|
ج / 2 ص -269-
كتاب الجهاد:
"الكبيرة التسعون والحادية والثانية والتسعون
بعد الثلاثمائة: ترك الجهاد عند تعينه بأن دخل الحربيون
دار الإسلام أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم، وترك الناس
الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف
عليها من استيلاء الكفار بسبب ترك ذلك التحصين".
قال تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى
التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وهي مصدر
بمعنى الهلاك فلا فرق بينهما. وقال قوم: التهلكة ما أمكن
التحرز عنه والهلاك ما لم يمكن التحرز عنه، وقيل هي نفس
الشيء المهلك، وقيل هي ما تضر عاقبته.
واختلفوا في تفسير الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، فقيل هو
راجع إلى نفس النفقة وعليه قول ابن عباس والجمهور، وإليه
ذهب البخاري ولم يذكر غيره على أن لا ينفقوا في جهات
الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، فكأنه قيل إن
كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله، وإن كنت من
رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضر عن نفسك؛
وقيل: هي الإسراف في النفقة لأن إنفاق جميع المال قد يؤدي
إلى الهلاك عند الحاجة الشديدة إلى المأكول أو المشروب أو
الملبوس، وقيل: هي السفر إلى الجهاد بلا نفقة وقد فعل ذلك
قوم فانقطعوا في الطريق، وقيل: المراد غير النفقة، وعليه
فقيل هي أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب
النار، وقيل: هي اقتحام الحرب بحيث يقتل من غير نكاية تحصل
منه للعدو لأنه حينئذ قاتل لنفسه تعديا، ورده بعضهم واستدل
بأن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس
ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم
بهذه الآية وإنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم فنصرناه وشهدنا معه المشاهد، فلما قوي الإسلام
وكثر أهله رجعنا إلى أهلينا وأموالنا
ج / 2 ص -270-
نصلحها فنزلت الآية فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك
الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر
غزاة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية رضي الله عنهما فتوفي
هنالك ودفن في أصل سورها وهم يستسقون به، ولا شاهد في هذا
لأن أبا أيوب لم يقل يحل إلقاء الإنسان نفسه في القتل من
غير إظهار نكاية وهذا هو المدعى. واستدل أيضا بأن جماعة من
الصحابة ألقوا بنفوسهم في العدو وأثنى عليهم النبي صلى
الله عليه وسلم؛ وكذا وقع في زمن عمر لرجل فقيل ألقى بيده
إلى التهلكة فقال كذبوا
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ
مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207] ولا شاهد له في كل ذلك؛ لأنه لم يلاق المدعى أيضا
لأن كل هذه الوقائع ليس فيها أن أحدا ألقى بنفسه في العدو
حتى قتل مع علمه بأنه لا تظهر منه نكاية فيهم، بل الظاهر
من أحوالهم رضي الله عنهم أنهم ما أقدموا ذلك الإقدام
الأعظم إلا لإيقاع نكاية في عدوهم هذا قصدهم، ثم تارة يظهر
من قاصد ذلك نكاية وتارة لا، ولا يضره ذلك لأن المدار على
قصد النكاية فيهم لا ظهورها، وقيل: هي إحباط الإنفاق في
الجهاد بالرياء والسمعة والمنة، وقيل: هي القنوط بأن
يصيب ذنبا فيرى أنه لا ينفعه معه عمل فينهمك في المعاصي،
وقيل: إنفاق الخبيث، وقيل: غير ذلك.
قال الطبري: وهي عامة في جميع ما ذكر؛ لأن اللفظ يحتمله؛
وما مر في قصة أبي أيوب رواها بنحوها الترمذي وقال حسن
غريب صحيح ولفظه عن أبي عمران قال: "كنا بمدينة الروم
فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين
مثلهم، فأمروا على أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة
فضالة بن عبيد. فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل
بينهم فصاح الناس وقالوا سبحان الله يلقي بيده إلى
التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: أيها الناس إنكم تتأولون هذا
التأويل وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز
الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول
الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت وإن الله
تعالى قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا
وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد
علينا ما قلنا وللفقراء في سبيل الله
{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وصلاحها وترك
الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض
الروم".
وروى أبو داود وغيره:
"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم
أذناب البقر ورغبتم بالزرع
ج / 2 ص -271-
وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".
ومسلم وغيره:
"من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على
شعبة من النفاق".
وأبو داود وابن ماجه: "من لم يغز ولم يجهز غازيا أو
يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله تعالى بقارعة قبل يوم
القيامة".
والترمذي وابن ماجه:
"من لقي الله بغير أثر من جهاد
لقي الله وفيه ثلمة".
والطبراني بسند حسن:
"ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم
الله تعالى بالعذاب".
تنبيه:
عد هذه الثلاثة ظاهر لأن كل واحد منها يحصل به من الفساد
العائد على الإسلام وأهله ما لا يتدارك خرقه وعليها يحمل
ما في هذه الآية والأحاديث من الوعيد الشديد، فتأمل ذلك
فإني لم أر أحدا تعرض لعد ذلك مع ظهوره.
"الكبيرة
الثالثة والرابعة والخامسة والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة بأن أمن على
نفسه ونحو ماله ومخالفة القول الفعل".
قال تعالى:
{وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ}
[التوبة: 71] قال الغزالي: أفهمت الآية أن من هجرهما خرج
من المؤمنين. وقال القرطبي: جعله الله تبارك وتعالى فرقا
بين المؤمنين والمنافقين. وقال جل ذكره:
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}
[المائدة: 2] فترك الإنكار تعاون على الإثم. وقال تعالى:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78، 79] ففيها
غاية التهديد ونهاية التشديد كما يأتي في الأحاديث. وقال
تعالى:
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] وقال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا
تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ
تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 3 - 4].
ج / 2 ص -272-
أخرج مسلم وغيره عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من رأى منكم منكرا فليغيره
بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف
الإيمان".
والنسائي:
"من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برئ، ومن لم
يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع
أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه -أي أنكره-
فقد برئ وذلك أضعف الإيمان".
والشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر
واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع
الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه
برهان وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة
لائم.
وأبو داود واللفظ له والترمذي وقال حسن غريب وابن ماجه:
"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".
وأبو داود:
"أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل
يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل
لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون
أكيله وشريبه وقعيده؛ فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم
ببعض ثم قال:
{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا
وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ
مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ،
تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ}
إلى قوله: {فَاسِقُونَ} [المائدة: 78 - 81] ثم قال:
"كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على
يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا" زاد أبو داود في رواية في سندها انقطاع
وفي أخرى مرسلة: "أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم
ليلعنكم كما لعنهم".
والترمذي وقال حسن غريب:
"لما وقعت بنو إسرائيل في
المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم
وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله على قلوب بعضهم ببعض ولعنهم
على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون"، فجلس رسول الله صلى الله
عليه وسلم وكان متكئا فقال:
"لا والذي نفسي بيده حتى
ج / 2 ص -273-
تأطروهم على الحق أطرا".
أي تعطفوهم وتقهروهم وتلزموهم باتباع الحق.
وأبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وغيرهم:
"ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن
يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن
يموتوا".
وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي عن أبي بكر
الصديق رضي الله عنه وكرم الله وجهه قال: يا أيها الناس
إنكم تقرءون هذه الآية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
[المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول:
"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله
بعقاب من عنده".
ولفظ النسائي: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول:
"إن الناس أو القوم إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بعقاب".
وفي رواية لأبي داود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا
يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب".
والأصبهاني:
"أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل
أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل أن تستغفروه فلا يغفر
لكم؛ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يدفع رزقا ولا
يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما
تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على
لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء".
والأصبهاني:
"لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد
عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها"،
قالوا يا رسول الله وما الاستخفاف بحقها؟ قال:
"يظهر العمل بمعاصي الله تعالى فلا ينكر ولا يغير".
ومسلم وغيره:
"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا
فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت
فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا
فلا يضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا
كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب
من هواه"
ج / 2 ص -274-
مجخيا بضم ففتح للجيم فكسر للمعجمة، أي مائلا أو منكوسا: أي إن
القلب إذا افتتن وخرجت منه حرمة المعاصي خرج منه نور
الإيمان كما يخرج الماء من الكوز إذا مال أو انتكس.
والحاكم وصححه:
"إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم
فقد تودع منهم".
وأبو داود:
"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها وكرهها"، وفي رواية:
"فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن
شهدها".
والحاكم:
"الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم
الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان والحج والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وتسليمك على أهلك، فمن انتقص شيئا منهن
فهو سهم من الإسلام يدعه، ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره".
والبزار:
"الإسلام ثمانية أسهم الإسلام أي الشهادتان سهم،
والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، وحج البيت سهم،
والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، والجهاد في
سبيل الله سهم وقد خاب من لا سهم له".
وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها
قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم فعرفت وجهه أنه قد
حضره شيء فتوضأ وما كلم أحدا فلصقت بالحجرة أستمع ما يقول
فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال:
"يا أيها الناس إن الله يقول لكم مروا بالمعروف وانهوا عن
المنكر قبل أن تدعوا فلا أستجيب لكم وتسألوني فلا أعطيكم
وتستنصروني فلا أنصركم فما زاد عليهن حتى نزل".
وأحمد والترمذي واللفظ له وابن حبان في صحيحه:
"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويأمر بالمعروف
وينه عن المنكر".
ورزين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
"كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة وهو لا يعرفه
فيقول له ما لك إلي وما بيني وبينك معرفة فيقول كنت تراني
على الخطأ وعلى المنكر ولا تنهاني".
والشيخان:
"إياكم والجلوس بالطرقات"، قالوا يا رسول الله ما لنا بد من
ج / 2 ص -275-
مجالسنا نتحدث فيها، قال:
"فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"،
قالوا وما حقه؟ قال:
"غض البصر وكف الأذى ورد السلام
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وأخرج الشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار
فتندلق -أي تخرج-
أقتاب بطنه -أي أمعاؤها وأحدها قتب بكسر القاف- فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون
يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟
فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر
وآتيه".
وفي رواية لمسلم:
"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار
فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فتجتمع أهل
النار عليه فيقولون يا فلان ما شأنك؟ أليس كنت تأمر
بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا
آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"،
وإني سمعته يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت
من هؤلاء يا جبريل؟ قال خطباء أمتك الذين يقولون ما لا
يفعلون".
وابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه واللفظ له والبيهقي:
"رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من
هؤلاء يا جبريل؟ فقال الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس
بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون".
زاد ابن أبي الدنيا في رواية:
"كلما قرضت عادت"، وفي أخرى للبيهقي:
"ويقرءون كتاب الله ولا
يعملون به".
وابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن مرسلا بسند جيد:
"ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة ما
أردت بها"، قال: فكان مالك يعني ابن دينار إذا حدث بهذا بكى ثم يقول:
أتحسبون أن عيني تقر بكلامي عليكم وأنا أعلم أن الله سائلي
عنه يوم القيامة يقول ما أردت به؟ فأقول أنت الشهيد على
قلبي لو لم أعلم أنه أحب إليك لم أقرأ على اثنين أبدا.
والطبراني:
"إن ناسا من أهل الجنة ينطلقون إلى أناس من أهل
النار فيقولون بماذا دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة
إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل".
ج / 2 ص -276-
والطبراني بسند حسن والبزار:
"مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج".
ورواية البزار:
"مثل الفتيلة يضيء للناس ويحرق نفسه".
والطبراني والبزار بسند رجاله محتج بهم في الصحيح:
"إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان".
والأصبهاني:
"إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه
سواء ولا يخالف قوله عمله ويأمن جاره بوائقه".
والطبراني بسند فيه مختلف فيه:
"إني لا أتخوف على أمتي مؤمنا
ولا مشركا. أما المؤمن فيحجزه إيمانه، وأما المشرك فيقمعه
كفره، ولكن أتخوف عليهم منافقا عالم اللسان يقول ما تعرفون
ويعمل ما تنكرون".
وابن حبان في صحيحه:
"يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه
وينسى الجذع في عينه".
ومن أقبح البدع أن بعض الجهلة إذا أمر بالمعروف أو نهي عن
منكر يقول قال الله تعالى:
{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ
مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}
[المائدة: 105] وما علم الجاهل بقول أبي بكر الصديق رضي
الله عنه وكرم الله وجهه: إن من فعل ذلك أردف إثم معصيته
بإثم تفسيره القرآن برأيه: أي وهو من الكبائر كما مر،
وإنما معنى الآية
{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} بعد الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر قاله ابن المسيب وفيها أقوال أخر. وقال أبو
عبيدة: ليس لنا آية جمعت بين الناسخ والمنسوخ سواها، وقال
غيره: الناسخ إذا اهتديتم إذ الهدى هنا هو الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر.
تنبيه:
عد هذه الثلاثة هو صريح هذه الأحاديث لما فيها من الوعيد
الشديد في ذلك، فأما الأخيرة فلم أر من صرح بها ولكن
الأحاديث المذكورة مصرحة بها كما تقرر.
وقد يستشكل بأنه إن خالف بفعل كبيرة فالتشديد إنما جاء من
فعل الكبيرة لا من مجرد مخالفة القول للعمل أو بفعل صغيرة
فالإشكال أقوى؛ لأن الكبيرة حينئذ لا مقتضى لها.
ج / 2 ص -277-
وقد يجاب بأن لنا أن نلتزم الأول ولا نسلم أن التشديد جاء من فعل
تلك الكبيرة فحسب، وإنما جاء من انضمام مخالفة القول العمل
إليها وهذا ظاهر فحسن حينئذ العد لأن هذا الانضمام ترتب
عليه من مزيد العقاب ما لم يترتب على عدمه، وأن نلتزم
الثاني ونقول لما أن انضم إلى تلك الصغيرة التغرير للناس
بإظهاره لهم القيام بوظائف أكابر العلماء والصالحين وأنه
جار على سنتهم ومهتد بهديهم وهو في الباطن بخلاف ذلك كان
هذا التغرير العظيم المؤدي إلى مفاسد لا تحصى كبيرة، ثم
رأيت ما يؤيد ذلك وهو ما سأذكره في السعاية من قول الأذرعي
إطلاق كون السعاية كبيرة مشكل إذا كان ما ينشأ عنها صغيرة
إلا أن يقال تصير كبيرة بما ينضم إلى ذلك من الرعب للمسعي
عليه وإرجاف أهله وترويعهم بطلب السلطان انتهى، فقوله إلا
أن يقال إلخ هو نظير ما ذكرته فهو غير بعيد من كلامهم
فليعتمد.
وأما الأولان فعدهما هو ما نقله الرافعي ثم توقف فيه وأقره
النووي على توقفه واعتذر عنه الجلال البلقيني بأن الدليل
لم يقو على ذلك وهو رواية أبي داود السابقة:
"ثم ليلعنكم كما لعنهم"
لما مر أن إحدى طريقيها فيه انقطاع والأخرى مرسلة انتهى، ويرد بأن
خبر الترمذي الذي مر عقب رواية أبي داود السابقة والأخبار
الصحيحة بعده سيما خبر أبي بكر رضي الله عنه صريح في أن
ذينك من الكبائر لما فيهما من الوعيد الشديد، فليس هذا
الذي ذكره الجلال ملحظ التوقف، وإنما الظاهر وسيصرح به
الجلال نفسه كما يأتي عنه أن ملحظ ما ذكره الأذرعي ونقله
الجلال عنه، لكنه قال: قال بعض المتأخرين: ينبغي أن يفصل
في النهي عن المنكر فيقال إن كان كبيرة فالسكوت عليه مع
إمكان دفعه كبيرة، وإن كان صغيرة فالسكوت عليه صغيرة ويقاس
ترك المأمور بها إذا قلنا إن الواجبات تتفاوت وهو الظاهر
انتهى كلام الجلال عن الأذرعي؛ وبقي من كلامه شيء يظهر به
صحة ما فصله وهو قوله: ولك أن تأخذ من إطلاق كون ترك النهي
عن المنكر كبيرة أن ترك النهي عن الغيبة المحرمة كبيرة،
وقد أطلق قائل هذا وهو صاحب العدة أن الغيبة من الصغائر.
انتهى. أي فكيف يتعقل أن الغيبة نفسها صغيرة وترك النهي
عنها كبيرة فاتضح تفصيله أن ترك النهي عن الكبيرة كبيرة
بخلافه عن الصغيرة.
قال الجلال: وما ذكره أي الأذرعي في الواجبات: أي من أنها
تتفاوت معناه
ج / 2 ص -278-
أن جواب السلام مثلا واجب وإجابة الدعوة واجبة وهما دون الصلاة
والزكاة والحج والصوم، فترك الأمر بالصلاة ونحوها مع
الإمكان كبيرة، وترك الأمر بجواب السلام أو إجابة الدعوة
مع الإمكان ليس بكبيرة؛ انتهى.
قال الجلال أيضا: وأما المندوبات فليس ترك الأمر بها كبيرة
قيل ولا صغيرة لأن المعروف الذي يجب الأمر به ما يكون فعله
واجبا على المكلف، وكذلك المكروهات ليس إنكارها واجبا كما
يجب إنكار المحرمات بل يستحب الأمر بالمندوبات والنهي عن
المكروهات. وحكى في الروضة وجهين في وجوب الأمر بصلاة
العيد وصحح الوجوب، وإن قلنا إنها سنة لأنها شعار ظاهر.
قلت: تخريجا عليه ينبغي أن ينهى عن الصلاة في الأوقات
المكروهة، وإن قلنا هي تنزيه؛ لأنه لو تحرم بها بطلت على
الأصح على ما عليه التفريع، فحينئذ السكوت عن الأمر بصلاة
العيد لا يلحق بالكبائر ولا السكوت عن النهي عن الصلاة في
الأوقات المكروهة. إذا قلنا إن النهي تنزيه لا يلحق
بالكبائر فلعل هذا مراد الرافعي بقوله وللتوقف مجال في ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إطلاقهما؛ انتهى.
وما ذكره من وجوب الأمر بصلاة العيد خاص بالمحتسب، وبه جمع
بين قول الشيخين المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بواجبات الشرع والنهي عن محرماته، وقول الروضة ويجب الأمر
بصلاة العيد. وإن قلنا إنها سنة لأن الأمر بالمعروف هو
الأمر بالطاعة لا سيما ما كان شعارا ظاهرا، فالأول في
الآحاد فلا يلزمهم الأمر والنهي إلا في الواجب والمحرم،
والثاني في المحتسب فيلزمه ذلك في الشعار الظاهر وإن لم
يكن واجبا.
وأما قول الإمام؛ معظم الفقهاء على أن الأمر في المستحب
مستحب، فمحله في غير المحتسب فقد فرق الأئمة بينهما في
مواضع: منها: قولهم لو أمر الإمام أو نائبه بنحو صلاة
الاستسقاء أو صوم صار واجبا ولو أمر به بعض الآحاد لم يصر
واجبا.
ومما يدل على أن للمحتسب أحكاما يختص بها قولهم، وعلى
الإمام أن يأمر محتسبا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وإن
كانا لا يختصان به لأن كلمته أنفذ، ولا
ج / 2 ص -279-
يجوز له أن يحمل أحدا على غير مذهبه إذ لا يلزم الناس اتباع مذهب
غير إمامهم، ويأمر المسلمين بالمحافظة على الفرائض والسنن
ولا يعترض عليهم في التأخير عن أول الوقت لاختلاف العلماء
فيه، ويأمر بما يعم نفعه كعمارة سور البلد ومؤنة المحتاجين
ويجب ذلك من بيت المال، فإن لم يكن فيه شيء أو منع ظلما
لزم كل من له قدرة على ذلك من الأغنياء وينهى الموسر عن
مطل دائنه إن استعداه الغريم عليه، وينكر على من وقف مع
امرأة بطريق خال ويقول له: إن كانت محرما لك فصنها عن
مواقف الريبة وإن كانت أجنبية فخف الله تعالى من الخلوة
بها فإنها محرمة، ويأمر الأولياء بإنكاح الأكفاء، والنساء
بإيفاء العدد، والسادة بالرفق بالمماليك، وأصحاب البهائم
بتعهدها والرفق بها، وينكر على من أسر في جهرية أو عكس أو
زاد في الأذان أو نقص ولا ينكر في حقوق الآدميين قبل
استعداء ذي الحق عليه ولا يحبس ولا يضرب للدين، وينكر على
القضاة إن احتجبوا على الخصوم أو قصروا في النظر في
أمورهم، وعلى أئمة المساجد المطروقة إن طولوا في الصلاة
للاتباع، ويمنع الخونة من معاملة النساء.
قال الأئمة: ويجب إنكار الصغيرة كالكبيرة، بل لو لم يكن
الفعل معصية لخصوص الفاعل وجب الإنكار كما لو رأى غير مكلف
يزني أو يشرب الخمر فإنه يلزمه منعه من ذلك، وليس بعد
انقضاء المعصية إلا الوعظ بل يسن الستر كما مر في باب
الحدود بتفصيله. وفي شرح مسلم: من عرف بالفساد يسن كشفه
ورفعه إلى الحاكم إن لم يخف مفسدة، ومن علم بمنكر سيوجد
كأن سمع من إنسان أنه عازم على نحو شرب خمر أو زنا غدا
وعظه فقط، فإن أدرك ذلك منه بقرائن دون السماع حرم وعظه
لتضمنه إساءة الظن بالمسلم. كذا قيل. وفي إطلاق حرمة الوعظ
نظر بل إنما تتجه الحرمة إن سجل عليه في وعظ بفسق أو نحوه.
ومن خلا بأجنبية أو وقف؛ لينظر أجنبية ينكر عليه باليد ثم
اللسان لتحقق المعصية منه، قال الأئمة أيضا: ولا يختص
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمسموع القول، بل على كل
مكلف أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد، وإن كان
الآمر والناهي غير ممتثل ولا مأذون له من جهة الإمام وعليه
أن يأمر نفسه وغيره فإذا اختل أحدهما لم يسقط الآخر. ولا
يأمر وينهى في دقائق الأمور إلا العلماء دون العامة لجهلهم
بها ومن ثم استوى الكل في الظواهر كالصلاة والصيام وشرب
الخمر. ولا ينكر العالم إلا مجمعا على إنكاره
ج / 2 ص -280-
أو ما يرى الفاعل تحريمه له دون ما عدا ذلك، نعم يندب له أن يندبه
على وجه النصيحة إلى الخروج من الخلاف إن لم يقع في خلاف
آخر وترك سنة ثابتة لاتفاق العلماء على استحباب الخروج من
الخلاف حينئذ.
وعلم من الأحاديث السابقة أن إنكار المنكر يكون باليد ثم
إن عجز فباللسان فعليه أن يغيره بكل وجه أمكنه فلا يكفي
الوعظ ممن أمكنه إزالته ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي
باللسان ويرفق في التغيير بمن يخاف شره وبالجاهل فإن ذلك
أدى إلى قبول قوله وإزالة المنكر ويستعين عليه بغيره إن لم
يخف فتنة من إظهار سلاح وحرب ولم يمكن الاستقلال، فإن عجز
عن اليد واللسان رفعه للوالي فإن عجز أنكره بقلبه، وليس
لآمر ولا ناه تجسس ولا بحث ولا اقتحام دار بظن فإن أخبره
ثقة بمن اختلى بمحرم فيه انتهاك حرمة يفوت تداركها كأن
أخبره أن رجلا خلا بامرأة؛ ليزني بها أو بشخص ليقتله لزمه
أن يقتحم له الدار وأن يتجسس ولو علم به كأن سمع صوت
الملاهي أو القينات أو السكارى دخل وكسر الملاهي وأخرج نحو
القينات. ولا يجوز كشف ذيل فاسق فاحت من تحته رائحة الخمر،
قال بعضهم وكذا لو علم تحته عودا ونحوه ا هـ. وفيه نظر
ظاهر بل ظاهر كلامهم أنه إذا علم تحته عودا أخرجه وكسره
بشرطه.
واعلم أن التحسس هو كل أمر إذا فتشت عنه ثقل على صاحبه
علمك به ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إن
خاف منهما على نفسه أو ماله أو بضعه أو عضوه أو خاف مفسدة
على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع أو غلب على ظنه أن
المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا.
فائدة:
وجوب الأمر والنهي يعم كل مكلف من حر وقن وذكر وأنثى، لكنه
وجوب على الكفاية لقوله تبارك وتعالى:
{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104] إلخ، إذ لو كان فرض عين لقال ولتكونوا؛ نعم قد
يكون فرض عين كما إذا كان بمحل لا يعلمه غيره أو لا يقدر
عليه غيره. ثم فرض الكفاية هو الذي إذا قام به واحد حاز
ثوابه وأسقط الحرج عن الباقين، ومن ثم قال جمع إنه أفضل من
فرض العين لتعدي نفعه، نعم محل سقوطه عن الغير إن علم
بقيام غيره به وإلا لم يسقط عنه كتركه واجبا عمدا بالنسبة
لظنه، والمدار في الإثم عليه لا على نفس الأمر، ألا ترى أن
ج / 2 ص -281-
من وطئ امرأة يظنها أجنبية وهي زوجته أثم إثم الزنا وفي عكسه لا
إثم عليه، ومحل استوائهم أيضا إن استووا في القدرة باليد
وباللسان، فلو قدر واحد باليد وآخرون باللسان تعين على
الأول إلا أن يكون الرجوع لذي اللسان أقرب أو أنه يرجع له
ظاهرا وباطنا ولا يرجع لذي اليد إلا ظاهرا فقط فيتعين على
ذي اللسان حينئذ ولا يسقط الإنكار بالقلب عن مكلف أصلا إذ
هو كراهة المعصية. وهو واجب على كل مكلف، بل ذهب جماعة
منهم أحمد أن ترك الإنكار بالقلب كفر لخبر:
"وهو أضعف الإيمان".
ومن قدم على منكر جاهلا به ولو علمه رجع عنه يجب تعليمه
برفق، حتى لو علم أنه يفيد إسماعه مخاطبة الغير بالتعليم
خوطب به الغير أو عالما به ابتداء أو لكونه عرفه كالمواظب
على نحو مكس أو غيبة وعظه وخوفه بذكر وعيد ذنبه ثم يتدرج
معه بغاية اللطف والبشاشة إذ كل شيء بقضاء وقدر ويلاحظ لطف
الله به إذ حفظه من ذلك ولو شاء لعكس، بل ليس هو آمنا من
ذلك، فإن عجز عن الإنكار باللسان أو لم يقدر وقدر على
التعبيس والهجر والنظر شزرا لزمه ذلك ولا يكفيه إنكار
القلب، فإن لم يتعظ ويتذكر وعلم منه الإصرار خشن عليه
الكلام وسبه بلا فحش كيا فاسق يا جاهل يا أحمق يا من لا
يخاف الله. وليحذر أن يغضب فيبقى إنكاره؛ لنصرة نفسه أو
يسترسل لما يحرم فينقلب الثواب عقابا، هذا كله فيما لا
ينكر باليد أما ما ينكر بها كخمر غير محترمة وكسر آلة
اللهو وتجريده من حلي ذهب أو حرير ومنعه من شدخ نحو شاة
وإخراج نحو جنب وأكل منتن وذي نجس ينضح من مسجد فلا يكفي
غير الإنكار باليد فيجره برجله أو بمعين إن عجز، وليتوق في
نحو إراقة الخمر وكسر آلة اللهو الكسر الفاحش إلا إذا لم
ترق إلا به أو يخشى أن الفساق يدركونه ويمنعونه فيفعل ما
لا بد منه ولو بحرق وغرق، وللإمام ذلك مطلقا زجرا أو
تعزيرا وله فيمن لم ينكف بخشن الكلام أن يضربه بنحو يده
فإن لم ينكف إلا بشهر سلاح منه وحده أو مع جماعة فعلوا لكن
بإذن الإمام على المعتمد.
وقال الغزالي: لا يحتاج لإذنه، قيل وهو الأقيس كما يجوز
قتل فاسق يناضل عن فسقه، وإذا قتل المنكر المحق فهو شهيد،
ونحو السلطان يوعظ ثم يخشن له إن لم يخش ضرره وله ذلك وإن
أدى إلى قتله للحديث الصحيح:
"أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه
فقتله". ولو رأى بهيمة تتلف مال غيره لزمه كفها إن لم يخف، ومن وجده
يريد قطع طرف نفسه منعه، وإن أدى إلى قتله؛ لأن الغرض
ج / 2 ص -282-
حسم سبيل المعاصي ما أمكن لا حظ نفسه وطرفه، وكذا يمنع -وإن أدى
إلى القتل- من رآه يريد إتلاف ماله أو يريد حليلته وينكر
على امرأة يعلم فسقها إذا رآها تزينت وخرجت ليلا وعلى من
عرف بقطع الطريق إذا وقف فيه بسلاحه ويأمر الولد أبويه
وينهاهما برفق لا بتخويف ونحوه إلا إن اضطر إليه ولو منعه
الاشتغال بالإنكار من كسب قوته تركه حتى يحصل قوته وقوت
ممونه ودينه دون ما زاد على ذلك.
"الكبيرة
السادسة والتسعون بعد الثلاثمائة: ترك رد السلام".
كذا ذكره بعضهم وفيه نظر، وقد صرح بعض الأئمة بأن ذلك
صغيرة وهو متجه نعم إن احتف بالترك قرائن تخيف المسلم
إخافة شديدة وتؤذيه أذى شديدا لم يبعد حينئذ أن الترك
كبيرة لما فيه من الأذى العظيم الذي لا يحتمل.
"الكبيرة
السابعة والتسعون بعد الثلاثمائة: محبة الإنسان أن يقوم
الناس له افتخارا أو تعاظما".
أخرج أبو داود بإسناد صحيح والترمذي وقال حديث حسن عن
معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: "من أحب أن يتمثل له
الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار".
وأبو داود وابن ماجه بإسناد حسن عن أبي أمامة الباهلي رضي
الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
متوكئا على عصا فقمنا إليه فقال:
"لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا".
تنبيه:
عد هذا هو صريح الحديث الأول ومحله ما ذكرته، ومن ثم قال
أصحابنا يحرم على الداخل محبة القيام له واستدلوا بالحديث
المذكور، والمراد بتمثلهم له قياما أن يقعد ويستمروا له
قياما كعادة الجبابرة كما أشار إليه البيهقي، وكان بعضهم
أخذ منه قوله في تعداد الكبائر ومحبة الرجل أن يقوم الناس
بين يديه وهو جالس، ومثله حب القيام له تفاخرا وتطاولا على
الأقران. أما من أحب ذلك إكراما له لا على الوجه المذكور
فلا يتجه تحريمه؛ لأنه صار شعارا في هذا الزمان لتحصيل
المودة نبه عليه ابن العماد رحمه الله وإيانا بمنه وكرمه،
ولا ينافي الحديث الثاني قول أصحابنا يستحب القيام لمن فيه
علم أو صلاح أو شرف أو ولادة أو رحم أو ولاية
ج / 2 ص -283-
مصحوبة بصيانة أو صداقة أو نحوها لأنهم قيدوا ذلك بقولهم برا
واحتراما وإكراما لا رياء وتفخيما وهذا الذي نفوه هو الذي
نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "كما يقوم الأعاجم يعظم بعضها
بعضا" ومن ثم ثبت في ندب القيام بقيده المذكور
أحاديث صحيحة جمعها النووي رحمه الله في جزء صنفه في ذلك
ردا على من أطلق إنكار ندبه. قال الأذرعي: بل يظهر وجوبه
في هذا الزمان دفعا للعداوة والتقاطع كما أشار إليه ابن
عبد السلام فيكون من باب درء المفاسد.
"الكبيرة
الثامنة والتسعون بعد الثلاثمائة: الفرار من الزحف: أي من
كافر أو كفار لم يزيدوا على الضعف إلا لتحرف لقتال أو
لتحيز إلى فئة يستنجد بها".
قال تبارك وتعالى:
{وَمَنْ يُوَلِّهِمْ
يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ
مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ
اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16].
وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"
-أي المهلكات- قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال:
"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل
الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات
الغافلات المؤمنات".
وأحمد والنسائي: سئل صلى الله عليه وسلم عن الكبائر؟ قال:
"الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف".
والطبراني في تفسيره: أنه صلى الله عليه وسلم قيل له ما
الكبائر؟ قال:
"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف" وفي رواية له:
"الإشراك بالله، والفرار من
الزحف، وقتل النفس".
والبزار بسند فيه مختلف فيه:
"الكبائر سبع: أولهن الإشراك
بالله، وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال
اليتيم، وفرار يوم الزحف، وقذف المحصنات". الحديث.
والطبراني بسند فيه ابن لهيعة وحديثه حسن في المتابعات:
"اجتنبوا الكبائر السبع: الشرك بالله، وقتل الناس، والفرار من الزحف" الحديث.
ج / 2 ص -284-
وأبو القاسم البغوي عن ابن عمر: أنه سئل عن الكبائر؟ فقال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"هن سبع". قلت: وما هن؟ قال:
"الإشراك بالله، وقذف
المحصنات، وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر"
الحديث.
وابن مردويه في تفسيره وابن حبان في صحيحه: أنه صلى الله
عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن
والديات وبعث به مع عمرو بن حزم، قال: وكان في الكتاب:
"إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك
بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله
يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر
وأكل الربا، وأكل مال اليتيم".
والطبراني:
"ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق
الوالدين، والفرار من الزحف".
وأحمد بسند فيه مختلف فيه: "من لقي الله عز وجل لا يشرك
به شيئا، وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع
فله الجنة أو دخل الجنة. وخمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله،
وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين
صابرة يقطع بها مالا بغير حق".
والطبراني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم المنبر فقال:
"لا أقسم لا أقسم" ثم نزل، وقال: "أبشروا أبشروا من صلى الصلوات
الخمس واجتنب الكبائر دخل من أي أبواب الجنة شاء"؛ قيل: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن؟ قال: نعم
"عقوق الوالدين، والشرك بالله، وقتل النفس وقذف المحصنات، وأكل مال
اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا".
والطبراني بسند حسن:
"إن أولياء الله المصلون من
يقيم الصلوات الخمس التي كتبهن الله عليه، ويصوم رمضان
ويحتسب صومه، ويؤتي الزكاة محتسبا طيبة بها نفسه، ويجتنب
الكبائر التي نهى الله عنها"، فقال رجل من أصحابه يا رسول الله وكم الكبائر؟ قال:
"تسع أعظمهن الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حق، والفرار من الزحف،
وقذف المحصنة، والسحر وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وعقوق
الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء
وأمواتا لا يموت رجل لم
ج / 2 ص -285-
يعمل هؤلاء الكبائر ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا رافق محمدا صلى
الله عليه وسلم في بحبوحة جنة -أي وسطها-
مصاريع أبوابها الذهب".
تنبيه:
عد هذا كما ذكرته في الترجمة هو ما صرحوا به. قال الشافعي
رضي الله عنه: إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدو حرم
عليهم أن يولوا إلا متحرفين لقتال أو متحيزين إلى فئة وإن
كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا ولا
يستوجبون السخط عندي من الله لو ولوا عنهم على غير التحرف
للقتال أو التحيز إلى فئة، وهذا مذهب ابن عباس رضي الله
عنهما المشهور عنه.
"الكبيرة
التاسعة والتسعون بعد الثلاثمائة: الفرار من الطاعون".
قال تعالى:
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ
الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ
أَحْيَاهُمْ}
[البقرة: 243] اعلم أن عادته تعالى أن يذكر القصص بعد بيان
الأحكام؛ ليفيد الاعتبار للسامع، والهمزة هنا للاستفهام
التقريري لدخولها على حرف النفي بناء على علم المخاطب
بالقصة قبل نزولها أنها للتنبيه وللتعجب من حالهم والمخاطب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كل سامع، قال أكثر
المفسرين: هي قرية قرب واسط وقع بها طاعون فخرج عامة أهلها
وبقيت طائفة فلم يبق منهم إلا قليل مرضى فلما ارتفع
الطاعون رجع الهاربون سالمين، فقال المرضى هؤلاء أحزم منا
لو صنعنا كما صنعوا نجونا ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجن
إلى أرض لا وباء فيها فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة
أهلها وهم بضعة وثلاثون ألفا. وقيل؛ سبعون ألفا، وقيل
ثلاثة آلاف. قال الواحدي: ولم يقولوا دون ثلاثة آلاف ولا
أكثر من سبعين ألفا، والوجه من حيث اللفظ أن يكون عددهم
أكثر من عشرة آلاف جمع الكثرة إذ لا يقال في عشرة وما
دونها ألوف: أي إلا نادرا حتى نزلوا واديا أفيح وظنوا
النجاة فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا
فماتوا جميعا وبليت أجسامهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل
ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موت موسى صلى الله على نبينا
وعليهما وسلم، إذ خليفته الأكبر يوشع ثم كالب وحزقيل هذا
هو خليفة كالب ولكون أمه سألت الله الولد بعد ما كبرت
وعقمت سمي ابن العجوز، قال الحسن ومقاتل وهو ذو الكفل لأنه
تكفل سبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فلما مر حزقيل بأولئك
الموتى وقف متفكرا متعجبا، فأوحى الله إليه أتريد أن أريك
آية؟ قال:
ج / 2 ص -286-
نعم، فقيل له ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فتطاير
بعضها إلى بعض حتى تمت، ثم أوحى الله إليه أن نادها يا
أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحما ودما ثم نادى
الله يأمرك أن تقومي فقاموا أحياء قائلين سبحانك ربنا وحدك
لا إله إلا أنت ثم رجعوا إلى قومهم وأمارات الموت ظاهرة
عليهم في وجوههم وأبدانهم إلى أن ماتوا بعد بحسب آجالهم.
وجاء أن عمر رضي الله عنه لما خرج للشام وبلغ سرغ بلغه أن
الوباء قد وقع بالشام فاستشار أكابر الصحابة فلم يجد عند
أحد منهم علما حتى جاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
فروى له أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا
سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها
فلا تخرجوا فرارا منه فرجع عمر من سرغ.
وقال ابن عباس وجماعة: سبب موت أولئك أن ملكا لبني إسرائيل
أمر عسكره بالقتال فجبنوا واعتلوا بأن الأرض التي نذهب
إليها بها الوباء فلا نأتيها حتى يزول، فأرسل الله عليهم
الموت فخرجوا من ديارهم فرارا منه، فلما رأى الملك ذلك
قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم
آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك،
فلما خرجوا قال لهم الله موتوا أمر تحويل فماتوا جميعا
وماتت دوابهم كموت رجل واحد وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا
وأروحت أجسادهم وبلغ بني إسرائيل موتهم فخرجوا لدفنهم
فعجزوا لكثرتهم فحظروا عليهم الحظائر دون السباع فأحياهم
الله بعد الثمانية أيام وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وفي
أولادهم إلى يومنا هذا، وقيل غير ذلك. قوله تعالى:
{فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} هو من باب قوله
تعالى:
{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا
أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] والمراد سرعة وقوع المراد وعدم تخلفه عن تعلق
الإرادة به إذ لا قول هناك، وقيل: أمر للرسول أو الملك أن
يقول ذلك، والأول هو الظاهر، ثم أحياهم صريح في حياتهم بعد
موتهم وهو ممكن وقد أخبر به الصادق فوجب القطع به. وقول
المعتزلة إحياء الميت، أمر خارق للعادة فلا يجوز إظهاره
إلا معجزة لنبي رده أهل السنة بأنه يجوز بأنه خرقها كرامة
لولي ولغير ذلك، وإنكار ذلك مكابرة للحس وليس ذلك ببعيد من
عقولهم الفاسدة الضالة.
وسبب الإحياء استيفاء بقية آجالهم، وقد مر في القصة ما
يقتضي أن الموت
ج / 2 ص -287-
فجأهم بغتة كالنوم ولم يعاينوا شدة ولا هولا. فاندفع قول المعتزلة
أيضا المعارف تصير ضرورية عند القرب من الموت ومعاينة
الأهوال فيجب إذا عاشوا أن يبقوا ذاكرين ذلك؛ لأن الأشياء
العظيمة لا تنسى مع كمال العقل فتبقى لهم تلك العلوم ومع
بقائها يمتنع التكليف كما في الآخرة، على أن لنا أن نلتزم
أنهم عاينوها ولا يلزم ما ذكروه لجواز أن الله تعالى يلقي
عليهم بعد حياتهم نسيان ما وقع لهم ابتلاء لهم حتى يتم
تكليفهم في بقية آجالهم التي أحيوا ليستوفوها، والطاعون
وزنه فاعول من الطعن غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا
على الموت بالوباء، قال الجوهري وهو مبني على اتحادهما،
والصحيح خلافه إذ الوباء الموت العام بسبب باطن والطاعون
بثرات صغيرة تخرج في البدن يغلب وجودها في مراقه كالآباط.
وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال:
"فناء أمتي بالطعن والطاعون"،
فقلت: يا رسول الله الطعن قد عرفنا فما الطاعون؟ قال:
"غدة كغدة البعير تخرج من المراق والآباط".
قال العلماء: وهذا قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء
من عصاة عبيده وكفرتهم، وقد يرسله الله تعالى شهادة ورحمة
لصالحيهم لقول معاذ في طاعون عمواس إنه شهادة ورحمة لكم
ودعوة نبيكم: وهو قوله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك"
فطعن في كفه رضي الله عنه.
وروى أحمد وأبو يعلى والطبراني عن عائشة رضي الله عنهما
قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون"، قلت يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه
فما الطاعون؟ قال: "غدة كغدة البعير، المقيم بها كالشهيد،
والفار منه كالفار من الزحف".
وفي رواية لأبي يعلى أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"وخزة أي طعن تصيب أمتي من أعدائهم من الجن كغدة الإبل من
أقام عليها كان مرابطا، ومن أصيب به كان شهيدا، ومن فر منه
كان كالفار من الزحف".
ورواه البزار وعنده: قلت: يا رسول الله هذا الطعن قد
عرفناه فما الطاعون؟ قال:
"يشبه الدمل يخرج من الآباط والمراق وفيه تزكية أعمالهم وهو لكل مسلم
شهادة". قال الحافظ المنذري:
أسانيد هذه الروايات كلها حسان.
وروى أحمد بسند حسن والبزار والطبراني عن جابر رضي الله
عنه قال:
ج / 2 ص -288-
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الطاعون:
"الفار منه كالفار من الزحف ومن صبر فيه كان له أجر شهيد". والترمذي وقال حسن غريب وابن حبان في صحيحه.
تنبيه:
عد هذا هو ظاهر الآية بناء على ما مر عن أكثر المفسرين وهو
أيضا ظاهر هذه الأحاديث؛ لأن تشبيهه فيها بالفرار من الزحف
يقتضي أنه مثله في كونه كبيرة وإن كان التشبيه لا يقتضي
تساوي المتشابهين من كل وجه؛ لأن المقام هنا يشهد
لتساويهما في هذا الشيء الخاص وهو كونه كبيرة. إذ القصد
بهذا التشبيه إنما هو زجر الفار والتغليظ عليه حتى ينزجر
ولا يتم ذلك إلا إن كان كبيرة كالفرار من الزحف، على أنا
لو قلنا بذلك فنحن عالمون بأن المتشابهين غير متساويين من
كل وجه، لأنا نعلم أن كلا، وإن كان كبيرة إلا أن إثم
الفرار من الزحف أغلظ وأعظم لما يترتب عليه من المفاسد
العامة الشديدة القبح وهي كسر قلوب المسلمين واستيلاء
الكفار وغلبتهم وهذه أعظم المفاسد وأقبحها.
وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال حين ذكروا
الوباء:
"إنه رجز وعذاب عذب به بعض الأمم ثم بقي منه بقية فيذهب المرة ويأتي
الأخرى فمن سمع به بأرض فلا يقدم عليه، ومن كان بأرض وقع
بها فلا يخرج منها فرارا منه". وقد عمل عمر والصحابة
رضوان الله عليهم بمقتضى هذا الحديث لما رجعوا من سرغ حين
أخبرهم به ابن عوف. قال الطبري: والحديث يدل على أنه يجب
على المرء توقي المكاره قبل نزولها، وتجنب الأشياء المخوفة
قبل هجومها وكذلك كل مشق من غوائل الأمور سبيله سبيل
الطاعون في ذلك، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم:
"لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فإذا لقيتموهم
فاصبروا".
ولما أراد عمر الرجوع لما ذكر قال أبو عبيدة رضي الله
عنهما: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا
أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله؛ ومعنى ذلك
أنه لا محيص للإنسان عما قدره الله عليه، ولكن أمرنا الله
بالتحرز من المخاوف والمهلكات واستفراغ الوسع في التوقي من
المكروهات، ثم قال أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له
عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليست إن رعت الخصبة
رعتها بقدر الله وإن رعت الجدبة رعتها بقدر الله؟ فرجع عمر
من موضعه ذلك إلى المدينة.
ج / 2 ص -289-
وجاء في كون الطعن شهادة أحاديث أخر فيها ذكر شهداء آخرين غير
المقتول في سبيل الله.
أخرج مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"ما تعدون الشهداء فيكم"؟
قالوا يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال:
"ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو
شهيد، ومن مات من البطن فهو شهيد".
والشيخان:
"الشهيد خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب
الهدم، والشهيد في سبيل الله".
وأحمد والطبراني بسند رواته ثقات:
"إن في القتل شهادة، وفي
الطاعون شهادة، وفي البطن شهادة، وفي الغرق شهادة، وفي
النفساء يقتلها ولدها في بطنها جمعا -أي بتثليث الجيم وسكون
الميم بأن تموت وولدها في بطنها-
شهادة".
والطبراني بسند رواته محتج بهم في الصحيح: أنه صلى الله
عليه وسلم عاد بعض الأنصار فبكى أهله فقال عمه: لا تؤذوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصواتكم، فقال:
"دعهن يبكين ما دام حيا فإذا وجبت -أي مات-
فليسكتن"، فقال بعضهم للمريض: ما كنا نرى أن يكون موتك على فراشك حتى تقتل
في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى
الله عليه وسلم:
"أوما الشهيد إلا القتل في سبيل الله؟ إن شهداء أمتي إذن لقليل. إن
الطعن شهادة، والبطن شهادة، والطاعون شهادة، والنفساء بجمع
شهادة، والحرق شهادة والغرق شهادة، وذات الجنب شهادة".
وأحمد بسند حسن:
"القتل في سبيل الله عز وجل شهادة، والطاعون
شهادة، والغرق شهادة، والبطن شهادة، والنفساء يجرها ولدها
بسرره إلى الجنة". وفي رواية:
"وسادن بيت المقدس -أي خادمه-
والحرق والسل" هو: بكسر أوله وضمه وتشديد اللام داء
يحدث في الرئة يئول إلى ذات الجنب، وقيل زكام أو سعال طويل
مع حمى هادئة، وقيل غير ذلك.
وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه:
"الشهداء سبع سوى القتل في سبيل الله: المبطون شهيد،
والمطعون شهيد، وصاحب الحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم
شهيد، والمرأة التي تموت بجمع شهيدة".
والشيخان:
"الطاعون شهادة لكل مسلم".
ج / 2 ص -290-
والبخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن الطاعون فقال:
"كان عذابا يبعثه الله على من
كان قبلكم فجعله الله رحمة للمؤمنين، ما من عبد يكون في
بلد فيكون فيه فيمكث لا يخرج صابرا محتبسا يعلم أنه لا
يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد".
وأحمد بسند رواته ثقات مشهورون:
"أتاني جبريل عليه السلام
بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى
الشام، فالطاعون شهادة لأمتي ورجس على الكافر".
وأحمد بسند جيد: خطب معاذ بالشام فذكر الطاعون فقال: إنها
رحمة ربكم ودعوة نبيكم وقبض الصالحين قبلكم، اللهم أنزل
على آل معاذ نصيبهم من هذه الرحمة ثم نزل عن مقامه ذلك
فدخل على عبد الرحمن بن معاذ فقال عبد الرحمن:
{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمرآن: 60] فقال معاذ:
{سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ}
[الصافات: 102].
وأحمد عن معاذ رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول:
"ستهاجرون إلى أرض الشام فتكون لكم ويكون فيكم داء كالدمل أو كالحزة
يأخذ بمراق الرجل يستشهد الله به أنفسهم ويزكي به أعمالهم"، اللهم إن كنت تعلم أن معاذا سمعه من رسول الله صلى الله عليه
وسلم فأعطه هو وأهل بيته الحظ الأوفر منه فأصابهم الطاعون
فلم يبق منهم أحد فطعن في أصبعه السبابة فكان يقول ما
يسرني أن لي بها حمر النعم.
وصح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه صلى الله عليه
وسلم قال:
"فناء أمتي بالطعن والطاعون"،
فقيل: يا رسول الله هذا الطعن عرفناه فما الطاعون؟ قال:
"وخز أعدائكم من الجن وفي كل شهادة"، وفي رواية صحيحة:
"وخز أعدائكم من الجن
وهو لكم شهادة". وصح:
"اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون".
وروى النسائي:
"يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى
ربنا في الذين يتوفون في الطاعون فيقول الشهداء قتلوا كما
قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم
كما متنا فيقول ربنا انظروا إلى جراحهم فإن أشبهت جراح
المقتولين فإنهم منهم ومعهم فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم".
والطبراني بسند لا بأس به:
"يأتي الشهداء والمتوفون
بالطاعون، فيقول
ج / 2 ص -291-
أصحاب الطاعون نحن شهداء، فيقول انظروا فإن كانت جراحتهم كجراح
الشهداء تسيل دما كريح المسك فهم شهداء فيجدونهم كذلك". وصح عند ابن حبان:
"من قتله بطنه لم يعذب
في قبره".
"الكبيرة
الأربعمائة والحادية بعد الأربعمائة: الغلول من الغنيمة
والستر عليه"
قال تعالى:
{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ
يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161].
وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما قال: كان على نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي
غنيمته - رجل يقال له كركرة- بكسر الكافين وحكي فتحهما-
مات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها".
وأحمد بسند صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قيل له استشهد
مولاك أو غلامك فلان فقال:
"بل يجر إلى النار في عباءة غلها".
ومالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه: أن رجلا من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر فذكروه
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"صلوا على صاحبكم"
فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله
ففتشوا متاعه فوجدوا فيه خرزا من خرز اليهود لا يساوي
درهمين".
ومسلم وغيره عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهم قال: لما
كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
فقالوا فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان
شهيد، فقال صلى الله عليه وسلم:
"كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أو عباءة غلها".
ثم قال صلى الله عليه وسلم: "يا ابن الخطاب اذهب فناد في
الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون".
والطبراني بسند جيد:
"لو لم تغل أمتي لم يقم لهم عدو
أبدا". قال أبو ذر لحبيب بن مسلمة: هل يثبت
لكم العدو حلب شاة؟ قال: نعم وثلاث شياه غزر. قال أبو ذر:
غللتم ورب الكعبة.
والشيخان: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم
فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال:
"لا ألفين، -أي أجدن-
أحدكم يجيء يوم القيامة على
رقبته بعير له رغاء
ج / 2 ص -292-
-أي هو بضم الراء وبالمعجمة والمد صوت الإبل
وذوات الخف-
فيقول يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا
قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس
له حمحمة
-أي بمهملتين مفتوحتين صوت الفرس-
فيقول يا رسول الله
أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لا ألفين
أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء -أي بضم المثلثة وبالمعجمة
والمد صوت الغنم-
يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك
من الله شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة
على رقبته رقاع -أي جمع رقعة وهي ما يكتب فيه الحق-
تخفق -أي تتحرك وتضطرب-
فيقول يا رسول الله
أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، لا ألفين
أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته صامت فيقول يا رسول
الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك".
وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب
غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه
ويقسمه، فجاء رجل يوما بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا
رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة فقال:
"أسمعت بلالا ينادي ثلاثا"؟ قال: نعم. قال:
"فما منعك أن تجيء به"؟
فاعتذر إليه، فقال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله
منك".
والشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا
فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم
انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى ومع رسول الله صلى
الله عليه وسلم عبد له وهبه له رجل من جزام يدعى رفاعة بن
يزيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمي بسهم فكان فيه حتفه
فقلنا هنيئا له الشهادة يا رسول الله، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:
"كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة
-أي وهو كساء أصغر من القطيفة- لتلتهب عليه نارا أخذها من
الغنائم لم تصبها المقاسم"، قال ففزع الناس فجاء رجل
بشراك أو شراكين فقال أصبت يوم خيبر فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:
"شراك من نار أو شراكان من نار".
والنسائي وابن خزيمة في صحيحه عن أبي رافع رضي الله عنه
قال: كان
ج / 2 ص -293-
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر ذهب إلى بني عبد
الأشهل فيتحدث عندهم حتى ينحدر للمغرب، قال أبو رافع:
فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يسرع إلى المغرب مررنا
بالبقيع -أي بقيع الغرقد كما في رواية- فقال:
"أف لك أف لك أف لك"،
قال: فكبر ذلك في ذرعي -أي بالمعجمة عظم عندي موقعه-
فاستأخرت وظننت أنه يريدني، فقال:
"مالك؟ امش".
قلت: أحدث حدث؟ فقال:
"وما ذاك"؟ قلت: أففت بي؟ قال: "لا، ولكن هذا فلان
بعثته ساعيا على بني فلان فغل نمرة
-أي بفتح فكسر بردة من صوف يلبسها الأعراب-
فدرع مثلها من نار" أي: جعل له درع منها من نار.
والنسائي وابن حبان في صحيحه، واللفظ له والحاكم وقال صحيح
على شرطهما: "من جاء بريئا من ثلاثة دخل الجنة: الكبر والغلول والدين".
وأبو داود والطبراني: أتي صلى الله عليه وسلم بنطع من
الغنيمة فقيل: يا رسول الله هذا لك تستظل به من الشمس قال:
"أتحبون أن يستظل نبيكم
بظل من نار". زاد الطبراني:
"يوم القيامة".
وأبو داود عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: أما بعد فكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من يكتم غالا -أي يستر عليه-
فإنه مثله".
تنبيه:
عد الغلول هو ما صرحوا به. قال بعضهم: وكالغنيمة في ذلك
الغلول من الأموال المشتركة بين المسلمين ومن بيت المال
والزكاة انتهى. وهو ظاهر، ولا فرق في غال الزكاة بين أن
يكون من مستحقيها وغيرهم لأن الظفر ممنوع فيها إذ لا بد
فيها من النية بل لو أفرز المالك قدرها ونوى لم يجز الظفر
أيضا لتوقف ذلك على إعطاء المالك، فعند عدم إعطائه يتعذر
الملك فكان باقيا على ملك مالكه حتى يعطيه، فاتضح امتناع
الظفر في مال الزكاة مطلقا.
وروى الطبراني: أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا: لشرك بالله، وأكل مال
اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين،
وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
"فأين تجعلون
{الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً
قَلِيلاً} إلى آخر الآية"
وعد الستر عليه وهو صريح الحديث لقوله صلى الله عليه وسلم
فيه:
"فإنه مثله".
وعلم من الأحاديث المذكورة أن الغلول هو اختصاص أحد الغزاة
سواء الأمير
ج / 2 ص -294-
وغيره بشيء من مال الغنيمة قبل القسمة من غير أن يحضره إلى أمير
الجيوش ليخمسه وإن قل المأخوذ، نعم يجوز عندنا التبسط بأخذ
بعض المأكول له أو لدابته من مال الغنيمة قبل القسمة بشروط
مذكورة في محلها.
باب الأمان:
الكبيرة الثانية والثالثة والرابعة بعد
الأربعمائة: قتل أو غدر أو ظلم من له أمان أو ذمة أو عهد".
ال تعالى:
{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْؤُولاً} [الإسراء: 34]. وقال عز قائلا:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة: 1] أي العهود، ومن جملتها العهد والأمان الذي بيننا
وبين المشركين كما قاله بعض أئمة التفسير.
وأخرج الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن
كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا
اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر".
وروى أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة:
رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر
أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره".
ومسلم وغيره:
"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة
يرفع لكل غادر لواء يعرف به يقال هذه غدرة فلان بن فلان".
ومسلم وغيره:
"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن
أخفر مسلما -أي غدره ونقض عهده-
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم
القيامة عدلا ولا صرفا".
وأحمد والبزار والطبراني في الأوسط عن أنس رضي الله عنه
قال: ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قال:
"لا إيمان لمن لا أمانة له ولا
دين لمن لا عهد له". ورواه ابن حبان في صحيحه
لكن بلفظ: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في
خطبته: فذكر الحديث.
والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم: "ما نقض قوم العهد إلا كان
القتل
ج / 2 ص -295-
بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت، ولا منع
قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر".
وأبو داود عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم لكن الأبناء مجهولون أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير
طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة".
وابن حبان في صحيحه:
"أيما رجل أمن رجلا على دمه ثم
قتله فأنا من القاتل بريء وإن كان المقتول كافرا".
وابن ماجه وابن حبان في صحيحه واللفظ له وقال ابن ماجه:
"فإنه يحمل لواء غدر يوم القيامة".
وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه:
"من قتل نفسا معاهدة بغير حق لم يرح رائحة الجنة وإن ريح
الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام". وفي رواية:
"من قتل معاهدا في عهده لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها
ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" يرح بضم أوله من أرحت الشيء وجدت ريحه
وبفتحه وكسر الراء من رحت الريح وجدته وبفتح أوليه ومعنى
الكل شم الرائحة.
والترمذي وقال حسن صحيح واللفظ له وابن ماجه:
"ألا من قتل نفسا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر
بذمة الله فلا يريح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة
سبعين خريفا".
تنبيه:
عد هذه الثلاثة هو صريح هذه الأحاديث الصحيحة وهو ظاهر،
وبه صرح بعضهم في قتل المعاهد وفي الغدر لكن خصه بالأمير
وليس بشرط كما هو ظاهر، وقد جاء عن علي -كرم الله وجهه-
أنه عد من الكبائر نكث الصفقة: أي الغدر بالمعاهد، بل صرح
شيخ الإسلام العلائي بأنه جاء في الحديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه سماه كبيرة لكن اعترضه الجلال البلقيني بأنه
لم يرد في الأحاديث السابقة: أي التي ساقها منصوصا فيها
على الكبائر النص على أن ذلك كبيرة، قال وإنما فيه وعيد
شديد كما تقدم، انتهى.
والظاهر؛ أنه إنما أراد بما تقدم حديث أحمد والبخاري الذي
قدمته فيه:
ج / 2 ص -296-
"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر
فمن أمن كافرا ثم غدر به فقد نكث أمانه الذي أعطاه إياه" وكأن وجه تسمية الأمان صفقة أنه عهد أفاد
الأمن، فهو كعقد البيع المفيد للملك وعقد البيع يسمى صفقة،
لأن العرب كان الاثنان منهم إذا تبايعا صفق أحدهما على يد
الآخر فسمي العقد بذلك تجوزا.
"الكبيرة
الخامسة بعد الأربعمائة: الدلالة على عورة المسلمين"
دليله الحديث الصحيح: أن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه
كتب إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم
إليهم فأعلم الله نبيه بذلك، فأرسل إلى حاملة الكتاب عليا
والمقداد رضي الله عنهما فأخذاه منها قهرا بعد أن بالغت في
إنكاره وإخفائه، فلما جاءا به إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وقرئ عليه. قال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنقه،
فمنعه صلى الله عليه وسلم من قتله لكونه شهد بدرا. فإن
ترتب من الدلالة على ذلك وهن للإسلام أو لأهله، أو قتل أو
سبي أو نهب كان ذلك من أعظم الكبائر وأقبحها لأنه سعى في
الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل فمأواه جهنم وبئس المهاد.
قال بعضهم: ويتعين قتل فاعل ذلك وليس كما قال على إطلاقه.
باب المسابقة والمناضلة:
"الكبيرة السادسة والسابعة والثامنة بعد
الأربعمائة: اتخاذ نحو الخيل تكبرا أو نحوه أو للمسابقة
عليها رهانا أو مقامرة والمناضلة بالسهام كذلك وترك الرمي
بعد تعلمه رغبة عنه بحيث يؤدي إلى غلبة العدو واستهتاره
بأهل الإسلام".
أخرج الشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"الخيل ثلاثة هي لرجل وزر ولرجل ستر ولرجل أجر، فأما الذي
هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء -أي بكسر النون وبالمد معاداة لأهل الإسلام-
فهي له وزر" الحديث، ورواه ابن
خزيمة في صحيحه وقال: "وأما الذي هي عليه وزر فالذي
يتخذها أشرا وبطرا وبذخا عليهم"
أي: بفتح الموحدة وسكون المعجمة وآخره خاء معجمة كبرا.
ومعناه أنه اتخذ الخيل تكبرا وتعاظما واستعلاء على ضعفاء
المسلمين وفقرائهم.
وأحمد بإسناد حسن:
"الخيل في نواصيها الخير معقود أبدا إلى يوم
القيامة،
ج / 2 ص -297-
فمن ارتبطها عدة في سبيل الله وأنفق عليها احتسابا في سبيل الله فإن
شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها فلاح في
موازينه يوم القيامة، ومن ارتبطها رياء وسمعة ومرحا فإن
شبعها وجوعها وريها وظمأها وأرواثها وأبوالها خسران في
موازينه يوم القيامة".
والطبراني:
"الخيل ثلاثة ففرس للرحمن وفرس للإنسان وفرس
للشيطان، فأما فرس الرحمن فما اتخذ في سبيل الله وقتل عليه
أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استبطن -أي أولد وحمل عليه-
وأما فرس الشيطان فما روهن وقومر عليه"، ورواه أحمد بسند جيد: بمعناه، وفيه:
"وأما فرس الشيطان فالذي يقامر عليه ويراهن".
وأحمد بسند رجاله رجال الصحيح: "الخيل ثلاثة. فرس يرتبطه
الرجل في سبيل الله عز وجل فثمنه أجر وركوبه أجر وعاريته
أجر، وفرس يقامر عليه الرجل ويراهن فثمنه وزر وركوبه وزر،
وفرس للبطنة فعسى أن يكون سدادا من الفقر إن شاء الله".
وأخرج مسلم وغيره عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول:
"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة،
ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي".
ومسلم:
"من تعلم الرمي ثم تركه فليس منا، أو فقد عصى".
وابن ماجه:
"من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني".
والطبراني بسند حسن:
"من تعلم الرمي ثم نسيه فهو
نعمة جحدها".
وأبو داود واللفظ له والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي من
طريق الحاكم وغيرها: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه محتسبا في صنعته
الخير والرامي به ومنبله -أي مناوله للرامي ليرمي به
أي معطيه للمجاهد من ماله إمدادا وتقوية-
وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن ترك
الرمي بعدما علمه رغبة عنه لأنها نعمة تركها أو قال كفرها".
وفي رواية للبيهقي:
"صانعه الذي يحتسب في صنعته
الخير والذي يجهز به
ج / 2 ص -298-
في سبيل الله، والذي يرمي به في سبيل الله"، وصح:
"عليكم بالرمي فإنه من خير لعبكم". وفي رواية صحيحة أيضا:
"فإنه خير أو من خير لهوكم"،
وصح أيضا: "كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو
إلا أربع خصال مشي الرجل بين الغرضين
-أي مثنى غرض وهو ما يقصده الرماة بالإصابة وتأديبه فرسه-
وملاعبته أهله وتعلم السباحة".
وصح:
"من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محررة" أي: رقبة معتقة.
وصح:
"من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم
القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله فبلغ العدو أو لم
يبلغه كان له كعتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه
من النار عضوا بعضو".
تنبيه:
عد هذه الثلاثة لم أره لكنه في الأول ظاهر الأحاديث الأول
وقياسه الثاني، وأما الثالث فقضية ليس منا على ما قاله
بعضهم في نظيره أنه كبيرة لأن التبري وعيد شديد، ولعدم كون
أصحابنا لا يسمحون بالحرمة فيه فضلا عن كونه كبيرة أولت
ذلك بما ذكرته في الترجمة مما يقربه من الكبيرة لأن في
الترك حينئذ مفاسد عظيمة عامة.
|