أكرم وأجلّ من أن يقبل عمل رجلٍ أو صلاته وعليه جلباب من حرامٍ".
وأحمد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم من حرامٍ لم يقبل اللّه عزّ وجلّ له صلاةً ما دام عليه ثمّ أدخل إصبعيه في أذنيه ثمّ قال صمتًا إن لم يكن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم سمعته يقوله".
والبيهقيّ: "من اشترى سرقةً وهو يعلم أنّها سرقة فقد اشترك في عارها وإثمها".
قال الحافظ المنذريّ: في إسناده احتمال للتّحسين ويشبه أن يكون موقوفًا.
وأحمد بسندٍ جيّدٍ:"والّذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب به إلى

 

ج / 1 ص -385-      الجبل فيحتطب ثمّ يأتي فيحمله على ظهره فيأكل خير له من أن يجعل في فيه ما حرّم اللّه عليه".
وابنا خزيمة وحبّان في صحيحيهما والحاكم: "من جمع مالًا حرامًا ثمّ تصدّق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه".
والطّبرانيّ: "من كسب مالًا حرامًا فأعتق منه ووصل منه رحمه كان ذلك إصرًا عليه".
وأحمد وغيره بسندٍ حسّنه بعضهم: "إنّ اللّه قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم, وإنّ اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ, ولا يعطي الدّين إلّا لمن يحبّ, ومن أعطاه اللّه
الدّين فقد أحبّه, والّذي نفسي بيده لأسلم أو لا يسلم عبد حتّى سلم أو يسلم قلبه ولسانه, ولا يؤمن حتّى يأمن جاره بوائقه, قالوا وما بوائقه يا رسول اللّه؟ قال غشّه وظلمه, ولا يكسب عبد مالًا من حرامٍ فيتصدّق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظفره إلّا كان زاده إلى النّار إنّ اللّه تعالى لا يمحو السّيّئ بالسّيّئ, ولكن يمحو السّيّئ بالحسن, إنّ الخبيث لا يمحو الخبيث".
والتّرمذيّ وقال حسن صحيح غريب: "سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكثر ما يدخل النّاس النّار؟ قال الفم والفرج, وسئل عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة؟ قال تقوى اللّه وحسن الخلق".
والتّرمذيّ وصحّحه:
"ما تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يسأل عن أربعٍ: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه".
والبيهقيّ: "الدّنيا خضرة حلوة, من اكتسب فيها مالًا من حلّه وأنفقه في حقّه أثابه اللّه عليه وأورده جنّته, ومن اكتسب فيها مالًا من غير حلّه وأنفقه في غير حقّه أورده اللّه دار الهوان, وربّ متخوّضٍ في مال اللّه ورسوله له النّار يوم القيامة, يقول اللّه تعالى:
{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97].
وابن حبّان في صحيحه:
"لا يدخل الجنّة لحم ودم نبتا من سحتٍ والنّار أولى به".

 

ج / 1 ص -386-      والتّرمذيّ: "لا يربو لحم نبت من سحتٍ إلّا كانت النّار أولى به", والسّحت بضمٍّ فسكونٍ أو ضمٍّ: الحرام, وقيل الخبيث من المكاسب وفي روايةٍ بسندٍ حسنٍ: "لا يدخل الجنّة جسد غذّي بحرامٍ".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو صريح ما في هذه الأحاديث وهو ظاهر لأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل قال بعضهم: قال العلماء رضي اللّه عنهم: ويدخل في هذا الباب المكّاس والخائن والسّارق والبطّاط وآكل الرّبا وموكله وآكل مال اليتيم وشاهد الزّور, ومن استعار شيئًا فجحده, وآكل الرّشوة, ومنتقص الكيل والوزن, ومن باع شيئًا فيه عيب فغطّاه, والمقامر والسّاحر والمنجّم والمصوّر والزّانية والنّائحة والدّلّال إذا أخذ أجرته بغير إذن البائع, ومخبّر المشتري بالزّائد, ومن باع حرًّا فأكل ثمنه انتهى.
وهذا يؤيّد ما قدّمته في تفسير الآية من أنّ الباطل فيها يعمّ هذه الأشياء كلّها وما في معناها من كلّ شيءٍ أخذ بغير وجهه الشّرعيّ.
ورد أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"يؤتى يوم القيامة بأناسٍ معهم من الحسنات كأمثال جبال تهامة حتّى إذا جيء بهم جعلها اللّه هباءً منثورًا ثمّ يقذف بهم في النّار قيل يا رسول اللّه كيف ذلك؟ قال كانوا يصلّون ويصومون ويزكّون ويحجّون غير أنّهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه فأحبط اللّه أعمالهم".
ورئي بعض الصّالحين في النّوم فقيل له ما فعل اللّه بك؟ قال خيرًا غير أنّي محبوس عن الجنّة بإبرةٍ استعرتها ولم أردّها وقال سفيان الثّوريّ: من أنفق الحرام في الطّاعة فهو كمن طهّر الثّوب بالبول وقال عمر رضي اللّه عنه: كنّا ندع تسعة أعشار الحلال مخافةً من الوقوع في الحرام وقال بلتعة بن الورد: لو قمت قيام السّارية ما نفعك حتّى تنظر ما يدخل في بطنك.
وروي في حديثٍ:
"إنّ ملكًا على بيت المعذّبين ينادي كلّ يومٍ أو كلّ ليلةٍ: من أكل حرامًا لم يقبل منه صرف ولا عدل" وقال ابن المبارك: لأن أردّ درهمًا من شبهةٍ أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمائة ألفٍ ومائة ألف ومائة ألفٍ.
وفي حديثٍ:
"من حجّ بمالٍ حرامٍ فقال لبّيك, قال اللّه تعالى لا لبّيك ولا سعديك وحجّك مردود عليك" وقال ابن أسباطٍ: إذا تعبّد الشّابّ قال الشّيطان

 

ج / 1 ص -387-      لأعوانه: انظروا من أين مطعمه, فإن كان مطعمه مطعم سوءٍ يقول دعوه يتعب ويجتهد فقد كفاكم نفسه أي لأنّ اجتهاده مع أكله الحرام لا ينفعه وقال إبراهيم بن أدهم: أطب مطعمك وما عليك أن لا تقوم اللّيل ولا تصوم النّهار وصحّ: "لا يكون العبد من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس" وصحّ: "فضل العلم خير من فضل العبادة, وخير دينكم الورع".
وصحّ أيضًا:
"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك, البرّ ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب, والإثم ما حاك في القلب وتردّد الصّدر وإن أفتاك النّاس وأفتوك".
وروى أبو داود والنّسائيّ:
"إنّ الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات, وسأضرب لكم في ذلك مثلًا: إنّ للّه تعالى حمًى وإنّ حمى اللّه ما حرّم وإنّ من يرتع حول الحمى يوشك أن يخالطه فإنّه من يخالط الرّيبة يوشك أنّه يجسر".
والبخاريّ والنّسائيّ:
"الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهة, فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك", ومن اجترأ أي بالهمز أقدم على ما يشكّ فيه من الإثم
أوشك أي بفتح أوّله وثالثه كاد وأسرع أن يواقع ما استبان, والمعاصي حمى اللّه ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه".
الكبيرة الثّامنة والثّمانون بعد المائة الاحتكار
أخرج مسلم وأبو داود أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من احتكر طعامًا فهو خاطئ".
والتّرمذيّ وصحّحه وابن ماجه: "لا يحتكر إلّا خاطئ" قال أهل اللّغة: الخاطئ بالهمزة العاصي الآثم.
وأحمد وأبو يعلى والبزّار والحاكم:
"من احتكر طعامًا أربعين ليلةً فقد برئ من اللّه وبرئ اللّه منه, وأيّما أهل عرصةٍ أصبح فيهم امرؤ جائعًا فقد برئت منهم ذمّة اللّه تبارك وتعالى".
قال الحافظ المنذريّ: وفي هذا المتن غرابة وبعض أسانيده جيّدة.
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" رواه ابن ماجه والحاكم كلاهما عن عليّ بن سالمٍ, عن ثوبان, عن عليّ بن زيد بن جدعان وقال البخاريّ

 

ج / 1 ص -388-      والأزديّ لا يتابع عليّ بن سالمٍ على حديثه, وقال الحافظ المنذريّ: لا أعلم لعليّ بن سالمٍ غير هذا الحديث وهو في عداد المجهولين انتهى, لكن ذكره ابن حبّان في الثّقات وابن ماجه بسندٍ جيّدٍ متّصلٍ: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس"
والأصبهانيّ: إنّ طعامًا ألقي على باب المسجد فخرج عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه وهو أمير المؤمنين فقال: ما هذا الطّعام؟ فقالوا طعام جلب إلينا أو علينا فقال له بعض الّذين معه يا أمير المؤمنين قد احتكر قال ومن احتكره؟ قالوا احتكره فرّوخ وفلان مولى عمر بن الخطّاب, فأرسل إليهما فأتياه فقال ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالوا يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع, فقال عمر رضي اللّه عنه: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللّه بالجذام والإفلاس" فقال عند ذلك فرّوخ يا أمير المؤمنين فإنّي أعاهد اللّه وأعاهدك على أن لا أعود إلى احتكار طعامٍ أبدًا فتحوّل إلى برّ مصر, وأمّا مولى عمر فقال نشتري بأموالنا ونبيع فزعم أبو يحيى أحد رواته أنّه رأى مولى عمر مجذومًا مشدوخًا" والطّبرانيّ بسندٍ واهٍ: "بئس العبد المحتكر إن أرخص اللّه الأسعار حزن وإن أغلاها فرح" وفي روايةٍ: "إن سمع برخصٍ ساءه وإن سمع بغلاءٍ فرح", وذكر رزينٍ لهذا الحديث اعترض بأنّه ليس في شيءٍ من أصوله.
وأخرج رزين أيضًا وفيه الاعتراض المذكور: "أهل المدائن هم الحبساء في اللّه فلا تحتكروا عليهم الأقوات ولا تغلوا عليهم الأسعار فإنّ من احتكر عليهم طعامًا أربعين يومًا ثمّ تصدّق به لم يكن له كفّارة" وأخرج رزين أيضًا: "يحشر الحاكرون وقتلة الأنفس في درجةٍ, ومن دخل في شيءٍ من سعر المسلمين يغليه عليهم كان حقًّا على اللّه أن يعذّبه في معظم النّار يوم القيامة".
قال الحافظ المنذريّ: وفي هذا الحديث والحديثين قبله نكارة ظاهرة.
وأحمد عن الحسن قال: " ثقل معقل بن يسارٍ فأتاه عبيد اللّه بن زيادٍ يعوده, فقال هل تعلم يا معقل أنّي سفكت دمًا حرامًا؟ قال: لا أعلم قال: هل تعلم أنّي دخلت في شيءٍ من أسعار المسلمين؟ قال: ما علمت قال أجلسوني, ثمّ قال اسمع يا عبيد اللّه حتّى أحدّثك شيئًا ما سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّةً ولا مرّتين, سمعت رسول

 

ج / 1 ص -389-      اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "من دخل في شيءٍ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًّا على اللّه تبارك وتعالى أن يقعده بعظيمٍ من النّار يوم القيامة" قال: أنت سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: نعم غير مرّةٍ ولا مرّتين.
وروى الطّبرانيّ في الكبير والأوسط إلّا أنّه قال: "كان حقًّا على اللّه تبارك وتعالى أن يقذفه في معظمٍ من النّار".
ورواه الحاكم مختصرًا ولفظه قال: "من دخل في شيءٍ من أسعار المسلمين يغليه عليهم كان حقًّا على اللّه أن يقذفه في جهنّم رأسه إلى أسفله".
قال الحافظ المنذريّ: رواة هذا الحديث كلّهم ثقات معروفون إلّا واحدًا منهم لا أعرفه, ومرّ خبر:
"احتكار الطّعام بمكّة إلحاد" وروى الحاكم من رواية من فيه مقال: "من احتكر حكرةً يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ, وقد برئت منه ذمّة اللّه".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ظاهر ما في هذه الأحاديث الصّحيح بعضها من الوعيد الشّديد كاللّعنة وبراءة اللّه ورسوله منه والضّرب بالجذام والإفلاس وغيرها, وبعض هذه دليل على الكبيرة, فاتّجه عدّ ذلك كبيرةً لكن سيأتي قريبًا عن الرّوضة أنّه صغيرة بما فيه.
ثمّ الاحتكار المحرّم عندنا هو أن يمسك ما اشتراه في الغلاء لا الرّخص من القوت حتّى نحو التّمر والزّبيب بقصد أن يبيعه بأغلى ممّا اشتراه به عند اشتداد الحاجة إليه.
وألحق الغزاليّ بالقوت كلّ ما يعين عليه كاللّحم والفواكه, ومتى اختلّ شرط ممّا ذكر فلا حرمة كأن اشتراه ولو زمن الغلاء لا ليبيعه بل ليمسكه لنفسه وعياله أو ليبيعه بمثل ما اشتراه به أو أقلّ أو لم يشتره, كأن أمسك غلّة ضيعته ولو ليبيعها بأغلى الأثمان نعم إذا اشتدّت ضرورة النّاس لزمه البيع فإن أبى أجبره القاضي عليه وعند عدم الاشتداد الأولى له أن يبيع ما فوق كفاية سنةٍ لنفسه وعياله ما لم يخف جائحةً في زرع السّنة الثّانية, وإلّا فله إمساك كفايتها فلا كراهة ولا احتكار في غير القوت ونحوه ممّا مرّ, نعم صرّح القاضي بأنّه يكره إمساك الثّياب أي احتكارًا.
فإن قلت: ينافي ما قرّرته أنّ سعيد بن المسيّب راوي حديث
"لا يحتكر إلّا خاطئ" قيل له فإنّك تحتكر قال إنّ معمرًا الّذي كان يحدّث بهذا الحديث كان يحتكر.

 

ج / 1 ص -390-      قلت: قد تقرّر أنّ من الأموال ما لا يحرم احتكاره كالثّياب فيحمل ذلك من سعيدٍ عليها أو نحوها, وعلى التّنزّل فشرط تحريم احتكار القوت ما مرّ, فمن أين لنا أنّهما كانا يحتكران مع وجود تلك الشّروط, وعلى التّنزّل فسعيد ومعمر مجتهدان فلا يعترض عليهما ولا على غيرهما بهما, ثمّ رأيت ابن عبد البرّ وجماعةً آخرين غيره قالوا ما ذكره مسلم عن سعيدٍ ومعمرٍ أنّهما كانا يحتكران لا ينافي ذلك لأنّهما إنّما كانا يحتكران الزّيت والزّيت ليس بقوتٍ.
قالوا وكذا حمله الشّافعيّ وأبو حنيفة وآخرون وهو الصّحيح, وقال القرطبيّ: إنّه المشهور من مذهب مالكٍ, وجواب سعيدٍ أنّ معمرًا كان يحتكر محمول على أنّه كان يحتكر ما لا يضرّ بالنّاس كالزّيت والأدم والثّياب ونحو ذلك قال العلماء: والحكمة في تحريم الاحتكار دفع الضّرر عن عامّة النّاس كما أجمع العلماء على أنّه لو كان عند إنسانٍ طعام واضطرّ إليه النّاس يجبر على بيعه دفعًا للضّرر عنهم.
"الكبيرة التاسعة والثمانون بعد المائة":
التّفريق بين الوالدة وولدها الغير المميّز
بالبيع ونحوه لا بنحو العتق والوقف

أخرج التّرمذيّ وقال حديث حسن غريب والدّارقطنيّ والحاكم وصحّحه عن أبي أيّوب رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"من فرّق بين والدةٍ وولدها فرّق اللّه بينه وبين أحبّته يوم القيامة".
وابن ماجه والدّارقطنيّ: "لعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من فرّق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وأخيه".
وفي روايةٍ للدّارقطنيّ: "ملعون من فرّق" وقال أبو بكرٍ يعني ابن عيّاشٍ: هذا مبهم هو عندنا في السّبي والوالد وفيه كالّذي قبله انقطاع.
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ظاهر ما في هذه الأحاديث وبفرض أنّه لم يصحّ فيه إلّا الأوّل ففيه الوعيد الشّديد أيضًا, لأنّ التّفريق بين الإنسان وأحبّته ذلك اليوم أمر مشقّ على النّفس جدًّا.
قلت: وكما أخذوا من هذا حرمة التّفريق المذكور لأنّهم فهموا منه الوعيد, كذلك

 

ج / 1 ص -391-      نأخذ منه كونه كبيرةً لأنّه حيث سلّم أنّه يفهم الوعيد فذلك الوعيد الّذي دلّ عليها ظاهره وعيد شديد.
فإن قلت: ما وجه الوعيد فيه واللّه تعالى يقول:
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ} [عبس: 34- 38] الآيات, فظاهرها أنّ هذا أمر واقع لكلّ أحدٍ فكيف يفهم منه الوعيد؟
قلت: سياق الحديث نصّ في أنّه وعيد وحينئذٍ فهو على حدّ قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من لبس الحرير في الدّنيا لم يلبسه في الآخرة, ومن شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة جزاءً وفاقًا" والمراد بيوم القيامة ما يشمل الجنّة, فما في الآية يكون في الموقف وما في الحديث يكون في الجنّة, وكما أخذوا من حديث الحرير أنّ لبسه كبيرة كما مرّ, كذلك أخذنا من خبر التّفريق أنّه كبيرة بجامع أنّ في كلٍّ منهما الجزاء على العمل بنظيره, وكما أنّ خبر الحرير مخصّص لقوله تعالى: {وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23] كذلك خبر التّفريق مخصّص لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21] وشرط حرمة التّفريق أن يكون بين أمةٍ وولدها الغير المميّز لصغرٍ أو جنونٍ بنحو بيعٍ لغير من يعتق عليه أو قسمةٍ أو فسخٍ وإن رضيت الأمّ, لأنّ للولد حقًّا أيضًا ويبطل ذلك التّصرّف, والأب والجدّ والجدّة للأب أو الأمّ وإن بعدا كالأمّ عند فقدها.
ويجوز بيع الولد مع الأب أو الجدّ وكذا إن ميّز بأن صار يأكل وحده ويشرب وحده ويستنجي وحده ولا يتقيّد بسنٍّ, فقد يحصل في نحو الخمس وقد يتأخّر عن السّبع ويكره التّفريق ولو بعد البلوغ وكذا إن كان أحدهما حرًّا.
ويحرّم التّفريق بالسّفر أيضًا بين الأمة وولدها الغير المميّز وبين الزّوجة وولدها بخلاف المطلّقة نحو بيع ولد البهيمة إن استغنى عن اللّبن أو لم يستغن لكن اشتراه للذّبح, فإن لم يستغن ولا قصد الذّبح حرّم وبطل نحو البيع.

 

ج / 1 ص -392-      "الكبيرة التّسعون والحادية والثّانية والثّالثة والرّابعة والخامسة والسّادسة والتّسعون بعد المائة": نحو بيع العنب والزّبيب ونحوهما ممّن علم أنّه يعصره خمرًا, والأمرد ممّن علم أنّه يفجر به, والأمة ممّن يحملها على البغاء, والخشب ونحوه ممّن يتّخذه آلة لهوٍ, والسّلاح للحربيّين ليستعينوا به على قتالنا, والخمر ممّن يعلم أنّه يشربها, ونحو الحشيشة ممّا مرّ ممّن يعلم أنّه يستعملها"
وعدّ هذه السّبع من الكبائر لم أره, ولكنّه غير بعيدٍ لعظم ضررها مع قاعدة أنّ للوسائل حكم المقاصد, والمقاصد في هذه كلّها كبائر فلتكن وسائلها كذلك, والأحاديث السّابقة قبيل كتاب الطّهارة فيمن سنّ سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة شاهدة لذلك, والظّنّ في ذلك كالعلم لكن بالنّسبة للتّحريم وأمّا للكبيرة فيتردّد النّظر فيه وكذلك يتردّد النّظر فيما لو باع أمته ممّن يحملها على البغاء, وفيما لو باع السّلاح لبغاةٍ ليستعينوا به على قتالنا, وفي بيع الدّيك لمن يهارش به والثّور لمن يناطح به, فهذه كلّها يتردّد النّظر في كونها كبائر وبعضها أقرب إلى الكبيرة من بعضٍ, ثمّ رأيت شيخ الإسلام العلائيّ قال: نصّ الأصحاب على أنّ بيع الخمر كبيرة يفسق متعاطيه وكذا يكون حكم الشّراء وأكل الثّمن والحمل والسّعي انتهى, وسيأتي ذلك بزيادةٍ في مبحث الخمر إن شاء اللّه تعالى.
"الكبيرة السّابعة والثّامنة والتّاسعة والتّسعون بعد المائة":
النّجش والبيع على بيع الغير والشّراء على شرائه

وعدّ هذه الثّلاثة كبائر محتمل لأنّ فيها إضرارًا عظيمًا بالغير ولا شكّ أنّ إضرار الغير الّذي لا يحتمل عادةً يكون كبيرةً كما مرّت الإشارة إلى ذلك, وأيضًا فهذه من المكر والخداع, وسيأتي أنّه كبيرة لكنّ الّذي في الرّوضة أنّ من الصّغائر الاحتكار والبيع على بيع أخيه, وكذا السّوم والخطبة على خطبته وبيع الحاضر للبادي, وتلقّي الرّكبان والتّصرية وبيع المعيب من غير بيانه واتّخاذ الكلب الّذي لا يباح اقتناؤه وإمساك الخمر غير المحترمة وبيع العبد المسلم للكافر, وكذا المصحف وسائر كتب العلم الشّرعيّ انتهى وفي أكثره نظر, وإنّما يتأتّى ذلك على تعريف الكبيرة بأنّها الّذي فيه الحدّ أمّا على تعريفها بأنّها ما فيه وعيد شديد فلا, وسيأتي قريبًا في الغشّ

 

ج / 1 ص -393-      الوعيد الشّديد وكذا في إيذاء المسلم الشّديد ومرّ في الاحتكار ذلك أيضًا, فالأوفق للتّعريف بأنّها ما فيه وعيد شديد ما ذكرته.
ثمّ رأيت الأذرعيّ أشار إلى ما صرّحت به فقال: وفي بعض ما أطلقه في الرّوضة من أنّ ذلك صغيرة نظر وكأنّ ما ذكرته وأشار إليه الأذرعيّ هو سبب حذف بعض مختصري الرّوضة لتلك الأمثلة المذكورة عنها والنّجش هو أن يزيد في الثّمن لا لرغبةٍ بل ليخدع غيره.
والبيع على البيع هو أن يقول للمشتري زمن الخيار ردّ هذا وأنا أبيعك أحسن منه بمثل ذلك الثّمن أو مثله بأنقص والشّراء على الشّراء أن يقول للبائع زمن الخيار افسخ لأشتري منك هذا المبيع بأزيد.
قال أئمّتنا: ويحرم السّوم على سوم الغير بغير إذنه بأن يزيد في الثّمن بعد أن يصرّحا باستقراره أو يعرض على المشتري أرخص منه, وتحريمه بعد البيع وقبل لزومه أشدّ وهو البيع على بيع غيره والشّراء على شراء غيره نعم إن رآه مغبونًا جاز له ذلك عند ابن كجٍّ والأوجه الموافق لإطلاقهم والحديث أنّه لا فرق, وبيع رجلٍ قبل اللّزوم من المشتري عينًا كالّتي اشتراها بأقلّ كالبيع على البيع وطلبها قبل اللّزوم أيضًا من المشتري بأكثر كالشّراء على الشّراء لأنّ ذلك أيضًا يؤدّي إلى الفسخ من الصّورتين فيحصل الضّرر.
"الكبيرة الموفّية المائتين: الغشّ في البيع وغيره كالتّصرية وهي منع حلب ذات اللّبن إيهامًا لكثرته"
أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من حمل علينا السّلاح فليس منّا, ومن غشّنا فليس منّا".
ومسلم وابن ماجه والتّرمذيّ عنه: أنّ "رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على صبرة طعامٍ فأدخل يده فيها فنالت أصبعه بللًا فقال ما هذا يا صاحب الطّعام؟ قال أصابته السّماء أي المطر يا رسول اللّه, قال أفلا جعلته فوق الطّعام حتّى يراه النّاس؟ من غشّنا فليس منّا".
والتّرمذيّ:
"من غشّ فليس منّا".
وأبو داود: أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ برجلٍ يبيع طعامًا فسأله كيف تبيع؟ فأخبره فأوحى إليه أن أدخل يدك فيه فإذا هو مبلول, فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ليس منّا من غشّ".

 

ج / 1 ص -394-      وأحمد والبزّار والطّبرانيّ: "مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بطعامٍ وقد حسّنه صاحبه فأدخل يده فيه فإذا الطّعام رديء, فقال بع هذا على حدةٍ وهذا على حدةٍ فمن غشّنا فليس منّا".
والطّبرانيّ في الأوسط بإسنادٍ جيّدٍ: خرج صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السّوق فرأى طعامًا مصبّرًا فأدخل يده فيه فأخرج طعامًا رطبًا قد أصابته السّماء فقال لصاحبه ما حملك على هذا؟ قال: والّذي بعثك بالحقّ إنّه لطعام واحد, قال أفلا عزلت الرّطب على حدته واليابس على حدته فتتبايعون ما تعرفون, "من غشّنا فليس منّا".
والطّبرانيّ في الكبير بسندٍ رواته ثقات: "مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برجلٍ يبيع طعامًا فقال: يا صاحب الطّعام أسفل هذا مثل أعلاه؟ قال نعم يا رسول اللّه, فقال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من غشّ المسلمين فليس منهم".
والبيهقيّ والأصبهانيّ بإسنادٍ لا بأس به إلى أبي هريرة موقوفًا عليه أنّه مرّ بناحية الحرّة فإذا إنسان يحمل لبنًا يبيعه فنظر إليه أبو هريرة فإذا هو قد خلطه بالماء, فقال له أبو هريرة: " كيف بك إذا قيل لك يوم القيامة خلّص الماء من اللّبن" والطّبرانيّ في الكبير والبيهقيّ: قال الحافظ المنذريّ: ولا أعلم في روايته مجروحًا "أنّ رجلًا كان يبيع الخمر في سفينةٍ له ومعه قرد في السّفينة وكان يشوب: أي يخلط الخمر بالماء فأخذ القرد الكيس فصعد الذّروة وفتح الكيس فجعل يأخذ دينارًا فيلقيه في السّفينة ودينارًا في البحر حتّى جعله نصفين: أي فعل ذلك عقابًا لصاحبه لمّا خلط وغشّ".
وفي رواية البيهقيّ "قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لا تشوبوا اللّبن للبيع" ثمّ ذكر حديث المحلّفة ثمّ قال موصولًا بالحديث: "ألا وإنّ رجلًا ممّن كان قبلكم جلب خمرًا إلى قريةٍ فشابها بالماء فأضعفه أضعافًا فاشترى قردًا فركب البحر حتّى إذا لجّ فيه ألهم اللّه القرد صرّة الدّنانير فأخذها وصعد الدّقل ففتح الصّرّة وصاحبها ينظر إليه فأخذ دينارًا فرمى به في البحر ودينارًا في السّفينة حتّى قسمها نصفين".
وفي روايةٍ أخرى له قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"إنّ رجلًا كان فيمن قبلكم حمل خمرًا ثمّ جعل في كلّ رزقٍ نصفه ماءً ثمّ باعه فلمّا جمع الثّمن جاء ثعلب فأخذ الكيس وصعد الدّقل فجعل يأخذ دينارًا ويرمي به في السّفينة ويأخذ دينارًا فيرمي به في

 

ج / 1 ص -395-      الماء حتّى فرغ ما في الكيس" ولا تنافي بين هذه والّتي قبلها لاحتمال تعدّد القصّة.
والبزّار بإسنادٍ جيّدٍ:
"من غشّنا فليس منّا", وجاء هذا المتن من رواية بضعة عشر صحابيًّا.
وعن "أبي سباعٍ قال: اشتريت ناقةً من دار واثلة بن الأسقع رضي اللّه عنه فلمّا خرجت بها أدركني يجرّ إزاره فقال اشتريت؟ قلت نعم قال: أبيّن لك ما فيها؟ قلت وما فيها إنّها لسمينة ظاهرة الصّحّة, قال أردت بها سفرًا أو أردت لحمًا؟ قلت أردت بها الحجّ, قال ارتجعها, فقال صاحبها ما أردت إلى هذا أصلحك اللّه؟ تفسد عليّ, قال: إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"لا يحلّ لأحدٍ أن يبيع شيئًا إلّا بيّن ما فيه, ولا يحلّ لمن علم ذلك إلّا بيّنه".
رواه الحاكم وصحّحه والبيهقيّ وكذا ابن ماجه باختصار القصّة, إلّا أنّه قال عن واثلة "سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: من باع عيبًا لم يبيّنه لم يزل في مقت اللّه, أو لم تزل الملائكة تلعنه".
وأحمد وابن ماجه والطّبرانيّ في الكبير والحاكم وقال صحيح على شرطهما:
"المسلم أخو المسلم, ولا يحلّ لمسلمٍ إذا باع من أخيه بيعًا فيه عيب أن لا يبيّنه".
وأبو الشّيخ ابن حبّان:
"المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحة وادّون وإن بعدت منازلهم وأبدانهم, والفجرة بعضهم لبعضٍ غششة متخاونون وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم".
ومسلم:
"إنّ الدّين النّصيحة قلنا لمن يا رسول اللّه؟ قال: للّه ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم".
والنّسائيّ بلفظ:
"إنّما الدّين النّصيحة" الحديث.
وأبو داود بلفظ:
"إنّ الدّين النّصيحة, إنّ الدّين النّصيحة إنّ الدّين النّصيحة" الحديث.
وكذا التّرمذيّ وحسّنه والطّبرانيّ بلفظ:
"رأس الدّين النّصيحة, قالوا لمن يا رسول اللّه؟ قال للّه عزّ وجلّ ولدينه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم".
والشّيخان "عن جريرٍ: أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقلت أبايعك على الإسلام فشرط

 

ج / 1 ص -396-      عليّ النّصح لكلّ مسلمٍ, فبايعته على هذا, وربّ هذا المسجد إنّي لكم لناصح".
وأبو داود والنّسائيّ عنه: "بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على السّمع والطّاعة, وأن أنصح لكلّ مسلمٍ وكان إذا باع الشّيء أو اشتراه قال: ما الّذي أخذنا منك أحبّ إلينا ممّا أعطيناك فاختر".
وأحمد "قال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"قال اللّه عزّ وجلّ: أحبّ ما تعبّد لي به عبدي النّصح لي".
والطّبرانيّ: "من لا يهتمّ بأمر المسلمين فليس منهم, ومن لم يصبح ويمسي ناصحًا للّه ولرسوله ولكتابه ولإمامه ولعامّة المسلمين فليس منهم".
والشّيخان وغيرهما:
"لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه".
وفي روايةٍ صحيحةٍ:
"لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتّى يحبّ للنّاس ما يحبّ لنفسه".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ظاهر بعض ما في هذه الأحاديث من نفي الإسلام عنه مع كونه لم يزل في مقت اللّه أو كون الملائكة تلعنه, ثمّ رأيت بعضهم صرّح بأنّه كبيرة لكنّ الّذي في الرّوضة كما مرّ أنّه صغيرة وفيه نظر لما ذكر من الوعيد الشّديد فيه وضابط الغشّ المحرّم أن يعلم ذو السّلعة من نحو بائعٍ أو مشترٍ فيها شيئًا لو اطّلع عليه مريد أخذها ما أخذها بذلك المقابل, فيجب عليه أن يعلمه به ليدخل في أخذه على بصيرةٍ, ويؤخذ من حديث واثلة وغيره ما صرّح به أصحابنا أنّه يجب أيضًا على أجنبيٍّ علم بالسّلعة عيبًا أن يخبر به مريد أخذها وإن لم يسأله عنها, كما يجب عليه إذا رأى إنسانًا يخطب امرأةً ويعلم بها أو به عيبًا, أو رأى إنسانًا يريد أن يخالط آخر لمعاملةٍ أو صداقةٍ أو قراءة نحو علمٍ وعلم بأحدهما عيبًا أن يخبر به وإن لم يستشر به, كلّ ذلك أداء للنّصيحة المتأكّد وجوبها لخاصّة المسلمين وعامّتهم.
هذا وقد سألنا عن سؤالٍ طويلٍ فيه ذكر أحكامٍ كثيرةٍ أحببت ذكره هنا لعموم ضرر ما فيه ممّا ألفه ويفعله من لا دين له لغفلته عن اللّه تعالى وأوامره, وهو: قد اعتيد الآن أنّ بعض التّجّار يشتري الفلفل في ظرفٍ خفيفٍ جدًّا كالخصف, ثمّ يجعله في ظرفٍ ثقيلٍ نحو خمسة أضعاف الخصف لأنّه غالبًا ثلاثة أمنانٍ, وذلك

 

ج / 1 ص -397-      الظّرف الثّقيل يجمع من خيشٍ حتّى يكون نحو عشرين منًّا, ثمّ يباع ذلك الظّرف وما فيه ويوزن جملة الكلّ ويكون الثّمن مقابلًا للظّرف والمظروف, فهل هذا الفعل جائز أو غشّ محرّم يعزّر فاعله بما يراه الإمام من ضربٍ وصفعٍ وطوافٍ به في الأسواق وحبسٍ وأخذ مالٍ إن كان ذلك مذهب ذلك الحاكم؟ وهل البيع صحيح أو باطل, وإذا كان باطلًا فهو من أكل أموال النّاس بالباطل أو لا؟ وهل يجب على وليّ الأمر أن يزجر التّجّار ويمنعهم عن ذلك ويعزّر من فعل منهم ذلك؟ وهل يجب على المتّقين من التّجّار إذا علموا من إنسانٍ أنّه يفعل ذلك أن يخبروا به حكّام الشّريعة أو السّياسة حتّى يمنعوه من ذلك المنع الأكيد ويعزّروه عليه إن أبى التّعزير الشّديد؟ وهل يجري ذلك في غير هذه الصّورة من نظائرها كما يقع لبعض العطّارين والتّجّار أنّه يقرّب بعض الأعيان إلى الماء فيكتسب منه مائيّةً تزيد في وزنه نحو الثّلث كالزّعفران, وبعضهم يصطنع حوائج تصير كصورة الزّبّاد فيبيعه على أنّه زبّاد, وبعض البزّازين يرفأ الثّياب رفئًا خفيًّا ثمّ يبيعها من غير أن يبيّن لك, وكذا يفعل ذلك في البسط وغيرها, وبعضهم يلبس الثّوب خامًا إلى أن تذهب قوّته جميعًا ثمّ يقصّره حينئذٍ ويجعل فيه نشًا يوهم به أنّه جديد ويبيعه على أنّه جديد وبعضهم يسعى في إظلام محلّه إظلامًا كثيرًا حتّى يصير الغليظ يرى رقيقًا والقبيح حسنًا وبعضهم يصقل بزّه بشمعٍ صقالًا جيّدًا حتّى لا تصير الرّؤية محيطةً به من كثرة ذلك الشّمع وجودة ذلك الدّقّ والصّقال, وبعض الصّوّاغين يخلط بالنّقد نحاسًا ونحوه ثمّ يبيعه على أنّه كلّه فضّة أو ذهب وبعضهم يأخذ ممّن يستأجر على صياغةٍ وزنًا معلومًا فينقص منه نقدًا ويجعل بدله نحاسًا أو نحوه, وكثيرًا من التّجّار وأهل البهار والحبّابين وغيرهم يجعل أعلى البضاعة حسنًا وأسفلها قبيحًا, أو يخلط بعض القبيح في الحسن حتّى يروّج ويندمج على المشتري فيأخذ القبيح من غير أن يشعر به ولو شعر به لم يأخذ شيئًا منه, وغير ذلك من صور الغشّ كثير وإنّما ذكرنا لكم هذه الصّور ليعلم حكمها ويقاس عليها ما لم نذكره, ولو فتّشت الصّناعات والحرف والتّجارات والبيوعات والعطارات والصّياغات والمصارفات وغيرها لوجدت عندهم من صور الغشّ والتّدليس والخيانة والمكر والتّحيّل بالحيل الكاذبة ما تنفر عنه الطّباع وتمجّه الأسماع, لأنّنا نجدهم في معاملاتهم كرجلين معهما سيفان متقابلان فمتى قدر أحدهما على الآخر قتله لوقته كذلك التّجّار والمتبايعون الآن لا ينوي كلّ واحدٍ منهما إلّا أنّه إن ظفر

 

ج / 1 ص -398-      بصاحبه أخذ جميع ماله بحقٍّ وباطلٍ وأهلكه وصيّره فقيرًا لوقته, وإذا وقع لأحدٍ منهم شيء من ذلك فرح به فرحًا كثيرًا, وسوّلت له نفسه الخبيثة أنّه غلبه وظفر به بما غشّه واحتال عليه بالباطل إلى أن استأصل ماله وظفر به ككلبٍ ظفر بجيفةٍ وأكل منها حتّى لم يبق منها شيئًا فهذا حاصل ما يقع هو وأكثر منه الآن فتفضّلوا على المسلمين ببيان أحكام ذلك حتّى يعرفها النّاس, ليصير من خالفها قد حقّت عليه كلمة العذاب وهلك عن بيّنةٍ ومن وافقها قد أسعفته كلمة التّوفيق وأحيا عن بيّنةٍ, وابسطوا الكلام على ذلك بسطًا شافيًا, فإنّ النّاس مضطرّون إلى بيان أحكام ذلك كلّه, وبعضهم إنّما يفعل ذلك جهلًا بحرمته أثابكم اللّه الجنّة بمنّه وكرمه آمين.
هذا حاصل هذا السّؤال ولعمري إنّه حقيق أن يفرد بالتّأليف لسعة أحكامه وكثرة صوره واحتياج النّاس, بل اضطرارهم إلى بسط الكلام على كلّ صورةٍ من تلك الصّور وغيرها ممّا لم يذكر وهو كثير جدًّا لغلبة الغشّ والخيانة على الباعة حتّى لا يسلم منهما إلّا النّادر الّذي حفظه اللّه من هذه القاذورات, ولو كان في الوقت سعة لأفردت ذلك بتأليفٍ مستوعبٍ جامعٍ لكنّي أشير إن شاء اللّه تعالى إلى ما ينفع الموفّق, ويحذّر العاصي, ومن لم يرد اللّه هدايته فما له من هادٍ.
فأقول: أمّا مسألة بيع الظّرف مع ما فيه فاتّفق الشّافعيّة على أنّه متى جهل وزن الظّرف على انفراده, فبيع مع مظروفه كلّ رطلٍ من الجملة بكذا كان البيع باطلًا لأنّه حينئذٍ من حيّز الغرر وقد "نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن بيع الغرر", وكذا لو جهل وزن المظروف وحده أو لم يكن للظّرف قيمة لاشتراط العقد على بذل مالٍ في مقابلة ما ليس بمالٍ.
إذا تقرّر ذلك علم منه أنّهم متّفقون فيما ذكر أوّل السّؤال على بطلان البيع فيه لأنّ صورة المسألة كما ذكره السّائل أنّ فسقة التّجّار يأخذون الفلفل مثلًا ويجعلونه في خيشٍ مرقّعٍ من داخله برقعٍ كثيرةٍ تثقل جرمه, ثمّ يبيعون ذلك الفلفل أو نحوه مع ظرفه كلّ منٍّ بعشرةٍ مثلًا, ثمّ يزنون الظّرف مع مظروفه, فإذا جاءت الجملة مائة منٍّ كانت بألفٍ ووجه البطلان في هذه أنّهم جعلوا الظّرف من جملة المبيع ووزنه مجهول بل فيه غشّ وتدليس منهم, لأنّهم يجعلونه من داخله المماسّ له الفلفل مثلًا رقعًا ونحوها ممّا يقتضي وزنه في الثّقل ويتركون ظاهره على حاله الموهم للمشتري أنّه خفيف الوزن بحيث إن رأيته تقطع عند نظره لظاهره بأنّه لا يجاوز أربعة أمنانٍ مثلًا, فإذا

 

ج / 1 ص -399-      خبروه بعد تعريفه والنّظر لباطنه رأوه نحو عشرين منًّا, فلأجل ذلك بطل البيع في الكلّ لهذا الغرر العظيم, وهذا الغشّ البليغ المشتمل على خيانة اللّه تعالى وخيانة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أمرا به ونهيا عنه, وكيف ساغ لمن يعلم أنّه يقدم على اللّه سبحانه وتعالى, ويترك ما جمعه من الحطام الفاني لورثته من غير علمٍ منه أنّهم ينتفعون به, بل الغالب في أولاد التّجّار أنّهم يضيّعونه في المعاصي والقبائح الّتي لا تخفى على أحدٍ, فمن هو بهذا الوصف كيف يبلغ خداعه مع أخيه إلى أن يأخذ منه أربعة أخماس ماله بهذه الحيلة الباطلة الكاذبة, وهذا يؤيّد ما في السّؤال لأنّ المتبايعين في هذه الأزمنة كلّ منهما تصير أحواله مع الآخر كمتقابلين بيدهما سيفان فمن قدر منهما على قتل صاحبه قتله وهذا ليس بشأن المسلمين ولا بقانون المؤمنين لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا".
وقوله:
"المؤمن أخو المؤمن لا يظلمه ولا يشتمه ولا يبغي عليه" ونحن لا نحرّم التّجارة ولا البيع والشّراء, فقد كان أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتبايعون ويتّجرون في البزّ وغيره من المتاجر, وكذلك العلماء والصّلحاء بعدهم ما زالوا يتّجرون ولكن على القانون الشّرعيّ والحال المرضيّ الّذي أشار اللّه تعالى إليه بقوله عزّ قائلًا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] فبيّن اللّه أنّ التّجارة لا تحمد ولا تحلّ إلّا إن صدرت عن التّراضي من الجانبين والتّراضي إنّما يحصل حيث لم يكن هناك غشّ ولا تدليس وأمّا حيث كان هناك غشّ وتدليس بحيث أخذ أكثر مال الشّخص وهو لا يشعر بفعل تلك الحيلة الباطلة معه المبنيّة على الغشّ ومخادعة اللّه ورسوله, فذلك حرام شديد التّحريم موجب لمقت اللّه ومقت رسوله, وفاعله داخل تحت الأحاديث السّابقة والآتية فعلى من أراد رضا اللّه ورسوله وسلامة دينه ودنياه ومروءته وعرضه وأخراه أن يتحرّى لدينه, وأن لا يبيع شيئًا من تلك البيوع المبنيّة على الغشّ والخديعة, وأن يبيّن وزن ذلك الظّرف للمشتري على التّحرير والصّدق, ثمّ إذا بيّن له وزنه جاز له أن يبيعه الظّرف والمظروف بثمنٍ واحدٍ, حتّى قال الفقهاء لو بيّن له ظرف المسك وزنته بأن قال هذا الظّرف عشرة أمنانٍ, وهذا المسك عشرون منًّا, وبعتك هذه الثّلاثين منًّا بألفٍ.
فاشترى بعد الرّؤية والتّقليب جاز هذا البيع, وكان بيعًا مبرورًا لسلامته من سائر وجوه الغشّ والخيانة والتّدليس لأنّه بعد أن يبيّن وزن الظّرف ووزن المسك فلا حرج عليه أن يبيع المنّ من الجميع بألفٍ

 

ج / 1 ص -400-      أو مائة درهمٍ وإنّما النّار الموقودة والقبيحة المهلكة في الدّنيا والآخرة ما ذكره السّائل عمّن يدلّس في الظّرف فيجعله بصورة خفيفٍ في الظّاهر وهو ثقيل جدًّا في نفسه.
ثمّ يبيع الكلّ بثمنٍ وسعرٍ واحدٍ مع جهل المشتري بظنّه, وكون البائع تحيّل عليه حتّى ظنّ أنّ وزنه يسير والحال أنّه كثير.
هذا حاصل ما يتعلّق بالمسألة الأولى أعني بيع الظّرف والمظروف بثمنٍ واحدٍ وأمّا ما ذكره السّائل في صور الغشّ الكثيرة من تلك الأمور العجيبة الّتي لا يحكى نظيرها عن الكفّار فضلًا عن المؤمنين, بل المحكيّ عن الكفّار لعنهم اللّه أنّهم يتّجرون في بياعاتهم ولا يفعلون فيها ذلك الغشّ الكثير الظّاهر المحكيّ في السّؤال, فذلك أعني ما حكي من صور ذلك الغشّ الّتي يفعلها التّجّار والعطّارون والبزّازون والصّوّاغون والصّيارفة والحيّاكون, وسائر أرباب البضائع والمتاجر والحرف والصّنائع كلّه حرام شديد التّحريم موجب لصاحبه أنّه فاسق غشّاش خائن يأكل أموال النّاس بالباطل, ويخادع اللّه ورسوله وما يخادع إلّا نفسه, لأنّ عقاب ذلك ليس إلّا عليه وكثرة ذلك تدلّ على فساد الزّمان وقرب السّاعة, وفساد الأموال والمعاملات, ونزع البركات من المتاجر والبياعات والزّراعات, بل ومن الأراضي المزروعات, وتأمّل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ليس القحط أن لا تمطروا, وإنّما القحط أن تمطروا ولا يبارك لكم فيه": أي بواسطة تلك القبائح والعظيمات الّتي أنتم عليها في تجاراتكم ومعاملاتكم ولهذه القبائح الّتي ارتكبها التّجّار والمتسبّبون وأرباب الحرف والصّنائع سلّط اللّه عليهم الظّلمة فأخذوا أموالهم, وهتكوا حريمهم, بل وسلّط عليهم الكفّار فأسروهم واستعبدوهم, وأذاقوهم العذاب والهوان ألوانًا, وكثرة تسلّط الكفّار على المسلمين بالأسر والنّهب وأخذ الأموال والحريم إنّما حدث في هذه الأزمنة المتأخّرة لمّا أن أحدث التّجّار وغيرهم قبائح ذلك الغشّ الكثيرة المتنوّعة وعظائم تلك الجنايات والمخادعات والتّخيّلات الباطلة على أخذ أموال النّاس بأيّ طريقٍ قدروا عليها, لا يراقبون اللّه المطّلع عليهم, ولا يخشون سطوة عقابه ومقته, مع أنّه تعالى عليهم بالمرصاد: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] و {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14].
ولو تأمّل الغشّاش الخائن الآكل أموال النّاس بالباطل ما جاء في إثم ذلك في القرآن والسّنّة لربّما انزجر عن ذلك أو عن بعضه, ولو لم يكن من عقابه إلّا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:

 

 

ج / 1 ص -401-      "إنّ العبد ليقذف اللّقمة من حرامٍ في جوفه ما يتقبّل منه عمل أربعين يومًا, وأيّما عبدٍ نبت لحمه من حرامٍ فالنّار أولى به" وقوله: صلّى اللّه عليه وسلّم "إنّه لا دين لمن لا أمانة له".
"وقوله: إنّ اللّه أكرم وأجلّ من أن يقبل عمل رجلٍ أو صلاته وعليه ثوب من حرامٍ".
"وقوله: من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم فيها درهم من حرامٍ لم يقبل اللّه عزّ وجلّ له صلاةً ما دام عليه" وقوله:
"إنّ اللّه يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ ولا يعطي الدّين إلّا من يحبّ, ومن أعطاه اللّه الدّين فقد أحبّه, ولا والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى يأمن جاره بوائقه".
قالوا وما بوائقه يا رسول اللّه؟ قال: غشّه وظلمه" "وقوله: لا تزال قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يسأل عن أربعٍ: عن عمره فيما أفناه, وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه, وعن علمه ماذا عمل فيه؟" "وقوله: من اكتسب في الدّنيا مالًا من غير حلّه وأنفقه في غير حقّه أورده دار الهوان, ثمّ ربّ متخوّضٍ في مال اللّه ورسوله له النّار يوم القيامة يقول اللّه
{كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} [الإسراء: 97] "وقوله: يؤتى يوم القيامة بأناسٍ معهم من الحسنات كأمثال جبال تهامة حتّى إذا جيء بهم جعلها اللّه هباءً منثورًا ثمّ يقذف بهم في النّار, قيل يا رسول اللّه كيف ذلك؟ قال: كانوا يصلّون ويزكّون ويصومون ويحجّون, غير أنّهم كانوا إذا عرض لهم شيء من الحرام أخذوه فأحبط اللّه أعمالهم".
فتأمّل ذلك أيّها الماكر المخادع الغشّاش الآكل أموال النّاس بتلك البيوعات الباطلة والتّجارات الفاسدة, تعلم أنّه لا صلاة لك ولا زكاة ولا صوم ولا حجّ كما جاء عن الصّادق المصدوق الّذي لا ينطق عن الهوى, وليتأمّل الغشّاش بخصوصه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من غشّنا فليس منّا" يعلم أنّ أمر الغشّ عظيم, وأنّ عاقبته وخيمة جدًّا فإنّه ربّما أدّت إلى الخروج عن الإسلام والعياذ باللّه تعالى, فإنّ الغالب أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يقول ليس منّا إلّا في شيءٍ قبيحٍ جدًّا يؤدّي بصاحبه إلى أمرٍ خطيرٍ ويخشى منه الكفر, فإنّ لمن يعرّض دينه إلى زوالٍ ويسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: "من غشّ فليس منّا", ولا ينتهي عن الغشّ إيثارًا لمحبّة الدّنيا على الدّين ورضًا بسلوك سبيل الضّالّين.
وليتأمّل الغشّاش أيضًا لا سيّما التّجّار والعطّارون وغيرهم ممّن يجعل في بضاعته غشًّا يخفى على المشتري حتّى يقع فيه من غير أن يشعر, ولو علم ذلك الغشّ فيه لما اشتراه بذلك الثّمن أصلًا ما صحّ عنه صلّى اللّه عليه وسلّم كما مرّ: أنّه "مرّ على رجلٍ

 

ج / 1 ص -402-      وبين يديه صبرة من حبٍّ فأوحى اللّه إليه أن أدخل يدك فيه ففعل فأحسّت يده الشّريفة ببللٍ في باطن تلك الصّبرة فأخرج منه وقال ما هذا يا صاحب الطّعام؟ قال يا رسول اللّه أصابه مطر, قال أفلا جعلت المبتلّ فوق الطّعام حتّى يراه النّاس, "من غشّ فليس منّا".
وفي روايةٍ: أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم
"مرّ بطعامٍ وقد حسّنه صاحبه فأدخل يده فيه فإذا طعام رديء جعله أسفله, فقال له صلّى اللّه عليه وسلّم: بع هذا على حدةٍ وهذا على حدةٍ, من غشّنا فليس منّا".
وفي روايةٍ: أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم
"لمّا أدخل يده في الحبّ وأخرج منه المبلول قال له: ما حملك على هذا أي جعلك المبتلّ أسفل والجافّ فوق قال يا رسول اللّه والّذي بعثك بالحقّ إنّه لطعام واحد قال: أفلا عزلت الرّطب على حدته واليابس على حدته فيتبايعون ما يعرفون, من غشّنا فليس منّا".
وفي روايةٍ:
"من غشّ المسلمين فليس منهم", وسبقت رواية أنّه يقال يوم القيامة لمن خلط اللّبن بالماء ثمّ باعه: خلّص الماء من اللّبن, أي وليس يقدر على ذلك, فهو كما يقال للمصوّرين يوم القيامة أحيوا ما صوّرتم: أي انفخوا الرّوح في تلك الصّور الّتي كنتم تصوّرونها في الدّنيا تحقيرًا لهم وإذلالًا وبيانًا لعجزهم وجرأتهم على اللّه تعالى, فكذلك من خلط اللّبن بالماء يقال له يوم القيامة: خلّص اللّبن من الماء تحقيرًا له وفضيحةً له على رءوس الأشهاد في ذلك اليوم جزاءً على غشّه الّذي كان يفعله في الدّنيا, وكذلك سائر الغشّاشين يفضحهم اللّه تعالى على رءوس الأشهاد في مقابلة غشّهم للمسلمين.
وليتأمّل الغشّاشون أيضًا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لا يحلّ لأحدٍ يبيع شيئًا إلّا بيّن ما فيه ولا يحلّ لأحدٍ يعلم ذلك إلّا بيّنه", وقوله: "من باع عيبًا ولم يبيّنه لم يزل في مقت اللّه أو لم تزل الملائكة تلعنه". وقوله: "المؤمنون بعضهم لبعضٍ نصحة وادّون وإن بعدت منازلهم وأبدانهم, والفجرة بعضهم لبعضٍ غششة متخاونون وإن اقتربت منازلهم وأبدانهم".والأحاديث في الغشّ والتّحذير منه كثيرة مرّ منها جملة, فمن تأمّلها ووفّقه اللّه لفهمها والعمل بها انكفّ عن الغشّ وعلم عظيم قبحه وخطره وأنّ اللّه لا بدّ وأن يمحق ما حصّله الغاشون بغشّهم, كما سبق في قصّة القرد والثّعلب أنّ اللّه سلّطهما على غشّاشين فأذهبا جميع ما حصّلاه بالغشّ برميه في البحر.
ومن تأمّل تلك الأحاديث علم أيضًا أنّ أكثر ما حكي في السّؤال من جملة الغشّ

 

ج / 1 ص -403-      المحرّم لما تقرّر أنّه "صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا أدخل يده الكريمة في الحبّ ورأى المبتلّ أسفله أنكر على فاعل ذلك وقال له: هلّا جعلت المبتلّ وحده وبعته وحده واليابس وحده وبعته وحده, أو جعلت المبتلّ في ظاهر الحبّ حتّى يعرفه النّاس ويشتروه على بصيرةٍ" وعلم أيضًا أنّ كلّ من علم بسلعته عيبًا وجب عليه وجوبًا متأكّدًا بيانه للمشتري, وكذلك لو علم العيب غير البائع كجاره وصاحبه ورأى إنسانًا يريد أن يشتري ولا يعرف ذلك العيب وجب عليه أن يبيّنه له كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا يحلّ لأحدٍ يبيع شيئًا إلّا بيّن ما فيه, ولا يحلّ لأحدٍ يعلم ذلك إلّا بيّنه" وكثير من النّاس لا يهتدون لذلك أو لا يعلمون, يمرّ الشّخص منهم فيرى رجلًا غرًّا يريد شراء شيءٍ فيه عيب وهو لا يدريه فيسكتون عن نصحه حتّى يغشّه البائع ويأخذ ماله بالباطل, وما درى السّاكت على ذلك أنّه شريك البائع في الإثم والحرمة والكبيرة والفسق المترتّب عليه ذلك الوعيد الشّديد, وهو أنّ الغاشّ الّذي لم يبن العيب للمشتري لا يزال في مقت اللّه أو لا تزال الملائكة تلعنه, ويؤيّد ذلك "قوله صلّى اللّه عليه وسلّم: "من سنّ سنّةً سيّئةً فعليه وزرها ووزر من يعمل بها إلى يوم القيامة" ولا شكّ أنّ الغاشّ سنّ تلك السّنّة السّيّئة وهو كتمه للعيب في ذلك المبيع فكلّ عملٍ كذلك في ذلك المبيع يكون إثمه عليه, وسيأتي في بيان المكر والخديعة ما يردع الغشّاشين ؛ لأنّ الغشّ من حيّز المكر والخديعة, وقد قال تعالى: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] "وقال صلّى اللّه عليه وسلّم: "من غشّنا فليس منّا والمكر والخديعة في النّار" أي صاحبهما في النّار.
وفي روايةٍ:
"المكر والخديعة والخيانة في النّار" وفي روايةٍ: "لا يدخل الجنّة خبّ" أي ماكر.
وفي أخرى:
"أنّ من جملة أهل النّار رجلًا لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك في أهلك ومالك".
هذا ما يتعلّق بهذا الجواب وإنّما بسطنا الكلام عليه رجاء أن يسمعه من في قلبه إيمان, ومن يخشى عقاب اللّه وسطوته, ومن له دين ومروءة, ومن يخشى على ذرّيّته بعد موته فيتّقي اللّه ويرجع عن سائر صور الغشّ المذكور في هذا السّؤال وغيرها, ويعلم أنّ الدّنيا فانية وأنّ الحساب واقع على النّقير والفتيل والقطمير وأنّ العمل الصّالح ينفع الذّرّيّة, فقد جاء في قوله تعالى:
{وكان أبوهما صالحًا} [الكهف: 82] أنّه كان الجدّ السّابع لأمٍّ فنفع اللّه به ذينك اليتيمين, وأنّ العمل السّيّئ يؤثّر في الذّرّيّة قال تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً

 

ج / 1 ص -404-      خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] فمن تأمّل هذه الآية خشي على ذرّيّته من أعماله السّيّئة وانكفّ عنها حتّى لا يحصل لهم نظيرها, واللّه الموفّق للصّواب وبه الحول والقوّة وإليه المرجع والمآب.
"الكبيرة الحادية بعد المأتين: "إنفاق السلعة بالحلف الكاذب".
أخرج مسلم والأربعة عن أبي ذرٍّ رضي اللّه عنه "عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم قال: فقرأها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثلاث مرّاتٍ قلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول اللّه؟ قال:
"المسبل والمنّان والمنفّق سلعته بالحلف الكاذب" وفي روايةٍ: "المسبل إزاره والمنّان عطاءه".
والطّبرانيّ في الكبير:
"ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة أشيمط زانٍ, وعائل مستكبر, ورجل جعل اللّه بضاعته لا يشتري إلّا بيمينه ولا يبيع إلّا بيمينه", ورواه في الصّغير والأوسط بلفظ: "لا يكلّمهم اللّه ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم" ورواته محتجّ بهم في الصّحيح, والأشيمط مصغّر أشمط وهو من ابيضّ شعر رأسه كبرًا واختلط بأسوده, والعائل الفقير.
والطّبرانيّ:
"ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم غدًا: شيخ زانٍ, ورجل اتّخذ الأيمان بضاعته يحلف في كلّ حقٍّ وباطلٍ, وفقير مختال" أي من هو متكبّر معجب فخور.
والشّيخان وغيرهما:
"ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماءٍ بفلاةٍ يمنعه ابن السّبيل".
وفي روايةٍ: "يقول اللّه له اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك, ورجل بايع رجلًا سلعةً بعد العصر فحلف باللّه لأخذها بكذا وكذا فصدّقه فأخذها وهو على غير ذلك, ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلّا للدّنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفى له وإن لم يعطه لم يف له".
وفي روايةٍ: "ورجل حلف على سلعةٍ لقد أعطي بها أكثر ممّا أعطي وهو كاذب, ورجل حلف على يمينٍ كاذبةٍ بعد العصر ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ, ورجل منع فضل ماءٍ فيقول اللّه له يوم القيامة اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك".

 

ج / 1 ص -405-      والنّسائيّ وابن حبّان في صحيحه: "أربعة يبغضهم اللّه: البائع الحلّاف, والفقير المختال, والشّيخ الزّاني, والإمام الجائر".
والحاكم وصحّحه على شرط مسلمٍ والأربعة بنحوه ": إنّ اللّه يحبّ ثلاثةً ويبغض ثلاثةً فذكر الحديث إلى أن قال: قلت فمن الثّلاثة الّذين يبغضهم اللّه؟ قال: المختال الفخور وأنتم تجدونه في كتاب اللّه المنزل:
{إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18] والبخيل, والمنّان, والتّاجر أو البائع الحلّاف".
وابن حبّان في صحيحه عن أبي سعيدٍ رضي اللّه عنه قال: مرّ أعرابيّ بشاةٍ فقلت تبيعها بثلاث دراهم؟ قال لا واللّه ثمّ باعها, فذكرت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:
"باع آخرته بدنياه".
والطّبرانيّ بإسنادٍ لا بأس به عن واثلة رضي اللّه عنه: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخرج إلينا وكنّا تجّارًا وكان يقول:
"يا معشر التّجّار إيّاكم والكذب".
والشّيخان: "الحلف منفّقة للسّلعة ممحقة للكسب". وفي روايةٍ لأبي داود: "ممحقة للبركة".
ومسلم وغيره: "إيّاكم وكثرة الحلف في البيع فإنّه ينفّق ثمّ يمحق".
والتّرمذيّ بسندٍ حسنٍ:
"التّاجر الصّدوق الأمين مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء".
زاد ابن ماجه "المسلم وقال مع الشّهداء يوم القيامة".
والأصبهانيّ وغيره: "التّاجر الصّدوق تحت ظلّ العرش يوم القيامة".
والبيهقيّ وغيره: "إنّ أطيب الكسب كسب التّجّار الّذين إذا حدّثوا لم يكذبوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا, وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا اشتروا لم يذمّوا, وإذا باعوا لم يمدحوا, وإذا كان عليهم لم يمطلوا, وإذا كان لهم لم يعسّروا".
والشّيخان وغيرهما: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا, فإن صدق البيّعان وبيّنا بورك لهما في بيعهما, وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ويمحقا بركة بيعهما اليمين الفاجرة منفّقة للسّلعة ممحقة للكسب".
والتّرمذيّ وابن حبّان والحاكم وصحّحوه: "خرج صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المصلّى فرأى النّاس يتبايعون فقال: يا معشر التّجّار, فاستجابوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم

 

ج / 1 ص -406-      إليه, فقال: إنّ التّجّار يبعثون يوم القيامة فجّارًا إلّا من اتّقى وبرّ وصدق".
وأحمد بإسنادٍ جيّدٍ والحاكم وصحّحه: "إنّ التّجّار هم الفجّار قالوا: يا رسول اللّه أليس اللّه قد أحلّ البيع؟ قال بلى, ولكنّهم يحلفون فيأثمون ويحدّثون فيكذبون".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً وإن لم يذكروه ظاهر جليّ ممّا ذكر في الأحاديث الكثيرة المصرّحة بشدّة الوعيد في ذلك ثمّ رأيت بعضهم ذكره.
"الكبيرة الثانية بعد المأتين: المكر والخديعة"
قال تعالى:
{وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] ومرّ الكلام على المكر قبل كتاب الطّهارة في بحث الأمن من مكر اللّه.
وأخرج الطّبرانيّ في الكبير والصّغير بإسنادٍ جيّدٍ وابن حبّان في صحيحه عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
"من غشّنا فليس منّا والمكر والخداع في النّار".
ورواه أبو داود عن الحسن مرسلًا مختصرًا قال: 
"المكر والخديعة والخيانة في النّار".
وفي حديثٍ:
"لا يدخل الجنّة خبّ: أي مكّار, ولا بخيل ولا منّان".
وفي آخر:
"المؤمن غرّ كريم والفاسق خبّ لئيم".
وقال تعالى عن المنافقين:
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] أي مجازيهم بما يشبه الخداع على خداعهم له وذلك أنّهم يعطون نورًا كما يعطى المؤمنون فإذا مضوا على الصّراط أطفئ نورهم وبقوا في الظّلمة.
وفي حديثٍ:
"أهل النّار خمسة وذكر منهم رجلًا لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو مخادعك عن أهلك ومالك".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً صرّح به بعضهم وهو ظاهر من أحاديث الغشّ السّابقة ومن هذا الحديث, إذ كون المكر والخديعة في النّار ليس المراد بهما إلّا أنّ صاحبهما فيها وهذا وعيد شديد.

 

ج / 1 ص -407-      "الكبيرة الثّالثة بعد المائتين:
بخس نحو الكيل أو الوزن أو الذّرع"

قال تعالى:
{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}أي الّذين يزيدون لأنفسهم من أموال النّاس ببخس الكيل أو الوزن, ولذا فسّرهم بأنّهم {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ}أي منهم لأنفسهم {يَسْتَوْفُونَ}حقوقهم منهم ولم يذكر الوزن هنا اكتفاءً عنه بالكيل إذ كلّ منهم يستعمل مكان الآخر غالبًا {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ}أي إذا اكتالوهم أو وزنوا لهم من أموال أنفسهم {يُخْسِرُونَ} أي ينقصون {أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ}الّذين يفعلون ذلك {أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ}أي هوله وعذابه {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 1- 6] أي من قبورهم حفاةً عراةً غرلًا ثمّ يحشرون فمنهم الرّاكب بجانبٍ أسرع من البرق, ومنهم الماشي على رجليه, ومنهم المنكبّ والسّاقط على وجهه تارةً يمشي وتارةً يزحف وتارةً يتخبّط كالبعير الهائم, ومنهم الّذي يمشي على وجهه, وكلّ ذلك بحسب الأعمال إلى أن يقفوا بين يدي ربّهم ليحاسبهم على ما سلف من أعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ.
قال السّدّيّ: سبب نزول هذه الآية أنّه "صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا قدم المدينة كان بها رجل يقال له أبو جهينة له مكيالان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل اللّه تعالى الآية".
وأخرج ابن ماجه وابن حبّان في صحيحه والبيهقيّ عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما قال: "لمّا قدم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة كانوا من أخبث النّاس كيلًا فأنزل اللّه عزّ وجلّ
{ويل للمطفّفين} فأحسنوا المكيال بعد ذلك".
والتّرمذيّ عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحاب الكيل والوزن:
"إنّكم قد ولّيتم أمرًا فيه هلكت الأمم السّالفة قبلكم" ورواه الحاكم وصحّحه. واعترض بأنّ فيه متروكًا وبأنّ الصّحيح وقفه على ابن عبّاسٍ.
وابن ماجه واللّفظ له والبزّار والبيهقيّ والحاكم بنحوه وقال صحيح على شرط مسلمٍ.
عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: أقبل علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:
"يا معشر المهاجرين خمس خصالٍ إذا ابتليتم بهنّ وأعوذ باللّه أن تدركوهنّ لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطّ فيعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في

 

ج / 1 ص -408-      أسلافهم الّذين مضوا, ولم ينقصوا الكيل والميزان إلّا أخذوا بالسّنين, أي جمع سنةٍ وهي العام المقحط الّذي لا تنبت الأرض فيه شيئًا وقع مطر أو لا وشدّة المؤنة وجور السّلطان, ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء ولولا البهائم لم يمطروا, ولم ينقضوا عهد اللّه وعهد رسوله إلّا سلّط اللّه عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم, وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب اللّه ويتخيّروا فيما أنزل اللّه إلّا جعل اللّه بأسهم بينهم".
ومالك موقوفًا على ابن عبّاسٍ والطّبرانيّ وغيره مرفوعًا:
"ما ظهر الغلول في قومٍ إلّا ألقى اللّه في قلوبهم الرّعب, ولا فشا الزّنا في قومٍ إلّا كثر فيهم الموت, وما نقص قوم المكيال والميزان إلّا نقص اللّه عنهم الرّزق, ولا حكم قوم بغير حقٍّ إلّا فشا فيهم الدّم ولا ختر: أي بفتح المعجمة والفوقيّة والرّاء نقض وأخلّ قوم بالعهد إلّا سلّط اللّه عليهم العدوّ".
والبيهقيّ موقوفًا على ابن مسعودٍ وهو أشبه وهو وغيره بمعناه مرفوعًا "القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها إلّا الأمانة, قال يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل اللّه فيقال: أدّ أمانتك فيقول أي ربّ كيف وقد ذهبت الدّنيا؟ قال فيقال انطلقوا به إلى الهاوية فينطلقون به إلى الهاوية وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتّى يدركها فيحملها على منكبه حتّى إذا ظنّ أنّه خارج زلّت عن منكبه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين, ثمّ الصّلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة وأشياء عدّدها وأشدّ ذلك الودائع قال يعني زاذان: فأتيت البراء بن عازبٍ قلت ألا ترى إلى ما قال ابن مسعودٍ قال كذا قال كذا؟ قال: صدق, أما سمعت اللّه تعالى يقول:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً وهو ما صرّحوا به وهو ظاهر لأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل, ولهذا اشتدّ الوعيد عليه كما علمته من الآية وهذه الأحاديث, وأيضًا فإنّما سمّي مطفّفًا لأنّه لا يكاد يأخذ إلّا الشّيء الطّفيف وذلك ضرب من السّرقة والخيانة مع ما فيه من الإنباء عن عدم الأنفة والمروءة بالكلّيّة, ومن ثمّ عوقب بالويل الّذي هو شدّة العذاب أو الوادي في جهنّم لو سيّرت فيه جبال الدّنيا لذابت من شدّة حرّه نعوذ

 

ج / 1 ص -409-      باللّه منه, وأيضًا فقد شدّد اللّه تعالى عقوبة قوم شعيبٍ صلّى اللّه عليه وسلّم على نبيّنا وعليه على بخسهم المكيال والميزان.
فإن قلت: سيأتي في الغصب أنّ غصب ما دون ربع دينارٍ لا يكون كبيرةً فقضيّته أن يكون هذا كذلك.
قلت: ذلك مشكل فلا يقاس عليه بل حكي الإجماع على خلافه.
وقال الأذرعيّ: إنّه تحديد لا مستند له انتهى.
وعلى التّنزّل فقد يفرّق بأنّ الغصب ليس ممّا يدعو قليله إلى كثيره لأنّه إنّما يؤخذ على سبيل القهر والغلبة فقليله لا يدعو لكثيره بخلاف هذا فإنّه يؤخذ على سبيل المكر والخيانة والحيلة فكان قليله يدعو إلى كثيره فتعيّن التّنفير عنه بأنّ كلًّا من قليله وكثيره كبيرة أخذًا ممّا قالوه في شرب القطرة من الخمر فإنّه كبيرة وإن لم توجد فيها مفسدة الخمر لما تقرّر أنّ قليله يدعو إلى كثيره, فلا يشكل على هذا الفرق إلحاق جماعةٍ السّرقة بالغصب كما يأتي فيها, لأنّ السّارق على غايةٍ من الخوف فهو غير ممكّنٍ من مال غيره حتّى يقال إنّ القليل يدعو إلى الكثير بخلاف المطفّف فإنّه ممكّن من مال الغير, فدعاية القليل فيه إلى الكثير أسهل وأظهر, فتأمّل ذلك فإنّي لم أر من نبّه عليه ولا أشار إليه.
وممّا يؤيّد الفرق أنّ جماعةً شرطوا في الغصب ما مرّ, ومع ذلك قالوا لا يشترط ذلك في السّرقة وكأنّهم نظروا إلى ما ذكرته, وبما قرّرته من الفرق الظّاهر بين هذا والغصب يندفع جزم بعض المتأخّرين بأنّ التّطفيف بالشّيء التّافه صغيرة, إلّا أن يقال المنازعة في الغصب إنّما هي في التّحديد برفع دينارٍ.
وأمّا غصب الشّيء التّافه الّذي يسامح به أكثر النّاس, فينبغي أن يكون صغيرةً, وكذلك التّطفيف بالشّيء التّافه الّذي يسامح به أكثر النّاس ينبغي أن يكون صغيرةً أيضًا فهذا غير بعيدٍ, لكنّ ظاهر كلام الأكثرين أنّه لا فرق ومن ثمّ حكى ابن عبد السّلام أنّ غصب الحبّة وسرقتها كبيرة بالإجماع, وكأنّه أخذ ذلك من إطلاق الأكثرين الّذي أشرت إليه, ويأتي لذلك مزيد في الغصب فراجعه.
قال مالك بن دينارٍ رضي اللّه عنه: دخلت على جارٍ لي وقد نزل به الموت فجعل يقول جبلين من نارٍ جبلين من نارٍ قال: قلت له ما تقول؟ قال: يا أبا يحيى

 

ج / 1 ص -410-      كان لي مكيالان كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر قال مالك: فقمت فجعلت أضرب أحدهما بالآخر فقال يا أبا يحيى كلّما ضربت أحدهما بالآخر ازداد الأمر عظمًا وشدّةً فمات في مرضه.
وقال بعض السّلف: أشهد على كلّ كيّالٍ أو وزّانٍ بالنّار لأنّه لا يكاد يسلم إلّا من عصم اللّه.
وقال بعضهم: دخلت على مريضٍ قد نزل به الموت فجلعت ألقّنه الشّهادة ولسانه لا ينطق بها, فلمّا أفاق قلت له يا أخي مالي ألقّنك الشّهادة ولسانك لا ينطق بها؟ قال يا أخي لسان الميزان على لساني يمنعني من النّطق بها, فقلت له: باللّه أكنت تزن ناقصًا؟ فقال: لا واللّه, ولكنّي كنت أقف مدّةً لا أعتبر صنجة ميزاني, فإذا كان هذا حال من لا يعتبر صنجة ميزانه, فكيف حال من يزن ناقصًا.
وقال نافع: كان ابن عمر رضي اللّه عنهما يمرّ بالبائع يقول اتّق اللّه وأوف الكيل والوزن, فإنّ المطفّفين يوقفون حتّى إنّ العرق ليلجّمهم إلى أنصاف آذانهم وكالكيّالين والوزّانين فيما مرّ التّاجر إذا شدّ يده في الذّراع وقت البيع وأرخاها وقت الشّراء, وهذا من تطفيف فسقة البزّازين والتّجّار وما أحسن قول من قال: الويل ثمّ الويل لمن يبيع بحبّةٍ ينقصها جنّةً عرضها السّموات والأرض, ويشتري بحبّةٍ يزيدها واديًا في جهنّم يذيب جبال الدّنيا وما فيها.

باب القرض
"الكبيرة الرّابعة بعد المائتين: القرض الّذي يجرّ نفعًا للمقرض
وذكر هذه من الكبائر ظاهر لأنّ ذلك في الحقيقة ربًا كما مرّ في بابه
فجميع ما مرّ في الرّبا من الوعيد يشمل فاعل ذلك فاعلمه"

باب التفليس
"الكبيرة الخامسة والسّادسة بعد المائتين:
الاستدانة مع نيّته عدم الوفاء أو عدم رجائه بأن لم يضطرّ
ولا كان له جهة ظاهرة يفي منها والدّائن جاهل بحاله".
أخرج البخاريّ وغيره: "من أخذ أموال النّاس يريد إتلافها أتلفه اللّه".
والطّبرانيّ: "من ادّان دينًا وهو أن ينوي أن يؤدّيه أدّاه اللّه عنه يوم القيامة, ومن

 

ج / 1 ص -411-      استدان دينًا وهو ينوي أن لا يؤدّيه فمات قال اللّه عزّ وجلّ له يوم القيامة: ظننت أنّي لا آخذ لعبدٍ بحقّه فيؤخذ من حسناته فيجعل في حسنات الآخر فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات الآخر فيجعل عليه".
وابن ماجه والبيهقيّ بإسنادٍ متّصلٍ لا بأس به إلّا أنّ البخاريّ قال في أحد رواته فيه نظر: "أيّما رجلٍ يدين دينًا وهو مجمع أن لا يوفّيه لقي اللّه سارقًا".
والطّبرانيّ بسندٍ فيه متروك: "وأيّما رجلٍ تزوّج امرأةً فنوى أن لا يعطيها من صداقها شيئًا مات يوم يموت وهو زانٍ, وأيّما رجلٍ اشترى من رجلٍ بيعًا ينوي أن لا يعطيه من ثمنه شيئًا مات يوم يموت وهو خائن والخائن في النّار".
وابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ: "من مات وعليه درهم أو دينار قضي من حسناته ليس ثمّ دينار ولا درهم".
والطّبرانيّ: "الدّين دينان فمن مات وهو ينوي قضاءه فأنا وليّه, ومن مات وهو لا ينوي قضاءه فذلك الّذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذٍ دينار ولا درهم".
والطّبرانيّ في الصّغير والأوسط بسندٍ رواته ثقات: "أيّما رجلٍ تزوّج امرأةً على ما قلّ من المهر أو كثر ليس في نفسه أن يؤدّي إليها حقّها خدعها فمات ولم يؤدّ إليها حقّها لقي اللّه يوم القيامة وهو زانٍ, وأيّما رجلٍ استدان دينًا لا يريد أن يؤدّيه إلى صاحبه خدعه حتّى أخذ ماله فمات ولم يؤدّ إليه دينه لقي اللّه وهو سارق".
وأحمد والبزّار والطّبرانيّ وأبو نعيمٍ وإسناد أحدهم حسن: "يدعو اللّه بصاحب الدّين يوم القيامة حتّى يقف بين يديه فيقال: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدّين؟ وفيم ضيّعت حقوق النّاس؟ فيقول يا ربّ إنّك تعلم أنّي أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم ألبس ولم أضيّع.
ولكن إمّا حرق وإمّا سرق وإمّا وضيعة: أي بيع بأقلّ ممّا اشترى به.
فيقول اللّه صدق عبدي أنا أحقّ من قضى عنك فيدعو اللّه بشيءٍ فيضعه في كفّة ميزانه, فترجح حسناته على سيّئاته فيدخل الجنّة بفضل رحمته".
والنّسائيّ والحاكم وصحّحه عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"أعوذ باللّه من الكفر والدّين" فقال رجل يا رسول اللّه أتعدل الكفر بالدّين؟ قال: "نعم"

 

ج / 1 ص -412-      والطّبرانيّ: "صاحب الدّين مأسور بدينه يشكو إلى اللّه الوحدة".
وأبو داود والبيهقيّ: "إنّ أعظم الذّنوب عند اللّه أن يلقاه بها عبد بعد الكبائر الّتي نهى اللّه عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاءً".
وابن أبي الدّنيا والطّبرانيّ بإسنادٍ ليّنٍ الحديث الآتي بطوله في الغيبة إن شاء اللّه تعالى, وفيه:
"أربعة يؤذون أهل النّار على ما بهم من الأذى يسعون ما بين الحميم والجحيم يدعون بالويل والثّبور, يقول بعض أهل النّار لبعضٍ ما بال هؤلاء قد آذونا على ما بنا من الأذى".
قال: فرجل معلّق عليه تابوت من جمرٍ, ورجل يجرّ أمعاءه, ورجل يسيل فوه قيحًا ودمًا, ورجل يأكل لحمه فيقال لصاحب التّابوت: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى؟ فيقول إنّ الأبعد قد مات وفي عنقه أموال النّاس لا يجد لها قضاءً أو وفاءً".
وأحمد بإسنادٍ حسنٍ والحاكم وصحّحه عن جابرٍ قال: "توفّي رجل فغسّلناه وكفّنّاه وحنّطناه, ثمّ أتينا به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّي عليه, فقلنا تصلّي عليه فخطا خطوةً ثمّ قال: أعليه دين؟ قلنا ديناران فانصرف فتحمّلهما أبو قتادة فأتيناه فقال أبو قتادة الدّيناران عليّ.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: قد أوفى اللّه حقّ الغريم وبرئ منهما الميّت قال نعم فصلّى عليه ثمّ قال بعد ذلك بيومٍ ما فعل الدّيناران؟ قلت إنّما مات أمس قال فعاد إليه من الغد فقال قد قضيتهما فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"الآن كما برئت جلدته".
وكونه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يصلّي على المدين صحيح لكنّه نسخ فروى مسلم وغيره: "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يؤتى بالميّت عليه الدّين فيسأل هل ترك لدينه قضاءً؟ فإن حدث أنّه ترك وفاءً يصلّي عليه وإلّا قال صلّوا على صاحبكم, فلمّا فتح اللّه عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم, فمن توفّي وعليه دين فعليّ قضاؤه, من ترك مالًا فهو لورثته".
وروى الطّبرانيّ: "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل أن يصلّي على مدينٍ فقال ما ينفعكم أن أصلّي على رجلٍ روحه مرتهن في قبره لا تصعد روحه إلى السّماء فلو ضمن رجل دينه قمت فصلّيت عليه فإنّ صلاتي تنفعه".
وصحّ:
"نفس المؤمن معلّقة بدينه: أي محبوسة عن مقامها الكريم حتّى يقضى عنه دينه".

 

ج / 1 ص -413-      وصحّ عند الحاكم: "إنّ صاحبكم حبس على باب الجنّة بدينٍ كان عليه, فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب اللّه".
وصحّ: "إنّ اللّه مع المدين حتّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكرهه اللّه, وإنّ عبد اللّه بن جعفرٍ رضي اللّه عنهما كان يقول لخازنه: اذهب فخذ لي بدينٍ, فإنّي أكره أن أبيت ليلةً إلّا واللّه معي إذ سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم".
وصحّ: "من حمل من أمّتي دينًا ثمّ جهد في قضائه ثمّ مات قبل أن يقضيه فأنا وليّه.
ما من أحدٍ يدان دينًا يعلم اللّه أنّه يريد قضاءه إلّا أدّاه اللّه عنه في الدّنيا" روته ميمونة أمّ المؤمنين رضي اللّه عنها لمّا ليمت على إكثارها من الدّين, ولمّا ليمت عائشة أيضًا على الاستدانة ولها عنها مندوحة روت: "ما من عبدٍ كانت له نيّة في أداء دينه إلّا كان له من اللّه عون قالت فأنا ألتمس العون من اللّه تعالى" رواه أحمد بإسنادٍ صحيحٍ إلّا أنّ فيه انقطاعًا.
ووصله الطّبرانيّ بسندٍ فيه نظر وقال: "كان له من اللّه عون وسبّب له رزقًا".
وصحّ أيضًا: "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود اللّه فقد ضادّ اللّه في أمره, ومن مات وعليه دين فليس ثمّ دينار ولا درهم ولكنّها الحسنات والسّيّئات ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط اللّه حتّى ينزع, ومن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتّى يأتي بالمخرج ممّا قال".
وجاء عند البزّار وابن ماجه: "إنّ ممّن يقضي اللّه عنه دينه يوم القيامة من ضعفت قوّته في سبيل اللّه فاستدان ليقوى به على عدوّ اللّه وعدوّه ومن مات عنده مسلم لا يجد ما يكفّنه ويواريه بها إلّا بدينٍ, ومن خاف العزوبة فنكح خشيةً على دينه".
وصحّ: "والّذي نفسي بيده لو قتل رجل في سبيل اللّه ثمّ عاش ثمّ قتل ثمّ عاش ثمّ قتل وعليه دين ما دخل الجنّة حتّى يقضي دينه".
وصحّ
"لا تخيفوا أنفسكم بعد أمنها قالوا وما ذاك يا رسول اللّه؟ قال الدّين".
وروى البيهقيّ: "أقلّ من الذّنوب يهن عليك الموت, وأقلّ من الدّين تعش حرًّا".

 

ج / 1 ص -414-      وصحّ عند الحاكم, واعترض بأنّ فيه واهيًا: "الدّين راية اللّه في الأرض فإذا أراد أن يذلّ عبدًا وضعه في عنقه".
تنبيه: عدّ ذينك كبيرتين هو وإن لم أر من صرّح به صريح ما في هذه الأحاديث الصّحيحة من أنّه يلقى اللّه سارقًا والحديثان يشملان ذينك أمّا الأوّل: فواضح وأمّا الثّاني: فكذلك كما أشار إليه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله
"خدعه حتّى أخذ ماله", ولا شكّ أنّ من أخذ دينًا لا يرجو له وفاءً من جهة ظاهره والدّائن جاهل بحاله فقد خدع الآخذ منه حتّى أعطاه ماله, إذ لولا خديعته له لم يعطه له, وجميع التّغليظات في الدّين المذكورة في هذه الأحاديث وغيرها ينبغي حملها على إحدى هاتين الصّورتين اللّتين ذكرتهما في التّرجمة أو على ما لو استدانه ليصرفه في معصيةٍ وما جاء فيه من التّخفيف كالإعانة والقضاء عنه وغيرهما ينبغي حمله على ما لو استدانه في طاعةٍ ناويًا أداءه وله وجهة ظاهرة يؤدّي منها أو والدّائن عالم بحاله, وبهذا الّذي ذكرته وإن لم أره تجتمع الأحاديث ويزول ما يوهمه ظاهرها من التّعارض عند من لم يتأمّل فيها على نحو ما قرّرته, فتأمّل ذلك فإنّه مهمّ.
"الكبيرة السّابعة بعد المائتين:
مطل الغنيّ بعد مطالبته من غير عذرٍ".

أخرج الشّيخان والأربعة عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"مطل الغنيّ ظلم وإذا أتبع": أي بضمٍّ فسكونٍ أحيل قال الخطّابيّ: وتشديد المحدّثين التّاء خطأ "أحدكم عليّ مليءٍ فليتبع".
وابن حبّان في صحيحه والحاكم وصحّحه: "ليّ الواجد": أي مطل القادر على وفاء دينه "يحلّ عرضه وعقوبته": أي يبيح أن يذكر بين النّاس بالمطل وسوء المعاملة لا غيرهما, إذ المظلوم لا يجوز له أن يذكر ظالمه إلّا بالنّوع الّذي ظلمه به دون غيره, ويبيح أيضًا عقوبته بالحبس والضّرب وغيرهما.
والبزّار والطّبرانيّ في الأوسط بسندٍ فيه من وثّق ولا بأس به في المتابعات: "إنّ اللّه يبغض الغنيّ الظّلوم, والشّيخ الجهول, والعائل المختال": أي الفقير المتكبّر.
ورواه بنحوه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه, وكذا النّسائيّ وابن حبّان في صحيحه والتّرمذيّ والحاكم وصحّحاه والطّبرانيّ في الكبير: "ما قدّس اللّه أمّةً لا

 

ج / 1 ص -415-      يأخذ ضعيفها الحقّ من قويّها غير متعتعٍ, ثمّ قال: من انصرف غريمه وهو عنه راضٍ صلّت عليه دوابّ الأرض ونون الماء: أي حوته وليس من عبدٍ يلوّي غريمه وهو يجد إلّا كتب عليه في كلّ يومٍ وليلةٍ وجمعةٍ وشهرٍ ظلم".
والطّبرانيّ بسندٍ فيه من اختلف في توثيقه وأحمد بنحوه بسندٍ قويٍّ جيّدٍ عن خولة زوجة حمزة رضي اللّه عنهما: "أنّ رجلًا كان له على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وسق تمرٍ فأمر
أنصاريًّا أن يقضيه فقضاه دون تمره فأبى أن يقبضه فقال أتردّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: نعم, ومن أحقّ بالعدل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم, فاكتحلت عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدموعه, ثمّ قال صدق, ومن أحقّ بالعدل منّي لا قدّس اللّه أمّةً لا يأخذ ضعيفها حقّه من شديدها ولا يتعتعه, ثمّ قال يا خولة عدّيه واقضيه, فإنّه ليس من غريمٍ يخرج من عنده غريمه راضيًا إلّا صلّت عليه دوابّ الأرض ونون البحار, وليس من عبدٍ يلوّي غريمه وهو يجد إلّا كتب اللّه عليه في كلّ يومٍ وليلةٍ إثمًا", وتعتعه بفوقيّتين ومهملتين: أقلقه وأتعبه بكثرة تردّده إليه ومطله إيّاه, ويلوّي: يمطل ويسوّف وصحّ أيضًا "لا قدّست أمّة لا يعطى الضّعيف فيها حقّه غير متعتعٍ".
ورواه ابن ماجه بقصّةٍ, وهي: "أنّ أعرابيًّا كان له على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دين فتقاضاه إيّاه واشتدّ حتّى قال أحرّج عليك إلّا قضيتني فانتهره أصحابه, فقالوا ويحك تدري من تكلّم؟ قال إنّي أطلب حقّي فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: هلّا مع صاحب الحقّ كنتم؟ ثمّ أرسل إلى خولة فقال لها إن كان عندك تمر فأقرضينا حتّى يأتينا تمر فنقضيك, فقالت: نعم بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه فأقرضته, فقضى الأعرابيّ وأطعمه فقال أوفيت أوفى اللّه لك فقال أولئك خيار النّاس إنّه لا قدّست أمّة لا يأخذ الضّعيف فيها حقّه غير متعتعٍ".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً لم أره لكنّه صريح الحديث الأوّل وما بعده, إذ الظّلم وحلّ العرض والعقوبة من أكبر الوعيد, بل صرّح جماعة من أئمّتنا وزعموا فيه الاتّفاق بأنّ من امتنع من قضاء دينه مع قدرته عليه بعد أمر الحاكم له به, للحاكم أن يشدّد عليه في العقوبة فينخسه بحديدةٍ إلى أن يؤدّي أو يموت كما قيل بنظره في تارك الصّلاة على وجهٍ قال بعض الأئمّة: إنّه مقيس على ما هنا, فهو قياس ضعيفٍ على ضعيفٍ لأنّ القياس قد يكون على ضعيفٍ كما صرّح به الرّافعيّ في بعض المواضع وبهذا يتبيّن الرّدّ على أولئك الّذين فهموا ممّا توهّموه أنّ القياس لا يكون إلّا على متّفقٍ عليه أنّ ما هنا معتمد حيث جعل أصلًا مقيسًا عليه.

 

ج / 1 ص -416-      باب الحجر
"الكبيرة الثّامنة بعد المائتين: أكل مال اليتيم"
قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10] "قال قتادة: نزلت في رجلٍ من غطفان ولّي مال ابن أخيه وهو صغير يتيم فأكله" وقوله "ظلمًا": أي لأجله أو حال كونهم ظالمين, وخرج به أكلها بحقٍّ كأكل الوالي بشروطه المقرّرة في كتب الفقه قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] أي بمقدار الحاجة فحسب, أو بأن يأخذ قرضًا أو بقدر أجرة عمله أو إن اضطرّ فإن أيسر قضاه وإلّا فهو في حلّ أقوالٍ أربعةٍ, الصّحيح منها عندنا أنّ الوليّ إذا لم يتبرّع بالنّظر له فإن كان غنيًّا لم يأخذ منه شيئًا وإن كان فقيرًا, فإن كان وصيًّا وشغله عن كسبه النّظر في مال محجوره فله أن يأخذ منه ولو بلا قاضٍ أقلّ الأمرين من أجرته بقدر عمله في ذلك ومن مؤنته اللّائقة به عرفًا, ولا يجوز له أن يأخذ أكثر من الأقلّ أمّا القاضي فلا يأخذ شيئًا مطلقًا وأمّا الأب والجدّ والأمّ الوصيّة فلهم الكفاية إذ تجب نفقتهم في مال الولد, ولو تضجّر الأب أو الجدّ من النّظر في مال ولده نصّب له القاضي قيّمًا أو نصّبه القاضي وقدّر له أجرةً من مال الولد حيث لا متبرّع, وليس له مطالبة القاضي بتقدير أجرةٍ له ولو فقيرًا, وللوليّ أن يخلط طعامه بطعام اليتيم, وأن يضيّف من المخلوط لكن يشترط أن يكون له في ذلك مصلحة كأن يكون أوفر عليه ممّا لو أكل وحده, وأن تكون الضّيافة ممّا زاد على قدر ما يخصّ اليتيم كما هو ظاهر, و "إنّما" إلخ خبر "إنّ", و "في بطونهم" متعلّق بيأكلون خلافًا لمن منعه أو حال من نارٍ: أي نارًا كائنةً في بطونهم, وذكر تأكيدًا أو مبالغةً على حدّ {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ} [آل عمران: 167] {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] وأفاد كونه ظرفًا ليأكلون أنّ بطونهم أوعية النّار, إمّا حقيقةً بأن يخلق اللّه لهم نارًا يأكلونها في بطونهم أو مجازًا من إطلاق المسبّب وإرادة السّبب لكونه يفضي إليه ويستلزمه والمراد سائر أنواع الإتلاف, فإنّ ضرر اليتيم لا يختلف بكون إتلاف ماله بأكلٍ أو غيره وخصّ الأكل بالذّكر لأنّ عامّة

 

ج / 1 ص -417-      أموالهم في ذلك الوقت الأنعام, وهي يؤكل لحمها ويشرب لبنها, أو لكونه هو المقصود من التّصرّفات, والسّعير الجمر المتّقد من سعّرت النّار أوقدتها ولشدّة الوعيد الّذي تضمّنته هذه الآية قال ابن دقيق العيد: أكل مال اليتيم مجرّب لسوء الخاتمة والعياذ باللّه.
ومن ثمّ لمّا نزلت الآية تحرّج الصّحابة رضوان اللّه عليهم وامتنعوا من مخالطة اليتامى حتّى نزل قوله تعالى:
{وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة: 220] وزعم أنّ هذه ناسخة لتلك وهم فاحش لأنّ تلك في منع أكلها ظلمًا وهذا لا ينسخ وإنّما المراد أنّ مخالطتهم الممنوعة الشّديدة الوعيد والعقاب والعلامة على سوء الخاتمة وتأبيد العذاب هي الّتي على وجه الظّلم وإلّا كانت من أعظم البرّ فالآية الأولى في الشّقّ الأوّل والثّانية في الشّقّ الثّاني وهذا ظاهر جليّ, وقد جمع تعالى بينهما في قوله عزّ قائلًا: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]: وقد نبّه تعالى على تأكّد حقّ الأيتام ومزيد الاعتناء به بقوله قبل هذه الآية: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} [النساء: 9] إذ المراد بشهادة السّياق خلافًا لمن حمل الآية على أنّها في الوصيّة بأكثر من الثّلث أو نحو ذلك الحمل لمن كان في حجره يتيم على أنّه يحسن إليه حتّى في الخطاب, فلا يخاطبه إلّا بنحو يا بنيّ ممّا يخاطب به أولاده, ويفعل معه من البرّ والمعروف والإحسان والقيام في ماله ما يجب أن يفعل بماله وبذرّيّته من بعده فإنّ الجزاء من جنس العمل {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] أي الجزاء كما تدين تدان: أي كما تفعل يفعل معك بينما الإنسان آمن متصرّف في مال الغير وعلى أولاد غيره, وإذا بالموت قد حلّ به فيجزيه اللّه تعالى في ماله وذرّيّته وعياله وسائر تعلّقاته بنظير ما فعله مع غيره, إن خيرًا فخير, وإن شرًّا فشرّ.
فليخش العاقل على أولاده وماله إن لم يكن له خشية على دينه, ويتصرّف على الأيتام الّذين في حجره بما يجب أن يتصرّف وليّ أولاده لو كانوا أيتامًا عليهم في ماله وجاء: "إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود صلّى اللّه على نبيّنا وعليه: يا داود كن لليتيم كالأب الرّحيم, وكن للأرملة كالزّوج الشّفيق".
واعلم أنّك كما تزرع كذا تحصد: أي كما تفعل يفعل معك, إذ لا بدّ أن

 

ج / 1 ص -418-      تموت ويبقى لك ولد يتيم وامرأة أرملة.
وجاء في التّشديد في أموال اليتامى والظّلم فيها أحاديث كثيرة موافقة لما في الآية من ذلك
الوعيد الشّديد تحذيرًا للنّاس عن هذه الفاحشة الوخيمة المهلكة.
منها: أخرج مسلم وغيره: "يا أبا ذرٍّ إنّي أراك ضعيفًا, وإنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي, لا تأمّرنّ على اثنين, ولا تلينّ مال يتيمٍ".
والشّيخان وغيرهما: "اجتنبوا السّبع الموبقات أي المهلكات قالوا يا رسول اللّه وما هنّ؟ قال الشّرك باللّه والسّحر, وقتل النّفس الّتي حرّم اللّه إلّا بالحقّ, وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم" الحديث.
والبزّار: "الكبائر سبع الإشراك باللّه, وقتل النّفس بغير حقٍّ, وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم" الحديث.
والحاكم وصحّحه:
"أربع حقّ على اللّه أن لا يدخلهم الجنّة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن خمرٍ, وآكل الرّبا, وآكل مال اليتيم بغير حقٍّ, والعاقّ لوالديه".
وابن حبّان في صحيحه: "إنّ من جملة كتابه صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي أرسله مع عمرو بن حزمٍ إلى أهل اليمن: وإنّ أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة الإشراك باللّه, وقتل النّفس المؤمنة بغير حقٍّ, والفرار في سبيل اللّه يوم الزّحف وعقوق الوالدين, ورمي المحصنة, وتعلّم السّحر, وأكل الرّبا, وأكل مال اليتيم".
وأبو يعلى: "يبعث يوم القيامة قوم في قبورهم تأجّج أفواههم نارًا, فقيل من هم يا رسول اللّه؟ قال: ألم تر أنّ اللّه يقول:
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} [النساء: 10].
وفي حديث المعراج عند مسلمٍ:
"فإذا أنا برجالٍ قد وكّل بهم رجال يفكّون لحاهم, وآخرون يجيئون بالصّخور من النّار فيقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا".
وفي تفسير القرطبيّ عن أبي سعيدٍ الخدريّ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "رأيت ليلة أسري بي قومًا لهم مشافر كمشافر الإبل, وقد وكّل بهم من يأخذ مشافرهم, ثمّ

 

ج / 1 ص -419-      يجعل في أفواههم صخرًا من نارٍ تخرج من أسافلهم فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هم الّذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ما اتّفقوا عليه لما ذكر, وظاهر كلامهم أنّه لا فرق بين أكل قليله وكثيره ولو حبّةً على ما مرّ في بخس الكيل والوزن ويفرّق بينه وبين ما سيأتي عنهم في الغصب والسّرقة بنظير ما فرّقت به بين ذينك والتّطفيف كما مرّ آنفًا فيه من أنّه متمكّن من التّصرّف في مال اليتيم, فلو لم يحكم في القليل بكونه كبيرةً لجرّه ذلك إلى الكثير إذ لا مانع له لأنّه مستولٍ على الكلّ فتعيّن الحكم بالكبيرة على أخذ القليل والكثير بخلافه في ذينك فإنّه لا يلزم عليهما ذلك كما بسطته في التّنظيف قريبًا فراجعه فإنّه مهمّ, وبه يندفع قول من زعم أنّ أخذ التّافه من مال اليتيم صغيرة, وسيأتي في الغصب ما له تعلّق بذلك.
خاتمة: في كفالة اليتيم والشّفقة عليه, والسّعي على الأرملة:
أخرج البخاريّ: "أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا, وأشار بإصبعيه السّبّابة والوسطى وفرّج بينهما".
ومسلم:
"كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنّة وأشار مالك بالسّبّابة والوسطى".
والبزّار:
"من كفل يتيمًا له ذو قرابةٍ أو لا قرابة له فأنا وهو في الجنّة كهاتين وضمّ إصبعيه".
"ومن سعى على ثلاث بناتٍ فهو في الجنّة, وكان له كأجر المجاهد في سبيل اللّه صائمًا قائمًا".
وابن ماجه:
"من عال ثلاثةً من الأيتام كان كمن قام ليله وصام نهاره وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل اللّه وكنت أنا وهو في الجنّة أخوان, كما أنّ هاتين أختان, وألصق إصبعيه السّبّابة والوسطى".
والتّرمذيّ وصحّحه:
"من قبض يتيمًا من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله اللّه الجنّة ألبتّة إلّا أن يعمل ذنبًا لا يغفر له" وفي روايةٍ سندها حسن: "حتّى يستغني عنه وجبت له الجنّة ألبتّة".

 

ج / 1 ص -420-      وابن ماجه: "خير بيتٍ في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه, وشرّ بيتٍ في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه".
وأبو يعلى بسندٍ حسنٍ: "أنا أوّل من يفتح باب الجنّة إلّا أنّي أرى امرأةً تبادرني, فأقول ما لك ومن أنت؟ تقول: أنا امرأة قعدت على أيتامٍ لي".
والطّبرانيّ بسندٍ رواته ثقات إلّا واحدًا ومع ذلك ليس بالمتروك: "والّذي بعثني بالحقّ لا يعذّب اللّه يوم القيامة من رحم اليتيم ولان له في الكلام ورحم يتمه وضعفه, ولم يتطاول على جاره بفضل ما آتاه اللّه".
وأحمد وغيره: "من مسح على رأس يتيمٍ لم يمسحه إلّا للّه كانت له في كلّ شعرةٍ مرّت عليها يده حسنات ومن أحسن إلى يتيمٍ أو يتيمةٍ عنده كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين" الحديث.
وأخرج جماعة وصحّحه الحاكم على احتمالٍ: "إنّ اللّه تعالى قال ليعقوب إنّ سبب ذهاب بصره وانحناء ظهره وفعل إخوة يوسف به ما فعلوا أنّه أتاه يتيم مسكين صائم جائع وقد ذبح هو وأهله شاةً فأكلوها ولم يطعموه, ثمّ أعلمه اللّه تعالى بأنّه لم يحبّ شيئًا من خلقه حبّه لليتامى والمساكين وأمره أن يصنع طعامًا ويدعو المساكين ففعل".
والشّيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "السّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه تعالى وأحسبه قال وكالقائم لا يفتر وكالصّائم لا يفطر".
وابن ماجه: "السّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل اللّه وكالّذي يقوم اللّيل ويصوم النّهار".
قال بعض السّلف: كنت في بدء أمري سكّيرًا مكبًّا على المعاصي, فرأيت يومًا يتيمًا فأكرمته كما يكرم الولد بل أكثر, ثمّ نمت فرأيت الزّبانية أخذوني أخذًا مزعجًا إلى جهنّم وإذا باليتيم قد اعترضني, فقال دعوه حتّى أراجع ربّي فيه فأبوا فإذا النّداء خلّوا عنه فقد وهبنا له ما كان منه بإحسانه إليه, فاستيقظت وبالغت في إكرام اليتامى من يومئذٍ.

 

ج / 1 ص -421-      وكان لبعض مياسير العلويّين بنات من علويّةٍ فمات واشتدّ بهنّ الفقر إلى أن رحلن عن وطنهنّ خوف الشّماتة, فدخلن مسجد بلدٍ مهجورًا فتركتهنّ أمّهنّ فيه وخرجت تحتال لهنّ في القوت
فمرّت بكبير البلد وهو مسلم, فشرحت له حالها فلم يصدّقها وقال: لا بدّ أن تقيمي عندي البيّنة بذلك فقالت أنا غريبة فأعرض عنها, ثمّ مرّت بمجوسيٍّ فشرحت له ذلك فصدّق, وأرسل بعض نسائه فأتت بها وببناتها إلى داره فبالغ في إكرامهنّ, فلمّا مضى نصف اللّيل رأى ذلك المسلم القيامة قد قامت والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم معقود على رأسه لواء الحمد وعنده قصر عظيم. فقال يا رسول اللّه لمن هذا القصر؟ قال لرجلٍ مسلمٍ, قال أنا مسلم موحّد قال صلّى اللّه عليه وسلّم: أقم عندي البيّنة بذلك فتحيّر, فقصّ له صلّى اللّه عليه وسلّم خبر العلويّة, فانتبه الرّجل في غاية الحزن والكآبة إذ ردّها, ثمّ بالغ في الفحص عنها حتّى دلّ عليها بدار المجوسيّ فطلبها منه فأبى وقال قد لحقني من بركاتهنّ, فقال خذ ألف دينارٍ وسلّمهنّ إليّ فأبى, فأراد أن يكرهه, فقال الّذي تريده أنا أحقّ به, والقصر الّذي رأيته في النّوم خلق لي, أتفخر عليّ بإسلامك, فواللّه ما نمت أنا وأهل داري حتّى أسلمنا كلّنا على يد العلويّة, ورأيت مثل منامك وقال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: العلويّة وبناتها عندك؟ قلت نعم يا رسول اللّه. قال: القصر لك ولأهل دارك فانصرف المسلم وبه من الكآبة والحزن ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى.
"الكبيرة التّاسعة بعد المائتين: إنفاق مالٍ ولو فلسًا في محرّمٍ ولو صغيرةً"
وعدّي لهذه من الكبائر لم أره لكنّه هو الّذي يدلّ عليه كلامهم, فإنّهم عدّوا ذلك سفهًا وتبذيرًا موجبًا للحجر, وصرّحوا مع ذلك بأنّ السّفيه المحجور عليه لا تصحّ شهادته ولا يلي نحو نكاح ابنته, ومنع الشّهادة مع نحو الولاية ينبئ عن الفسق, ومن لازم كون ذلك فسقًا أنّه كبيرة فظهر ما ذكرته, ويوجّه من حيث المعنى بأنّه لا أعزّ عند النّفس من المال, فإذا هان عليها صرفه في معصيةٍ دلّ على الانهماك التّامّ في محبّة المعاصي, ولا شكّ أنّ هذا الانهماك ينشأ عنه مفاسد عظيمة جدًّا, فاتّجه أنّ ذلك كبيرة من حيث المعنى أيضًا.

 

ج / 1 ص -422-      باب الصلح
"الكبيرة العاشرة بعد المائتين":
إيذاء الجار ولو ذمّيًّا كأن يشرف على حرمه
أو يبني ما يؤذيه ممّا لا يسوّغ له شرعًا
أخرج الشّيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يؤذي جاره, ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليكرم ضيفه, ومن كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت".
ومسلم:
"من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحسن إلى جاره". وفي روايةٍ سندها حسن: "فليكرم جاره".
وأحمد بسندٍ رواته ثقات والطّبرانيّ أنّه "صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه: ما تقولون في الزّنا؟ قالوا حرام حرّمه اللّه ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: لأن يزني الرّجل بعشر نسوةٍ أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره. قال فما تقولون في السّرقة؟ قالوا حرّمها اللّه ورسوله فهي حرام إلى يوم القيامة. قال: لأن يسرق الرّجل من عشرة أبياتٍ أيسر عليه من أن يسرق من جاره".
وأحمد والشّيخان:
"واللّه لا يؤمن, واللّه لا يؤمن, واللّه لا يؤمن, قالوا من يا رسول اللّه؟ قال: الّذي لا يأمن جاره بوائقه", زاد أحمد: "قالوا يا رسول اللّه وما بوائقه؟ قال شرّه".
والشّيخان:
"واللّه لا يؤمن, واللّه لا يؤمن, واللّه لا يؤمن قيل يا رسول اللّه لقد خاب وخسر من هذا؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه: قالوا يا رسول اللّه وما بوائقه؟ قال شرّه".
وأبو يعلى:
"ما هو بمؤمنٍ من لا يأمن جاره بوائقه".
والأصبهانيّ: "إنّ الرّجل لا يكون مؤمنًا حتّى يأمن جاره بوائقه, يبيت حين يبيت وهو آمن من شرّه, وإنّ المؤمن الّذي نفسه في عناءٍ والنّاس منه في راحةٍ".
ومسلم:
"والّذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتّى يحبّ لجاره أو لأخيه ما يحبّ لنفسه".

 

ج / 1 ص -423-      والطّبرانيّ: "أتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رجل فقال يا رسول اللّه إنّي نزلت في محلّة بني فلانٍ, وإنّ أشدّهم لي أذًى أقربهم لي جوارًا, فبعث صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ وعمر وعليًّا يأتون المسجد فيقومون على بابه فيصيحون ألا إنّ أربعين دارًا جار, ولا يدخل الجنّة من خاف جاره بوائقه".
وأحمد وابن أبي الدّنيا:
"لا يستقيم إيمان عبدٍ حتّى يستقيم قلبه, ولا يستقيم قلبه حتّى يستقيم لسانه, ولا يدخل الجنّة حتّى يأمن جاره بوائقه".
وأحمد بسندٍ جيّدٍ وأبو يعلى والبزّار:
"المؤمن من أمنه النّاس, والمسلم من سلم النّاس من لسانه ويده, والمهاجر من هجر السّوء, والّذي نفسي بيده لا يدخل الجنّة عبد لا يأمن جاره بوائقه".
وأحمد وغيره: "إنّ اللّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم, وإنّ اللّه تعالى يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ ولا يعطي الدّين إلّا من أحبّ, فمن أعطاه الدّين فقد أحبّه, والّذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتّى يسلم قلبه ولسانه, ولا يؤمن حتّى يأمن جاره بوائقه, قلت وما بوائقه؟ قال غشّه وظلمه, ولا يكسب مالًا من حرامٍ فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدّق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلّا كان زاده إلى النّار إنّ اللّه لا يمحو السّيّئ بالسّيّئ ولكن يمحو السّيّئ بالحسن, إنّ الخبيث لا يمحو الخبيث".
وأبو الشّيخ بن حبّان: "من أذى جاره فقد أذاني, ومن أذاني فقد أذى اللّه, ومن حارب جاره فقد حاربني, ومن حاربني فقد حارب اللّه عزّ وجلّ".
والطّبرانيّ وفيه نكارة "خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزاةٍ فقال: لا يصحبنا اليوم من أذى جاره فقال رجل من القوم أنا بلت في أصل حائط جاري, فقال لا تصحبنا اليوم".
والنّسائيّ والحاكم وصحّحه على شرط مسلمٍ وابن حبّان في صحيحه "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من جار السّوء في دار المقامة فإنّ جار البادية يتحوّل".
وأحمد واللّفظ له والطّبرانيّ بإسنادٍ جيّدٍ: "أوّل خصمين يوم القيامة جاران".

 

ج / 1 ص -424-      والطّبرانيّ: "جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يشكو جاره فقال اطرح متاعك على الطّريق فطرحه, فجعل النّاس يمرّون عليه ويلعنونه, فجاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال يا رسول اللّه ما لقيت من النّاس, فقال: وما لقيت منهم؟ قال يلعنوني قال: لقد لعنك اللّه قبل النّاس قال: إنّي لا أعود فجاء الّذي شكاه إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ارفع متاعك فقد كفيت".
ورواه البزّار بإسنادٍ حسنٍ بنحو إلّا أنّه قال: "ضع متاعك على الطّريق أو على ظهر الطّريق فوضعه, فكان كلّ من مرّ به قال ما شأنك قال جاري يؤذيني فيدعو عليه فجاء جاره فقال: ردّ متاعك فلا أؤذيك أبدًا" وأبو داود واللّفظ له وابن حبّان في صحيحه والحاكم وصحّحه على شرط مسلمٍ: "جاء رجل يشكو جاره فقال له اذهب فاصبر, فأتاه مرّتين أو ثلاثًا, فقال اذهب فاطرح متاعك في الطّريق ففعل, فجعل النّاس يمرّون ويسألونه ويخبرهم خبر جاره فجعلوا يلعنونه فعل اللّه به وفعل, وبعضهم يدعو عليه فجاء إليه جاره فقال ارجع فإنّك لن ترى منّي شيئًا تكرهه".
وأحمد والبزّار وابن حبّان في صحيحه والحاكم وصحّحه: "قال رجل يا رسول اللّه إنّ فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنّها تؤذي جيرانها بلسانها قال هي في النّار, قال يا رسول اللّه فإنّ فلانة تذكر من قلّة صلاتها وصيامها وإنّها تصدّق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها قال هي في الجنّة".
وفي روايةٍ صحيحةٍ أيضًا:
"فلانة تصوم النّهار وتقوم اللّيل وتؤذي جيرانها قال هي في النّار".
قالوا يا رسول اللّه فلانة تصلّي المكتوبات وتصدّق بالأثوار: أي بالمثلّثة جمع ثورٍ وهو القطعة من الأقط, ولا تؤذي جيرانها قال هي في الجنّة".
والطّبرانيّ عن معاوية بن حيدة: قلت يا رسول اللّه ما حقّ الجار على جاره؟ قال:
"إن مرض عدته, وإن مات شيّعته, وإن استقرضك أقرضته, وإن أعور سترته".
وفي روايةٍ لأبي الشّيخ: "وإن استعانك أعنته, وإن احتاج أعطيته, هل تفقهون ما أقول لكم لن يؤدّي حقّ الجار إلّا قليل ممّن رحم اللّه".
وفي روايةٍ للخرائطيّ: "وإذا افتقر عدت عليه, وإذا أصابه خير هنّيته, وإن أصابته مصيبة عزّيته, وإذا مات اتّبعت جنازته, ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه

 

ج / 1 ص -425-      الرّيح إلّا بإذنه, ولا تؤذه بفائح قدرك إلّا أن تغرف له منها وإن اشتريت فاكهةً فأهد له منها, فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا, ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده" ورواه الأصبهانيّ بنحوه.
قال الحافظ المنذريّ : ولا يخفى أنّ كثرة هذه الطّرق تكسبه قوّةً.
والطّبرانيّ بإسنادٍ حسنٍ:
"ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم".
وفي روايةٍ صحيحةٍ: 
"ليس المؤمن الّذي يشبع وجاره جائع" والطّبرانيّ: "جاء رجل فقال يا رسول اللّه اكسني فأعرض عنه, فقال يا رسول اللّه اكسني فقال أما لك جار له فضل ثوبين؟ قال: بلى غير واحدٍ قال فلا يجمع بينك وبينه في الجنّة".
والأصبهانيّ: "كم من جارٍ متعلّقٍ بجاره يوم القيامة يقول يا ربّ سل هذا لم أغلق عنّي بابه, ومنعني فضله".
والتّرمذيّ وغيره موصولًا ومقطوعًا بضعفٍ فيه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من يأخذ منّي هذه الكلمات فيعمل بهنّ أو يعلّم من يعمل بهنّ؟ فقلت أنا يا رسول اللّه فأخذ بيدي فعدّ خمسًا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: اتّق المحارم تكن أعبد النّاس, وارض بما قسم اللّه لك تكن أغنى النّاس, وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا, وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مسلمًا, ولا تكثر الضّحك فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب".
والتّرمذيّ وقال حسن غريب وابنا خزيمة وحبّان في صحيحيهما والحاكم وصحّحه على شرط مسلمٍ: "خير الأصحاب عند اللّه تعالى خيرهم لصاحبه, وخير الجيران عند اللّه تعالى خيرهم لجاره"وفي حديثٍ صحيحٍ:
"إنّ من جملة من يحبّهم اللّه عزّ وجلّ رجل كان له جار سوءٍ يؤذيه فصبر على أذاه حتّى يكفيه اللّه إيّاه بحياةٍ أو موتٍ".
والشّيخان وغيرهما: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه".

 

ج / 1 ص -426-      وأحمد بإسنادٍ جيّدٍ ورواته رواة الصّحيح "عن رجلٍ من الأنصار قال: خرجت مع أهلي أريد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وإذا به قائم وإذا رجل مقبل عليه فظننت أنّ له حاجةً فجلست, فواللّه لقد قام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى جعلت أرثي له من طول القيام, ثمّ انصرف فقمت إليه فقلت يا رسول اللّه لقد قام بك هذا الرّجل حتّى جعلت أرثي لك من طول القيام قال أتدري من هذا؟ قلت لا قال هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه, أما إنّك لو سلّمت عليه لردّ عليك السّلام".
والطّبرانيّ بإسنادٍ جيّدٍ عن أبي أمامة رضي اللّه عنه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على ناقته الجدعاء في حجّة الوداع يقول:
"أوصيكم بالجار حتّى أكثر, فقلت إنّه يورّثه".
وأبو داود والتّرمذيّ وقال حسن غريب: "إنّ عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما ذبحت له شاة في أهله, فلمّا جاء قال أهديتم لجارنا اليهوديّ؟ قلنا: لا. قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول:
"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه".
وطرق هذا المتن كثيرة عن جماعةٍ من الصّحابة رضوان اللّه عليهم أجمعين وأحمد بسندٍ رواته رواة الصّحيح "من سعادة المرء الجار الصّالح والمركب الهنيء والمسكن الواسع".
وابن حبّان في صحيحه: "أربع من السّعادة: المرأة الصّالحة, والمسكن الواسع, والجار الصّالح, والمركب الهنيء. وأربع من الشّقاء الجار السّوء, والمرأة السّوء, والمركب السّوء, والمسكن الضّيّق".
والطّبرانيّ في الكبير والأوسط: "إنّ اللّه عزّ وجلّ ليدفع بالمسلم الصّالح عن مائة أهل بيتٍ من جيرانه البلاء, ثمّ قرأ:
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251].
والبيهقيّ "أنّ رجلًا قال يا رسول اللّه دلّني على عملٍ إذا عملت به دخلت الجنّة؟ فقال: كن محسنًا فقال يا رسول اللّه كيف أعلم أنّي محسن؟ قال: سل جيرانك, فإن قالوا إنّك محسن فأنت محسن, أو قالوا إنّك مسيء فأنت مسيء".

 

ج / 1 ص -427-      تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو صريح ما في الأحاديث الكثيرة الصّحيحة وبه صرّح بعضهم.
فإن قلت: إيذاء المسلم كبيرة مطلقًا فما وجه تخصيص الجار؟
قلت: كأنّ وجه التّخصيص أنّ إيذاء غير الجار لا بدّ فيه أن يكون له وقع بحيث لا يحتمل عادةً بخلاف إيذاء الجار فإنّه لا يشترط في كونه كبيرةً أن يصدق عليه عرفًا أنّه إيذاء.
ووجه الفرق بينهما ظاهر لما علم من هذه الأحاديث الصّحيحة من تأكّد حرمة الجار والمبالغة في رعاية حقوقه.
واعلم أنّ الجيران ثلاثة: قريب مسلم فله ثلاثة حقوقٍ: حقّ الجوار وحقّ الإسلام وحقّ القرابة.
ومسلم فقط فله الحقّان الأوّلان, وذمّيّ فله الحقّ الأوّل فيتعيّن صونه عن إيذائه, وينبغي الإحسان إليه فإنّ ذلك ينتج خيرًا كثيرًا كما فعل سهل التّستريّ بجاره المجوسيّ فإنّه انفتح من خلائه محلّ لدار سهلٍ يتساقط منه القذر, فأقام سهل مدّةً ينحّي ليلًا ممّا يجتمع منه في بيته نهارًا فلمّا مرض أحضر المجوسيّ وأخبره واعتذر بأنّه خشي من ورثته أنّهم لا يحتملون ذلك فيخاصمونه, فعجب المجوسيّ من صبره على هذا الإيذاء العظيم قال له تعاملني بذلك منذ هذا الزّمان الطّويل وأنا مقيم على كفري مدّ يدك لأسلم فمدّ يده فأسلم, ثمّ مات سهل رحمه اللّه فتأمّل نتيجة الصّبر وعاقبته وفّقنا اللّه لذلك وغيره آمين.
"الكبيرة الحادية عشرة بعد المائتين: البناء فوق الحاجة للخيلاء"
أخرج ابن أبي الدّنيا عن عمّار بن ياسرٍ قال: " إذا رفع الرّجل بناءً فوق سبعة أذرعٍ نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين؟ " وروي حديثًا مرفوعًا لكنّه لم يصحّ.
وأبو داود عن "أنسٍ رضي اللّه عنه قال: خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونحن معه فرأى قبّةً مشرفةً فقال ما هذه؟ قال أصحابه هذه لفلانٍ رجلٍ من الأنصار فسكت وحملها في نفسه حتّى إذا جاء صاحبها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم, سلّم عليه في النّاس فأعرض عنه, صنع ذلك مرارًا حتّى عرف الرّجل الغضب في وجهه والإعراض عنه, فشكا ذلك إلى أصحابه فقال واللّه إنّي لأنكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم, قالوا خرج فرأى قبّتك, فرجع الرّجل إلى قبّته فهدمها حتّى سوّاها بالأرض, فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات يومٍ فلم يرها قال

 

ج / 1 ص -428-      ما فعلت القبّة؟ قالوا شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها, فقال: أما إنّ كلّ بناءٍ وبال على صاحبه إلّا ما لا": أي ما لا بدّ منه.
وابن ماجه: "مرّ صلّى اللّه عليه وسلّم بقبّةٍ على باب رجلٍ من الأنصار فقال ما هذه؟ قالوا قبّة بناها فلان فقال صلّى اللّه عليه وسلّم: كلّ ما كان هكذا فهو وبال على صاحبه يوم القيامة, فبلغ الأنصاريّ ذلك فوضعها فمرّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بعد فلم يرها, فسأل عنها فأخبر أنّه وضعها لما بلغه عنه فقال يرحمه اللّه".
والطّبرانيّ بإسنادٍ جيّدٍ: "أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ ببنية قبّةٍ لرجلٍ من الأنصار فقال ما هذه؟ قالوا: قبّة فقال صلّى اللّه عليه وسلّم:
"كلّ بناءٍ وأشار بيده الشّريفة على رأسه أكثر من هذا فهو وبال على صاحبه يوم القيامة".
والطّبرانيّ وله شواهد:
"كلّ بنيانٍ وبال على صاحبه إلّا ما كان هكذا وأشار بكفّه, وكلّ علمٍ وبال على صاحبه إلّا من عمل به".
والطّبرانيّ في, الثّلاثة بإسنادٍ جيّدٍ: "إذا أراد اللّه بعبدٍ شرًّا أحضر له اللّبن والطّين حتّى يبني" وفي الأوسط: "إذا أراد اللّه بعبدٍ هوانًا أنفق ماله في البنيان". وفي الكبير مرسلًا بسندٍ فيه انقطاع: "من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة". وفي الكبير مرسلًا بسندٍ جيّدٍ: "
إنّ العبّاس رضي اللّه عنه بنى قبّةً, فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم اهدمها أو تصدّق بثمنها فقال أهدمها".
وصحّ على ما قاله الحاكم: "كلّ معروفٍ صدقة, وما أنفق الرّجل على أهله كتب له صدقةً, وما أنفق المؤمن من نفقةٍ فإنّ خلفها على اللّه, واللّه ضامن إلّا ما كان في بنيانٍ أو معصيةٍ".
وصحّ: "يؤجر المرء في نفقته كلّها إلّا التّراب أو قال في البناء".
وروى التّرمذيّ "النّفقة كلّها في سبيل اللّه إلّا البناء فلا خير فيه".
وأبو داود مرسلًا: "إنّ شرّ ما ذهب فيه مال المرء المسلم البنيان".
وفي حديث جبريل الصّحيح المتّفق عليه:
"إنّ من أشراط السّاعة تطاول رعاء الشّاء في البنيان".
وفي روايةٍ: "الحفاة العراة العالة": أي الفقراء "رعاء الشّاء".

 

ج / 1 ص -429-      تنبيه: عدّ هذا من الكبائر لم أره لكن صريح ما في الأثر الأوّل وما بعده, وذلك لأنّ ذلك
الأثر لا يقال من قبل الرّأي, وما جاء عن الصّحابة من ذلك يكون في حكم المرفوع إذ لا مجال للاجتهاد فيه, والأحاديث الّتي بعده منها ما هو صريح في الوعيد الشّديد, ومنها ما هو مشير إلى ذلك إذ غضبه صلّى اللّه عليه وسلّم وعدم ردّه السّلام وعدم رضاه إلّا بالهدم صريح في أنّ ذلك كبيرة, لكن ينبغي حمله على ما ذكرته في التّرجمة من أنّ ذلك إن قصد به الخيلاء أو نحوه وكذا التّعبير بالوبال والهوان والشّرّ كلّه صريح أو كالصّريح في الدّلالة على الوعيد الشّديد.
"الكبيرة الثانية عشرة بعد المأتين: تغيير منار الأرض"
أخرج أحمد ومسلم والنّسائيّ "عن عليٍّ كرّم اللّه وجهه قال: حدّثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأربع كلماتٍ, قلت: ما هنّ يا أمير المؤمنين؟ قال:
"لعن اللّه من ذبح لغير اللّه, لعن اللّه من لعن والديه, لعن اللّه من آوى محدثًا, لعن اللّه من غيّر منار الأرض", والمراد به علامات حدودها كما صرّح به الحديث الآتي في اللّواط, ولفظه: "ملعون من غيّر حدود الأرض".
تنبيه: عدّ هذا من الكبائر هو صريح هذا الحديث, وبه صرّح جماعة ووجهه أنّ فيه أكل أموال النّاس بالباطل أو إيذاء المسلمين الإيذاء الشّديد أو التّسبّب إلى أحد الأمرين وللوسائل حكم المقاصد, فشمل ذلك من غيرها من أحد الشّركاء أو الأجانب ومن تسبّب إلى ذلك كأن اتّخذ في أرض الغير ممشًى يصير بسلوكه طريقًا وإلّا جاز حيث لا ضرر وقد وقع للقفّال من أئمّتنا أنّه كان راكبًا بجانب ملكٍ وبالجانب الآخر إمام حنفيّ فضاقت الطّريق فسلك القفّال غيرها, فقال الحنفيّ للملك: سل الشّيخ أيجوز سلوك أرض الغير؟ فسأله الملك؟ فقال: نعم إذا لم تصر به طريقًا أي ولم يكن فيها نحو زرعٍ يضرّه السّلوك كما هو ظاهر.
"الكبيرة الثالثة عشرة بعد المأتين: إضلال الأعمى عن الطّريق"
روى أصحاب السّنن أنّه "صلّى اللّه عليه وسلّم لعن من أضلّ أعمى عن الطّريق".
تنبيه: عدّ هذا كبيرةً هو ما وقع في كلام بعضهم وكأنّه أخذه ممّا ذكرته لما مرّ أنّ اللّعن من علامات الكبيرة ووجهه ظاهر, لأنّه يدخل في إيذاء النّاس الإيذاء البليغ

 

ج / 1 ص -430-      الّذي لا يحتمل عادةً, لأنّ من يضلّ الأعمى عن الطّريق يتسبّب إلى وقوعه في مضارّ ومخاوف كثيرةٍ كما هو ظاهر فلم يبعد أن يكون السّبب إلى ذلك كبيرةً.
"الكبيرة الرّابعة والخامسة والسّادسة عشر, بعد المائتين":
التّصرّف في الطّريق الغير النّافذ بغير إذن أهله والتّصرّف في الشّارع بما يضرّ المارّة إضرارًا بليغًا غير سائغٍ شرعًا, والتّصرّف في الجدار المشترك بغير إذن شريكه بما لا يحتمل عادةً عند من قال بحرمة ذلك.
وذكري لهذه الثّلاثة معلوم من كلامهم وإن لم يصرّحوا به لأنّ كلّ ذلك يرجع إلى أذيّة النّاس الأذيّة البالغة والاستيلاء على حقوقهم تعدّيًا وظلمًا, ولا شكّ أنّ كلًّا من هذين الأمرين العامّين أعني الأذيّة والاستيلاء المذكورين يشمل هذه الثّلاثة وغيرها فذكرها إنّما هو تصريح بما علم من كلامهم كما تقرّر, والأدلّة الآتية في بحثي الغصب والظّلم وغيرهما تشمل هذه الثّلاثة فلا يغب عنك استحضارها هنا, وسيأتي في الغصب خبر
"من أخذ من طريق النّاس شبرًا جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين".

باب الضمان
"الكبيرة السّابعة عشرة بعد المائتين":
امتناع الضّامن ضمانًا صحيحًا في عقيدته من أداء ما ضمنه للمضمون له مع القدرة عليه سواء أضمن بإذنٍ أم لا.

وذكري لهذه في الكبائر ظاهر لأنّ الضّامن يثبت الدّين في ذمّته أيضًا حقيقةً فهو مدين ففيه جميع ما مرّ في مطل الغنيّ, لكنّ وجه تخصيص هذا بالذّكر خفاؤه على أكثر النّاس, لظنّهم أنّ تبرّعه بالضّمان لا يوقعه في هذه الورطة العظيمة وليس كما ظنّوا لأنّه وإن تبرّع بالضّمان يصير مديونًا حقيقةً حتّى يطالب به في الآخرة أيضًا كما اقتضاه إطلاق الأئمّة.

 

ج / 1 ص -431-      باب الشركة والوكالة:
"الكبيرة الثّامنة والتّاسعة عشرة بعد المائتين":
خيانة أحد الشّريكين لشريكه أو الوكيل لموكّله.

أخرج أبو يعلى والبيهقيّ عن النّعمان بن بشيرٍ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من خان شريكًا فيما ائتمنه عليه واسترعاه له فأنا بريء منه", وورد: "من خان من ائتمنه فأنا خصمه".
وفي الحديث المتّفق عليه:
"أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا, ومن كان فيه خصلةً منهنّ كان فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا حدّث كذب, وإذا ائتمن خان, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر".
وروى أبو داود والحاكم وصحّحه:
"يقول اللّه أنا ثالث الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه, فإذا خان خرجت من بينهما" وزاد رزين: "وجاء الشّيطان".
والدّارقطنيّ: "يد اللّه على الشّريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما", وهذا كالّذي قبله كناية عن إنزال البركة والحفظ والنّموّ ما داما جاريين على قانون الصّدق والأمانة, وعن محق البركة وتسليط الآفات على المال إذا وقعت من أحدهما خيانة.
والبزّار والدّارقطنيّ بإسنادٍ لا بأس به:
"المؤمن إذا حدّث صدق, وإذا عاهد لم يغدر, وإذا اؤتمن لم يخن".
تنبيه: عدّ هذين من الكبائر ظاهر من الأحاديث وإن لم يذكروه بخصوصه لأنّهم ذكروا من الكبائر ما يشمله كما يعلم ممّا يأتي في مواضع وسيأتي في الوديعة أحاديث أخر تتعلّق بذلك.

باب الإقرار:
"الكبيرة العشرون بعد المائتين":
الإقرار لأحد ورثته كذبًا أو لأجنبيٍّ بدينٍ أو عينٍ.

عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما قال:
"الإضرار في الوصيّة من الكبائر". رواه الدّارقطنيّ.
قال ابن أبي حاتمٍ: الصّحيح وقفه.

 

ج / 1 ص -432-      وروى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ الرّجل ليعمل بعمل الخير سبعين سنةً وإذا أوصى جار في وصيّته فيختم له بشرّ عمله فيدخل النّار, وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنةً فيعدل في وصيّته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنّة", ثمّ يقول أبو هريرة اقرءوا إن شئتم {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}إلى قوله: {ذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 13- 14].
وفي روايةٍ لأبي داود والتّرمذيّ عنه أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"إنّ الرّجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه ثمّ يحضرهما الموت فيضارّان في الوصيّة فتجب لهما النّار", ثمّ قرأ أبو هريرة رضي اللّه عنه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}إلى قوله: {الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 12- 13] قال التّرمذيّ حسن غريب.
تنبيه: عدّ الإضرار في الوصيّة كبيرةً هو ما صرّح به كثيرون ومنه ما ذكرته هنا, وسيأتي تتميمه في باب الوصيّة مع الكلام على الآية الّتي أشار إليها أبو هريرة.
"الكبيرة الحادية والعشرون بعد المأتين":
ترك إقرار المريض بما عليه من الدّيون أو عنده من الأعيان
إذا لم يعلم به من غير الورثة من يثبت بقوله
وعدّي لهذا كبيرةً ظاهر وإن لم يذكروه لأنّ ترك الإقرار بما ذكر في هذه الحالة فيه تسبّب ظاهر إلى ضياع حقّ الغير وضياع حقّ الغير كبيرة, فكذا التّسبّب إليه لما مرّ أنّ للوسائل حكم المقاصد, وسيأتي في عاصر الخمر ونحوه ما يصرّح بذلك.
"الكبيرة الثّانية والثّالثة والعشرون بعد المائتين":
الإقرار بنسبٍ كذبًا أو جحده كذلك

أخرج أحمد والطّبرانيّ عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"كفر من تبرّأ من نسبٍ وإن دقّ أو ادّعى نسبًا لا يعرف". وعمرو بن شعيب بن محمّد بن عبد اللّه بن عمرو بن العاص فيه كلام طويل والجمهور على توثيقه وعلى الاحتجاج بروايته عن أبيه عن جدّه.

 

ج / 1 ص -433-      والطّبرانيّ في الأوسط من رواية الحجّاج بن أرطاة وثّقه كثيرون وبالغوا في الثّناء عليه.
عن أبي بكرٍ الصّدّيق رضي اللّه عنه وكرّم اللّه وجهه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"من ادّعى نسبًا لا يعرف كفر باللّه, ومن انتفى من نسبٍ وإن دقّ كفر باللّه".
وأحمد:
"إنّ للّه عبادًا لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم قيل ومن أولئك يا رسول اللّه؟ قال متبرّئ من والديه راغب عنهما, ومتبرّئ من ولده, ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرّأ منهم" والمراد الإنعام بالعتق لخبر مسلمٍ: "من تولّى قومًا بغير إذن مواليه فعليه لعنة اللّه والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف".
تنبيه: ثبت بهذين الحديثين الصّحيحين وما اشتمل عليه من هذا الوعيد الشّديد جدًّا ما ذكرته وإن لم أر من صرّح به من أنّ كلًّا من ذينك كبيرة, وهو ظاهر لا مرية فيه لعظم ضرر كلٍّ منهما وما يترتّب عليه من القبائح والمفاسد وتغيير ما شرعه اللّه, لأنّ الولد إذا أنكر كذبًا
صار في حكم الأجنبيّ بالنّسبة للأحكام الظّاهرة, والأجنبيّ إذا جعل ولدًا يثبت له أحكام الولد ظاهرًا, وفي ذلك من المضارّ والمفاسد ما لا يخفى, ثمّ رأيت الجلال البلقينيّ عدّ من الكبائر ادّعاء الأب وهو يعلم أنّه غير أبيه واستدلّ بخبر الصّحيحين:
"من ادّعى أبًا في الإسلام يعلم أنّه غير أبيه فالجنّة عليه حرام".

باب العارية:
"الكبيرة الرّابعة والخامسة والسّادسة والعشرون بعد المائتين":
استعمال العاريّة في غير المنفعة الّتي استعارها لها أو إعارتها من غير إذن مالكها أو عند من قال بمنعها أو استعمالها بعد المدّة المؤقّتة بها.
وتصريحي بأنّ هذه الثّلاثة كبائر ظاهر من كلامهم, لأنّه يرجع إلى الغصب والظّلم الآتيين وكلّ منهما كبيرة إجماعًا إذ فيه ظلم للمالك, واستيلاء على حقّه وماله بغير حقٍّ, فكلّ ما ورد فيهما من الوعيد الشّديد في الأحاديث الآتية تشمل هذه الثّلاثة ونحوها.

 

ج / 1 ص -434-      باب الغصب:
"الكبيرة السّابعة والعشرون بعد المائتين":
الغصب, وهو الاستيلاء على مال الغير ظلمًا.

أخرج الشّيخان عن عائشة رضي اللّه عنها أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"من ظلم قيد شبرٍ من أرضٍ: أي قدره, طوّقه من سبع أرضين". قيل أراد طوق التّكليف لا طوق التّقليد, وهو أن يطوّق حملها يوم القيامة والأصحّ كما قاله البغويّ أنّه يخسف به الأرض فتصير البقعة في عنقه كالطّوق.
وممّا يصرّح به خبر الطّبرانيّ وأحمد وغيره الآتي قريبًا, وخبر البخاريّ وغيره:
"من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقّه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين".
ومسلم:
"لا يأخذ أحد شبرًا من الأرض بغير حقّه إلّا طوّقه اللّه إلى سبع أرضين يوم القيامة".
وأحمد بإسنادٍ صحيحٍ:
"من أخذ من الأرض شبرًا بغير حقّه طوّقه من سبع أرضين".
وأحمد والطّبرانيّ وابن حبّان في صحيحه:
"أيّما رجلٍ ظلم شبرًا من الأرض كلّفه اللّه عزّ وجلّ أن يحفر له حتّى يبلغ به سبع أرضين ثمّ يطوّقه يوم القيامة حتّى يقضى بين النّاس".
وأحمد والطّبرانيّ:
"من أخذ أرضًا بغير حقّها كلّف أن يحمل ترابها إلى المحشر".
والطّبرانيّ في الكبير:
"من ظلم من الأرض شبرًا كلّف أن يحفره حتّى يبلغ الماء, ثمّ يحمله إلى المحشر".
وأحمد والطّبرانيّ:
"من أخذ شيئًا من الأرض بغير حقّه طوّقه من سبع أرضين لا يقبل منه صرف ولا عدل".
وأحمد بسندٍ حسنٍ والطّبرانيّ في الكبير "عن ابن مسعودٍ: قلت يا رسول اللّه, أيّ ظلمٍ أظلم, فقال: ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حقّ أخيه فليس

 

ج / 1 ص -435-      حصاة من الأرض يأخذها إلّا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض, ولا يعلم قعرها إلّا اللّه الّذي خلقها".
وأحمد بإسنادٍ حسنٍ:
"أعظم الغلول عند اللّه ذراع في الأرض تجدون الرّجلين جارين في الأرض أو في الدّار فيقتطع أحدهما من حظّ صاحبه ذراعًا إذا اقتطعه طوّقه من سبع أرضين".
والطّبرانيّ "من غصب رجلًا أرضًا ظلمًا لقي اللّه وهو عليه غضبان".
والطّبرانيّ في الكبير والصّغير: "من أخذ من طريق المسلمين شبرًا جاء به يوم القيامة يحمله من سبع أرضين".
وابن حبّان في صحيحه عن أبي حميدٍ السّاعديّ رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لا يحلّ لمسلمٍ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسٍ منه". قال ذلك لشدّة ما حرّم اللّه من مال المسلم على المسلم.
تنبيه: اعتبر البغويّ وغيره في كون الغصب كبيرةً أن يكون المال المغصوب ربع دينارٍ.
وحكى القاضي الباقلّانيّ أنّ بعض المعتزلة اشترط أن يبلغ مائتي درهمٍ. وعن الجبّائيّ أنّه اشترط أن يبلغ عشرة دراهم. وعن الجبّائيّ وغيره أنّه اشترط بلوغه خمسة دراهم. وعن البصريّين أنّهم اشترطوا بلوغه درهمًا.
وقال الحليميّ: إن كان شيئًا تافهًا فصغيرة إلّا أن يكون صاحبه لا غنى به عنه فكبيرة.
قال الأذرعيّ: واشتراط ربع دينارٍ هو ما في إشراف الهرويّ وغيره ونسخ الرّافعيّ الصّحيحة ووقع في نسخٍ منه وفي الرّوضة أن يبلغ دينارًا وهو تحريف من ناقله انتهى.
وقال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام: كون شهادة الزّور كبيرةً كما في الخبر ظاهر إن وقعت في مالٍ خطيرٍ, فإن وقعت في مالٍ يسيرٍ كزبيبةٍ أو تمرةٍ فيجوز أن يجعل من الكبائر فطمًا عن هذه المفاسد, كما جعل شرب قطرةٍ من الخمر كبيرةً وإن لم يتحقّق المفسدة, ويجوز أن يضبط ذلك المال بنصاب السّرقة. قال: وكذلك القول في أكل مال اليتيم.

 

ج / 1 ص -436-      قال في الخادم: ويشهد للثّاني ما سبق عن الهرويّ.
وقال في التّوسّط: وألحق شريح الرّويانيّ وغيره أنّ أكل أموال اليتامى وغيرهم بالباطل من الكبائر, كأخذها رشوةً, ولم يفرّقوا بين أن يبلغ ذلك ربع دينارٍ أو لا, وكذا أطلق صاحب العدّة أكل مال اليتامى وأخذ الرّشوة وجرى على إطلاقه فيها وفي الخيانة في كيلٍ أو وزنٍ الشّيخان وفي نصّ الشّافعيّ ما يشهد له وذلك يورث ضعف التّقييد في المغصوب بربع دينارٍ انتهى.
وقال أيضًا: وقول صاحب العدّة ومنع الزّكاة كبيرة, قضيّته أنّه لا فرق بين منع القليل منها والكثير وهو الظّاهر.
وقياس اعتبار الهرويّ وغيره أن يكون المغصوب ربع دينارٍ أنّ منع ما دون ذلك.
ليس بكبيرةٍ, ولكنّه تحديد لا مستند له انتهى.
وقوله: لا مستند له ظاهر بل عن ابن عبد السّلام أنّهم أجمعوا على أنّ غصب الحبّة وسرقتها كبيرة انتهى ويوافقه قول القرطبيّ أجمع أهل السّنّة على أنّ من أكل مالًا حرامًا, ولو ما يصدق عليه اسم أكلٍ فسق وقال بشر بن المعتمر وطائفة من المعتزلة: يفسق بمائتي درهمٍ وابن الجبّائيّ بدرهمٍ فصاعدًا انتهى.
وكأنّ ابن عبد السّلام لم يعتدّ بمقابلة البغويّ والهرويّ وغيرهما السّابقة لضعف مدركها ولأنّه لا مستند لها كما تقرّر إذ الأحاديث الواردة في وعيد الغاصب وشاهد الزّور وأكل مال اليتيم والرّشوة والمطفّف والسّارق ومانع الزّكاة مطلقة فتتناول قليل ذلك وكثيره, فلا يجوز تخصيصها إلّا بدليلٍ سمعيٍّ إذ الحكم بالوعيد الشّديد المقتضي للكبيرة على أحد التّعاريف السّابقة إنّما يتلقّى من الشّارع, فإذا صحّ وعيد شديد في شيءٍ من غير تقييدٍ بقليلٍ ولا كثيرٍ وجب إجراء ذلك على إطلاقه وعدم تقييده إلّا بدليلٍ صحيحٍ سمعيّ أيضًا, وحيث لا دليل لذلك فلا مستند لذلك التّحديد كما قاله الأذرعيّ, فبان أنّ الوجه أنّ ذلك القيد في المسائل المذكورة كلّها ضعيف وأنّ المعتمد أنّه لا فرق في الحكم عليها بكونها كبائر وأنّ فاعلها يستحقّ ذلك الوعيد الشّديد بين القليل منها والكثير نعم الشّيء التّافه جدًّا الّذي تقضي العادة بالمسامحة به كزبيبةٍ أو عنبةٍ يمكن أن يقال إنّ غصبه صغيرة, لكنّ الإجماع السّابق ذكره عن ابن عبد السّلام الّذي إن لم نحمله على حقيقته حملناه على إجماع الأكثرين من العلماء

 

ج / 1 ص -437-      يردّ ذلك ويصرّح بأنّ ذلك كبيرة مطلقًا, لأنّ أموال النّاس وحقوقهم وإن قلّت لا يسامح فيها بشيءٍ نعم غصب نحو كلب الغير لا يكون كبيرةً كما جزم به بعضهم وهو محتمل.
ولمّا ذكر الجلال البلقينيّ بعض الأحاديث السّابقة في غصب الأرض قال: هل يلحق بالأرض غيرها إذ لا قائل بالفرق في التّحريم, فكما استويا في التّحريم استويا في الوعيد الشّديد أو يفرّق بأنّ الغصب في الأرض يعظم ضرره بخلاف غيرها, هذا موضع نظرٍ, وقد يحتجّ لذلك بحديث:
"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة" فإنّ من جملتها "رجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يوفّه أجره" فقد توعّد بهذا الوعيد الشّديد في غصب حقّه من الأجرة انتهى.
وهذا إنّما ذكره نظرًا للدّليل وإلّا فالأصحاب مصرّحون بأنّه لا فرق في كون الغصب كبيرةً بين الأرض وغيرها من الأموال على أنّ الظّاهر أنّ الجلال لم ير الحديث الأخير الّذي ذكرته قبيل التّنبيه إذ هو مصرّح في العصا بما يفيد الوعيد, فإذا انضمّ إلى الحديث الّذي ذكره في الأجرة أفاد أنّ الوعيد الشّديد جاء في غير الأرض أيضًا.

باب الإجارة:
"الكبيرة الثّامنة والعشرون بعد المائتين":
تأخير أجرة الأجير أو منعه منها بعد فراغ عمله

أخرج البخاريّ وغيره "عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"قال اللّه تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته, رجل أعطى بي ثمّ غدر, ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه, ورجل أستأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره".
وابن ماجه بسندٍ حسنٍ عن ابن عمر رضي اللّه عنه والطّبرانيّ عن جابرٍ وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي اللّه عنهم قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه".
تنبيه: ما ذكر من كون هذا كبيرةً هو ظاهر معلوم ممّا مرّ في الغصب ومطل الغنيّ, ولورود هذا الوعيد الشّديد فيه بخصوصه أفردته بالذّكر, ثمّ رأيت بعضهم عدّه من الكبائر وأفرده بالذّكر كما فعلت.

 

ج / 1 ص -438-      باب إحياء الموات
مرّ أنّ من الكبائر منع فضل الماء كما صرّح به الحديث الصّحيح.
"الكبيرة التاسعة والعشرون بعد المأتين":
البناء بعرفة أو مزدلفة أو منًى عند من قال بتحريمه.
وذكر هذا من الكبائر بناءً على القول بتحريمه ظاهر لأنّه على هذا القول يكون من غصب الأرض وقد مرّ أنّه كبيرة, وما مرّ فيه من الوعيد الشّديد, فيأتي ذلك كلّه فيمن فعل هذا معتقدًا لتحريمه.
"الكبيرة الثلاثون بعد المأتين":
منع النّاس من الأشياء المباحة لهم على العموم أو الخصوص كالأرض الميتة الّتي يجوز لكلّ أحدٍ إحياؤها, وكالشّوارع والمساجد والرّبط والمعادن الباطنة أو الظّاهرة.
فمنع واحدٍ من هذه عن أن ينتفع به من الوجه الجائز ينبغي أن يكون كبيرةً لأنّه شبيه بالغصب, فهو كما لو منع الإنسان من ملكه إذ استحقاقه للانتفاع بشيءٍ من ذلك كاستحقاقه للانتفاع بملكه. فكما أنّ منع الملك كبيرة فكذا منع هذا.
"الكبيرة الحادية والثلاثون بعد المأتين":
إكراء شيءٍ من الشّارع وأخذ أجرته وإن كان حريم ملكه أو دكّانه.
وعدّ هذا كبيرةً هو ما وقع في كلام غير واحدٍ من أئمّتنا في هذا الباب حيث قالوا إنّه فسق وضلال, ومن ثمّ قال الأذرعيّ فيما يفعله وكلاء بيت المال في الشّوارع من نحو أخذ أجره من الجالسين فيها: لا أدري بأيّ وجهٍ يلقى اللّه من يفعل ذلك.
"الكبيرة الثانية والثلاثون بعد المأتين":
الاستيلاء على ماءٍ مباحٍ ومنعه ابن السّبيل
أخرج الشّيخان عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"ثلاثة لا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماءٍ بفلاةٍ يمنعه ابن السّبيل" الحديث وقد مرّ ويأتي.
تنبيه: هذا هو صريح هذا الحديث, ولذا جزم كثيرون بعدّ ذلك كبيرةً, ولا بدّ من تقييد ذلك بمنعٍ يؤدّي إلى تضرّرٍ شديدٍ, وإلّا فمجرّد المنع والتّضرّر الخفيف لا يقتضي كون ذلك كبيرةً.

 

ج / 1 ص -439-      باب الوقف.
"الكبيرة الثّالثة والثّلاثون بعد المائتين: مخالفة شرط الواقف"
وذكري لهذا من الكبائر ظاهر وإن لم يصرّحوا به, لأنّ مخالفته يترتّب عليها أكل أموال النّاس بالباطل, وهو كبيرة.

باب اللقطة.
"الكبيرة الرّابعة والخامسة والثّلاثون بعد المائتين":
أن يتصرّف في اللّقطة قبل استيفاء شرائط تعريفها,
وتملّكها, وكتمها من ربّها بعد علمه به,

وكون كلٍّ من هذين كبيرةً هو ظاهر لأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل.

باب اللقيط:
"الكبيرة السّادسة والثّلاثون بعد المائتين: ترك الإشهاد عند أخذ اللّقيط"
وكون هذه كبيرةً هو ما صرّح به الزّركشيّ, وبه يعلم أنّ ما ذكرته في الباب الّذي قبل هذا وما قبله من الكبائر ظاهر لأنّها أولى بذلك من هذا لعظم مفاسدها, وإن كان في هذه مفسدة أيضًا وهي أنّ ترك الإشهاد ربّما أدّاه إلى ادّعاء رقّه, فإذا كان ما يؤدّي إلى مفسدةٍ هي ادّعاء الرّقّ كبيرةً لكونه يؤدّي إلى كبيرةٍ وهي ادّعاء رقّ الحرّ ولو بطريق الأصالة والدّار كما في اللّقيط فإنّ الحكم بحرّيّته إنّما هو كذلك, وذلك لأنّ للوسائل حكم المقاصد فأولى ما ذكرته ممّا سبق فإنّه بنفسه مفسدة أيّ مفسدةٍ, أو يؤدّي إلى مفسدةٍ أعظم أو أقرب وقوعًا من هذه المفسدة فبهذا يتّضح لك عدّي لكثيرٍ ممّا سبق من الكبائر وإن لم يذكروه, أو ذكروا ما قد يوهم خلافه, فتأمّل ذلك فإنّه مهمّ.

 

ج / 1 ص -440-      باب الوصية:
"الكبيرة السّابعة والثّلاثون بعد المائتين:
الإضرار في الوصيّة"
قال تعالى:
{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}أي في شأن المواريث على ما قاله ابن عبّاسٍ, والأحسن بقاؤه على عمومه {يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}أي فيما فرض اللّه من المواريث على ما قاله مجاهد وفيه ما مرّ: {يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا}أي أبدًا إن استحلّ وإلّا فالمراد بالخلود المدّة الطّويلة {وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 12- 14] أخذ ابن عبّاسٍ من هذه الآية أنّ الإضرار في الوصيّة من الكبائر لأنّه تعالى عقّبه بهذا الوعيد الشّديد كذا قيل وفيه قصور, على أنّ ابن عبّاسٍ روى ذلك عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم, فقد خرّج النّسائيّ عنه "عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "الإضرار في الوصيّة من الكبائر" ثمّ تلا: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}"فقد صرّح صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّ الإضرار في الوصيّة من الكبائر وسياق الآية شاهد لذلك, ومن ثمّ صرّح جمع من أئمّتنا وغيرهم بأنّ ذلك من الكبائر".
قال ابن عادلٍ في تفسيره: اعلم أنّ الإضرار في الوصيّة يقع على وجوهٍ: منها أن يوصي بأكثر من الثّلث, أو يقرّ بكلّ ماله أو بعضه لأجنبيٍّ, أو يقرّ على نفسه بدينٍ لا حقيقة له دفعًا للميراث عن الورثة, أو يقرّ بأنّ الدّين الّذي كان له على فلانٍ استوفاه منه, أو يبيع شيئًا بثمنٍ رخيصٍ, ويشتري شيئًا بثمنٍ غالٍ كلّ ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة, أو يوصي بالثّلث لا لوجه اللّه لكن لغرض تنقيص الورثة فهذا هو الإضرار في الوصيّة.
وروى عكرمة عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
"لو أنّ الرّجل يعمل عمل أهل الجنّة سبعين سنةً وحاف في وصيّته ختم له بشرّ عمله فيدخل النّار, وإنّ الرّجل ليعمل عمل أهل النّار سبعين سنةً فيعدل في وصيّته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنّة" وقال عليه أفضل الصّلاة والسّلام: "من قطع ميراثًا فرضه اللّه قطع اللّه ميراثه من الجنّة".
ويدلّ على ذلك قوله تعالى بعد هذه الآية:
{تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ}قال, ابن عبّاسٍ

 

ج / 1 ص -441-      في الوصيّة: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}. قال في الوصيّة: وأيضًا فمخالفة أمر اللّه عند القرب من الموت تدلّ على الخسارة الشّديدة, وذلك من أكبر الكبائر انتهى.
وجرى على ذلك كلّه الزّركشيّ, فإنّ بعض المتأخّرين قال: رأيت بخطّ الزّركشيّ ما لفظه وساق ما ذكرته عن ابن عادلٍ جميعه إلّا قليلًا منه, وهو عجيب من الزّركشيّ فإنّ ما أطلقه في الوصيّة بأكثر من الثّلث لا يأتي على قواعدنا لأنّ ذلك عندنا مكروه لا حرام فضلًا عن كونه كبيرةً. نعم الظّاهر أنّه يحرم عليه ذلك إن قصد حرمان ورثته, وعلم أنّ من أوصى له يستولي على أكثر من الثّلث ظلمًا وعدوانًا, وحينئذٍ فلا يبعد أن تعدّ وصيّته حينئذٍ كبيرةً لأنّ فيه أبلغ الإضرار بالورثة سيّما في هذه الحالة الّتي يصدق فيها الكاذب, ويتوب فيها الفاجر, فإقدامه على ذلك دليل ظاهر على قسوة قلبه وفساد لبّه, وغاية جرأته, فلذلك يختم له بشرّ عمله فيدخل النّار كما مرّ في الحديث, وما ذكره في مسائل الإقرار ظاهر وقد قدّمت الكلام عليه في باب الإقرار, وما ذكره في الوصيّة بالثّلث يقيّده الّذي ذكره. يأتي فيه ما قدّمته في الوصيّة بأكثر من الثّلث. ومن الإضرار في الوصيّة أن يوصي على نحو أطفاله من يعلم من حاله أنّه يأكل مالهم أو يكون سببًا لضياعه لكونه لا يحسن التّصرّف فيه أو نحو ذلك, وما ذكرته من الحديثين فالأوّل رواه ابن ماجه بلفظ: "إنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الجنّة سبعين سنةً فإذا أوصى خان في وصيّته فيختم له بشرّ العمل فيدخل النّار, وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّرّ سبعين سنةً فيعدل في وصيّته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنّة". والثّاني رواه ابن ماجه أيضًا بلفظ: "من فرّ بميراث وارثه قطع اللّه ميراثه من الجنّة يوم القيامة":
ويؤيّد الأوّل خبر أبي داود والتّرمذيّ وقال حديث حسن غريب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:
"إنّ الرّجل ليعمل أو المرأة بطاعة اللّه عزّ وجلّ سبعين سنةً ثمّ يحضرهما الموت فيضرّان في الوصيّة فتجب لهما النّار" ثمّ قرأ أبو هريرة رضي اللّه عنه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ}حتّى بلغ {وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 12- 13].
تتمّة: ينبغي الاعتناء بالوصيّة بالعدل أمّا الثّاني فلما ذكر, وأمّا الأوّل فلخبر الشّيخين وغيرهما:
"ما حقّ امرئٍ مسلمٍ له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين". وفي

 

ج / 1 ص -442-      روايةٍ: "ثلاث ليالٍ إلّا ووصيّته مكتوبة عنده" قال ابن عمر رضي اللّه عنهما: " ما مضت عليّ ليلة منذ سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا وعندي وصيّة مكتوبة, وابن ماجه: "من مات على وصيّةٍ مات على سبيلٍ وسنّةٍ ومات على تقًى وشهادةٍ ومات مغفورًا له".
وأبو يعلى بإسنادٍ حسنٍ: "المحروم من حرم وصيّته" والطّبرانيّ: "ترك الوصيّة عار في الدّنيا ونار وشنار في الآخرة", ولو صحّ هذا الحديث لاستفيد منه أنّ ترك الوصيّة كبيرة وحينئذٍ فيحمل على من علم أنّ ترك الوصيّة يكون سببًا لاستيلاء الظّلمة على ماله وأخذه من ورثته.
وروى أبو داود وابن حبّان في صحيحه:
"لأن يتصدّق الرّجل في حياته وصحّته بدرهمٍ خير له من أن يتصدّق عند موته بمائةٍ".

باب الوديعة
"الكبيرة الأربعون بعد المائتين:
الخيانة في الأمانات كالوديعة والعين المرهونة أو المستأجرة وغير ذلك"
قال اللّه تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58] نزلت في عثمان بن طلحة الحجبيّ الدّاريّ, كان سادن الكعبة يوم الفتح, فلمّا دخلها صلّى اللّه عليه وسلّم حينئذٍ أغلق باب الكعبة وامتنع من إعطاء مفتاحها, زاعمًا أنّه لو علم أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما منعه, فلوى عليّ رضي اللّه عنه يده وأخذه منه وفتح الباب ودخل صلّى اللّه عليه وسلّم وصلّى فيها فلمّا خرج سأله العبّاس رضي اللّه عنه أن يعطيه المفتاح ليجتمع له السّدانة مع السّقاية, فأنزل اللّه الآية, فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم عليًّا أن يردّه إلى عثمان ويعتذر إليه فقال له أكرهت وآذيت ثمّ جئت ترفق فقال له: لقد أنزل اللّه في شأنك قرآنًا وقرأ عليه الآية فأسلم وكان المفتاح معه, فلمّا مات دفعه إلى أخيه شيبة, فالسّدانة في أولاده إلى يوم القيامة لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: "خذوها خالدةً تالدةً لا ينزعها منكم إلّا ظالم" وقيل المراد من الآية جميع الأمانات.
قال الحافظ أبو نعيمٍ في الحلية: وممّن قال إنّ الآية عامّة في الجميع البراء بن عازبٍ وابن مسعودٍ وأبيّ بن كعبٍ قالوا: الأمانة في كلّ شيءٍ في الوضوء والجنابة والصّلاة والزّكاة والصّوم والكيل والوزن والودائع قال ابن عبّاسٍ لم يرخّص اللّه لمعسرٍ ولا لموسرٍ أن يمسك الأمانة.
وقال ابن عمر: خلق اللّه تعالى فرج الإنسان وقال هذه أمانة خبّأتها عندك فاحفظها إلّا بحقّها.
وقال بعضهم: معاملة الإنسان أمانة

 

ج / 1 ص -443-      مع ربّه بفعل المأمورات واجتناب المنهيّات, وللّه تعالى في كلّ عضوٍ من أعضاء الإنسان أمانة.
فأمانة اللّسان أن لا يستعمله في كذبٍ وغيبةٍ ولا نميمةٍ ولا بدعةٍ ولا فحشٍ ولا نحوها.
والعين أن لا ينظر بها إلى محرّمٍ والأذن أن لا يصغي بها إلى سماع محرّمٍ, وهكذا سائر الأعضاء.
وأمّا مع النّاس بنحو ردّ الودائع, وترك التّطفيف في كيلٍ أو وزنٍ أو ذرعٍ, وبعدل الأمراء في الرّعيّة, والعلماء في العامّة بأن يحملوهم على الطّاعة والأخلاق الحسنة والاعتقادات الصّحيحة, وينهوهم عن المعاصي وسائر القبائح, كالتّعصّبات الباطلة, والمرأة في حقّ زوجها بأن لا تخونه في فراشه أو ماله والقنّ في حقّ سيّده بأن لا يقصّر في خدمته, ولا يخونه في ماله.
وقد أشار صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ذلك بقوله:
"كلّكم راعٍ وكلّكم مسئول عن رعيّته".
وأمّا مع النّفس بأن لا يختار لها إلّا الأنفع والأصلح في الدّين والدّنيا, وأن يجتهد في مخالفة شهواتها وإراداتها فإنّها السّمّ النّاقع المهلك لمن أطاعها في الدّنيا والآخرة قال أنس: قلّما خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا قال:
"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]نزلت في أبي لبابة حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بني قريظة لمّا حصرهم صلّى اللّه عليه وسلّم وكانوا يميلون إلى أبي لبابة لكون أهله وولده فيهم فقالوا له: هل ترى أن ننزل على حكم محمّدٍ؟ فأشار بيده إلى حلقه: أي إنّه الذّبح فلا تفعلوا, فكانت تلك منه خيانةً للّه ولرسوله قال فما زالت قدماي من مكانهما حتّى علمت أنّي قد خنت اللّه ورسوله, ثمّ ذهب إلى المسجد وربط نفسه, وحلف أن لا يحلّها أحد إلّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم, ثمّ لا زال كذلك حتّى أنزل اللّه توبته فحلّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده الشّريفة, وقوله عزّ وجلّ: {وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ}عطف على النّهي أي ولا تخونوا أماناتكم قال ابن عبّاسٍ: الأمانات الأعمال الّتي ائتمن اللّه تعالى عليها العباد وقال غيره: أمّا خيانة اللّه ورسوله فمعصيتهما.
وأمّا خيانة الأمانات فكلّ أحدٍ مؤتمن على ما كلّفه اللّه به, فهو سبحانه موقفه بين يديه ليس بينه وبينه ترجمان وسائله عن ذلك هل حفظ أمانة اللّه فيه أو ضيّعها؟ فليستعدّ الإنسان بماذا يجب اللّه تعالى به إذا سأله عن ذلك فإنّه لا مساغ للجحد ولا

 

ج / 1 ص -444-      للإنكار في ذلك اليوم, وليتأمّل قوله تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف: 52] أي لا يرشد كيد من خان أمانته بل يحرمه هدايته في الدّنيا, ويفضحه على رءوس الأشهاد في العقبى, فالخيانة قبيحة في كلّ شيءٍ, لكنّ بعضها أشدّ وأقبح من بعضٍ, إذ من خانك في فلسٍ ليس كمن خانك في أهلك وقد عظّم اللّه سبحانه وتعالى أمر الأمانة تعظيمًا بليغًا, وأكّده تأكيدًا شديدًا فقال عزّ وجلّ: {نَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ}أي التّكاليف الّتي كلّف اللّه بها عباده من امتثال الأوامر واجتناب النّواهي {عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ}أي آدم صلّى اللّه على نبيّنا وعليه وسلّم: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً}أي لنفسه بقبوله تلك التّكليفات الشّاقّة جدًّا {جَهُولاً}أي بمشقّتها الّتي لا تتناهى.
وروي أنّ اللّه تعالى خلق الدّنيا كالبستان, وزيّنها بخمسة أشياء: بعلم العلماء, وعدل الأمراء, وعبادة الصّالحين, ونصيحة المستشار, وأداء الأمانة فقرن إبليس مع العلم الكتمان, ومع العدل الجور, ومع العبادة الرّياء, ومع النّصيحة الغشّ, ومع الأمانة الخيانة: وفي الحديث:
"يطبع المؤمن على كلّ خلقٍ ليس الخيانة والكذب" وفيه أيضًا: "أوّل ما يرفع من النّاس الأمانة, وآخر ما يبقى الصّلاة, وربّ مصلٍّ ولا خير فيه" وذكر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ من جملة أهل النّار "رجلًا لازمه طمع وإن دقّ إلّا خانه".
وأخرج أبو يعلى والحاكم والبيهقيّ:
"تقبّلوا لي ستًّا أتقبّل لكم الجنّة, إذا حدّث أحدكم فلا يكذب, وإذا وعد فلا يخلف وإذا اؤتمن فلا يخن".
وأحمد وابن حبّان في صحيحه والحاكم والبيهقيّ:
"اضمنوا لي ستًّا أضمن لكم الجنّة, اصدقوا إذا حدّثتم, وأوفوا إذا وعدتم, وأدّوا إذا اؤتمنتم" الحديث والطّبرانيّ لا بأس به: "اكفلوا لي ستًّا أكفل لكم الجنّة: الصّلاة والزّكاة والأمانة والفرج والبطن واللّسان".
ومسلم وغيره عن "حذيفة رضي اللّه عنه قال: حدّثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال أي بفتح الجيم وسكون المعجمة أصلها, ثمّ نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السّنّة, ثمّ حدّثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظلّ أثرها في قلبه مثل الوكت: أي بفتحٍ

 

ج / 1 ص -445-      فسكونٍ ففوقيّةٍ: الأثر اليسير, ثمّ ينام الرّجل النّوم فتقبض الأمانة من قلبه فيظلّ أثرها مثل المجل: أي بفتحٍ فسكونٍ للجيم تنفّط اليد من العمل وغيره, كجمرٍ دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبزًا: أي بالزّاي مرتفعًا".
والطّبرانيّ:
"لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا صلاة لمن لا طهور له" الحديث.
والبزّار عن "عليٍّ كرّم اللّه وجهه قال: كنّا جلوسًا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم, فطلع علينا رجل من أهل العالية, فقال يا رسول اللّه أخبرني بأشدّ شيءٍ في هذا الدّين وألينه؟ فقال: ألينه شهادة أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمّدًا عبده ورسوله, وأشدّه يا أخا العالية الأمانة, إنّه لا دين لمن لا أمانة له, ولا صلاة ولا زكاة" الحديث.
والشّيخان:
"وخيركم قرني, ثمّ الّذين يلونهم, ثمّ الّذين يلونهم, ثمّ يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون, يخونون ولا يؤتمنون, وينذرون ولا يوفون, ويظهر فيهم السّمن".
والشّيخان: آية المنافق ثلاث:
"إذا حدّث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان", زاد مسلم: "وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم".
والشّيخان:
"أربع من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا, ومن كانت فيه خصلة منهنّ كان فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان, وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر".
وأبو داود والنّسائيّ وابن ماجه ": كان صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الجوع فإنّه بئس الضّجيع, وأعوذ بك من الخيانة فإنّها بئس البطانة".
وأحمد والبزّار والطّبرانيّ في الأوسط عن أنسٍ رضي اللّه عنه قال: "ما خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا قال: لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له" ورواه ابن حبّان في صحيحه إلّا أنّه قال: خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال في خطبته فذكر الحديث.
والتّرمذيّ:
"إذا فعلت أمّتي خمس عشرة خصلةً فقد حلّ بها البلاء وقيل وما هي يا رسول اللّه؟ قال: إذا كان المغنم دولًا, والأمانة مغنمًا, والزّكاة مغرمًا, وأطاع الرّجل زوجته, وعقّ أمّه, وبرّ صديقه, وجفا أباه, وارتفعت الأصوات في

 

ج / 1 ص -446-      المساجد, وكان زعيم القوم أرذلهم, وأكرم الرّجل مخافة شرّه, وشربت الخمور وشهد بالزّور ولبس الحرير واتّخذت القينات والمعازف, ولعن آخر هذه الأمّة أوّلها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء, أو خسفًا أو مسخًا" وفي روايةٍ "فليرتقبوا عند ذلك ريحًا ومسخًا وخسفًا وقذفًا وآياتٍ تتابع كنظامٍ بالٍ قطع سلكه فتتابع".
والبزّار:
"ثلاث متعلّقات بالعرش: الرّحم تقول اللّهمّ إنّي بك فلا أقطع, والأمانة تقول: اللّهمّ إنّي بك فلا أخان, والنّعمة تقول: اللّهمّ إنّي بك فلا أكفر".
وصحّ عن ابن مسعودٍ رضي اللّه عنه قال: "القتل في سبيل اللّه يكفّر الذّنوب كلّها إلّا الأمانة قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل اللّه فيقال له أدّ أمانتك, فيقول أي ربّ كيف وقد ذهبت الدّنيا؟ فيقال انطلقوا به إلى الهاوية, وتمثّل له الأمانة كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتّى يدركها فيحملها على منكبه, حتّى إذا ظنّ أنّه خارج زلّت عن منكبه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين, ثمّ قال: الصّلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة والكيل أمانة, وأشياء عدّدها وأشدّ ذلك الودائع" قال زاذان: فأتيت زيد بن عامرٍ فقلت ألا ترى إلى ما قال ابن مسعودٍ؟ قال: كذا وكذا قال: صدق أما سمعت اللّه تعالى يقول:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: 58].
تنبيه: عدّ ما ذكر كبيرةً هو ما صرّح به غير واحدٍ, وهو ظاهر ممّا ذكر في الآيات والأحاديث.
تم بحمد الله وتوفيقه