الزواجر عن اقتراف الكبائر

ج / 2 ص -320-        كتاب الشهادات:
"الكبيرة السابعة والثامنة والثلاثون بعد الأربعمائة: شهادة الزور وقبولها".
أخرج الشيخان عن أبي بكرة واسمه نفيع بن الحارث رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين -وكان متكئا فجلس- فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".
والبخاري:
"الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس".
والشيخان: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر فقال:
"الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، فقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر قول الزور أو قال شهادة الزور".
وأبو داود واللفظ له. والترمذي وابن ماجه: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما فقال:
"عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثلاث مرات" ثم قرأ: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30 - 31].
ورواه الطبراني موقوفا على ابن مسعود بسند حسن وأحمد بسند رواته ثقات لكن تابعيه لم يسم:
"من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار".

 

ج / 2 ص -321-        وابن ماجه والحاكم وصححه: "لن تزول قدما شاهد الزور حتى يوجب الله له النار".
والطبراني:
"إن الطير لتضرب بمناقيرها وتحرك أذنابها من هول يوم القيامة، وما يتكلم به شاهد الزور ولا يفارق قدماه الأرض حتى يقذف به في النار".
والطبراني من رواية من احتج به البخاري: "من كتم شهادة إذا دعي إليها كان كمن شهد بالزور".
والطبراني بسند فيه منكر:
"ألا أخبركم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين"، وكان صلى الله عليه وسلم محتبيا فحل حبوته فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بطرف لسانه فقال: "ألا وقول الزور".
والطبراني بسند رجاله ثقات:
"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله ثم قرأ: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48] وعقوق الوالدين ثم قرأ: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وكان متكئا فقعد فقال: ألا وقول الزور".
تنبيه: عد هذين هو ما صرحوا به في الأولى وقياسها الثانية، وشهادة الزور هي أن يشهد بما لا يتحققه.
قال العز بن عبد السلام: وعدها كبيرة ظاهر إن وقع في مال خطير، فإن وقع في مال قليل كزبيبة أو تمرة فمشكل، فيجوز أن تجعل من الكبائر فطما عن هذه المفاسد كما جعل شرب قطرة من الخمر من الكبائر وإن لم تتحقق المفسدة، ويجوز أن يضبط ذلك المال بنصاب السرقة. قال: وكذلك القول في أكل مال اليتيم. قال في الخادم: ويشهد للثاني ما سبق عن الهروي أي وهو اشتراطه في كون الغصب كبيرة أن يكون المغصوب ربع دينار، لكن مر عن ابن عبد السلام نفسه أنه حكى الإجماع على أن غصب الحبة وسرقتها كبيرة، وهذا مؤيد للأول أعني أنه لا فرق في كون شهادة الزور كبيرة بين قليل المال وكثيره فطما عن هذه المفسدة القبيحة الشنيعة جدا ومن ثم جعلت عدلا للشرك، ووقع له صلى الله عليه وسلم عند ذكرها من الغضب والتكرير ما لم يقع له عند ذكر ما هو أكبر منها كالقتل والزنا فدل ذلك على عظم أمرها، ومن ثم جعلت في بعض الأحاديث السابقة أكبر الكبائر. قال الشيخ عز الدين أيضا وإذا كان

 

ج / 2 ص -322-        الشاهد بها كاذبا أثم ثلاثة آثام. إثم المعصية وإثم إعانة الظالم وإثم خذلان المظلوم، وإن كان صادقا أثم إثم المعصية لا غير لتسببه إلى إبراء ذمة الظالم وإيصال المظلوم إلى حقه. قال: ومن شهد بحق، فإن كان صادقا أجر على قصده وطاعته وعلى إيصال الحق إلى مستحقه وعلى تخليص الظالم من الظلم، وإن كان كاذبا بسبب سقوط الحق الذي تحمل الشهادة به وهو لا يشعر بسقوطه أثيب على قصده ولا يثاب على شهادته؛ لأنها مضرة بالخصمين. قال: وفي تغريمه ورجوعه على الظالم بما أخذه من المظلوم نظر. إذ الخطأ والجهل في الأسباب والمباشرات سواء في باب الضمان، انتهى.
"الكبيرة التاسعة والثلاثون بعد الأربعمائة: كتم الشهادة بلا عذر".
قال تعالى:
{وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]. وأخرج الطبراني من رواية من احتج به البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من كتم شهادة إذ دعي إليها كان كمن شهد بالزور".
تنبيه: عد هذا هو ما صرحوا به وقيده الجلال البلقيني بما إذا دعي إليها لقوله تعالى:
{وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] أما من كانت عنده شهادة لرجل وهو لا يعلم بها أو كان شاهدا في أمر لا يحتاج إلى الدعوى بل يجوز حسبة، فلم يشهد ولم يعلم صاحب الحق حتى يدعي به هل يسمى ذلك كتما؟ فيه نظر، وكلام الشيخين في الأداء دليل على أنه ليس قادحا انتهى وفيه نظر كما قال بعضهم: والآية لا تدل لما قيد به فالأوجه أنه لا فرق.
"الكبيرة الأربعون بعد الأربعمائة: الكذب الذي فيه حد أو ضرر".
قال تعالى:
{أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18].
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه واللفظ له عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا،

 

ج / 2 ص -323-        وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
وابن حبان في صحيحه:
"عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة؛ وإياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار".
وأحمد من رواية ابن لهيعة: يا رسول الله ما عمل الجنة؟ قال:
"إذا صدق العبد بر وإذا بر آمن وإذا آمن دخل الجنة"، وقال يا رسول الله ما عمل النار؟ قال: "الكذب إذا كذب العبد فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار".
والبخاري:
"رأيت الليلة رجلين أتياني فقالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به ذلك إلى يوم القيامة".
والشيخان:
"آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر". زاد مسلم في رواية: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم".
والشيخان وغيرهما:
"أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر".
وأبو يعلى بسند محتج به:
"ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".
وأحمد والطبراني:
"لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقا".
وأبو يعلى:
"لا يبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب ويدع المراء وإن كان محقا".
وأحمد:
"يطبع المرء على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب".
والطبراني والبيهقي وأبو يعلى بسند رواته رواة الصحيح:
"ويطبع المؤمن على كل خلة غير الخيانة والكذب".
ومالك مرسلا: قيل يا رسول الله أيكون المؤمن جبانا؟ قال:
"نعم"، قيل له أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: "نعم"، قيل له أيكون المؤمن كذابا؟ قال: "لا".

 

ج / 2 ص -324-        وأحمد: "لا يجتمع الكفر والإيمان في قلب امرئ، ولا يجتمع الصدق والكذب جميعا، ولا تجتمع الأمانة والخيانة جميعا".
وأحمد بسند فيه مختلف فيه وأبو داود:
"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب". ورواية أبي داود: "وأنت له به كاذب".
وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه والبيهقي:
"ألا إن الكذب يسود الوجه والنميمة عذاب القبر".
والأصبهاني:
"بر الوالدين يزيد في العمر، والكذب ينقص الرزق، والدعاء يرد القضاء".
والترمذي وقال حسن:
"إذا كذب العبد تباعد الملك عنه ميلا من نتن ما جاء به".
وأحمد والبزار واللفظ له عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب ما اطلع على أحد من ذلك بشيء فيخرج من قلبه حتى يعلم أنه قد أحدث توبة.
وابن حبان في صحيحه عنها قالت: ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنه الكذبة فما يزال في نفسه حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة.
والحاكم وصححه عنها قالت: ما كان شيء أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب وما جربه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد وإن قل فيخرج له من نفسه حتى يجدد له توبة.
وأحمد وابن أبي الدنيا والبيهقي بسند لا مجهول فيه خلافا لمن زعمه عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا؟ قال:
"إن الكذب يكتب كذبا حتى تكتب الكذيبة كذيبة".
وأحمد وابن أبي الدنيا عن الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه ولم يسمع منه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من قال لصبي تعال هاك أعطيك ثم لم يعطه فهي كذبة".

 

ج / 2 ص -325-        وأبو داود والبيهقي عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه قال: دعتني أمي يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا فقالت ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أردت أن تعطيه"؟ قالت أردت أن أعطيه تمرا، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك كذبة".
وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي:
"ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له".
ومسلم وغيره:
"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذاب وعائل -أي فقير– مستكبر".
والبزار بسند جيد:
"ثلاثة لا يدخلون الجنة: الشيخ الزاني، والإمام أو قال والملك الكذاب والعائل المزهو" أي المعجب بنفسه المستكبر.
تنبيه: عد هذا هو ما صرحوا به قيل لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء وقد لا يكون، انتهى وفيه نظر، بل الذي يتجه أنه حيث اشتد ضرره بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة، بل صرح الروياني في البحر بأنه كبيرة وإن لم يضر فقال: من كذب قصدا ردت شهادته وإن لم يضر بغيره، لأن الكذب حرام بكل حال روى فيه حديثا، وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به فكان كالغيبة على ما مر فيها عند جماعة، وقال الأذرعي: قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة، وفي الأم للشافعي رضي الله عنه كل من كان منكشف الكذب مظهره غير مستتر به لم يجز شهادته، ثم الكذب عند أهل السنة هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء أعلم ذلك وتعمده أم لا، وأما العلم والتعمد فإنما هما شرطان للإثم، وأما المعتزلة فقيدوه بالعلم به، فعلى مذهب أهل السنة من أخبر بشيء على خلاف ما هو عليه وهو يظنه كذلك فهو كاذب فليس بآثم فيقيد كونه صغيرة أو كبيرة بالعلم، وحينئذ فلا فرق بين قليله وكثيره كما صرح به الشافعي رضي الله عنه في الرسالة لكن الكذبة الواحدة أي الخالية عما مر من الحد والضرر لا توجب الفسق كما صرح به الشيخان في باب الرهن، ولهذا لو تخاصما في شيء ثم شهدا في حادثة قبلت شهادتهما وإن كان أحدهما كاذبا في ذلك التخاصم ذكره الرافعي، ثم في أثناء تعليل ومحل ذلك إن

 

ج / 2 ص -326-        خلت عن الضرورة والحد فقد قال الأذرعي: قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة وذكر في البحر حديثا مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم أبطل شهادة رجل في كذبة كذبها.
واعلم أن الكذب قد يباح وقد يجب؛ والضابط كما في الإحياء أن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود وواجب إن وجب تحصل ذلك، كما لو رأى معصوما اختفى من ظالم يريد قتله أو إيذاءه فالكذب هنا واجب؛ لوجوب عصمة دم المعصوم، وكذا لو سأل عن وديعة يريد أخذها فيجب إنكاره، وإن كذب بل لو استحلف لزمه الحلف ويوري وإلا حنث ولزمته الكفارة، ومهما كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فالكذب فيه مباح، ولو سأله سلطان عن فاحشة وقعت منه سرا كزنا أو شرب خمر فله أن يكذب ويقول ما فعلت وله أيضا أن ينكر سر أخيه. قال الغزالي بعد ذكره ذلك: وينبغي أن يقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان بالعكس أو شك حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب ألا يكذب وإن تعلق بغيره لم تجز المسامحة لحق غيره، والحزم تركه حيث أبيح، وليس من الكذب المحرم ما اعتيد من المبالغة كجئتك ألف مرة؛ لأن المراد تفهيم المبالغة لا المرات فإن لم يكن جاء إلا مرة واحدة فهو كاذب، انتهى ملخصا.
وما قاله في المبالغة يدل له الخبر الصحيح:
"وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" ومعلوم أنه يضعها كثيرا، وما قاله من وجوب الحلف في مسألة الوديعة ضعيف والأصح عدم وجوبه، وما ذكره في المباح يؤيده ما في الحديث من استثناء ما فيه صلح بين اثنين أو رجل وامرأة أو في الحرب بأن يوري بغير الجهة التي هو قاصدها أو في الزوجة لإرادة إمضائها به، ومما يستثنى أيضا الكذب في الشعر إذا لم يمكن حمله على المبالغة فلا يلحق بالكذب في رد الشهادة، قال القفال: والكذب حرام بكل حال إلا أن يكون على طريق الشعراء والكتاب في المبالغة كقوله: أنا أدعو لك ليلا ونهارا ولا أخلي مجلسا عن شكرك؛ لأن الكاذب يظهر أن الكذب صدق ويروجه، وليس غرض الشاعر الصدق في شعره، وإنما هو صناعة وعلى هذا فلا فرق بين القليل والكثير. قال الشيخان بعد نقلهما ذلك عن القفال والصيدلاني: وهذا حسن بالغ انتهى،
وسيأتي لذلك تتمات في مبحث الشعر.

 

ج / 2 ص -327-        قال في الخادم: وحيث جاز الكذب فهل تشترط التورية أو تجوز مطلقا؟ يتجه تخريج خلاف فيه مما إذا أكره على الطلاق، وقدر على التورية هل يشترط أن ينوي غيره، والأصح لا، ويحتمل غيره؛ لأن ذاك يرجع إلى النية وحدها، وهذا يرجع إلى اللفظ: أي أن المباح هل هو التصريح أو التعريض فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب، انتهى. والذي يتجه عدم وجوب التورية مطلقا؛ لأن العذر المجوز للكذب مجوز لترك التورية لما فيها من الحرج، ثم رأيت الغزالي صرح بما قدمته عنه من قوله والأحسن أنه يوري وهي أن يطلق لفظا هو ظاهر في معنى ويريد معنى آخر يتناوله ذلك اللفظ، لكنه خلاف ظاهره كما قال النخعي: إذا بلغ إنسانا عنك شيء قلته فقل الله يعلم ما قلت من ذلك شيئا تفهم السامع النفي ومقصودك بما أنها بمعنى الذي، وهو مباح إن دعت إليه حاجة مكروه إن لم تدع إليه حاجة ولا يحرم إلا إن توصل به إلى باطل أو دفع حق. قال الشافعي رضي الله عنه في الرسالة، ومن الكذب الكذب الخفي، وهو أن يروي الإنسان خبرا عمن لا يعرف صدقه من كذبه. قال الصيرفي شارحها: لأن النفس تسكن إلى خبر الثقة فيصدق في حديثه ويكون ذلك الخبر كذبا فيكون شريكا له في الكذب قال ونظيره: "الرياء الشرك الخفي". انتهى.
"الكبيرة الحادية والأربعون بعد الأربعمائة: الجلوس مع شربة الخمر وغيرهم من الفساق إيناسا لهم".
وهذا ما ذكره الأذرعي حيث قال: أقر الشيخان صاحب العدة على أن ذلك من الصغائر.
قلت: وهذا الإطلاق ممنوع، بل الوجه أن جلوسه مع شربة الخمر ونحوهم من أهل الفسوق والملاهي المحرمة مع القدرة على النهي أو المفارقة عند العجز عن إزالة المنكر من الكبائر، ولا سيما إذا قصد اتباعهم بجلوسه معهم على ذلك.
"الكبيرة الثانية والأربعون بعد الأربعمائة: مجالسة القراء والفقهاء الفسقة".
وهذا ما ذكره بعضهم، وظاهره أنه لا فرق عنده بين جلوسه معهم حال مباشرتهم لما فسقوا به ومجانبتهم له، وقد يوجه بأن أولئك بصورة أهل الخير

 

ج / 2 ص -328-        والطاعة، فإذا كانوا مع تلك الصور الظاهرة منطوين على فسق باطن مثلا كان في الجلوس معهم خطر كبير؛ لأن النفس بتكرير جلوسها معهم تألفهم وتميل إلى أفعالهم ضرورة؛ لأنها مجبولة على حب الشر وكل ما يضرها، فحينئذ تبحث عن خصالهم وتتأسى بها. ومن جملتها ذلك المفسق فترتكبه لما جبلت عليه من محبته ولما ألفته من التأسي بأولئك الفسقة، فكان في مجالستهم ذلك الضرر العظيم. هذا غاية ما توجه به هذه المقالة، وقد علمت من التي قبلها أن هذا لا يوافق مذهبنا لأنهم إذا عدوا الجلوس مع الفسقة في حال فسقهم صغيرة على خلاف ما مر عن الأذرعي فأولى هذا؛ وأما على ما مر عن الأذرعي فالفرق بينه وبين هذا أن حاضر تعاطي الفسق قادرا على إزالته مختارا يعد مقررا له راضيا به معينا عليه. وهذه قبائح لا يبعد عد مجموعها كبيرة، وبه يتجه ما مر عن الأذرعي، وأما مجرد الجلوس مع فاسق قارئ أو فقيه أو غيرهما مع عدم مباشرته لمفسق، فيبعد عد ذلك كبيرة، بل الكلام في حرمته من أصله حيث لم يقصد بالجلوس معه إيناسه لأجل فسقه أو مع وصف فسقه، وإنما قصد إيناسه لنحو قرابة أو حاجة مباحة له عنده أو نحو ذلك، فحينئذ لا وجه للحرمة من أصلها، فإن قصد إيناسه من حيث كونه فاسقا فلا شك في حرمة ذلك، ثم رأيت الغزالي عد من الذنوب مصادقة الفجار، ومجالسة الشراب وقت الشرب، والأول صريح في أن مجرد المصادقة حرام وإن لم يجالسهم، والثاني صريح في أن مجرد المجالسة من غير مصادقة ولا قصد إيناس لا إثم فيها وهو يؤكد ما ذكرته.
"الكبيرة الثالثة والأربعون بعد الأربعمائة: القمار سواء كان مستقلا أو مقترنا بلعب مكروه كالشطرنج أو محرم كالنرد".
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] والميسر القمار بأي نوع كان، وسبب النهي عنه وتعظيم أمره أنه من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}

 

ج / 2 ص -329-        [البقرة: 188] أيضا فهو داخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن رجالا يتخوضون في مال الغير بغير حق فلهم النار".
وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"من قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق"، فإذا اقتضى مطلق القول طلب الكفارة والصدقة المنبئة عن عظيم ما وجبت أو سنت فما ظنك بالفعل والمباشرة؟.
تنبيه: عد هذا صريح الآية الأولى وهو ظاهر.
"الكبيرة الرابعة والأربعون بعد الأربعمائة: اللعب بالنرد".
أخرج أبو داود وغيره وصححه ابن حبان والحاكم، وقيل فيه انقطاع عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من لعب بنرد أو نردشير فقد عصى الله ورسوله".
ومسلم:
"من لعب بالنردشير -أي بفتح الدال- فكأنما صبغ يده بدم خنزير". ولمسلم وأبي داود وابن ماجه: "فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه".
وروى أحمد وأبو يعلى والبيهقي وغيرهم أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم يصلي مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي". أي فلا تقبل له صلاة كما صرحت به رواية أخرى.
وأخرج البيهقي عن يحيى بن أبي كثير قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم يلعبون بالنرد فقال:
"قلوب لاهية وأيد عاملة وألسنة لاغية".
وأخرج أحمد:
"إياكم وهاتان الكعبتان المرسومتان اللتان يزجران زجرا فإنهما ميسر العجم".
وأخرج الطبراني:
"اجتنبوا هذه الكعاب المرسومة التي يزجر بها زجرا فإنها من الميسر".
وأخرج الديلمي:
"إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام والشطرنج والنرد وما كان من هذه -أي وما شابه ذلك من كل لهو محرم- فلا تسلموا عليهم وإن سلموا عليكم فلا تردوا".

 

ج / 2 ص -330-        وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي: اتقوا هذين الكعبين المرسومين اللذين يزجران زجرا فإنهما من ميسر العجم.
وأخرج أبو داود في مراسيله: ثلاث من الميسر: القمار والضرب بالكعاب والصفير بالحمام.
تنبيه: عد هذا هو ظاهر هذه الأخبار لا سيما الخبر الثاني والخبر الثالث؛ لأن التشبيه الذي فيهما يفيد وعيدا شديدا لو لم يكن منه إلا عدم قبول الصلاة، وبذلك صرح في البيان نقلا عن أكثر الأصحاب فقال أكثر أصحابنا: يحرم اللعب به، وهو المنصوص في الأم ويفسق به وترد به الشهادة انتهى، وسبقه إلى ذلك الماوردي فصرح به في حاويه، وعبارته: الصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون تحريم اللعب بالنرد وأنه فسق ترد به الشهادة انتهت، وتبعه الروياني في البحر على عادته فقال: بعد قول الشافعي في المختصر وأكره اللعب بالنرد للخبر؛ قال عامة أصحابنا: يكره اللعب بالنرد وترد به الشهادة والكراهة للتحريم. وقال أبو إسحاق: هو كالشطرنج سواء وهذا غلط انتهى، وعبارة تجربة الروياني: وقال بعض أصحابنا: فإن فعل ذلك فسق وردت شهادته، وعبارة المحاملي في مجموعه: من لعب به فسق وردت شهادته هذا قول عامة أصحابنا إلا أبا إسحاق. قال هو كالشطرنج وليس بشيء والأول هو المذهب؛ انتهى.
وقال إمام الحرمين: الصحيح أنه من الكبائر، وجرى على ذلك الأذرعي فقال: من لعب بالنرد عالما بما جاء فيه مستحضرا له فسق وردت شهادته في أي بلد كان لا من جهة ترك المروءة بل لارتكاب النهي الشديد. انتهى، والذي جرى عليه الرافعي وسبقه إليه الشيخ أبو محمد أنه صغيرة، وعبارة الرافعي ما حكمنا بتحريمه كالنرد. فهل هو من الكبائر حتى ترد الشهادة بالمرة الواحدة منه أو من الصغائر يتعين فيه الإكثار؟ فيه وجهان: كلام الإمام يميل إلى ترجيح أولهما والأشبه الثاني وهو المذكور في التهذيب وغيره انتهى، واعتمده الإسنوي فقال: والصحيح ما قاله الشيخ أبو محمد كذا رجحه الرافعي في آخر الفصل ثم أورد كلامه هذا ثم قال: ورجحه في الشرح الصغير لكن اعترض البلقيني ما قاله الرافعي فقال: إن كان مورد التصحيح ما صححه الأكثر فقد نقل المحاملي في التجريد عن عامة الأصحاب مثل ما صححه

 

ج / 2 ص -331-        الإمام: أي من أنه كبيرة مطلقا، وذكره الماوردي عن الأكثرين وقال إنه الصحيح، وحينئذ فلا يستقيم قول الرافعي: إنه المذكور في التهذيب وغيره وإن كان المراد الدليل فأين الدليل الذي استدل به على مدعاه؟.
انتهى، وأشار بذلك إلى أن القول بأنه صغيرة مخالف لما عليه الأكثرون وهو ظاهر لما مر من النقل عنهم، ولما جاء في السنة وهو ظاهر أيضا لما مر من الوعيد الشديد فيه في خبر مسلم؛ وفصل بعضهم فقال: ينظر إلى عادة البلد فحيث استعظموه ردت الشهادة بمرة واحدة منه وإلا فلا، وهذه التفرقة ضعيفة كما قاله البلقيني، وعلى القول بأنه صغيرة فمحله حيث خلا عن القمار وإلا فهو كبيرة بلا نزاع كما أشار إليه الزركشي وهو واضح.
إذا تقرر ذلك علم أن في اللعب بالنرد أربعة آراء:
أحدها: أنه مكروه كراهة تنزيه وعليه أبو إسحاق المروزي والإسفراييني، وحكي عن ابن خيران واختاره أبو الطيب ومر أنه غلط ليس بشيء لمخالفته المنقول والدليل. وقول جماعة إنه منصوص عليه في الأم وغيرها مردود بأنه لا ينبغي التعلق بذلك؛ لأنه رضي الله عنه كثيرا ما يطلق الكراهة ويريد بها التحريم، ولهذا قال في البيان كما مر إن المنصوص في الأم التحريم وبه قال أكثر أصحابنا. وقال الروياني في الحلية: أكثر أصحابنا على التحريم وقالوا إنه مذهب الشافعي؛ ومما يزيف القول بكراهة التنزيه نقل القرطبي في شرح مسلم اتفاق العلماء على تحريم اللعب به مطلقا، ونقل الموفق الحنبلي في مغنيه الإجماع على تحريم اللعب به.
ثانيها: أنه حرام صغيرة ومر أن الرافعي وغيره رجحوه.
ثالثها: أنه حرام كبيرة ومر أنه الذي عليه الشافعي وأكثر أصحابنا والخبر الصحيح صريح فيه.
رابعها: التفصيل بين بلد يستعظمون ذلك فترد الشهادة به وبلد لا يستعظمونه فلا ترد به الشهادة إلا إن كثر منه؛ وسمي نردشير بالشين المعجمة والراء نسبة لأول ملوك الفرس من حيث كونه أول من وضعه ذكره في المهمات. وقال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح: يقال أول من وضعه سابور بن أردشير ثاني ملوك الساسان ولأجله يقال له النردشير، وشبه رقعته بالأرض وقسمها أربعة أقسام تشبيها بالفصول الأربعة. وقال الماوردي: قيل إنه على البروج الاثني عشر والكواكب

 

ج / 2 ص -332-        السبعة لأن بيوته اثنا عشر كالبروج ونقطه من جانبي القصر سبعا كالكواكب السبعة فعدل به إلى تدبير الكواكب والبروج.
"الكبيرة الخامسة والأربعون بعد الأربعمائة اللعب بالشطرنج عند من قال بتحريمه وهم أكثر العلماء وكذا عند من قال بحله إذا اقترن به قمار أو إخراج صلاة عن وقتها أو سباب أو نحوها".
أخرج أبو بكر الأثرم في جامعه بسنده عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى خلقه ليس لصاحب الشاه فيها نصيب". وفسر صاحب الشاه بلاعب الشطرنج لأنه يقول شاه.
وأبو بكر الآجري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بهذه الأزلام النرد والشطرنج وما كان من اللهو فلا تسلموا عليهم فإنهم إذا اجتمعوا وأكبوا عليها جاءهم الشيطان بجنوده فما يزالون يلعبون حتى يتفرقوا كالكلاب اجتمعت على جيفة فأكلت منها حتى ملأت بطونها ثم تفرقت".
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"أشد الناس عذابا يوم القيامة صاحب الشاه- يعني صاحب الشطرنج- ألا تراه يقول قتلته والله مات والله افتراء وكذبا على الله".
قال علي كرم الله وجهه: الشطرنج ميسر الأعاجم، ومر رضي الله عنه على قوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمرا حتى يطفأ خير له من أن يمسها ثم قال: والله لغير هذا خلقتم. وقال أيضا رضي الله عنه: صاحب الشطرنج أكثر الناس كذبا يقول أحدهم قتلت وما قتل ومات وما مات. وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ. وقيل لإسحاق بن راهويه: أترى في اللعب بالشطرنج بأسا؟ فقال: البأس كله فيه. فقيل له أهل الثغور يلعبون بها لأجل الحرب فقال هو فجور. وسئل محمد بن كعب القرظي عن اللعب بالشطرنج فقال: أدنى ما يكون فيها أن اللاعب بها يعرض يوم القيامة، أو قال يحشر يوم القيامة مع أصحاب الباطل. وسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن الشطرنج فقال هي شر من الميسر، ويوافقه قول مالك رضي الله عنه وقد

 

ج / 2 ص -333-        سئل عن الشطرنج: الشطرنج من النرد: أي ومر في النرد أنه كبيرة عند أكثر العلماء. قال مالك: بلغنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ولي مالا ليتيم فوجدها في تركة والد اليتيم فأحرقها ولو كان اللعب بها حلالا لما جاز إحراقها لكونها مال يتيم، لكن لما كان اللعب بها حراما أحرقها فتكون من جنس الخمر إذا وجدت في مال يتيم تجب إراقتها، وهذا مذهب حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما. وقيل لإبراهيم النخعي: ما تقول في اللعب بالشطرنج؟ فقال: إنه ملعون. وقال وكيع الجراح وسفيان في قوله تعالى: {وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ} [المائدة: 3] هي الشطرنج. وقال مجاهد رضي الله عنه: ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه الذي كان يجالسهم، فاحتضر رجل ممن كان يلعب بالشطرنج فقيل له قل لا إله إلا الله فقال شاهك ثم مات فغلب على لسانه ما كان يعتاده في حال حياته من اللعب بها، فقال ذلك اللغو الباطل عوض كلمة الإخلاص التي أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أن من كانت آخر كلامه في الدنيا دخل الجنة أي من غير عذاب مطلقا أو من بعض الوجوه، وإنما أولناه بذلك؛ لأن كل مسلم لا بد وأن يدخل الجنة وإن عذب، فليس للإخبار فائدة بأن ختم الكلام بكلمة الإخلاص يقتضي دخول الجنة إلا أن فيه مزية اقتضت تخصيصه بذلك، وتلك المزية هي إما دخوله لها مع الناجين من غير عذاب أو أن الله سبحانه يخفف عنه مما استحقه من العذاب فيدخل الجنة قبل الأوان الذي كان يستحقه لو لم يختم له بهذه الكلمة.
ونظير ما ذكر عن هذا المختوم له بقوله شاهك ما جاء عن إنسان كان يجالس شربة الخمر، فلما احتضر لقن الشهادة فقال لمن يلقنه اشرب واسقني ثم مات فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا مصداق الحديث المشهور:
"يموت كل إنسان على ما عاش عليه ويبعث على ما مات عليه". فنسأل الله الكريم الغني المنان بفضله أن يتوفانا وأن يبعثنا على أكمل الأحوال إلى أن نلقاه وهو راض عنا بكرمه هو الجواد الرحيم آمين.
وفي فتاوى النووي: الشطرنج حرام عند أكثر العلماء، وكذا عندنا إن فوت به صلاة عن وقتها أو لعب به على عوض، فإن انتفى ذلك كره عند الشافعي وحرم عند غيره.

 

ج / 2 ص -334-        فإن قلت: كون الشطرنج كبيرة عند من قال بتحريمه وإن خلا عن القمار وتضييع الصلاة ونحوهما هو ظاهر ما مر عن ابن عمر ومالك وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم، لأن إلحاقه بالميسر الواقع في كلام مالك وكونه شرا منه الواقع في كلام ابن عمر وإحراق ابن عباس له ظاهر في كونه كبيرة، وكذا قول إسحاق إن البأس كله فيه وإنه فجور، وكذلك تفسير وكيع وسفيان الاستقسام بالأزلام في الآية باللعب بالشطرنج، فهذه كلها ظواهر في أنه عند القائلين بتحريمه كبيرة، وأما كونه كبيرة عند القائلين بحله إذا اقترن به ما مر فالكبيرة إنما جاءت المنضم إليه لا من ذاته.
قلت: نعم هو كذلك، لكن قد يفيد الانضمام من القبيح ما لم يفده الانفراد فلا يبعد جعل هذا الانضمام مقتضيا لمزيد التغليظ والتنفير عنه بتسميته كبيرة نظرا لذلك.
فإن قلت: لو استغرقه اللعب به حتى أخرج الصلاة عن وقتها غير متعمد لذلك، فما وجه تأثيمه مع أنه الآن غافل والغافل غير مكلف فيستحيل تأثيمه؟.
قلت: محل عدم تكليف الناسي والغافل حيث لم ينشأ النسيان والغفلة والجهل عن تقصيره وإلا كان مكلفا آثما؛ أما في الغفلة فلما صرحوا به في الشطرنج من أنه لا يعذر باستغراقه في اللعب به حتى خرج وقت الصلاة وهو لا يشعر؛ لما تقرر أن هذه الغفلة نشأت عن تقصيره بمزيد إكبابه وملازمته على هذا المكروه حتى ضيع بسببه الواجب عليه، وأما في الجهل فلما صرحوا به من أنه لو مات إنسان فمضت عليه مدة ولم يجهز ولا صلي عليه أثم جاره وإن لم يعلم بموته، لأن تركه البحث عن أحوال جاره إلى هذه الغاية تقصير شديد فلم يبعد القول بعصيانه وتأثيمه.
فإن قلت: ما الفرق عندنا بين النرد والشطرنج؟
قلت: فرق أئمتنا بأن التعويل في النرد ما يخرجه الكعبان فهو كالأزلام، وفي الشطرنج على الفكر والتأمل وأنه ينفع في تدبير الحرب.
قال الشافعي رضي الله عنه: وأكره اللعب بالحزة والقرق انتهى، والحزة بحاء مهملة وزاي مشددة قطعة خشب يحفر فيها حفر ثلاثة أسطر ويجعل فيها حصى صغار يلعب بها وقد تسمى الأربعة عشر وهي المسماة في مصر المنقلة، وفسرها سليم في تقريبه بأنها خشبة يحفر فيها ثمانية وعشرون حفرة أربعة عشر

 

ج / 2 ص -335-        من جانب وأربعة عشر من الجانب الآخر ويلعب بها ولعلها نوعان فلا تخالف، والقرق بكسر القاف وسكون الراء، وحكى الرافعي عن خط القاضي الروياني فتحهما وتسمى شطرنج المغاربة أن يخط على الأرض خط مربع ويجعل في وسطه خطان كالصليب ويجعل على رأس الخطوط حصى صغار يلعب بها. قال الرافعي: وفي الشامل أن اللعب بهما كهو بالنرد. وفي تعليق الشيخ أبي حامد أنه كالشطرنج ويشبه أن يقال ما يعتمد فيه على إخراج الكعبين فهو كالنرد وما يعتمد فيه على الفكر فهو كالشطرنج: قال الأذرعي: وهذا صحيح مليح موافق لفرق الجمهور بين النرد والشطرنج؛ ثم نازع فيما نقله عن الشيخ أبي حامد بأن المحاملي نقل عنه أن الحزة كالنرد، وسليما نقل عنه أن الحزة والقرق كالنرد وبأن البندنيجي صرح بأنها كالنرد، وهؤلاء الثلاثة رواة طريقة الشيخ أبي حامد وتعليقه وهو ما أورده الروياني والعمراني. ونقل ابن الرفعة في المطلب أن تحريمها هو ما ذهب إليه العراقيون كما صرح به البندنيجي وابن الصباغ ثم ذكر حكاية الرافعي عن تعليق أبي حامد وما بحثه وأقره. وقال الإسنوي: يؤخذ من بحث الرافعي القرق السابق حلهما لأن كلا منهما يعتمد فيه على الفكر لا على شيء يرمى وأسقط من الروضة هذا البحث انتهى. واعترض الأذرعي ما ذكره بما مر عن سليم وغيره من أنهما في معنى النرد سواء، إذ لو كان المعتمد فيهما الفكر لم يكونا كالنرد سواء، ثم قال الأذرعي ولعل ذلك يختلف باختلاف عادات البلاد أو غير ذلك، انتهى.
والحق أن الخلاف في ذلك ليس له كبير جدوى لأن الضابط إذا عرف وتقرر أدير الأمر عليه، فمتى كان المعتمد على الفكر والحساب فلا وجه إلا الحل كالشطرنج، ومتى كان المعتمد على الحزر والتخمين فلا وجه إلا الحرمة كالنرد. قال الأذرعي: وقضية ما مر عن الرافعي وقول الماوردي الصحيح الذي ذهب إليه الأكثرون تحريم اللعب بالنرد، وأنه فسق ترد به الشهادة، وهكذا اللعب بالأربعة عشر المفوضة إلى الكعاب وما ضاهاها فهي في حكم النرد في التحريم ا هـ، وتحريم اللعب بما تسميه العامة الطاب والدك فإن الاعتماد فيه على ما تخرجه القصبات الأربع وفي النفس منه شيء إذا خلا عن القمار والسخف، لكنه قد يجر إليهما. وذكر نحوه في الخادم قال ومثله الكنحفة وأما اللعب بالخاتم فكلام الرافعي في باب المسابقة يقتضي أيضا ويلحق باللعب بالنرد اللعب بالأربعة عشر وبالصدر والسلفة والثواقيل

 

ج / 2 ص -336-        والكعاب والرباريب والذرافات. قال: وكل من لعب بهذا الجنس فسخيف مردود الشهادة قمارا أو غيره انتهى. قال الأذرعي وبعض ما ذكر لا أعرفه.
"الكبيرة السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والأربعون والخمسون والحادية والخمسون بعد الأربعمائة: ضرب وتر واستماعه وزمر بمزمار واستماعه وضرب بكوبة واستماعه"
قال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [لقمان: 6] فسر ابن عباس والحسن رضي الله عنهم لهو الحديث بالملاهي وسيأتي بيانها. وقال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ} [الإسراء: 64] فسره مجاهد بالغناء والمزامير، وسيأتي حديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يغفر لكل مذنب إلا لصاحب عرطبة أو عرطابة أو كوبة، والأولى العود".
تنبيه: عد هذه الست تبعت فيه الأكثرين في بعضها وقياسه الباقي، بل في الشامل كما يأتي التصريح بذلك في الكل.
قال الإمام: قال شيخي أبو محمد: سماع الأوتار مرة واحدة لا يوجب رد الشهادة وإنما ترد بالإصرار. وقطع العراقيون ومعظم الأصحاب أنه من الكبائر هذا لفظه وتابعه عليه الغزالي، قالا وما ذكرناه في سماع الأوتار مفروض فيما إذا لم يكن الإقدام عليها مرة يشعر بالانحلال وإلا فالمرة الواحدة ترد بها الشهادة، وطرد الإمام ذلك في كل ما يجانسه. وتوقف ابن أبي الدم فيما نسبه الإمام للعراقيين وقال: لم أر أحدا منهم صرح به بل جزم الماوردي وهو منهم بنقيض ما حكاه الإمام فقال: إذا قلنا بتحريم الأغاني والملاهي فهي من الصغائر دون الكبائر تفتقر إلى الاستغفار ولا ترد به الشهادة إلا بالإصرار، ومتى قلنا بكراهة شيء منها فهي من الخلاعة لا تفتقر إلى الاستغفار ولا ترد الشهادة بها إلا مع الإكثار انتهى. وتابعه في "المهذب" وكذلك القاضي حسين فإنه قال في تعليقه: قال بعض أصحابنا: لو جلس على الديباج عند عقد النكاح لم ينعقد؛ لأنه محل الشهادة فيه كالأداء، والذي صار إليه المحصلون أن هذا من الصغائر وما يندر منه لا يوجب الفسق وتابعه الفوراني في الإنابة ورد إنكار ابن أبي الدم على الإمام ما ذكر بأن المحلي صرح في ذخائره بما يوافقه، فقال إن كون

 

ج / 2 ص -337-        ذلك من الكبائر هو ظاهر كلام الشامل حيث قال: من استمع إلى شيء من هذه المحرمات فسق وردت شهادته ولم يشترط تكرار السماع، انتهى.
هذا حاصل كلام القائلين بالحرمة، ووراء ذلك مقالات لا بأس ببيانها فنقول: يحرم ضرب واستماع كل مطرب كطنبور وعود ورباب وجنك وكمنجة ودريج وصنج ومزمار عراقي ويراع وهو الشبابة وكوبة وغير ذلك من الأوتار والمعازف جمع معزفة، قيل هي أصوات القيان إذا كانت مع العود وإلا فلا يقال لها ذلك، وقيل هي كل ذي وتر لأنها آلات الشرب فتدعو إليه، وفيها تشبه بأهله وهو حرام ولذلك لو رتب جماعة مجلسا وأحضروا له آلة الشرب وأقداحه وصبوا فيه السكنجبين ونصبوا ساقيا يدور عليهم ويسقيهم ويجيب بعضهم بكلماتهم المعتادة منهم حرم ذلك، وصح من طرق خلافا لما وهم فيه ابن حزم فقد علقه البخاري ووصله الإسماعيلي وأحمد وابن ماجه وأبو نعيم وأبو داود بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها وصححه جماعة آخرون من الأئمة كما قاله بعض الحفاظ. على أن ابن حزم صرح في موضع آخر بأن العدل الراوي إذا روى عمن أدركه من العدول فهو على اللقاء والسماع سواء. قال أخبرنا أم حدثنا أو عن فلان أو قال فلان فكل ذلك محمول منه على السماع انتهى.
فتأمل تناقضه لنفسه حيث حكم على قول البخاري. قال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد وساق سنده إلى أبي عامر وأبي مالك الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"ليكون في أمتي قوم يستحلون الحر -أي بكسر الحاء المهملة وفتح الراء المهملة مع التخفيف: وهو الفرج أي الزنا– والحرير والخمر والمعازف" وهذا صريح ظاهر في تحريم آلات اللهو المطربة، وقد حكى الشيخان أنه لا خلاف في تحريم المزمار العراقي وما يضرب به من الأوتار.
ومن عجيب تساهل ابن حزم واتباعه لهواه أنه بلغ من التعصب إلى أن حكم على هذا الحديث وكل ما ورد في الباب بالوضع وهو كذب صراح منه فلا يحل لأحد التعويل عليه في شيء من ذلك.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: أما المزامير والأوتار والكوبة فلا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وكيف لا يحرم وهو شعار أهل الخمور والفسوق ومهيج الشهوات والفساد والمجون؟ وما كان كذلك لم يشك في تحريمه ولا تفسيق فاعله وتأثيمه انتهى

 

ج / 2 ص -338-        وقول بعض شراح المنهاج: كون المزمار من شعار الشربة قد يمنع والغالب أنهم لا يحضرونه، فإن فيه إظهارا لحالهم. قال الأذرعي: باطل بل يحضرونه في مكانهم الذي لا تظهر فيه أصوات المعازف ويظهره أرباب الولايات المجاهرون بالفسق.
وفي الإحياء المنع من الأوتار كلها لثلاث علل: كونها تدعو إلى شرب الخمر فإن اللذات الحاصلة تدعو إليها فلهذا حرم شرب قليلها. وكونها في قريب العهد يشربها تذكره مجالس الشرب والذكر سبب انبعاث الفسوق وانبعاثه سبب للإقدام. وكون الاجتماع على الأوتار صار من عادة أهل الفسق مع التشبه بهم، ومن تشبه بقوم فهو منهم انتهى.
إذا تقرر ذلك فقد حكيت آراء باطلة وآراء ضعيفة مخالفة للاتفاق المذكور:
منها: قول ابن حزم لم يصح في تحريم العود حديث وقد سمعه ابن عمر وابن جعفر رضي الله عنهم، وهو من جموده على ظاهريته الشنيعة القبيحة كيف والعود من جملة المعازف؟ وقد صح في تحريمها الحديث المذكور آنفا، وما زعمه عن هذين الإمامين ممنوع ولا يثبت ذلك عنهما وحاشاهما من ذلك مع شدة ورعهما وتحريمهما واتباعهما وبعدهما من اللهو. ولئن سلم ما زعمه ابن حزم في ذلك الحديث ففي عموم الأحاديث الناصة على ذم البدع والمحدثات وإنكارها ما يدل على تحريمه دلالة لا مدفع لها. وقد قال الماوردي من أجلة أصحابنا: كان بعض أصحابنا يخص العود بالإباحة من بين الأوتار ولا يحرمه لأنه موضوع على حركات تنفي الهم وتقوي الهمة وتزيد في النشاط.
قال الماوردي: وهذا لا وجه له انتهى. وتقول الماوردي في رد هذا الوجه لا وجه له تندفع منازعة الإسنوي الشيخين في نفيهما الخلاف في الأوتار. ووجه الاندفاع أنه شاذ مناف للدليل، فكان في حيز الطرح والإعراض عنه وعدم الاعتداد به على قول الإسنوي في حكاية هذا الوجه إطلاق الشيخين نفي الخلاف في الأوتار ليس كذلك، فقد حكى الماوردي والروياني في "البحر" وجها أن العود بخصوصه حلال لما يقال إنه ينفع من بعض الأمراض معترض بأنه إذا كان معللا بنفعه لبعض الأمراض فينبغي تقييد الإباحة بمن به ذلك المرض دون غيره. وأيضا فإذا أبيح لحاجة المرض فلا ينبغي أن يقتصر على حكايته وجها بل يجزم بجوازه إذا انحصر التداوي فيه كما

 

ج / 2 ص -339-        يجوز التداوي بالنجس حينئذ، وقد جزم الحليمي في منهاجه بأن آلات اللهو إذا كانت تنفع من بعض الأمراض أبيح سماعها. قال ابن العماد وما قاله متعين. انتهى وهو كما قال، وحينئذ فلا حقيقة لهذا الوجه، فاتضح نفي الشيخين الخلاف في الأوتار وأنها كلها حرام بلا خلاف.
وأما حكاية ابن طاهر عن صاحب التنبيه أنه كان يبيح سماع العود ويسمعه وأنه مشهور عنه وأن أحدا من علماء عصره لم ينكره عليه وأن حله هو ما أجمع عليه أهل المدينة، فقد ردوه على ابن طاهر بأنه مجازف إباحي كذاب رجس العقيدة نجسها، ومن ثم قال الأذرعي عقب كلامه هذا: وهذه مجازفة، وإنما فعل ذلك بالمدينة أهل المجانة والبطالة ونسبته ذلك إلى صاحب التنبيه كما رأيته في كتابه في السماع نسبة باطلة قطعا، وقد صرح في مهذبه هنا وفي الوصايا بتحريم العود وهو قضية ما في تنبهه. ومن عرف حاله وشدة ورعه ومتين تقواه جزم ببعده عنه وطهارة ساحته منه، وكيف يظن ذو لب في هذا العبد القانت أنه يقول في دين الله ما يفعل ضده مع ما في ذلك من غليظ الذم والمقت؟. وكل من ترجم له رحمه الله لم يذكر شيئا من هذا فيما نعلم. ومن مجازفة ابن طاهر أيضا قوله وأنه مشهور عنه، ودعوى ابن طاهر إجماع الصحابة والتابعين على إباحة الغناء واللهو تعمي وتصم انتهى كلام الأذرعي، وبه يرد نقل الإسنوي عن ابن طاهر ما ذكر عن الشيخ أبي إسحاق ولم يتعقبه، ومن ثم قال في الخادم: وهذا تلبيس من الإسنوي قلد فيه صاحبه الكمال الأدفوي في كتابه الإمتاع، ولا يجوز حكاية هذا عن الشيخ أبي إسحاق فإن ابن طاهر متكلم فيه عند أهل الحديث بسبب الإباحة وغيرها، وقول الخادم اعتراضا على قول الشيخين، بل المزمار العراقي وما يضرب به الأوتار حرام بلا خلاف هذا فيه نظر. إذ لا مناسبة لذكر ذي الأوتار مع مزامير القصب يرد بأن بينهما مناسبة تامة لما بين المزامير وذوات الأوتار من التجانس.
ومنها: قول الماوردي في الصنج: يكره مع الغناء ولا يكره منفردا لأنه بانفراده غير مطرب وهو شاذ، ومن ثم لما نقله عنه في البحر زيفه مع أن صاحب البحر كثير المتابعة للماوردي بل أكثر بحره من حاويه.
قال أبو حامد: وسئل الشافعي رضي الله عنه عن هذا؟ فقال: أول من أحدثه

 

ج / 2 ص -340-        الزنادقة في العراق حتى يلهوا الناس عن الصلاة وعن الذكر.
قال الجوهري وغيره: والصنج هو ما يتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر مختص بالعرب وذو الأوتار مختص بالعجم وهما معربان.
قال الأذرعي: وزعم قاضي حماة البارزي أن مراد الرافعي الثاني وهذا عجيب منه، وقد قال الرافعي من بعد: إن الضرب بالصفاقتين حرام ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وتوقف الإمام فيه لأنه لم يرد فيه خبر بخلاف الكوبة انتهى، ثم قال الأذرعي: والصنج العربي كالصفاقتين أو هو هي، ويوافقه قول ابن معين الجزري في تنقيبه على المذهب: من الآلات المحرمة المطربة من غير غناء الصليل بكسر المهملة وتشديد اللام المكسورة وهو الصنج من الصلول وهو صوت الحديد إذا وقع بعضه على بعض، انتهى.
والذي دل عليه كلام المحكم أن الصنج يطلق على ما في الدفوف وهو عربي وعلى ذي الأوتار، وحينئذ يجوز حمل كلام الرافعي في الصنج على النوعين لا كما ظنه البارزي رحمه الله، وفي البحر نقل تحريم الضرب بالصفاقتين عن الأصحاب مطلقا، وفي الخادم لم يبن الرافعي المراد بالضرب بالصفاقتين.
وقال ابن أبي الدم: اختلف الفقهاء المتأخرون فيه، فبعضهم يقول هو الشيزات ويعضده التعليل بأنه من عادة أهل الشرب، وبعضهم يفسره بالصنوج المتخذة من الصفر التي تضرب مع الطبول والرباب والنقارات؛ وهذا يضعفه أنه ليس بمطرب ولا يحدث بسماعه لذة لذي لب سليم وعقل صحيح.
وفي الحاوي: الملاهي إما حرام كعود وطنبور ومعزفة وطبل ومزمار وما ألهى بصوت مطرب إذا انفرد، أو مكروه وهو ما يزيد الغناء طربا ولم يطرب منفردا كالصنج والقصب فيكره مع الغناء لا وحده، أو مباح وهو ما خرج عن آلة الطرب إلى إنذار كالبوق وطبل الحرب أو لمجمعة وإعلان كالدف في النكاح انتهى، وما ذكره في الصنج شاذ كما مر ومحله إن فسر بغير الصفاقتين. أما هما فلا طرب فيهما كما مر، نعم المخنثون يتعاطونهما في بعض البلاد فحينئذ تتجه الحرمة لما يأتي في الكوبة.
والطنبور بضم أوله غير العود كما هو مشهور عند أهل الصناعة، وقال اللغويون: هو العود، قيل وكأن كلا من العود والطنبور وغيرهما اسم جنس تحته

 

ج / 2 ص -341-        أنواع، وقد يشمل اسم العود سائر الأوتار: وعبارة العمراني وخلائق من الأصحاب الأصوات المكتسبة ثلاثة أضرب: محرم وهو ما يطرب من غير غناء كعود وطنبور وطبل ومزامير ومعازف ونايات وأكبار ورباب وما أشبههما انتهى.
والمزامير تشمل الصرناي؛ وهي قصبة ضيقة الرأس متسعة الآخر يزمر بها في المواكب والحرب وعلى النقارات، ويشمل الكرجة وهي مثل الصرناي إلا أنه يجعل في أسفل القصبة قطعة نحاس معوجة يزمر بها في أعراس البوادي وغيرها، ويشمل الناي وهو أطرب من الأولين والمقرونة وهي قصبتان ملتقيتان، قيل وأول من اتخذ المزامير بنو إسرائيل.
قال الرافعي: وفي ضرب القضيب على الوسائد وجهان الذي أورده العراقيون أنه يكره، وأشار صاحب المهذب إلى ترجيح التحريم انتهى، وفي "الكافي" عن المراوزة التحريم أيضا، واعترض بأن الشيخ أبا علي من أكابرهم جزم بالكراهة، وألحق صاحب الكافي بالضرب بالقضيب فيما ذكر التصفيق باليد في السماع. وقال الحليمي: يكره التصفيق للرجال لأنه مما خص به النساء وقد منع الرجال من التشبه بهن كما منعوا من لبس المزعفر انتهى. وقضيته كما قال الزركشي أنها كراهة تحريم؛ لأن التشبه بالنساء حرام بل كبيرة على ما مر.
ومنها قول الرافعي: كالماوردي والخطابي والروياني والغزالي وصاحبه محمد بن يحيى والباجرمي يحل اليراع وهو الشبابة لأنها تنشط على السير في السفر فأشبهت الحداء، وهذه مقالة شاذة كما قاله الأذرعي، فقد حرمها جمهور الأصحاب ورجحه النووي وصوبه ابن أبي عصرون، قال: بل أجدر بالتحريم من سائر المزامير المتفق على تحريمها؛ لشدة طربها وهي شعار الشربة وأهل الفسق. إذ هي آلة كاملة عند أهل الموسيقى وافية بجميع النغمات، وقيل تنقص قيراطا، وقال بعضهم: هي من أعلى المزامير فكل ما لأجله حرمت المزامير موجود فيها وزيادة فتكون أولى بالتحريم، والمنازعة في هذا مكابرة وهو الموافق للمنقول فإنه الذي نص عليه الشافعي والجمهور، وأيضا فقد حرم الشافعي ما دونها في الإطراب بكثير كالكوبة وطبل اللهو وهو الطبل الكبير والدف في غير العرس والختان وما حرمه إلا لأنه لهو لا ينتفع به فيما يجوز، ففي الشبابة مع كونها لهوا يصد عن ذكر الله وعن الصلاة الميل إلى أوطار النفوس ولذاتها فهي بالتحريم أحق وأولى.

 

ج / 2 ص -342-        قال الأذرعي: ومخالفة النووي الرافعي في الشبابة هي المذهب، وقضية كلام العراقيين وغيرهم وأحسن في الذخائر بنقله عن الأصحاب تحريم المزامير مطلقا انتهى.
وحرم العراقيون المزامير كلها من غير تفصيل، فإذا المذهب الذي عليه الجماهير تحريم الشبابة، وقد أطنب الإمام مجزأة في دليل تحريمها وقال العجب كل العجب ممن هو من أهل العلم يزعم أن الشبابة حلال ويحكيه وجها لا مستند له إلا خبال ولا أصل له وينسبه إلى مذهب الشافعي، ومعاذ الله أن يكون ذلك مذهبا له أو لأحد من أصحابه الذين يقع عليهم التعويل في علم مذهبه والانتماء إليه، وقد علم من غير شك أن الشافعي رضي الله عنه حرم سائر أنواع الزمر والشبابة من جملة الزمر وأحد أنواعه، بل هي أحق بالتحريم من غيرها لما فيها من التأثير فوق ما في ناي وصرناي، وما حرمت هذه الأشياء لأسمائها وألقابها، بل لما فيها من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة ومفارقة التقوى والميل إلى الهوى والانغماس في المعاصي وأطال النفس في تقرير هذا التحريم، وأنه الذي درج عليه الأصحاب من لدن الشافعي رضي الله عنه إلى آخر وقت من البصريين والبغداديين والخراسانيين والشاميين والخزريين ومن سكن الجبال والحجاز وما وراء النهر واليمن كلهم استدل بقصة ابن عمر رضي الله عنهما انتهى، وكأنه يعرض في صدر كلامه بالغزالي فإنه كان كالمعاصر له لولادته بعد وفاته بنحو عشر سنين.
وقال الإمام جمال الإسلام بن البزري بكسر الباء فزاي فراء نسبة إلى البزر وهو حب الكتان في فتاويه: الشبابة زمر لا محالة حرام بالنص، والمشهور تحريمها ويجب إنكارها وتحريم استماعها، ولم يقل العلماء المتقدمون ولا أحد منهم بحلها وجواز استماعها، ومن ذهب إلى حلها واستماعها فهو مخطئ انتهى.
وقول الماوردي تكره في مصر لاستعمالها في السخف وتباح في السفر والمرعى؛ لأنها تحث السير وتجمع البهائم إذا سرحت ضعيف، بل شاذ أيضا اللهم إلا أن يحمل كالقول بالحل مطلقا على ما إذا كان يصفر فيها كالأطفال والرعاء على غير قانون بل صفيرا مجردا على نمط واحد؛ لأن الحل حينئذ قريب كما قاله الأذرعي، قال: أما لو صفر بها على القانون المعروف من الإطراب فهي حرام مطلقا بل هي

 

ج / 2 ص -343-        أجدر بالتحريم من سائر المزامير المتفق على تحريمها؛ لأنها أشد إطرابا وهي شعار الشربة وأهل الفسوق.
وقال بعض أهل الصناعة: هي آلة كاملة وافية بجميع النغمات، وقال الآخرون تنقص قيراطا.
قال أبو العباس القرطبي: هي من أعلى المزامير وكل ما لأجله حرمت المزامير موجود فيها وزيادة فتكون أولى بالتحريم.
قال الأذرعي: وما قاله حق واضح والمنازعة فيه مكابرة، وحديث ابن عمر الذي مرت الإشارة إليه اختلف فيه الحفاظ وهو ما رواه نافع عنه: أنه سمع صوت زمارة راع فجعل أصبعيه في أذنيه. وعدل عن الطريق وجعل يقول يا نافع أتسمع؟ فأقول: نعم، فلما قلت لا رجع إلى الطريق ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه أبو داود وقال إنه منكر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه.
وسئل عنه الحافظ محمد بن نصر السلامي فقال: إنه حديث صحيح، قال: وكان ابن عمر رضي الله عنهما بالغا إذ ذاك عمره سبع عشرة سنة، قال: وهذا من الشارع ليعرف أمته أن استماع الزمارة والشبابة وما يقوم مقامهما محرم عليهم استماعه، ورخص لابن عمر لأنه حالة ضرورة ولم يمكنه إلا ذلك وقد يباح المحظور للضرورة، قال: ومن رخص في ذلك فهو مخالف للسنة انتهى.
قال الأذرعي: بهذا الحديث استدل أصحابنا على تحريم المزامير وعليه بنوا التحريم في الشبابة. وأما من استدل به على إباحتها تمسكا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه ولا نهى الراعي فدل على أنه إنما فعله تنزيها أو أنه كان في حال ذكر أو فكر وكان السماع يشغله فسد أذنيه لذلك فردوا عليه بأمور:
منها: أن تلك الزمارة لم تكن مما يتخذه أهل هذا الفن الذي هو محل النزاع من الشبابات التي يتقنونها وتحتها أنواع كلها مطربة، ومعلوم أن زمر الراعي في قصبة ليس كزمر من جعله صنعة وتأنق فيه وفي طرائقه التي اخترعوا فيها نغمات تحرك إلى الشهوات.
ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يأمر ابن عمر بسد أذنيه لأنه تقرر عندهم أن أفعاله صلى الله عليه وسلم حجة كأقواله فحين فعل ذلك بادر ابن عمر إلى التأسي به، وكيف يظن به أنه ترك

 

ج / 2 ص -344-        التأسي وهو أشد الصحابة رضي الله عنهم تأسيا؟ ومن ثم قال مجزأة: هذا لا يخطر ببال محصل قط عرف قدر الصحابة رضي الله عنهم واطلع على سبيلهم، قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله هل تسمع معناه تسمع هل تسمع"؟ وإنما أسقط تسمع لدلالة الكلام عليه إذ من وضع أصبعيه في أذنيه لا يسمع وإنما أذن له في هذا القدر لموضع الحاجة.
ومنها: أن الممنوع هو الاستماع لا السماع لا عن قصد اتفاقا، ومن ثم صرح أصحابنا أن من بجواره سماع آلات لهو محرمة ولا يمكنه إزالتها لا تلزمه النقلة ولا يأثم بسماعها لا عن قصد وإصغاء.
قال الأذرعي: والجواب بأن قوله زمارة راع لا يتعين أنها الشبابة فإن الرعاة يضربون بالشعيبة وغيرها يوهم أن يسمى شعيبة مباح مفروغ منه وهذا لم أره لأحد، وهي عبارة عن قصبات عدة صغار تجعل صفا ولها إطراب بحسب حذق متعاطيها وهي شبابة أو مزمار لا محالة، انتهى.
وبما تقرر في الدليل اندفع قول البلقيني ميلا لإباحة الشبابة لا يثبت التحريم إلا بدليل معتبر ولم يقم النووي دليلا على ذلك ورد عليه أيضا بأنه لو سلم أنه لا دليل في الحديث فهنا دليل واضح على تحريمها وهو كما علم مما مر القياس على الآلات المتفق على تحريمها لاشتراكها معها في كون كل مطربا بل ربما كان الطرب الذي في الشبابة أشد منه في نحو الكمنجة والربابة فهو إما قياس أولى أو مساواة بالنسبة إلى المذكورين وهما حرام بلا خلاف، فكذا هي وسميت يراعا بفتح التحتية وتخفيف الراء وبالعين المهملة لخلو جوفها، ومنه رجل يراع لا قلب له وهو اسم جنس واحده يراعة كما في تهذيب النووي.
وقال الجوهري: اليراع القصب واليراعة القصبة، وحينئذ فتفسير اليراع بالشبابة فيه تجوز لما تقرر أنه جمع يراعة فكيف يفسر بالمفرد، قال بعض المتأخرين: وليس من محل اختلاف الشيخين القصب المسمى بالموصول؛ لأنه يضرب به مع الأوتار وهو من شعار شاربي الخمر كما لا يخفى على من اطلع على أحوالهم، وقد قال الرافعي ليس المراد باليراع كل قصب بل المزمار العراقي، وما يضرب به مع الأوتار حرام بلا خلاف ولفظة مع هو ما في نسخة معتمدة من العزيز، والموجود في كثير منه وما تضرب

 

ج / 2 ص -345-        به الأوتار، وبما تقرر قريبا في رد كلام البلقيني يرد أيضا قول التاج السبكي في توشيحه: لم يقم عندي دليل على تحريم اليراع مع كثرة التتبع، والذي أراه الحل فإن انضم إليه محرم فلكل منهما حكمه، ثم الأولى عندي لمن ليس من أهل الذوق الإعراض عنه مطلقا؛ لأن غاية ما فيه حصول لذة نفسانية وهي ليست من المطالب الشرعية. وأما أهل الذوق فحالهم مسلم إليهم وهم على حسب ما يجدونه في أنفسهم.
ونقل القاضي حسين عن الجنيد أنه قال: الناس في السماع إما عوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم، وإما زهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهدتهم، وإما عارفون وهو مستحب لهم لحياة قلوبهم، وذكر نحوه أبو طالب المكي وصححه السهروردي في عوارفه، والظاهر أن الجنيد لم يرد التحريم الاصطلاحي وإنما أراد أنه لا ينبغي ثم نقل عن والده إفتاء نظما حاصله أن نحو الرقص والدف فيه خلاف وأنه لم تأت شريعة قط بأنه قربة وأن من قال بحله إنما جعله مباحا وأن من اصطفاه لدينه متعبدا بحضوره فقد باء بحسرة وخسار، وأن العارف المشتاق إذا هزه وجد فهام في سكراته لا يلحقه لوم بل يحمد حاله لطيب ما يلقاه من اللذات انتهى. قال غيره: أما سماع أهل الوقت فحرام بلا شك ففيه من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء وافتتان العامة باللهو ما لا يحصى، فالواجب على الإمام قصرهم عنه. وذكر القاضي أن من تعود السماع مرارا في كل شهر فسق وردت شهادته أو مرة فسق ولم ترد شهادته، ورده الأذرعي بأنه خلاف المفهوم من كلام الفقهاء.
وقال الغزالي: السماع إما محبوب بأن غلب عليه حب الله ولقائه فيستخرج به أحوالا من المكاشفات والملاطفات، وإما مباح بأن كان عنده عشق مباح لحليلته، أو لم يغلب عليه حب الله ولا الهوى، وإما محرم بأن غلب عليه هوى محرم.
وسئل العز بن عبد السلام عن استماع الإنشاد في المحبة والرقص فقال: الرقص بدعة ولا يتعاطاه إلا ناقص العقل فلا يصلح إلا للنساء، وأما سماع الإنشاد المحرك للأحوال السنية المذكر لأمور الآخرة فلا بأس به، بل يندب عند الفتور وسآمة القلب، ولا يحضر السماع من في قلبه هوى خبيث فإنه يحرك ما في القلب. وقال أيضا: السماع يختلف باختلاف السامعين والمسموع منهم، وهم إما عارفون بالله،

 

ج / 2 ص -346-        ويختلف سماعهم باختلاف أحوالهم، فمن غلب عليه الخوف أثر فيه السماع عند ذكر المخوفات بنحو حزن وبكاء وتغير لون، وهو إما خوف عقاب أو فوات ثواب أو أنس وقرب وهو أفضل الخائفين والسامعين وتأثير القرآن فيه أشد، ومن غلب عليه الرجاء أثر فيه السماع عند ذكر المرجيات، وسماع من رجاؤه للأنس والقرب أفضل من سماع من رجاؤه الثواب، ومن غلب عليه حب الله لإنعامه عليه فيؤثر فيه سماع الإنعام والإكرام، أو لكماله المطلق فيؤثر فيه ذكر شرف الذات وكمال الصفات، فهو أفضل من جميع ما قبله ويختلف هؤلاء في المسموع منه، فالسماع من الولي أشد تأثيرا من السماع من عامي، ومن نبي أشد تأثيرا منه من ولي، ومن الرب تعالى أشد تأثيرا منه من النبي، ولهذا لم يشتغل النبيون والصديقون وأصحابهم بسماع الملاهي والغناء واقتصروا على سماع كلام ربهم، ومن غلب عليه هوى مباح كمن يعشق حليلته فيؤثر فيه آثار الشوق وخوف الفراق ورجاء التلاق فسماعه لا بأس به، ومن غلب عليه هوى محرم كعشق أمرد أو أجنبية فيؤثر فيه السعي إلى الحرام وما أدى إلى الحرام حرام؛ أما من لم يجد في نفسه شيئا من هذه الأقسام الستة فيكره سماعه، ومر عن الغزالي أنه مباح، وقد يحضر السماع فجرة يبكون وينزعجون لأغراض خبيثة أبطنوها يراءون بأنه لشيء محمود.
واعلم أنه لا يحصل السماع المحمود إلا عند ذكر الصفات الموجبة للأحوال السنية والصفات المرضية. انتهى كلام الشيخ ملخصا.
قال الأذرعي: ولأبي قاسم القشيري رحمه الله وهو معدود من أئمة الشافعية مؤلف في السماع ذكر فيه أن من شرائطه معرفة الأسماء والصفات ليعلم صفات الذات من صفات الأفعال والمخلوقات وما الممتنع في نعت الحق وما يجوز وصفه به وما يجب وما يصح إطلاقه عليه من الأسماء وما يمتنع، فهذه شرائط صحة السماع على لسان أهل التحصيل من ذوي العقول. وأما عند أهل الحقائق فالشرط فناء النفس بصدق المجاهدة ثم حياة القلب بروح المشاهدة فمن لم تتقدم بالصحة معاملته، ولم تحصل بالصدق منازلته فسماعه ضياع وتواجده طباع والسماع فتنة يدعو إليها استيلاء الفسق إلا عند سقوط الشهوة وحصول الصفوة، وأطال بما يطول ذكره وبما ذكره يتبين تحريم السماع والرقص على أكثر متصوفة الزمان لفقد شروط القيام بآدابه انتهى.

 

ج / 2 ص -347-        ومنها قول الإمام في الكوبة: لو رددنا إلى مسلك المعنى فهي في معنى الدف، ولست أرى فيها ما يقتضي تحريمها إلا أن المخنثين يولعون بها ويعتادون ضربها، وقوله أيضا الذي يقتضيه الرأي أن ما يصدر منه ألحان مستلذة تهيج الإنسان وتستحثه على الطرب ومجالسة أحداثه فهو المحرم والمعازف والمزامير كذلك، وما ليس له صوت مستلذ وإنما يفعل لأنغام قد تطرب وإن كانت لا تستلذ فجميعها في معنى الدف، والكوبة في هذا المسلك كالدف فإن صح فيها تحريم حرمناها وإلا توقفنا فيها، وقوله أيضا ليس فيه من جهة المعنى ما يميزه من سائر الطبوع إلا أن المخنثين يعتادون ضربه ويتولعون به فإن صح حديث عملنا به انتهى.
ويرده ما يأتي أن هذا بحث منه مخالف للإجماع فلا نعول عليه وأنه حيث وجد في المسألة إجماع فلا نظر إلى صحة الحديث وضعفه، وقد نقل الإمام نفسه عن أبيه الشيخ أبي محمد الجويني ما يوافق الإجمال، فقال: كان شيخي يقطع بتحريمها، ويقول فيها أخبار مغلظة على ضاربها والمستمع إلى صوتها. وقد نص الشافعي على أن الوصية بطبل اللهو باطلة ولا نعرف طبل لهو يلتحق بالمعازف حتى تبطل الوصية به إلا الكوبة وتبعه في البسيط فقطع بتحريمها وأنه لا يحرم من الطبول إلا هي، لكن اعترض ذلك بقول الكافي الكوبة حرام وطبل اللهو في معناها فدل على أنه غيرها، وبأن العراقيين حرموا الطبول كلها من غير تفصيل.
ويجاب بأن هذه طريقة ضعيفة. والأصح حل ما عدا الكوبة من الطبول، وقيل أراد العراقيون طبول اللهو كما صرح به غير واحد، وممن أطلق تحريم طبول اللهو العمراني والبغوي وصاحب الانتصار وهو المحكي عن الشيخ أبي حامد وقضية ما في الحاوي والمقنع وغيرهما؛ وعبارة القاضي: أما ضرب الطبول فإن كان طبل لهو فلا يجوز. واستثنى الحليمي من الطبول طبل الحرب والعيد وأطلق تحريم سائر الطبول وخص ما استثناه في العيد بالرجال خاصة، وهذه طريقة ضعيفة أيضا. وعد جمع من العراقيين من المحرمات الأكبار، وأما قول الأذرعي عقب كلام الإمام الثاني إنه بحث في غاية الحسن فغير مقبول منه لمخالفته لصريح كلامهم، وقد قال ابن الرفعة عقبه: وهذا يدل على أن الأخبار الواردة في الكوبة لم تصح عنده. ومما يرده أيضا قول سليم في تقريبه بعد أن ذكر تحريم الكوبة، وفي الحديث:
"إن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطابة أو كوبة" والأولى العود ومع هذا فإنه إجماع انتهى.

 

ج / 2 ص -348-        فتأمل نقله الإجماع على تحريم الكوبة، وهو من أكابر أصحابنا ومتقدميهم يتضح لك أن بحث الإمام الذي استحسنه الأذرعي مخالف للإجماع، وحينئذ فلا فرق بين أن يصح الحديث وأن لا وهو ما قاله بعضهم لأن الإجماع حجة وإن صح الحديث بخلافه. إذ لا يكون إلا عن دليل سالم من الطعن والمعارض فكان أقوى، وقد نقل الإجماع أيضا على تحريم الكوبة القرطبي وهو من أئمة النقل فقال كما مر عنه: لا يختلف في تحريم استماعها ولم أسمع عن أحد ممن يعتبر قوله من السلف وأئمة الخلف من يبيح ذلك، وقول الإمام: إن المخنثين يعتادون ضرب الكوبة ويتولعون به من أقوى الأدلة على تحريمها؛ لأن ما كان من شعار المخنثين يحرم فعله لحرمة التشبه بهم.
قال الإمام: والطبول التي تهيأ لملاعب الصبيان إن لم تلحق بالطبول الكبار فهي كالدف وليست كالكوبة بحال ا هـ.
والذي يتجه أنها إن كانت على صورة الكوبة حرم تمكين الصبي منها أو على صورة بقية الطبول لم تحرم لما مر أنه لا يحرم من الطبول إلا الكوبة كما صرح به الشيخان وغيرهما. وعبارة الرافعي: وفي الإحياء ولا يحرم صوت طبل إلا الطبل الذي يسمى الكوبة فإنه ورد النهي عنه وهو طبل طويل متسع الطرفين ضيق الوسط انتهى.
وتفسيره؛ الكوبة بما ذكر تبع فيه الإمام والغزالي وقضية كلام الإسنوي تفرد هؤلاء به وليس كذلك، وممن فسرها بالطبل أحد رواة الحديث علي بن بذيمة كما ذكره البيهقي عن سفيان عنه، وتفسير الراوي مقدم على تفسير غيره لأنه أعلم بمرويه، وكذا الجوهري فقال هي الطبل الصغير المخصر، وكذا عبد اللطيف البغدادي في لغة الحديث وكذا الماوردي، قال الأذرعي وهو مراد الفقهاء. وقال صاحب التنقيب: الصحيح أنها الطبل المذكور كان يلعب به شباب قريش بين الصفا والمروة. وقال آخرون: هي النرد منهم الخطابي، وغلط من قال إنها الطبل، وذكر مثله ابن الأعرابي والزمخشري وصححه ابن الأثير في النهاية.
قال الأذرعي: وفيما سبق عن الجوهري وغيره ما يدفع التغليظ نعم إطلاقها على كل ما يسمى طبلا ليس بجيد انتهى.

 

ج / 2 ص -349-        والحاصل؛ أن الكوبة تطلق على الطبل السابق وهو مراد الفقهاء وحملوا الحديث السابق: "إن الله يغفر لكل مذنب إلا صاحب عرطابة أو كوبة" عليه وعلى النرد وهو لغة أهل اليمن وعلى الشطرنج؛ وأما زعم الإسنوي أن تفسيرها بالطبل خلاف المشهور في كتب اللغة فيرده ما مر عن الجوهري وغيره؛ بل الصواب إطلاقها لغة على الطبل السابق وعلى النرد ومراد الفقهاء الأول، لكن الموجودة الآن ليس اتساع طرفيها على حد سواء، وأيضا فأحدهما وهو المتسع هو الذي عليه الجلد الذي يضرب عليه والآخر ضيق لا شيء عليه، وكل ذلك لا ينافي تفسير الفقهاء المذكور خلافا لمن وهم فيه ممن لا يعتد به:
"الكبيرة الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والخمسون بعد الأربعمائة: التشبيب بغلام ولو غير معين مع ذكر أنه يعشقه أو بامرأة أجنبية معينة وإن لم يذكرها بفحش أو بامرأة مبهمة مع ذكرها بالفحش وإنشاد هذا التشبيب".
وكون الأول كبيرة هو ما صرح به الروياني حيث قال: ولو كان يشبب بغلام ويذكر أنه يعشقه فسق وإن لم يعينه لأن النظر إلى الذكور بالشهوة حرام بكل حال انتهى. والذي في التهذيب وغيره اعتبار التعيين في الغلام كالمرأة، قال الأذرعي: وهو الأقرب والأول ضعيف جدا إذ ليس في التشبيب دلالة على النظر بشهوة، والغالب أن الشاعر إنما يقوله ترقيقا لشعره وإظهارا لصنعه لا أنه عاشق حقيقة، فالوجه أنه لا يفسق بمجرد التشبيب بمجهول، ثم ذكر للشافعي رضي الله عنه غزلا من جملته:

لو أن عيني إليك الدهر ناظرة               جاءت وفاتي ولم أشبع من النظر

ثم قال ليس في هذا تصريح بأنه غلام لجواز كونه رضي الله عنه قاله في زوجته أو أمته. وكون الثانية والثالثة كبيرتين أيضا هو ما ذكره شريح في روضة الحكام حيث قال: إذا شبب بامرأة وذكرها بفحش فهو فاسق، وإن ذكرها بطول أو قصر، فإن عينها وكانت أمته أو امرأته لم يفسق؛ لأنه سفه يسير. وقيل: ترد شهادته، وإن كانت أجنبية معينة فسق أو مبهمة لم يفسق، وقيل يفسق لأنه سفه انتهى.
وظاهر عبارة الشيخين أنه لا يفسق بذلك، وأن رد الشهادة إن قيل به إنما هو

 

ج / 2 ص -350-        لعدم المروءة لا للفسق. وحاصل عبارة أصل الروضة وينبغي أن يقال في التشبيب بالنساء والغلمان من غير تعيين لا يخل بالعدالة وإن أكثر منه؛ لأن التشبيب صنعة وغرض الشاعر تحسين الكلام لا تحقيق المذكور، قالا: وكذلك ينبغي أن يكون الحكم لو سمى امرأة لا يدري من هي، وترد شهادة الشاعر إذا كان يفحش أو يشبب بامرأة بعينها أو يصف أعضاء باطنة فإن شبب بجاريته أو زوجته فوجهان: أحدهما يجوز ولا ترد شهادته، وهذا القائل يقول: إذا لم تكن المرأة معينة لا ترد شهادته لأنه يجوز أن يريد من تحل له، والصحيح أنه ترد شهادته إذا ذكر حليلته بما حقه الإخفاء لسقوط مروءته انتهت، ونظر فيه بأن دعوى سقوط المروءة بكل ما حقه الإخفاء ممنوعة وبأن الشافعي نص على عدم الرد بذلك.
ويجاب عن الأول بأن هذا انضم إليه عدم المبالاة بما فيه من نوع فضيحة لعياله ولا شك أن عدم المبالاة بذلك ينافي المروءة، وعن الثاني بأن غايته أن في المسألة نصين للشافعي رجح الشيخان أحدهما لظهور مدركه فلا اعتراض عليهما، وإن قيل جمهور الأصحاب على عدم الرد، ثم رأيت البلقيني وغيره أجمعوا فقالوا: لا منافاة بين ما رجحاه والنص الذي جرى عليه جمهور الأصحاب لأن ما ذكراه فيما إذا ذكر حليلته بما يخفى كالأحوال التي تتفق بينهما عند الجماع والخلوة، ومقابله فيما إذا شبب بغير معينة أو بحليلته ولم يذكر ما يخفي مروءة ا هـ، والحمل الأول صريح فيما ذكرته، ويؤيد عدم التحريم أن كعب بن زهير رضي الله عنه شبب بسعاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكره، وحمل ذلك على أنها كانت امرأته وابنة عمه وطال عهده بها وغيبته عنها. وقد ذكر في الروضة ما يؤيد ذلك فقال: مما يخل بالمروءة أن يقبل حليلته بحضرة الناس أو يحكي ما جرى بينهما في الخلوة، وفي الروضة في كتاب النكاح كراهية ذلك، وفي شرح مسلم حرمته ولا تنافي؛ لأن الأول في غير ذكر الجماع ومقدماته والثاني في ذكرهما. لا يقال ينبغي رد شهادة المشبب وإن لم يعين لأنها إن كانت حليلته فقد ذكر ما حقه الإخفاء أو أجنبية فأشد. لأنا نقول: يجوز أن يسامح عند عدم التعيين بذلك والتنظير في ذلك ممنوع خلافا لمن زعمه، ويؤيده قول الأذرعي: يجب القطع بأنه إذا شبب بحليلته ولم يذكر سوى المحبة والشوق أو ذكر شيئا من التشبيهات الظاهرة أنه لا يضر، وكذا إذا ذكر امرأة مجهولة ولم يذكر سوءا انتهى. وقال في موضع آخر: الذي يجب القطع به أن تسميته من لا يدري من هي وذكر

 

ج / 2 ص -351-        محاسنها الظاهرة والشوق والمحبة من غير فحش ولا ريبة لا يقدح في قائله ولا يتحقق فيه خلاف، ومن ذلك توارد الشعراء على ذكر ليلى وسعدى ودعد وهند وسلمى ولبنى، وكيف وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم:

بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول

وفيها من الأشعار كل بديع والنبي صلى الله عليه وسلم يستمع فلا ينكر منها شيئا. وذكر الروياني في البحر أنها كانت زوجته وابنة عمه وطالت غيبته عنها في هربه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عبد البر: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أولي العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم ومواضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحا ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى؛ وكان عبيد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعرا مجيدا انتهى. وفي الإحياء في التشبيب بنحو وصف الخدود والأصداغ وسائر أوصاف النساء نظر، والصحيح أنه لا يحرم نظمه ولا إنشاده بصوت وغير صوت، وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة، فإن نزله على حليلته جاز أو غيرها فهو العاصي بالتنزيل، ومن هذا وصفه فينبغي أن يتجنب السماع، انتهى.
"الكبيرة السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والخمسون بعد الأربعمائة: الشعر المشتمل على هجو المسلم ولو بصدق، وكذا إن اشتمل على فحش أو كذب فاحش وإنشاد هذا الهجو وإذاعته".
وعد هذه كبائر هو ما يصرح به قول الجرجاني في شافيه: ولا ترد شهادة من ينشد الشعر وينشئه ما لم يكن هجو مسلم أو فحشا أو كذبا فاحشا انتهى؛ أي فإن كان هجو مسلم أو فحشا أو كذبا فاحشا ردت شهادته، ورد الشهادة لغير نحو خرم المروءة والتهمة إنما يكون للفسق، ومعلوم أنه ليس هنا خرم مروءة ولا نحوه فتعين أن الرد هنا إنما هو لكون كل من هذه الثلاثة فسقا، وممن صرح بأن هجو المسلم فسق العمراني في البيان حيث قال: إن هجا مسلما فسق أو ذميا فلا بأس، والروياني في البحر حيث قال: أما إذا آذى في شعره بأن هجا المسلمين أو رجلا مسلما فسق به لأن إيذاء المسلم محرم. قال أصحابنا: وهذا إذا كثر وفيه نظر عندي ا هـ. وكأن الشيخين تبعاه حيث أطلقا رد الشهادة بالهجو سواء أصدق أم كذب، وقول البلقيني في تصحيح

ج / 2 ص -352-        المنهاج: لا يلزم من رد الشهادة التحريم: فقد يكون الرد لخرم المروءة -رده تلميذه أبو زرعة- بأن لا خرم فيه قال: وإنما سبب ردها التحريم، أي وإذا كان سبب ردها التحريم لزمه كونه كبيرة إذ الصغيرة لا تقتضي رد الشهادة، فتعين كون ذلك كبيرة، وبهذا الذي ذكره أبو زرعة ينظر في قول شيخنا شيخ الإسلام زكريا سقى الله مهده: قول الشيخين فإن هجا في شعره ردت شهادته محمول على ما إذا هجا بما يفسق به كأن أكثر منه ولم تغلب طاعاته بقرينة ما ذكراه بعد ذلك ا هـ.
ووجه التنظير فيه أنه إذا أكثر منه فسق كما مر عن الروياني عن الأصحاب، وكذا إذا لم يكثر كما مر عن اختيار الروياني، وإذا فسق بالإكثار لزم أنه كبيرة وارتكاب الكبيرة مفسق وإن غلبت الطاعات المعاصي، والتفصيل بين غلبة الطاعات وغلبة المعاصي إنما هو عند ارتكاب الصغائر، أما عند ارتكاب كبيرة فيفسق وترد شهادته مطلقا، وصوب الزركشي ما مر عن الأصحاب من التقييد بالإكثار، فقال: وقضية كلام الشيخين رد الشهادة بمطلق الهجو أنه لا فرق بين قليله وكثيره، لكن اغتفر الدارمي يسيره وهو مقتضى تقييده الأم بالإكثار وهو الصواب ا هـ.
ولخص ذلك من قول شيخه الأذرعي: إطلاق رد الشهادة بالهجو بعيد إذ النظم كالنثر، وذكر الدارمي أن الشاعر حيث لم يمدح بالكذب ولم يذم به إلا يسيرا قبلت شهادته ويؤيده قول الأم: ومن أكثر الوقيعة في الناس على الغضب أو الحرمان حتى يكون ذلك فيه ظاهرا كثيرا مستعلنا كذبا محضا ردت شهادته بالوجهين وبأحدهما لو انفرد هذا نصه، وحينئذ يجب أن يقال إن أكثر منه أو عرف به أو هجا بما يفسق به لكون التلفظ به كبيرة ردت شهادته لا محالة، أما لو لم يكثر ولم يعرف به ولا كان التلفظ به كبيرة فلا، اللهم إلا أن يقال الغيبة كبيرة أو يتضمن ذلك شيئا مؤذيا يحفظ عنه وينشد كل وقت فيتأذى به المهجو وولده، فهذا
محتمل بخلاف النثر؛ لأن النظم يحفظ ويعلق بالأذهان ويعاود، قال في البحر: الشعر يحفظ نظمه فيسير ويبقى على الأعصار والدهور بخلاف النثر، وفيه أيضا أما إذا آذى في شعره بأن هجا المسلمين أو رجلا مسلما فسق به؛ لأن إيذاء المسلم محرم قال أصحابنا وهذا إذا أكثر وفيه نظر عندي ا هـ كلام الأذرعي ملخصا، وقال أيضا: قضية كلام المنهاج حرمة إنشاء الهجو والتشبيب المحرم كما يحرم إنشاؤهما ولا يمكن بقاؤه على إطلاقه؛ ولقد أحسن الشيخ الموفق

 

ج / 2 ص -353-        حيث قال: ذكر أصحابنا أن التشبيب بامرأة بعينها بالإفراط في وصفها محرم، وهذا إن أريد به أنه محرم على قائله فصحيح، وأما على راويه فلا يصح فإن المغازي روي فيها قصائد الكفار التي هجوا فيها الصحابة رضي الله عنهم ولا ينكر ذلك أحد. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم أذن في الشعر الذي تقاولت به الشعراء في يوم بدر وأحد وغيرهما إلا قصيدة ابن أبي الصلت الحائية، وقد سمع صلى الله عليه وسلم قصيدة كعب بن زهير ولم يزل الناس يروون أمثال هذا ولا ينكر ا هـ.
قال الأذرعي: ولا شك فيما قاله إذا لم يكن فيه فحش ولا أذى لحي ولا ميت من المسلمين ولم تدع حاجة إليه، وقد ذم العلماء جريرا والفرزدق في تهاجيهما ولم يذموا من استشهد بذلك على إعراب وغيره من علم البيان. ويجب حمل كلام الأئمة على غير ذلك مما هو عادة أهل اللعب والبطالة، وعلى إنشاد شعر شعراء العصر إذا كان إنشاؤه حراما. إذ ليس فيه أذى أو وقيعة في الأحياء أو إساءة الأحياء في أمواتهم أو ذكر مساوئ الأموات وغير ذلك، وليسوا ممن يحتج به في لغة ولا غيرها فلم يبق إلا التفكه بالأعراض ا هـ.
قال الرافعي: ويشبه أن يكون التعريض هجوا كالتصريح وقد يزيد بعض التعريض وجزم به في الشرح الصغير، واستحسن الأذرعي قوله وقد يزيد إلخ وهو كما قال، فقول ابن كج ليس التعريض هجوا ضعيف. ويؤيد ما ذكرته قول الحليمي وكل ما حرم التصريح به لعينه فالتعريض به حرام أيضا وما حرم لا لعينه بل لعارض فالتعريض به جائز كخطبة المعتدة، وأما قول الزركشي ما قاله ابن كج أقيس، فإنهم لم يجعلوا التعريض في باب القذف ملحقا بالكناية فكيف يلتحق بالتصريح، فيرد بأن هذا خلاف ما نحن فيه لأن كلامهم إنما هو في عدم الإلحاق في الحد، وكلامنا إنما هو في الحرمة ولكل ملحظ ومدرك فلا يقاس أحدهما بالآخر، وقد مر في مبحث القذف أنه كبيرة وإن لم يوجب الحد. قال الرافعي: وليس إثم حاكي الهجو كإثم منشده. قال الأذرعي وتبعه الزركشي: وهذا صحيح إذا استويا أما إذا أنشأه ولم يذعه فأذاعه الحاكي فإثمه أشد بلا شك ا هـ.
ونازع البلقيني فيما مر عن الشيخين من أن الصادق في الهجو كالكاذب فيه، فقال قضية نص الشافعي على أن الشعر كلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه أنه لا

 

ج / 2 ص -354-        يحرم الهجو الصادق حيث لا يحرم الكلام بذلك، فإن كان فيه إشاعة فاحشة فهو حرام ا هـ. وله وجه لكن يؤيد ما قاله الشيخان قول الروياني يحرم الهجو ولو كان صادقا. قال بعضهم: وجرى عليه المتأخرون زاد القمولي في جواهره وإثم الصادق أخف من إثم الكاذب. واحترزت بالتقييد في الترجمة بالمسلم عن الكافر فإن فيه خلافا وتفصيلا بل في المسلم تفصيل أيضا.
وحاصل ذلك أن كثيرين من الأصحاب أطلقوا جواز هجو الكافر منهم الروياني والصيدلاني وابن الصباغ والمحاملي والجرجاني وأصحاب الكافي والبيان والإيضاح، وجرى على هذا الإطلاق ابن الرفعة في المطلب، واستدلوا بأمره صلى الله عليه وسلم لحسان رضي الله عنه بهجو المشركين، وقوله صلى الله عليه وسلم:
"اللهم أيده بروح القدس" فكان يهجو قريشا ويقول صلى الله عليه وسلم: "إنه فيهم أشد من رشق النبل". ومحل ذلك في الكفار على العموم، وفي المعين الحربي ميتا كان أو حيا حيث لم يكن له قريب معصوم يتأذى به، أما الذمي أو المعاهد والحربي الذي له قريب ذمي أو مسلم يتأذى به فلا يجوز هجوه كما قاله جماعة من المتأخرين منهم الأذرعي وكذا ابن العماد وزاد: إن المؤمن كالذمي وعلل ذلك بأن يلزمنا الكف عن أهل الذمة كما صرحوا به وكذا الزركشي وهذا التفصيل هو الوجه.
والجواب عن هجو حسان وغيره رضي الله عنه كفار قريش أنه وإن كان في معين لكنه في حربي، وعلى التنزل فهو ذب عن الله ورسوله فهو من القرب فضلا عن المباحات، ولذلك أمره صلى الله عليه وسلم به ودعا له بما مر، وألحق الغزالي وتبعه جمع متأخرون المبتدع بالحربي فيجوز هجوه ببدعته، لكن لمقصد شرعي كالتحذير من بدعته. قال ابن العماد: ويجوز هجو المرتد دون تارك الصلاة والزاني المحصن ا هـ. وما قاله في المرتد واضح لأنه كالحربي بل أقبح وفي الآخرين محله حيث لم يتجاهرا. أما المتجاهر بفسقه فيجوز هجوه بما تجاهر به فقط لجواز غيبته به فقط كما مر، وعلى هذا يحمل إطلاق جمع جواز هجو الفاسق المجاهر، وقول البلقيني الأرجح تحريم هجوه إلا لقصد زجره لأنه قد يتوب وتبقى وصمة الشعر السائر عليه، ولا كذلك الكافر إذا أسلم يرد بأن مجاهرته بالمعصية وعدم مبالاته بالناس وكلامهم فيه صيراه غير محترم ولا مراعى، فهو المهدر لحرمة نفسه بالنسبة لما تجاهر به فلم يبال ببقاء تلك الوصمة عليه.

 

ج / 2 ص -355-        "الكبيرة الستون والحادية والستون بعد الأربعمائة: الإطراء في الشعر بما لم تجر العادة به كأن يجعل الجاهل أو الفاسق مرة عالما أو عدلا والتكسب به مع صرف أكثر وقته وبمبالغته في الذم والفحش إذا منع مطلوبه".
وكون هذين كبيرتين هو ما دل عليه ما يأتي عند الماوردي، ويدل عليه أيضا قول الفوراني في العمدة: ولو بالغ في مدح رجل فقال: ما لم تجر به العادة فهو كذب صريح وسفه ترد به الشهادة. قال الأذرعي: وتقييده بالعادة حسن. وقال الشيخ أبو محمد: إن لم يكثر الكذب المحض فشهادته جائزة، ثم قال في العمدة: إن ذكر مثل تشبيهه الرجل بالأسد وبالبدر فلا يقدح، وكذلك الكاتب إذا ذكر ما تجري به العادة كقوله أنا في ذكرك آناء الليل والنهار، ولا أخلي مجلسا عن ذكرك، وأنت أحب إلي من نفسي، فهذا لا يقدح لأنه لا يقصد الكذب ولكنه تزيين للكلام فهو بمنزلة لغو اليمين، وما ذكره حسن بالغ وعليه ينزل ما ذكر عن شيخه القفال والصيدلاني وقد مر في مبحث الكذب، ويحتمل أن يفرق بين ممدوح وممدوح، فإذا بالغ في وصف من عنده نحو كرم أو علم أو شجاعة مما هو متصف به وأغرق فيه لم يضر وإن عري عن ذلك الوصف بالكلية بأن جعل فاسقا أو جاهلا أو شحيحا أعلم الناس أو أعدلهم أو أكرمهم أو نحو ذلك مما يقطع بكذبه الحس، فهذا مطرح لجلباب الحياء والمروءة، وكذلك من اتخذ المدح حرفة وأنفق فيه غالب أوقاته بخلاف من مدح في بعض الأحيان أفرادا لمعروف وصل إليه منهم، فهذا يغتفر له الإغراق في الثناء؛ لأنه يراد به إظهار الصنعة وجودة النظم.
وقال الماوردي: إذا كان المكتسب بالشعر إذا أعطي مدح ولا يذم إذا منع ويقبل ما وصل إليه عفوا فهو على عدالته وقبول شهادته ا هـ. وهذا حسن صحيح ا هـ. كلام الأذرعي وبمفهوم ما ذكره عن الماوردي واستحسنه يتأيد ما ذكرته في الترجمة. وقال أيضا: لو كان الشاعر يمدح ويطري فإن أمكن حمله على ضرب مبالغة جاز وإلا كان كذبا محضا على ما قاله عامة الأصحاب ا هـ.
واختلف الأدباء وغيرهم في أن الأولى في الشعر المبالغة أو ذكر الشيء على حقيقته، فقيل المبالغة أولى، وقيل: عدمها وذكر الشيء على حقيقته أولى ليؤمن الكذب وعليه حسان وغيره، وقيل؛ إن أدت إلى مستحيل تركت وإلا فهي أولى.

 

ج / 2 ص -356-        وخرج مما ذكرته في الترجمة إنشاء الشعر وإنشاده إذا خلا عما في الترجمة فلا بأس به، فقد كان له صلى الله عليه وسلم شعراء يصغي إليهم كحسان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مائة بيت رواه مسلم، واستنشد الشعر وأنشده خلائق من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال الأصمعي قرأت شعر الهذليين على محمد بن إدريس يعني الشافعي رضي الله عنه، وفي حفظ دواوين العرب أبلغ معونة على معرفة الكتاب والسنة. وروى البخاري:
"إن من الشعر لحكمة". وروى الشافعي رضي الله عنه مرسلا: الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح أي أن كونه شعرا غير مستقبح بل هو كالكلام. قال الرافعي وغيره: وحفظ ما تدعو الحاجة إليه من ذلك متأكد؛ لأن ما أعان على الطاعة طاعة، قال الشافعي: وفضله على الكلام أنه سائر أي بالراء خلافا لمن صحفه ومعناه أنه يثبت في الدواوين ويدرس بخلاف النثر.
قال الأذرعي: وما أحسن قول الماوردي: الشعر في كلام العرب مستحب ومباح ومحظور، فالمستحب ما حذر من الدنيا ورغب في الآخرة أو حث على مكارم الأخلاق، والمباح ما سلم من فحش أو كذب، والمحظور نوعان كذب وفحش وهما جرح في قائله، وأما منشده فإن حكاه اضطرارا لم يكن جرحا أو اختيارا كان جرحا ا هـ. وتبعه الروياني على ذلك، ولا شك أن ما حث على طاعة الله تعالى واتباع السنة واجتناب البدعة وحذر من معصية الله قربة، وكذا ما اشتمل على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن هجاء الشاعر حرام صدقا أو كذبا وترد شهادته به، وكذا لو فحش بذكر ما لا ينبغي أو صرح بقذف، وقد حمل الشافعي رضي الله عنه الحديث الوارد في ذم الشعراء على هذا وحمله الأكثرون على ما إذا غلب عليه الشعر واشتغل به عن القرآن والفقه، ولذلك ذكر الامتلاء وما فيه فخر فقليله مذموم ككثيره.
"الكبيرة الثانية والستون بعد الأربعمائة: إدمان صغيرة أو صغائر بحيث تغلب معاصيه طاعته".
وكون هذا كبيرة أي مثلها في سقوط العدالة هو ما صرحوا به. وعبارة الرافعي: قال الأصحاب يعتبر في العدالة اجتناب الكبائر، فمن ارتكب كبيرة فسق وردت شهادته، وأما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية لكن الشرط أن لا يصر عليها

 

ج / 2 ص -357-        فإن أصر كان الإصرار كارتكاب الكبيرة، وأما الإصرار السالب للعدالة أهو المداومة على نوع من الصغائر أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع أو أنواع مختلفة؟ منهم من يفهم كلامه الأول، ومنهم من يفهم كلامه الثاني ويوافقه قول الجمهور: إن من يغلب طاعته معاصيه كان عدلا ومن يغلب معاصيه طاعته كان مردود الشهادة، ولفظ الشافعي في المختصر قريب منه، وإذا قلنا به لم تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غلبت الطاعات وعلى الاحتمالات الأول تضر ا هـ. وتبعه في الروضة وقضية كلامهما ترجيح الثاني وهو كذلك وبه صرح ابن سراقة وغيره.
والحاصل؛ أن المعتمد وفاقا لكثيرين من المتأخرين كالأذرعي والبلقيني والزركشي وابن العماد وغيرهم أنه لا تضر المداومة على نوع من الصغائر ولا على أنواع سواء كان مقيما على الصغيرة أو الصغائر أو مكثرا من فعل ذلك حيث غلب الطاعات المعاصي وإلا ضر، وعلى هذا يحمل ما وقع للشيخين في موضعين آخرين من أن المداومة على الصغيرة تصيرها أي مثلها في رد الشهادة، لكن النوع إن انضم إليه كون طاعته لم تغلب معاصيه، ووقع للإسنوي تقرير لكلام الرافعي المذكور قد يخالف بعض ما قررته فلا تغتر به، فقد اعترضه ورده البلقيني وابن العماد وغيرهما ويؤيد ما قررناه قول الجمهور ومن غلبت طاعاته معاصيه كان عدلا. إذ ظاهره أن من غلبت معاصيه طاعاته ردت شهادته سواء كانت المعاصي من نوع أو أنواع، ومن ثم قال الأذرعي: المذهب وقول الجمهور وما تضمنته النصوص إن من كان الأغلب عليه الطاعة والمروءة قبلت شهادته أو المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته، فقول الشيخين عن بعضهم إن العضل ثلاثا كبيرة إنما يأتي على الضعيف أي أو يحمل كما مر ما إذا انضم إليه غلبة المعاصي. وعبارة العبادي: حد الفسق الذي يثبت فيه الجرح أن يرتكب كبيرة أو يغلب صغائره على طاعاته قال: وحد المروءة أن لا يأتي بما يستكرهه الناس من مثله مثل المطعم والملبس، وفيه دليل على أن الإنسان لو قتر على نفسه في الأكل أو ضيق عليها في الملبس ردت شهادته. ثم رأيت ابن العماد قال: ما نقله الإسنوي عن الرافعي من أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ليس كذلك، ولم يذكر الرافعي هذه العبارة، وإنما ذكر أن الشاهد يفسق والتفسيق ورد الشهادة لا يلزم أن يكونا عن كبيرة، فقد يكونان عن الإصرار على الصغائر، وعن صغيرة واحدة يعظم خطرها كقبلة أجنبية بحضرة الناس ا هـ.

 

ج / 2 ص -358-        وليس كما ذكر في التفسيق إذ لا يكون إلا على كبيرة بخلاف رد الشهادة، فإنه يكون عن خرم مروءة كما في القبلة التي ذكرها عند من لم يجعلها كبيرة. وأما تمثيله بالإصرار المذكور فهو المتنازع فيه فلا دليل فيه، ثم رأيت بعضهم قال عقب كلامه وما ذكره في هذا غير صحيح. قال البلقيني: والرجوع في الغلبة للعرف فإنه لا يمكن أن يراد مدة العمر فالمستقبل لا يدخل في ذلك وكذلك ما ذهب بالتوبة وغيرها، ولهذا قال الشافعي رضي الله عنه في المختصر: ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلا يمحض الطاعة والمروءة، فإذا كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قبلت شهادته، فإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة ردت شهادته. قال البلقيني: واتفق الأصحاب على أن المراد الصغائر فإن الكبيرة بمجردها تخرج عن العدالة، وإن كان الأغلب الطاعة فكان ينبغي أن يقال شرط العدالة اجتناب الكبائر وعدم غلبة الصغائر على الطاعة ا هـ.
وقضية قوله وعدم غلبة الصغائر على الطاعة أنهما لو استويا فلم يغلب أحدهما على الآخر بقيت العدالة، وهو محتمل ويحتمل سلبها كما لو اجتمع حلال وحرام يغلب الحرام لخبثه وكذا ينبغي هنا تغليب المعاصي لخبثها، وفسر القاضيان الماوردي والطبري الإصرار في قوله تعالى:
{وَلَمْ يُصِرُّوا} [آل عمرآن: 135] بأن لم يعزموا على أن لا يعودوا إليه، وقضيته حصول الإصرار بالعزم على العود بترك العزم على عدم العود ويوافقه قول ابن الصلاح: الإصرار التلبس بضد التوبة باستمرار العزم على المعاودة واستدامة الفعل، بحيث يدخل به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرة وليس لزمن ذلك وعدده حصر. وقال ابن عبد السلام: الإصرار أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، قال: وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر ا هـ، وإنما يحتاج لمعرفة ضابط الإصرار على الضعيف أن مطلق الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، أما على المعتمد السابق فالمدار على غلبة الطاعات والمعاصي ويؤخذ من ضبط البلقيني لها بالعرف أنه لا نظر إلى مضاعفة الطاعات وإنما يقابل إفراد الطاعات بإفراد المعاصي من غير نظر إلى المضاعفة وتردد بعضهم فيما لو استوت معاصيه وطاعاته، والذي يتجه سلب العدالة.

 

ج / 2 ص -359-        "الكبيرة الثالثة والستون بعد الأربعمائة: ترك التوبة من الكبيرة".
وكون هذا كبيرة ظاهر وإن لم أر من عده، ويصرح به ما سأذكره من الأحاديث ويشير إليه قوله تعالى:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] أشارت الآية إلى أن عدم التوبة خسار أي خسار، ولذلك كانت التوبة من الكبيرة واجبة عينا فورا بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال القاضي الباقلاني: وتجب التوبة من تأخير التوبة، وأما التوبة من الصغيرة فواجبة عينا فورا أيضا كما في الكبيرة، قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام أهل السنة والجماعة ولم يحك فيه خلافا إلا عن الجبائي المعتزلي، والمنقول عن أصحابنا وغيرهم ما قاله الأشعري بل حكى إمام الحرمين الإجماع عليه وكأنه لم يعتد بخلاف الجبائي على أنه حكى عنه في الجواهر أنه يقول بوجوبها من الصغائر إذا داوم.
وبما ذكرته من أن الإمام لم يعتد بخلافه لضعفه بل شذوذه اندفع قول الأذرعي في دعوى إجماع الأمة في الصغائر نظر، فإن المعتزلة قالوا إنها تقع مغفورة عند اجتناب الكبائر. واختلفوا في وجوب التوبة منها انتهى. وكون اجتناب الكبائر يكفرها لا يمنع الإجماع على وجوب التوبة منها؛ لأن الكفر لا يزيد على الستر، فإذا سترت كانت في رجاء أن يمحى أثرها وهذا أمر قد يقع وقد لا يقع إذ لا يجب على الله شيء فوجبت التوبة منها لتزول عن فاعلها وصمة المخالفة والتعدي الذي ارتكبه وبارز الله تعالى بعصيانه له، وبهذا الذي ذكرته مع الإجماع المذكور يندفع قول السبكي. أما الصغيرة فيحتمل أن يقال لأنها تكفر بالصلاة واجتناب الكبائر وبغير ذلك لا تجب التوبة منها عينا، بل إما هي أو مكفر آخر أو هي لا فورا حتى يمضي ما يكفرها أو هي فورا وهو ما قاله الأشعري ا هـ ملخصا: ولوضوح رده خالفه ولده التاج فقال: تجب التوبة عينا فورا من كل ذنب، نعم إن فرض عدم التوبة عن الصغيرة ثم جاء مكفر كفر الصغيرتين المعصية وتأخير التوبة منها.
وقال الإمام: التكفير الستر، فمعنى تكفير نحو الصلاة ستره عقوبة الذنب العظيم ثوابه فيغمره ويغلبه كثرة، أما إنه يسقطه أصلا فذلك إلى مشيئة الله تعالى. وقال أيضا بعد تقريره عدم القطع بقبول التوبة خلافا للخصوم:
فإن قيل: إذا لم تقطعوا بقبولها وأنها لا تزيل العقاب فعلام يحملون قول الله

 

ج / 2 ص -360-        تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] وقوله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس كفارات لما بينهن". وقوله: "الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وصوم يوم عرفة كفارة سنتين، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة. إن الله ليكفر عن المؤمن خطاياه كلها بحمى ليلة" وأمثال هذه الأخبار؟
قلنا: التوبة واجبة على حيالها فيجب أداؤها كسائر الواجبات، وهي في نفسها طاعة وعد الثواب عليها؛ وأما زوال العقاب فهو مفوض إلى الله تعالى فهو سبحانه خير مأمول وأكرم مسئول.
وقال المعتزلة: الصغائر تقع مغفورة عند اجتناب الكبائر وادعوا وجوب ذلك عقلا، ويلزمهم أن تلك القربات لا تكفر شيئا لأن مجرد اجتناب الكبائر مكفر، فما الحاجة لمقاساة تعب صوم نحو عرفة ولا شك أنها لا تكفر ما فيه حق للعباد بل لا بد من إرضائهم، وعلى أصولنا ليس في الذنوب ما يقع مكفرا عقلا، والشرع ورد بهذه الألفاظ المبهمة والعلم بتأويلها عند الله تعالى. قال أبو القاسم الأنصاري تلميذه وشارح إرشاده: يحتمل أن المكفر الصغائر التي نسيت وإن تعلقت بحق الغير لتعذر الاعتذار منها وقد لا يمكنه إظهارها، ومن ذلك التقصير في الطاعات إذ لا يجبره إلا الله ولا يكفره إلا استكثار النوافل مع الاستغفار، انتهى.
قال الزركشي: وما ذكره الإمام لحظ فيه مدلوله اللغوي فإن الكفر لا يزيد على الستر، لكنا نقول إذا سترت غفرت وإجماعهم على وجوب التوبة لا ينافي ذلك، وتفصيل الأنصاري غير مسلم بل كل الصغائر يمحوها اجتناب الكبائر، كما دلت عليه الأحاديث ولا دليل على التخصيص الذي ذكره، نعم ما فيها من حق الآدمي لا بد فيها من إسقاطه له إذا أمكن وهذا يعضده دليل موجب التخصيص. والحق وجوب التوبة عينا من كل ذنب، نعم إن فرض عدم التوبة عن الصغيرة ثم جاءت المكفرات كفرت الصغيرتين تلك الصغيرة وعدم التوبة منها انتهى. وقال ابن الصلاح في فتاويه قد يكفر نحو الصلاة بعض الكبائر إذا لم يجد صغيرة.
واعلم أنهم اختلفوا هل قبول التوبة قطعي أو ظني؟ والصحيح كما قاله النووي وغيره أن قبول توبة الكافر بإسلامه قطعي وقبول توبة غيره إذا وجدت شروطها ظني خلافا لجمع من متقدمي أصحابنا. قال الإمام: وإذا أسلم فليس إسلامه توبة من

 

ج / 2 ص -361-        كفره، وإنما توبته ندامة على كفره، ولا يتصور أن يؤمن ولا يندم على كفره، بل تجب مقارنة الإيمان للندم على الكفر، ثم وزر الكفر يسقط بالإيمان والندم على الكفر بالإجماع هذا مقطوع به وما سواه من ضروب التوبة فقبوله مظنون غير مقطوع به؛ وقد أجمعت الأمة على أن الكافر إذا أسلم وتاب عن كفره صحت توبته وإن استدام معاصي أخر. قال الزركشي: وهذا في الكفر فغيره لا يكفر إلا بتوبة عنه بخصوصه كما ذكره البيهقي في سنده الكبير، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بالأول ولا بالآخر وإن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". ولو كان الإسلام يكفر سائر المعاصي لم يؤاخذ بها إذا أسلم.
قال البيهقي في الشعب: قد جاءت أحاديث في أن الحدود كفارة وكأنه إذا تاب بدليل قوله صلى الله عليه وسلم للسارق حين قطعه:
"تب إلى الله" ويوافقه قول الشيخين في الروضة وأصلها: ويتعلق بالقتل المحرم سوى عذاب الآخرة مؤاخذات في الدنيا القصاص والدية والكفارة، فإن ظاهره بقاء العقوبة في الآخرة وإن استوفى منه القود أو بدله، لكن صرح النووي في شرح مسلم والفتاوى بأن الاستيفاء مسقط للإثم والمطالبة في الآخرة. وقال الزركشي وقضيته عدم الاحتياج لتوبة والأشبه التفصيل بين من سلم نفسه امتثالا لأمر الله تعالى فيكون ذلك توبة أو قهرا فلا انتهى، والذي يتجه في ذلك أنه إذا استوفى منه بريء من حق العبد وعليه يحمل كلام شرح مسلم والفتاوى كحديث البخاري: "فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة له". وبقي حق الله تعالى فإن تاب سقط أيضا وإلا فلا. وعليه يحمل كلام الروضة وأصلها كقوله صلى الله عليه وسلم لمن قطعه: "تب إلى الله" وبهذا وإن لم أر من ذكره تجتمع الأحاديث والأقوال المتعارضة في ذلك.
واعلم أيضا أن التوبة التي تمحو الإثم تنقسم إلى توبة عن ذنب لا يتعلق به حق آدمي، وإلى توبة عن ذنب يتعلق به حق آدمي.
فالضرب الأول: كوطء أجنبية فيما دون الفرج وشرب الخمر فشروط التوبة أو أركانها على الخلاف في ذلك، ويتجه أنه لا خلاف في الحقيقة إذ من أراد بالتوبة مدلولها اللغوي وهو الرجوع يجعل تلك شروطا، ومن أراد بها معناها الشرعي يجعل تلك أركانا ثلاثة قيل وعليه الأصوليون، والتوبة الندم فقط لخبر:
"الندم توبة". وأما

 

ج / 2 ص -362-        الإقلاع في الحال والعزم على عدم العود فثمرة الندم وليسا بشرطين لها لاستحالته بدونهما لما يأتي أنه لا بد أن يكون لله، وإذا كان كذلك يستلزم ذينك. وأجاب الأول بأنه إنما خص بالذكر في الحديث لأنه معظم أركانها، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة". وجمع التاج السبكي بين طريقتي الأصوليين والفقهاء حيث فسرها بالندم، ثم ذكر أن الندم لا يتحقق إلا ببقية الأمور التي اعتبرها الفقهاء ثلاثة بل خمسة بل أكثر على ما يأتي:
الأول: الندم على ما مضى، وإنما يعتد به إن كان على ما فاته من رعاية حق الله تعالى ووقوعه في الذنب حياء من الله تعالى وأسفا على عدم رعاية حقه؛ فلو ندم لحظ دنيوي كعار أو ضياع مال أو تعب بدن أو لكون مقتوله ولده لم يعتبر كما ذكره أصحابنا الأصوليون، وكلام أصحابنا الفقهاء ناطق بذلك، وإنما لم يصرحوا به لأن التوبة عبادة وهي لا تكون إلا لله فلا يعتد بها إن كانت لغرض آخر، وإن قيل من خصائص التوبة أنه لا سبيل للشيطان عليها لأنها باطنة فلا تحتاج إلى الإخلاص لتكون مقبولة ولا يدخلها العجب والرياء ولا مطمع للخصماء فيها. وذكر أبو نصر القشيري عن والده الإمام أبي القاسم أن من شرط التوبة أن يذكر ما مضى من الزلة ويندم عليه، فلو أسلف ذنبا ونسيه فتوبته من ذنوبه على الجملة وعزمه على ألا يعود إلى ذنب ما يكون توبة مما نسيه، وما دام ناسيا لا يكون مطالبا بالتوبة عما نسيه ولكنه يلقى الله وهو مطالب بتلك الزلة، وهذا كما لو كان للغير عليه دين فنسيه أو لم يقدر على الأداء فهو حالا غير مطالب مع النسيان أو الإعسار، ولكن يلقى الله وهو مطالبه، وهي من ذنب دون آخر صحيحة عندنا، ومن جملة الذنوب من غير ذكر تفاصيلها غير صحيحة، قال الزركشي: وهذا ظاهر؛ لأنها الندم وهو لا يتحقق إلا إذا تذكر ما فعله حتى يتصور ندمه عليه، وقال القاضي أبو بكر: إن لم يتذكر تفصيل الذنب فليقل إن كان لي ذنب لم أعلمه فإني تائب إلى الله تعالى، ولعله إنما قال هذا فيما إذا علم لنفسه ذنوبا لكنه لا يتذكرها، فأما إذا لم يعلم لنفسه ذنبا فالندم على ما لم يكن محال، وإن علم له ذنبا لكنه لم يتعين له في التذكر فيمكن أن يندم على ما ارتكب من المخالفة على الجملة ثم العزم على ألا يعود إلى المخالفة أصلا انتهى.
وحاصل عبارة القاضي: لو كان المصيب للذنب الواحد أو الذنوب عالما بها أو ذاكرا لها على التفصيل أو الجملة فيقول: إذا كان مني ذنب لم أعلمه فأنا تائب إلى

 

ج / 2 ص -363-        الله تعالى منه ويستغفر من عقابه ولا تجب عليه فيما لم يعلمه أو علمه ولا يعتقده ذنبا أو لم يخطر له ببال بل يستغفر الله في الجملة كما بينا، وإن كان ذاكرا للذنوب صحت التوبة من بعضها وإن علم بها على التفصيل لزمه التوبة عن آحادها على التفصيل ولا يكفيه توبة واحدة بخلاف التوبة عما لم يعلمه. وقال الشيخ عز الدين: يتذكر الذنوب السالفة ما أمكن تذكره وما تعذر فلا يلزمه ما لا يقر عليه.
الثاني: العزم على ألا يعود في المستقبل إليه أو إلى مثله، وهذا إنما يتصور اشتراطه فيمن يتمكن من مثل ما قدمه، أما من جب بعد الزنا أو قطع لسانه بعد نحو القذف فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادت إليه قدرته على الذنب، وبهذا علم أن توبة العاجز عن العود صحيحة ولم يخالف فيها إلا ابن الجبائي قال: لأنه ملجأ إلى الترك وردوا عليه بما تقرر في نحو المجبوب، ولا ينافي ذلك ما في شرح إرشاد الإمام من أنه إنما يصح العزم من متمكن من مثل ما قدمه فلا يصح من المجبوب العزم على ترك الزنا مثلا، وإنما يعزم على تركه لو عادت إليه آلته. ونقل القشيري عن الأستاذ أبي إسحاق، أنه تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على مثله حتى تصح من الزنا بامرأة مع المقام على الزنا بامرأة أخرى في مثل حالها، ولو زنى بامرأة مرتين صحت من مرة فقط، قال: والأصحاب يأبون هذا ويقولون شرط صحة التوبة العزم على أن لا يعود إلى مثله وذلك محال مع الإصرار على مثله انتهى، وقال الحليمي: تصح من كبيرة دون أخرى من غير جنسها وقضيته عدم صحتها إذا كانت من جنسها، وبه صرح الأستاذ أبو بكر وخالفه الأستاذ أبو إسحاق كما تقرر، وقال شارح إرشاد الإمام: قال القاضي: لا خلاف بين سلف الأمة في صحة التوبة من بعض القبائح مع المقام على قبائح أخر، وقال الإمام: التوبة لها ارتباط بالدواعي لا تصح بدونها، ثم الدواعي تختلف: منها حقوق العباد بكثرة الزواجر فلا تصح من ذنب مع الإصرار على مثله عند استواء الدواعي إليهما، ولو اختلفا جنسا كقتل وشرب واستوت الدواعي فيهما فهما مثلان لا تصح التوبة من أحدهما مع الإصرار على الآخر لاستوائهما فيما لأجله ندم عليه مثل أن يكون الداعي إلى التوبة كونه مخالفة ومعصية لله تعالى، وإن دعاه إلى التوبة منه عظم العقوبة عليه ولم يعتقده في الآخر صح تبعيض الندم، قال أعني الإمام: والعارف الذاكر لله تعالى بما توعد به تعالى على الذنب من العقاب لا يهجم على الذنب إلا بتأويل، ولا يصح منه القصد إلى الذنب

 

ج / 2 ص -364-        مع العلم باطلاع الله تعالى عليه فإن تداخله فقد تغلبه شهوته ويقع على بصيرته شبه سل وظلمة وغشاوة ويرتكب الذنب، فإن زالت غفلته وفترت شهوته فإنه يتوب إلى الله تعالى من جميع الذنوب ولا يتصور منه -والحالة هذه- التبعيض في الندم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] قال: وإذا كان إيمانه اعتقاديا فيتصور منه التبعيض عند غلبة الشهوة، ومن صار من الخوارج إلى أن كل ذنب كفر فلعلهم لاحظوا ما ذكرناه غير أنهم لم يحيطوا به حق الإحاطة انتهى، قال الأذرعي: والمشهور من مذهب أهل السنة صحتها من بعض الذنوب مع الإصرار على بعضها، وما ذكره الإمام فمن تصرفه وتوسطه.
الثالث: الإقلاع عن الذنب في الحال بأن يتركه إن كان متلبسا به أو مصرا على المعاودة إليه، وعد هذا شرطا هو ما نقله الرافعي عن الأصحاب، لكنه لما لم يقيده بما ذكرناه اعترض بأن الجمهور لم يتعرضوا لهذا الشرط. والجواب: أن من أهمله نظر إلى غير المتلبس والمصر إذ لا يتصور منه إقلاع، ومن ذكره نظر إلى المتلبس والمصر فلا بد من إقلاعهما قطعا. إذ يستحيل حصول الندم الحقيقي على شيء هو ملازم له في الحال أو مع العزم على معاودته. إذ من لازم الندم الحزن على ما فرط من الزلة ولا يوجد ذلك إلا بتركها مع العزم على عدم معاودتها ما بقي.
الرابع: الاستغفار لفظا على ما قال به جمع؛ ففي المطلب أن كلام الوسيط قد يفهم أنه لا بد من قول الفاسق تبت، قال: ولم أره لغيره، نعم قال القاضي حسين وغيره: إنه يستغفر الله بلسانه ظاهرا وباطنا عند ظهور الذنب ا هـ. وفي تصحيح المنهاج للبلقيني: قضية كلام المنهاج أنه لا يعتبر في معصية غير قولية كالقذف قول وليس كذلك بل يعتبر فيها الاستغفار، وجزم به القضاة أبو الطيب والحسين والماوردي وغيرهم.
قال أعني البلقيني: والذي يظهر -والله أعلم- من الكتاب والسنة أن الذنب المذكور وإن كان ذنبا باطنا لا بد أن يظهر قولا يظهر منه ندمه على ذنب بأن يقول أستغفر الله من ذنبي أو رب اغفر لي خطيئتي أو تبت إلى الله من ذنبي ثم بسط ذلك، وفيه نظر فقد ذكر ابن الرفعة ما يدل على أن الذين عبروا بالاستغفار إنما أرادوا به الندم لا التلفظ حيث قال: اعلم أن التوبة في الباطن التي تعقبها التوبة في الظاهر المرتب عليها غفران الذنب وغيره تحصل كما قال الأصحاب

 

ج / 2 ص -365-        حيث لا يتعلق بالمعصية حد لله تعالى ولا مال ولا حق للعباد، كتقبيل أجنبية واستمناء ونحو ذلك بأمرين الندم على ما كان والعزم على أن لا يعود إليه، وقد يعبر عن ذلك بعبارة أخرى فيقال أن يستغفر الله على ما مضى ويترك الإصرار في المستقبل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً} [آل عمران: 135] الآية كذلك قاله البندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والبغوي والمحاملي وسليم الرازي وغيرهم انتهى، فتأمل قوله وقد يعبر عن ذلك إلخ تجده صريحا فيما ذكرته أن مؤدى العبارتين واحد، وأن من ذكر الاستغفار لم يرد به لفظه وإنما أراد به الندم الذي عبر به غيره فلا خلاف، ولا قائل من هؤلاء الأئمة حينئذ باشتراط التلفظ بالاستغفار.
الخامس: وقوع التوبة في وقتها وهو ما قبل الغرغرة والمعاينة كما ذكروه.
السادس: ألا يكون عن اضطرار بظهور الآيات كطلوع الشمس من مغربها وذكر بعضهم أن الشمس إذا طلعت من مغربها وهو مجنون ثم أفاق وتاب صحت توبته لعذره السابق وهو غريب.
السابع: أن يفارق مكان المعصية على ما ذكره الزمخشري وهو شاذ، وجعل صاحب التنبيه ذلك مستحبا حيث قال: يسن للحاج أن يفارق حليلته في المكان الذي جامعها فيه: أي لأن النفس قد تتذكر المعصية فتقع فيها في ذلك المكان كما حكي في زمننا عمن جاء بحليلته من مكان بعيد من أقصى المغرب فلما وصلا مزدلفة جامعها فجاور للعام الآتي ليحج قضاء فجامعها بذلك المحل فجاور للعام الثالث لذلك فجامعها وكذلك، فلما ضجر فارقها في الحجة الرابعة حتى سلم لهما حجهما.
الثامن: تجديد التوبة عن المعصية كلما ذكرها بعد التوبة فيما زعمه القاضي أبو بكر الباقلاني، قال: فإن لم يجددها فقد عصى معصية جديدة تجب التوبة منها، والتوبة الأولى صحيحة إذ العبادة الماضية لا ينقضها شيء بعد تصرفها، وقال إمام الحرمين: لا يجب ذلك لكنه يستحب، قال الأذرعي في توسطه: ويشبه أن يقال إن كان حين تذكره للذنب تنفر نفسه فما اختاره الإمام ظاهر وإن كانت لا تنفر منه وتلتذ بذكره فذلك معصية جديدة تجب التوبة منها، فالتوبة الصادقة تقتضي تذكر صاحبها زلله أسفا وحياء من الله تعالى مما سلف منه، ومن تتبع الآثار والأخبار وجد

 

ج / 2 ص -366-        لذلك شواهد كثيرة انتهى، وكأنه أخذ ذلك من قول الإمام لا يبعد أن يندم عليها وتصح توبته ثم إذا ذكرها أضرب عنها فلم يفرح بها، ولا خلاف أنه لا يلزمه استدامة الندم واستصحاب ذكره جهده، وقال في موضع آخر: عليه أن لا يصر فأما أن يقال عليه توبة مقصودة فلا. وفي الشامل: أن الوجوب ليس بشيء لأن الذين أسلموا كانوا يذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية ولم يلزموا بتجديد الإسلام ولا أمروا به انتهى، ثم الخلاف إنما هو الوجوب أما الندب فلا خلاف فيه.
وفي صحيح البخاري:
"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب يطير على أنفه فقال به هكذا" قال الإمام: ولعل القاضي بنى ما مر عنه على أن التوبة لا تزيل عقاب الذنب قطعا وأن ذلك مرجو ومظنون غير مقطوع به، فإذا كان كذلك فمهما ذكره وهو غير قاطع بقبول توبته وزوال العقاب عنه فيندم عليه لا محالة ثانيا لا سيما ولا يعلم عاقبة أمره انتهى.
التاسع: أن لا يعود للذنب على ما زعمه الباقلاني أيضا حيث قال: لو نقض التائب توبته جاز أن تعود عليه ذنوبه لأنه ما وفى بها لكنه أقل إثما ممن تركها دائما، قال الأذرعي: وعلى هذا من شروط التوبة ألا يعود إلى الذنب فإن عاد إليه كان نقضا للأولى، وتظهر فائدة ذلك في الفاسق إذا تاب وعقد به النكاح ثم عاد إلى الفسق فعلى قول القاضي: يتبين عدم صحة النكاح بتبيين الفسق حال العقد.
العاشر: أن يمكن من إقامة حد ثبت عليه عند الحكم فتتوقف التوبة منه على التمكين من استيفائه، فلو مكن فلم يحده الإمام ولا نائبه أثما دونه، وظاهر كلام ابن الصباغ أن الاشتهار بين الناس كالثبوت عند الحاكم حيث قال: لو اشتهر بين الناس أنه ارتكب ما يوجب الحد ولم يثبت عند الحاكم اشترط صحة توبته منه التمكين من إقامة الحد عليه إن لم يطل عهده به، وإلا ففيه الخلاف في سقوطه بطول العهد، فإن لم يثبت ولا اشتهر قال القاضي أبو الطيب: فالأفضل له أن يستر على نفسه، وقال القاضي حسين: يكره تنزيها إظهاره. قال البندنيجي: إلا أن يتقادم عهده به، ونقول الحد يسقط بتقادم العهد فلا يحل له التمكين من استيفائه لسقوطه. قال الأذرعي: ويحتمل أن يقال إنه لم يقم به بينة ولا ظهر عليه ولو أظهره لترتب على إظهاره مفاسد كثيرة من بطلان ولايته على وقف وأيتام وغيرهما، ويستولي بسبب ذلك

 

ج / 2 ص -367-        عليها الظلمة والخونة ولو ستر نفسه لحفظت به أنه لا يجوز له حينئذ إظهاره درءا لهذه المفاسد ونحوها فتأمله انتهى.
الحادي عشر: التدارك فيما إذا كانت المعصية بترك عبادة ففي ترك نحو الصلاة والصوم تتوقف صحة توبته على قضائها لوجوبها عليه فورا وفسقه بتركه كما مر فإن لم يعرف مقدار ما عليه من الصلوات مثلا قال الغزالي: تحرى وقضى ما تحقق أنه تركه من حين بلوغه. وفي ترك نحو الزكاة والكفارة والنذر مع الإمكان لتوقف صحة توبته على إيصاله إلى مستحقه. قال الواسطي: وكانت التوبة في بني إسرائيل بقتل النفس كما قال تعالى:
{فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54] قال: فكانت توبتهم إفناء نفوسهم، وتوبة هذه الأمة أشد وهي إفناء نفوسهم عن مرادها مع بقاء رسوم الهياكل، وفسره بعضهم بمن أراد كسر لوزة أو لؤلؤة في قارورة وذلك مع عسره يسير على من يسره الله عليه انتهى.
الضرب الثاني: ما يتعلق به حق آدمي فالتوبة منه يشترط فيها جميع ما مر، ويزيد هذا بأنه لا بد من إسقاط حق الآدمي، فإن كان مالا رده إن بقي وإلا فبدله لمالكه أو نائبه أو لوارثه بعد موته ما لم يبرئه منه ولا يلزمه إعلامه به، فإن لم يكن وارث أو انقطع خبره دفعه إلى الإمام ليجعله في بيت المال أو إلى الحاكم المأذون له التصرف في مال المصالح، فإن تعذر قال العبادي والغزالي: تصدق عنه بنية العزم، وألحق الرافعي في الفرائض واعتمده الإسنوي وغيره بالصدقة سائر وجوه المصالح، فإن لم يكن هناك قاض بشرطه صرفه الأمين بنفسه في مال المصالح، وإن كان هناك قاض بشرطه غير مأذون له في التصرف في مال المصالح ففيه أوجه: يدفعه إليه يصرفه بنفسه إن كان أمينا في مال المصالح، وإلا دفعه للقاضي يوقف إلى ظهور بيت المال، أو ما يقوم مقامه بشرطه. قال النووي: الثالث ضعيف والأولان حسنان وأصحهما الأول؛ ولو قيل يتخير بينهما لكان حسنا. قال: بل هو عندي أرجح انتهى.
قيل: وقد يقال إذا لم يكن للقاضي الأهل الأمين صرف ذلك في المصالح إذا لم يكن مأذونا له فكيف يكون ذلك لغيره من الآحاد فتأمله انتهى، وبتأمله مع ما قبله فعلم فساده. ومن أخذ حراما من سلطان لا يعرف مالكه، فعن قوم يرده إليه ولا

 

ج / 2 ص -368-        يتصدق به وهو اختيار المحاسبي، وعن آخرين يتصدق به: أي عن مالكه إذا علم أن السلطان لا يرده إليه، وقال النووي: المختار أنه إن علم أو ظن ظنا مؤكدا أنه يصرفه في باطل لزمه صرفه في المصالح كالقناطر، فإن شق عليه لنحو خوف تصدق به على الأحوج فالأحوج وأهم المحتاجين ضعفاء الجثة، وإن لم يظن أنه يصرفه في باطل فليدفعه أو لنائبه حيث لا ضرر وإلا صرفه في المصالح وعلى نفسه إن احتاج. قال الغزالي: وحيث جاز صرفه للفقراء فليوسع عليهم أو لنفسه ضيق عليها ما أمكنه أو لعياله يوسط بين السعة والضيق ولا يطعم غنيا منه إلا إن لم يجد غيره لكونه في نحو برية، ولو عرف من حال فقير أنه لو عرفه تورع عنه أخره إلى أن يجوع وأخبره بالحال ولا يكتفي بكونه لا يدري الحال، وليس له كراء مركوب ولا شراؤه وإن كان مسافرا انتهى. فإن أعسر به قال الماوردي: انتظرت ميسرته وصحت توبته. وفي الجواهر: لو مات المستحق واستحقه وارث بعد وارث ففيمن يستحقه في الآخرة أربعة أوجه:
الأول: آخر الورثة الكل فيثبت الآخر لكل وارث مدة عمره ونقله الرافعي عن العبادي في الرقم، ورابعها إن طالبه صاحبه به فجحده وحلف فهو له وإلا انتقل إلى ورثته، وادعى القاضي أنه لا خلاف أنه لو حلف عليه يكون للأول انتهى. والذي رجحه في الروضة هو الأول حيث قال أرجحها، وبه أفتى الحناطي أنه صاحب الحق أولا انتهى. وقال القاضي حسين: إنه الصحيح، وحكى وجها آخر أنه يكون للكل. قال الإسنوي، وترجيح الروضة ليس في الرافعي وإنما حكاه عن الحناطي فقط، وعبارته عنه يرثه الله تعالى بعد موت الكل ويرده إليه في القيامة، ولفظ الروضة لا يعطي هذه الكيفية انتهى: أي ولا ينافيها فيحمل عليها. وقال النسائي: لو استحق الوفاء وارث بعد وارث فإن كان المستحق ادعاه وحلف قال في الكفاية: فالطلب في الآخرة لصاحب الحق بلا خلاف أو لم يحلف فوجوه في الكفاية أصحها ما نسبه الرافعي للحناطي كذلك والثاني للكل والثالث للأخير ولمن فوقه ثواب المنع. قال الرافعي: وإذا دفع لآخر الورثة خرج عن مظلمة الكل إلا فيما سوف وماطل انتهى، وهو من بقية كلام الحناطي خلافا لما توهمه عبارة الرافعي: ولا خلاف أن الوارث لو أبرأ واستوفى سقط الحق، ثم إن كان عصى بالمماطلة تاب عنها، ولو أعسر من عليه الحق نوى الغرم إذا قدر. قال القاضي: ويستغفر الله أيضا فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة، قال في الخادم: وما قاله

 

ج / 2 ص -369-        تفقها لا خلاف فيه كما جزم به الأنصاري شارح إرشاد الإمام حيث قال: لو حال بينه وبين تسليم النفس أو المال مانع كحبس ظالم له وحدوث أمر يصده عن التمكين سقط ذلك عنه وإنما يلزمه العزم على التسليم إن أمكنه قال: وهذا مما لا خلاف فيه انتهى، وخالف في ذلك النووي فقال: ظواهر السنة الصحيحة تقتضي ثبوت المطالبة بالظلامة إذا كان معسرا عاجزا إن عصى بالتزامه انتهى. قال الزركشي: وفيه نظر، وفي الروضة: لو استدان لحاجة مباحة من غير سرف وهو يرجو الوفاء من جهة أو سبب ظاهر واستمر به العجز إلى الموت أو أتلف شيئا خطأ وعجز عن غرامته حتى مات، فالظاهر أن هذا لا يطالب في الآخرة والمرجو من فضل الله تعالى أن يعوض صاحب الحق، وقد أشار إليه الإمام انتهى. وذكر السبكي ما يوافقه، ونقل الزركشي عن الإحياء ما يوافقه أيضا، وعبارته من كان غرضه الرفق وطلب الثواب فله أن يستقرض على حسن الظن بالله تعالى لا اعتمادا على السلاطين والظلمة، فإن رزقه الله من حلال قضاه وإن مات قبل القضاء قضى الله عنه وأرضى غرماءه، ويشترط أن يكون مكشوف الحال عند من يقرضه ولا يغش المقرض ويخدعه بالمواعيد، وأن يكشف عنده ليقدم على إقراضه عن بصيرة، ودين مثل هذا واجب أن يقضى من بيت المال والزكاة انتهى.
وأفهم قول النووي: ولا سرف أن السرف حرام واعتمده الإسنوي وقال تفطن له، قال غيره وهو واضح، ويدل على تحريمه قوله تعالى:
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] وقوله تعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [الإسراء: 26 – 27] والتبذير والسرف واحد انتهى. وقد ينافيه قولهم إن صرف المال في الأطعمة والثياب والمراكب النفيسة غير سرف، ويجمع بأن هذا فيما إذا كان يصرف من ماله والأول فيما إذا كان يصرف من اقتراض وليس له جهة ظاهرة يوفي منها.
والأصل في توقف التوبة على الخروج من حق الآدمي عند الإمكان قوله صلى الله عليه وسلم:
"من كان لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم فإن كان له عمل يؤخذ منه بقدر مظلمته وإلا أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه" كذا أورده الزركشي عن مسلم. والذي في صحيحه كما مر: "أتدرون من المفلس" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: "إن المفلس من أمتي من

 

ج / 2 ص -370-        يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" رواه الترمذي.
ورواه البخاري بلفظ:
"من كانت عنده مظلمة لأخيه فليتحلله منها فإنه ليس هناك دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم يكن حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه".
ورواه الترمذي بمعناه وقال في أوله:
"رحم الله عبدا كانت لأخيه مظلمة في عرض أو مال فجاءه فاستحله". وكأن ابن عبد السلام أخذ من هذه الأحاديث قوله: من مات وعليه دين تعدى بسببه أو بمظلمة أخذ من حسناته بمقدار ما ظلم به فإن فنيت حسناته طرح عليه من سيئات المظلوم ثم ألقي في النار، وإن كان لم يتعد بسببه ولا بمظلمة أحد أخذ من حسناته في الآخرة كما يؤخذ من أمواله في الدنيا حتى لا يبقى له شيء فإن فقدت لم يطرح عليه من سيئات المستحق لأنه غير عاص.
فإن قيل: فما حكم من يفضل عليه شيء من الدين بعد فناء حسناته؟
قلت الأمر فيه إلى الله تعالى إن شاء عوض رب الدين من عنده وإن شاء لم يعوضه، وهذا موقوف على صحة الخبر فيه ولا يؤخذ من ثواب إيمانه الواجب كما لا تؤخذ في الدنيا ثياب بدنه، وفي ثواب الإيمان المندوب نظر انتهى.
قال في الخادم: والتحقيق في هذا ما صار إليه الرافعي والنووي وهو المناسب لأحكام الحليم الكريم أن يكون في هذه الديون على نسبة أحكام الدنيا، فإذا حكم الشرع في الدين بسبب مباح إذا عجز أن يؤدي عنه جميع دينه من سهم الغارمين المحصل في بيت المال على يد حاكم الشرع فلم يرجو المدين العاجز عن الأداء إلى حين موته من غير عصيان أن الله يقضي عنه بإرضاء غرمائه من خزائن أفضاله كما أمر خلفاءه أن يقضوا عنه من بيوت أموالهم؟ قال: ثم ما جزموا به من انقطاع الطلب عنه في الدنيا ليس على وجهه، فإنه إذا كان له في بيت المال ما يفي بما عليه وجب أداؤه منه، وهذا من دقيق الفروع الذي ينبغي أن يتنبه له الأئمة العادلون والقضاة الذين تحت أيديهم الزكوات وفيها سهم الغارمين، وقد نبه على هذا ابن عبد البر في الاستذكار فإنه لما ذكر أحاديث تعظيم الدين وأنه لا يغفر للشهيد قال: وهذا منه صلى الله عليه وسلم

 

ج / 2 ص -371-        كان قبل أن يفتح الله عليه الفتوحات، وأما بعد فقال صلى الله عليه وسلم: "من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو عيالا فعلي" فكل من مات وقد ادان في مباح وعجز عن أدائه أدى عنه الإمام من سهم الغارمين أو من الزكاة أو الفيء، وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "فعلي" أنه لا فرق بين من ترك مالا ومن لم يتركه، والمعنى فيه أن الميت المسلم كان قد وجبت له حقوق في بيت المال من الفيء وغيره لم يصل إليها، فلزم الإمام أن يؤدي منها دينه ويخلص ماله لورثته، فإن لم يفعل الغريم ولا السلطان وقع القصاص بينهم في الآخرة ولم يحبس عن الجنة بدين له مثله على غيره من بيت المال أو غريم جحده، ومحال أن يحبس عن الجنة من له مال يفي بما عليه عند سلطان أو غيره انتهى.
قال الزركشي: وهو حسن فيمن له في بيت المال مثل الذي عليه وليس كل أحد كذلك، وقد سبق في الخصائص أن قضاء دين الميت المعسر كان واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم وهل على الأئمة بعده قضاؤه من مال المصالح؟ وجهان. وإن كان قودا أو حد قذف اشترط مع الإتيان بجميع ما مر أيضا أن يمكن المستحق من استيفائه بأن يعلمه إن جهل القاتل ويقول له إن شئت فاقتص وإن شئت فاعف، فإن امتنع من كل منهما صحت التوبة: ولو تعذر وصوله للمستحق نوى التمكين إذا قدر ويستغفر الله. وقال الإمام وتبعه ابن عبد السلام وسكت عليه في الروضة: تصح توبته وإن لم يسلم نفسه لكن بالنسبة لحق الله تعالى ومنعه التمكين معصية جديدة تقتضي توبة أخرى، واعترضه البلقيني بأنه يلزم الإمام مثل ذلك في الأموال ولا قائل به، وفرق في الخادم بأن المال الذي حصلت المعصية بأخذه ممكن رده أو رد بدله والنفس التي فاتت بالقتل لا يمكن ردها ولا رد بدلها في الدنيا، فجوزنا التوبة والتغييب عند رجاء العفو صيانة للأنفس عن القتل. ونقل الإمام عن الباقلاني أنه يجوز للقاتل أن يختفي أياما حتى يسكن غضب ولي الدم مع العزم على التسليم وأكثرها ثلاثة أيام، وادعاء كثيرين إحالة وجود الندم مع الامتناع من التمكين ممنوع: ويجب الإخبار والتمكين في حد القذف أيضا، قال الغزالي: ولو أتى بكناية قذف مريدا له لزمه إخباره به لوجوب الحد عليه باطنا، ويحتمل ألا يجب فيه لأن فيه إيذاء فيبعد إيجابه وستره أولى، ويؤيد قول العبادي والبغوي وغيرهما يخبره عن القذف الصريح خفية كما في حق القصاص، والثاني ما في التوسط للأذرعي وهو قوله: مر ببالي تفصيل في وجوب إعلام المقذوف وهو أن القاذف إن أمن على نفسه وغيرها لو أخبره لزمه إخباره لا

 

ج / 2 ص -372-        محالة، وإن لم يأمن كأن ظن أنه يتجاوز إلى نحو تعذيبه لم يلزمه إعلامه بل يلجأ إلى الله تعالى في إرضائه عنه إن كذب في قذفه. نعم يلزمه بعد موته إعلام وارثه إن أمن منه مع التضرع إلى الله تعالى في إرضائه المقذوف الميت عنه في الآخرة ويستغفر له كما يأتي في الغيبة، قال الأذرعي: ويشبه أن يأتي مثل هذا التفصيل في قود النفس أو الطرف فلا يجب إعلام إلا حيث لم يغلب على الظن ظلمه بنحو أخذ مال أو تعذيب زائد على مثل جنايته، ولو بلغت الغيبة المغتاب أو قلنا إنها كالقود، والقذف لا يتوقف على بلوغ. فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه، فإن تعذر لموته أو تعذر لغيبته الشاسعة استغفر الله تعالى، والاعتبار بتحليل الورثة ذكره الحناطي وغيره وأقرهم في الروضة قال فيها: وإفتاء الحناطي بأن الغيبة إذا لم تبلغ المغتاب كفاه الندم والاستغفار، وجزم به ابن الصباغ حيث قال: إنما يحتاج لاستحلال المغتاب إذا علم لما داخله من الضرر والغم بخلاف ما إذا لم يعلم فلا فائدة في إعلامه لتأذيه فليتب فإذا تاب أغناه عن ذلك. نعم إن كان انتقصه عند قوم رجع إليهم وأعلمهم أن ذلك لم يكن حقيقة انتهى. وتبعهما كثيرون منهم النووي واختاره ابن الصلاح في فتاويه وغيره، قال الزركشي: وهو المختار وحكاه ابن عبد البر عن ابن المبارك وأنه ناظر سفيان فيه وقال له لما أنكر عليه لا تؤذه مرتين. وحديث: "كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته تقول اللهم اغفر لنا وله" فيه ضعيف كما قاله البيهقي، وقال ابن الصلاح: هو وإن لم يعرف له إسناد معناه ثابت بالكتاب والسنة قال تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]. وقال صلى الله عليه وسلم: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها". وحديث حذيفة لما اشتكى إليه ذرب اللسان على أهله: "أين أنت من الاستغفار" انتهى. واعترض بأنه صح ما يعارضه وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة في تلك المرأة: "قد اغتبتيها قومي فتحلليها"، وقوله: "من كانت له عند أخيه مظلمة فليستحله اليوم" وبأنه لو أجزأ الاستغفار هنا لأجزأ في أخذ المال.
وقد يجاب بمنع المعارضة بأن يحمل هذا على أنه أمر بالأفضل أو بما يمحو أثر الذنب بالكلية على الفور، بخلاف الأول فإنه ليس كذلك، وبوضوح الفرق بين الغيبة وأخذ المال. ومن ثم وجهوا القول بأنها صغيرة مع عظيم ما ورد فيها من الوعيد بأن عموم ابتلاء الناس بها اقتضى المسامحة بكونها صغيرة لئلا يلزم تفسيق الناس كلهم إلا الفذ النادر منهم، وهذا حرج عظيم فلأجله خفف فيها بذلك فلم تكن

 

ج / 2 ص -373-        كالأموال حتى تقاس بها فيما ذكره المعترض، وإنما يجب إعلام ذي الحق المكلف فغيره يبقى حقه وإن سامح.
ونقل ابن القشيري عن القاضي: أنه لو أظهر الاعتذار بلسانه حتى طاب قلب خصمه كفاه، عن هاشم أنه لو أظهر بلسانه دون باطنه لم يكفه ثم قال: والحق أنه لو لم يخلص فيه كان ذنبا فيما بينه وبين الله تعالى، والأظهر بقاء مطالبة خصمه له في الآخرة لأنه لو علم عدم إخلاصه في اعتذاره لتأذى به، وما ذكره صرح به الإمام فقال عليه أن يخلص في الاعتذار إذ هو قول النفس عند أصحابنا، والعبارة ترجمة عنها، فإن لم يخلص فهو ذنب فيما بينه وبين الله تعالى، ويحتمل أن يبقى لخصمه عليه مطالبة في الآخرة لأنه لو علم أنه غير مخلص لما رضي به انتهى، وهذا كله في غيبة اللسان فغيبة القلب لا يجب الإخبار بها على قياس ما صححه النووي في الحسد ونظر فيه الأذرعي، ونقل القاضي عن بعض القدرية أنه إنما يجب الاعتذار إلى المقذوف مثلا إن ظن أنه علم ليزيل غمه وإلا فلا. لأن القصد بالاعتذار إزالة الغم وهذا يجدده، قال القاضي: وهذا باطل لأن علة وجوب الاعتذار من الذنب كونه إساءة لا كونه موجبا لغمه إذ لو سرق درهما من مال سلطان وأعلم أنه لا يغمه لزمه الاعتذار إليه لكونه إساءة، كما يلزمه لو أخذه من فقير يعظم أسفه بفقده؛ نعم لا يبعد أن يجب هنا من الاعتذار أشد مما وجب منه ثم وكذا لو سرق مالا ثم رده لمحله ولم يشعر مالكه فيلزمه الاعتذار إليه لكونه إساءة إليه وظلما له، ولو كان كما ادعاه هذا القائل لسقط وجوب الاعتذار إليه من الإساءة العظيمة في الأهل والمال إذا علم أن المساء إليه يغتم بذلك انتهى ملخصا. وما ذكره في السرقة خالفه فيه غيره، فقال: من سرق مالا ورده لا يلزمه أن يخبر بأنه أخذه سرقة بل الأولى أن يستر نفسه، ومر عن الحناطي وغيره أنه لا اعتبار بتحليل الورثة ووافقهم القاضي حسين في تعليقه وألحق به كل ما ليس فيه حد، فإن كان فيه حد كالقذف اعتبر تحليله، وفي الروضة حكاية وجهين في أنه هل يكفي الاستحلال من الغيبة المجهولة، والذي رجحه في الأذكار أنه لا بد من معرفتها؛ لأن الإنسان قد يسمح عن غيبة دون غيبة، وكلام الحليمي وغيره يقتضي الجزم بالصحة؛ لأن من سمح بالعفو من غير كشف فقد وطن نفسه عليه مهما كانت الغيبة يوافقه قول النووي في الروضة أيضا.
وأما الحديث:
"أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته

 

ج / 2 ص -374-        قال إني تصدقت بعرضي على الناس"، فمعناه لا أطلب مظلمتي لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهذا ينفع في إسقاط مظلمة كانت موجودة قبل الإبراء، فأما ما يحدث بعده فلا بد من إبراء جديد بعدها انتهى. ففي عبارتها هذه تصريح بالسقوط مع الجهل بالمبرأ منه الواقع من قبل فيوافق قضية كلام الحليمي. وقال في الإحياء: يستحل ممن تعرض له بلسانه أو أذى قلبه بفعل من أفعاله فإن غاب أو مات فقد فات أمره ولا يدرك إلا بكثرة الحسنات لتؤخذ عوضا في القيامة. ويجب أن يفصل له إلا أن يكون التفصيل مضرا له كذكره عيوبا يخفيها فإنه يستحل منه مبهما، ثم تبقى له مظلمة فليجبرها بالحسنات كما يجبرها مظلمة الميت أو الغائب انتهى. وأوجب العبادي في الحسد الإخبار كالغيبة واستبعده الرافعي، وصوب النووي أنه لا يجب بل ولا يستحب، قال: ولو قيل يكره لم يبعد، قال الأذرعي: وهو كما قال، ونص الشافعي رضي الله عنه: يفهمه ويشبه حرمته إذا غلب على ظنه أنه لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر، وكذا لو شك فإن النفس الزكية نادرة، وإن غلب على ظنه أنه لو أخبره حلله من غير ضرر يتولد منه لزمه إخباره ليخرج من ظلامته بيقين انتهى ملخصا. قال الزركشي بعد إيراده كلام شيخه الأذرعي بصيغة قيل.
فإن قيل: تضافرت الأحاديث على ذم الحسد وهو من أعمال القلوب فتجب التوبة منه ولا طريق للتوبة إلا ذلك فيقوى ما قاله العبادي.
قلت: لكن ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم:
"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به" يقتضي أنه مرفوع واختاره المحب الطبري فقال: الذي نعتقده من سعة رحمة الله عدم المؤاخذة بحديث النفس بكل حال سواء الهم وغيره ما لم يقل أو يفعل عملا بالأحاديث الصحيحة في ذلك، وتحمل أحاديث المؤاخذة على ما إذا اقترن به عمل جارحة ولا يخرج من ذلك إلا الكفر فإنه من أعمال القلوب إجماعا. وأما أحاديث الحسد فصحيحة وكل عمل سيء فهو مذموم باطنا كان أو ظاهرا. وأما المؤاخذة عليه فلا نعلم حديثا صحيحا تضمنه ولو صح فيه حديث تضمنه حملناه على حد اقترن بقول أو فعل جمعا بين الأحاديث، وما مر عن العبادي بعيد كما قال الرافعي وهو كمن هم بسيئة ولم يعملها لا سيما إذا غلبته نفسه بجبلتها وهو كاره لما تهواه غير راض عنها في ذلك كاف لها عن العمل بموجبه قولا وفعلا مع القدرة عليه، بل أرجو أن جزاء ذلك أن يكتب له به حسنة؛ لأنه ترك السيئة من أجل الله فجاهد نفسه

 

ج / 2 ص -375-        فخليق به أن يوصف بالإحسان، ثم ذكر ثلاثة أحاديث تتعلق بما ذكره، ثم قال: إن المعصية التي من عمل القلب ولا تعلق لها بأمر خارجي غير مؤاخذ بها، وأما الحسد الذي يمكن دفعه عن نفسه ولم يدفعه فيحتمل أنه كذلك ويحتمل الفرق وهو المختار فإنه تمنى زوال نعمة الغير عنه، وقد يمكنه التسبب في إزالتها فتتوقف المؤاخذة على المسبب الممكن بخلاف سوء الظن، فإنه لا تعلق له بفعل خارجي يتصور وجوده معه لأن متعلق الصفات المظنونة بالمظنون به لا غير ولا صنع له فيها، قال: والقول بالتسوية بين جميع المعاصي ما سوى الشرك وما ألحقناه به قول حسن جيد إلحاقا للمعاصي بعضها ببعض انتهى.
وعجيب من الزركشي نقل هذه المقالة واعتمادها مع ضعفها ومخالفتها لما عليه المحققون من التفصيل بين الهاجس والواجس وحديث النفس والهم والعزم، وقد بينت ذلك كله وكلام الناس فيه أواخر شرح الأربعين حديثا النووية فاطلبه منه فإنه مهم.
وحاصل شيء من ذلك مع الزيادة عليه أنه ورد في المؤاخذة بأفعال القلوب وعدمها أخبار، وقد حرر الغزالي ذلك بأن ما يرد على القلب إما خاطر وهو حديث النفس، ثم بعده الميل ولا يؤاخذ بهما، ثم الاعتقاد ويؤاخذ به إن كان اختياريا لا اضطراريا، ثم العزم ويؤاخذ به قطعا انتهى.
وقيل هذه الأربعة الهاجس وهو ما يلقى في النفس من المعصية ولا يؤاخذ به إجماعا لأنه ليس من فعل العبد وإنما هو وارد لا يستطاع دفعه، وفسر غيره الخاطر بجريانه في النفس، وحديث النفس بالتردد هل يفعل أو لا، وقطعه بالمؤاخذة بالعزم هو المحكي عن المحققين لحديث:
"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قيل يا رسول الله: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه". وقيل لا يؤاخذ بالعزم أيضا. وفي جمع الجوامع أن حديث النفس ما لم يتكلم أو يعمل والهم مغفوران، ومراده أن عدم المؤاخذة بهما ليس مطلقا بل بشرط عدم التكلم والعمل حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين همه وعمله، ولا يغفر كل منهما إلا إذا لم يعقبه عمل هو ظاهر الحديث فقوله: والهم: أي ما لم يتكلم أو يعمل أيضا ولم يحتج إلى تقييد لأنه إذا قيد بذلك حديث النفس الآتي فالهم الأقوى أولى،

 

ج / 2 ص -376-        وهل يؤاخذ بهما إذا عمل عملا غير المعصية التي هم أو حدث نفسه بها كمن هم بالزنا بامرأة فمشى إليها ثم رجع من الطريق فهذا موضع نظر، قال السبكي: تظهر المؤاخذة من إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم العمل بكونه لم يقل ولم يعمله، قال: فيؤخذ منه تحريم المشي إلى معصية وإن كان المشي في نفسه مباحا ولكن لانضمام قصد الحرام فكل واحد من المشي والقصد لا يحرم عند انفراده. أما إذا اجتمعا فيحرم فإن مع الهم عملا لما هو من أسباب المهموم به فاقتضى إطلاق أو يعمل المؤاخذة به قال فاشدد بهذه الفائدة يديك واتخذها أصلا يعود نفعها عليك. قال الزركشي: وما قاله من المؤاخذة بالمقدمة إن انضمت إلى حديث النفس لإطلاق أو بعمل حسن إذا لم يعتبر في حديث آخر. لكن جاء في رواية الصحيحين: "أو يعمل به" ويحتمل أن يقال إن رجع عن فعل السيئة بعد فعل مقدمتها لله تعالى لم يؤاخذ بالفعل لقوله في الحديث: "فإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي" أي من أجلي رواه مسلم. وفي لفظ لابن حبان "وإن تركها من أجلي فاكتبوها حسنة". وذكر السبكي في موضع آخر أنه لا مفهوم لقوله أو يعمل حتى يقال إذا تكلمت أو عملت يكتب عليها حديث النفس؛ لأنه إذا لم يكن الهم لا يكتب فحديث النفس أولى، قال الزركشي: وهذا خلاف ظاهر الحديث وخلاف ما قاله ابنه تاج الدين هنا، وقد نازعه ابنه وقال: يلزمه أن لا يؤاخذ عند انضمام عمل من مقدمات المهموم به بطريق أولى. قال: وقوله وإذا كان الهم لا يكتب فحديث النفس أولى ممنوع، ولا نسلم أن الهم لا يكتب مطلقا بل يكتب عند انضمام العمل إليه انتهى.
وفي تعليق القاضي حسين: كما يحرم فعل الحرام يحرم الفكر فيه لقوله تعالى:
{وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] فمنع من التمني فيما لا يحل كما منع من النظر إلى ما لا يحل بقوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 3] ولو نوى أنه يكفر غدا كفر حالا على الأصل بل الصواب لأنه أخطر. قال العز بن عبد السلام: وقد يكون الشيء في الظاهر معصية لكن يقترن به نية صالحة تخرجه عن ذلك، وقد يصير قربة كما مر في الشهادة على المكوس. قال الزركشي بعد نقله ما مر عن المحب الطبري: وأما النميمة فينبغي أن تكون على هذا التفصيل، ويحتمل أن يفصل بين ما هو شديد الأذى وما هو خفيفه، فالخفيفة يسامح به صاحبه غالبا انتهى. وفيه نظر بل لا وجه لهذا التفصيل لأن الغيبة دون

 

ج / 2 ص -377-        النميمة إجماعا ومع ذلك فلم يفصلوا فيها كذلك فالنميمة أولى قال: ثم رأيت بعد هذا في منهاج العابدين للغزالي أن الذنوب التي بين العباد، أما في المال فيجب رده عند المكنة فإن عجز لفقر استحله فإن عجز عن استحلاله لغيبته أو موته وأمكن التصدق عنه فعله، وإلا فليكثر من الحسنات ويرجع إلى الله تعالى ويتضرع إليه في أن يرضيه عنه يوم القيامة؛ وأما في النفس فيمكنه أو وليه من القود فإن عجز رجع إلى الله تعالى في إرضائه عنه يوم القيامة، وأما في العرض فإن اغتابه أو شتمه أو بهته فحقه أن يكذب نفسه بين يدي من فعل ذلك معه إن أمكنه بأن لم يخش زيادة غيظ أو هيج فتنة في إظهار ذلك، وإن خشي ذلك فالرجوع إلى الله ليرضيه عنه، وأما في حرمه؛ فإن فتنه في أهله أو ولده أو نحوه فلا وجه للاستحلال والإظهار؛ لأنه يولد فتنة وغيظا بل يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ليرضيه عنه ويجعل له خيرا في مقابلته، فإن أمن الفتنة والهيج وهو نادر فليستحل منه؛ وأما في الدين فإن كفره أو بدعه أو ضلله فهو أصعب الأمور فيحتاج إلى تكذيب نفسه بين يدي من قاله في ذلك، وأن يستحل من صاحبه إن أمكنه، وإلا فالابتهال إلى الله تعالى جدا والندم على ذلك ليرضيه عنه انتهى كلام الغزالي. قال الأذرعي: وهو في غاية الحسن والتحقيق انتهى.
وقضية ما ذكره في الحرم الشامل للزوجة والمحارم كما صرحوا به أن الزنا واللواط فيهما حق للآدمي فتتوقف التوبة منهما على استحلال أقارب المزني بها أو الملوط به، وعلى استحلال زوج المزني بها هذا إن لم يخف فتنة، وإلا فليتضرع إلى الله في إرضائهم عنه ويوجه ذلك بأنه لا شك أن في الزنا واللواط إلحاق عار أي عار بالأقارب وتلطيخ فراش الزوج فوجب استحلالهم حيث لا عذر.
فإن قلت: ينافي ذلك جعل بعضهم من الذنوب التي لا يتعلق بها حق آدمي وطء الأجنبية فيما دون الفرج وتقبيلها من الصغائر والزنا وشرب الخمر من الكبائر، وهذا صريح في أن الزنا ليس فيه حق آدمي فلا يحتاج فيه إلى استحلال.
قلت: هذا لا يقاوم به كلام الغزالي لا سيما وقد قال الأذرعي عنه إنه في غاية الحسن والتحقيق فالعبرة بما دل عليه دون غيره، على أنه يمكن الجمع بحمل الأول على الزنا بمن لا زوج لها ولا قريب فهذه يسقط فيها الاستحلال لتعذره، والثاني على من لها ذلك وأمكن الاستحلال بلا فتنة فيجب ولا تصح التوبة بدونه، وقد يجمع

 

ج / 2 ص -378-        أيضا بأن الزنا من حيث هو فيه حق الله إذ لا يباح بالإباحة وحق للآدمي، فمن نظر إلى حق الله تعالى لم يوجب الاستحلال ولم ينظر إليه وهو محمل عبارة غير الغزالي، ومن نظر إلى حق الآدمي أوجب الاستحلال ويؤيده قول ابن عبد السلام: فمن أخذ مالا في قطع الطريق هل عليه الإعلام به إن غلبنا عليه حق الله تعالى لم يجب الإعلام به وإن غلبنا في الحد حق الآدمي وجب إعلامه ليستوفيه أو يتركه ليستوفيه الإمام به، ثم رأيت ابن الرفعة مثلا نقلا عن الأصحاب للمعصية التي لا حق فيها للعباد بتقبيل الأجنبية، وقد يفهم أن وطأها فيه حق للعباد وحينئذ فيوافق كلام الغزالي، وإن كان نحو ضرب لا قود فيه تحلل من المضروب لطيب نفسه فإن أحله وإلا أمكنه من نفسه ليفعل به مثل ما فعله لأنه الذي في وسعه، فإن امتنع من تحليله والاستيفاء منه صحت توبته ذكره الماوردي. وذكر القاضي نحوه وقال: لو مات صاحب الحق لم يستحل من وارثه بل يستغفر الله للميت، وتعقبه البلقيني بانتقال الحق للوارث فلا بد من إعلامه انتهى.
وفيه نظر لأن الفرض أنه لا قود فيه، ومثل هذا لا ينتقل للوارث اللهم إلا أن يكون جرحا فيه حكومة فهو باعتبار تضمنه للمال ينتقل للوارث، ولا بد حينئذ من استحلاله وليس هذا مراد القاضي قطعا وإنما مراده ضرب بنحو يد لا قود فيه ولا مال وهذا لا ينتقل للوارث، ولو بقي المستحق لكن تعذر استحلاله لنحو غيبته البعيدة كفاه الإقلاع والندم مع عزمه أن يمكنه من نفسه عند القدرة. قال الحليمي: ومن أضر بمسلم وهو لا يشعر أزاله عنه ثم سأله العفو عنه وأن يستغفر له لأن أولاد يعقوب صلى الله على نبينا وعليه لما جاءوه تائبين سألوه الاستغفار لهم فدل على أن الاحتياط الجمع بين عفو المظلوم واستغفاره.
وحكى في الخادم وغيره في التحلل من الظلامات والتبعات ثلاثة مذاهب:
أحدها: قال وهو مذهب الشافعي: أن ترك التحلل منها أولى لأن صاحبها يستوفيها يوم القيامة بحسنات من هي عنده وتوضع سيئاته على من هي عنده كما شهد به الحديث، وهل يكون أجره على التحلل موازنا ما له من الحسنات في الظلامات أو يزيد عليها أو ينقص عنها وهو محتاج إلى زيادة حسناته ونقصان سيئاته؟
والثاني: أن التحلل منها أفضل لأنه إحسان عظيم ينبغي عليه المكافأة من الله

 

ج / 2 ص -379-        وهو سبحانه أكرم من أن يكافئ بأقل مما وهب له منه مع قوله: {إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ} [التغابن: 17] الآية، قال: وهو الأظهر.
والثالث: وهو قول مالك: التفرقة بين الظلامات والتبعات فيحلل من التبعات لأن الظلامات عقوبة لفاعلها أخذا بقوله تعالى:
{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ} [الشورى: 42] الآية، وأما في الدنيا فالعفو عن الظالم أولى من الاقتصاص منه انتهى، وما نقله عن الشافعي ومالك فيه نظر، والذي دل عليه حديث أبي ضمضم السابق أن العفو أفضل مطلقا، وعليه يدل قول الروضة السابق معناه لا أطلب مظلمتي لا في الدنيا ولا في الآخرة، وقد حث صلى الله عليه وسلم على الإغراء على مثل فعل أبي ضمضم بقوله: "أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من بيته يقول إني تصدقت بعرضي على الناس".
"الكبيرة الرابعة والخامسة والستون بعد الأربعمائة: بغض الأنصار وشتم واحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين".
أخرج البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"من علامة الإيمان حب الأنصار، ومن علامة النفاق بغض الأنصار".
والشيخان أنه صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار:
"لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله".
ومسلم:
"لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر". قال بعض الحنابلة: والمراد بهم من نصر الله ورسوله ودينه وهم باقون إلى يوم القيامة فمعاداتهم من أكبر الكبائر انتهى، ودعواهم أن المراد ذلك إن كانت لدليل خارجي فواضحة وإلا قال إنما هي للعهد الذهني ولا معهود بهذا الوصف غير الأنصار الذين هم الأوس والخزرج.
والشيخان:
"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
والترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه:
"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي؛ فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي

 

ج / 2 ص -380-        أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله أوشك أن يأخذه".
والأحاديث في ذلك كثيرة وقد استوفيتها وما يتعلق بها في كتاب حافل لم يصنف في هذا الباب -فيما أظن- مثله، ومن ثم سميته: [الصواعق المحرقة لإخوان الشياطين أهل الابتداع والضلال والزندقة] فاطلبه إن شئت لترى ما فيه من محاسن الصحابة وثناء أهل البيت عليهم لا سيما الشيخان، ومن افتضاح الشيعة والرافضة في كذبهم وتقولهم وافترائهم عليهم بما هم بريئون منه رضوان الله عليهم أجمعين.
تنبيه: عد ما ذكر كبيرتين هو ما صرح به غير واحد وهو ظاهر وقد صرح الشيخان وغيرهما أن سب الصحابة كبيرة، قال الجلال البلقيني: وهو داخل تحت مفارقة الجماعة وهو الابتداع المدلول عليه بترك السنة، فمن سب الصحابة رضي الله عنهم أتى كبيرة بلا نزاع، انتهى.
ويؤيد ذلك أيضا صريح هذه الأحاديث وغيرها كحديث:
"إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن شتمهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا".
وحديث:
"إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي إخوانا وأصحابا وأصهارا، وسيجيء قوم بعدهم يعيبونهم ويبغضونهم فلا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تناكحوهم ولا تصلوا معهم ولا تصلوا خلفهم". وكحديث: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا".
ونقل بعضهم عن أكثر العلماء أن من سب أبا بكر وعمر كان كافرا، وأنهم استندوا في ذلك لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"من سبك يا أبا بكر فقد كفر".
وفي الحديث:
"من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"، فمن قال ذلك لأبي بكر وذريته فهو كافر هنا قطعا، وأيضا فقد نص الله تعالى على أنه رضي الله عن الصحابة في غير آية، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100] فمن سبهم أو واحدا منهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن بارز الله بالمحاربة أهلكه وخذله، ومن ثم قال العلماء: إذا ذكر الصحابة بسوء كإضافة عيب إليهم وجب الإمساك عن الخوض في ذلك، بل ويجب إنكاره باليد ثم اللسان ثم القلب على حسب الاستطاعة كسائر

 

ج / 2 ص -381-        المنكرات، بل هذا من أشرها وأقبحها، ومن ثم أكد النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من ذلك بقوله: "الله الله" أي: احذروا الله أي عقابه وعذابه على حد قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمرآن: 28] وكما تقول لمن تراه مشرفا على الوقوع في نار عظيمة النار النار: أي احذرها.
وتأمل أعظم فضائلهم ومناقبهم التي نوه بها صلى الله عليه وسلم حيث جعل محبتهم محبة له وبغضهم بغضا له وناهيك بذلك جلالة لهم وشرفا، فحبهم عنوان محبته وبغضهم عنوان بغضه، ومن ثم كان حب الأنصار من الإيمان وبغضهم من النفاق لسابقتهم وبذلهم الأنفس والأموال في محبته صلى الله عليه وسلم ونصرته وإنما يعرف فضائل الصحابة من تدبر سيرهم معه صلى الله عليه وسلم وآثارهم الحميدة في الإسلام في حياته وبعد مماته، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأكمله وأفضله، فقد جاهدوا في الله حق جهاده حتى نشروا الدين وأظهروا شرائع الإسلام، ولولا ذلك منهم ما وصل إلينا قرآن ولا سنة ولا أصل ولا فرع، فمن طعن فيهم فقد كاد أن يمرق من الملة لأن الطعن فيهم يؤدي إلى انطماس نورها:
{وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] وإلى عدم الطمأنينة والإذعان لثناء الله ورسوله عليهم، وإلى الطعن في الله وفي رسوله إذ هم الوسائط بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطعن في الوسائط طعن في الأصل، والإزراء بالناقل إزراء بالمنقول عنه، وهذا ظاهر لمن تدبره وقد سلمت عقيدته من النفاق والغلول والزندقة. فالواجب على من أحب الله ورسوله حب من قام بما أمر الله ورسوله به وأوضحه وبلغه لمن بعده وأداء جميع حقوقه والصحابة هم القائمون بأعباء ذلك كله. وقد قال أبو أيوب السختياني من أكابر السلف: من أحب أبا بكر فقد أقام منار الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الخير في جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق؛ ومناقبهم وفضائلهم أكثر من أن تذكر.
وأجمع أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم العشرة المشهود لهم بالجنة على لسانه نبيه صلى الله عليه وسلم في سياق واحد، وأفضل هؤلاء أبو بكر فعمر، قال أكثر أهل السنة: فعثمان فعلي ولا يطعن في واحد منهم إلا مبتدع منافق خبيث.
وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى التمسك بهدي هؤلاء الأربعة بقوله:
"عليكم بسنتي وسنة

 

ج / 2 ص -382-        الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ". والخلفاء الراشدون هم هؤلاء الأربعة بإجماع من يعتد به. ولقد شوهد على سابهم قبائح تدل على خبث بواطنهم وشدة عقابهم:
منها ما حكاه الكمال بن القديم في تاريخ حلب قال: لما مات ابن منير خرج جماعة من شبان حلب يتفرجون، فقال بعضهم لبعض: قد سمعنا أنه لا يموت أحد ممن كان يسب أبا بكر وعمر إلا ويمسخه الله في قبره خنزيرا ولا شك أن ابن منير كان يسبهما فأجمعوا أمرهم إلى المضي إلى قبره فمضوا ونبشوه فوجدوا صورته صورة خنزير ووجهه منحرف عن جهة القبلة إلى جهة أخرى، فأخرجوه على شفير قبره ليشاهده الناس ثم بدا لهم فأحرقوه بالنار وأعادوه في قبره وردوا عليه التراب وانصرفوا.
قال الكمال أيضا: وأخبرني أبو العباس بن عبد الواحد عن الشيخ الصالح عمر الرعيني قال: كنت مجاورا بالمدينة الشريفة -على مشرفها أفضل الصلاة والسلام- فخرجت يوم عاشوراء الذي يجتمع فيه الإمامية في قبة العباس وقد اجتمعوا في القبة، قال: فوقفت أنا على باب القبة وقلت أريد في محبة أبي بكر الصديق شيئا، قال فخرج إلي شيخ منهم وقال اجلس حتى نفرغ ونعطيك فجلست حتى فرغوا، ثم خرج إلي ذلك الرجل وأخذ بيدي ومضى بي إلى داره وأدخلني الدار وأغلق الباب ورائي وسلط علي عبدين فكتفاني وأوجعاني ضربا ثم أمرهما بقطع لساني فقطعاه ثم أمرهما فحلا كتافي وقال اخرج إلى الذي طلبت في محبته ليرد عليك لسانك، قال: فخرجت من عنده إلى الحجرة الشريفة النبوية وأنا أبكي من شدة الوجع والألم وقلت في نفسي: يا رسول الله قد تعلم ما أصابني في محبة أبي بكر فإن كان صاحبك حقا فأحب أن يرجع إلي لساني وبت في الحجرة قلقا من شدة الألم فأخذتني سنة من النوم فرأيت في منامي أن لساني قد عاد إلى حاله كما كان فاستيقظت فوجدته في فمي صحيحا كما كان وأنا أتكلم فقلت الحمد لله الذي رد علي لساني، قال: فازددت محبة في أبي بكر رضي الله عنه، فلما كان العام الثاني في يوم عاشوراء اجتمعوا على عادتهم فخرجت إلى باب القبة وقلت أريد في محبة أبي بكر الصديق دينارا، فقام إلي شاب من الحاضرين وقال لي اجلس حتى نفرغ فجلست، فلما فرغوا خرج إلي ذلك الشاب وأخذ بيدي

 

ج / 2 ص -383-        ومضى بي إلى تلك الدار فأدخلني ووضع بين يدي طعاما فأكلنا، فلما فرغنا قام الشاب وفتح بابا على بيت في داره وجعل يبكي فقمت لأنظر ما سبب بكائه فرأيت في البيت قردا مربوطا فسألته عن قصته فازداد بكاؤه فسكنته حتى سكن، فقلت بالله أخبرني عن حالك؟ فقال إن حلفت لي أن لا تخبر أحدا من أهل المدينة أخبرتك فحلفت له، فقال: اعلم أنه أتانا عام أول رجل وطلب في محبة أبي بكر رضي الله عنه شيئا في قبة العباس يوم عاشوراء فقام إليه أبي وكان من كبار الإمامية والشيعة وقال له اجلس حتى نفرغ؛ فلما فرغوا أتى به هذه الدار وسلط عليه عبدين فضرباه وأمر بقطع لسانه فقطع وأخرجه فمضى لسبيله ولم نعرف له خبرا، فلما كان من الليل ونمنا صرخ أبي صرخة عظيمة استيقظنا من شدة صرخته فوجدناه قد مسخه الله قردا ففزعنا منه وأدخلناه هذا البيت وربطناه وأظهرنا للناس موته وها أنا أبكي عليه بكرة وعشيا، قال فقلت له إذا رأيت الذي قطع أبوك لسانه تعرفه؟ قال: لا والله، قلت أنا هو والله أنا الذي قطع أبوك لساني وقصصت عليه القصة، قال فأكب علي وقبل رأسي ويدي ثم أعطاني ثوبا ودينارا وسألني كيف رد الله علي لساني فأخبرته وانصرفت.
هذا، وقد قال الشعبي رحمه الله ورضي عنه: وهو من أكابر التابعين: الرافضة يهود هذه الأمة لأنهم يبغضون الإسلام مثلهم إذ لم يدخلوا فيه رغبة ولا رهبة وإنما دخلوا فيه مقتا لأهله وبغيا عليهم، لو كانوا دواب لكانوا حميرا ولو كانوا من الطير لكانوا رخما ومحنتهم محنة اليهود، قالت اليهود: لا يكون الملك إلا في آل والنسائي ولا جهاد حتى يخرج المسيح، ويؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم، ولا يرون الطلاق الثلاث، وينأون عن القبلة، ويستحلون أموال غيرهم ويقولون ليس علينا في الأميين سبيل ويحرفون التوراة ويبغضون جبريل ويقولون هو عدونا من الملائكة وأنه غلط في الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا يأكلون لحم الجزور، وكذلك الرافضة يقولون بنظير ذلك كله كقولهم: لا يكون الملك إلا في آل علي ولا جهاد حتى يخرج المهدي، ويؤخرون المغرب لاشتباك النجوم، ولا يرون الطلاق الثلاث، وينأون عن القبلة، ويستحلون أموال المسلمين، ويحرفون القرآن ويبغضون جبريل ويقولون غلط في الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإنما بعث إلى علي. ثم قال الشعبي: ولليهود والنصارى عليهم مزية في خصلتين.

 

ج / 2 ص -384-        إحداهما: إذا سئلوا من خير ملتكم؟ قالوا أصحاب موسى، وكذلك النصارى قالوا خير ملتنا أصحاب عيسى. وسئلت الرافضة من شر ملتكم؟ قالوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
والثانية: أن اليهود والنصارى يستغفرون لمتقدميهم، والرافضة أمروا بالاستغفار للصحابة رضوان الله عليهم فسبوهم والسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة لا يثبت لهم قدم ولا تقوم لهم حجة ولا تجتمع لهم كلمة دعوتهم مدحورة وحجتهم داحضة وكلامهم مختلف وجمعهم متفرق:
{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].
قال بعض الصالحين: خرجت أنا وجماعة إلى زيارة قبر علي كرم الله وجهه فنزلنا على نقيب من نقباء الأشراف العلويين، وكان له خادم يهودي يتولى أمر خدمته داخلا وخارجا وكان قد عرف بيننا وبينه رجل هاشمي صديق لي فأكرمنا ذلك النقيب وأحسن إلينا، فقال صديقي الهاشمي: أيها النقيب: إن أمورك كلها حسنة قد جمعت الشرف والمروءة والكرم إلا أنا أنكرنا استخدامك لهذا اليهودي مع مخالفته لدينك ودين جدك، فقال النقيب: إني قد اشتريت غلمانا كثيرة وجواري فما رأيت أحدا منهم وافقني وما وجدت فيهم أمانة ونصحا مثل هذا اليهودي يقوم بأموري كلها ظاهرها وباطنها وفيه الأمانة والكفاية، فقال بعض الجماعة الحاضرين: أيها النقيب فإذا كان بهذه الصفة فاعرض عليه الإسلام لعل الله أن يهديه بك فأرسل إليه من دعاه فجاء وقال: الله لقد عرفت لماذا دعوتموني، فقال له بعض الجماعة: أيها اليهودي إن هذا النقيب الذي أنت في خدمته قد عرفت فضله ورئاسته وشرفه وهو يحبك ويثني عليك بالأمانة وحسن الرعاية، فقال اليهودي: وأنا أيضا أحبه، قلنا: فلم لا تتبعه على دينه وتسلم؟ فقال اليهودي: أيها الجماعة أنا أعتقد أن عزيرا نبي كريم وكذلك موسى عليهما الصلاة والسلام، ولو علمت أن في اليهود من يتهم زوجة نبي ويسب أباها ويسب أصحابه لما تبعت دينهم، فإذا أسلمت أنا فمن أتبع؟ قلنا تتبع هذا النقيب الذي أنت في خدمته، فقال اليهودي: ما أرضى هذا لنفسي، قلنا: ولم؟ قال لأن هذا النقيب يقول في عائشة زوجة نبيه ما يقول ويسب أباها وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما فلا أرضى لنفسي أن أتبع دين محمد وأقذف أزواجه وأسب أصحابه

 

ج / 2 ص -385-        فرأيت ديني الذي أنا عليه خيرا مما هو عليه، فوجد النقيب ساعة ثم عرف صدق اليهودي فأطرق رأسه إلى الأرض ساعة وقال: صدقت مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وقد تبت إلى الله عما كنت أقول وأعتقده، فقال اليهودي: وأنا أيضا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأن كل دين غير دين الإسلام باطل، فأسلم وحسن إسلامه وتاب النقيب عما كان عليه وحسنت توبته بتوفيق الله عز وجل وهدايته، وفقنا الله لمرضاته وهدانا لاقتفاء آثار نبيه وسنته صلى الله عليه وسلم إنه الجواد الكريم الرءوف الرحيم، وإنما أسلم النقيب المذكور لأن سب عائشة رضي الله عنها بالفاحشة كفر إجماعا لأن فيه تكذيبا للقرآن النازل ببراءتها مما نسبه إليها المنافقون وغيرهم، وكذلك إنكار صحبة أبيها كفر إجماعا أيضا؛ لأن فيه تكذيبا للقرآن أيضا، قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] وقد أفتى غير واحد بقتل ساب عائشة رضي الله عنها، ومن ثم قال عبد الله الهمداني: كنت يوما بحضرة الحسن بن يزيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه كل سنة إلى بغداد عشرين ألف دينار تفرق على أولاد الصحابة رضوان الله عليهم، فحضر عنده رجل فذكر عائشة رضي الله عنها بذكر قبيح من الفاحشة، فقال الحسن لغلامه يا غلام قم فاضرب عنق هذا فنهض إليه العلويون وقالوا هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور: 26] فإذا كانت عائشة رضي الله عنها خبيثة فإن زوجها يكون خبيثا وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك هو الطيب الطاهر بل هو أطيب الخلق وأكرمهم على الله وهي الطيبة الطاهرة المبرأة من السب. قم يا غلام فاضرب عنق هذا الكافر فضرب عنقه.
وقد تميزت رضي الله عنها بمناقب كثيرة: جاء جبريل بصورتها في راحته إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوجها، ولم يتزوج بكرا غيرها، وما تزوج امرأة هاجر أبواها إلا هي، وكانت أحب نسائه إليه وأبوها أعز أصحابه وأكرمهم وأفضلهم عنده، ولم ينزل عليه الوحي في غير لحافها، ونزلت براءتها من السماء ردا على من طعن فيها، ووهبتها سودة يومها وليلتها فكان لها يومان وليلتان دون بقية أمهات المؤمنين، وكانت تغضب فيترضاها، وقبض صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها، واتفق ذلك في يومها وكان قد

 

ج / 2 ص -386-        استأذن نساءه أن يمرض في بيتها فلم يمت إلا في اليوم الموافق لنوبتها واستحقاقها، وخالط ريقها ريقه في آخر أنفاسه ودفن بمنزلها، ولم ترو عنه امرأة أكثر منها، ولا بلغت علوم النساء قطرة من علومها فإنها روت عنه صلى الله عليه وسلم ألفي حديث ومائتي حديث، ولقد خلقت طيبة وعند طيب ووعدت مغفرة ورزقا كريما.
وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: ما أشكل علينا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها منه علما، وكانت فصيحة الطبع، غزيرة الكرم من غير تكلف، قسمت رضي الله عنها سبعين ألفا في المحاويج ودرعها مرقوع، ولقد شاع حبه صلى الله عليه وسلم لها حتى كان الناس ينتظرون بهداياهم يومها حتى أضجر ذلك جماعة من ضرائرها، فسألن النبي صلى الله عليه وسلم على لسان فاطمة رضي الله عنها بنته وعلى لسان غيرها العدل في بنت أبي بكر فلم يجب صلى الله عليه وسلم إلا بـ:
"لا تؤذوني في عائشة فوالله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها". ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وكشف عن بصرها فرأت جبريل فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم سلم عليها، فقال لها: "هذا جبريل يقرأ عليك السلام"، وما أحسن قول بعض الشعراء:

ولو كان النساء كمن ذكرنا                            لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب                  ولا التذكير فخر للهلال