الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 2 ص -299-        كتاب الأيمان:
"الكبيرة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة بعد الأربعمائة: اليمين الغموس واليمين الكاذبة وإن لم تكن غموسا وكثرة الأيمان وإن كان صادقا".
قال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] نزلت كما يعلم مما يأتي في الأحاديث الصحيحة في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض فهم المدعى عليه أن يحلف فلما نزلت نكل وأقر للمدعي بحقه ومعنى {يَشْتَرُونَ} يستبدلون ويأخذون {بِعَهْدِ اللَّهِ} أي بما عهد إليهم {وَأَيْمَانِهِمْ} أي الكاذبة {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضا يسيرا من الدنيا وهو ما يحلفون عليه كاذبين {أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} أي لا نصيب لهم من نعيمها وثوابها. {وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} أي بكلام يسرهم {وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي نظر رحمة {وَلا يُزَكِّيهِمْ} أي ولا يزيدهم خيرا ولا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي مؤلم شديد الإيلام.
وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من حلف على مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان" قال عبد الله: ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية. زاد في رواية قال: فدخل الأشعث بن قيس الكندي فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقلنا كذا وكذا فقال صدق أبو عبد الرحمن كان بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "شاهداك أو يمينه"، قلت: إذن يحلف ولا يبالي فقال

 

ج / 2 ص -300-        صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان" ونزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً} إلى آخر الآية.
ومسلم وغيره: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"ألك بينة"؟ قال: لا، قال: "فلك يمينه" قال يا رسول الله إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع عن شيء، فقال: "ليس لك منه إلا ذلك" فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر: "لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض".
وأبو داود: إن رجلا من كندة وآخر من حضرموت اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض باليمن فقال الحضرمي يا رسول الله إن أرضي اغتصبنيها أبو هذا وهي في يده فقال:
"هل لك بينة"؟ قال: لا ولكن أحلفه بالله ما يعلم أنها أرضي اغتصبنيها أبوه فتهيأ الكندي لليمين، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يقتطع أحد مالا بيمين إلا لقي الله وهو أجذم"، فقال الكندي هي أرضه.
وابن ماجه:
"من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله أجذم".
وأحمد بسند حسن وأبو يعلى والبزار والطبراني: اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أرض أحدهما من حضرموت فجعل صلى الله عليه وسلم يمين أحدهما فضج الآخر فقال إذن يذهب بأرضي، فقال:
"إن هو اقتطعها بيمينه ظلما كان ممن لا ينظر الله إليه يوم القيامة ولا يزكيه وله عذاب أليم وورع الآخر فردها".
قال الحافظ المنذري وقد وردت هذه القصة من غير ما وجه، وورع بكسر الراء أي تحرج من الإثم وكف عما هو قاصده ويحتمل أنه بفتح الراء أي جبن وهو معنى ضمها أيضا والأول أظهر.
والبخاري وغيره:
"الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس". وفي رواية له: أن أعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما أكبر الكبائر؟ قال: "الإشراك بالله"، قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس" قلت وما اليمين

 

 

ج / 2 ص -301-        الغموس؟ قال: "الذي يقتطع مال امرئ مسلم" يعني بيمين هو فيها كاذب.
والطبراني وابن حبان في صحيحه واللفظ له:
"من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس، والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كية في قلبه يوم القيامة".
والطبراني في الأوسط بسند قيل رجاله موثقون:
"أكبر الكبائر الشرك بالله واليمين الغموس"، ورواه الترمذي وحسنه وقال: "وما حلف حالف بالله بيمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا جعلت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة".
والحاكم وقال صحيح على شرطهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نعد من الذنب الذي ليس له كفارة اليمين الغموس قيل وما اليمين الغموس؟ قال الرجل يقتطع بيمينه مال الرجل.
والحاكم وصححه عن الحارث رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج بين الجمرتين وهو يقول:
"من اقتطع مال أخيه بيمين فاجرة فليتبوأ مقعده من النار، ليبلغ شاهدكم غائبكم مرتين أو ثلاثا"، وفي رواية لابن حبان في صحيحه: "فليتبوأ بيتا من النار".
والبزار بسند صحيح لو صح سماع أبي سلمة من أبيه عبد الرحمن بن عوف راويه رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"اليمين الفاجرة تذهب المال أو تذهب بالمال".
والبيهقي:
"ليس شيء مما عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي وما من شيء أطيع الله به أسرع ثوابا من الصلة، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع".
وأحمد بسند فيه مدلس لم يصرح بالسماع:
"من لقي الله لا يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة أو دخل الجنة. وخمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار من الزحف، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق".
وأبو داود والحاكم وقال صحيح على شرطهما:
"من حلف على يمين مصبورة كاذبة فليتبوأ مقعده من النار".

 

ج / 2 ص -302-        والحاكم وصححه: "من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة كانت نكتة سوداء في قلبه لا يغيرها شيء إلى يوم القيامة".
والطبراني بسند صحيح والحاكم وصححه:
"إن الله جل ذكره أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض وعنقه منثن تحت العرش وهو يقول سبحانك ما أعظمك ربنا، فيرد عليه: ما علم ذلك من حلف بي كاذبا".
والطبراني واللفظ له والحاكم وصححه:
"من اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار"، قيل يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا، قال: "وإن كان شراكا".
ومالك ومسلم والنسائي وابن ماجه:
"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة. قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال: وإن كان قضيبا من أراك". زاد مالك: "وإن كان قضيبا من أراك وإن كان قضيبا من أراك".
وابن ماجه بسند صحيح:
"لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة على يمين آثمة ولو على سواك رطب إلا وجبت له النار".
وابن ماجه واللفظ له وابن حبان في صحيحه:
"من حلف على يمين آثمة عند منبري هذا فليتبوأ مقعده من النار ولو على سواك أخضر".
ويستفاد منه ومما قبله كما ذكره أبو عبيدة والخطابي أن اليمين كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند المنبر. وابنا ماجه وحبان في صحيحه:
"إنما الحلف حنث أو ندم".
والطبراني بإسناد جيد عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه افتدى يمينه بعشرة آلاف درهم ثم قال: ورب الكعبة لو حلفت حلفت صادقا وإنما هو شيء افتديت به يميني. وروي أيضا عن الأشعث بن قيس رضي الله عنه أنه اشترى يمينه مرة بسبعين ألفا.
تنبيه: عد الأولى هو ما صرحت به هذه الأحاديث للتصريح فيها تارة بأن ذلك كبيرة، وتارة أخرى بأنه من أكبر الكبائر وبذلك الوعيد الشديد بل الذي لا أشد منه،

 

ج / 2 ص -303-        ومن ثم اتفق أصحابنا على أن ذلك كبيرة. وأما عد الثانية فهو ظاهر الحديث الصحيح السابق: ما علم ذلك من حلف بي كاذبا إذ في هذا تهديد عظيم ووعيد شديد، ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو تعبير بعض أئمتنا كصاحب العدة باليمين الفاجرة، وفسرها الزركشي بما يشمل الكاذبة وإن لم تكن غموسا بالمعنى السابق فقال: وهي عبارة عن اليمين الغموس، وهي التي يحلف بها باطلا أو يبطل بها حقا، سميت غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار انتهى؛ فقوله يحلف بها باطلا: أي وإن لم يبطل بها حقا، وهذه لا تسمى غموسا اصطلاحا خلافا لما يوهمه كلام الزركشي المذكور، ويؤيد عدها أيضا أن عبد الرزاق روى في باب الكبائر من الباب الجامع عن معمر عن أبي سعيد الخدري أن رجلا جاء ابن عمر فقال: إني أصبت ذنوبا فأحب أن تعد علي الكبائر، قال: فعد عليه سبعا أو ثمانيا: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات واليمين الفاجرة، ويؤيده أيضا بل يصرح به خبر مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم"، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا من هم؟ قال: "المسبل -أي إزاره خيلاء- والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"، فهذا هو ظاهر أو صريح في أن الحلف بالله كذبا كبيرة وإن لم تكن غموسا بالتفسير الذي ذكروه. اللهم إلا أن يدعي أن إنفاق السلعة بالحلف الكذب اقتطع به مال مسلم، وهو أخذ الثمن من المشتري بواسطة اليمين الكاذبة إذ لولاها لما بذل له في تلك العين فكأنه اقتطع حقه بها.
وأخرج الشيخان:
"ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى له، وإن لم يعطه لم يف له". والتقييد ببعد العصر لأن الحلف الكذب فيه أقبح لا لأنه شرط في استحقاق هذه العقوبة الشديدة كما يدل عليه خبر مسلم المذكور. وأما عد الثالثة فهو ما بحثه الزركشي فقال: فلا شك أنه يطرق البحث الذي أشار إليه الرافعي بقوله: وللتوقف مجال في بعض هذه الصور تقييد اليمين بالفاجرة، ويقال إن كثرة الأيمان وإن كان صادقا تقتضي ذلك: أي الفسق كما قيل به في كثرة المخاصمة انتهى وهو محتمل، ويحتمل خلافه وهو أقرب لأن من

 

ج / 2 ص -304-        شأن كثرة المخاصمة ولو بحق الوقوع فيما لا ينبغي كما يأتي مبسوطا بخلاف ما هنا.
وعلم من تلك الأحداث أن اليمين الغموس هي التي يحلفها الإنسان عامدا عالما أن الأمر بخلاف ما حلف عليه ليلحق بها باطلا أو يبطل بها حقا كأن يقتطع بها مال معصوم ولو غير مسلم كما هو ظاهر، ومن عبر بالمسلم فقد جرى على الغالب، وسميت غموسا بفتح المعجمة لأنها تغمس الحالف في الإثم في الدنيا وفي النار يوم القيامة، واليمين الصابرة والصبر والمصبور السابقة في الأحاديث هي اللازمة لصاحبها من جهة الحكم فيصير من أجلها أن يحبس وأصل الصبر الحبس، ومنه قولهم قتل فلان صبرا: أي حبسا على القتل وقهرا عليه.
"الكبيرة الثانية والثالثة والرابعة عشرة بعد الأربعمائة: الحلف بالأمانة أو بالصنم مثلا، وقول بعض المجازفين إن فعلت كذا فأنا كافر أو بريء من الإسلام أو النبي"
أشار إلى هذه الثلاثة بعضهم لكنه توسع فقال: ومن جملة ذلك أي اليمين الغموس الحلف بغير الله عز وجل كالنبي والكعبة والملائكة والسماء والآباء والحياة والأمانة، وهي من أشدها نهيا والروح والرأس وحياة السلطان ونعمة السلطان وتربة فلان، ثم ساق أدلة فيها نهي ووعيد عن الحلف بذلك كحديث:
"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت"، وكحديث مسلم: "لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم" والطواغي جمع طاغية وهي الصنم، ومنه الحديث: "هذه طاغية دوس" أي صنمهم ومعبودهم. وكحديث: "من حلف بالأمانة فليس منا". وكحديث: "من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما"، وكحديث ابن عمر أنه سمع رجلا يقول لا والكعبة فقال لا تحلف بغير الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك".
قال بعض العلماء: وهذا محمول على التغليظ كحديث:
"الرياء شرك"؛ وكحديث: "من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله". وسبب ذلك أنه كان في الصحابة -رضوان الله عليهم- من هو حديث عهد بالحلف بذلك قبل

 

ج / 2 ص -305-        إسلامه فربما سبق لسانه إلى الحلف بها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبادر إلى قوله لا إله إلا الله؛ ليكفر بذلك ما سبق على لسانه، هذا ملخص ما ذكره ذلك البعض.
وكلام أئمتنا لا يساعد ذلك لأنهم أطلقوا أن الحلف بغير الله مكروه، نعم. إن اعتقد له من العظمة بالحلف به ما يعتقده لله تعالى كان الحلف حينئذ كفرا وهو محمل حديث ابن عمر السابق والأحاديث الآتية. وأما الحلف بالصنم ونحوه فإن قصد به نوع تعظيم له كفر وإلا فلا، وحينئذ فكونه كبيرة له نوع احتمال، وأما قول بعض المجازفين المذكور فالحكم عليه بالكبيرة غير بعيد لما في الحديث السابق والأحاديث الآتية من الوعيد الشديد، وهو إما الكفر إن كذب أو أنه لا يرجع إلى الإسلام سالما إن صدق. ولا بأس بذكر مخرجي تلك الأحاديث التي ذكرها ذلك البعض عرية عن الإسناد والتعرض لكونها صحيحة أو لا.
أخرج الشيخان وغيرهما:
"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت".
وابن ماجه: أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يحلف بأبيه فقال:
"لا تحلفوا بآبائكم من حلف فليحلف بالله ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض بالله فليس من الله".
والترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما:
"من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك".
والحاكم:
"كل يمين يحلف بها دون الله شرك".
وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:
"لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره وأنا صادق".
وأبو داود:
"من حلف بالأمانة فليس منا".
وأبو داود وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرطهما:
"من حلف فقال إني بريء من الإسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال، وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الإسلام سالما".
وأبو يعلى والحاكم واللفظ له وصححه: "من حلف على يمين فهو كما حلف إن قال هو يهودي فهو يهودي، وإن قال هو نصراني فهو نصراني، وإن قال هو بريء

 

ج / 2 ص -306-        من الإسلام فهو كذلك، ومن ادعى دعاء الجاهلية فإنه من جثي جهنم" قالوا يا رسول الله وإن صام وصلى، قال: "وإن صام وصلى".
وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله عنه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: أنا إذا يهودي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"وجبت".
والشيخان والأربعة:
"من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال".
"الكبيرة الخامسة عشرة بعد الأربعمائة: الحلف بملة غير الإسلام كاذبا".
كذا ذكره بعضهم، وفيه نظر والظاهر أنه أراد به ما مر من قول بعض الجهلة إن فعل كذا فهو يهودي، لكن هذا لا يتوقف كونه كبيرة على الكذب بل يفسق قائله وإن لم يكن كاذبا لأن التعلق يحتمل الكفر بل هو ظاهر فيه وإن كان غير مراد. وفي أذكار النووي رحمه الله. وإذا قال هو يهودي أو نصراني أو نحوهما إن أراد تعليق خروجه من الإسلام بما قال صار كافرا في الحال وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرده ارتكب محرما فتجب عليه التوبة حقيقة بأن يقلع عن معصيته ويندم على فعله ويعزم على عدم عوده أبدا ويستغفر الله ويقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، انتهى والاستغفار والتشهد مستحبان.

باب النذر:
"الكبيرة السادسة عشرة بعد الأربعمائة: عدم الوفاء بالنذر سواء أكان نذر قربة أم نذر لجاج".
وعد هذا ظاهر لأنه امتناع من أداء حق لزمه على الفور، فهو كالامتناع عن أداء الزكاة، إذ الصحيح عندنا أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع في أحكامه فكذلك يسلك به مسلك الواجب في عظيم إثم ترك ما يترتب عليه من أن تركه كبيرة وفسق.

 

ج / 2 ص -307-        باب القضاء:
"الكبيرة السابعة، والثامنة والتاسعة عشرة والعشرون والحادية والعشرون بعد الأربعمائة: تولية القضاء وتوليه وسؤاله لمن يعلم من نفسه الخيانة أو الجور أو نحوهما والقضاء بجهل أو جور".
قال تعالى:
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ثم قال عز قائلا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] ثم قال جل عليما حكيما: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
وأخرج أبو داود والترمذي واللفظ له وقال حسن غريب، وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين الناس فقد ذبح بغير سكين".
قال الخطابي: معناه أن الذبح بالسكين يحصل به راحة الذبيحة بتعجيل إزهاق روحها فإذا ذبحت بغير سكين كان فيه تعذيب لها، وقيل: إن الذبح لما كان في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين عدل صلى الله عليه وسلم عن ظاهر العرف، والعادة إلى غير ذلك؛ ليعلم أن مراده صلى الله عليه وسلم بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ويحتمل غير ذلك؛ وعلى كل فالمراد بذلك الكناية عن أن القاضي عرض نفسه بقبوله القضاء إلى حصول مشقة لا تطاق في العادة وهي ما يلحقه من عذاب الله وغضبه، ومن ثم نفر السلف عن ذلك نفورا عظيما ولم يفسق الممتنع عن قبوله وإن تعين عليه لعذره بخوفه من وقوعه في ورطاته وغوائله الكثيرة القبيحة الغالب حصولها لمن دخل فيه.
وأبو داود والترمذي وابن ماجه:
"القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار".
والترمذي واللفظ له وقال حسن غريب وابن ماجه:
"القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق يعلم بذلك فذلك في النار وقاض لا يعلم فأهلك حقوق الناس فهو في النار، وقاض قضى بالحق فذلك في الجنة".

 

ج / 2 ص -308-        وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه، وفيه أيضا انقطاع أن عثمان قال لابن عمر رضي الله عنهم اذهب فكن قاضيا. قال: أو أوتعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: اذهب فاقض بين الناس، قال: تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: عزمت عليك إلا ذهبت فقضيت، قال: لا تعجل أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ"؟ قال نعم، قال فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيا، قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان قاضيا فقضى بالجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضيا فقضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضيا فقضى بحق أو بعدل سأل التفلت كفافا" فما أرجو منه بعد ذلك؟ ورواه الترمذي باختصار عنهما وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن يتفلت منه كفافا"، فما أرجو بعد ذلك؟
وأحمد:
"ليأتين على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في تمرة واحدة قط".
وابن حبان في صحيحه:
"يدعى القاضي العدل يوم القيامة فيبقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره"، وتمرة وعمره قيل متقاربان خطا ولعل أحدهما تصحيف، انتهى، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن المعنى صحيح في كليهما فما المانع من أنهما روايتان؟.
والطبراني:
"من ولي شيئا من أمر المسلمين أتي به يوم القيامة حتى يوقف على جسر جهنم فإن كان محسنا نجا، وإن كان مسيئا انخرق به الجسر فهوى فيه سبعين خريفا وهي سوداء مظلمة".
وأحمد:
"ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا أتى الله به مغلولا يوم القيامة يداه إلى عنقه فكه بره أو أوثقه إثمه أولها ملامة وأوسطها ندامة وآخرها خزي يوم القيامة".
ومسلم وغيره:
"يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم".

 

ج / 2 ص -309-        والشيخان: "يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها".
وأبو داود والترمذي وقال حسن غريب:
"من ابتغى القضاء وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده".
وابن ماجه:
"من سأل القضاء وكل إلى نفسه ومن جبر عليه ينزل ملك فيسدده".
وأبو داود:
"من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة وإن غلب جوره عدله فله النار".
والترمذي وابنا ماجه وحبان:
"إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان". ورواه الحاكم وصححه إلا أنه قال: "فإذا جار تبرأ الله منه".
ومالك: إن مسلما ويهوديا اختصما إلى عمر رضي الله عنه فرأى الحق لليهودي فقضى عمر له به، فقال له اليهودي والله لقد قضيت بالحق فضربه عمر بالدرة وقال وما يدريك؟ فقال اليهودي والله إنا نجد في التوراة: ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك وعن شماله ملك يسددانه ويوفقانه للحق ما دام مع الحق فإذا ترك الحق عرجا وتركاه.
وابن ماجه والبزار واللفظ له:
"يؤتى بالقاضي يوم القيامة فيوقف للحساب على شفير جهنم فإن أمر به دفع فهوى فيها سبعين خريفا".
وابن أبي الدنيا وغيره:
"لا يلي أحد من أمر الناس شيئا إلا أوقفه الله على جسر جهنم فزلزل به الجسر زلزلة فناج أو غير ناج لا يبقى منه عظم إلا فارق صاحبه فإن هو لم ينج ذهب به في جب مظلم كالقبر في جهنم لا يبلغ قعره سبعين خريفا".
ومسلم:
"ما من أمير يلي أمور المسلمين ثم لم يجهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة". زاد الطبراني: "كنصحه وجهده لنفسه".
وأحمد بسند حسن:
"من ولي من أمر الناس شيئا ثم أغلق بابه دون المسكين

 

ج / 2 ص -310-        والمظلوم وذي الحاجة أغلق الله تبارك وتعالى أبواب رحمته دون حاجته وفقره أفقر ما يكون إليها".
تنبيه: عد هذه الخمسة لم أره لكنه صريح هذه الأحاديث الصحيحة. أما الثانية فواضح لأنها صريحة الحديث الأول المكني عن شدة العذاب والوعيد فيه بالذبح بغير سكين وحملها على ما ذكرته في الترجمة ظاهر متعين، وصريحة الحديث الثاني وما بعده؛ لأن الحكم على القاضيين الجاهل والجائر بكونهما في النار وعيد شديد، وإذا ثبت ذلك في ولاية القضاء يثبت في لازمها من التولية وسببها من السؤال في ذلك؛ وأما الأخيرتان فهما صريح الحديث الثاني وما بعده أيضا فينتج من ذلك اتضاح عد هذه الخمسة.
قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: ينبغي للقاضي أن يكون يوما في القضاء ويوما في البكاء على نفسه. وقال محمد بن واسع: أول من يدعى يوم القيامة إلى الحساب القضاة.
وقال علي رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"ليس من قاض ولا وال إلا يؤتى به يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز وجل على الصراط ثم تنشر صحيفة سيرته فتقرأ على رءوس الخلائق فإن كان عدلا نجاه الله بعدله وإن كان غير ذلك انتفض به الجسر انتفاضة فصار بين كل عضو من أعضائه مسيرة كذا وكذا ثم ينخرق به الجسر إلى جهنم".
وقال مكحول: لو خيرت بين القضاء وضرب عنقي لاخترت ضرب عنقي ولم أختر القضاء. وقال أيوب السختياني: إني وجدت أعلم الناس أشدهم هربا منه، ودعا مالك بن المنذر محمد بن واسع ليجعله على قضاء البصرة، فأبى فعاوده وقال لتجلس وإلا جلدتك، فقال إن تفعل فأنت سلطان، وإن ذليل الدنيا خير من ذليل الآخرة. وقيل لسفيان الثوري إن شريحا قد استقضي، فقال أي رجل قد أفسدوه.
والحاصل، أن هذا المنصب أخطر المناصب وأفظع المتاعب والمثالب، وقد أفردت قضاة السوء بتأليف مستقل سميته جمر الغضا لمن تولى القضا وذكرت فيه من أحوالهم الفظيعة الشنيعة ما تمجه الأسماع وتستنكره الطباع لما أن الجرأة على

 

ج / 2 ص -311-        فعله توجب القطع واليقين بأنهم ليسوا من المتقين بل ولا من المسلمين، نسأل الله العافية بمنه وكرمه آمين.
"الكبيرة الثانية والعشرون بعد الأربعمائة: إعانة المبطل ومساعدته".
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"من أعان على خصومة بغير حق كان في سخط الله حتى ينزع".
وأبو داود:
"من أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله".
وأبو داود وابن حبان في صحيحه:
"مثل الذي يعين قومه على الحق كمثل بعير تردى في بئر فهو ينزع منها بذنبه"، ومعناه أنه وقع في الإثم وهلك كالبعير إذا تردى في بئر مهلكة فصار ينزع بذنبه ولا يقدر على الخلاص.
والطبراني:
"أيما رجل حالت شفاعته دون حد من حدود الله لم يزل في غضب الله حتى ينزع، وأيما رجل شد غضبا على مسلم في خصومة لا علم له بها فقد عاند الله حقه وحرص على سخطه وعليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيما رجل أشاع على رجل مسلم بكلمة وهو منها بريء يشينه بها في الدنيا كان حقا على الله أن يذيبه يوم القيامة في النار حتى يأتي بنفاد ما قال".
والطبراني:
"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في ملكه، ومن أعان على خصومة لا يعلم أحق أو باطل فهو في سخط الله حتى ينزع، ومن مشى مع قوم يرى أنه شاهد وليس بشاهد فهو كشاهد زور، ومن تحلم كاذبا كلف أن يعقد بين طرفي شعيرة، وسباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
والطبراني والأصبهاني:
"من أعان ظالما بباطل ليدحض به حقا فقد برئ من ذمة الله وذمة رسوله، ومن مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام".
تنبيه: عد هذا هو صريح هذه الأحاديث وهو ظاهر، وإن لم أره.
"الكبيرة الثالثة والعشرون بعد الأربعمائة: إرضاء القاضي وغيره من الناس بما يسخط الله تعالى"
أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

ج / 2 ص -312-        "من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس".
والطبراني بسند جيد قوي:
"من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه. ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينه".
والحاكم:
"من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله".
والبزار:
"من طلب محامد الناس بمعاصي الله عاد حامده له ذاما أو قال ذاما له".
وابن حبان في صحيحه واللفظ له والبيهقي:
"من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله ومن أسخط الله برضا الناس وكله الله إلى الناس".
والبيهقي:
"من أراد سخط الله ورضا الناس عاد حامده من الناس ذاما".
والطبراني:
"من تحبب إلى الناس بما يحبوه وبارز الله تعالى لقي الله تعالى يوم القيامة وهو عليه غضبان". ويحبوه كذا رأيته وهو لغة، والأشهر يحبونه.
تنبيه: عد هذا هو صريح هذه الأحاديث وهو ظاهر وإن لم أره.
"الكبيرة الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والعشرون بعد الأربعمائة: أخذ الرشوة ولو بحق وإعطاؤها بباطل والسعي فيها بين الراشي والمرتشي وأخذ مال على تولية الحكم ودفعه حيث لم يتعين عليه القضاء ولم يلزمه البذل"
قال تعالى:
{وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].
وقال المفسرون: ليس المراد من ذلك الأكل خاصة، ولكن لما كان المقصود الأعظم من الأموال وصار العرف فيمن أنفق ماله أن يقال أكله خص بالذكر. وقوله تعالى:
{بِالْبَاطِلِ} يشمل سائر وجوهه ويجمعها في كل ما نهى الشارع عنه لمعنى

 

ج / 2 ص -313-        في عينه كالمسكر والمؤذي، أو لخلل في اكتسابه كالمغصوب والمسروق أو مصرفه كأنه يصرفه في معصية {وَتُدْلُوا بِهَا} عطف على المجزوم بدليل قراءة أبي ولا تدلوا بها. وقيل غير ذلك والإدلاء إرسال الدلو إلى البئر للاستقاء ودلاه يدلوه أخرجه، ثم جعل إلقاء كل قول أو فعل إدلاء، ومنه أدلى بحجته كأنه يرسلها لتصل إلى مراده وأدلى إلى الميت بقرابته لطلب الميراث بتلك النسبة، وباء بها للتعدية وقيل للسببية، فالمراد بالإدلاء الإشراع بالخصومة في الأموال، وباء بالإثم للسببية أو المصاحبة، ووجه تشبيه الرشوة بالإدلاء إما كونها تقرب بعيد الحاجة كما أن الدلو المملوءة ماء تصل من البعيد إلى القريب بواسطة الرشاء فالبعيد يصير قريبا بسبب الرشوة، وإما كون الحاكم بسبب الرشوة يمضي الحكم ويثبته من غير تثبت كمضي الدلو في الرشاء، ثم المراد من ذلك عند ابن عباس وجماعة الودائع وما لا بينة عليه وقيل مال اليتيم في يد وصيه يدفع بعضه للحاكم ليبقيه على وصايته وتصرفه الفاسد، وقيل شهادة الزور، والضمير في بها عائد على مذكور للعلم به.
وقال الحسن هو أن يحلف ليحق باطلا، لأن سبب نزولها أن امرأ القيس بن عباس الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبه عليها فالتمس منه صلى الله عليه وسلم بينة فلم يجد، فقال:
"لك يمينه" فانطلق ليحلف فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض" فنزلت: أي لا يأكل بعضكم مال بعض من غير الوجه الذي أباحه الله له. وقيل؛ هو أن يدفع إلى الحاكم رشوة. قال بعض المفسرين: وهذا أقرب إلى ظاهر الآية: أي لا تصانعوا الحكام بأموالكم ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حق غيركم، ولا يبعد حملها على كل ما مر؛ لأن الكل أكل للمال بالباطل. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي بكونه باطلا. ولا شك أن الإقدام على القبيح مع العلم بقبحه أقبح وصاحبه بالتوبيخ أحق.
وأخرج أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي. وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه:
"لعنة الله على الراشي والمرتشي". والطبراني بسند رجاله ثقات: "الراشي والمرتشي في النار".
وأحمد:
"ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب".

 

ج / 2 ص -314-        والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم". والحاكم عنه: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم والرائش الذي يسعى بينهما".
وأحمد والبزار والطبراني عن ثوبان رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش" يعني الذي يمشي بينهما. والطبراني بسند جيد:
"لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم".
والحاكم:
"من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبوا أو بما كرهوا جيء به مغلولة يداه فإن عدل ولم يرتش ولم يحف فك الله عنه وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى وحابى فيه شدت يساره إلى يمينه ثم رمي به في جهنم فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام".
والطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
"الرشوة في الحكم كفر وهي بين الناس سحت".
تنبيه: عد الأولى هو ما ذكروه، والثانية والثالثة هو ما ظهر لي من صريح الأحاديث الآتية، والأخيرتين هو ما رأيته بعد ذلك في كلام الجلال البلقيني، وهو يؤيد ما ذكرته في الثانية والثالثة، وعبارته: أخذ الرشوة على الأحكام سواء أخذها على الحكم بالباطل أو الحكم بالحق، وفي معناه الأخذ على تولية الحكم ودفعه حيث لم يتعين ولم يجب عليه البذل، انتهت.
والأحاديث التي ذكرتها صريحة في أكثر ذلك لما فيها من الوعيد الشديد واللعنة للراشي وللمرتشي وللسفير بينهما، وإنما قلت في الثانية باطل لقولهم قد يجوز الإعطاء ويحرم الأخذ كما في هذه المسألة، وكما يعطاه الشاعر خوفا من هجوه فالإعطاء جائز للضرورة، والأخذ حرام؛ لأنه بغير حق؛ ولأن المعطي كالمكره على إعطائه فمن أعطى قاضيا أو حاكما رشوة أو أهدى إليه هدية فإن كان ليحكم له بباطل أو ليتوصل بها إلى نيل ما لا يستحق أو إلى أذية مسلم فسق الراشي والمهدي بالإعطاء والمرتشي والمهدى إليه بالأخذ والرائش بالسعي، وإن لم يقع حكم منه بعد ذلك، أو ليحكم له بحق أو لدفع ظلم عنه أو لينال ما يستحقه فسق الآخذ فقط ولم يأثم المعطي لاضطراره إلى التوصل إلى حقه بأي طريق كان. وأما الرائش هنا فالذي

 

ج / 2 ص -315-        يظهر أن يقال فيه إنه كان من جهة الآخذ فسق لما تقرر أن الآخذ يفسق مطلقا فمعينه كذلك، وإن كان من جهة المعطي فإن كنا حكمنا بفسقه فسق رسوله وإلا فلا. ثم رأيت بعضهم ذكر نحو ذلك في الرائش فقال: هو تابع للراشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللعنة وإلا لحقته. ولا فرق في الرشوة المقتضي أخذها الفسق بين قليل المال وكثيره، ومن ثم قال الأذرعي في توسطه أطلق شريح الروياني وغيره أن أكل أموال اليتامى وغيرهم بالباطل من الكبائر، وكذا أخذها رشوة ولم يفرقوا بين أن يبلغ ذلك ربع دينار وأن لا، وكذا أطلق صاحب العدة أكل أموال اليتامى وأخذ الرشوة وجرى على إطلاقه فيها وفي كيل أو وزن الشيخان، وسيأتي عن النص ما يشهد له وذلك يورث تضعيف التقييد في المغصوب بربع دينار انتهى. ومر في الغصب وغيره ما له تعلق بذلك.
ومما يدل على أن تحريم الرشوة لا يختص بالقضاة كما صرح به غير واحد خلافا للبدر بن جماعة وغيره ما رواه أحمد عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"هدايا العمال غلول". وما رواه أبو داود في سننه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شفع لرجل شفاعة فأهدى له عليها هدية فقد أتى بابا كبيرا من أبواب الربا".
وقال ابن مسعود: السحت أن تطلب لأخيك الحاجة فتقضى فيهدي إليك هدية فتقبلها منه. وعن مسروق أنه كلم ابن زياد في مظلمة فردها فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفا فرده ولم يقبله. وقال: يعني مسروقا: سمعت ابن مسعود يقول من رد عن مسلم مظلمة فأعطاه على ذلك قليلا أو كثيرا فهو سحت، فقال الرجل: يا أبا عبد الله، ما كنا نظن أن السحت إلا الرشوة في الحكم فقال ذلك كفر نعوذ بالله من ذلك. وجاء نصراني إلى الإمام الأوزاعي وكان يسكن بيروت فقال إن والي بعلبك ظلمني وأريد أن تكتب في إليه وأتاه بقلة عسل فقال له إن شئت رددت عليك قلتك وأكتب إليه وإن شئت أخذتها ولا أكتب، فقال النصراني بل اكتب لي وارددها فكتب له أن ضع عنه من خراجه فشفعه الوالي فيه وحط عنه من جزيته ثلاثين درهما.
قال الشافعي رضي الله عنه: وإذا أخذ القاضي رشوة على قضائه فقضاؤه مردود وإن كان بحق والرشوة مردودة، وإذا أعطى القاضي على القضاء رشوة فولايته باطلة

 

ج / 2 ص -316-        وقضاؤه مردود، وليس من الرشوة بذل مال لمن يتكلم مع السلطان مثلا في جائزة فإن هذا جعالة جائزة.
"الكبيرة التاسعة والعشرون بعد الأربعمائة: قبول الهدية بسبب شفاعته".
أخرج أبو داود أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"من شفع شفاعة لأحد فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الكبائر". ومر عن ابن مسعود أن ذلك سحت ونقله القرطبي عن مالك.
تنبيه: عد هذا هو ما صرح به بعض أئمتنا وفيه نظر؛ لأنه لا يوافق قواعدنا، بل مذهبنا أن من حبس فبذل لغيره مالا ليشفع له ويتكلم في خلاصه جاز وكانت جعالة جائزة فالذي يتجه حمل ذلك على قبول مال في مقابلة شفاعة في محرم.
"الكبيرة الثلاثون والحادية والثانية والثالثة والرابعة والثلاثون بعد الأربعمائة: الخصومة بباطل أو بغير علم كوكلاء القاضي أو لطلب حق لكن مع إظهار لدد وكذب لإيذاء الخصم والتسلط عليه والخصومة لمحض العناد بقصد قهر الخصم وكسره والمراء والجدال المذموم".
قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْأِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204].
أخرج الترمذي وقال غريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كفى بك أن لا تزال مخاصما".
والبخاري:
"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" أي كثير الخصومة.
والشافعي في الأم عن علي كرم الله وجهه: أنه وكل في خصومة وهو حاضر قال وكان يقول إن الخصومة لها قحما وإن الشيطان يحضرها، وقحما بضم القاف وبالمهملة المفتوحة أي شدة وورطة، وعد المطرزي في المغرب فتح الحاء خطأ.

 

ج / 2 ص -317-        وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع". وأنه قال: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا جدلا" ثم تلا: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58].
تنبيه: عد ما ذكر هو صريح ما مر عن البخاري في الأولى وفي معناها ما بعدها وهو ظاهر. ثم رأيت من عد الفجور في المخاصمة كبيرة وأطلق في المراء والجدال أنهما كبيرتان، وفيه نظر فمن ثم قيدت بالمذموم.
ومما يؤيد عد ذلك قول النووي عن بعضهم إنه قال: ما رأيت شيئا أذهب للدين ولا أنقص للمروءة ولا أضيع للذة ولا أشغل للقلب من الخصومة.
وفي أذكار النووي فإن قلت: لا بد للإنسان من الخصومة لاستيفاء حقوقه. فالجواب ما أجاب به الغزالي أن الذم إنما هو لمن خاصم بباطل أو بغير علم كوكيل القاضي، فإنه يتوكل قبل أن يعرف أن الحق في أي جانب، ويدخل في الذم من طلب حقا، لكنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد والكذب للإيذاء أو التسليط على خصمه، وكذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم وكسره وكذلك من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس له إليها ضرورة في التوصل له إلى غرضه، فهذا هو المذموم بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا إيذاء ففعله هذا ليس مذموما ولا حراما، لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا؛ لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال متعذر والخصومة توغر الصدور وتهيج الغضب، فإذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر ويحزن بمسرته ويطلق اللسان في عرضه، فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات وأقل ما فيها اشتغال القلب حتى إنه يكون في صلاته وخاطره معلقا بالمحاججة والخصومة، فلا يبقى حاله على الاستقامة، والخصومة مبدأ الشر وكذا المراء والجدال، فينبغي للإنسان أن لا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها وعند ذلك يحفظ لسانه وقلبه عن آفاتها. قال بعض المتأخرين: وعدم قبول شهادة وكلاء القاضي مسألة غريبة؛ انتهى. ولا غرابة فيها بالنسبة لأكثر وكلاء القضاة الآن لانطوائهم في وكالاتهم على مفاسد قبيحة شنيعة وكبائر بل فواحش فظيعة.

 

ج / 2 ص -318-        قال الغزالي: ومما يذم المراء والجدال والخصومة، فالمراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله وإظهار مرتبتك عليه، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والخصومة لجاج في الكلام؛ ليستوفي به مالا أو غيره ويكون تارة ابتداء وتارة اعتراضا، والمراء لا يكون إلا اعتراضا.
وقال النووي: الجدال قد يكون بحق بأن يكون للوقوف على الحق وإظهاره وتقريره، وقد يكون بباطل بأن يكون لمدافعة حق أو بغير علم قال تعالى:
{وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] وقال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] وقال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} [غافر: 4]. وعلى ذلك التفصيل تتنزل هذه النصوص وغيرها مما ورد في مدحه تارة وذمه أخرى.
فائدة:
نقل الشيخان عن صاحب العدة أن من الصغائر كثرة الخصومات، وإن كان الشخص محقا. قال الأذرعي: وقد فهما منه أنه أراد بالصغائر المعاصي التي يأثم فاعلها كما هو المتبادر، والمشهور في اصطلاح الفقهاء ويجوز أن لا يريد ذلك بل أراد عد جملة منه ومن غيره مما ترد به الشهادة، وإن لم يأثم به، وسيأتي ما يؤيده إذ يبعد أن يقال بتأثيم المحق في الخصومة إلا أن يقال من أكثر الخصومات وقع في الإثم، انتهى. وذكر تلميذه في الخادم نحوه فقال: والظاهر أنه أراد الأعم من ذلك، ومما يقتضي رد الشهادة من منقص المروءة، ولهذا ذكر من جملتها المحق في الخصومة فإنه لا يقول أحد بتأثيمه وإنما هو من باب ترك المروءة وكذا الضحك من غير عجب ونحوه.
فإن قلت: فإطلاق الصغيرة على ما لا إثم فيه خارج عن الاصطلاح.
قلت: المراد أن حكمها حكم الصغيرة في رد الشهادة إذا أصر عليها.
وقد ذكر الرافعي في الكلام على المروءة أن من اعتاد ترك السنن الرواتب وتسبيحات الركوع والسجود ردت شهادته؛ لتهاونه بالسنن، فهذا صريح في أن المواظبة على ارتكاب خلاف المسنون ترد الشهادة به مع أنه لا إثم فيه.

 

ج / 2 ص -319-        وقد أطلق الحليمي أن رد السائل صغيرة. وقال في الإحياء: إن المباح يصير صغيرة بالمواظبة كاللعب بالشطرنج فقد أطلق لفظ الصغيرة على ما لا يحرم، انتهى، فظهر بهذا أن ما بحثه الرافعي في الخصومات وصوبه النووي ليس كما قال وأنه لا يلاقي كلام صاحب العدة فإنه لم يقل إنه معصية، كما أن متدارك السنن ليس بعاص وترد شهادته للتهاون، ولا شك أن كثرة الخصومات وعدم الإغضاء والتجاوز يورث ضراوة وجرأة وفي معنى الإكثار في الخصومة المخاصمة بغير علم كوكلاء القاضي صرح به الغزالي ونقله عنه النووي في الأذكار، انتهى.

باب القسمة:
"الكبيرة الخامسة والسادسة والثلاثون بعد الأربعمائة: جور القاسم في قسمته والمقوم في تقويمه".
أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيت فيه نفر من قريش فأخذ بعضادتي الباب فقال: "هل في البيت إلا قرشي"؟ فقالوا لا إلا ابن أخت لنا فقال: "ابن أخت القوم منهم"، ثم قال: "إن هذا الأمر في قريش ما إذا استرحموا رحموا وإذا حكموا عدلوا وإذا قسموا أقسطوا، ومن لم يفعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
تنبيه: عد هذين لم أره لكنه صريح الحديث في الأولى وقياسها في الثانية بل هي مما يصدق عليه الحديث؛ لأن الجور في القسمة المتوعد عليه بتلك اللعنة العامة يشمل الجور في الأنصباء وفي القيمة.