|
ج / 2 ص -388-
الخاتمة في ذكر أمور أربعة.
الأمر الأول: ما
جاء في فضائل التوبة ومتعلقاتها.
اعلم أن الآيات فيها كثيرة ومشهورة كقوله تعالى:
{وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] وقوله:
{وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً
آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
يَلْقَ أَثَاماً، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً، إِلَّا مَنْ
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ
يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً، وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ
صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً}
[الفرقان: 68 - 71].
والأحاديث في ذلك كثيرة: أخرج مسلم:
"إن الله يبسط يده
بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء
الليل حتى تطلع الشمس من مغربها".
والترمذي وصححه: "إن من قبل المغرب لبابا مسيرة عرضه أربعون
عاما أو سبعون سنة فتحه الله عز وجل للتوبة يوم خلق
السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس منه".
وصحح أيضا: "إن الله تعالى جعل بالمغرب بابا عرضه مسيرة
سبعين عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله"، وذلك قوله تعالى:
{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ
نَفْساً إِيمَانُهَا} الآية [الأنعام: 158] قيل: وليس في هذه الرواية ولا الأولى تصريح
برفعه كما صرح به البيهقي، انتهى. ويجاب بأن مثل هذا لا
يقال من قبل الرأي فله حكم المرفوع.
ج / 2 ص -389-
والطبراني بسند جيد:
"للجنة ثمانية أبواب
سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة حتى تطلع الشمس من نحوه".
وابن ماجه بسند جيد:
"لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم
السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم".
والحاكم وصححه:
"من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله
الإنابة".
والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه:
"كل ابن آدم خطاء وخير
الخطائين التوابون".
والشيخان: "إن عبدا أصاب ذنبا فقال يا رب إني أذنبت ذنبا
فاغفره لي فقال له ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب
ويأخذ به فغفر له ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبا آخر
وربما قال أذنب ذنبا آخر فقال يا رب إني أذنبت ذنبا آخر
فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ
به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله تعالى، ثم أصاب ذنبا آخر
وربما قال أذنب ذنبا آخر فقال يا رب إني أذنبت ذنبا آخر
فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ
به، فقال ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء".
قال المنذري: قوله فليعمل ما شاء: معناه -والله أعلم- أنه
ما دام كلما أذنب ذنبا استغفر وتاب منه ولم يعد إليه،
بدليل قوله ثم أصاب ذنبا آخر فليعمل إذا كان هذا دأبه ما
شاء؛ لأنه كلما أذنب كانت توبته واستغفاره كفارة لذنبه فلا
يضره لا أن المعنى أنه يذنب فيستغفر منه بلسانه من غير
إقلاع ثم يعاوده فإن هذه توبة الكذابين. وجماعة وصححوه:
"إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت
نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل منها، وإن
زادت زاد حتى يغلق بها قلبه" فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
[المطففين: 14]".
والترمذي وحسنه:
"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" أي: تبلغ روحه حلقومه.
والطبراني بسند حسن لكن فيه انقطاع والبيهقي بسند فيه
مجهول عن معاذ قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
فمشى ميلا ثم قال:
"يا معاذ أوصيك بتقوى الله
ج / 2 ص -390-
وصدق الحديث، ووفاء العهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة
اليتيم، وحفظ الجوار، وكظم الغيظ، ولين الكلام، وبذل
السلام، ولزوم الإمام، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة
والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم
مسلما أو تصدق كاذبا أو تكذب صادقا أو تعصي إماما عادلا،
وأن تفسد في الأرض، يا معاذ اذكر الله عند كل شجرة وحجر
وأحدث لكل ذنب توبة، السر بالسر والعلانية بالعلانية".
والأصفهاني:
"إذا تاب العبد من ذنوبه أنسى الله حفظته ذنوبه،
وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله يوم
القيامة وليس عليه شاهد من الله بذنب".
والأصفهاني أيضا: "النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب
ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله
ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله وسوء عمله، وإنما
الأعمال بخواتيمها، والليل والنهار مطيتان فأحسنوا السير
عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة،
ولا يغترن أحدكم بحلم الله عز وجل فإن النار أقرب إلى
أحدكم من شراك نعله"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}
[الزلزلة: 7 - 8].
والطبراني بسند صحيح لكن فيه انقطاع:
"التائب من الذنب كمن لا
ذنب له".
ورواه البيهقي من طريق آخر وزاد:
"والمستغفر من الذنب وهو
مقيم عليه كالمستهزئ بربه".
وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه:
"الندم توبة" أي أنه معظم أركانها كخبر:
"الحج عرفة". ولا بد في الندم أن يكون من حيث المعصية
وقبحها وخوف عقابها بخلافه لنحو هتك أو ضياع مال على
المعصية أو نحو ذلك.
والحاكم وصححه لكن فيه ساقط:
"ما علم الله من عبد ندامة على
ذنب إلا غفر له قبل أن يستغفره منه".
ومسلم وغيره:
"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا وتستغفروا
لذهب الله بكم ولجاء بقوم غيركم يذنبون ويستغفرون الله
فيغفر لهم".
ج / 2 ص -391-
ومسلم:
"ليس أحد أحب إليه المدح من
الله من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل
ذلك حرم الفواحش، وليس، أحد أحب إليه العذر من الله من أجل
ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل".
ومسلم: إن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهي حبلى من الزنا فقالت: يا رسول الله أصبت حدا
فأقمه علي، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال:
"أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها" ففعل بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم أمر
بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر: تصلي عليها يا رسول
الله وقد زنت، قال صلى الله عليه وسلم:
"لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل
المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل ممن جادت بنفسها لله عز
وجل".
والترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عن ابن
عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع
مرات ولكن سمعته أكثر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول:
"كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله
فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد
منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال ما يبكيك
أكرهتك؟ قالت: لا ولكنه عمل ما عملته قط وما حملني عليه
إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلتيه قط اذهبي فهي
لك، وقال لا والله لا أعصي بعدها أبدا فمات من ليلته فأصبح
مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل".
وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كانت قريتان إحداهما
صالحة والأخرى طالحة فخرج رجل من القرية الطالحة يريد
القرية الصالحة فأتاه الموت حيث شاء الله، فاختصم فيه
الملك والشيطان، فقال الشيطان والله ما عصاني قط، وقال
الملك: إنه قد خرج يريد التوبة فقضى الله بينهما أن ينظر
إلى أيهما أقرب فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر فغفر
له. قال معمر: وسمعت من يقول قرب الله إليه القرية
الصالحة.
والشيخان: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا
فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال له: إنه
قتل تسعا وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل
به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل
ج / 2 ص -392-
عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول
بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا
يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض
سوء، فانطلق حتى إذا بلغ نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت
فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة:
جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة
العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي
فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما هو
أدنى كان له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد
فقبضته ملائكة الرحمة". وفي رواية:
"فكان إلى القرية الصالحة أقرب
بشبر فحمل من أهلها"، وفي رواية:
"فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي، وقال قيسوا
ما بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له"، وفي رواية قال قتادة: قال الحسن:
"ذكر لنا أنه لما أتاه ملك الموت ناء بصدره نحوها".
والطبراني بسند جيد: "أن رجلا أسرف على نفسه فلقي
رجلا فقال إن الآخر قتل تسعا وتسعين نفسا كلهم ظلما فهل
تجد لي من توبة؟ قال: لا فقتله، وأتى آخر فقال: إن الآخر
قتل مائة نفس كلها ظلما فهل تجد لي من توبة؟ فقال: إن
حدثتك أن الله لا يتوب على من تاب كذبتك، هاهنا قوم
يتعبدون فأتهم تعبد الله معهم فتوجه إليهم فمات على ذلك
فاختصمت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فبعث الله إليهم
ملكا فقال قيسوا ما بين المكانين فأيهم كان أقرب فهو منهم
فوجدوه أقرب إلى دير التوابين بأنملة فغفر له"،
وفي رواية له:
"ثم أتى راهبا آخر فقال: إني قتلت مائة نفس
فهل تجد لي من توبة؟ فقال أسرفت ما أدري ولكن هنا قريتان
إحداهما يقال لها نصرة والأخرى يقال لها كفرة، فأما أهل
نصرة فيعملون عمل أهل الجنة لا يثبت فيها غيرهم، وأما أهل
كفرة فيعملون عمل أهل النار لا يثبت فيها غيرهم، فانطلق
إلى نصرة فإن ثبت فيها وعملت عمل أهلها فلا شك في توبتك،
فانطلق يريدها حتى إذا كان بين القريتين أدركه الموت فسألت
الملائكة ربها عنه، فقال: انظروا إلى أي القريتين كان أقرب
فاكتبوه من أهلها فوجدوه أقرب إلى نصرة بقيد أنملة فكتب من
أهلها".
ومسلم واللفظ له والبخاري بنحوه: قال الله عز وجل:
"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حيث يذكرني، والله لله أفرح
بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن
ج / 2 ص -393-
تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه
باعا، وإذا أقبل يمشي أقبلت إليه أهرول".
وأحمد بسند صحيح قال الله عز وجل:
"يا ابن آدم قم إلي أمش
إليك وامش إلي أهرول إليك".
والشيخان: "لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره
وقد أضله بأرض فلاة".
ومسلم:
"لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم
كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت من يده وعليها طعامه
وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من
راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ
بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ
من شدة الفرح".
والشيخان:
"لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض
دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام
فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فطلبها حتى إذا اشتد عليها الحر
والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه
فأنام حتى أموت فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ فإذا
راحلته عنده عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة
العبد المؤمن من هذا براحلته" الدوية بفتح المهملة وتشديد الواو
والياء الفلاة القفر والمفازة.
والطبراني بسند حسن:
"من أحسن فيما بقي غفر له ما
مضى ومن أساء فيما بقي أخذ بما مضى وبما بقي".
وأحمد والطبراني بسند صحيح: "إن مثل الذي يعمل السيئات ثم
يعمل الحسنات كمثل رجل كانت عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل
حسنة فانفكت حلقة ثم عمل حسنة أخرى فانفكت أخرى حتى تخرج
إلى الأرض".
وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه والطبراني بسند رواته
ثقات: أن معاذ بن جبل أراد سفرا فقال: يا رسول الله أوصني.
قال صلى الله عليه وسلم: "اعبد الله ولا تشرك به شيئا"،
قال يا رسول الله زدني، قال:
"إذا أسأت فأحسن ولتحسن خلقك". والترمذي وصححه:
"اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق
الناس بخلق حسن".
وأحمد بسند حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر:
"ستة أيام ثم اعقل يا أبا ذر ما يقال
ج / 2 ص -394-
لك بعد"، فلما كان اليوم السابع
قال:
"أوصيك بتقوى الله في سرائرك وعلانيتك، وإذا أسأت
فأحسن، ولا تسألن أحدا شيئا وإن سقط سوطك، ولا تقبض أمانة".
ومسلم وغيره: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت
منها دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت، فقام له عمر:
لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال ولم يرد عليه النبي صلى
الله عليه وسلم شيئا، فقال الرجل: فانطلق فأتبعه النبي صلى
الله عليه وسلم رجلا دعاه فتلا عليه هذه الآية:
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ
النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}
[هود: 114] فقال رجل من القوم يا رسول الله هذا له خاصة؟
قال:
"بل للناس كافة".
والبزار والطبراني بسند جيد قوي واللفظ له: أن رجلا أتى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلها
ولم يترك منها شيئا وهو في ذلك لم يترك حاجة -أي وهو الذي
يقطع الطريق على الحاج إذا توجهوا- ولا داجة -أي وهو الذي
يقطع عليهم إذا رجعوا- إلا أتاها فهل لذلك من توبة؟ قال:
"فهل أسلمت"؟ قال أما أنا فأشهد
أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال:
"تفعل الخيرات وتترك السيئات فيجعلهن الله تعالى خيرات
كلهن"، قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال:
"نعم"، قال: الله أكبر فما زال يكبر حتى توارى.
تتمة:
أخرج البزار بسند حسن:
"إن بين أيديكم عقبة كئودا لا
ينجو منها إلا كل مخف".
والطبراني بسند صحيح:
"إن وراءكم عقبة كئودا لا
يجوزها المثقلون". قال أبو الدرداء راويه،
فأنا أحب أن أتخفف لتلك العقبة والكئود بفتح فضم الهمزة
العقبة الصعبة.
والطبراني: خرج صلى الله عليه وسلم يوما وهو آخذ بيد أبي
ذر فقال: "يا أبا ذر أعلمت أن بين أيدينا عقبة كئودا لا يصعدها إلا المخفون"؟ قال رجل: يا رسول الله أمن المخفين أنا
أم من المثقلين؟ قال:
"أعندك طعام يوم"؟ قال: نعم وطعام غد؟ قال:
"وطعام بعد غد" قال لا، قال:
"لو كان عندك طعام ثلاث كنت من المثقلين".
ج / 2 ص -395-
والترمذي وحسنه:
"الكيس من دان نفسه وعمل لما
بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله عز
وجل".
والبخاري: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله والنار مثل
ذلك".
والحاكم وصححه:
"اقتربت الساعة ولا يزداد الناس على الدنيا
إلا حرصا ولا يزدادون من الله إلا بعدا".
وابن حبان وابن ماجه:
"يا أيها الناس توبوا إلى الله
قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحات قبل أن تشغلوا،
وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة
في السر والعلانية ترزقوا وتنصروا وتجبروا".
والحاكم وصححه: "اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك، وصحتك
قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل
موتك".
والترمذي والبيهقي في الزهد:
"ما من أحد يموت إلا ندم"، قالوا وما ندامته يا رسول الله؟ قال:
"إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون
نزع".
وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي:
"إذا أحب الله عبدا عسله"، قالوا: وما عسله يا رسول
الله؟ قال:
"يوفق له عملا صالحا بين يدي رحلته حتى يرضى عنه
جيرانه" أو قال:
"من حوله". عسله بفتح العين والسين
المهملتين: من العسل وهو طيب الثناء، وقال بعضهم: هذا مثل
أي وفقه الله لعمل صالح يتحفه به كما يتحف الرجل أخاه إذا
أطعمه العسل.
والترمذي وآخرون بسند صحيح: أن رجلا قال يا رسول الله أي
الناس خير؟ قال:
"من طال عمره وحسن عمله"،
قال: فأي الناس شر؟ قال:
"من طال عمره وساء عمله".
والطبراني:
"إن لله عبادا يضن بهم عن القتل، ويطيل أعمارهم
في حسن العمل ويحسن أرزاقهم ويحييهم في عافية ويقبض
أرواحهم في عافية على الفرش ويعطيهم منازل الشهداء".
وأحمد بسند حسن:
"لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن
من
ج / 2 ص -396-
السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة".
والشيخان:
"لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنا فلعله يزداد في
إحسانه أو مسيئا فلعله يستعتب".
والشيخان:
"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -فذكرهم إلى أن قال-: ورجل دعته امرأة ذات
منصب وجمال فقال إني أخاف الله".
والشيخان:
"كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال
لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح،
فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما
مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك ففعلت
فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب
أو قال مخافتك فغفر له".
والترمذي وقال حسن غريب: "يقول الله عز وجل أخرجوا من
النار من ذكرني يوما أو خافني في مقام".
والشيخان:
"يقول الله تعالى: إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة
فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها
وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة" الحديث.
وابن حبان في صحيحه:
"قال الله عز وجل: وعزتي لا
أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين إذا خافني في الدنيا أمنته
في القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في القيامة".
ومسلم:
"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع
بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط
من رحمته أحد".
والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أنزل
الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6] تلاها
رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فخر فتى مغشيا
عليه فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على فؤاده فإذا هو
يتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا فتى قل لا إله إلا الله فقالها فبشره بالجنة"، فقال أصحابه: يا رسول الله أمن بيننا؟ فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "أو ما سمعتم قوله تعالى:
{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي
وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14]".
ج / 2 ص -397-
الأمر الثاني: في ذكر الحشر والحساب والشفاعة والصراط ومتعلقاتها.
ويشتمل على فصول
الفصل الأول: في
الحشر وغيره.
أخرج الشيخان:
"إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا" أي: بضم المعجمة وإسكان الراء جمع أغرل وهو
الأقلف، زاد في رواية
"مشاة"، وفي رواية لهما: قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت الرجال والنساء
جميعا ينظر بعضهم إلى بعض قال:
"الأمر أشد من أن يهمهم ذلك".
وفي أخرى صحيحة عن أم سلمة رضي الله عنها: فقلت واسوأتاه
ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
"شغل الناس"، قلت: وما يشغلهم؟ قال:
"نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل".
وفي أخرى صحيحة عن سودة بنت زمعة رضي الله عنها فقالت:
يبصر بعضنا بعضا؟ قال:
"شغل الناس
{لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]".
وفي أخرى صحيحة أيضا: فقالت امرأة يا رسول الله فكيف يرى
بعضنا بعضا؟ فقال: "إن الأبصار شاخصة فرفع بصره إلى السماء"، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يستر عورتي، قال:
"اللهم استر عورتها".
والشيخان:
"يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء -أي ليس بياضها بالناصع-
كقرصة النقي -وهو الخبز الأبيض-
ليس فيها علم لأحد". وفي رواية:
"معلم" وهو بفتح الميم ما يجعل
علامة للطريق أو الحد، وقيل المعلم الأثر؛ ومعناه أنها لم
توطأ قبل فيكون بها أثر أو علامة لأحد.
ج / 2 ص -398-
وفي رواية لهما: إن رجلا قال يا رسول الله قال الله تعالى:
{الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} [الفرقان: 34] أيحشر الكافر على وجهه؟ قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "أليس الذي أمشاه على رجلين في الدنيا قادرا على
أن يمشيه على وجهه يوم القيامة"
قال قتادة حين بلغه: بلى وعزة ربنا. والترمذي وحسنه:
"إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم".
والشيخان:
"يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق -أي حالات-
راغبين وراهبين واثنان على بعير
وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر
بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا،
وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي حيث أمسوا".
والشيخان: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في
الأرض سبعين ذراعا وإنه يلجمهم حتى يبلغ آذانهم"، ورويا أنه صلى الله عليه وسلم قال:
{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 6] قال:
"يقوم أحدهم في رشحه إلى
أنصاف أذنيه".
ومسلم:
"تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم
كمقدار ميل"، قال سليم بن عامر: والله
ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أو الميل الذي تكحل
به العين؟ قال:
"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه،
ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم
من يلجمه العرق إلجاما" وأشار صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه.
وفي رواية صححها الحاكم وغيره:
"ومنهم من يبلغ نصف الساق،
ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من
يبلغ الخاصرة ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ عنقه،
ومنهم يبلغ وسط فيه وأشار بيده ألجمها فاه، ومنهم من يغطيه
عرقه".
وأحمد والطبراني بسند جيد عن عبد العزيز العطار عن أنس رضي
الله عنه لا أعلم إلا رفعه قال:
"لم يلق ابن آدم شيئا منذ خلقه الله عز وجل أشد
عليه من الموت، ثم إن الموت أهون مما بعده، وإنهم ليلقون
من هول ذلك اليوم شدة حتى يلجمهم العرق حتى إن السفن لو
أجريت فيه لجرت".
ج / 2 ص -399-
والطبراني بسند جيد:
"إن الرجل ليلجمه العرق
يوم القيامة فيقول يا رب أرحني ولو إلى النار".
وأبو يعلى بسند صحيح:
{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ
لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}
"مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن
كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب".
وفي رواية صححها ابن حبان: "والذي نفسي بيده إنه ليخفف
على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة".
والطبراني وابن حبان في صحيحه:
"تجتمعون يوم القيامة فيقال أين
فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون فيقال لهم ماذا عملتم؟
فيقولون ربنا ابتليتنا فصبرنا وآتيت الأموال والسلطان
غيرنا فيقول الله جل وعلا صدقتم، قال: ويدخلون الجنة قبل
الناس وتبقى شدة الحساب على ذوي الأموال والسلطان قالوا
فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: يوضع لهم كراسي من نور ويظلل
عليهم الغمام ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة
من نهار".
وصح:
"إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة
عام".
وفي حديث رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح
والحاكم وصححه:
"إن الناس يعطون في الموقف نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يعطى
نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين أيديهم، ومنهم من يعطى
نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده، ومنهم
من يعطى أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلا يعطى نوره على
إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدم قدمه وإذا
طفئ قام".
وفيه أيضا:
"إن الناس يمرون على الصراط على قدر نورهم؛ منهم
من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر
كالسحاب ومنهم من يمر كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر
كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرحل
حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه
ورجليه تجر يد وتعلق يد وتجر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه
النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها فقال
الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدا إذ نجاني منها بعد
إذ رأيتها، فينطلق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود
ج / 2 ص -400-
إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلل الباب فيقول رب
أدخلني الجنة فيقول الله عز وجل أتسأل الجنة وقد نجيتك من
النار؟ فيقول رب اجعل بيني وبينها حجابا حتى لا أسمع
حسيسها فيدخل الجنة ويرى أو يرفع له منزل أمام ذلك كأن ما
هو فيه بالنسبة إليه حلم فيقول رب أعطني ذلك المنزل، فيقول
لعلك إن أعطيته تسأل غيره فيقول لا وعزتك يا رب لا أسأل
غيره وأي منزل أحسن منه؟ فيعطاه فينزله، ويرى أمام ذلك
منزلا فيقول كما تقدم فينزله ثم يسكت فيقول الله عز وجل ما
لك لا تسأل؟ فيقول رب قد سألتك حتى استحييتك فيقول الله جل
ذكره ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم
أفنيتها وعشرة أضعافه فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة؟ فيقول
الرب جل ذكره: لا ولكني على ذلك قادر سل فيقول ألحقني
بالناس فيقول الحق بالناس، قال فينطلق فيرمل في الجنة حتى
إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدا فيقال له
ارفع رأسك ما لك؟ فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال
إنما هو منزل من منازلك ثم يلقى رجلا فيتهيأ للسجود، فيقال
له مه فيقول رأيت أنك ملك من الملائكة، فيقول إنما أنا
خازن من خزانك وعبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل
ما أنا عليه، فينطلق أمامه حتى يفتح له باب القصر وهو من
درة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها
تستقبله جوهرة خضراء مبطنة بحمراء فيها سبعون بابا كل باب
يفضي إلى جوهرة خضراء مبطنة، كل جوهرة تفضي إلى جوهرة على
غير لون الأخرى في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن
حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها،
كبدها مرآته وكبده مرآتها، إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في
عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك فيقول لها: والله لقد
ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له أنت لقد ازددت في عيني
سبعين ضعفا فيقال له أشرف فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة
عام ينفذه بصرك". فقال عمر لما سمع هذا الحديث من ابن مسعود لكعب: ألا تسمع ما
يحدثنا به ابن أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف
أعلاهم؟ قال: يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
فذكر الحديث.
ج / 2 ص -401-
الفصل الثاني: في ذكر الحساب وغيره.
أخرج الترمذي وصححه:
"لا تزول قدما عبد يوم القيامة
حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه ما عمل به؟
وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه".
ورواه الطبراني بسند صحيح إلا أنه قال:
"وعن شبابه فيما أبلاه".
والبزار والطبراني بسند صحيح:
"من نوقش الحساب هلك".
وأحمد بسند صحيح:
"لو أن رجلا خر على وجهه من يوم ولد إلى يوم
يموت هرما في طاعة الله عز وجل لحقره ذلك اليوم ويود أنه
لو رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب".
والبزار:
"يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان
فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من
الله عليه؛ فيقول الله تبارك وتعالى لأصغر نعمة، أحسبه قال
في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله
الصالح ثم يتنحى ويقول وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب
والنعم وقد ذهب العمل الصالح، فإذا أراد الله أن يرحم عبدا
قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيئاتك، أحسبه
قال ووهبت لك نعمي".
والطبراني: إن رجلا من الحبشة أتى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والنبوة
أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به إني
لكائن معك في الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"نعم"، ثم قال النبي صلى الله
عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند
الله، ومن قال سبحان الله كتب له مائة ألف حسنة"، فقال رجل: يا رسول الله كيف نهلك بعد هذا؟ فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: "والذي نفسي بيده إن الرجل ليجيء يوم القيامة
بعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله
فتكاد تستنفد ذلك كله لولا ما يتفضل الله تعالى من رحمته"،
ثم نزلت: {هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ
مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً}
إلى قوله تعالى:
{وَمُلْكاً كَبِيراً} [الإنسان: 1 - 20] فقال الحبشي: يا رسول
الله وهل ترى عيني في الجنة
ج / 2 ص -402-
مثل ما ترى عينك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"نعم"، فبكى الحبشي حتى فاضت
نفسه، قال ابن عمر: فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يدليه في حفرته.
والحاكم وصححه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال:
"خرج من عندي خليلي جبريل آنفا فقال: يا محمد والذي بعثك بالحق إن
لله تعالى عبدا من عباده عبد الله عز وجل خمسمائة سنة على
رأس جبل في البحر عرضه وطوله ثلاثون ذراعا في ثلاثين ذراعا
والبحر محيط به أربعة آلاف فرسخ من كل ناحية، وأخرج له
عينا عذبة بعرض الأصبع تبض بماء عذب فيستنقع في أسفل الجبل
وشجرة رمان تخرج في كل ليلة رمانة يتعبد يومه فإذا أمسى
نزل فأصاب الوضوء وأخذ تلك الرمانة فأكلها ثم قام لصلاته،
فسأل ربه عن وقت الأجل أن يقبضه ساجدا وأن لا يجعل للأرض
ولا لشيء يفسده عليه سبيلا حتى يبعثه وهو ساجد، قال: ففعل
فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرجنا فنجد له في العلم أنه
يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله فيقول له الرب جل
جلاله أدخلوا عبدي الجنة برحمتي فيقول: رب بل بعملي فيقول:
أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب بل بعملي، فيقول الله
تعالى قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله فتوجد نعمة البصر قد
أحاطت بعبادة خمسمائة سنة وبقيت نعمة الجسد فضلا عليه،
فيقول: أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار فينادي: رب
برحمتك أدخلني الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه فيقول:
يا عبدي من خلقك ولم تك شيئا؟ فيقول أنت يا رب، فيقول من
قواك لعبادة خمسمائة سنة؟ فيقول أنت يا رب، فيقول من أنزلك
في جبل وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء الملح
وأخرج لك كل ليلة رمانة وإنما تخرج مرة في السنة وسألته أن
يقبضك ساجدا ففعل؟ فيقول أنت يا رب، قال فذلك برحمتي
وبرحمتي أدخلك الجنة أدخلوا عبدي الجنة، فنعم العبد كنت يا
عبدي فأدخله الله الجنة، قال جبريل إنما الأشياء برحمة
الله يا محمد".
والشيخان:
"سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل أحدا الجنة
عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال:
"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، وفي رواية سندها حسن:
"ولا أنا إلا أن الله تغمدني برحمته" وقال: أي فعل بيده
فوق رأسه.
ومسلم: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد
للشاة الجلحاء -أي التي لا قرن لها-
من الشاة القرناء".
ج / 2 ص -403-
وأحمد بسند صحيح:
"يقتص للخلق بعضهم من
بعض حتى للجماء من القرناء وحتى للذرة من الذرة".
وأحمد بسند حسن: "ليختصمن كل شيء يوم القيامة حتى الشاتان
فيما انتطحتا".
ومر الحديث الصحيح: أنه صلى الله عليه وسلم دعا وصيفة له
أو لأم سلمة فلم تجبه فغضب وكان بيده سواك فقال:
"لولا خشية القود لأوجعتك بهذا
السواك".
وأحمد بسند صحيح:
"يحشر الله العباد أو قال الناس يوم القيامة
حفاة عراة غرلا بهما" قال عبد الله بن أنس
راوي الحديث رضي الله عنه قال قلنا وما بهما؟ قال:
"ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من
قرب أنا الديان أنا الملك لا ينبغي لأحد من أهل النار أن
يدخل النار وعنده لأحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا
ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعنده لأحد من أهل
النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة"، قال: قلنا كيف وإنما يأتي
الناس حفاة عراة غرلا بهما؟ قال:
"الحسنات والسيئات".
ومسلم وغيره: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة
وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك
دم هذا وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن
فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت
عليه ثم طرح في النار".
والطبراني:
"يكون للوالدين على ولدهما دين فإذا كان يوم
القيامة يتعلقان به فيقول أنا ولدكما فيودان أو يتمنيان أن
لو كان أكثر من ذلك".
والشيخان واللفظ لمسلم: قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم
القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، فهل تضارون في رؤية
الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية
القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب"؟ قالوا لا يا رسول الله،
قال:
"فما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما
تضارون في رؤية أحدهما. إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن
لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله
من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق
إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب -أي بمعجمة مضمومة فموحدة مشددة مفتوحة
ج / 2 ص -404-
جمع غابر: وهو الباقي-
فتدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا كنا نعبد
عزيرا ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد
فماذا تبغون؟ قالوا عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا
تردون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا
فيتساقطون في النار ثم تدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم
تعبدون؟ قالوا كنا نعبد المسيح ابن الله فيقال كذبتم ما
اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ فيقولون عطشنا يا
ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها
سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق
إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة
من التي رأوه فيها، قال فما تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت
تعبد، قالوا يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا
إليهم ولم نصاحبهم، فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك
لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى إن بعضهم ليكاد أن
ينقلب فيقال هل بينكم وبينه آية فتعرفونه؟ فيقولون نعم
فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا
أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء
إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على
قفاه ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها
أول مرة، فقال: أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر
على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم"، قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال:
"دحض -بسكون الحاء: زلق مزلق أي
لا يثبت عليه قدم إلا زل-،
فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون
بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان -أي وهو نبت ذو شوك
معقف-
فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح
وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم ومخدوش مرسل
ومكدوش -أي بمعجمة مدفوع دفعا عنيفا في نار جهنم-
حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم
بأشد مناشدة لله تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين لله
تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار".
وفي رواية لهما:
"فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم
من المؤمنين يومئذ للجبار إذا رأوا أنهم قد نجوا في
إخوانهم، فيقولون ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون
فيقال لهم أخرجوا من عرفتم صورهم على النار فيخرجون خلقا
كثيرا قد أخذت النار نصف ساقيه وإلى ركبتيه، فيقولون ربنا
ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول ارجعوا فمن وجدتم في
قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون
ج / 2 ص -405-
خلقا كثيرا، فيقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول
ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه
فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحدا ممن
أمرتنا ثم يقول ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير
فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها
خيرا"، وكان أبو سعيد الخدري راوي الحديث يقول إن
لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم:
{إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ
حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً
عَظِيماً}
[النساء: 40]
"فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع
النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض
قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا
حمما
-أي بضم المهملة ففتح جمع حممة وهي الفحمة- فيلقيهم
في نهر على أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما
تخرج الحبة -أي وهي بكسر الحاء المهملة: بزر البقول والرياحين أو بزر العشب
أو نبت في الحشيش صغير أو جميع بزور النبات أو بزر ما نبت
من غير بزر وما بذر تفتح حاؤه أقوال-
في حميل السيل
-أي بفتح فكسر زبده وما يلقيه على ساحله-
ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس
أصفر وأخضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض"، فقالوا يا رسول الله كأنك
كنت ترعى بالبادية، قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم
الخواتيم فيعرفهم أهل الجنة يقولون هؤلاء عتقاء الله الذين
أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول الله
تعالى ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون ربنا
أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول لكم عندي أفضل
من هذا، فيقولون ربنا وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول رضاي فلا
أسخط عليكم أبدا".
ومسلم: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك فقال:
"هل تدرون مم أضحك"؟ قلنا الله ورسوله أعلم،
قال: "من مخاطبة العبد ربه فيقول يا رب ألم تجرني من
الظلم، فيقول بلى، فيقول إني لا أجيز اليوم على نفسي شاهدا
إلا مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام
الكاتبين شهودا. قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي
فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن
وسحقا فعنكن كنت أناضل" أي: أخاصم وأدافع.
ج / 2 ص -406-
وابن حبان في صحيحه: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية:
{يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}
[الزلزلة: 4] قال:
"أتدرون ما أخبارها"؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال:
"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها تقول عمل
كذا وكذا في يوم كذا وكذا".
والترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والبيهقي عن النبي صلى
الله عليه وسلم في قوله تعالى:
{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ
بِإِمَامِهِمْ} [الإسراء: 71] قال:
"يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمد له في جسمه ستون ذراعا ويبيض
وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ. قال: فينطلق إلى
أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا
في هذا حتى يأتيهم، فيقول لهم: أبشروا فإن لكل رجل منكم
مثل هذا، وأما الكافر فيعطى كتابه بشماله مسودا وجهه ويمد
له في جسمه ستون ذراعا على صورة آدم ويجعل على رأسه تاج من
نار فيراه أصحابه، فيقولون نعوذ بالله من شر هذا اللهم لا
تأتنا بهذا. قال: فيأتيهم، فيقولون اللهم اخزه فيقول
أبعدكم الله فإن لكل رجل منكم مثل هذا".
ج / 2 ص -407-
الفصل الثالث: في الحوض والميزان والصراط.
أخرج الشيخان: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض
من الورق"، وفي رواية:
"اللبن"، وفي أخرى صحيحة أيضا:
"وأحلى من العسل"،
وفي أخرى صحيحة:
"وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء
من شرب منه لا يظمأ أبدا". وفي رواية صحيحة:
"ولا يسود وجهه أبدا".
قال القاضي عياض: ظاهره تأخر الشرب منه على الحساب والمرور
على الصراط، إذ هذا هو الذي يأمن من العطش، وقيل: لا يشرب
منه إلا من قدر له السلامة من النار، ويحتمل أن من شرب منه
من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار يعذب فيها بغير الظمأ؛
لأن ظاهر الحديث الآخر أن جميع الأمة يشربون منه إلا من
ارتد، وقيل؛ جميع مؤمني الأمم يأخذون كتبهم بأيمانهم ثم
يعذب الله من شاء من عصاتهم وهذا مثله انتهى. وقال غيره:
اختلف العلماء هل الحوض في أرض المحشر قبل جواز الصراط أو
في أرض الجنة التي لا يتوصل إليها إلا بعد جوازه؟.
وأحمد بسند رواته محتج بهم في الصحيح:
"إن الله تعالى قد وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا
بغير حساب"، فقال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمتك إلا كالذباب
الأصهب في الذباب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إن ربي عز وجل قد وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا
وزادني ثلاث حثيات". قال: فما سعة حوضك يا نبي الله؟ قال:
"كما بين عدن إلى عمان وأوسع يشير بيده فيه مثعبان"
بميم فمثلثة فمهملة فموحدة فألف فنون فتحان من الجنة من
ورق وذهب. والمثعب مسيل الماء.
وفي رواية:
"أول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين الشعث
رءوسا الدنس ثيابا الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم
أبواب السدد" يعني أبواب السلاطين.
وأحمد بإسناد حسن:
"حوضي كما بين عدن وعمان أبرد من الثلج
وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك وأكوابه مثل نجوم
السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا أول الناس عليه
ورودا صعاليك المهاجرين"، قال قائل من هم يا رسول
ج / 2 ص -408-
الله؟ قال:
"الشعثة رءوسهم -أي بعيدة عهد بدهن وغسل وتسريح شعر-
الشحبة وجوههم -أي: من الشحوب وهو تغير الوجه من جوع أو
هزال أو تعب-
الدنسة ثيابهم
-أي الوسخة-
لا تفتح لهم السدد
-أي: الأبواب-
ولا ينكحون المنعمات الذين يعطون كل الذي عليهم
لا يعطون كل الذي لهم".
وفي رواية لمسلم:
"يغت فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من
ذهب والآخر من فضة -ويغت بمعجمة مضمومة
ففوقية: أي يجريان فيه جريا له صوت-
وفيها: إني لبعقر -أي بضم المهملة فقاف ساكنة-
مؤخرة حوضي أذود -أي أدفع-
الناس عنه لأهل اليمن" أي: لأجل شربهم أضرب بعصاي
حتى يرفض عليهم أي بتشديد المعجمة: يسيل الماء ويترشش.
وفي رواية للشيخين: "فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم
السماء"
زاد في رواية:
"أو أكثر من عدد نجوم السماء"، وفي رواية صحيحة:
"فيه ميزابان ينثعبان من الجنة من ورق وذهب".
وأخرج أبو داود عن الحسن: عن عائشة أنها بكت فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
"ما يبكيك"؟
قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟
فقال صلى الله عليه وسلم:
"أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم
أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع
كتابه في يمينه أم في شماله أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا
وضع بين ظهراني جهنم حتى يعلم أيجوز أم لا؟".
وأخرجه الحاكم وقال: إنه صحيح على شرطهما لولا إرسال فيه
بين الحسن وعائشة، والترمذي وقال حسن غريب عن أنس رضي الله
عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي
يوم القيامة قال:
"أنا فاعل إن شاء الله
تعالى"، قلت فأين أطلبك؟ قال: "أول ما تطلبني على الصراط"،
قلت: فإن لم ألقك على الصراط، قال:
"فاطلبني عند الميزان"، قلت فإن لم ألقك عند الميزان، قال:
قال:
"فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاثة
مواطن".
والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم:
"يوضع الميزان يوم
القيامة فلو وزنت أو وضعت فيه السموات والأرض لوضعت فتقول
الملائكة يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى لمن شئت من
خلقي فتقول الملائكة سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع
ج / 2 ص -409-
الصراط مثل حد الموسى فتقول الملائكة من يجوز على هذا؟ فيقول من شئت
من خلقي فيقولون سبحانك ما عبدناك حق عبادتك".
والطبراني بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:
"يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة
مزلة عليه كلاليب من نار يختطف بها فممسك يهوي فيها
ومصروع؛ ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو ثم
كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو ثم كجري الفرس ثم كسعي الرجل
ثم كرمل الرجل ثم كمشي الرجل، ثم يكون آخرهم إنسانا رجل قد
لوحته النار ولقي فيها شرا ثم يدخله الله الجنة بفضله
وكرمه ورحمته فيقال له تمن وسل فيقول أي رب أتهزأ مني وأنت
رب العزة؟ فيقال له تمن وسل حتى إذا انقطعت به الأماني قال
لك ما سألت ومثله معه".
ومسلم عن أم مبشر الأنصارية رضي الله عنها أنها سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة رضي الله عنها:
"لا يدخل النار إن شاء
الله تعالى من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها". قالت بلى يا رسول الله فانتهرها فقالت حفصة رضي الله عنها:
{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
"قد قال الله تعالى:
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا
جِثِيّاً} [مريم: 72]".
وأحمد بسند رواته ثقات والبيهقي بسند حسن: إن جماعة
اختلفوا في الورود، فقال بعضهم لا يدخلها مؤمن وقال بعضهم
يدخلونها جميعا ثم ينجي الله الذين اتقوا فسأل بعضهم جابر
بن عبد الله رضي الله عنه، فقال: تردونها جميعا ثم أهوى
بأصبعيه إلى أذنيه وقال صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين
بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار -أو قال:
لجهنم ضجيجا من بردهم
{ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ
اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً}".
والحاكم وقال على شرط مسلم:
"يرد الناس ثم يصدرون عنها
بأعمالهم أولهم كلمح البرق ثم كلمح الريح ثم كحضر الفرس ثم
كالراكب في رحله ثم كشد الرجل ثم كمشيه".
والحاكم وقال على شرط مسلم أيضا:
"يلقى رجل أباه يوم
القيامة فيقول يا
ج / 2 ص -410-
أبت: أي ابن كنت لك؟ فيقول خير ابن فيقول هل أنت مطيعي اليوم فيقول
نعم فيقول خذ بأزرتي فيأخذه بأزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله
تبارك وتعالى -أي عن صفات المحدثات فالإتيان هنا مجاز-
وهو يعرض بين الخلق فيقول يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول
أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني قال فيمسخ أباه
ضبعا فيهوي في النار فيأخذ بأنفه فيقول الله تعالى أبوك
هو؟ فيقول لا وعزتك" وهو في البخاري إلا أنه قال:
"يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر" فذكر القصة بنحوه.
ج / 2 ص -411-
الفصل الرابع: في الإذن في الشفاعة ووضع الصراط متأخر عن الإذن في
الشفاعة العامة.
أخرج الشيخان:
"كل نبي سأل سؤالا"، أو قال:
"لكل نبي دعوة قد دعاها لأمته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم
القيامة".
والبيهقي وصححه:
"رأيت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دم
بعض فأحزنني وسبق ذلك من الله عز وجل كما سبق في الأمم
قبلهم، فسألته أن يوليني فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل".
وأحمد بسند صحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي إلى أن قال:
والخامسة هي ما قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي
إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله".
والبزار والطبراني بسند حسن: يا رسول الله ألا سألت ربك
ملكا كملك سليمان؟ فضحك ثم قال:
"فلعل لصاحبكم عبد الله أفضل من ملك سليمان، إن
الله تعالى لم يبعث نبيا قط إلا أعطاه دعوة، منهم من
اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه
فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي
شفاعة لأمتي يوم القيامة".
والأحاديث في هذا كثيرة من الصحاح وغيرها.
والطبراني بأسانيد أحدها جيد:
"ألا أخبركم بما خيرني ربي
آنفا"؟ قلنا بلى يا رسول الله. قال:
"خيرني بين أن يدخل ثلثي أمتي الجنة بغير حساب ولا عذاب وبين
الشفاعة"، قلنا يا رسول الله ما الذي اخترت؟ قال:
"الشفاعة"
قلنا جميعا يا رسول الله اجعلنا من أهل شفاعتك، قال صلى
الله عليه وسلم:
"إن شفاعتي لكل مسلم".
والطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله عنه قال:
"تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين ثم تدنى من جماجم
الناس" قال فذكر الحديث. قال:
"فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون يا نبي الله أنت
الذي فتح الله لك وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر وقد
ترى ما نحن فيه فاشفع لنا إلى ربك، فيقول أنا صاحبكم فيخرج
بجرس بين الناس حتى ينتهي إلى باب الجنة فيأخذ بحلقة
بالباب من ذهب فيقرع الباب، فيقال: من هذا؟ فيقول محمد
فيفتح له حتى يقوم بين يدي الله عز وجل فيسجد فينادى ارفع
ج / 2 ص -412-
رأسك وسل تعط واشفع تشفع فذلك المقام المحمود".
وأحمد بسند رواته ثقات محتج بهم في الصحيح:
"إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط إذ جاء عيسى عليه
السلام فقال هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمد يسألون أو قال
يجتمعون إليك يدعون الله تعالى أن يفرق بين جميع الأمم إلى
حيث يشاء لعظم ما هم فيه فإنهم ملجمون بالعرق، فأما المؤمن
فهو عليه كالزكمة. وأما الكافر فيغشاه الموت قال يا عيسى
انتظر حتى أرجع إليك. قال: وذهب نبي الله صلى الله عليه
وسلم فقام تحت العرش فلقي ما لم يلق ملك مصطفى ولا نبي
مرسل، فأوحى الله تعالى إلى جبريل عليه السلام أن أذهب إلى
محمد فقل له ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع. قال: فشفعت في
أمتي أن أخرج من تسعة وتسعين إنسانا واحدا. قال فما زلت
أتردد على ربي جل وعلا فلا أقوم فيه مقاما إلا شفعت حتى
أعطاني الله من ذلك قال: أدخل من أمتك من خلق الله تعالى
ممن شهد أن لا إله إلا الله يوما مخلصا ومات على ذلك".
والطبراني بسند حسن:
"يدخل من أهل هذه القبلة النار
من لا يحصي عددهم إلا الله تعالى بما عصوا الله تعالى
واجترءوا على معصيته وخالفوا طاعته فيؤذن لي في الشفاعة
فأثني على الله ساجدا كما أثني عليه قائما، فيقال لي ارفع
رأسك وسل تعطه واشفع تشفع".
وأحمد وأبو يعلى والبزار وابن حبان في صحيحه وقال عن إسحاق
بن راهويه هذا من أشرف الحديث عن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه وكرم الله وجهه قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه
وسلم ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك
صلى الله عليه وسلم وجلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر
والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة ثم قام إلى
أهله، فقال الناس لأبي بكر رضي الله عنه سل رسول الله صلى
الله عليه وسلم ما شأنه صنع اليوم شيئا لم يصنعه قط؟ قال:
فسأله فقال: "عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا والآخرة يجمع الأولون والآخرون
بصعيد واحد حتى انطلقوا إلى آدم عليه السلام والعرق يكاد
يلجمهم، فقالوا يا آدم أنت أبو البشر اصطفاك الله تعالى
اشفع لنا إلى ربك، فقال لقد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا
إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح:
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ
عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
[آل عمران: 33]
فينطلقون إلى نوح عليه السلام فيقولون اشفع
لنا إلى ربك فأنت الذي
ج / 2 ص -413-
اصطفاك الله واستجاب الله لك في دعائك فلم يدع على الأرض من الكافرين
ديارا، فيقول ليس ذاكم عندي فانطلقوا إلى إبراهيم فإن الله
اتخذه خليلا، فينطلقون إلى إبراهيم عليه السلام فيقول ليس
ذاكم عندي فانطلقوا إلى موسى فإن الله كلمه تكليما،
فينطلقون إلى موسى عليه السلام فيقول ليس ذاكم عندي ولكن
انطلقوا إلى عيسى ابن مريم فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص
ويحيى الموتى، فيقول عيسى ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى
سيد ولد آدم فإنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة،
انطلقوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فليشفع لكم إلى ربكم.
قال: فينطلقون فيأتي جبريل ربه فيقول ائذن له وبشره
بالجنة. قال: فينطلق به جبريل عليه السلام فيخر ساجدا قدر
جمعة، ثم يقول الله تبارك وتعالى يا محمد ارفع رأسك وقل
يسمع واشفع تشفع فيرفع رأسه فإذا نظر إلى ربه خر ساجدا قدر
جمعة أخرى فيقول الله يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع واشفع
تشفع فيذهب ليقع ساجدا فيأخذ جبريل بضبعيه ويفتح الله
تعالى عليه من الدعاء ما لم يفتح على بشر قط فيقول: أي رب
جعلتني سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض يوم
القيامة ولا فخر، حتى أنه ليرد على الحوض أكثر ما بين
صنعاء وأيلة ثم يقال ادعوا الصديقين فيشفعون، ثم يقال
ادعوا الأنبياء قال فيجيء النبي ومعه العصابة والنبي معه
الخمسة والستة والنبي ليس معه أحد، ثم يقال ادعوا الشهداء
فيشفعون فيمن أراد فإذا فعلت الشهداء ذلك يقول الله عز وجل
أنا أرحم الراحمين أدخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئا
فيدخلون الجنة ثم يقول الله تعالى: انظروا في النار هل
فيها من أحد عمل خيرا قط فيجدون في النار رجلا فيقال له هل
عملت خيرا قط؟ فيقول لا غير أني كنت أسامح الناس في البيع،
فيقول الله تعالى اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي، ثم يخرج
من النار آخر فيقال له: هل عملت خيرا قط؟ فيقول: لا غير
أني كنت أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني بالنار ثم اطحنوني حتى
إذا كنت مثل الكحل اذهبوا إلى البحر فذروني في الريح، فقال
الله: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، فيقول انظروا إلى ملك
أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله فيقول لم تسخر بي وأنت
الملك فذلك الذي ضحكت به من الضحى"، ورواه جماعة من الصحابة بنحو هذا منهم حذيفة وابن مسعود وأبو
هريرة وغيرهم رضي الله عنهم.
ومسلم:
"يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون
حتى تزلف لهم
ج / 2 ص -414-
الجنة، فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل
أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى
ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيقول إبراهيم لست بصاحب ذلك
إنما كنت خليلا من وراء اعمدوا إلى موسى الذي كلمه الله
تكليما، قال: فيأتون موسى فيقول لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى
عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى لست بصاحب ذلك ائتوا
محمدا فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيؤذن له
وترسل الأمانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا
فيمر أولكم كالبرق الخاطف، قال: قلت بأبي أنت وأمي أي شيء
كالبرق؟ قال ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة
عين، ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرجال تجري بهم
أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول رب سلم سلم حتى تعجز
أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع إلا زحفا وفي
حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة تأخذ من أمرت به فمخدوش
ناج ومكدوش في النار، والذي نفس محمد بيده إن قعر جهنم
لسبعين خريفا".
والشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش
منها نهشة وقال:
"أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين
والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي
وتدنو منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون
ولا يحتملون فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه -أي إلى ما بلغكم-
ألا تنتظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض:
ائتوا آدم فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله
بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك وأسكنك
الجنة ألا تشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه وما
بلغنا، أو قال: ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول إن ربي قد
غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه
نهاني عن الشجرة فعصيته نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري
اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا فيقولون يا نوح أنت أول الرسل
إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك
أفلا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما بلغنا، فيقول لهم نوح إن
ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله
وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي نفسي
اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم
فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع
لنا إلى
ج / 2 ص -415-
ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي غضب
اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني كنت
كذبت ثلاث كذبات فذكرها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري
اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون أنت رسول الله
وكليمه فضلك برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك
ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى إلى ما قد بلغنا فيقول إن
ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله،
وإني قتلت نفسا لم أومر بقتلها نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى
غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون إلى عيسى فيقولون يا عيسى
أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت
الناس في المهد اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ألا
ترى ما قد بلغنا، فيقول عيسى إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم
يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبا نفسي
نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه
وسلم فيأتون محمدا صلى الله عليه وسلم فيقولون يا محمد أنت
رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ألا ترى
ما قد بلغنا، فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي ثم
يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه
على أحد قبلي، ثم يقال يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع
تشفع فأرفع رأسي فأقول يا رب أمتي يا رب أمتي، فيقول يا
محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من
أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم
قال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إن ما بين
المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين
مكة وبصرى".
وأبو داود والطبراني وابن حبان في صحيحه والبيهقي:
"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي".
وأحمد والطبراني بسند جيد:
"خيرت بين الشفاعة أو يدخل نصف
أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى، أما إنها ليست
للمؤمنين المتقين ولكنها للمذنبين الخاطئين المنكوبين".
ج / 2 ص -416-
الأمر الثالث: في ذكر النار وما يتعلق بها أعاذنا الله منها بمنه
وكرمه.
أخرج البخاري: كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[البقرة: 201].
وأبو يعلي أنه صلى الله عليه وسلم خطب فقال:
"لا تنسوا العظيمتين الجنة والنار"
ثم بكى حتى جرى أو بل دموعه جانبي لحيته، ثم قال:
"والذي نفسي بيده لو تعلمون ما أعلم من أمر الآخرة لمشيتم
على الصعيد ولحثيتم على رءوسكم التراب".
والطبراني في الأوسط: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه
وسلم في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه فقام إليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"يا جبريل ما لي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله عز
وجل بمنافح النار"، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
"يا جبريل صف لي النار أو انعت لي جهنم، فقال
جبريل: إن الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف
عام حتى ابيضت؛ ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم
أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا
يضيء شررها ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق نبيا لو أن
قدر ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعا من
حره، والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى
أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم جميعا من حره، والذي
بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا
لمات من في الأرض كلهم جميعا من قبح وجهه ومن نتن ريحه،
والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي
نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت
حتى تنتهي إلى الأرض السفلى"، فقال
ج / 2 ص -417-
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"حسبي يا جبريل لا ينصدع قلبي فأموت"،
قال: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل وهو
يبكي، فقال:
"تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟ فقال: وما لي لا
أبكي وأنا أحق بالبكاء لعلي أكون في علم الله على غير
الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به
إبليس فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي
به هاروت وماروت"،
قال: فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل فما
زالا يبكيان حتى نوديا أن يا جبريل ويا محمد إن الله تعالى
قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل وخرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون فقال: "أتضحكون ووراءكم جهنم؟ فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم
كثيرا ولما أسغتم الطعام والشراب ولخرجتم إلى الصعدات
تجأرون إلى الله عز وجل، فنودي يا محمد لا تقنط عبادي إنما
بعثتك مبشرا ولم أبعثك معسرا"، فقال صلى الله عليه وسلم:
"سددوا وقاربوا".
وأحمد من رواية إسماعيل بن عياش وبقية رواته ثقات أنه صلى
الله عليه وسلم قال لجبريل:
"ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط؟ قال ما ضحك
ميكائيل منذ خلقت النار".
وابن ماجه والحاكم وصححه:
"إن ناركم هذه جزء من سبعين
جزءا من نار جهنم، ولولا أنها أطفئت بالنار مرتين لما
انتفعتم بها وإنها لتدعو الله عز وجل أن لا يعيدها فيها".
ومسلم:
"يؤتى بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع
كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها".
ومالك والشيخان وغيرهما:
"ناركم هذه التي يوقد بها بنو
آدم جزء واحد من سبعين جزءا من نار جهنم"،
قالوا والله إن كانت لكافية، قال:
"إنها فضلت عليها بتسعة
وستين جزءا كلهن مثل حرها". زاد أحمد وابن حبان
في صحيحه والبيهقي:
"وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك
ما جعل الله فيها منفعة لأحد".
وأخرج أحمد بسند صحيح:
"إن هذه النار جزء من مائة جزء
من جهنم".
وأبو يعلى بسند حسن: "لو كان في هذا المسجد مائة
ألف أو يزيدون وفيهم رجل من أهل النار فتنفس فأصابهم نفسه
لأحرق المسجد ومن فيه".
ج / 2 ص -418-
أبو داود والنسائي والترمذي وصححه واللفظ له:
"لما خلق الله تعالى الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة، فقال انظر
إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء ونظر إليها وإلى ما
أعد الله لأهلها فيها فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها
أحد إلا دخلها فأمر بها فحفت بالمكاره، فقال ارجع فانظر
إلى ما أعددت لأهلها فيها فرجع إليها فإذا هي قد حفت
بالمكاره فرجع إليه وقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد،
فقال اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها
فيها فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال:
وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فحفت بالشهوات
فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا
يبقى أحد إلا دخلها".
والبيهقي بسند لا بأس به عن ابن مسعود رضي الله عنه:
{إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ} [المرسلات: 32] قال: أما إني لست أقول كالشجر ولكن كالحصون
والمدائن.
وأحمد وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه:
"ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن
يبلغ قعره".
والترمذي:
"ويل واد بين جبلين يهوي فيه الكافر سبعين خريفا
قبل أن يبلغ قعره".
وابن ماجه واللفظ له والترمذي:
"تعوذوا بالله من جب الحزن"، قالوا: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال:
"واد في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم أربعمائة مرة"، قيل يا رسول الله من يدخله؟ قال:
"أعد للقراء المرائين بأعمالهم، وإن من أبغض القراء إلى
الله الذين يزورون الأمراء الجورة".
والطبراني:
"إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي كل
يوم أربعمائة مرة أعد للمرائين من أمة محمد صلى الله عليه
وسلم".
وابن أبي الدنيا:
"إن في النار سبعين ألف واد في كل واد سبعون
ألف شعب في كل شعب سبعون ألف حجر في كل حجر حية تأكل وجوه
أهل النار". والبخاري في تاريخه بسند فيه نكارة:
"إن في جهنم سبعين ألف واد في كل واد سبعون ألف شعب في كل
شعب سبعون ألف دار في كل دار سبعون ألف بيت في كل بيت
سبعون
ج / 2 ص -419-
ألف بئر وفي كل بئر سبعون ألف ثعبان في شدق كل ثعبان سبعون ألف عقرب
لا ينتهي الكافر أو المنافق حتى يواقع ذلك كله".
والترمذي بسند فيه انقطاع:
"إن الصخرة العظيمة لتلقى من
شفير جهنم فتهوي فيها سبعين خريفا وما تفضي إلى قرارها".
وكان عمر رضي الله عنه يقول: أكثروا ذكر النار فإن حرها
شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد.
والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي:
"لو أن حجرا قذف به في جهنم لهوى بها سبعين خريفا قبل أن
يبلغ قعرها".
ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى
الله عليه وسلم فسمعنا وجبة فقال النبي صلى الله عليه
وسلم:
"أتدرون ما هذا؟" قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:
"هذا حجر أرسله الله في جهنم منذ سبعين خريفا فالآن حين
انتهى إلى قعرها".
والطبراني عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم صوتا هاله فأتاه جبريل عليه
السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ما هذا الصوت يا جبريل؟ فقال: هذه صخرة هوت من شفير جهنم من سبعين
عاما فهذا حين بلغت قعرها فأحب الله تعالى أن يسمعك صوتها"، فما رئي رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا ملء فيه حتى قبضه
الله عز وجل.
وأحمد والترمذي وحسنه:
"لو أن رصاصة مثل هذه وأشار إلى
الجمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة
لبلغت الأرض قبل الليل ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة
لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها".
وأحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه:
"لو أن مقمعا من حديد جهنم وضع
في الأرض فاجتمع له الثقلان ما أقلوه من الأرض".
والحاكم وصححه:
"لو ضرب الجبل بمقمع من حديد جهنم لتفتت
فصار رمادا" المقمع المطراق، وقيل
السوط.
وابن أبي الدنيا:
"إن الحجر الواحد منها لو وضع على جبال
الدنيا لذابت منه وإن مع كل إنسان منهم حجرا وشيطانا".
ج / 2 ص -420-
والحاكم وصححه:
"إن الأرضين السبع بين كل أرض
والتي تليها مسيرة خمسمائة عام؛ فالعليا منها على ظهر حوت
قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة والصخرة بيد
ملك، والثانية سجن الريح؛ فلما أراد الله تعالى أن يهلك
عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلكهم. قال: يا
رب أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار
تبارك وتعالى: إذن تكفيء الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم
بقدر خاتم فهي التي قال الله في كتابه العزيز
{مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ
أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 42]
والثالثة فيها حجارة جهنم،
والرابعة فيها كبريت جهنم"، قالوا يا رسول الله:
أللنار كبريت؟ قال:
"نعم والذي نفسي بيده إن فيها
الأودية من كبريت لو أرسل فيها الجبال الرواسي لماعت،
والخامسة فيها حيات جهنم إن أفواهها كالأودية تلسع الكافر
اللسعة فلا يبقى منه لحم على عظم السادسة فيها عقارب جهنم
إن أدنى عقرب منها كالبغال الموكفة تضرب الكافر ضربة تنسيه
ضربتها حر جهنم، والسابعة فيها إبليس مصفد بالحديد يد
أمامه ويد خلفه فإذا أراد الله أن يطلقه لمن شاء من عباده
أطلقه".
وأحمد والطبراني وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه:
"إن في النار حيات كأمثال أعناق عين تلسع إحداهن اللسعة
فيجد حموها سبعين خريفا، وإن في النار عقارب كأمثال البغال
الموكفة تلسع إحداهن اللسعة فيجد حرها أربعين سنة".
والترمذي وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عنه صلى الله
عليه وسلم في قوله تبارك وتعالى:
{كَالْمُهْلِ}
[الكهف: 29] قال: "كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه
سقط فروة وجهه فيه".
والترمذي وقال حسن غريب صحيح:
"إن الحميم ليصب على رءوسهم
فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق
من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان"، والحميم الماء الحار الذي
يحرق.
وقال الضحاك: الحميم يغلي منذ خلق الله السموات والأرض إلى
يوم يسقونه ويصب على رءوسهم، وقيل هو ما يجتمع من دموع
أعينهم في حياض النار فيسقونه، وقيل غير ذلك وهو المذكور
في قوله تبارك وتعالى:
{وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}
[محمد صلى الله عليه وسلم: 15]. وأحمد والترمذي وقال غريب
والحاكم وقال
ج / 2 ص -421-
صحيح على شرط مسلم عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:
{وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ
يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 16 - 17] قال:
"يقرب إلى فيه فيكرهه فإذا دنا منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه، فإذا
شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره"،
قال الله عز وجل:
{وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} وقال جل ذكره:
{وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي
الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ}
[الكهف: 29]. وأحمد والحاكم وصححه:
"لو أن دلوا من غساق
يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا"
والغساق هو المذكور في قوله تعالى:
{هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ}
[ص: 57] وقوله تعالى:
{إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً}
[النبأ: 25] واختلف فيه؛
فعند ابن عباس رضي الله عنهما هو ما يسيل من جلد الكافر
ونحوه، وعند الآخرين هو صديدهم. وقال كعب: هو عين في جهنم
يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غير ذلك
فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد
سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه
وكعبيه فيجر لحمه كما يجر المرء ثوبه.
والترمذي: وقال حسن صحيح: أنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه
الآية:
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
فقال صلى الله عليه وسلم:
"لو أن قطرة من الزقوم قطرت في
دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون
طعامه"، وفي رواية:
"فكيف بمن ليس له طعام غيره".
وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى:
{وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ}
[المزمل: 13] شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج.
والشيخان:
"ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب
المسرع" - والمنكب مجمع رأس الكتف
والعضد.
وأحمد:
"ضرس الكافر مثل أحد وفخذه مثل البيضاء -أي وهو جبل-
ومقعده من النار كما بين قديد
ومكة -أي نحو ثلاثة أيام- وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار" أي ملك باليمن له ذراع معروف المقدار، كذا قال ابن حبان وغيره،
وقيل ملك بالعجم.
ومسلم:
"ضرس -أو
قال: ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث".
ج / 2 ص -422-
والترمذي ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وفخذه مثل البيضاء ومقعده من النار
مسيرة ثلاث من الربذة" أي كما بين المدينة
والربذة.
وأحمد بسند جيد:
"ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعرض جلده
سبعون ذراعا وعضده مثل البيضاء وفخذه مثل البيضاء ومقعده
من النار ما بيني وبين الربذة". وفي رواية:
"ومقعده من النار مسيرة ثلاث مثل الربذة".
وأحمد والطبراني وإسناده قريب من الحسن كما قاله الحافظ
المنذري. والترمذي عن الفضيل بن يزيد:
"إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين
يتوطؤه الناس".
والفضيل بن يزيد عن أبي جمة:
"إن الكافر ليجر لسانه فرسخين
يوم القيامة يتوطؤه الناس".
أخرجه البيهقي وغيره وهو الصواب.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"يعظم أهل النار حتى إن بين
شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده
سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد".
وأحمد بسند صحيح والحاكم وصححه عن مجاهد، قال ابن عباس:
أتدري ما سعة جهنم؟ قلت لا. قال: أجل والله ما ندري إن بين
شحمة أذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة سبعين خريفا تجري فيه
أودية القيح والدم، قلت: أنهار؟ قال: لا بل أودية.
وأحمد والترمذي والحاكم وصححاه عنه صلى الله عليه وسلم
قال:
{وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}
[المؤمنون: 104]، قال:
"تشويه النار فتقلص شفته العليا
حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي السفلى حتى تضرب سرته".
قال الحافظ المنذري وقد ورد: "إن من هذه الأمة من يعظم في
النار كما يعظم فيها الكافر"،
ومنه الحديث الصحيح:
"إن من أمتي من يدخل الجنة
بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر، وإن من أمتي من يعظم للنار
حتى يكون أحد زواياها".
والشيخان:
"إن أهون الناس عذابا من له نعلان وشراكان من نار
يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل وما يرى أن أحدا أشد منه
عذابا وإنه لأهونهم عذابا".
ومسلم: "إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل
بنعلين يغلي منهما دماغه".
ج / 2 ص -423-
ومسلم:
"منهم من تأخذه النار إلى
كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه
النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته".
والطبراني والبيهقي:
"إن جهنم لما سيق إليها أهلها
تلقتهم فلفحتهم لفحة فلم تدع لحما على عظم إلا ألقته على
العرقوب".
والبيهقي: إن عمر رضي الله عنه قرأ:
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً
غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ}
[النساء: 56] قال: يا كعب أخبرني بتفسيرها فإن
صدقت صدقتك وإن كذبت رددت عليك، فقال: إن جلد ابن آدم يحرق
ويجدد في ساعة أو في يوم ستة آلاف مرة، قال: صدقت.
والبيهقي: إن الحسن البصري قال في الآية: تأكلهم النار في
كل يوم سبعين ألف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون
كما كانوا.
ومسلم:
"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في
النار صبغة ثم يقال له يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر
بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد النار بؤسا
في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال: يا ابن
آدم هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس
قط ولا رأيت شدة قط". وابن ماجه بسند احتج
برواته إلا يزيد الرقاشي.
الشيخان:
"يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع
الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود لو
أرسلت فيها السفن لجرت".
وأبو يعلى: "يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن
أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في خدودهم كأنها
جداول حتى تنقطع الدموع فيسيل -يعني الدم-
فتقرح العيون".
ج / 2 ص -424-
الأمر الرابع: في الجنة ونعيمها وما يتعلق بذلك.
أخرج الطبراني:
"إن ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام وإنه
لا يجدها عاق ولا قاطع رحم".
وابن أبي الدنيا مرفوعا والبيهقي وغيرهما موقوفا وهو أصح
وأشهر عن علي رضي الله عنه: أنه سأل رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن هذه الآية:
{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً} [مريم: 85] قال: قلت يا رسول الله ما الوفد إلا ركب، قال صلى
الله عليه وسلم:
"والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم
استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة عليها رحال الذهب شرك نعالهم
نور يتلألأ كل خطوة منها مثل مد البصر وينتهي إلى باب
الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، وإذا
شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان، فإذا شربوا من
أحدها جرت في وجوههم نضرة النعيم، فإذا توضئوا من الأخرى
لم تشعث شعورهم أبدا، فيضربون الحلقة بالصفيحة فلو سمعت
طنين الحلقة يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل
فتستخفها العجلة فتبعث قيمها فيفتح له الباب فلولا أن الله
عز وجل عرفه نفسه لخر له ساجدا مما يرى من النور والبهاء،
فيقول: أنا قيمك الذي وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفو أثره فيأتي
زوجته، فتستخفها العجلة فتخرج من الخيمة فتعانقه وتقول:
أنت حبي وأنا حبك، وأنا الراضية فلا أسخط أبدا، وأنا
الناعمة فلا أبأس أبدا، وأنا الخالدة فلا أظعن أبدا، فيدخل
بيتا من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع مبني على جندل
اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر وطرائق صفر وطرائق خضر ما منها
طريقة تشاكل صاحبتها، فيأتي الأريكة
ج / 2 ص -425-
فإذا عليها سرير على السرير سبعون فراشا على كل فراش سبعون زوجة على
كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقيها من وراء باطن الحلل يقضي
جماعهن في مقدار ليلة تجري من تحتهن أنهار مطردة من ماء
غير آسن صاف ليس فيه كدر وأنهار من لبن لم يتغير طعمه لم
يخرج من بطون الماشية، وأنهار من عسل مصفى لم يخرج من بطون
النحل، وأنهار من خمر لذة للشاربين لم تعصره الرجال
بأقدامها، فإذا اشتهوا الطعام جاءتهم طير بيض فترفع
أجنحتها فيأكلون من جنوبها من أي الألوان شاءوا ثم تطير
فتذهب، فيها ثمار متدلية إذا اشتهوها انبعث الغصن إليهم
فيأكلون من أي الثمار شاءوا إن شاء قائما وإن شاء قاعدا
وإن شاء متكئا، وذلك قوله تعالى:
{وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ
دَانٍ} [الرحمن: 54]
وبين أيديهم خدم كاللؤلؤ".
والشيخان:
"إن ما بين النفختين أربعون سنة ثم ينزل ماء من
السماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا
يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب منه يركب الخلق يوم
القيامة".
وأبو داود وابن حبان في صحيحه وفيه من تكلم فيه، لكن أخرج
له الشيخان:
"الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها".
قال الحافظ المنذري: قد قال كل من وقفت على كلامه من أهل
اللغة إن المراد بقوله يبعث في ثيابه التي قبض فيها: أي
أعماله. قال الهروي وكذا الحديث الآخر:
"يبعث العبد على ما مات عليه"،
قال: وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء لأن الميت إنما
يكفن بعد الموت ا هـ، وفعل أبي سعيد الخدري راوي الحديث
يدل على إجرائه على ظاهره وأن الميت يبعث في ثيابه التي
قبض فيها، وفي الصحاح وغيرها:
"إن الناس يبعثون عراة" انتهى، وهذا والذي قبله وقع
ذكرهما هنا سهوا لكن فيهما فوائد.
وابن أبي الدنيا:
"يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى
إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من
تحت ساقها عينان تجريان، فعمدوا إلى إحداهما كأنما مروا
بها فشربوا منها فأذهبت ما في بطونهم من أذى أو قذى أو
بأس، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة
النعيم فلن تغير أبشارهم بعدها أبدا ولن تشعث أشعارهم
كأنما دهنوا بالدهان، ثم انتهوا إلى خزنة
ج / 2 ص -426-
الجنة فقالوا:
{سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73]، قال:
ثم تلقاهم الولدان
يطوفون بهم كما يطوف ولدان الدنيا بالحميم
-أي القريب يقدم من غيبته-
فيقولون أبشروا بما أعد الله
لكم من الكرامة، قال: ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى
بعض أزواجه من الحور العين، فيقول قد جاء فلان باسمه الذي
يدعى به في الدنيا فيقول أنت رأيته، فيقول أنا رأيته وهو
ذا بأثري فيستخف إحداهن الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها،
فإذا انتهى إلى باب منزله نظر إلى أي شيء أساس بنيانه فإذا
جندل اللؤلؤ فوقه صرح أخضر وأصفر وأحمر من كل لون ثم رفع
رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق لولا أن الله تعالى
قدره له لذهب ببصره ثم طأطأ رأسه فنظر إلى أزواجه"
{وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} [الغاشية: 14] أي: جمع كوب وهو كوز لا عروة له وقيل لا خرطوم له
فإذا كان له خرطوم فهو الإبريق
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ}
[الغاشية: 15] أي: وسائد
{وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
[الغاشية: 16] أي: بسط فاخرة فنظروا في تلك النعم ثم
اتكئوا
{وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا
كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ} [الأعراف: 43] الآية،
"ثم ينادي مناد تحيون ولا تموتون أبدا وتقيمون فلا تظعنون
وتصحون فلا تمرضون أبدا".
والشيخان:
"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف
متماسكون آخذ بعضهم بيد بعض لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم
وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
والشيخان:
"إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة
البدر والذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا
يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يتفلون، أمشاطهم الذهب
ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة أزواجهم الحور العين،
أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا
في السماء"، وفي رواية لهما:
"لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم، لا
اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون
الله بكرة وعشيا".
قال ابن أبي شيبة: خلق بضم الخاء وأبو كريب بفتحها،
والألوة بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو وفتحها
من أسماء العود الذي يتبخر به، وقال
ج / 2 ص -427-
الأصمعي: أراها كلمة فارسية عربت، والمجامر جمع مجمر لأنه بغير
هاء البخور نفسه وبهاء إناء البخور، واستشكله السهيلي بأن
في بعض روايات البخاري: ووقود مجامرهم الألوة، قال يعني
العود ا هـ. ولا إشكال إن حمل هذا على التجوز.
والترمذي وقال حسن غريب:
"يدخلون أهل الجنة الجنة جردا
مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين وهم على خلق
آدم ستون ذراعا في عرض تسعة أذرع".
والبيهقي بسند:
"ما من أحد يموت سقطا ولا هرما وأيما الناس
فيما بين ذلك إلا بعث ابن ثلاث وثلاثين سنة فإن كان من أهل
الجنة كان على مسحة آدم وصورة يوسف وقلب أيوب، وإن كان من
أهل النار عظموا أو فخموا كالجبال".
ومسلم:
"إن موسى عليه السلام سأل ربه ما أدنى أهل الجنة
منزلة؟ قال: رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة فيقال له
ادخل الجنة فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا
أخذاتهم، فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك
الدنيا، فيقول رضيت رب فيقول له لك مثل ذلك ومثله ومثله
ومثله، فقال في الخامسة رضيت رب فيقول هذا لك وعشرة أمثاله
ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب، قال: رب
فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي
وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب
بشر". وفي رواية له في الأدنى:
"أنه إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى: هو لك وعشرة
أمثاله وأنه يقول ما أعطي أحد مثل ما أعطيت". وفي رواية سندها صحيح
برواتها في الصحيح:
"إلا واحدا إنه يتمنى مقدار
ثلاثة أيام من أيام الدنيا ويلقنه الله ما لا علم له به
فيسأله ويتمنى فإذا فرغ قال لك ما سألت".
قال أبو سعيد: "ومثله معه"
وقال أبو هريرة رضي الله عنهما:
"وعشرة أمثاله معه" فقال أحدهما لصاحبه: حدث بما سمعت وأحدث
بما سمعت، وهو في البخاري بنحوه إلا أن أبا هريرة هو
القائل ومثله وأبا سعيد هو القائل: وعشرة أمثاله على العكس
وتقدم قريبا.
وأحمد: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألف سنة
فيرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر إلى أزواجه وخدمه" رواه البيهقي:
"وإن أفضلهم منزلة لمن ينظر إلى
ج / 2 ص -428-
الله عز وجل في كل يوم مرتين".
والترمذي وابن حبان في صحيحه: "إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي
له ثمانون ألف خادم واثنان وسبعون زوجة وينصب له قبة من
لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء".
وابن أبي الدنيا والطبراني بسند رواته ثقات:
"إن أسفل أهل الجنة أجمعين درجة لمن يقوم على رأسه عشرة
آلاف خادم بيد كل خادم صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة
في كل واحدة لون ليس في الأخرى مثله يأكل من آخرها مثل ما
يأكل من أولها يجد لآخرها من الطيب واللذة مثل الذي يجد
لأولها ثم يكون ذلك جشاء كريح المسك الأذفر، لا يبولون ولا
يتغوطون ولا يمتخطون إخوانا على سرر متقابلين".
قال الحافظ المنذري: لا منافاة بين حديث:
"له ثمانون ألف خادم" وحديث:
"يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم"
وحديث:
"من يغدو عليه منهم ويروح كل يوم خمسة عشر ألف
خادم"
فيجوز أن يكون له ثمانون ألف خادم تقوم
على رأسه منهم عشرة آلاف ويغدو عليه خمسة عشر ألفا" انتهى.
وأقول:
لا مانع أن الأدنى مراتب مناسبة وكل أدنى بالنسبة إلى قومه
أو أمته له صفة غير صفة الأخرى، ولعل هذا أولى به تجتمع
الأحاديث التي ظاهرها التنافي في غير هذا العدد أيضا كما
يعلم من تأمل ما مر.
والشيخان:
"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما
يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب
لتفاضل ما بينهم"، قالوا يا رسول الله منازل الأنبياء لا
يملكهما غيرهم؟ قال:
"بلى، والذي نفسي بيده رجال
آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"
وفي رواية لهما:
"كما تتراءون الكوكب الغارب" والغابر بمعناه إذ هو بالمعجمة ثم الموحدة الذاهب الذي تولى
للغروب.
وصح:
"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها
من ظاهرها أعدها الله لمن أطعم الطعام وأفشى السلام وصلى
بالليل والناس نيام".
والبخاري:
"إن في الجنة مائة درجة أعدها تعالى للمجاهدين في
سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض".
ج / 2 ص -429-
والترمذي وقال حسن غريب:
"في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام". والطبراني وابن حبان في صحيحه: قلنا يا رسول الله حدثنا عن
الجنة ما بناؤها؟ قال صلى الله عليه وسلم:
"لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها
اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا
يبأس ويخلد ولا يموت ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه"
الحديث.
ورواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا
قال:
"حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ودرجها الياقوت واللؤلؤ"، قال: وكنا نحدث أن رضراض أنهارها
اللؤلؤ وترابها الزعفران، الرضراض بفتح الراء وبمعجمتين
والحصباء ممدود بمعنى واحد وهو الحصى، وقيل الرضراض
صغارها.
ابن أبي الدنيا والطبراني بسند حسن: وسئل صلى الله عليه
وسلم عن الجنة، فقال:
"من يدخل الجنة يحيا فيها ولا يموت، وينعم فيها ولا يبأس لا تبلى
ثيابه ولا يفنى شبابه"، قيل يا رسول الله: ما
بناؤها؟ قال صلى الله عليه وسلم:
"لبنة من ذهب ولبنة من
فضة، وملاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ
والياقوت"
والملاط بكسر الميم هو ما يبنى به: أي إن الطين الذي يجعل
بين لبنات الذهب والفضة في الحائط مسك.
والطبراني بسند جيد:
"خلق الله تعالى جنة عدن بيده -أي بقدرته الباهرة-
ودلى فيها ثمارها وشق أنهارها ثم نظر إليها فقال لها: تكلمي، فقالت
قد أفلح المؤمنون، فقال وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل"، زاد ابن أبي الدنيا:
"إنها لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من
زبرجدة خضراء، وملاطها مسك حشيشها الزعفران حصباؤها اللؤلؤ
ترابها العنبر".
وابن أبي الدنيا: "أرض الجنة بيضاء عرصتها صخور الكافور وقد
أحاط به المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة فيجتمع
فيها أهل الجنة أدناهم وآخرهم فيتعارفون، فيبعث الله ريح
الرحمة فتهيج عليهم ريح المسك فيرجع الرجل إلى زوجته وقد
ازداد حسنا وطيبا فتقول: لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة
وأنا بك الآن أشد إعجابا".
والطبراني بسند جيد:
"إن في الجنة مراغا من مسك مثل
مراغ دوابكم في الدنيا".
ج / 2 ص -430-
والشيخان:
"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من
لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها
أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا"،
وفي رواية لهما:
"عرضها ستون ميلا".
وابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن عباس موقوفا:
"الخيمة درة مجوفة فرسخ في فرسخ لها أربعة آلاف مصراع من
ذهب". وفي رواية:
"حولها سرادق دوره خمسون فرسخا
يدخل عليه من كل باب منها ملك بهدية من عند الله عز وجل".
والطبراني والحاكم وصححه على شرطهما:
"إن في الجنة غرفا يرى
ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها"،
فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله؟ قال:
"لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قائما والناس نيام".
والطبراني والبيهقي بنحوه: سئل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن قوله تعالى:
{وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} [التوبة: 72] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"قصر في الجنة من لؤلؤة بيضاء فيها سبعون دارا من ياقوتة حمراء، في
كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا،
على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كل فراش امرأة، في
كل بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا من طعام، في
كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، يعطى المؤمن من القوة ما يأتي
على ذلك كله في غداة واحدة".
والترمذي وصححه:
"الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه
على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من
العسل وأبيض من الثلج". زاد الترمذي بسند حسن:
"فيه طير أعناقها كأعناق الجزر"
-أي الإبل- قال عمر رضي الله عنه: إن هذه لناعمة، قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
"أكلتها أنعم منها".
وابن حبان في صحيحه:
"أنهار الجنة تخرج من تحت تلال
أو جبال المسك".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما بسند حسن:
"إن أرض الجنة مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة
-أي بالنسبة لبعض الجنات حتى لا ينافي ما مر–
وإن نورها مثل ما قبل طلوع الشمس، وأنهارها لتجري على
الأرض من غير أخدود مسكفة لا تفيض هاهنا ولا هاهنا، وإن
حللها من شجرة فيها ثمر كأنه رمان فإذا أراد ولي الله منها
كسوة
ج / 2 ص -431-
انحدرت إليه من أغصانها فانفلقت له عن سبعين حلة ألوانا بعد ألوان ثم
تنطلق فترجع كما كانت".
وأحمد والترمذي وصححه:
"في الجنة بحر للماء وبحر للعسل
وبحر للخمر ثم تنشق الأنهار منها بعد".
وابن أبي الدنيا عن أنس موقوفا وهو أشبه وغيره مرفوعا:
"لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا والله إنها
لسائحة على وجه الأرض إحدى حافتيها اللؤلؤ والأخرى الياقوت
وطينه المسك الأذفر وهو الذي لا خلط له".
والبخاري:
"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام
لا يقطعها إن شئتم فاقرءوا
{وَظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ}
[الواقعة: 30 – 31]".
والشيخان:
"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر
السريع مائة عام لا يقطعها" زاد الترمذي: "وذلك الظل الممدود".
وصح عن ابن عباس موقوفا: الظل الممدود شجرة في الجنة على
ساق يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام في نواحيها فيخرج
أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم
ويذكر لهو الدنيا فيرسل الله ريحا من الجنة فتحرك تلك
الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.
والطبراني وابن حبان في صحيحه:
"أن أصل شجرة طوبى شبه أصل شجرة
الجوزة ينبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها، وإن أعظم أصلها
أن الجذعة من الإبل لو ارتحلت لما قطعتها حتى تنكسر
ترقوتها هرما، وإن عظم عنقود من عنبها مسيرة شهر للغراب
الأبقع لا يقع ولا ينثني ولا يفتر، وإن عظم الحبة منه
كالدلو الكبير". وروى أبو يعلى هذا الأخير بسند حسن.
وجاء عن البراء بن عازب رضي الله عنه بسند حسن في قوله
تعالى:
{وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً} [الإنسان: 14] قال: إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياما
وقعودا ومضطجعين.
وصح عن ابن عباس: إن جذوع نخلها من زمرد أخضر وأصول سعفها
ذهب
ج / 2 ص -432-
أحمر وسعفها كسوتهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من
اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم.
ومسلم وغيره:
"يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يمتخطون
ولا يتغوطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كريح المسك
يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس".
وصح: "إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب
والجماع تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك
فيضمر بطنه".
وابن أبي الدنيا والطبراني بسند رواته ثقات:
"إن أسفل أهل الجنة أجمعين من يقوم على رأسه عشرة آلاف
خادم مع كل خادم صحفتان واحدة من فضة وواحدة من ذهب في كل
صحفة لون ليس في الأخرى مثلها يأكل من آخره كما يأكل من
أوله يجد لآخره من اللذة والطعم ما لا يجد لأوله ثم يكون
ذلك رشح مسك وجشاء مسك، لا يبولون ولا يتغوطون ولا
يمتخطون".
وأحمد بسند جيد:
"إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر
الجنة" فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول
الله إن هذه لطير ناعمة فقال صلى الله عليه وسلم:
"أكلتها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن
يأكل منها".
وابن أبي الدنيا:
"إن الرجل من أهل الجنة؛ ليشتهي الطير من
طيور الجنة فيقع في يده منفلقا نضيجا".
وابن أبي الدنيا:
"إن الرجل ليشتهي الطير في الجنة فيجيء مثل
البختي حتى يقع على خوان لم يصبه دخان ولم تمسه النار
فيأكل منه حتى يشبع ثم يطير".
وابن أبي الدنيا بسند حسنه الترمذي:
"إن في الجنة طائرا له
سبعون ألف ريشة فيقع على صحفة الرجل، من أهل الجنة فينتفض
فيقع من كل ريشة لون أبيض من الثلج وألين من الزبد وألذ من
الشهد ليس فيها لون يشبه صاحبه ثم يطير".
وابن أبي الدنيا بسند حسن: أنه صلى الله عليه وسلم قال
لأعرابي زعم أن شجرة السدر مؤذية لأن لها شوكا:
"أليس الله يقول:
{فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ} [الواقعة: 28]
خضد الله
ج / 2 ص -433-
شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة فإنها لتنبت ثمرا تنفتق الثمرة منها عن
اثنين وسبعين لونا من طعام ما فيها لون يشبه الآخر".
والشيخان:
"ولنصيفها
-أي خمارها-
على رأسها خير من الدنيا وما فيها".
والطبراني بسند حسن:
"لكل واحد منهم زوجتان من الحور
العين على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهما من وراء
لحومهما وحللهما كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة
البيضاء".
وذكر الزوجتين من الحور العين هنا لا ينافي ذكر أكثر منهما
في بعض الأحاديث كحديث أحمد:
"وإن له
-أي أدنى أهل الجنة من الحور العين-
لاثنان وسبعون زوجة سوى
أزواجه من الدنيا، وإن الواحدة منهن لتأخذ مقعدتها قدر
ميل".
وصح عن البيهقي:
"إن الرجل من أهل الجنة ليتزوج خمسمائة
حوراء وأربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب يعانق كل واحدة
منهن مقدار عمره في الدنيا".
وروى الشيخان: "ولكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ
سوقهما من وراء اللحم وما في الجنة أعزب".
وفي حديث عند أبي يعلى والبيهقي:
"والذي بعثني بالحق ما
أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة
بأزواجهم ومساكنهم فيدخل رجل منهم على اثنتين وسبعين زوجة
مما ينشئ الله تعالى واثنتين من ولد آدم لهما فضل على من
أنشأ الله بعبادتهما في الدنيا يدخل على الأولى منهما في
غرفة من ياقوتة على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ عليه سبعون
زوجا -أي صنفا-
من سندس وإستبرق ثم يضع يده بين
كتفيها ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها
ولحمها وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك
في قصبة الياقوت كبده لها مرآة وكبدها له مرآة، فبينا هو
عندها لا يملها ولا تمله ولا يأتيها مرة إلا وجدها عذراء
ما يفتر ذكره ولا يشتكي قبلها فبينا هو كذلك إذ نودي إنا
قد عرفنا أنك لا تمل ولا نمل إلا أنه لا مني ولا منية ألا
إن لك أزواجا غيرها فيخرج فيأتيهن واحدة بعد واحدة كلما
جاء واحدة قالت والله ما في الجنة شيء أحسن منك أو ما في
الجنة شيء أحب إلي منك".
وأخرج أبو نعيم: "يزوج كل رجل من أهل الجنة أربعة آلاف بكر
وثمانية آلاف
ج / 2 ص -434-
أيم ومائة حوراء فيجتمعون في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم تسمع
الخلائق بمثلهن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا
نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن،
طوبى لمن كان لنا وكنا له".
ووجه عدم المنافاة بين هذه الأحاديث والله أعلم أن
الموصوفين بما ذكر من تلك الخلل المذكورة اثنتان والباقيات
منهن لسن كذلك أو أعلم صلى الله عليه وسلم بالقليل فأخبر
به ثم أعلم بالكثير فأخبر به نظير ما قالوه في حديث:
"صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة". وفي رواية:
"بسبع وعشرين درجة" وما أشبه ذلك.
والترمذي وابن حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم
في قوله تعالى:
{وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ}
[الواقعة: 34]
"ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة ما
بينهما خمسمائة عام".
والطبراني في الكبير والأوسط عن أم سلمة رضي الله عنها
قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل:
{وَحُورٌ عِينٌ} [الواقعة: 22] قال صلى الله عليه وسلم:
"حور: بيض، عين: ضخام العيون شفر الحور بمنزلة جناح النسر"، قلت يا رسول الله: فأخبرني عن قول الله عز
وجل:
{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 58] قال صلى الله
عليه وسلم:
"صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لم تمسه
الأيدي"، قلت يا رسول الله فأخبرني
عن قول الله عز وجل: {فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرجمن: 70] قال صلى الله عليه وسلم:
"خيرات الأخلاق حسان الوجوه"،
قلت يا رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل:
{كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} [الصافات: 49] قال:
"رقتهن كرقة الجلد الذي في داخل البيضة مما يلي القشر"، قلت يا رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل:
{عُرُباً أَتْرَاباً}
[الواقعة: 37] قال:
"هن اللواتي قبضن في دار الدنيا
عجائز رمصا شمطا خلقهن الله تعالى بعد الكبر فجعلهن عذارى.
عربا متعشقات متحببات أترابا على ميلاد واحد". قلت يا رسول الله:
أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال:
"بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على
البطانة"، قلت: يا رسول الله وبم ذاك؟ قال صلى الله عليه وسلم:
"بصلاتهم وصيامهن وعبادتهن لله عز وجل ألبس الله عز وجل وجوههن النور
وأجسادهن الحرير، بيض الألوان خضر الثياب صفر الحلي
مجامرهن الدر وأمشاطهن الذهب يقلن: ألا نحن الخالدات فلا
نموت أبدا، ألا ونحن
ج / 2 ص -435-
الناعمات فلا نبأس أبدا، ألا ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ألا ونحن
الراضيات فلا نسخط أبدا طوبى لمن كنا له وكان لنا"،
قلت: يا رسول الله المرأة منا تتزوج الزوجين والثلاثة
والأربعة في الدنيا ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها من
يكون زوجها منهم؟ قال: "يا أم سلمة إنها تخير فتختار أحسنهم خلقا
فتقول: أي رب إن هذا كان أحسنهم معي خلقا في
دار الدنيا فزوجنيه، يا أم سلمة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا
والآخرة"، وما في هذا الحديث من تخييرها الظاهر -والله سبحانه أعلم- أنه
لا ينافي قول بعض أئمتنا إنها تكون لآخرهم لأن ما في
الحديث محله فيمن ماتت لا في عصمة أحد، وما قاله ذلك
الإمام فيمن ماتت في عصمة إنسان فهي له دون غيره بخلاف من
ماتت لا في عصمة أحد ولها أزواج فإن أحدا ليس أولى بها
منهم فخيرت.
والطبراني بسند صحيح:
"إن أزواج أهل الجنة ليغنين
أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط وإن مما يغنين به:
نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان، وإن
مما يغنين به نحن الخالدات فلا نمتنه، ونحن الآمنات فلا
نخفنه، ونحن المقيمات فلا نظعنه".
ومسلم: "إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح
الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا
فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم
أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم
والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا".
والترمذي وابن ماجه وابن أبي الدنيا بسند رواته ثقات: إن
أبا هريرة رضي الله عنه قال لسعيد بن المسيب: أسأل الله أن
يجمع بيني وبينك في سوق الجنة، قال سعيد: أو فيها سوق؟
قال: نعم. أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"إن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم فيؤذن لهم في
مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون الله عز وجل
ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع
لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر
من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما
فيهم دنيء على كثبان مسك وكافور، وما يرون أن أصحاب
الكراسي أفضل منهم مجلسا"، قال أبو هريرة قلت يا رسول الله هل نرى
ج / 2 ص -436-
ربنا؟ قال:
"نعم هل تتمارون في رؤية الشمس
والقمر ليلة البدر؟" قلنا لا قال صلى الله عليه
وسلم:
"كذلك لا تتمارون في رؤية ربكم عز وجل ولا يبقى
في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله تعالى محاضرة حتى إنه
ليقول الرجل ألا تذكر يا فلان يوم عملت كذا وكذا يذكره بعض
غدراته في الدنيا فيقول يا رب ألم تغفر لي؟ فيقول: بلى
فبسعة مغفرتي بلغت منزلتك هذه، فبينما هم كذلك غشيتهم
سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا
قط، ثم يقول ربنا تبارك وتعالى: قوموا إلى ما أعددت لكم من
الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، قال: فنأتي سوقا قد حفت به
الملائكة فيه ما لم تنظر العيون إلى مثله ولم تسمع الآذان
ولم يخطر على القلوب قال: فيحمل لنا ما اشتهينا ليس يباع
فيه شيء ولا يشترى وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم
بعضا، قال: فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقى من دونه
وما فيهم دنيء فيروعه ما يرى عليه من اللباس فما ينقضي آخر
حديثه حتى يتمثل له أن ما عليه أحسن منه وذلك أنه لا ينبغي
لأحد أن يحزن فيها، ثم ننصرف إلى منازلنا فيتلقانا أزواجنا
فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل
مما فارقتنا عليه، فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار عز
وجل ويحقنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا".
والترمذي والطبراني وابن أبي الدنيا:
"إن في الجنة لسوقا ما
يباع فيها ولا يشترى ليس فيها إلا الصور فمن أحب صورة من
رجل أو امرأة دخل فيها".
وابن أبي الدنيا:
"إن من نعيم أهل الجنة أنهم يتزاورون على
المطايا والنجب، وأنهم يؤتوا إلى الجنة بخيل مسرجة ملجمة
لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا إلى حيث شاء الله
عز وجل. فيأتيهم مثل السحابة فيها ما لا عين رأت ولا أذن
سمعت فيقولون أمطري علينا فما يزال المطر عليهم حتى ينتهي
ذلك فوق أمانيهم، ثم يبعث الله ريحا غير مؤذية فتنسف
كثبانا من المسك عن أيمانهم وعن شمائلهم فيأخذون ذلك المسك
في نواصي خيولهم وفي مفارقها وفي رءوسهم ولكل رجل منهم جمة -أي: شعر من رأسه على ما اشتهت نفسه-
فيتعلق ذلك المسك في تلك الجمات وفي الخيل وفيما سوى ذلك من الثياب
ثم يقبلون حتى ينتهوا إلى ما شاء الله، فإذا المرأة تنادي
بعض أولئك يا عبد الله أما لك فينا حاجة؟ فيقول ما أنت ومن
أنت؟ فتقول أنا زوجتك وحبك، فيقول ما كنت علمت بمكانك،
فتقول المرأة
ج / 2 ص -437-
أو ما تعلم أن الله تعالى قال:
{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ
أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]
فيقول بلى وربي فلعله يشتغل عنها بعد ذلك الموقف أربعين خريفا لا
يلتفت ولا يعود، ما شغله عنها إلا ما هو فيه من النعيم
والكرامة".
وابن أبي الدنيا والبزار:
"إذا دخل أهل الجنة الجنة
فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا
وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا ويتكئ
هذا فيقول أحدهما لصاحبه تعلم متى غفر الله لنا؟ فيقول
صاحبه نعم يوم كنا في موضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا".
وابن أبي الدنيا:
"إن في الجنة لشجرة يخرج من أعلاها خيل ومن
أسفلها خيل من ذهب مسرجة ملجمة من در وياقوت لا تروث ولا
تبول لها أجنحة خطوتها مد البصر فيركبها أهل الجنة فتطير
بهم حيث شاءوا، فيقول الذين أسفل منهم درجة يا رب بم بلغ
عبادك هذه الكرامة كلها؟ قال: فيقال لهم إنهم كانوا يصلون
بالليل وكنتم تنامون، وكانوا يصومون وكنتم تأكلون، وكانوا
ينفقون وكنتم تبخلون، وكانوا يقاتلون وكنتم تجبنون".
وأبو نعيم عن علي كرم الله وجهه قال:
"إذا سكن أهل الجنة
الجنة أتاهم ملك فيقول: إن الله يأمركم أن تزوروه فيجتمعون
فيأمر الله تعالى داود عليه الصلاة والسلام فيرفع صوته
بالتسبيح والتهليل ثم توضع مائدة الخلد"، قالوا يا رسول الله: وما مائدة الخلد؟ قال
صلى الله عليه وسلم: "زاوية من زواياها أوسع مما
بين المشرق والمغرب فيطعمون ثم يسقون ثم يكسون، فيقولون لم
يبق إلا النظر إلى وجه ربنا عز وجل فيتجلى لهم فيخرون سجدا
فيقال لهم لستم في دار عمل إنما في دار جزاء".
ومسلم وغيره:
"إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عز وجل
تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا
الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فكشف الحجاب فما أعطوا شيئا
أحب إليهم من النظر إلى ربهم" ثم تلا هذه الآية:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}
[يونس: 26].
وابن أبي الدنيا والطبراني بسند جيد قوي وأبو يعلى مختصرا
ورواته رواة الصحيح والبزار:
{أتاني جبريل عليه السلام وفي يده مرآة بيضاء
فيها نكتة سوداء،
ج / 2 ص -438-
فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربك لتكون لك
عيدا ولأمتك من بعدك، قال: ما لنا فيها؟ قال: لكم فيها خير
لكم فيها ساعة من دعا ربه فيها بخير هو له قسم إلا أعطاه
إياه أو ليس له بقسم إلا ادخر له ما هو أعظم منه، أو تعوذ
فيها من شر هو له عليه مكتوب إلا أعاذه من أعظم منه. قلت:
ما هذه النكتة السوداء فيها؟ قال: هذه الساعة تقوم في يوم
الجمعة وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم
المزيد، قال: قلت لم تدعونه يوم المزيد؟ قال: إن ربك عز
وجل اتخذ في الجنة واديا أفيح من مسك أبيض وإنه تعالى
يتجلى فيه يوم الجمعة لأهل الجنة وقد جلس الأنبياء على
منابر من نور حفت بكراسي من ذهب للصديقين والشهداء وبقية
أهل الجنة على الكثب، فينظرون إليه تعالى وهو يقول: أنا
الذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي هذا محل كرامتي ما
سألوني فيسألونه الرضا، فيقول عز وجل: رضاي أن أحلكم داري
وتنالكم كرامتي فاسألوني، فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم فيفتح
لهم عند ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر إلى مقدار منصرف الناس يوم الجمعة"، ثم قال صلى الله عليه
وسلم:
"فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة
ليزدادوا فيه كرامة وليزدادوا فيه نظرا لله تبارك وتعالى
ولذلك دعي يوم المزيد".
ورواه البزار مطولا. وفيه: "إن الجنة ليس فيها ليل ولا
نهار إلا أن الله تعالى قد علم مقدار ذلك وساعاته، فإذا
كان يوم الجمعة في الحين الذي يبرز أو يخرج فيه أهل الجمعة
إلى جمعتهم ينادي مناد يا أهل الجنة اخرجوا إلى دار المزيد
لا يعلم سعته وعرضه وطوله إلا الله عز وجل فيخرجون في
كثبان من المسك"،
-قال حذيفة: وإنه لهو أشد بياضا من دقيقكم هذا-
فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور ويخرج غلمان المؤمنين
بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث
الله تبارك وتعالى عليهم ريحا تدعى المثيرة تثير عليهم
المسك الأبيض فتدخله من تحت ثيابهم وتخرجه في وجوههم
وأشعارهم فتلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة
أحدكم إذا دفع إليها كل طيب على وجه الأرض لكانت تلك الريح
أعلم كيف تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها ذلك
الطيب بإذن الله عز وجل، قال: ثم يوحي الله سبحانه إلى
حملة العرش فيوضع بين ظهراني الجنة وبينه وبينهم الحجب
فيكون أول ما يسمعون منه أن يقول: أين عبادي الذين أطاعوني
بالغيب ولم يروني
ج / 2 ص -439-
وصدقوا رسلي واتبعوا أمري فسلوني، فهذا يوم المزيد فتتفق كلمتهم ربنا
رضينا عنك فارض عنا فيجيبهم لولا رضيت عنكم ما أسكنتكم
جنتي فاسألوني فهذا يوم المزيد فتتفق كلمتهم ربنا أرنا
ننظر إليك فيكشف الله تبارك وتعالى الحجب ويتجلى لهم
فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى عليهم ألا يحترقوا
لاحترقوا مما غشيهم من نوره تبارك وتعالى، ثم يقال لهم
ارجعوا إلى منازلكم فيرجعون إلى منازلهم وقد خفوا على
أزواجهم وخفين عليهم مما غشيهم من نوره تبارك وتعالى، فإذا
صاروا إلى منازلهم وتراد النور وأمكن وتراد وأمكن حتى
يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها فيقول لهم أزواجهم لقد
خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم على غيرها، فيقولون ذلك
بأن الله تبارك وتعالى تجلى لنا فنظرنا منه إلى ما خفينا
به عليكم فلهم في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا وذلك
قوله عز وجل:
{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}
[السجدة: 17]".
وأحمد والترمذي: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى
جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم
على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية" ثم قرأ رسول الله صلى الله
عليه وسلم:
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}
[القيامة: 22 - 23].
وابن أبي الدنيا:
"إن أفضل أهل الجنة منزلة من ينظر إلى وجه
الله تبارك وتعالى كل يوم مرتين".
والشيخان:
"إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة،
فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل
رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا ما لم
تعط أحدا من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون
وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط
عليكم بعده أبدا".
والشيخان:
"قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر اقرءوا إن شئتم:
{فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا
أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]".
ج / 2 ص -440-
وصح:
"قدر سوط أحدكم من الجنة خير من
الدنيا ومثلها معها، ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من
الدنيا ومثلها معها، ولنصيف امرأة من الجنة خير من الدنيا
ومثلها معها".
وصح عن ابن عباس: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا
الأسماء".
ومسلم وغيره:
"إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد آن لكم
أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وآن لكم أن تحيوا فلا تموتوا
أبدا، وآن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وآن لكم أن
تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وذلك قول الله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}" [الأعراف: 43].
والشيخان:
"يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد يا أهل
الجنة فيشرئبون -أي يمدون أعناقهم لينظروا-
فينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا
الموت وكلهم قد رأوه، ثم ينادي مناد يا أهل النار فيشرئبون
وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت
وكلهم قد رأوه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول يا أهل
الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت"
ثم قرأ:
{وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ
الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}
[مريم: 39] وأشار بيده إلى الدنيا، وفي رواية لهما:
"ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت
كل خالد فيما هو فيه".
جعلنا الله من أهل الجنة الذين أحل عليهم رضوانه وأدام لهم
جوده وكرمه وإحسانه، وآمننا في الدارين من سائر الفتن
والمحن إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير آمين آمين
آمين.
وهذا آخر ما قصدته وتمام ما أردته والحمد لله الذي هدانا
لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله أولا
وآخرا وباطنا وظاهرا. يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال
وجهك وعظيم سلطانك سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت
على نفسك، فلك الحمد دائما أبدا حمدا يوافي نعمك ويكافئ
مزيدك عدد خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك، وصل يا
ربنا وسلم وبارك أفضل صلاة وأزكى سلام وأعظم بركة على عبدك
ونبيك ورسولك أشرف الخلق ورسول الحق
ج / 2 ص -441-
المؤيد من رب العالمين بالصدق سيدنا محمد وآله وأصحابه وأزواجه
وذريته الطيبين الطاهرين، كما صليت وسلمت وباركت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد عدد
خلقك ورضاء نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك كلما ذكرك وذكره
الذاكرون وكلما غفل عن ذكرك وذكره الغافلون:
{دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ} [يونس: 10].
بعون الله تم الكتاب. |