المنتظم

الجزء الثامن عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم دخلت
سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها


أنه بدأ بهروز يعمل سكر النهروانات فبناه دفعتين وهو يتفجر، ثم استحكم في الثالثة، وما زال يعمل عليه إلى أن مات في سنة أربعين. وولدت في هذه السنة ابنة قاور من السلطان مسعود ولدأ ذكرأَ، فعلقت بغداد وظهرت المنكرات، فبقيت ثمانية أيام فمضى ابن الكواز الزاهد إلى باب ابن، قاور وقال: إن أزلتم هذا وإلا بتنا في الحوامع، وشكونا إلى الله تعالى فحطوا التعاليق فمات الولد وعلقت البلد لأجل دخول خاتون بنت محمد زوجة المقتفي، وكانت قد وصلت مع أخيها مسعود، وأقامت عنده بدار المملكة ثم دخلت إلى الخليفة في زي عجيب وبين يديها زوجة السلطان مسعود بنت دبيس وبنت قاور، ويحجبها الوزير شرف الدين والمهد ومركب الخليفة وذلك في جمادى الأولى.
ثم وقع في رجب إملاك السيدة بنت أمير المؤمنين المسعود،، وحضر وزير الخليفة وزير السلطان والوجوه، ونثر عليهم، رتمكن الوزير أبو القاسم بن طراد من الدولتين.
ونفذ الخليفة خدماً وعمالاً على البلاد من غير مشاورة الوزير وجرت بينهما وحشة وانقطع الوزير عن الخدمة، ثم وقع الصلح في خامس عشر من، شعبان، وخلع على الوزير واختصم أصحاب ترشك و أصحاب الوزير، فبعث الوزير إلى السلطان، مسعود فقبض عليه، فأشار الوزير بأن يكون في خدمة السلطان تحت ركابه، فأخذه مسعود في صحبته، فثقل ذلك على الخليفة لكونه من خاصته، ثم أشير على السلطان باعادته فأعاده، ثم منع الوزير ثقة الدولة ابن الابري من الدخول إلى الخليفة، وكان وكيله قديماً فثقل ذلك على الخليفة فقبض على حاجب الوزير، فاستشعر الوزير من ذلك فقصد دار السلطان مسعود في سميرية وسط النهار، واقام بها وذلك في ذي القعدة من هذه السنة، فروسل في العود إلى منصبه، فامتنع وكانت الكتب تعنون باسمه إلى أن ورد جواب مكتوبات الخليفة إلى السلطان من المعسكر يقول له: كلنا بحكمك فول من تريده واعزل من تريد، فبعث إليه على يدي صاحب المخزن وابن الأنباري ونجاح الخادم، فعزله من الوزارة وهو مقيم بدار المملكة، وذلك في ذي الحجة، واستناب قاضي القضاة الزينبي، وتقدم بفتح الديوان، وجرت الأمورعلى العادة، ثم إن قاضي القضاة مرض فاستنيب ابن الأنباري. وتوفي رجل خير من باب الأزج ونودي عليه، واجتمع الناس في مدرسة عبد القادر للصلاة عليه فلما أريد غسله عطس وعاش، وأحضرت جنازة رجل غيره، أخرى فدخل عليه فصلى ذلك الخلق عليها. وتكاثرت كبسات العيارين وصاروا يأخذون مجاهرة.
وولي أبو الحسين الدامغاني قضاء الجانب الغربي، وجلس ابن السهروردي للوعظ في النظامية في شعبان، وحضر أرباب الدولة. وفي رمضان عزل ابن الصاحب من باب النوبي، وولي مكانه ابن مسافر، ثم عزل في ذي الحجة وولي أبو غالب بن المعوج.
وغارت المياه من أقطار الأرض، ونقص ماء دجلة نقصاً لم ير مثله، ورفعت كراسي الوعاظ من جامع القصر.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن جعفر بن الفرج، أبو العباس الحربي كان شيخاً صالحاً، حسن السمت، قليل الكلام مشغولاً بالعبادة، سمع أبا عبد الله الحسين بن أحمد النعالي وغيره، وكان يقال انه رئي بعرفات في بعض السنين التي لم يحج فيها، ودخل عليه بعض أهل الحربية قبل موته بيوم، فقال له: إذا كان غداً واتفق ما يكون يعني موته فاخرج من المحلة فانك ترى عند العقد شيخاً فقل له مات أحمد بن جعفر.
فلما مات خرج الرجل فرأى رجلاً قائماً على يمين الطريق، قال فقال لي قبل أن أكلمه مات الشيخ أحمد؟ فقلت: نعم، فمشى فاتبعته فلم ألحقه وغاب عني في الحال.
توفي في هذه السنة، وصلي عليه في تربة القزويني، ودفن بالحربية، ثم نقل بعد ذلك إلى مقبرة باب حرب.
أحمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني، أبو القاسم توفي في شوال.
أحمدبن محمد بن الحسين بن علي، أبو الحسن الياباني من أهل واسط، ولد بها وسمع بها من المشايخ، وانتقل إلى بغداد فسكنها، وسمع بها من أبي الخطاب نصر بن النظر، وأبي القاسم بن فهد، وكان حافظاً لكتاب الله، ديناً خيراً يبين آثار الصلاح على وجهه. توفي في شعبان هذه السنة ببغداد.
أحمد بن منصور بن الموصل، أبو المعالي الغزال


سمع أبا الحسين بن النقور، وأبا نصر الزينبي وغيرهما، وحدث وكان خيراً يسقى الأدوية بالمارستان العضدي، وكان يعبر الرؤيا، أتاه رجل يوم الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة فقال: رأيت البارحة في النوم كأنك قدمت في هذا الموضع، وأشار إلى خربة مقترنة بالمارستان، ففكر ساعة ثم قال: ترحموا علي، ثم مضى فصلى الجمعة في جامع المنصور، ورجع الى المارستان فوصل قريباً من الموضع الذي عينه صاحب المنام فسقط ومات فجأة، ودفن بمقبرة باب حرب.
ابراهيم بن سليمان بن رزق الله، أبو الفرج الورديسي الضرير وورديس قرية عند اسكاف، سمع أبا محمد التميمي وغيره، وكان فهماً للحديث، حافظاً لأسماء الرجال، ثقة، سمع الحديث الكثير وحدث بشيء يسير. وتوفي يوم الجمعة سابع ربيع الأول، ودفن بباب حرب.
ثابت بن حميد المستوفي قبض عليه الوزير البروجردي فحبسه في سرداب بهمذان في الشتاء بطاق قميص، فمات من البرد، وأخذ من ماله ثلثمائة ألف دينار.
جوهر الخادم الحبشي خادم سنجر المعروف بالمقرب، كان مستولياً على مملكته، متحكماً فيها، فجاءه باطنية في زي النساء فاستغاثوا إليه فقتلوه بالري في هذه السنة.
عبد السلام بن الفضل، أبو القاسم الجيلي سمع الحديث وتفقه على إلكيا الهراسي، وبرع في الفقه والأصول، وولي القضاء بالبصرة، وكان وقوراً ذا هيئة، وجرت حكوماته على السداد، وكان أبو العباس بن المعتي الواعظ البصري يقول: ما بالبصرة ما يستحسن غير القاضي عبد السلام والجامع. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
فضل اللّه بن محمد بن عبد العزيز، أبو محمد قاضي العراق، ولد في رجب سنة اثنتين وثلاثين وأربع مائة. وتوفي في محرم هذه السنة.
فاطمة بنت عبد اللّه الخيري الفرضي ولدت في جمادى الاولى سنة احدى وخمسين وسمعت من ابن المسلمة وابن النقور والصريفيني وغيرهم وحدثت عنهم وتوفيت ليلة الاثنين خامس رجب هذه السنة ودفنت بباب ابرز.
المهدي بن محمد، أبو البركات نشأ ببغداد وكان واعظاً حسن العبارة، وسمع أبا الخطاب بن النظر، والحسين بن طلحة النعالي، وثابت بن بندار، وأبا الحسين بن الطيوري وغيرهم، فخسف بجنزة في هذه السنة، فهلك فيها عالم عظيم لا يحصى من المسلمين منهم المهدي.
ثم دخلت
سنة خمس وثلاثين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أنه استوزر أبو نصر المظفر بن محمد بن جهير نقل من استاذية الدار إلى الوزارة.
ووصل إلى بغداد رجل أظهر الزهد والنسك، واقام في قرية السلطان بباب بغداد، فقصده الناس من كل جانب، واتفق أن بعض أهل السواد دفن ولداً له قريباً من قبر السبتي، فمضى ذلك المتزهد فنبشه ودفنه في موضع، ثم قال للناس في بعض الأيام: اعلموا أنني قد رأيت عمر بن الخطاب في المنام ومعه علي بن أبي طالب فسلمت عليهما وسلموا علي، وقالا لي: ان في هذا الموضع صبي من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وخطا لي المكان وأشار إلى ذلك الموضع، فحفروه فرأوا الصبي وهو أمرد فمن وصل إلى قطعة من أكفانه فكأنه قد ملك الملك، وخرج أرباب الدولة وأهل بغداد وانقلب البلد وطرح في الموضع دساتيج الماء الورد والبخور، وأخذ التراب للتبرك، وازدحم الناس على القبر حتى لم يصل أحد من كثرة الزحام، وجعل الناس يقبلون يد الزاهد وهو يظهر التمنع والبكاء والخشوع، والناس تارة يزدحمون عليه وتارة يزدحمون على الميت وبقي الناس على هذا أياماً والميت مكشوف يبصره الناس، ثم ظهرت رائحته وجاء جماعة من أذكياء بغداد فتفقدوا كفنه فوجدوه خاماً ووجحوا تحته حصيراً جديداً فقالوا: هذا لا يمكن أن يكون علىهذه الصفة منذ أربعمائة سنة فما زالوا ينقبون عن ذلك حتى جاء السوادي فأبصره، وقال: هذا والله ولدي وكنت دفنته عند السبتي، فمضى معه قوم إلى المكان فرأوا القبر قد نبش وليس فيه ميت، فلما سمع الزاهد ذلك هرب فطلبوه ووقعوا به فأخذوه فقرروه فأقر أنه فعل ذلك حيلة. فأخذ وأركب حماراً وشهر، وذلك في ربيع الآخر من هذه السنة.


وفي يوم الإثنين تاسع ربيع الآخر: نفذ السلطان مسعود كاساً لبهروز ليشربه فشربه وعلقت بغداد، وعمل سماعآ عظيماً في دار البرسقي، فحضر عنده أرباب الدولة وحضر جميع القيان، وأظهر الناس الطبول والزمور والفساد والخمور. واعترض على شيخ الشيوخ إسماعيل وقيل له لا تدخل ولا تخرج ولا يقربك أحد من أبناء الدنيا لأجل قربه من الوزير الزينبي.
وفي ربيع الآخر: أخذ المغربي الواعظ مكشوف الرأس إلى باب النوبي لأنه وجد في داره خابية نبيذ مدفونة وآلات اللهو من عود وغيره، فحبس وانهال عليه الناس يسبونه، وكان ينكر ذلك ويقول: إن امرأته مغنية والآلات لها وما علمت.
وفي جمالي الآخرة عزل جماعة من المعدلين ابن غالب، وأحمد بن الشارسوكي، وابن جابر، وابن شافع، وابن الحداد، وابن الصباغ، وابن جوانوه، ثم عزل آخرون فقارب عدد الكل ثلاثين.
وفي شوال: فتحت المدرسة التي بناها صاحب المخزن بباب العامة، وجلسى للتدريس فيها أبو الحسن ابن الخل، وحضر قاضي القضاة الزينبي وأرباب الدولة والفقهاء، وحضرت مع الجماعة ووصل في ذي القعدة رسول من عند سنجر ومعه البردة والقضيب فسلمه إلى المقتفي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
اسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي بن أحمد، أبو القاسم الطلحي من أهل أصبهان ، ولد سنة تسع وخمسين سافر البلاد وسمع الكثير ونسخ، وأملى بجامع أصبهان قريباً من ثلاثة آلاف مجلس، وهو إمام في الحديث والتفسير واللغة، حافظ متقن دين، توفي في ليلة عيد الاضحى من هذه السنة بأصبهان .
أنبأنا شيخنا أبو الفضل بن ناصر، قال حدثني أبو جعفر محمد بن أبي المرجي الأصبهان ي، وهو ابن أخي إسماعيل الحافظ، قال: حدثني أحمد الاسواري، و كان ثقة، وهو تولى غسل إسماعيل بن محمد الحافظ، أنه أراد أن ينحي الخرقة عن سوأته وقت الغسل فجذبها الشيخ إسماعيل من يده وغطى بها فرجه، فقال الغاسل: أحياة بعد مرت؟!.
عبد الرحمن بن محمد ، أبو منصور القزاز، ابن زريق عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد بن الحسن بن مبارك، أبو منصور القزاز المعروف بابن زريق: كان من أولاد المحدثين، سمعه أبوه وعمه الكثير ، وكان صحيح السماع، وسمع شيخنا أبو منصور من ابن المهتدي، وابن وشاح، وأبي الغنائم ابن الدجاجي، وجابر بن ياسين، والخطيب، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي محمد الصريفيني، وأبي بكر الخياط، وأبي الحسين بن النقور، وغيرهم، وكان ساكتاً قليل الكلام، خيراً سليماً، صبوراً على العزلة، حسن الاخلاق.
وتوفي في شوال هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب .
عبد الجبار بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار، أبو منصور ابن توبة أخي المقدم. ولد سنة اثنتين وستين، وسمع أبا الحسين ابن النقور، وأبا محمد الصريفيني، وأبا منصور ابن العكبرى، وأبا نصر الزينبي، وصحب أبا اسحاق الشيرازي، وكان ثقة ديناً صدوقاً مليح الشيبة، قيماً بكتاب الله. توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ودفن بمقبرة باب ابرز.
عطاء بن أبي سعد بن عطاء بن أبي عياض، أبو محمد الفقاعي الثعلبي من أهل هراة، ولد سنة اربع وأربعين وأربعمائة، وسمع ببغداد من أبي القاسم ابن البسري، وأبي نصر الزينبي، وطراد وغيرهم، وكان من المريدين لعبد الله بن محمد الأنصاري، فضرب المثل به في ارادته له وخدمته إياه، ولما خرج عبد الله الانصاري إلى بلخ جرت لعطاء مع النظام العجائب، وكان النظام يحتمله وخرج النظام إلى غزو الروم، فكان يعدو معه فوقع أحد نعليه فما التفت إليه، وخلع الآخر وعدا فأمسك النظام الدابة، وقال: أين نعلاك؟ قال: وقع أحدهما فما وقفت خشية أن تفوتني، فقال: فلم خلعت الآخر؟ قاد: لأن شيخي الأنصاري أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمشي الانسان في نعل واحدة.


فأعجب النظام ذلك، وقال: اكتب ان شاء اللة حتى يرجع شيخك إلى هراة، اركب بعض الجنائب، فقال: شيخي في المحنة وأنا أركب بعض الجنائب؟ لا أفعل ذلك، فعرض عليه مالاً فلم يقبل. وتحرك نعل فرس النظام، فنزل الركابي ليقلعه فوقف النظام الفرس فقعد عطاء قريباً منه، وجعل يقشر جلد رجله ويرمي بها، وقال للنظام: ارم أنت نعل الخيل ونرمي نحن جلد الرجل ونبصر ما يعمل القضاء ولمن تكون العاقبة، وقال له النظام: إلى كم تقيم ها هنا؟ أما لك أم تبرها؟ فقال: نحن نحسن نقرأ، قال: وأي شيءمقصودك؟ فأخرج كتاباً من أمه، وفيه: يا بني إن أردت رضا الله ورضا أمك فلا ترجع إلى هراة ما لم يرجع شيخك الأنصاري.
وآل الأمر إلى أن حبس ثم أخرج فقدم إلى خشبة ليصلب، فوصل في الحال من السلطان من أمر بتركه، فلما أطلق رجع إلى التظلم والتشنيع. وتوفي في هذه السنة.
محمد بن أحمد بن توبة، أبو الحسين الأسدي العكبري محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار بن توبة، أبو الحسين الأسدي العكبري: ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وقرأ القرآن بروايات، وكان حسن التلاوة، وسمع الحديث من أبي الغنائم ابن المامون، وأبي جعفر ابن المسلمة، وأبي محمد الصريفيني، وأبي الحسين ابن النقور، وأبي بكر الخطيب، وغيرهم، وقرأ شيئاً من الفقه على أبي اسحاق، وكان له سمت ووقار وبهاء. توفي يوم الثلاثاء سابع عشر صفر من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب أبرز.
محمد بن عبد الباقي بن كعب بن مالك الأنصاري محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري. أحد الثلاثة الذي تيب عليهم في قوله تعالى: " وعلى الثلاثة الذين خلفوا " أبو بكر بن أبي طاهر ويعرف أبوه بصهر هبة الله البزار.
ولد بالبصرة ونشأ بها وكنا نسأله عن مولده ، فقال: أقبلوا على شأنكم فاني سألت القاضي أبا المظفر هناد بن ابراهيم النسفي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك، فاني سألت أبا الفضل محمد بن أحمد الجارودي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فاني سألت أبا بكر محمد بن علي بن زحر المنقري عن سنه فقال: أقبل على شأنك، فاني سألت أبا أيوب الهاشمي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فاني سألت أبا اسمعيل الترمذي عن سنه، فقال لي: أقبل على شأنك، فاني سألت البويطي عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، فاني سألت الشافعي عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، فاني سألت مالك بن أنس عن سنه فقال لي: أقبل على شأنك، ثم قال لي: ليس من المروءة أن يخبر الرجل عن سنه.
قال لنا شيخنا محمد بن عبد الباقي، ووجدت في طريق آخر قيل له: قال: لأنه إن كان صغيراً استحقروه وإن كان كبيراً استهرموه، ثم قال لنا: مولدي في يوم الثلائاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولدت فأجمعا أن العمر اثنتان وخمسون سنة، قال: وها أنا قد جاوزت التسعين، وأنشدني:
احفظ لسانك لاتبح بثلاثة ... سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموه ومكفر ومكذب
وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأول سماعه الحديث من أبي اسحاق البرمكي في رجب سنة خمس وأربعين حضوراً وسمع من أبي الحسن الباقلاني سنة ست وأربعين، وكان آخر من حدث في الدنيا عن أبي اسحاق البرمكي، وأخيه أبي الحسن علي بن عمر، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي طالب العشاري، وأبي الحسن علي بن ابراهيم الباقلاوي، وأبي محمد الجوهري، وأبي القاسم عمر بن الحسين الخفاف، وأبي الحسين محمد بن أحمد بن حسنون، وأبي علي الحسن بن غالب المنقري، وأبي الحسين بن الآبنوسي، وأبي طالب بن أبي طالب المكي، وأبي الفضل هبة الله ابن المأمون، فهؤلاء تفرد بالرواية عنهم، وقد سمع خلقاً كثيراً يطول ذكرهم وكانت له إجازة من أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي، وأبي الفتح بن شيطا، وأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وتفقه على القاضي أبي يعلى بن الفراء، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني، وعمر حتى ألحق الصغار بالكبار، وكان حسن الصورة


حلو المنطق مليح المعاشرة، وكان يصلي بجامع المنصورفيجيء في بعض الأيام فيقف وراء مجلسي وأنا على منبر الوعظ فيسلم علي، وأملى الحديث في جامع القصر فاستملى شيخنا أبو الفضل بن ناصر، وقرأت عليه الكثير، وكان فهماً ثبتاً، حجة متقناً في علوم كثيرة، متفرداً في علم الفرائض، وقال يوماً: صليت الجمعة بنهر معلى ثم جلست أنظر الناس يخرجون من الجامع فما رأيت أحداً أشتهي أن أكون مثله، وكان يقول: ما أعلم أني ضيعت من عمري ساعة في لهو أو لعب، وما من علم الأ وقد حصلت بعضه أوكله، وكان قد سافر فوقع في أيدي الروم فبقي في أسرهم سنة ونصفاً، وقيدوه وجعلوا الغل في عنقه وأرادو أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلم بينهم الخط الرومي، وسمعته يقول يجب على المعلم أن لا يعنف وعلى المتعلم أن لا يأنف. وسمعته يقول: كن على حذر من الكريم إذا أهنته، ومن اللئيم إذا أكرمته، ومن العالم إذا أحرجته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الفاجر إذا عاشرته. وسمعته يقول: من خدم المحابر خدمته المنابر.
وأنشدني لنفسه:
بغداد دار لأهل المال طيبة ... وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق
وأنشدني لنفسه:
لي مدة لا بد أبلغها ... فاذا انقضت وتصرمت مت
لو عاندتني الأسد ضارية ... ما ضرني ما لم يجي الوقت
ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس لم يتغيرمنها شيء، ثابت العقل، يقرأ الخط الدتيق من بعد، ودخلنا عليه قبل موته بمديدة، فقال: قد نزلت في أذني مادة وما أسمع، فقرأ علينا من حديثه وبقي على هذا نحواً من شهرين، ثم زال ذلك، وعاد إلى الصحة، ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على ما جرت به العادة، وقال: لأنه إذا حفر زيادة على ما جرت به العادة لم يصلوا الي، وأن يكتب على قبره: " قل هو نبأ عظيم أنتم معرضون " ، ولم يفترعن قراءة القرآن إلى أن توفي.
وتوفي يوم الاربعاء قبل الظهر ثاني رجب هذه السنة، وصلي عليه بجامع المنصور، وحضر قاضي القضاة الزينبي، ووجوه الناس، وشيعناه إِلى مقبرة باب حرب، ودفن إلى جانب أبيه قريباً من قبر بشر الحافي.
يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسن بن وهرة، أبو يعقوب الهمداني من أهل بوزنجرد قرية من قرى همذان مما يلي الري، نزيل مرو، جاء إلى بغداد بعد الستين وأربعمائة، فتفقه على الشيخ أبي اسحاق حتى برع في الفقه وعلم النظر، وسمع أبا الحسين ابن المهتدي، وأبا الغنائم، وأبا جعفر ابن المسلمة، وأبا بكر الخطيب، والصريفيني وأبا بكر ابن النقور وغيرهم، ورجع إلى بلده، وتشاغل بعلم المعاملة وتربية المريدين، فاجتمع في رباطه بمرو جماعة كثيرة من المنقطعين، وقال: دخلت جبل زر لزيارة الشيخ عبد الله الجوشني وكان شيخه قال: فوجدت ذلك الجبل معموراً بأولياء الله تعالى كثير المياه كثير الأشجار، وكل عين رأسها واحد من الرجال مشتغل بنفسه، صاحب مجاهدة، فكنت أدور عليهم وأزورهم ولا أعلم في ذلك حجراً لم تصبه دمعتي، وقدم إلى بغداد سنة ست وخمسمائة، فوعظ بها فظهر له قبول تام، وقام إليه رجل يعرف بابن السقاء فآذاه وجرت له في ذلك المجلس قصة قد ذكرتها في سنة ست، ثم عاد إلى مرو ثم خرج إلى هراة، ثم رجع إلى مرو، ثم عاد إلى هراة، فلما رجع إلى مر وتوفي بقرية قريبة من هراة يوم الاثنين الثاني والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة ست وثلاثين و خمسمائة
فمن الحوادث، فيها: أنه مات ابراهيم السهولي رئيس الباطنية، فأحرقه ولد عباس شحنة الري في تابوته.
وفيها: دخل خوارز مشاه مرو وفتك فيها مراغمة لسنجر حين تمت عليه الهزيمة، وقبض على أبي الفضل الكرماني متقدم الحنفيين، وعلى جماعة من الفقهاء.
وفيها: عمل بثق النهروان، وخلع بهروز على الصناع جميعهم جباب ديباج رومي وعمائم قصب مذهبة وبنى عليه قرية سماها المجاهدية، وبنى لنفسه تربة هناك، ووصل السلطان عقيب فراغه وجريان الماء في النهر فقعد هو والسلطان في سفينة وسارا في النهر المحفرر، وفرح السلطان بذلك وقيل انه عاتبه في تضييع المال فقال له: قد أنفقت عليه سبعين ألف دينار، أنا اعطيك إياها من ثمن التبن وحده.


ثم انه عزله من الشحنكية وولى قزل: فظهر من العيارين ما حير الناس، وذاك أن كل قوم منهم احتموا بأمير فأخذوا الأموال وظهروا مكشوفين، وكانوا يكبسون الدور بالشموع، ويدخلون الحمامات وقت السحر فيأخذون الأثواب، وكان ابن الدجاجي جالساً ليلة بالحربية فكبسوها وأخذوا عمامته، ودخلوا إلى خان بسوق الثلاثاء بالنهار، وقالوا: ان لم تعطونا أحرقنا الخان، ولبس الناس السلاح لما زاد النهب، وأعانهم وزير السلطان، فظهروا وقتلوا المصالحة، وزادت الكبسات حتى صار الناس لا يظهرون من المغرب، ثم أن السلطان أطلق الناس في العيارين فتتبعوا ودخل مسعود إلى داره، ومضى إليه الوزير ابن جهيريوم الثلاثاء خامس عشرين ربيع الأول من هذه السنة، ودخل الوزير ابن طراد إلى السلطان مسعود وسأله أن يسأل أمير المؤمنين أن يرضى عنه ويعيده إلى داره فسلمه إلى وزيره، وقال له: تمضي إِلي أوتسأل، أمير المؤمنين بشفاعتي وأخذه صحبته إلى داره التي في الاجمة واقام عنده اياماً والرسل تردد بينه وبين امير المؤمنين والساعي في ذلك صاحب المخزن وامير المؤمنين يعد ذنوبه ومكاتباته وإساآته ومضى الوزير في الشفاعة، وجعل يقول: يا مولانا ما زالت العبيد تجني والموالي تعفو وقد اتصل السؤال من جانبي سنجر ومسعود فأجاب وعفا عنه.
فلما كان يوم الثلاثاء سابع عشر ربيع الاول ركب الوزيران في الماء وجميع الامراء والخدم والخواص ويرنقش الزكوي ودخلوا من باب الشط فقعدوا في بيت النوبة واستأذنوا فأذن لوزير السلطان وحده فدخل وقبل الأرض ووقف بين يدي أمير المؤمنين، وقال: يا مولانا السلطان سنجر يسأل ويتضرع الى اميرالمؤمنين في قبول الشفاعة في الزينبي وكذلك مسعود يقبل الأرض ويقول له حق خدمة وان كان بداً منه سيئة فقد قال الله تعالى: " ان الحسنات يذهبن السيأت " وقال: " وليعفوا وليصفحوا " ورأي أمير المؤمنين في ذلك أعلى فأخذ أمير المؤمنين يعدد سيئاته، ثم قال: " عفا اللّه عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه " وقد أجبت السلطانين إلى سؤالهما وعفوت عنه ثم اذن له فدخل هو والأمراء فوقفوا وراء الشباك وكشفت الستارة فقبلوا الأرض بين يديه ثم مضى الى داره وعاد الوزير الى مسعود فأخبره بما جرى.
وفي جمادى الاولى في كانون الأول: أوقدت النيران على السطوح ببغداد ثلاث ليال، وضربت الدبادب والبوقات حتى خشي على البلد من الحريق، فنودي في الليلة الرابعة بازالته.
وفي جمادى الآخرة: ورد الخبر بالوقعة التي جرت بين سنجر وبين كافر ترك وكانت الوقعة فيما وراء النهر وبلغت الهزيمة إلى ترمذ وأفلت سنجر في نفر قليل فدخل إلى بلخ في ستة أنفس، وأخذت زوجته وبنت بنته زوجة محمود، وقتل من أصحاب سنجر مائة ألف أو كثر، وقيل انهم احصوا من القتلى أحد عشر ألفاً كلهم صاحب عمامة واربعة آلاف امرأة وكان سنجر قد قتل أخا خوارزم شاه فبعث خوارزم إلى كافر ترك، وكان بينهما هدنة وقد تزوج إليه فسار إليه في ثلثمائة ألف فارس، وكان معه مائة ألف فارس، فضربوا على سنجر فلم تر وقعة اعظم منها وكانت في محرم هذه السنة، وقيل في صفر.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد، أبو جعفر العدل أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن الحسن بن حمدي، أبو جعفر العدل: سمع الحديث من أبي محمد بن أيوب وغيره، وشهد عند أبي القاسم الزينبي وكان له سمت حسن ودين وافر وطريقة مرضية ومذهب في النظافة شديد، وكان واصلاً لرحمه، كثير التصدق على الفقراء، وكان يسرد الصوم ولا يفطر إلا الأيام المحرم صومها.
وتوفي ليلة الخميس حالي عشر ذي القعدة، وصلي عليه بجامع القصر، ودفن في داره بخرابة الهراس، ثم نقل بعد مدة إِلى مقبرة باب حرب.
أحمد بن محمد بن علي بن محمود بن ابراهيم بن ماخرة، أبو سعد الزوزني


ولد في ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسمع القاضي أبا يعلى، وابن المسلمة، وابن المهتدي، وحدثنا عنهم، وهو آخر من حدث عن القاضي أبي يعلى، وكان قد مضى إلى صريفين فسمع الجعديات كلها من أبي محمد الصريفيني، وسمع من أبىِ علي بن وشاح وجابر بن ياسين وأبي الحسين ابن النقور، وأبي منصور ابن العكبري، وأبي بكر الخطيب وغيرهم، وكانوا ينسبون إلى التسمح في دينه، وحكى أبو سعد السمعاني أنه كان منهمكاً في الشراب ولا أدري من أين علم ذلك، ومرض فبقي خمسة وثلاثين يوماً بعلة النصب لم يضطجع.
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر شعبان من هذه السنة، ودفن يوم الجمعة عند رباط جده أبي الحسن الزوزني حذاء جامع المنصور.
قال شيخنا أبو الفضل ابن ناصر: رأيته في المنام وعليه ثياب حسنة، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقلت له: وأين انت؟ قال: أنا وأبي في الجنة.
اسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو القاسم السمرقندي ولد بدمشق في رمضان سنة أربع وخمسين وسمع شيوخ لمحمشق ثم بغداد فسمع ابن النقور، وكان يلازمه حتى قال: سمعت منه جزء يحيى بن معين اثني عشرة مرة، وسمع الصريفيني، وابن المسلمة، وابن البسري وغيرهم. ثم انفرد باشياخ لم يبق من يروي عنهم غيره.
وكان مكثراً فيه، وكان دلالاً في بيع الكتب، فدار على يده حديث بغداد بأشياخ فادخر الاصول وسمع منه الشيوخ والحفاظ، وكان له يقظة ومعرفة بالحديث، وأملى بجامع المنصور زيادة على ثلثمائة مجلس، وسمعت منه الكثير بقراءة شيخنا أيي الفضل بن ناصر، وأبي العلاء الهمذاني وغيرهما، وبقراءتي، وكان أبو العلاء يقول ما أعدل به أحداً من شيوخ خراسان ولا العراق، وكان شيخنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن يقول: أبو القاسم السمرقندي استاذ خراسان والعراق .
أنبأنا أبو القاسم السمرقندي قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم كأنه مريض وقد مد رجله فدخلت فجعلت أقبل أخمص رجليه وأمر وجهي عليهما، فحكيت هذا المنام لآبي بكر ابن الخاضبة فقال: أبشر يا أبا القاسم بطول البقاء وبانتشار الرواية عنك الأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فان تقبيل رجليه اتباع أثره، وأما مرض النبي صلى الله عليه وسلم فوهن يحدث في الاسلام فما أتى علي هذا إِلا قليل حتى وصل الخبر أن الافرنج استولت على بيت المقدس.
وتوفي شيخنا اسماعيل ليلة الثلاثاء سادس عشرين ذي القعدة عن اثنتين وثمانين سنة وثلاثة أشهر، ودفن بباب حرب في المقابر المنسوبة إلى الشهداء. وهذه المقبرة قريبة من قبر أحمد، ولا نعرف لهذا الذي يقال لها أصلاً، وقد أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز، قال: أخبرنا أبو بكر الخطيب، قال: لم أزل اسمع العامة تذكر أنها قبور من أصحاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كانوا شهدوا معه قتل الخوارج بالنهروان وارتثوا في الوقعة ثم لما رجعوا أدركهم الموت في ذلك الموضع فدفنهم علي عليه السلام هنالك، وقيل: ان فيهم من له صحبة، قال: وقد كان حمزة بن محمد بن طاهر وكان من أهل الفهم وله قدم في العلم ينكر ما قد استمر عند العامة من ذلك ويقول لا أصل له.
أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، عن أبي محمد ابن السراج، قال: رأيت منذ خمسين سنة مقابر الشهداء عند الوهلة ، وقد انقلبت الجبانة وبرزت جمجمة عند طاقة ريحان طرية.
إسماعيل بن عبد الوهاب بن اسماعيل، أبو سعد البوشنجي نزيل هراة ولد سنة احدى وستين، وسمع أبا صالح المؤذن، وأبا بكر بن خلف، وحمد بن أحمد، وورد بغداد فسمع من ابن نبهان، وابن بيان، وغيرهما، وتفقه وكان دائم الذكر متعبداً ثم مضى الى هراة، فسكنها إلى أن توفي بها في هذه السنة، وكان يفتيهم.
أدم بن أحمد بن أسد، أبو سعد الأسدي الهروي من أهل هراة سكن بلخ، وكان أديباً فاضلاً عالماً باللغة، ودخل بغداد وحدث بها وقرىء عليه بها الأدب، وروى عبد الكريم بن محمد أنه جرى بين هذا الاسدي وبين شيخنا أبي منصور ابن الجواليقي نوع منافرة في شيء اختلفا فيه، فقال له الأسدي: أنت لا تحسن ان تنسب نفسك فان الجواليقي نسبة الى الجمع والنسبة إلى الجمع لا تصح، توفي الأسدي في شوال هذه السنة ببلخ.
أحمد بن منصور بن أحمد، أبو نصر الصوفي الهمذاني


كان حسن الصورة مليح الشيبة لطيف الخلقة مائلاً إلى أهل الحديث والسنة، كثير التهجد لتلاوة القرآن، سمعت عليه الحديث في رباط بهروز الخادم، وكان شيخ الرباط فأوصى أن يحضر شيخنا أبو محمد المقرىء غسله ويصلي عليه فشق ذلك على أصحاب الشافعي، وكانت وفاته يوم الجمعة ثامن عشر رمضان عن سبع وتسعين سنة ممتعاً بسمعه وبصره، ودفن بالشونيزية في صفة الجنيد.
خاتون امرأة المستظهر بالله قد ذكرنا حالها في تزويج المستظهر بها، وفي تزويج ملك كرمان بها، وكانت دارها حمى ولها الهيبة والاصحاب، وورد الخبر بموتها فقعد لها في العزاء يومين في الديوان.
محمد بن جعفر بن محمد بن أحمد، أبو بكرالتميمي من أهل أصبهان من بيت الحديث والعدالة ولد سنة سبع وستين وأربعمائة بأصبهان ، وسمع من عبد الوهاب بن مندة وغيره. وكان ثقة كثير التعبد، وقم بغداد للحج فخرج معهم وهو مريض، فتوفي يوم الاثنين ثامن عشر ذي القعدة، ودفن بزبالة.
محمد بن الحسين بن محمد، أبو الخير التكريتي، اليترك سمع أبا محمد السراج، وكان شيخاً صالحاً متشاغلاً بما ينفعه، سافر الكثير وسكن في آخر عمره برباط الزوزني المقابل لجامع المنصور. قال المصنف: ورأيته إنا، وتوفي في هذه السنة، ودفن على باب الرباط.
محمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر، أبو محمد السهلوكي الخطيب خطيب بسطام مدينة بقومس وقاضيها، سمع بها من أبي الفضل السهلوكي، وببغداد من أبي محمد التميمي، ونظام الملك، وغيرهم. وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة ببسطام.
محمود بن أحمد بن عبد المنعم بن احمد بن محمد بن ماساده، أبو منصور الواعظ من أهل أصبهان ، سمع الحديث الكثير، وتفقه على أبي بكر الخجندي، وارتفع أمره وعرض جاهه فصار المرجع إِليه، وكان يفسر ويعظ بفصاحة، وورد بغداد بعد العشرين وخمسمائة فوعظ بجامع القصر، وعاد إِلى أصبهان فتوفي بها في ربيع الآخر من، هذه السنة.
نصر بن أححد بن محمد بن مخلد، أبو الكرم الأزلي، ابن الجلخت من أهل واسط آخر من روى عن أبي تمام علي بن محمد القاضي، وقد سمع من جماعة، وكان ثقة صالحاً من بيت الحديث. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علي بن طاوس، أبو محمد المقرىء البغدادي انتقل والده إلى دمشق فسكنها فولد هو بها في سنة اثنتين وستين واربعماثة ونشأ،وكان مقرئاً فاضلاً حسن التلاوة، وختم القرآن عليه خلق من الناس، وأملى الحديث، وكان ثقة صدوقاً.
وتوفي في محرم هذه السنة، ودفن في مقبرة باب الفراديس بظاهر دمشق وحضره خلق عظيم.
يحيى بن علي بن محمد بن علي الطراح، أبو محمد المدير ولد بنهر القلائين في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، ونشأ بها ثم انتقل الى الجانب الشرقي، سمع ابا الحسين بن المهتدي وابا جعفر بن المسلمة وابا محمد الصريفيني وابا الغنائم بن المأمون وابا الحسين ابن النقور وابا بكر الخياط وابا القاسم بن البسري والمهرواني وغيرهم وكان سماعه صحيحاً وكان من أهل السنة شهد له بذلك شيخنا ابن ناصر وكان له سمت المشائخ ووقارهم وسكونهم مشغولاً بما يعنيه، وكان كثير الرغبة في الخير وزيارة القبور، وسمعنا عليه كثيراً وكان مديراً لقاضى القضاة أبي القاسم الزينبي. وتوفي ليلة الجمعة رابع عشرين رمضان هذه السنة ودفن بالشونيزية.
يحيى بن علي، أبو علي الباجرائي تفقه وتقدم وبرع وناظر وهو صغير السن، واختطف في زمن الشبيبة، ودفن في مقبرة جامع المنصور.
ثم دخلت
سنة سبع وثلاثين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن ابن طلحة صاحب المخزن عاد من الحج منصرفاً تاركاً للعمل، فنظر أبو القاسم علي بن صدقة في المخزن من غير وكالة. ووصلت سفن فيها خمر فربطت مما يلي باب المدرسة فأنكر الفقهاء ذلك فضربوا وجاء الأعاجم فكبسوا المدرسة وضربوا الفقهاء، ولزم ابن الرزاز المدرس بيته، وكان جميع المعيدين يحتمون بالأعاجم.
وأرسل السلطان سنجر الى السلطان مسعود يأذن له في التصرف في الري وما يجري معها على عادة السلطان محمد ويجمع العساكر ويكون مقيماً بالري بحيث ان دعته حاجة استدعاه لأجل ما كان نكب به سنجر من الكفار.


ووصل إلى بغداد عباس شحنة الري بعسكر كثير وخدمه الخدمة الوافرة، ووصل إليه جماعة من الأمراء فأشار عباس بقصد الري، وأشار الوزير عز الملك، بقصد ساوة فقبل قول عباس.
وفي جمادى الآولى: وصل الخبر بان زنكي ملك قلعة الحديثة، ونقل من كان فيها من آل مهارش إلى الموصل، ورتب أصحابه فيها.
وفي جمادى الآخرة: استدعى أبو القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة، وخلع عليه ورتب في المخزن. وفي حادي عشر شعبان: جرت للشيخ أبي محمد المقرىء وهلة، وخرج من مسجده، وسبب ذلك أن ضريراً يقال له علي المشتركي، خاصم غلامأ كان يخدم الشيخ، وخرج عن المسجد وصلى في مسجد الشافعية ثم سكن مسجد يانس، وصار له جمع من العميان، وكانت الفتن تجري بينهم وبين أصحاب الشيخ ويبلغون إلىِ حاجب الباب، وكان يتعصب للمشتركي الركاب سلار، فنفذ الى الشيخ كلاماً صعباَ فغضب الشيخ وعبر إلى الحربية فأقام ثلاثة أيام ثم عاد فنفذ إليه حاجب الباب فاحضره فاذا المشتركي جالس عنده على الدكة؟ فقال له: قد برز توقيع شريف بمصالحتكم فأبى ذلك وعاد إلى المسجد ومعه الغوغاء فصعب ذلك على حاجب الباب، فكتب وأطنب، ثم نفذ إليه أنه قد تقدم باخراجك من المسجد ونفد معه الرجالة الى الشرط وختموا داره ومسجده، فاقام بالحربية، ثم برزتوقيع بعوده فعاد.
وفي غرة في القعدة: صرد الخبر بان بنت دبيس ولدت للسلطان مسعود ولداً ذكراً، فعلقت بغداد، وأخذ الناس في اللعب سبعة أيام، ثم ظهر المفسدون وقتلت المصالحة، واخذت أموال الناس، وعزل أبو الكرم الوالي، ورتب مكانه رجل يقال له ابن صباح، فكان يطوف ولا ينفع حمايته. وتقدم المقتفي أن لا يخاطب أحد بمولانا سوى الوزير، ولا يحمل لأحد غاشية على الكتف سوى قاضي القضاة الزينبي.
وفي يوم الاربعاء تاسع ذي القعدة: استدعى القاضي أبو يعلى محمد بن محمد بن الفراء الى دار قاضي القضاة الزينبي، وفوض إليِه قضاء واسط، فوصل إِليها يوم الأحد حادي عشر ذي الحجة، وجلس للحكم في الجامع.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن سالم بن علوي بن جحاف، أبو منصور الهيتي ولد بهيت في سنة ستين، وسمع أبا نصر النرسي، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وأبا طاهر الباقلاوي، وتفقه محلى أبي عبد الله الدامغاني، وبرع في المناظرة، وسمع شهادته قاضي القضاة الزينبي، واستنابه في القضاء. وتوفي يوم الخميس حادي عشر شوال هذه السنة، ودفن بمقبرة الخيزران.
ابراهيم بن هبة اللّه بن علي بن عبد اللهّ، أبوطالب من أهل ديار بكر، سمع الحديث من جماعة روى عنهم، وكان دائم التلاوة للقرآن كثير الذكر فقيها مناظراً، توفي في هذه السنة.
أحمد بن أبي الحسين بن أحمد بن ربعة أبو الحارث، الهاشمي ولد قبل الستين وأربعمائة، وسمع أبا الحسين ابن الطيورى، وكان يؤم في جامع المنصور في الصلوات الخمس، وكان فيه خير، وكان يحضر مجلسي كثيراً وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة، ودفن في مقبرة بين جامع المنصور، وشارع دار الدقيق.
الحسين بن علي بن أحمد بن عبد الله المقرىء، أبو عبد الله الخياط ولد في رمضان سنة ثمان وخمسين، سمع ابن المأمون، والصريفيني، وابن النقور، وغيرهم، وحدثنا عنهم، وقرأت عليه القرآن والحديث، وكان صالحاً يأكل من كد يده من الخياطة، توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
سليمان بن محمد بن الحسين، أبو سعد القصار، الكافي الكرجي من بلد الكرج سمع الحديث وتفقه وبرع في الفقه والاصول وتكلم مع الأئمة الكبار وكان أعرفهم بأصول الفقه توفي بالكرج في هذه السنة.
عبد اللّه بن محمد بن محمد البيضاوي، أبو الفتح سمع الحديث من ابن النقور وغيره، وشهد وصار حاكماً فسمعت عليه الكثير. وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة، وصلى عليه بجامع المنصور أخوه لأمه قاضي القَضاة أبو القاسم الزينبي، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن الحسين بن عمر، أبو بكر الأرموي تفقه على أبي اسحاق الشيرازي، وسمع من ابن النقور وغيره، وكان ببغداد رجل يقال له: أبو بكر محمد بن الحسين الأرموي فاشتبه الاسمان فترك هو الرواية تحرجاً. توفي في ليلة السبت سابع محرم هذه السنة ودفن عند ابن سريج.
محمد بن عبد اللّه الأسدي، أبو الفضل الخطيب


محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد الأسدي، أبو الفضل الخطيب: ولد في عشر ذي الحجة الاول من سنة تسع وأربعين، وسمع أبا الحسين ابن المهتدي وأبا الغنائم ابن المأمون، وأبا الحسين ابن النقور، وطراداً، وأبا الوفاء طاهر بن الحسين القواس، وهو جده لأمه وغيرهم، وحدث وقرأ بالقراآت وشهد عند أبي الحسن الدامغاني، وردت إليه الخطابة بجامع المنصور، ثم في جامع القصر، وسرد الصوم نيفاً وخمسين سنة، وكان رجلاً صالحاً. وتوفي في يوم الجمعة ثامن عشرين جمادى الاولى، ودفن في دكة قبر الإمام أحمد عند جده لأمه أبي الوفاء ابن القواص بعد فتنة تلوفيت فان المقتفي وقع بذلك ومنعت العامة.
ثم دخلت
سنة ثمان وثلاثين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن السلطان جمع العساكر لقصد الموصل والشام، وترددت رسل زنكي حتى تم الصلح على مائة الف دينار تحمل في ثوب فحمل ثلائين ألفآ، ثم تقلبت الاحوال فاحتيج إلى مداراة زنكي وسقط المال، وقيل بل خرج ابن الأنبارى فقبض المال.
وفي هذه السنة: قبض السلطان على ترشك المقتفوي، وحمل إلى قلعة خلخال، وقدم السلطان مسعود في ربيع الأخر، فنزل اصحابه في دور الناس وتضاعف فساد العيارين بدخوله وكثرت الكبسات والاستقفاء نهارا ونقل الناس رحالهم الى دار الخلافة وباب المراتب، وكان اللصوص يمشون بثياب التجار في النهار فلا يعرفهم الانسان حتى يأخذوه فأخذت خرق الصيارف وضاقت المعايش، وأعيد إلى الولاية أبو الكرم الهاشمي في جمادى الأولى، فطاف البلد وأخذ ثلاثة فلم ينفع، وكان للعيارين عيون على الناس،، من النساء والرجال يطوفون الخانات والرحبة والصيارف والجوهريين، فاذا عاينوا من قد باع شيئأ تبعوه واخذوا ما معه، وكانوا يجتمعون في دور الذين يحمونهم في دار وزير السلطان ودار يرنقش، واخذوا خرق الصيارف وجرحوهم، ولقوا رجلاً قد باع دابة بخمسة وعشرين ديناراً، فضربوه بالسيف وأخذوها فنفر الناس وغلقوا دكاكينهم، وغلقوا باب الجامع وتلقوا السلطان في الميدان، ومعهم ابن الكواز الزاهد فاستغاثوا إليه فلم يجبهم فعادوا مراراً وهو لا يلتفت وكان قي العيارين ابن قاور، وهو ابن عم السلطان مسعود فأخذ بعملات فتقمم السلطان بصلبه فصلب بباب درب صالح الذي فيه بيته وصلب معه ثلاثة من أصحابه ثم أباح السلطان دماءهم فصلب منهم جماعة فسكن الناس وفي رجب: خرج ملك البطائح إلى تل علم فشاهده فكان طوله نحو ثمانمائة ذراع وعرضه نحو أربعمائة ذراع.
وفي هذه السنة: قدم مع السلطان فقيه كبير القدر اسمه الحسن بن أبي بكر النيسابوري، وكان من أصحاب أبي حنيفة، وكانت له معرفة حسنة باللغة وفهم جيد في المناظرة وجالسته مدة وسمعت مجالسه كثيراً فجلس بجامع القصر، وجامع المنصور وأظهر السنة، وكان يلعن الأشعري جهراً على المنبر، ويقول: كن شافعياً ولا تكن أشعرياً، وكنت حنفياً ولا تكن معتزلياً، وكن حنبلياً ولاتكن مشبهاً ولكن مارأيت أعجب من أصحاب الشافعي يتركون الأصل ويتعلقون بالفرع. ومدح الأئمة الأربعة، وذم الأشعري ثم قال: زاد في الشطرنج بغل والبغل مختلط النسب ليس له أصل صحيح، فقام في الإسبوع الثاني أبو محمد ابن الباطريخ فأنشده قصيدة فيها هذا المعنى وهي:
صرف العيون إليك يحلو ... وكثير لفظك لايمل
والناس لو متعتهم ... بك ألف عام لم يولوا
من أين وجه ملالهم ... وغرامهم بك لا يقل
لو رمت بذل نفوسهم ... بذلوا رضا لك واستقلوا
وافيت فابتسم الهدى ... وأنار دين مضمحل
ونهضت في نصرالكتا ... ب بحدعضب لايفل
لمعانه يوم التنا ... ضل بالأدلة يستهل
أنعشت خامل معشر ... من بعد أن ضعفوا وقلوا
وعقدت حين نصرتهم ... في الدين عقدا لا يحل
وقمعت أخدان الضلا ... ل فهان ذكرهم وذلوا
وقطعت شملهم فلي ... س لهم بحمد الله شمل
كم ذا التحدي بالدلي ... ل لهم وكم عجزوا وكلوا
إأنذرهم فإن انتهوا ... عن كفرهم أو لا فقتل


ماثم غير أبي حني ... فة والمديح له يجل
وفقيه طيبة مالك ... طود له زهد وفضل
وفتى ابن حنبل والحدي ... ث عن ابن حنبل مايمل
والشافعي ومن له ... من بعد من قدمت مثل
فهم أدلتنا ومن ... يهدى بغيرهم يضل
كنا نعد خلافهم ... صلحاً وندرسه ونتلو
حتى بلينا بالخلا ... ف وزاد في الشطرنج بغل
والجنس يضبط في البها ... ئم أصلها والبغل بغل
وجلس يوم الجمعة العشرين من رجب في دار السلطان فحضر السلطان مسعود مجلسه فوعظه فبالغ، وكان قد كتب على المدرسة النظامية اسم الأشعري، فتقدم السلطان بمحوه، وكتب مكانه اسم الشافعي، وكان أبو الفتوح الاسفرائيني يجلس في رباطه ويتكلم على مذهب الأشعري، فتجري الخصومات، فمضى أبو الحسن الغزنوي الواعظ إلى السلطان فأخبره بالفتن، وقال له: إن أبا الفتوح صاحب فتنة وقد رجم ببغداد مراراً والصواب إخراجه من البلد فتقدم السلطان بإخراجه، وخرج الحسن بن أبي بكر إلى بلده فأقام بعد ذلك، وأخرج في رمضان وخرج أبو عبد الله ابن الأنباري إلى الموصل لإقرار زنكني على إقطاعه واستثنى من إقطاعه صريفين وأذن في إقامة الجمعة بجامع ابن بهليقا، فصار أحد الجوامع المذكورة.
وأخذ رجل يقال أنه فسق بصبي، فترك في جب ورقي إلى رأس منارة مدرسة سعادة، ثم رمي به إلى الأرض فهلك.
وفي شوال: برز السلطان مسعود طالباً همذان.
وزلزلت الأرض ليلة الثلاثاء رابع عشرين ذي القعدة، فكانت رجة عجيبة، كنت مضطجعاً على الفراش فارتج جسدي منها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد العزيز بن أبي يعلى الشيرازي، أبو نصر بن القاص هو أبو يعلى كان أحمد مليح الهيئة، حسن الشيبة، كثير البكاء، يحضر مجلس شيخنا أبي إلحسن الزاغواني فيبكي كثيراً. توفي يوم الإثنين تاسع ذي القعدة، ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن الأنماطي، أبو البركات الحافظ ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وسمع أبا محمد الصريفيني، وأبا الحسين ابن النقور، وأبا القاسم ابن البسري، وأبا نصر الزينبي، وطراداً. وكان ذا دين ورع، وكان قد نصب نفسه للحديث طول النهار، وسمع الكثير من خلق كثير، وكتب بيده الكثير، وكان صحيح السماع ثقة ثبتاً، وكنت أقرأعليه الحديث وهو يبكي، فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته، وكان على طريقة السلف، وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره، ودخلت عليه وقد بلي وذهب لحمه، فقال لي: إن الله لا يتهم في قضائه. وتوفي يوم الخميس حادي عشر محرم هذه السنة، وصلى عليه أبو الحسن الغزنوي، ودفن بالشونيزية.
عبد الخالق بن عبد الصمد الشيباني، أبو المعالي، ابن البدن عبد الخالق بن عبد الصمد بن علي بن الحسين بن عثمان الشيباني، أبو المعالي، ويعرف بابن البدن.
ولد سنة اثنتين وخمسين، وسمع أبا الحسين ابن المهتدي، وأبا جعفر ابن المسلمة، وابن النقور والزينبي، وغيرهم وحدثنا عنهم، وكان سماعه صحيحاً، وكان عبداً صالحاً سريع الدمعة.
وتوفي ليلة الخميس لليلة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة.
علي بن طراد بن محمد بن علي بن أبي تمام، الزينبي ويكنى أبا القاسم. ولد سنة اثنتين وستين وأربعمائة، سمع أباه وعمه أبا نصر، وأبا طالب، وأبا محمد التميمي، وأبا القاسم بن بشران، وابن السراج، وابن النظر، وولي نقابة النقباء ولاه المستظهر وخلع عليه ولقبه الرضا ذا الفخرين، وهي ولاية أبيه، وركب معه ثم وزر للمسترشد والمقتفي وأبوه طراد ولي نقابة النقباء، وأبوه أبو الحسن محمد ولي نقابة النقباء، وأبوه أبوالقاسم علي ولي نقابة النقباء، وأبوه أبوتمام كان قاضياً.
وتقلبت بعلي بن طراد أحوال عجيبة من ولاية وعزل إلى أن خرج مع المسترشد وهو وزيره لقتال الأعاجم فأسر هو وأرباب الدولة ثم أطلقوا ووصل إلى بغداد وأشار بعد قتل المسترشد بالمقتفي ووزر له ثم تغير المقتفي عليه فاستجار بذلك السلطان إلى أن سئل فيه وأعيد إِلى بيته.


وتوفي بكرة الأربعاء غرة رمضان هذه السنة عن ست وسبعين سنة وكان قد أوصى إلى ابن عمه قاضي القضاة علي بن الحسين فأمضى المقتفي تلك الوصية وبعث له الأكفان والطيب ودفن بداره الشاطئية بباب المراتب، ثم نقل إلى تربته بالحربية ليلة الثلاثاء سادس عشر رجب سنة أربع وأربعين، وجمع على نقله الوعاظ فوعظوا في داره إلى وقت السحر ثم أخرج والقراء معه والعلماء والشموع الزائدة في الحد.
محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الدقاق، أبو الحسن، ابن صرما وهو ابن عمة شيخنا أبي الفضل بن ناصر، ولد يوم الخميس النصف من شعبان سنة ستين وأربعمائة، وسمع من أبي محمد الصريفيني، وأبي الحسين ابن النقور، وأبي القاسم ابن البسري وغيرهم. وحدثنا عنهم، وكان شيخاً صالحاً ستيراً.
توفي يوم الثلاثاء منتصف شعبان ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن الخضر بن إبراهيم، أبو بكر المحولي خطيبها وإمامها، سمع الحديث ورواه وقرأ بالقرا آت على أبي الطاهر بن سوار وأبي محمد التميمي، وكان يقول قرأت على أبي طاهر بن سوار الروايات في خمس عشرة سنة، وما كنت أجمع بين الروايتين والثلاث كنت اختم لكل رواية ختمة وما آخذ إلا هكذا، وكان فصيحاً، وكان مشتهراً بالتجويد وحسن الأداء، وأعطي فصاحة وخشوعاً وكان الناس يقصدون صلاة الجمعة وراءه لذلك، وكان صالحاً ديناً.
توفي يوم السبت ثامن عشر ذي القعدة ودفن بالمحول.
محمد بن الفضل بن محمد، أبو الفتوح الاسفرائيني، ابن المعتمد ولد سنة أربع وسبعين باسفرائين، دخل بغداد فأقام بها مدة يتكلم بمذهب الأشعري ويبالغ في التعصب، وكانت الفتن قائمة في أيامه واللعنات في الأسواق، وكان بينه وبين الغزنوي معارضات حسد، فكان كل منهم يذكر الآخر على المنبر بالقبيح، فلما قتل المسترشد وولي الراشد ثم خرج من بغداد خرج أبو الفتوح مع الراشد إلى الموصل، فلما توفي الراشد سئل في حقه المقتفي فأذن له في العود إلى بغداد، فدخل وتكلم، واتفق أن جاء الحسن بن أبي بكر النيسابوري إلى بغداد فوعظ وذم الأشعرية وساعده الخدم ووجد الغزنوي فرصة فكلم السلطان مسعوداً في حق أبي الفتوح، فأمر بإخراجه من البلد، وبلغني أن السلطان قال للحسن النيسابوري: تقلد دم أبي الفتوح حتى أقتله، فقال: لا أتقلد، فوكل بأبي الفتوح يوم الجمعة ويوم السبت وأخرج يوم الأحد ووقف له عند السور خمسة عشر تركياً، وجاء منهم واحد أو اثنان إليه، فقال: تقوم للمناظرة فخرج غيرمتأهب ولا مزود لسفر، وذلك في شعبان فلما خرج من رباطه تبعه خلق كثير فلما وصلوا إلى السور ضربوا الأتراك فرجعوا، وكان قد سلم إلى قيماز الحرامي فتبعه جماعة ليحمل إلى همذان ثم سلم إلى عباس فبعثه إلى اسفرائين واشترط عليه متى خرج من بلده أهلك، فأخذ بلجام فرسه وسيربه ناحية النهروان وحده وخرج أهله وأولاوده فمضوا إلى رباط حموه، وهو أبو القاسم شيخ، فخرج هو وأبو منصور ابن البزار ويوسف الدمشقي وأبو النجيب إلى السلطان يسألون فيه، فلم يلتفت إليهم، ونودي في البلد لا يذكرأحد مذهباً ولا يثير فتنة، فانخزلت الأشاعرة وحمل أبو الفتوح إلى ناحية خراسان، فلما وصل إلى نيسابور توفي بها في ذي الحجة من هذه السنة فدفن هناك.
ووصل الخبر بموته فقعدوا في رباطه للعزاء به، فحضر الغزنوي عزاءه وقد كان يذكر كل واحد الآخر على المنبر بالقبائح، فكلمه قوم من العامة بكلام فظيع وهو ساكت، وقالوا: إنما حضرت شماتة به وهو ساكت، فقام رجل فقيه فأنشد:
خلا لك يا عدو الجو فاصفر ... ونجس في صعودك كل عود
كذاك الثعلبان يجول كبرا ... ولكن عند فقدان الأسود
فبكى الغزنوي. وقال لي، علي بن المبارك لما عاد الغزنوي إلى رباطه قلت له: أنت كنت تذكرهذا الرجل بما لا يحسن، وكنت مهاجراً له، فكيف حضرت عزاه وأظهرت الحزن عليه حتى قال الناس ما قالوا؟ فقال: أنا إنما بكيت على نفسي، كان يقال فلان وفلان، فعدم النظير مقرب للرحيل، وأنشدني:
ذهب المبرد وانقضت أيامه ... وسينقضي بعد المبرد ثعلب
بيت من الآداب أصبح نصفه ... خربا وباقي النصف منه سيخرب
فتزودوا من ثعلب فبمثل ما ... شرب المبرد عن قليل يشرب


أوصيكم أن تكتبوا أنفاسه ... إان كانت الأنفاس مما يكتب
محمد بن القاسم بن المظفر بن علي الشهرزوري، أبو بكر بن أبي أحمد من أهل الموصل، ولد سنة أربع وخمسين، وسافر البلاد، وصحب العلماء، وسمع الحديث الكثير، ومن شعره:
همتي دونها السها والثريا ... قد علت جهدها فما تتدانى
فأنا متعب معنى إلى أن ... تتفانى الأيام اواتفانى
توفي ببغداد في جمادى الأخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب أبرز.
محمود بن عمر بن محمد بن عمر، أبو القاسم الزمخشري من أهل خوارزم، وزمخشر إحدى قراها، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، ولقي العلماء الأفاضل، وكان له حظ في علم الأدب واللغة، وصثف التفسير الكبير، وغريب الحديث، أقام بخوارزم مدة، وبالحجاز مدة. وورد بغداد غير مرة، كان يتظاهر با لإعتزال.
تو في بخوارزم ليلة عرفة من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وصل الخبر يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة أن زنكي فتح الرها عنوة وقتل الكفار الذين فيها، وذلك إنه نزل عليها على غفلة ونصب المجانيق، ونقب سورها، وطرح فيه الحطب والنار فتهدم ودخلها فحاربهم، ونصر المسلمون وغنموا الغنيمة العظيمة، وخلصوا أسارى مسلمين يزيدون على خمسمائة.
وظهر في عاشر شوال كوكب ذو ذنب من جانب المشرق بإزاء القبلة، وبقي إلى نصف ذي القعدة، ثم غاب ثلاث ليال، ثم طلع من جانب المغرب، فقيل أنه هو، وقيل بل غيره.
ذكر من توفي ذي هذه السنة من ألأكابر
إبراهيم بن محمد بن منصور بن عمر الكرخي الشافعي، أبو البدر سكن الكرخ وسمع أبا الحسين ابن النقور، وأبا محمد الصريفيني، وخديجة الشاهجانية، وغيرهم، وتفقه على أبيه وعلى أيي إسحاق، وأبي سعد المتولي، وسماعه صحيح. وحدث، وكان ديناً.
وتوفي ذي يوم الجمعة تاسع عشرين ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بباب حرب.
سعيد بن محمد بن عمر بن منصور ابن الرزاز، أبو منصور الفقيه ولد سنة اثنتين وستين، وسمع الحديث من أبي محمد التميمي، وأبي الفضل بن خيرون، وغيرهما. وحدث، وكان سماعه صحيحاً. وتفقه على أبي حامد الغزالي، وأبي بكر الشاشي، وأبي سعد المتولي، وإلكيا الهراسي، وأسعد الميهني، وشهد عند أبي القاسم الزينبي، وولي تدريس النظامية ثم صرف عنها، وعاش حتى صار رئيس الشافعية، وكان له سمت ووقار وسكون.
وتوفي يوم الأربعاء بعد الظهر حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة، وصلى عليه ولده أبو سعد، ودفن في تربة أبي اسحاق الشيرازي، وحضر جنازته قاضي القضاة وأقيم في اليوم الثالث بحاجب من الديوان.
عبداللّه بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن حمدويه، أبو المعالي البزاز من أهل مرو، ولد سنة احدى وستين وأربعمائة، ورحل إلى العراق والحجاز، وسمع ببغداد من ثابت بن بندار وأبي منصور الخياط، وأبي الحسن ابن العلاف، وبأصبهان عن أصحاب أبي نعيم، وبنيسابور من أبي بكر بن خلف وغيره، وتفقه، وكان حلو الكلام، حسن المعاشرة، كثير الصلاة والصيام والصدقة، وسافر إلى غزنة، وأقام بها مدة واشترى كتباً كثيرة ورجع إلى مرو، فبنى خزانة الكتب في رباط بناه باسم اصحاب الحديث وطلابه من خاصة ماله ووقف كتبه فيه. توفي بمرو في ذي الحجة من هذه السنة.
عبد الرحمن بن محمد بن هندويه، أبو الرضا النسوي الفارسي سبط أبي الفضل الهمداني. سمع أبا الحسين بن الطيوري سنة احدى وخمسمائة، وكان الحسين قد توفي سنة خمسمائة ويمكن أن يكون هذا في أول إختلاطه، غير أن شيخنا أبا الفضل بن ناصر قال: كان هذا قبل أن يختلط. توفي ذي رجب ودفن بالشونيزية.
عمر بن إبراهيم، بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو البركات الهاشمي عمر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن علي بن حمزة بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو البركات الهاشمي:


ولد سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة بالكوفة، وسمع بها وببغداد، وسافر إلى بلاد الشام فأقام بدمشق وحلب مدة، وكتب الكثير، وسمع من الخطيب، وابن النقور، وابن البسري، وكان يسكن محلة يقال لها: السبيع، ويصلي بالناس في مسجد أبي اسحاق السبيعي، وله معرفة بالحديث والفقه والتفسير واللغة والأدب، وله تصانيف في النحو، وكان خشن العيش صابراً على الفقر، وكان يقول: دخل أبو عبد الله الصوري الكوفة فكتب عن أربعمائة شيخ، وقدم علينا هبة الله بن المبارك السقطي فأفدته عن سبعين شيخاً من الكوفيين، وما بالكوفة اليوم أحد يروي الحديث غيري.
أنبأنا ابن ناصر الحافظ، قال: سمعت أبا الغنائم محمد بن علي النرسي يقول: عمر بن ابراهيم الكوفي جارودي المذهب، فلا يرى الغسل عن الجنابة، وقال يوسف بن محمد بن مقلد: قرأت عليه عن عائشة، فقلت: رضي الله عنها، فقال: تدعو لعدوة علي.
توفي يوم الجمعة سابع شعبان هذه السنة، وصلى عليه نحو الثلاثين ألفاً، ودفن يوم السبت في المقبرة المسبلة المعروفة بالعلويين.
علي بن عبد الكريم بن أحمد بن محمد الكعكي المقريء، أبوالحسن قرأ بالقراآت على أبي الفضل بن خيرون، وأبي محمد التميمي وغيرهما، وسمع الحديث الكثير، وتفقه على الشاشي إلا أنه اشتغل بالعمل مع السلطان.
وتوفي في ذي القعدة هذه السنة، ودفن بمقبرة باب أبرز.
علي بن هبة الله بن عبد السلام، أبوالحسن الكاتب البغدادي ولد سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وسمع ابن النقور، والصريفيني، وأبا القاسم الطبري، وغيرهم. وكان حسن الاصول صحيح السماع، وحدث بواسط وبغداد، وتوفي يوم الثلاثاء سادس رجب، وحضر جنازته قاضي القضاة الزينبي، وصاحب المخزن، وأرباب الدولة والعلماء ووجوه الناس، ودفن في المقبرة المنسوبة إِلى الشهداء في أعلى باب حرب.
محمد بن عبد الملك بن الحسن بن إبراهيم بن خيرون، أبو منصور المقرىء ولد في رجب سنة أربع وخمسين، وسمع أبا الحسين ابن المهتدي، وأبا جعفر ابن المسلمة، وابن المأمون، وابن النقور، والصريفيني، والخطيب وغيرهم. وقرأ القرآن بالقرا آت، وصنف فيها كتباً، وأقرأ وحدث، وكان ثقة، وكان سماعه صحيحاً.
قال المصنف: سمعت عليه الكثير وقرأت عليه، وهو آخر من روى عن الجوهري بالإجازة.
توفي ليلة الإثنين سادس عشررجب من هذه السنة، ودفن بباب حرب.
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد ابن المهتدي بالله، أبو الحسن بن أبي الغنائم ولد سنة ثمان وستين وسمع أبا نصر الزينبي وكان خطيب جامع المنصور وتوفي في صفر هذه السنة.
ثم دخلت
سنة أربعين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في جمادى الأخرة جلس يوسف الدمشقي للتدريس بالمدرسة التي بناها ابن الأبري بباب الأزج، وحضر قاضي القضاة وصاحب المخزن وأرباب الدولة.
وفي يوم الأحد العشرين من رجب: دخل السلطان مسعود بغداد، وكان السبب أن بزبه سار من بلاده إلى أصبهان متظاهراً بطاعة السلطان مسعود، وكتب إلى عباس صاحب الري بالوصول إليه، فوصل إليه، وكان مع بزبه محمد شاه بن محمود فاستشعر السلطان مسعود من اجتماعهما، فقصد العراق فسار بزبه وعباس إلى همذان، وتظاهرا بالعصيان واتصل بهما الملك سليمان شاه بن محمد فخطبوا لمحمد شاه، ولسليمان شاه وتوجهوا لحرب السلطان مسعود فلقيه سليمان شاه طائعاً وعاد بزبه إلى بلاده.
وفي رمضان: خرج السلطان مسعود من بغداد، وكان علي بن دبيس ببغداد فخرج منها هارباً، وهو صبي، وكان السبب أن السلطان مسعود لما أراد الخروج من بغداد أشار مهلهل بحمل علي بن د بيس إلى قلعة تكريت، فعلم فهرب في خمسة عشر فارساً فقصد النيل ثم مضى إلى الأزيز وجمع بني أسد وساروا إلى الحلة وفيها أخوه محمد بن دبيس فتحاربا فنصر على محمد فانهزم محمد وانهزم جنده، ثم أخذ وملك علي الحلة فاحتقر أمره فاستفحل، فقصدهم مهلهل ومعه أمير الحاج نظر في عسكر بغداد فنصر عليهم وهزمهم أقبح هزيمة وعادوا مفلولين إلى بغداد، فأسمعهم العامة أقوالاً قبيحة، ثم أَن السلطان أقره على الحلة.
وفي هذه السنة: احترز الخليفة من أهله وأقاربه وضيق على الأمير أبي طالب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد، أبو سعد بن أبي الفضل البغدادي


أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان، أبو سعد بن أبي الفضل البغدادي: بغدادي الأصل، أصبهان ي المولد والمنشأ، ولد سنة ثلاث وستين، وسمع الكثير، وحدث بالكثير، وكان على طريقة السلف الصالح، صحيح العقيدة حلو الشمائل مطرحاً للتكلف، فربما خرج من بيته إلى السوق وعلى رأسه قلنسوة طاقية، وربما قعد بين الناس مؤتزراً أو ربما أملى وقد خلع، وكان يستعمل السنة مهما قدر حتى إنه رجع مرة من الحج فاستقبله خلق كثير من أهل أصبهان فسار بسيرهم، حتى إذا قارب البلد حرك فرسه وسبقهم، فسئل عن ذلك فقال: أردت استعمال السنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى جدران المدينة أوضع راحلته.
وحج إحدى عشرة حجة، وأملى بمكة والمدينة، وكان يصوم في الحر، وورد مراراً إلى بغداد، وسمعت منه الكثير ورأيت أخرقه اللطيفة ومحاسنه الجميلة، وكان في كل مرة إذا ودع أهل بغداد، يقول: في نفسي الرجوع ولست بآيس، فحج سنة تسعع وثلانين وخمسمائة ورجع.
فتوفي بنهاوند في ربيع الأول سنة أربعين، وحمل إلى أصبهان فدفن بها.
أحمد بن علي بن محمد، أبو الحسين الدامغاني ولد قاضي القضاة أبي الحسن. سمع الحديث من أبي طلحة النعالي، وطراد وغيرهما، وولي القضاة بالجانب الغربي وباب الأزج.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه النسة، ودفن إلى جانب أبيه بنهر القلائين.
بهروز بن عبدالله أبو الحسن الخادم الأبيض الغياثي كان يلقب بمجاهد الدين، ولي العراق نيفاً وثلاثين سنة، وعمر دار السلطان وسد البثق، وكان ابن عقيل يقول: ما رأيت مثل مناقضة بهروز فإنه منع أن يجتمع في السفينة النساء والرجال وجمع بينهم في الماخور.
وتوفي في رجب ودفن برباطه المستجد بشاطىء دجلة المعروف برباط الخدم.
الحسين بن الحسن بن عبد الله، أبوعبد الله المعدل سمع أبا عبد الله الدامغاني، وأبا القاسم البسري، وقرأ بالقراآت على أبي الخطاب الصوفي، وكان ثقة ديناً حدث وأقرأ وقضى.
وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشرين جمادى الآخرة، ودفن في المقبرة الخيزرانية قريباً من قبر الهيتي وحضره قاضي القضاة الزينبي، وخلق من الأكابر.
علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد، أبو الحسين اليزدي سكن قراح ظفر، وتفقه على أبي بكر الشاشي، وسمع الحديث الكثير وروى، وكان له قميص وعمامة بينه وبين أخيه إذا خرج هذا قعد هذا.
موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر الجواليقي، أبومنصور بن أبي طاهر ولد في ذي الحجة سنة خمس وستين، ونشأ بباب المراتب، وسمع الحديث الكثير من أبي القاسم ابن البسري، وأبي طاهر بن أبي الصقر، وأبي الحسين، وغيرهم. وحدث وقرأ على أبي زكرياء سبع عشرة سنة فانتهى إليه علم اللغة فأقرأها، ودرس العربية في النظامية بعد أبي زكريا مدة فلما ولي المقتفي اختص بإمامة الخليفة وكان المقتفي يقرأ عليه شيثاً من الكتب، وكان غزير الفضل متواضعاً في ملبسه ورياسته، طويل الصمت لا يقول الشيء إلا بعد التحقيق والفكر الطويل، وكثيراً ما كان يقول: لا أدري وكان من أهل السنة، وسمعت منه كثيراً من الحديث وغريب الحديث، وقرأت عليه كتابه المعرب وغيره من تصانيفه وقطعة من اللغة.
وتوفي سحرة يوم الأحد منتصف محرم وحضر للصلاة عليه الأكابر كقاضي القضاة الزينبي وهو صلى عليه وصاحب المخزن وجماعة أرباب الدولة والعلماء والفقهاء ودفن بباب حرب عند والده.
المبارك بن علي بن عبد العزيز السمذي، أبو المكارم الخباز ولد سنة إحدى وخمسين، وسمع الصريفيني، وأبا القاسم بن البسري، وغيرهما، وكان سماعه صحيحاً. وتوفي يوم عاشوراء، ودفن بباب أبرز.
ثم دخلت
سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أنه في ليلة الإثنين مستهل ربيع الأخر وقع الحريق في القصر الذي بناه المسترشد في البستان الذي على مسناة باب الغربة، وكان تلك الليلة قد اجتمع الخليفة بخاتون فيه، وجمعوا من الأواني والأثاث والزي كل طريف، وعزموا على المقام فيه ثلاثة أيام فما أحسوا إلا والنار قد لفحتهم من أعلى القصر، وكانوا نياماً في أعلاه، وكان السبب أن جارية كانت بيدها شمعة فعلقت بأطراف الخيش فأصبح الخليفة فأخرج المحبوسين وتصدق بأشياء.


وفي ثالث جمادى الأخرة: خلع على ابن المرخم خلعة سوداء، وطيف به في الأسواق فقلد أنقضاء يحضر من أي صقع شاء وليس على يده يد، وكان مطيلساً بغير حنك ثم ترك الطيلسان.
ووصل الخبر يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الآخر بأن ثلاثة من خدم زنكي الخواص قتلوه، وقام بالأمر ابنه غازي في الموصل وأكبر الولاية، وكان ابنه محمود في حلب.
وفي رجب: دخل السلطان مسعود إلى بغداد، وعمل دار ضرب فقبض الخليفة على ضراب كان سبب إقامة دار الضرب لمسعود فنفذ الشحنة فقبض على حاجب الباب ابن الصاحب وعلى أربعة أنفس خواص وقال لا أسلمهم حتى يخلوا صاحبي، كان ذلك يوم الجمعة تاسع عشر شعبان فنفذ الخليفة فأخرج من في الجامع وغلقه وأمر بغلق المساجد فبقيت ثلاثة أيام كذلك ثم تقدموا بفتحها ولم يسلم لهم الضراب وأطلق حاجب الباب يوم الخميس خامس عشرين شعبان وتوفي نقيب النقباء محمد بن طراد فولي النقابة أبو أحمد طلحة بن علي الزينبي.
واستشعر السلطان مسعود من سليمان شاه فراسل الأمير عباسا واستصلحه فلما تم ذلك قبض على سليمان شاه وحمله إلى القلعة وحضر عباس من خدمته السلطان بالري وسلمها ثم اجتمع الأمراء عند مسعود ببغداد فتكلموا على عباس فقتل.
وخطب ابن العبادي بجامع القصر في رمضان، فاجتمع خلق لا يحصى.
وفي شوال توفيت بنت الخليفة، وقع عليها حائط أو سقف فماتت فحملت إلى الرصافة ومعها الوزير وأرباب الدولة، واشتد الحزن عليها وكانت قد بلغت مبلغ النساء وجلس للعزاء بها ثلاثة أيام، ولبسوا الثياب البيض واجتمعوا في اليوم الثاني في الترب للتعزية، وكان في الجماعة قاضي القضاة الزينبي ومعه صهره أبو نصرخواجا أحمد نظام الملك وهو يومئذ مدرس النظامية فجاء أستاذ الدار ابن رئيس الرؤساء ليجلس بين قاضي القضاة وبين الأمير أبي نصر، فمنعه فتناوشوا فكتب أستاذ الدار يشكو فخرج الأمر بإنهاء أبي نصر، وأخرجه من دار الخلافة فأخرج من بيته ماشياً إلى باب النوبي.
وفي يوم الجمعة خامس عشر ذي القعدة: جلس ابن العبادي الواعظ بجامع السلطان، وحضر عنده السلطان مسعود فوعظه وعرض بذكر حق البيع وذكر ما يجري على المسلمين من ذلك، ثم قال له يا سلطان العالم أنت تهب مثله لمطرب ومغن بقدر هذا المأخوذ من المسلمين تهبه لي وتحسبني ذلك المطرب واتركه للمسلمين وافعله. شكراً لما أنعم الله به عليك من بلوغ الأغراض فأشار بيده إني قد فعلت فارتفعت الضجة بالدعاء له ونودي في البلد بإسقاطه وولي ابن الصيقل حجبة الباب وخلع على نقيب النقباء خلع النقابة.
وانتشر جراد عظيم، وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكس في الأسواق، وضربت بين يديها الدبادب والبوقات.
وفيها: حج الوزير نظام الدين أبو المظفر بن علي بن جهير، وحججت أنا ومعي الزوجة والأطفال، وكنت أرى الوزير في طريق مكة متواضعاً وقد عاد له أبو نصر الكرخي.
وخرج في هذه السنة التشرينان وكانون الأول، ولم يأت مطر إِلا قطرات لا تبل الأرض، وأشرفت المواشي على العطب من قلة العشب، وظهر بالناس علة انتفاخ الحلق، فمات به خلق كثير، وغارت المياه من الأنهار والأبار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد، أبو نصر الحديثي المعدل تفقه على الشيخ أبي اسحاق وسمع الحديث وكان من أوائل شهود الزينبي.
توفي يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة وحضر الزينبي والأعيان.
إسماعيل بن أحمد بن محمود بن دوست، أبو البركات بن أبي سعد الصوفي ولد سنة خمس وستين، وسمع الحديث من أبي القاسم الأنماطي، وأبي نصر الزينبي، وطراد، وأبي محمد التميمي، وغيرهم، وحدث. وتوفي في جمادى الأولى ودفن إلى جانب الزوزني وعمل له عرس كما تقول الصوفية في عاشر جمادى الآخرة، واجتمع مشايخ الربط، وأرباب الدولة والعلماء فاغترموا على ما قيل على المأكول والمشروب والحلوى ثلثماثة دينار.
زنكي بن أقسنقر كان أمير الشام، وذكرنا من أحواله فيما تقدم. قتله بعض سلاحيته، وقيل: قتله ثلاثة من غلمانه، وكان محاصراً قلعة جعبر.
سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد، أبو الحسن المغربي الأندلسي الأنصاري


سافر من بلاد الأندلس إلى بلاد الصين، وركب البحر وقاسى الشدائد، ثم دخل بغداد وتفقه على أبي حامد الغزالي، وسمع الحديث من طراد، وابن النظر، وثابت، وخلق كثير، وقد سمع من شيوخ خراسان، وقرأ الأدب على أبي زكريا، وحصل كتباً نفيسة، وحدث وقرأت عليه الكثير، وكان ثقة صحيح السماع.
وتوفي يوم السبت عاشر محرم هذه السنة، وصلى عليه الغزنوي بجامع القصر، وكان وصيه وحضر قاضي القضاة الزينبي والأعيان، ودفن إلى جانب قبر عبدالله بن محمد بوصية منه.
شافع بن عبد الرشيد بن القاسم بن عبدالله الجيلي من أهل جيلان، تفقه على إلكيا الهراسي، ثم رحل إلى أبي حامد الغزالي فتفقه عليه، وكان فقيهاً فاضلاً يسكن كرخ بغداد، وكان له حلقة للفقه بجامع المنصور في الرواق، وكنت أحضر حلقته وأنا صبي فألقي المسائل. توفي في محرم هذه السنة.
عبد الله بن علي، أبو محمد المقرىء، سبط أبي منصور الزاهد عبد الله بن علي بن أحمد بن عبد الله، أبو محمد المقرىء، سبط أبي منصور الزاهد ولد ليلة الثلاثاء السابع والعشرين من شعبان سنة أربع وستين وأربعمائة، وتلقن القرآن من شيخه أبي الحسن ابن الفاعوس. وسمع الحديث من ابن النقور، وأبي منصور بن عبد العزيز، وطراد، وثابت وغيرهم. وقرأ بالقرا آت على جده، وعبد القاهر العباسي، وأبي طاهر بن سوار، وثابت وغيرهم، وقرأ الأدب علي أبي الكرم بن فاخر، وسمع الكتب الكبار، وصنف كتباً في القرا آت وقصائد، وأم في المسجد منذ سنة سبع وثمانين إلى أن توفي وقرأ عليه الخلق الكثير وختم ما لا يحصى، وكان أكابر العلماء وأهل البلد يقصدونه، وقرأت عليه القرا آت والحديث الكثير، ولم أسمع قارئاً قط أطيب صوتاً منه ولا أحسن إذا صلى، كبر سنة وجمع الكتب الحسان، وكان كثير التلاوة وكان لطيف الأخلاق ظاهر الكياسة والظرافة حسن المعاشرة للعوام والخواص.
وتوفي بكرة الإثنين ثامن عشر ربيع الأخر من هذه السنة في غرفته التي بمسجده فحط تابوته بالحبال من سطح المسجد وأخرج إلى جامع القصر، وصلى عليه عبد القادر، وكان الناس في الجامع أكثر من يوم الجمعة، ثم صلي عليه في جامع المنصور وقد رأيت أيام جماعة من الأكابر فما رأيت أكثر جمعاً من جمعه، كان تقدير الناس من نهر معلى إلى قبر أحمد وغلقت الأسواق ودفن في دكة الإمام أحمد بن حنبل عند جده أبي منصور.
عبد المحسن بن غنيمة بن أحمد بن فاحة، أبو نصر المقرىء سمع من ابن نبهان، وشجاع الذهلي، وغيرهما. وكان شيخاً صالحاً.
توفي في محرم هذه السنة، ودفن بباب حرب.
عباس شحنة الري كان قد مال إلى بعض السلاطين فاستصلحه مسعود وأحضره فحضر وخدم وسلم الري إلى السلطان، ثم إن الأمراء اجتمعوا عند السلطان ببغداد، وقالوا: ما بقي لنا عدو سوى عباس، فاستدعي عباس إلى دار المملكة يوم الخميس رابع عشر ذي القعدة، وقتل في دار السلطان ورمي ببدنه إلى تحت الدار، فبكى الخلق عليه لأنه كان يفعل الجميل، وكانت له صدقات، وحكي أنه ما شرب الخمر قط ولا زنى، وأنه قتل من الباطنية ألوفاً كثيرة، فبنى من رؤوسهم منارة، ثم حمل فدفن في المشهد المقابل لدار السلطان.
محمد بن محمد، بن أحمد ابن السلال، أبو عبد الله الوراق ولد سنة سبع وأربعين وأربعمائة وسمع ابن المسلمة، وابن المأمون، وجابر بن ياسين، وتفرد بالرواية عن أبي علي محمد بن وشاح الزينبي، وأبي الحسن ابن البيضاوي، وأبي بكر بن سياؤوس، وسمعت منه. وكان شيخنا ابن ناصر لا يرضى عنه في باب الدين، وقال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي سمعت السلال المعروف في الكرخ بالتشيع.
توفي في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بمقابر قريش قريباً من قبر أبي يوسف.
محمد بن طراد بن محمد بن علي، أبو الحسن بن أبي الفوارس الزينبي نقيب الهاشميين. وهو أخو الوزير علي بن طراد، ولد سنة اثنتين وستين، وسمع الكثير من أبيه، وعمه أبي نصر، ومن أبي القاسم ابن البسري، وغيرهم، وحدث.
وتوفي في ثالث عشرين شعبان من هذه السنة.
محمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى، أبو هاشم الساوي قاضي ساوة، ولد سنة ثلاث وسبعين، وسمع الكثير، وتفقه وناظر ووعظ.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة بساوة.
وجيه بن طاهر بن محمد بن محمد، أبو بكر الشحامي


أخو أبي القاسم زاهر بن طاهر. من أهل نيسابور، من بيت الحديث، وكان يعرف طرفاً من الحديث، ولد سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وسمعه أبوه الكثير، ورحل بنفسه إلى بغداد وهراة، وسمع الكثير، وكان شيخاً صالحاً صدوقاً صالحاً حسن السيرة منور الوجه والشيبة سريع الدمعة كثير الذكر، ولي منه إجازة بمسموعاته ومجموعاته. توفي في جمادى الأخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة الحسين إلى جنب أخيه ووالده.
ثم دخلت
سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
فمن الحوالث فيها: أنه عزل ابن مهدويه عن كتابة الزمام وولي مكانه أبو المظفر يحيى بن محمد هبيرة وورد الخبر أن بزبه راسل شحنة أصبهان فاستماله ورحل إليها ومعه محمد شاه والسلطان مسعود مقيماً بهمذان وعساكره قليلة فأرسل إلى عساكر آذربيجان فتأخروا فسار بزبه من أصبهان سيراً يمهل فيه فلما قاربها وصلت عساكرآذربيجان إلى السلطان وكان بزبه قد جاء جريدة في خمسة آلاف فارس فضرب على عسكر السلطان فكسر الميمنة والميسرة وكان مسعود قد تأخرعن المصاف في ألف فارس وكان عسكرة آلاف فاشتغل عكسر بزبه بالنهب والقتل فجاء مسعود فحمل عليهم فالتقى هو، فكبت الفرس ببزبه فوقع فجيء به إلى مسعود فقطع نصفين وجيء برأسه فعلق بإزاء الخلافة وعلقت بغداد واستولى خاص بك على دولة السلطان مسعود فأهلك جماعة الأمراء فاستشعر الباقون منه.
وفي صفر: شاع أن رجلاً رأى في المنام أنه من زار قبرأحمد بن حنبل غفر له، فما بقي خاص ولا عام إلا وزار، وعقدت يومئذ مجلساً فحضر ألوف لا يحصون. وعزل أبو نصر بن جهير في ربيع الأول من هذه السنة عن الوزارة، وسكن بالدار التي بناها بشاطىء دجلة بباب الأزج، وهي التي آل أمرها إلى أن صارت لجهة الإمام المستضيء بأمر الله فوقفتها مدرسة لأصحاب أحمد بن حنبل وسلمتها إلي فدرست فيها سنة سبعين.
وفي ربيع الآخر: منع الغزنوي من الجلوس في جامع القصر ورفع كرسيه وفي جمادى الأولى: ولي الوزارة أبو القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة نقلاً عن المخزن إليها فدخل إلى المقتفي ومعه قاضي القضاة الزينبي وأستاذ الدار وجملة من الخواص وقلده الوزارة شفاها وخلع عليه ومضى إلى الديوان يوم السبت، ثالث عشر جماى الأولى وقرأ ابن الأنباري كاتب الإنشاء عهده.
وفي هذا الشهر: أذن للغزنوي في العود إلى الجلوس بالجامع وقدم ابن العبادي برسالة السلطان إلى الخليفة بتولية الأمير أبي المظفر فخرج الخلق للقائه ولم يبق سوى الوزير وقبل العتبة، ومضى إلى رباط الغزنوي.
وفي يوم السبت الثالث والعشرين من جماى الآخرة: ولي يحيى بن جعفر المخزن ولقب زعيم الدين، وورد سلار كرد إلى شحنة بغداد ومعه مكتوب من السلطان مسعود إليه وإلى العساكر بمساعدته على أخذ البلاد الزيدية من علي بن دبيس وتسليمها إليه فخرجوا في رجب والتقوا فاقتتلوا واندفع علي بن دبيس إلى ناحية واسط ثم قصد العراق ثم عاد فملك الحلة.
وفي يوم الأربعاء سابع عشر شوال: جلس أبو الوفاء يحيى بن سعيد المعروف بابن المرخم في داره بدرب الشاكرية في الدست الكامل، وسمع البينة وحضر مجلسه شهود بغداد والمديرون والوكلاء واستقر جلوسه في كل يوم أربعاء وأخذ على عادة كانت للقاضي الهروي. وكان أبو الوفاء بئس الحاكم يأخذ الرشا ويبطل الحقوق.
وتزايدت الأسعار حتى بلغ الكر الشعير أربعين ديناراً والحنطة ثمانين فنادى الشحنة أن لاتباع الكارة الدقيق إلا بدينار فهرب الناس وغلقوا الدكاكين وعدم الخبز أربعة أيام فبقي الأمر كذلك شهراً ثم تراخى السعر.
وفي رمضان هرب إسماعيل بن المستظهر أخو الخليفة من داره إلى ظاهر البلد وبقي يومين نقب من الموضع، وأخرج بزي المشائية على رأسه سلة، وبيده قدح على وجه التفرج فانزعج البلد فخشي أن يعود فاختبأ عند قوم بباب الأزج فأعلموا به فجاء أستاذ الدار وحاجب الباب وخدم فردوه. وحج الناس ولم يزوروا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حذراً من قلة الماء.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد اللّه بن علي بن عبد الله، أبو الحسن الآبنوسي، الوكيل


ولد سنة ست وستين، وسمع أبا القاسم ابن البسري، وعاصماً، وأبا الغنائم ابن أبي عثمان، وأبا محمد التميمي، وأبا بكر الشامي في خلق كثير، وتفقه على أبي الفضل الهمذاني، وأبي القاسم الزنجاني، وصحب شيخنأ أبا الحسن ابن الزاغوني، فحمله على السنة بعد أن كان معتزلياً وكانت له اليد الحسنة في المذهب والخلاف والفرائض والحساب والشروط وكان ثقة مصنفاً على سنن السلف والتقشف وسبيل أهل السنة في الإعتقآد، وكان ينابذ من أصحاب الشافعي من يخالف ذلك من المتكلمين وكان يخلو بالأذكار والأوراد من بكرة إلى وقت الظهر ثم يقرأ عليه بعد الظهر.
وتوفي سحرة يوم الخميس ثامن ذي الحجة ودفن بمقبرة الشونيزية عند أبيه.
أحمد بن علي بن عبد الواحد، أبو بكر الدلال، ابن الأشقر ولد سنة سبع وخمسين، سمع أبا الحسين ابن المهتدي، وأبا محمد الصريفني وغيرهما، وحدث عنهم، وكان سماعه صحيحاً، وكان خيراً.
وتوفي يوم الأربعاء ثامن صفر، ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن محمد بن محمد، أبوالمعالي ابن البسر البخاري سمع من أبيه الحديث، وتفقه عليه، وسمع من غيره، وأفتى وناظر وأملى الحديث، وكان حسن السيرة وهو من بيت الحديث والعلم.
وتوفي بسرخس في جمادى هذه السنة، وحمل إلى مرو، ثم حمل إلى بخارى فدفن بها.
أسعد بن عبد الله، أبو منصور أسعد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو منصور: ولد سنة ثلاث أو أربع وثلاثين وأربعمائة، وسمع من طراد، وطاهر بن الحسين، وكان الناس يثنون عليه الخير وينسبونه إلى الصلاح، وقال: حملوني إلى أبي الحسن القزويني فمسح يده على رأسي فمذ ذلك الوقت إلى الآن أكثر من تسعين سنة ما أوجعني رأسي ولا اعتراني صداع. ورأيته أنا بعد هذا السن الكبير يمشي منتصب القامة.
وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة جامع المنصور مقابل سكة الخرقي.
دعوان بن علي بن حماد بن صدقة الجبي، أبو محمد الضرير ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة بجبة، وهي قرية عند العقر في طريق خراسان سمع الحديث من أبي محمد التميمي، وابن النظر، وابن السراج، وثابت وغيرهم، وقرأ بالقرا آت على عبد القاهر، وأبي طاهر ابن سوار، وثابت وغيرهم، وتفقه على أبي سعد المخرمي، وكان متعبداً للخلاف بين يديه وحدث وأقرأ وانتفع به الناس وكان ثقة ديناً ذا ستر وصيانة وعفاف وطريق محمودة على سبيل السلف الصالح.
وتوفي يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة ودفن بمقبرة أبي بكرغلام الخلال.
وكتب إِلي عبد الله الجبائي الشيخ الصالح قال: رأيت دعوان بن علي بعد موته بنحو شهر في المنام وكأن عليه ثياباً بيضاً شديدة البياض وعمامة بيضاء، مضي إلى الجامع لصلاة الجمعة فأخذت يده اليسرى بيدي اليمني ومضينا فلما بلغنا إلى حائط الجامع قلت له يا سيدي إيش لقيت؟ فقال لي عرضت على الله خمسين مرة فقال لي إيش عملت؟ فقلت قرأت القرآن وأقرأته فقال لي: أنا أتولاك أنا أتولاك أتولاك. قال عبد الله فأصابني الوجد وصحت آه وضربت بيدي اليمني. حائط الجامع ثلاث مرات أتأوه وأضرب الحائط بكتفي ثم استيقظت.
طاهر بن سعيد بن أبي سعيد بن أبي الخير الهيتي، أبوالقاسم شيخ رباط البسطامي، وكان مقدماً في الصوفية، رأيته ظاهر الوقار والسكون والصمت، وتوفي يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول فجاءة، ودفن في مقبرة الجنيد وقعدوا للعزاء به فنفذ إليهم من الديوان من أقامهم.
عبد السيد بن علي بن محمد بن الطيب، أبو جعفر، ابن الزيتوني. تفقه على أبي الوفاء بن عقيل، ثم انتقل عن المذهب، واتصل بالزينبي، وقرأ عليه مذهب أبي حنيفة وعلى خلف الضرير الكلام، وصار متكلماً داعياً في الاعتزال، ثم اشتغل بالإشراف على المارستان. وتوفي في شوال ودفن بباب حرب.
عمر بن ظفر بن أحمد، أبوحفص المقرىء ولد سنة إحدى وستين وأربعمائة، وسمع الكثير من ابن السراج، وأبي غالب الباقلاوي، وغيرهما. وتوفي في شعبان هذه السنة، وكان ثقة وله سمت المشايخ.
عمر بن أبي الحسن، أبو سجاع البسطامي دخل إلى بغداد فحدث وسمعنا منه شمائل النبي صلى الله عليه وسلم لأبي عيسى الترمذي، وغيرها، وناظر ووعظ، وكان مجموعاً حسناً.
أنشد عمر في مجلس وعظه:


تعرضت الدنيا بلذة مطعم ... ورونق موشى من اللبس رائق
أرادت سفاها أن تموه قبحها ... علي وكم خاضت بحلو الدقائق
فلا تخدعينا بالسراب فإننا ... قتلنا نهابا في طلاب الحقائق
فاطمة خاتون بنت السلطان محمد بن ملك شاه السلجوقي زوجة المقتفي أمير المؤمنين. توفيت ببغداد في ربيع الأول، وصلى عليها قاضي القضاة الزينبي في صحن السلام، وحملت في الزبزب إلى الترب بالرصافة فدفنت قريباً من قبر المستظهر داخل القبة.
محمد بن أحمد بن الحسن الطرائفي، أبوعبد الله سمع من أبي جعفر ابن المسلمة كتاب صفة المنافق فحسب لم يوجد له سماع غيره، وكانت له اجازات من ابن المسلمة، وابن النقور، وابن المهتدي، وابن المأمون، والخطيب فقرىء عليه عنهم، وكان شيخاً صالحاً. توفي غرة من الحجة من هذه السنة.
محمد بن المظفر، أبو الحسن بن أبي الفتح بن أبي القاسم الوزير محمد بن المظفر بن علي بن المسلمة، أبو الحسن بن أبي الفتح بن أبي القاسم الوزير: ولد سنة اربع وثمانين وسمع الحديث من أبن السراج وابن العلاف وغيرهما وروى وانزوى وتصوف وجعل داره التي في دار الخلافة رباطا للصوفية. وتوفي في ليلة الجمعة تاسع رجب وحمل إلى جامع القصر وازيلت شقة من شباك المقصورة حتى ادخل التابوت وام للناس في الصلاة عليه أبو علي بن صدقة الوزير المسمى بالقوام ودفن قريبا من رباط الزوزني مقابل الجامع.
المبارك بن خيرون بن عبد الملك بن خيرون، أبو السعود سمع ابا الفضل بن خيرون عم ابيه ومالكا البانياسي وابا طاهر الباقلاوي في آخرين وسماعه صحيح سمعت عليه وكان خيراً. وتوفي يوم السبت ثالث عشر المحرم ودفن بمقبرة باب حرب.
نصر الله بن محمد بن عبد القوي، أبو الفتح اللاذقي المصيصي الشافعي نزيل دمشق ولد باللاذقية سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وانتقل منها مع والده إلى صور فنشأ ثم انتقل في سنة ثمانين وأربعمائة إلى دمشق، تفقه لحى ابي الفتح نصر بن ابراهيم المقدسي بصور وسمع بها منه الحديث ومن أبي بكر الخطيب وسع ببغداد وبالأنباروكان بقية مشايخ الشام وكان فقيهاً مفتياً متكلماً في الاصول ديناً. توفي في ربيع الأول من هذه السنة.
هبة الله بن على بن محمد بن حمزة، أبو السعادات العلوي النحوي الشجري ولد سنة خمسين وأربعمائة، سمع من أبي الحسين ابن الطيوري وابن نبهان وغيرهما وقرأ على الشريف ابي المعمر يحيى بن محمد بن طباطبا النحوي وامتد عمره فانتهى اليه علم النحو وكان يجلس يوم الجمعة بجامع المنصور مكان ثعلب ناحية الرباط يقرأعليه وناب في النقابة بالكرخ ومتع بجوارحه وعقله.
وتوفي يوم الخميس العشرين من رمضان وام الناس بالصلاة عليه أبو الحسن الغزنوي الواعظ، ثم دفن بداره بالكرخ. أنشدني أبو الغنائم الشروطي قال: قال الشريف أبو السعادات ابن الشجري ما سمع في المدح، أبلغ من شعر أبي نواس:
وامامك الاعداء تطلبهم ... ووراءك القصاد في الطلب
فاذا سلبت وقفته لهم ... فسلبت ماتحوي من السلب
قال وما سمعت في الذم أبلغ من بيت لمسكويه:
وما أنا الا المسك قد ضاع عندكم ... يضيع وعند الأكرمين يضوع
هبة الله بن أحمد بن علي بن سوار، أبو الفوارس بن أبي طاهر الدقاق ثم المقرىء الوكيل. سمع الحديث من ابيه وقرأ عليه القراآت وسمع من ابي الغنائم ابن ابي عثمان وعاصم وابي طاهر الكرخي وغيرهم وحدث واقرأ وكان سماعه صحيحا وكان ثقة أميناً وتوحد في علم الشروط، وكتب المحاضر والسجلات. وتوفي يوم الإثنين خامس عشر شوال، ودفن بمقبرة معروف.
ثم دخلت
سنة ثلاث وأربعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها


أنه وصل الخبر بان ملوك الافرنج وهم ثلاثة انفس وصلوا إلى بيت المقدس وصلوا صلاة الموت، وانحدروا إلى عكة، وفرقوا الاموال في العساكر فكان تقدير ما فرقوا سبعمائة ألف دينار وعزموا على قصد المسلمين، فلما سمع المسلمون بقصدهم اياهم جمعوا الغلة والتبن ولم يتركوا في الرساتيق شيئاً، ولم يعلم أهل دمشق أن القصد لهم بل ظنوا انهم يقصدون قلعتين كانتا بقرب دمشق، فلما كان يوم السبت سادس ربيع الاول لم يشعروا بهم إلا وهم على باب دمشق، وكانوا في أربعة آلاف لابس وستة آلاف فارس وستين ألف راجل، فخرج إليهم المسلمون وقاتلوا، فكانت الرجالة التي خرجت إليهم سوى الفرسان مائة وثلاثين الفا فقتل من المسلمين نحو مائتين، فلما كان في اليوم الثاني خرج الناس إليهم وقتل من المسلمين جماعة، وقتل من الافرنج ما لا يحصى، فلما كان في اليوم الخامس وصل غازي بن زنكي في عشرين ألف فارس لنصرة صاحب دمشق ووصل أولاد غازي إلى بالس في ثلاثين ألفا فقتلوا من القوم ما لا يحد، وكان البكاء والعويل في البلد وفرش الرماد اياما واخرج مصحف عثمان إلى وسط الجامع واجتمع عليه الرجال والنساء والاطفال وكشفوا رؤوسهم ودعوا فاستجاب الله منهم فرحل أولثك، وكان معهم قسيس طويل بلحية بيضاء فركب حمارا احمر وترك في حلقه صليباً وفي حلق حماره صليباً، وأخذ في يلى صليبين، وقال للافرنج: اني قد وعدنى المسيح ان آخذ دمشق ولا يردني أحد فاجتمعوا حوله واقبل يطلب دمشق، فلما رآه المْسلمون غاروا للاسلام وحملوا عليه بأجمعهم فقتلوه وقتلوا الحمار، وأخذوا الصلبان فاحرقوها.
ووصلت الاخبار من معسكر السلطان أن الأمراء قد تغيرت على السلطان مسعود بسبب خاصة خاص بك ومعهم محمد شاه بن محمود، فوصل الخبر في نصف ربيع الاول بوصولهم إلى شهرابان وانهزم الناس، ونقل أهل بغداد رحالهم وهرب شحنة مسعود إلى قلعة تكريت، وقطع الجسر، وكان قد تولى عمل الجسر الغزنوي الواعظ وعمل له درابزينات من الجانبين ووسعه، وبعث الخليفة بابن العبادي الواعظ رسولاً إلى العسكر فقال لهم: أمير المؤمنين يقول لكم في أي شيء جئتم؟ وما مقصودكم. فان الناس قد انزعجوا بسبب مجيئكم، فقالوا: نحن عبيد هذه العتبة الشريفة وعبيد السلطان ومماليكه وما فارقنا السلطان إلأ خوفا من ابن البلنكرى فانه قد افنى الامراء، فقتل عبد الرحمن بن طويرك وعباسا وبزبه وتتر وصلاح الدين وما عن النفس عوض إما نحن وإما هو وما نحن خوارج ولا عصاة وجئنا لنصلح امرنا مع السلطان.
وهم ألبقش، وألدكز، وقيمز ، وقرقوت، وأخو طويرك، وألطرنطاي، وعلي بن دبيس، وابن تتر في اخرين فدخلوا بغداد في ربيع الأول ثم انبسطوا فمدوا أيديهم إلى ما يختص بالسلطان وكبسوا خانات باب الازج وأخذوا الغلة منها، فثار عليهم أهل باب الأزج، فقاتلوهم فبعث الخليفة إلى مسعود يقول له: اما الشحنة الذي من قبلك فقد هرب هو وأمير الحاج إلى تكريت وقد احاط العسكر بالبلد وما يمكنني ان اخذ عسكراً لأجل العهد الذي بيننا فدبر الآن فقد بلغ السيل الزبا.
فكتب إليه قد برئت ذمة امير المؤمنين من العهد الذي بيننا وقد اذنت لك ان تجند عسكراً وتحتاط لنفسك وللمسلمين، فجند واظهر السرادقات والخيم وحفر الخنادق وسد العقود والعسكر ينهبون حوالي البلد ويأخذون غلات الناس وقسطوا على محال الجانب الغربي الأموال وخرجوا إلى الدجيل وأخذوا نساء الناس وبناتهم وجاءوا بهن إلى الخيم وجاءت زواريق فيها غلة فلما بلغت تحت التاج تقدم امير المؤمنين بأخذها فمنعهم الاتراك الذين يحفظونها فوقع القتال واتصلت الحرب وكان القتال تحت مدرسة موفق وخرج صبيان بغداد يقاتلون بالميازر الصوف والمقاليع وقتل جماعة من الفريقين فبعث اليهم الغزنوي الواعظ فقبح ما فعلوا، وقال: لو جاء الافرنج لم يفعلوا هذا أي ذنب لأهل القرى والرساتيق؟ واستنقذ منهم المواشىِ وساقها إلى البلد فجاء المْاس فمن عرف شيئاً اخذه.
وفي ثالث جمادى الاولى: قبض الخليفة على وزيره ابن صدقة ورتب نقيب النقباء نائباً ثم اطلق الوزير ابو القاسم إلى داره وقبض على الوزير ابي نصر بن جهير من الدار التي سكنها بباب الازج واحضر إلى دار استاذ الدار ماشياً.


وفي ثامن عشرين جمادى الاولى: جلس المقتفي في منظرة الحلبة واستعرض العسكر وحفرت الخنادق ببغداد ونودي بلبس العوام السلاح وان يمنعوا عن انفسهم وأموالهم وكان البقش نازلاً في دار تتر فلما مضى اليه الغزنوي رسولاً، رحل الى ظاهر البلد تطييباً لقلب الخليفة وانقطعت الحرب، فلما كانت عشية الثلاثاء سادس جمادى الآخرة بعث الخليفة ليلاً فغلق الباب الحديد من عقد السور مما يلي جامع السلطان وبنوا خلفه وسدوه سداً قاطعاً وكان لألبقش في سوق السلطان مخزن فيه طعام ورحل فنهبه العوام فأصبح العسكر فرأو باب السور مسدوداً فركب منهم نحو ألف فارس وجاءوا إلى السور مما يلي باب الجعفرية ففتحوا فيه فتحات وصعدوا وبعثوا رجالاً فنقضوا البناء الذي خلف العقد وكسروا الباب الجليد واخذوا منه قطعاً وبعث البقش رسولاً إلى الخليفة: لأي شيء سددتهم في وجوهنا وقد كنا نسترفق من سوق السلطان، فلم يلتفت إلى قوله وخرج قوم من العوام فقاتلوا باب الاجمة فاستجرهم العسكر فانهزموا بين يديه فأخذ بهم فركبوا السور ونزلوا يطلبون الخيمٍ وهناك كمين قد تكمن لهم فخرج عليهم فانهزموا فضربوهم بالسيوف فقتلوا منهم نحواً من خمسمائة ولم يتجاسر احد يخرج إلى القتلى فنادوهم تعالوا خذوا قتلاكم.
فلما جاءت عشية ذلك اليوم جاء الامراء فرموا انفسهم تحت الرقة بازاء التاج وقالوا ما كان هذا بعلمنا وانما فعله اوباش لم نأمرهم به فعبر اليهم خادم وقبح فعلهم وقال:انما كان الذين قتلتم نظارة، فاعتذروا فلم يقبل عذرهم فأقاموا إلى الليل وقالوا: نحن قيام على رؤرسنا ما نبرح، أويأذن لنا امير المؤمنين ويعفو عن جرمنا، فعبر إليهم الخادم وقال: أمير المؤمنين يقول انا قد عفوت عنكم فامضوا واستحلوا من أهل القتلى ثم تقدم باصلاح ثلم السور وخرج العوام بالدبادب والبوقات وجاء أهل المحال فعمر وحفر خندقه واختلف العسكر واجتمع البقش وابن دبيس والطرنطاي فساروا يطلبون الحلة واخذ الدكز الملك وطلب بلاده وسكن الناس. وفي رجب وقع الغلاء والقحط ودخل أهل القرى والرساتيق إلى بغداد لكونهم نهبوا فهلكوا عرياً وجوعاً.
وتوفي قاضي القضاة الزينبي، وتقلد القضاء أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن محمد الدامغاني، وخرج له التوقيع بالتقليد، وخلع عليه فركب إلى جامع القصرفجلس فيه وقرأ ابن عبد العزيز الهاشمي عهده على كرسي نصب له.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
إبراهيم بن محمد بن نبهان بن محرز الغنوي الرقي أبو اسحاق. ولد في سنة تسع وخمسين وأربعمائة، سمع أبا بكر الشاشي، وأبا محمد التميمي، وأبا محمد السراج، وغيرهم، وتفقه على أبي بكر الشامي ، وأبي حامد الغزالي، وكتب كثيراً من مصنفات الغزالي وقرأها عليه وصحبه كثيراً.
قال المصنف: ورأيته وله سمت وصمت ووقار وخشوع وروى كثيراً، وتوفي ليلة الخميس رابع ذي الحجة من هذه السنة، ودفن بمقبرة الشونيزية في تربة تلي التوثة.
أحمد بن محمد، أبو تمام ابن أبي العز، ابن الخضر أحمد بن محمد بن المختار بن محمد بن عبد الواحد بن المؤيد بالله، أبو تمام ابن أبي العز المعروف بابن الخضر، أخو أبي الفضل المختار البغدادي: خرج من بغداد للتجارة ودخل ما رواه النهر وركب البحر إلى الهند وكثر ماله وهو حريص على الزيادة وقد سمع ابا جعفر ابن المسلمة وابا نصر الزينبي وغيرهما.
وتوفي يوم الجمعة خامس ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور ودفن بمقبرة الغرباء خلف الجامع وكان ولده نصرالله اذا سئل عن سن ابيه يقول كان له مائة وثلاث سنين.
صالح بن ضافع بن حاتم، أبو المعالي صحب ابن عقيل وغيره، وسمع أبا الحسين ابن الطيوري وأبا منصور الخياط وغيرهما ، وكان من المعدلين، فجرت حالة أوجبت عزله عن الشهادة. وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن في دكة احمد بن حنبل على ابن عقيل.
عبد الله بن الحسن بن قسامي أبو القاسم من أهل الحريم الطاهري، ولد سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة، وسمع من أبي نصر الزينبي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وثابت بن بندار، وغيرهم. وكان سماعه صحيحاً، وكان صدوقاً فقيهاً مناظراً. وتوفي يوم الجمعة سادس ذي القعدة، ودفن بباب حرب.
عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد ابن الصباغ، أبو المظفر


سمع الحديث من النقيب وابن النظر وحمد وغيرهم وحدث بشيء يسير، وصرف عن الشهادة في أيام المسترشد لسبب جرى، ثم رد وعزل عنها في أيام المقتفي. وتوفي في جمادى الآخرة، ودفن بباب حرب.
علي بن الحسين، أبو القاسم الأكمل علي بن الحسين بن محمد بن علي الزينبي، أبو القاسم الأكمل بن أبي طالب نور الهدى بن أبي الحسن نظام الحضرتين ابن نقيب النقباء أبي القاسم ابن القاضي أبي تمام.
ولد في نصف ربيع الأول من سنة سبعين وأربعمائة، وسمع الحديث من أبيه أبي طالب، وعمه طراد، وأبي الخطاب بن النظر، وأبي الحسن ابن العلاف، وابن بيان، وأبي عبدالله الحميدي، وغيرهم. وسمعنا منه الحديث على شيخنا أبي بكر قاضي المارستان، وأبي القاسم بن السمرقندي، وحدث، وكان للمسترشد إليه ميل فوعده النقابة فاتفق موت الدامغاني فطلب مكانه، فناله، وكان، رئيساً ما رأينا وزيراً ولا صاحب منصب أوقر منه ولا أحسن هيئة وسمتاً وصمتاً قل أن يسمع منه كلمة، وطالت ولايته فأحكمه الزمان وخدم الراشد وناب في الوزارة، ثم استوحش من الخليفة فخرج إلى الموصل فاسر هناك، ووصل الراشد وقد بلغه ما جرى ببغداد من خلعه فقال له: اكتب خطك بابطال ما جرى وصحة امامتي، فامتنع فتواعده زنكي وناله بشيء من العذاب، ثم أذن في قتله فدفع الله عنه، ثم بعث من الديوان لاستخلاصه فجيء به فبايع المقتفي ثم ناب في الوزارة لما التجأ ابن عمه علي بن طراد إلى دار السلطان، ثم ان المقتفي اعرض عنه بالكلية.
قال المصنف: وقال لي النقيب الطاهر: انه جاء إلي فقال: يا ابن عم انظر ما يصنع معي فان الخليفة معرض عني، فكتبت إلى المقتفي فاعاد الجواب بانه فعل كذا وكذا فعذرته وجعلت الذنب لابن عمي، ثم جعل ابن المرخم مناظراً له وناقضاً لما يبنيه والتوقيعات تصدر بمراضي ابن المرخم ومسخطات الزينبي، ولم يبق إلا الاسم فمرض وتوفي سحرة الأربعاء يوم عيد النحر من هذه السنة وله ست وسبعون سنة، وصلى عليه ابن عمه طلحة بن علي نقيب النقباء ونائب الوزارة، وكان الجمع كثيراً جداً، ودفن في مشهد أبي حنيفة إلى جانب أبيه أبي طالب الزينبي، وخلف جماعة من البنين ماتوا ما اظن أحداً منهم عبر ثلاثين سنة.
قال المصنف رحمه الله: وحدثني أبو الحسن البراندسي عن بعض العدول أن رجلاً رأى قاضي القضاة في المنام، فقال له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، ثم أنشد:
وان امرءاً ينجو من النار بعدما ... تزود من اعمالها لسعيد
قال: ثم قال لي: امض إلى أبي عبد الله يعني ابن البيضاوي القاضي، وهو ابن اخي قاضي القضاة، وأحد أوصيائه فقل له لم تضيق صدر غصن وشهية يعني سراريه، فقال الرجل وما عرفت أسماءهن قط فمضيت، وقلت ما رأيت فقال: سبحان الله كنا البارحة في السحر نتحدث في تقليل ما ينوبهن.
محمد بن علي البغدادي، أبو غالب بن أبي الحسن، ابن الداية المكبر سمع أبا جعفر بن المسلمة. وتوفي في المحرم.
المبارك بن المبارك بن زوما، أبو نصر الرفاء ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، قرأ القرآن على أبي بكر بن الدنف، وسمع الحديث من أبي طالب بن يوسف وغيره، وكان حنبلياً ثم انتقل فصار شافعياً، وتفقه على شيخنا الدينوري، وتفقه على اسعد ثم على ابن الرزاز، وبرز في الفقه، ثم اخرخ من المدرسة إخراجاً عنيفَاً.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في تربة أبي اسحاق.
المبارك بن كامل، ابن أبي غالب البغدادي أبوه الخفاف، أبو بكر المفيد. ولد سنة خمس وتسعين، وأول سماعه في سنة ست وخمسمائة، وقرأ القرآن بالقراآت، وسمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وأبا الغنائم النرسي، وخلقاً كثيرأ، وما زال يسمع العالي والنازل ويتبع الاشياخ في الزوايا، ويقل السماعات، وفلو قيل انه سمع من ثلانة آلاف شيخ لما رد القائل. وجالس الحفاظ وكتب بخطه الكثير وانتهت إليه معرفة المشايخ ومقدار ما سمعوا والاجازات لكثرة دربته في ذلك، وكان قد صحب هزارسب ومحمودا الأصبهان ي وغيرهما ممن يعنى بهذا الشأن فانتهى الامر في ذلك إِليه إلا أنه كان قليل التحقيق فيما ينقل من السماعات مجازفة منه لكونه يأخذ عن ذلك ثمناً، وكان فقيراً إلى ما يأخذ، وكان كثير التزوج والأولاد. وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بالشونيزية.


ثم دخلت سنه اربع وأربعين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن الاسعار تراخت في مستهل المحرم وعاد الرخص وكثرت الخيرات وخرج أهل السواد إلى قراهم. ومن ذلك: أن محمود بن زنكي بن آقسنقر غزا فقتل ملك انطاكية واستولى على عسكر الافرنج وفتح كثيراً من قلاعهم.
وفي يوم الأربعاء ثالث ربيع الآخر: استوزر أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة، ولقب عون الدين وخلع عليه. وفي رجب: عاد ألبقش وجمع الجموع وقصد العراق وانضم اليه ملكشاه بن محمود وطرنطاي وعلي بن دبيس واجتمع معهم خلق كثير من التركمان فلما بقي بينهم وبين بغداد ثلاثة فراسخ بعثوا إلى الخليفة يطلبون منه الخطبة لملك شاه فلم يجبهم وقويت الاراجيف ودون الخليفة وجمع العسكر وحفرت بقية الخندق وتقدم إلى أهل الجانب الغربي بالانتقال إلى الحريم ونودي في الرصافة وابي حنيفة ان لا يبقى احد فنقل الناس وبعث أمير المؤمنين ابن العبادي إلى السلطان ونفذ بعده بالركابية يستحثه على المجيء ويعلمه انهم جاءوا لأجل الخطبة واني ما اجبتهم للعهد الذي بيني وبينك فينبغي ان تعجل المجيء فلم يبرح فبعث اليه عمه سنجر يعاتبه ويقول: قد اخربت البلاد وقتلت العباد في هوى ابن البلنكري فينبغي ان تنفذ به وبوزيره والجاولي والا ما يكون جوابك غيري فلم يلتفت إلى ذلك فرحل سنجر إلى الري وبعث اليه يقول: قد جئت اليك فلما علم بذلك سار اليه جريدة وعاد من عنده طيب القلب.
وجاء السلطان مسعود في ذي الحجة، وخرج إليه الوزير ابن هبيرة، وارباب الدولة وجلس لهم وطيب قلوبهم فرجعوا مسرورين وكان البقش قد قبض على ابن دبيس فأطلقه فوصل ابن دبيس إلى بغداد ودخل على السلطان فرمى نفسه بين يديه فعفا عنه وخلع عليه ورضي عن الطرنطاي ولم يِعلم البقش حتى دخل دار السلطنة فسلمت نفسه ولم ترد اليه ولاية.
وخرج في هذه السنة نظر الخادم بالحاج، فلما بلغ الكوفة مرض فعاد ورتب قيماز الارجواني مكانه، فلما وصل إلى بغداد توفي بعد ايام.
وفي يوم السبت غرة ذي الحجة وقت الضحى: زلزلت الأرض زلزلة عظيمة فبقيت تموج نحواً من عشر مرات. وكانت زلزلة بحلوان تقطع منها الجبل وساخ في الأرض، وانهدم الرباط البهروزي، وهلك عالم من التركمان. وفىِهذه السنة: اشتدت بالناس علة برسامية وسرسامية عمت الخلق فكانوا اذا مرضوا لا يتكلمون ولا يطول بهم الأمر.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الحسن بن علي بن اسحاق الطوسي، أبو نصر بن نظام الملك وزر للمسترشد والسلطان محمد، وسمع الحديث ثم لزم منزله. توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
أحمد بن محمد بن الحسين، أبو بكر الأرجاني قاضي تستروارجان بلدة منها. روى عن أبي بكر بن ماجه، وله الشعر المستحسن يتضمن المعاني الدقيقة، وورد بغداد ومدح المستظهر بالله. وله في قصيدة:
جعلت طليعتي طرفي سفاها ... تدل على مقاتلي الخفايا
وهل يحمى حريم من عدو ... اذا ما الجيش خانته الربايا
ولي نفس إذا ما امتد شوقاً ... أطار القلب من حرق شظايا
ودمع ينصر الواشن ظلماً ... فيظهر من سرائري الخفايا
ومحتكم على العشاق جوراً ... واين من الدمى عدل القضايا
يريك بوجنتيه الوردغضاً ... ونور الأقحوان من الثنايا
تأمل منه تحت الصدغ خالاً ... لتَعلم كم خبايا في الزوايا
خبطت نواله الممنوح حتى ... اثرت به على نفسي البلايا
يؤرقّ مقلتي وجداً وشوقَاً ... فأقلق مهجتي هجراً ونايا
وهذه الابيات من قصيدة قالها الارجاني على وزن قصيدة لابن ون العماني وهي:
نقود عهودها عادت نسايا ... وعاد وصالها المنزور وايا
اذا انشدت في التعريض بيتاً ... تلت من سورة الاعراض آيا
ورب قطيعة جلبت وصالاً ... وكم في الحب من نكت خفايا
شكت وجدي الي فآنستني ... وبعض الانس في بعض الشكايا
فلا ملت معاتبتي فاني ... اعد عتابها احدى العطايا
وليلة اقبلت في القصر سكرى ... تهادي بين أتراب خفايا


ثنينا السوء عن ذاك التثني ... وأثنينا على تلك الثنايا
وله من قصيدة:
ولما بلوت الناس اطلب منهم ... أخا ثقة عند اعتراض الشسدائد
تطمعت في حالي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد
تمتعتما يا ناظرىِ بنظرة ... واوردتما قلبي أمر الموارد
أعيني كفاعن فؤادي فانه ... من البغي سعي اثثين في قتل واحد وله أيضاً:
حيث انتهيت من الهجران لي فقف ... ومن وراء دمي بيض الظبا فجف
يا عابثا بعدات الوصل يخلفها ... حتى اذا جاء ميعاد الفراق يفي
يستوصفون لساني عن محبتهم ... وانت اصدق يا دمعي لهم فصف
ليست دموعي لنار الشوق مطفئة ... وكيف والماء باد والحريق خفي
لم أنس يوم رحيل الحي موقفنا ... والعيس تطلع اولاها على شرف
والعين من لفتة الغيران ما حظيت ... والدمع من رقبة الواشين لم يكف
وفي الحدوج الغوادي كل آنسة ... ان ينكشف سجفها للشمس تنكسف
في ذمة الله ذاك الركب انهم ... ساررا وفيهم حياة المغرم الدنف
فان اعش بعدهم فرداً فيا كجباً ... وان امت هكذا وجدا فيا أسفي
توفي القاضي أبو بكر بتستر في هذه السنة.
عبدالله بن عبد الباقي، أبو بكر الفقيه، ابنَ التبان كان من أهل القران؟ سمع من أبي الحسين بن الطيوري، وتفقه على ابن عقيل، وناظر وافتى ودرس، وكان أمياً لا يكتب. وتوفي في شوال عن تسعين سنة، ودفن بباب حرب.
عبد الغني بن محمد، بن سعد بن محمد، أبو البركات الحنبلي سمع أبا الغنائم ابن النرسي، وابن نبهان، وابن عقيل وغيرهم ولم يزل يسمع معنا إلى ان مات وكان قارئاً مجوداً حسن التلاوة وشهد عند ابي القاسم الزينبي. وتوفي في زمان كهولته يوم الأربعاء ثالث عشر شوال ودفن بباب حرب.
عيسى بن هبة الله بن عيسى، أبو عبد الله النقاش ولد سنة سبع وخمسين وأربعمائة وكان بغدادياً ظريفاً مؤانساً لطيفاً خفيف الروح كثير النوادر رقيق الشعر قد رأى الناس وعاشر الظراف، وسمع أبا القاسم ابن البسري، وأبا الحسين علي بن محمد الأنباري الخطيب، وغيرهما، وكان يحضر مجلسي كثيراً ويكاتبني وكتبت اليه يوماً رقعة خاطبته فيها بنوع احترام فكتب إلي:
قد زدتني في الخطاب حتى ... خشيت نقصاً من الزيادة
فاجعل خطابي خطاب مثلي ... ولا تغير علي عادهْ
وله أيضاً:
يامن تبدل بي وأمكنه ... مالي وحقك عنك من بدل
ان كنت حلت فانني رجل ... عن عهد ودك قط لم احل
لهفي على طمع اصبت به ... في عنفوان شبيبة الأمل
ومن شعره أيضاً:
إِذا وجد الشيخ في نفسه ... نشاطاً فذلك موت خفي
ألست ترى ان ضوء السراج ... له لهب قبل ان ينطفي
توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن عند مقبرة باب حرب .
نظر بن عبد اللّه الجيوشي، أبو الحسن الخادم سمع الحديث من ابي الخطاب بن النظر وغيره بافادة مؤدبه شيخنا أبي الحسن ابن الزاغوني، وحج سبعاً وعشرين حجة كان في نيف وعشرين منها أميراً، قال المصنف: فحججت معه سنة احدى وأربعين ومعي شيء من سماعه فأردت أن اقرأه عليه فرأيت ما يأخذ به الناس من الطرح على الحمالين والظلم، فلم أكلمه، وخرج بالناس إلى الحج في سنة اربع وأربعين مريضاً، فلما وصل إلى الكوفة زاد مرضه فسلمهم إلى قيماز ورجع إلى بغداد.
فتوفي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي القعدة ودفن بالترب في الرصافة.
وفي تلك السنة طمع العرب في الحاج فأخذوهم بين مكة والمدينة على ما نذكره في الحوادث.
ثم دخلت


سنة خمس وأربعين و خمسمائة
من الحوادث فيها انه في المحرم جلس يوسف الدمشقي مدرساً في النظامية من جانب الأعاجم والقى الدرس واجتمع له الفقهاء والخلق الكثير ولم يكن ذلك عن اذن الخليفة وكان ميل الخليفة إلى ابن النظام فلما كان يوم الجمعة منع يوسف من الدخول إلى الجامع وإلى دار الخلافة وضربت جماعة من اصحابه بالخشب وصلى الجمعة في جامع السلطان ولم يعد إلى المدرسة والزم بيته.
وفي يوم السبت سابع عشرين المحرم: جلس أبو النجيب للتدريس في النظامية يتقدم السلطان مسعود، فإنه مضى إلى مدرسته، وصلى وراءه الصبح وتقدم إليه بالتدريس في النظامية، فقال له: أريد إذن الخليفة، فاستخرج له إذن الخليفة.
وزادت دجلة فبلغ الماء إلى باب المدرسة، ومنع الجواز من طريق الرباط ودخلت السفن الرقة وقد ذكرنا ان الخادم نظراً لما حج خرج بالحاج مريضاً فعاد وسلمهم إلى قيماز، فلما وصلوا إلى مكة طمع أمير مكة في الحاج واستزرى بقيماز فطمعت العرب ووقفت في الطريق وبعثوا يطلبون رسومهم، فقال قيماز للحاج: المصلحة ان تعطوهم ونستكفي شرهم، فامتنع الحاج من ذلك فقال لهم: فإذا لم تفعلوا فلا تزوروا السنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغاثوا عليه، وقالوا: نمضي إلى سنجر فنشكو منك، وكانوا قد وصلوا إلى الغرابي فخرجت عليهم العرب بعد العصر يوم السبت رابع عشر المحرم فقاتلوهم، فكثرت العرب فاخذوا من الثياب والاموال والاجمال والأحمال ما لا يحصى، واخذوا من الدنانير ألوفاً كثيرة، فتحدث جماعة من التجار أنه أخذ من هذا عشرة آلاف، ومن هذا عشرون ألفاً، ومن هذا ثلاثون ألفاً، وأخذ من خاتون اخت مسعود ما قيمته مائة ألف دينار، وتقطع الناس وهربوا على اقدامهم يمشون في البرية فماتوا من الجوع والعطش والعري، وقيل: ان النساء طين أجسامهن بالطين لستر العورة، وما وصل قيماز إلى المدينة إلا في نفر قليل.
وجاء في هذه السنة باليمن مطر كله حتى صارت الأرض مرشوشة بالدم وبقي أثره بثياب الناس. ومرض ابن البلنكري وهو خاص السلطان مسعود، فلما عوفي اسقط المكوس، وكان المكاس ببغداد يلقب مختص الحضرة، وكان يبالغ في أذى الناس، وأخذ اموالهم، ويقول: أنا قد فرشت حصيراً في جهنم، فمرض ومات في ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
اسماعيل بن محمد بن عبد الوهاب بن الحسن أبو الفتح القزاز، ابن زريق سمع من ثابت، وابن العلاف، وغيرهما. وتوفي يوم الأربعاء النصف من ربيع الاول، ودفن بباب حرب.
الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن الشغري، أبو المفاخر بن أبي بكر من أهل نيسابور، سمع الحديث من أبي بكر الشيروي وغيره، وكان فقيهاً أديباً دائم التشاغل بالعلم لا يكاد يفتر وكان يقول: إِذا لم تعد الشيء خمسين مرة لم يستقر، ورد بغداد واقام بها مدة يعظ في جامع القصر وغيره واظهر السنة وذم الاشاعرة وبالغ، وقد ذكرت في الحوادث ما جرى له، وكان هو السبب في اخراج أبي الفتوح الاسفرائيني من بغداد ومال إليه الحنابلة لما فعل. وحدثني ابو الحسن البراندسي انه خلا به فصرح له بخلق القرآن وبان بأنه كان يميل إلى رأي المعتزلة بعد أن كان يظهر ذمهم ثم فتر سوقه، وخرج من بغداد فتوفي بقرية ايذاجرد في جمادى الأولى من هذه السنة.
انشدنا الحسن بن أبي بكر النيسابوريَ:
أهوى عليا وايمان محبته ... كم مشرك دمه من سيفه وكفا
ان كنت ويحك لم تسمع مناقبه ... فاسمع مناقبه من هل اتى وكفا
وأنشدنا أيضاً:
مات الكرام ومروا وانقضوا ومضوا ... ومات من بعدهم تلك الكرامات
وخلفونىِ في قوم ذوي سفه ... لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا
صافي بن عبد اللّه أبو سعيد الجمالي، عتيق أبي عبد الله بن جردة


سمع ابا علي ابن البناء وقرأ عليه القرآن وقرأت عليه الحديث بحق سماعه من أبي علي البناء، وكان شيخاً مليح الشيبة ملازماً للصلوات في جماعة، وكان شيخنا أبو الفضل ابن ناصر يقول: ان صافي كان غلاماً آخر لابن جردة فأخبر بذلك، فحضر يوماً في دار شيخنا أبي منصور الجواليقي وكنت حاضر او كنا يومئذ نسمع غريب الحديث لأبي عبيد على الاشياخ أبي منصور وأبي الفضل وسعد الخير، فقال لشيخنا أبي الفضل: سمعتك أنك تقول ان هذه الاجزاء ليست سماعي وأنه كان لسيدي غلام آخر اسمه صافي وما كان هذا قط وأنا أذكر أبا علي ابن البناء، وقد قرأت عليه ولست ممن يشتهي الرواية مشغوف بها فأدعي سماع ما لم اسمع؟ فبان للجماعة صدقه، واعتذر إليه أبو الفضل بن ناصر، ورجع عما كان يقوله.
توفي صافي في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد الملك بن أي نضر بن عمر، أبو المعالي الجيلي من أهل جيلان، تفقه على اسعد الميهني، وسمع الحديث، وكان فقيهاً صالحاً ديناً خيراً عاملاً بعلمه، كثير التعبد، ليس له بيت يسكنه يبيت في، أي مكان اتفق، كان يأوي في المساجد في الخرابات التي على شاطىء دجلة. حج في هذه السنة، فأغارت العرب على الحاج فانصرف.
واقام بفيد، فتوفي بها في هذه السنة، وكان جماعة الفيديين يثنون عليه ويصفونه بالتورع والزهد.
ثم دخلت
سنة ست وأربعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه انفجر بثق النهروانات بتوفر الزيادة في تأمرا. وفي جمادى الآخرة: قطعت يد رجل متفقه يقال له شجاع الدين كان يتخادم للفقهاء والوعاظ ظهرت عليه عملات فقطع.
وفي رمضان: دخل السلطان مسعود إلى بغداد فمضى اليه الوزير ابن هبيرة وارباب الدولة فأكرمهم فعادوا شاكرين. وسأل ابن العبادي ان يجلس في جامع المنصور فقيل له: لا تفعل فان الجانب الغربي لا يمكنون إلا الحنابلة فلم يقبل فضمن له نقيب النقباء واستاذ الدار وخلق كثيرا الحماية، فجلس يوم الجمعة خامس ذي الحجة في الرواق وحض النقيبان واستاذ الدار وخلق كثير، فلما شرع في الكلام أخذته الصيحات من الجوا نب ونفر الناس وضربوا بالآجر فتفرق الناس منهزمين كل قوم يطلبون جهه، وأخذت عمائم الناس وفوطهم وجذبت السيوف حوله وتجلد وثبت وسكن الناس وتكلم ساعة ونزل وأرباب الدولة يحفظونه حتى انحدر وقد طار لبه.
ذكرمن توفي ذي هذه السنة من الأكابر
محمد بن محمد ابن أحمد بن الحسن المذاري، أبوالمعالي بن أبي طاهر ولد سنة اثنتين وستين وسمع ابا القاسم ابن البسري وابا علي ابن البناء وغيرهما، وكان سماعه صحيحاً، وقرأت عليه كثيراً من حديثه، وسئل عن نسبه إلى المذار، فقال: كان أبي سافر إليها واقام بها مدة ثم رجع فقيل المذاري، ومذار قرية تحت البصرة قريبة، من عبادان.
توفي عشية الأربعاء الثامن والعشرين من جمادى هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
الحسن بن محمد بن الحسين، أبو علي الراذاني ولد بأوانا وسكن بغداد، وسمع الحديث من أبي الحسين ابن الطيوري وغيره وكان يسمع معنا علي ابن ناصر إلى أن مات، وتفقه على أبي سعد المخرمي ووعظ مدة. وتوفي فجأة، وكان قد تزوج امرأة ابي المعالي المكي، وعزم تلك الليلة أن يدخل بها فدخل إلى بيته ليتوضأ لصلاة الظهر فقاء فمات، وذلك في يوم الأربعاء رابع صفر هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب إلى جانب ابن سمعون.
علي بن دبيس توفي في هذه السنة عن قولنج أصابه، فاتهم طبيبه محمد بن صالح بانه يظن في أمره فمات الطبيب عن قريب.
عبد الرحمن بن محمد بن علي، أبو محمد الحلواني تفقه وناظر وكان يتجر في الخل ويقنع به ولا يقبل من أحد شيئاً.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة ودفن في داره بالمأمونية.
ثم دخلت
سنة سبع وأربعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في تاسع المحرم باض ديك لرجل يعرف بابن عامر بيضة، وباض بازي لعلي بن حماد بيضتين، وباضت نعامة لا ذكر معها بيضة، ذكر ذلك أبو العباس الماندائي القاضي.


وفي هذه السنة، من الحوادث: أن يعقوب الخطاط توفي برباط بهروز وكانت له غرفة في النظامية، فحضر الذي ينوب في التركات وختموا على غرفته في المدرسة فخاصمهم الفقهاء وضربوهم واخذوا التركة، وهذه عادتهم في الحشريين، فمضوا شاكين فقبض حاجب الباب على رجلين من الفقهاء وعاقبهم بباب النوبي وحملهما حمل، اللصوص، فأغلق الفقهاء المدرسة واخرجوا كرسي الوعاظ فرموه رسط الطريق، فلما كانت عشية تلك الليلة صعد الفقهاء سطح المدرسة واستغاثوا وأساءوا الأدب في استغاثتهم وكان المدرس ابو النجيب يومئذ فجاء فرمى نفسه تحت التاج في ،اليوم الثاني واعتذر وكشف رأسه، فقيل له: قد عفي عنك فامض إلى بيتك والزم زاويتك، وهرب الفقهاء إلى دار الملك وتبعهم فبقوا أياماً فبعث شحنة بغداد وهو المسمى بمسعود بلال مع ابي النجيب وجمع اصحابه فرجع هو والفقهاء إلى المدرسة بغير إذن أمير المؤمنين فجلس ودرس ووعظ وتكلم بالكلمات بالعجمية لا يعرفها إلا اعجمي، فلما كان يوم الخميس سابع رجب وصلت الاخبار بموت السلطان مسعود، وأنه مات بباب همذان فعقد العسكر السلطنة لملكشاه بن محمد فقام بأمره خاصبك ثم ان خاصبك قبض على ملكشاه وخاطب أخاه محمداً وهو بخوزستان، فلما وصل إلى همذان سلم السلطنة اليه وكانت مكاتبته حيلة ليحصله فعلم فقتل خاصبك ولما ورد موت السلطان اختلط الناس وهرب مسعود الشحنة إلى تكريت فظفروا بخيله أو بعض سلاحه، ونادى الخليفة انه من تخلف من الجند ولم يحضر الديوان ليكتب اسمه ويجرى على عادته في اقطاعه ابيح دمه وماله، وقعد الوزير للعزاء في بيت النوبة، ونفد استاد الدار يومئذ ومعه من ينقض فنقضوا دار تتر التي على المسناة وتقدم إلى ابن النظام ان يمضي إلى المدرسة ليدرس بها فمضى في موكب، وقبض على ابي النجيب وحمل إلى الديوان وأهين وحبس، وقبض على الحيص بيص الشاعر، وأخذ من بيته حافياً ماشياً مهاناً وحمل إلى حبس اللصوص وقصد من كان له تعلق بالعسكر ثم اخرج ابو النجيب إلى باب النوبي فاقيم على الدكة الظاهرة بين اثنين وكشف رأسه وضرب بالدرة خمس مرات تولى ذلك غلام الحسبة بتقدم واعيد إلى حبس الجرائم وذلك في آخر رجب.
في يوم السبت: أخذ البديع صاحب ابي النجيب وكان متصوفاً يعظ الناس، فحمل إلى الديوان واخذ من عنده الواح من طين فيها قبل وعليها مكتوب، اسماء الائمة الاثنا عشر، فاتهموه بالرفض، فشهر بباب النوبي وكشف رأسه وأدب والزم بيته. وكان مهلهل قد ضمن الحلة في كل سنة بتسعين الف دينار فأقبل السلار كرد الى الحلة فهرب مهلهل إلى مشهد علي عليه السلام فكتب سلار كرد إلى مسعود الشحنة وهو في تكريت فلحق به فلما اجتمعا قبض مسعود على سلار فغرقه فجهز امير المؤمنين العساكر وكانوا ثلاثة آلاف ومن تبعهم فعبروا وضربوا تحت الرقة في تاسع عشر شعبان وقدم كرساوج من همذان فتلقي بالموكب وخلع عليه واعطي الشحنكية وخرخ الوزير ابن هبيرة في سابع عشرين شعبان فسار معه العسكر إلى الحلة فسبقت مقدمته فانهزم الشحنة فعادوا يبشرون الوزير وقد كان تهيأ للقتال فعاد الوزير وبلغ امير المؤمنين تخبيط بواسط فأخرج سرادقه فضربه تحت الرقة واخرج الكوسات وكانت أحداً وعشرين حملا وبعددها الاعلام.
وخرج يوم الإثنين الحادي والعشرين من شوال على ساعتين من النهار في سفينة وولي العهد في سفينة والوزيرفي سفينة والخدم في سفن ولم يتمكن احد من العوام ان يركب في سفينة فوقف الناس ينظرون من جانبي دجلة ووقف الناس وصعد من السفينة وارباب الدولة بين يديه فظهر للناس ظهورا بيناً وأشار إلى اصحابه ان لا يضربوا احدا بمقرعة فركب وولي العهد وسارا والناس متسابقين بين ايديهما حتى نزلا السرادق، ثم رحل إلى أن نزل بواسط فهرب اولاد الطرنطاي وأعاد، خطلبرس إلى الشحنكية بواسط، ثم مضى إلى الحلة والكوفة وعاد إلى بغداد في ذي القعدة فنزل بدار يرنقش التي على الصراة، ثم دخل إلى داره وعلقت بغداد سبعة أيام.


ثم خطب لولي العهد يوم الجمعة غرة ذي الحجة من هذه السنة فعاد التعليق، وعلقت القباب فعمل الذهبيون قبة على باب الخان العتيق عليها صورة مسعود وخاصبك وعباس وغيرهم من الامراء بحركات تدور وعلق ابن المرخم قبة فيها خيل تدور وعليها فرسان بحركات وعلقت بنت قاروت بباب درب المطبخ قبة فيها صورة السلطان وعلى رأسه شمسة وعلق ترشك قبة على سطح داره على تماثيل صور اتراك يرمون بالنشاب وعلق ابن مكي الاحدب قبة عليها جماعة من الحدب وعلق جعفر الرقاص بباب الغربة قبة عليها مشاهرات فاكهة اترج ونارنج ورمان وثياب ديباج وغير ذلك واقام السودان الكلالة فوق القبة يغنون ويرقصون وعمل اهل باب الازج حذاء المنظرة اربعة أرحي تدور وتطحن الدقيق لا يدرى كيف دورانها وعمل الملاحون سميرية تسير على عجل وانطلق الناس في اللعب وبقي التعليق إلى يوم العيد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
سلار كرد أمير كبير قد ذكرنا كيف هلك.
محمد بن اسماعيل، أبوعبد الله بن أبي سعد بن أبي صالح المؤذن محمد بن اسماعيل بن احمد بن عبد الملك، أبوعبد الله بن أبي سعد بن أبي صالح المؤذن: ولد بنيسابور في سنة ثمانين وهو من بيت العلم والحديث، وسمع الحديث الكثير، وقدم إلى بغداد رسولاً من صاحب كرمان في سنة ست، وقدم رسولاً إلى السلطان في سنة أربع وأربعين. وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة بكرمان.
محمد بن اسماعيل بن احمد بن عبد الملك، أبوعبد الله بن أبي سعد بن أبي صالح المؤذن: محمد بن عمر بن يوسف الأرموي، أبو الفضل بن أبي حفص.
من أهل ارمية، ولد سنة تسع وخمسين وسمع من ابي جعفر ابن المسلمة وابي الغنائم ابن المأمون وابي الحسين ابن المهتدي وابي بكر الخياط وابي نصر الزينبي وابن النقور وابي القاسم ابن البسري وغيرهم وروى لنا عنهم وسمعت منه بقراءة شيخنا ابن ناصر وقرأت عليه كثيراً من حديثه وكان سماعه صحيحاً وكان فقيهاً على مذهب الشافعي رضي اللة عنه تفقه على ابي اسحاق الشيرازي، وكان ثقة ديناً كثير التلاوة للقرآن، وكان شاهدا فعزل.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن مقابل التاجية، باب أبرز.
محمد بن محمد بن محمد، أبو بكرالخُلْمي من أهل بلخ ولد سنة خمس، وسبعين. وسمع الحديث الكثير وكان اماماً مفتياً مناظراً حسن الاخلاق متقدماً على اصحاب ابي حنيفة، وأملي بجامع بلخ. وتوفي بها في شعبان، هذه السنة ودفن في داره.
محمد بن منصور بن ابراهيم، أبو بكر القصري سمع من ثابت بن بندار وأبي طاهر بن سوار وغيرهما وحدث بشيء يسير وقرأ القرآن بالقراآت وأقرأ وكان حافظاً مجوداً خيراً، وكان يطالع تفسير النقاش، ويذكر منه، رأيت له دكة على هيئة المنبر من آجر بجامع المنصور يجلس عليها بعد الجمعة فيسأل عن آيات فيفسرها، وكانت له شيبة طويلة تعبر سرته. وتوفي في ليلة الجمعة سابع شعبان، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن هبة اللّه، أبو عبد الله بن الوزير أبي المعالي محمد بن هبة اللّه بن محمد بن علي بن المطلب الكرماني، أبو عبد الله بن الوزير أبي المعالي: سمع ثابتاً، وابا غالب البقال، وابن نبهان، وابن ثابت وغيرهم. وحدث ببعض مسموعاته، وكان ظاهر الكياسة حسن الاخلاق. وتوفي ليلة الجمعة رابع عشرين المحرم، ودفن في مقابر قريش بالحضرة.
المظفر بن أردشير، أبو منصور العبادي


ولد سنة احدى وتسعين وأربعمائة، وسمع من أبي بكر الشيروي وزاهر الشحامي وغيرهما ودخل بغداد فأملى الحديث ووعظ بالجامع والنظامية وكانت له فصاحة وحسن عبارة وكان يوماً جالساً في جامع القصر فوقع المطر فلجأ الجماعة إلى ظل العقود والجدران فقال لا تفرقوا من رشاش ماء رحمة، قطر عن متن سحاب نعمة ولكن فروا من شرار نار اقتدح من زناد الغضب، ثم قال: ما لكم لا تعجبون ما لكم لا تطربون. فقال له قاثل: :وترى الجبال تحسبها جامدة " ، الآية، فقال: التماسك عن المرح عند تملك الفرح قدح في القدس، فقام شاعر يمدحه فأجلس فقال الشاعر: قد كان حسان يبسطه رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقال الشيخ: كان حسان شاعراً ولم يكن مستبيحاً عِرْضاً، ولا مستمنحاً عَرَضاً، وكان مثل هذا الكلام المستحسن يبدر في كلامه، وانما كان الغالب على كلامه ما ليس تحته طائل ولا كثير معنى، وكتب ما قاله في مدة جلوسه، فكان مجلدات كثيرة فترى المجلد من اوله إلى آخره ليس فيه خمس كلمات كما ينبغي ولا معنى له، وكان يترسل بين السلطان والخليفة فتقدم إليه أن يصلح بين ملكشاه بن محمود بن محمد وبين بدر الحويزي فمضى فأصلح بينهما وحصل له منهما مال. فأدركه اجله في تلك البلدة، فجاء الخبر بأنه مات يوم الإثنين سلخ ربيع الآخر من هذه السنة بعسكر مكرم، ثم حمل إلى بغداد فدفن في دكة الجنيد بالشونيزية، وكان جامعاً للمال فلم يحظ به بل كان له ولد فتوفي بعده بأشهر، وعاد المال إلى السلطان، وفي ذلك عبرة لمن اعتبر.
المبارك بن هبة الله بن سلمان، أبو المعالي الصباغ، ابن سكرة سمع الحديث الكثير، وكان يبيع البقالة، ثم تركها ووعظ. توفي في ربيع الآخر من هذه السنة و دفن في داره، في المقتدية.
مسعود السلطان ابن محمد بن ملكشاه جرت له أحوال عجيبة قد ذكرناها في حوادث السنين، وآل الامر إلى أن خرج المسترشد بالله إلى محاربته فأسر المسترشد ورأى مسعود من التمكين ما لم يره ابناء جنسه وقدم فبايع المقتفي لأمر الله وتحكم، وكتب له شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي جزءاً من حديثه فسمعه عليه، فكان اقوام يسمعون على السلطان عن شيخنا.
توفي يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن نصف الليل، وفي صبيحة الخميس ولي مكانه ملكشاه وأذعن له الامراء وزم الامور ابن البلنكري.
يعقوب الخطاط كان غاية في حسن الخط وجودته، فتوفي في جمادى الآخرة برباط بهروز.
ثم دخلت
سنة ثمان وأربعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وصل الخبر في محرم أن سنجر كسرته الغز واستولوا على عسكره وملكوا بلخ وفيها: نفذ ترشك المقتفوي في خمسمائة فارس وفيهم قسيم الدولة ونجاح الخادم لحصار قلعة تكريت، ثم نفذ أبو البدر ظفر الوزير ابن عون الدين الوزير فجرى بينه وبين ترشك نفور في الرتبة واراد أن يكون ترشك بحكمه وتحت امره فلم يفعل فبعث ابن الوزير يشكو منه فقيل انهم قالوا له اقبض عليه فأحس وقيل بل نفذوا اليه ان يقال وكان قد جرى بينه وبين استاذ الدار خصومة فكبسوا بيته وأهانوه وحبسوه اشهراً فخشي ان يفعل به كذلك فكَاتب صاحب القلعة وهو مسعود بلال الشحنة اني اريد أن اقبض على الذين معي واسلمهم اليك فقال له اذا فعلت ذلك فعلت معك ما تشكرني عليه فقال للمعسكر اركبوا وخلا بابن الوزير ونجاح ويرنقش فقبض عليهم وسلمهم إلى صاحب القلعة واخذ سلاحهم وخيلهم وكان قد نفذ الوزير خمسين حملا عليها اقامة فوصلت يومٍ القبض فأخذها فخلع صاحب القلعة عليه الخلعة التي نفذها له السلطان واعطاه فرسا ومركب ذهب وطوق ذهب واضاف اليه عسكراً وأمره وانضاف اليه تركمان وخرج معه مسعود بلال فقصد طريق خراسان ونهبوا وخرج المقتفي لدفعهما فهربا من بين يديه واتم المقتفي إلى تكريت فشاهدها واقام عليها يوماً ثم انصرف ثم برز السرادق للانحدار الى واسط لدفع ملكشاه عنها فانهزم ملكشاه من واسط قاصداً خوزستان ووصل الخليفة إلى ظاهر واسط فأقام اياماً ثم رجع إلى بغداد. وفي عبور الخليفة من الجانب الغربي إلى داره سلم الوزير من الغرق لان السفينة التي كان فيها انقطعت نصفين وغاصوا في الماء إلى حلوقهم واستنقذهم الملاحون فأعطى الوزير الملاح الذي استنقفه ثيابه ووقع له بمال.
وفي شوال: أخذت البصرة وانهزم من كان بها من اصحاب ملكشاه.


وفي سابع عشرين منه: دخل سبع بالليل عروب واسط واجتاز على الدار التي يسكنها صاحب البطيحة ومضى إلى بستان فقتله الرجالة.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن أبي غالب الوراق، أبو العباس، ابن الطلاية ولد بعد الستين وأربعمائة وقرأ القرآن، وسمع شيئاً قريباً من الحديث، واشتغل بالتعبد، وكان ملازماً للمسجد يتعبد فيه ليلاً ونهاراً، وكان قد انطوى من التعبد حتىكان إذا قام فرأسه عند ركبته. وتوفي يوم الإثنين حادي عشرين رمضان من هذه السنة، ودفن إلى جانب الحسين ابن سمعون بمقبرة باب حرب.
خاصبك التركماني صبي من التركمان نفق على السلطان مسعود فقدمه على جميع الامراء وصار،له من المال ما لا يحصى، فلما مات مسعود خطب لملكشاه ثم قال له: اني اريد اقبض عليك وانفذ إلى اخيك محمد فأخبره بذلك ليأتي فأسلمه اليك وتكون انت السلطان فقال: افعل فقبض عليه ونفذ إلى محمد إلى خوزستان بانني قد قبضت على اخيك فتعال حتى اخطب لك واسلم اليك السلطنة فعرف محمد خبيئته فجاء إلى همذان فجاء الناس يخاطبونه في أشياء فقال: ما لكم معي كلام وانما خطابكم مع خاصبك ومهما اشار به فهو الوالد والصاحب والكل تحت امره فوصل هذا الكلام إلى خاصبك فسكن بعض السكون ثم التقيا فخدمه خاصبك وحمل اليه حملاً كثيراً من خيل ومال فأخذ المال، وقتل خاصبك ووجد له تركة عظيمة في جملتها سبعون ألف ثوب أطلس و كان ذلك في هذه السنة، وقتل مع خاصبك زنكي الخازندار.
عبداللّه بن عيسى بن عبد الله بن أحمد بن حبيب، أبو محمد الاندلسي ولد ببلاد الاندلس وهو من بيت العلم والوزارة وصرف عمره في طلب العلم وولي القضاء بالاندلس مدة ثم دخل مصر والاسكندرية وجاور بمكة، ثم قدم العراق فأقام ببغداد مدة ثم وافي خراسان فأقام بنيسابور وبلخ، وكان غزير العلم في الحديث والفقه والادب.
وتوفي بهراة في شعبان هذه السنة.
عبد الخالق بن أحمد، أبو الفرج بن أبي الحسين بن أبي بكر بن أبي القاسم عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف، أبو الفرج بن أبي الحسين بن أبي بكر بن أبي القاسم.
ولد سنة اربع وستين، وسمع أبا نصر الزينبي، وطرادا، وعاصماً وابن النظر، وغيرهم. وكان من المكثرين سماعاً وكتابة، وله فهم وضبط ومعرفة بالنقل، وهو من بيت النقل قرأت عليه كثيراً من حديثه. وتوفي يوم الإثنين ثالث عشر المحرم ودفن بمقابر الشهداء من باب حرب.
عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل، أبو الفتح بن أبي القاسم الكروخي وكروخ بلدة على عشرة فراسخ من هراة ولد في ربيع الأول سنة اثنتين وستين وأربعمائة بهراة، وسمع من جماعة، وورد إلى بغداد فسمعنا منه جامع الترمذي، ومناقب أحمد بن، حنبل، وغير ذلك، وكان خيراً صالحاً صدوقاً مقبلاً على نفسه، ومرض ببغداد، فبعث إليه بعض من يسمع عليه شيئاً من الذهب، فقال: بعد السبعين واقتراب الأجل اخذ على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ فرده إليه مع حاجته.
وكان يكتب نسخاً بجامع الترمذي ويبيعها فيتقوت بها، وكتب به نسخة فوقفها وخرج إلى مكة فجاور بها. وتوفي بها في ذي الحجة من هذه السنة بعد رحيل الحاج بثلاثة ايام.
الفضل بن سهل الحلبي، الأثير سمع الحديث، وكان قد قرىء عليه كثير من تصانيف الخطيب باجازته عنه، وكانوا يتهمونه بالكذب، فحكى شيخ الشيوخ اسماعيل بن أبي سعد الصوفي، قال: كان عندي الشيخ أبو محمد المقرىء فدخل الأثير الحلبي فجعل يثني على أبي محمد، وقال: من فضائله أن رجلاً أعطاني مالَاَ، فجئت به إليه فلم يقبله، فلما قام قال أبو محمد: والله ما جاءني بشيء ولا أدري ما يقول، والحمد لله الذي لم يقل عنده وديعة لأحد. توفي الاثير في رجب هذه السنة.
كامل بن سالم بن الحسين، أبو تمام التكريتي شيخ رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور. سمع الحديث، وكان كثير التلاوة دائم الذكر قليل الكلام. وتوفي في شوال هذه السنة، ودفن إلى جانب شيخه أبي الوفاء على باب الرباط.
محمد بن محمد بن عبد الله بن أبي سهل، أبو طاهر


من أهل مرو، سمع الكثير وكان كثير التلاوة وكتب وكانت له معرفة بالحديث، وكان حافظاً لكتاب اللة كثير التلاوهَ دائم الذكر والتهجد، ديناً عفيفاً، وكان يلى الخطالة بمرو. وتوفي في شوال هذه السنة ودفن بمرو.
محمود بن الحسين بن بندار، أبو نجيحِ بن أبي الرجاء الأصبهاني الطلحي الواعظ. سمع الحديث على ابن الحصين وغيره وقال الشعر. توفي في هذه السنة.
ثم دخلت
سنة تسع وأربعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه نفذ إلى تكريت بسبب الأسارى، فقبضوا على الرسول فنفذ الخليفة عسكراً إلى تكريت، فخرج أهل تكريت، فمنعوهم الدخول إلى البلد، فخرج أمير المؤمنين يوم الجمعة غرة صفر فنزل على البلد فهرب أهله فدخل العسكر البلد فشعثوه ونهبوا ونزل من القلعة جماعة من الفريقين، ونصبت ثلاثة عشر منجنيقاً على القلعة، ووقع من سورها ابراج، وبعث صاحب الموصل يسأل فيهم ويشير عليهم باعادة الأسراء فلم يقبلوا.
وهبت ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول بعد العشاء، ريح مظلمة، وظهر فيها نار خاف الناس أن تكون القيامة، وأثارت من التراب ما يزيد على الحد فتقطع سرادق الخليفة.
وأشرف أمير المؤمنين يوم الأربعاء الخامس عشرى. من ربيع الأول على القلعة، ووقع القتال بين يديه فقتل جماعة فساء له ذلك ورأى الزمان يطول في أخذها فرحل عنها ودخل بغداد في آخر هذا الشهر ثم تقدم إلى الوزير بعوده إلى حصارها واستعداد آلة كثيرة مما يحتاج اليه في فتح القلاع، فخرج يوم الإثنين سابع ربيع الأخر ونادى من تخلف بعد ثلاث ابيح ماله ودمه وجيء بالأمراء وعرض العسكر وكانوا ستة آلاف فارس فنزلوا إلى القلعة وانصرف إلى القلعة بثلثمائة ألف دينار سوى الاقامة فانها كانت تزيد على الفكر فقرب فتحها فوصل الخبر بأن مسعود بلال جاء إلى شهرابان في عسكر عظيم ومعه ألبقش ونهب الناس فاستدعى الوزير للخروج اليهما وكانا قد حثا السلطان محمداً على قصد العراق فلم يتهيأ له فاستأذناه في التقدم امامه فأذن لهما فجمعا جمعاً كثيراً من التركمان ونزلا بطريق خراسان فخرج الخليفة اليهما فنفذ مسعود من اخرج ارسلان شاه بن طغرل من قلعة تكريت، وكان محبوساً بها وجعلوا القتال عليه ليكون اسم الملك جامعاً للعسكر وتلازم العسكران، على نهر بكمزا فعبر الخليفة اليهم فتلازموا ثمانية عشر يوماً وتحصن التركمان بالخركاهات والمواشي ويقال: انهم كانوا اثني عشر الف بيت من التركمان ثم برزوا للقتال آخر يوم من رجب فكانت الوقعة فانهزمت ميسرة العسكر الخليفي وبعض القلب وكان بازائهم مسعود الخادم وترشك حتى بلغت الهزيمة إلى باب بغداد وثبت الخليفة وضربوا على خزانته وقتل خازنه يحيى بن يوسف ابن الجزري فلما رأى العسكر الميسرة قد انهزمت ضعفت قلوبهم فجاء منكوبرس، وكان فارساً شديد البأس ومعه هويذان فنزلا عن الخيل، وقبلا الأرض بين يدي أمير المؤمنين وقالوا: يا مولانا تثبت علينا ساعة حتى نحمل بين يديك فاذا رأيناك قويت قلوبنا، فقال: لا واللهّ الا معكما فرفع الطرحة عن رأسه وجذب السيف ولبس الحديد هو وولي العهد وبكرا وصاح أمير المؤمنين: يال مضر كذب الشيطان وفر وقَرأ: " ورد اللّه الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً " الآية. وحمل وحمل العسكر بحملته فوقع السيف في العدو، وسمع صوت السيوف على الحديد كوقع المطارق على السنادين وانهزم القوم وتم الظفر وسبي التركمان واخذت اموالهم من الابل والبقر والغنم ما لا يحصى، وقيل كانت الغنم اربعمائة الف رأس فبيع كل كبش بدانق لكثرتها، ونودي: من كان اخذ من اولاد التركمان او نسائهم فليرد ذلك، فردوا، فأخذ البقش الملك وهرب إلى بلده وطلب مسعود وتوشك القلعة ودخل الخليفة إلى بغداد في غرة شعبان.
ووصل الخبر في العشرين من شعبان: بأن مسعوداً وترشك قصدا واسط ونهبوا ما يختص بالوزير فتقدم إلى الوزير بالخروج فخرج ومعه العسكر في خامس عشرين شعبان فانهزم العدو فلحقهم ونهب منهم رحلاً كثيراً وعاد فدخل الوزير على الخليفة فشرفه بقميص وعمامة ولقَبه سلطان العراق ملك الجيوش.


وخرج العسكر في عيد الفطر على زي لم يرمثله لاجتماع العساكر وكثرة الامراء وكان العيد يوم الخميس، فلما جاءت العشية جاء مطر وفيه رعد وبرق وبرد تزلزلت الأرض لصوته وخر الناس على وجوههم من شدة الرعب ووقعت منه صواعق فوقع بعضها في التاج الذي بناه المسترشد فطار شرارها إلى الرقة وبقيت النار تعمل اياماً فأحرقت آلات كثيرة ثم اتصلت الاخبار بمجيء العساكر صحبة محمد شاه وبانفاذه إلى عسكر الموصل يستنجدهم والي تكريت إلى مسعود بلال فأخرج الخليفة سرادقه واستعرض الوزير العسكر في شوال فكانوا يزيدون على اثني عشر الف فارس.
وجاء الخبر أن ألبقش قد مات وبعث محمد شاه إلى الامراء الخلع، وقال: عودوا السنة إلى مواطنكم فلي السنة عذر والبرد شديد وكان السبب ان محمداً كان قد بعث إلى مسعود بلال في نوبة ألبقش يقول له، خذ معك من القلعة بعض الملوك الذين عندك وخذوا بغداد ليهابكم الناس وليعلم ان معكم ملك إلى حين وصولي فأخذ ابن امرأة ألدكز وكانت امه مع ألدكز فنفذ ألدكز ألفي فارس وقال لهم: كونوا في خددة الملك واحفظواه فلما وقعت الكسرة وانهزم ألبقش أخذ الصي فحمله إلى قلعته فلما سمع محمد شاه ذلك بعث اليه يقول له سر الي واستصحب الملك فمات البقش وبقي الصبي مع ابن البقش وحسن الجاندار فحملوه إلى الجبل فخاف محمد شاه ان يصل الصبي إلى ألدكز فتتغير الامور فاعتذر إلى العسكر فهرب من يده جماعة من خواصه وجاءوا إلى الخليفة واتصل الصبي بزوج امه ألدكز وأمن الناس لتفرق العساكر.
وفي هذا الشهر : وكل بالغزنوي لأجل قرية كانت في يده فلما كان سلخ ذي الحجة نفذ الخليفة عسكراً إلى ناحية همذان ومتقدمهم قيماز السلطاني في الفي فارس.
وفي هذه السنة اتصلت الاخبار باختلاف مصر والساحل وهلاك خليفتهما وولي عهده والجند وانه لم يبق ثم الا صبي صغير فكتب المقتفي لامر الله عهدا لنور الدين بن زنكي وولاه مصر واعمالها والساحل وبعث اليه الخليفة المراكب والتحف وامره بالمسير اليها.
وحدث في هذه السنة في دجلة زيادة واحمرار الماء لم يعهد في ذلك الوقت وحدث في هذه السنة في دجلة في عدة نواحي بلاد واسط ظهور دم من الأرض لا يعلم له سبب.
ووصلت أخبار سنجر أنه تحت الاسر موكل به في خيمة يجرى له كل يوم مالاً يجوز أن يجرى لسائس في سياسته وانه يبكي على نفسه. وفيها توفي ابو الفتوح أستاذ الدار، فولي أبنه محمد مكانه. وقتلت جارية امرأة سيدها فأخرجت الجارية إلى الرحبة، وقتلها زوج المرأة بحضرة الناس كما يقتل الرجال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
البقش صاحب الحرب المذكورة، ، مات في رمضان وتصرف في ولايته قيماز السلطاني.
عبد اللّه بن هبة الله بن المظفر، ابن رئيس الرؤساء، أبو الفتوح كان يلي استاذية الدار وله صدقات وأعطية ومجلسه للفقراء والمتصوفة، وانفق عليهم كثيراً ولما احتضر احضر غرماءه والمتظلمين عليه فوفاهم ووصى اولاده ببقايا عليه. توفي في هذه السنة ودفن بالمقبرة الملاصقة لمقبرة الرباط الزوزني.
عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي، أبو القاسم ابن الأكاف من أهل نيسابور، سمع أبا سعد الحيري، وأبا بكر الشروي وغيرهما وتفقه وناظر، وكان إماماً ورعاً عالماً عاملاً غزير الديانة، مقبلاً على نفسه قنوعاً بالكفاف غير معترض لما لا يعنيه، وأوصى إلى قريب له ليفرق ماله إلى الفقراء ففرقه، وكان فيه مسك فلما أراد تفرقته سد أنفه، وقال: إنما ينتفع بريحه.
وهذا مما روينا عن عمر بن عبد العزيز انه اتي بطيب من بيت المال فأمسك على انفه وقال: إنما ينتفع بريحه. ولما استولى الغز على نيسابور قبضوا عليه، واخرجوه ليعاقبوه فشفع فيه السلطان سنجر، وقال: كنت امضي إليه متبركاً به ولم يمكني من الدخول عليه فاتركوه لأجلي فتركوه فدخل شهرستان وهو مريض، فبقي أياماً. وتوفي في هذه السنة ودفن بالحيرة عند ابيه.
علي بن محمد بن أبي عمر البزاز، ثم الدباس، أبو الحسن يعرف ابوه بالباقلاوي. ولد سنة سبعين وسمع أبا محمد التميمي، وطرادا، وابن النظر، وأبا ايوب وغيرهم، وتأدب بابن عقيل، وكان سماعه صحيحاً، وقرأت عليه كثيرأ من مسموعاته، وكان من أهل السنة والصدق على طريق السلف. وتوفي في شعبان هذه السنة ودفن بباب حرب.


علي بن محمد، أبو الحسن، ابن الأبري كان حداداً فقدمه المقتفي وقربه ووكله وبنى مدرسة بباب الازج. توفي في شعبان هذه السنة ودفن بداره برحبة الجامع ثم اخرج بعد مدة.
المبارك بن أحمد بن دليم الخزرجي الانصارىِ، أبو المعمر المبارك بن أحمد بن عبد العزيز بن المعمر بن الحسن بن العباس بن محمد بن عبد الرحمن بن اسماعيل بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد الملك بن عبد العزيز بن سعيد بن سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الانصارىِ، أبو المعمر.
ولد سنة خمس وسبعين وأربعمائة، وسمع الكثير، وقرأت عليه الكثير، وكان له فهم وعلم بالحديث. وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن بالشونيزية.
المظفر بن علي بن محمد بن محمد بن جهير، أبو نصر من بيت الوزارة وزير وجده وزير، وكان استاذ الدار ثم وزر للمقتفي سمع الحديث وحدث وحج. وتوفي يوم الخميس سادس ذي الحجة وصلي عليه بجامع القصر ودفن مقابل جامع المنصور قريبا من الرباط.
ثم دخلت
سنة خمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه قبض على حاجب الباب أبي الفتح ابن الصيقل الهاشمي ووكل به في الديوان واحضر الناس وواقفوه على ما أخذ منهم واخرج منه إلى بيته ورتب مكانه ابو المعالي بن الكيا الهراسي نحو اربعين يوما ثم عزل ورتب ابو القاسم علي بن محمد بن هبة الله بن الصاحب.
وفي هذا الشهر: ورد الخبر أن الغز التركمان دخلوا نيسابور ونهبوها وفتكوا بأهلها وفقهائها منهم محمد بن يحيى شيخ أصحاب الشافعي فقتلوا بها نحواً من ثلاثين ألف نسمة، وكان سنجر معهم عليه اسم السلطنة وهو معتقل ولقد أراد يوماً أن يركب فلم يجد من يحمل سلاحه فشده على وسطه، وكان إذا قدم اليه الطعام اختلس منه شيئَاَ يخبؤه لوقت اخر خوفا من انقطاعه عنه لتقصيرهم به.
وفي شهر ربيع الأول: خرج الخليفة إلى دقوقا محاصراً لها فاستغاثوا له ارحمنا فرجع عنهم.
وفي رجب: كانت الوقعة بين عسكري الخليفة وبين شملة التركماني فهزموه وتبعوه إلى ان خرج إليهم كمين في مضيق فانكسروا وأسر وجوههم ثم احسن اليهم وسرحهم واعتذر فقبل عذره وسار إلى خوزستان فملكها وازاح ملكشاه بن محمود بن محمد بن ملكشاه عنها.
وفي شعبان: هجم ثلاثة نفر من الشراة على الحويزي عامل نهر ملك فقتلوه.
وفي شوال: وصل الملك سليمان بن محمد بن ملكشاه إلى بغداد ضيفا مستجيراً بامير المؤمنين، وتلقي بولد الوزير ابن هبيرة وكان على رأسه شمسة وخمسة اعلام سود ولم ينزل احدهما للآخر وقبل عتبة باب النوبي وخرج امير المؤمنين حين خروج الحاج فسار معهم إلى النجف ودخل جامع الكوفة واجتاز في سوقها وعاد إلى بغداد. وفي رمضان: منع الوعاظ كلهم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر.
أحمد بن محمد، الحويزي كان عاملاً على نهر ملك فكان يؤذي الناس ويعلق الرجال في السواد ويعذبهم ويستخرج الاموال فلا يتلبس بها اظهاراً للزهد فكأنه يجمع بذلك التصنع ان يرقى إلى مرتبة اعلى من هذه وكان كثير التلاوة للقرآن كثير التسبيح حتى اني اتفقت في خلوة حمام وهو في خلوة أخرى فقرأ نحواً من جزئين حتى فرغ من شأنه هذا مع الظلم الخارج في الحد فهجم عليه ثلاثة نفر من الشراة بمرو، بيتاً من نهر الملك، فضربوه بالسيوف فجيء به إلى بغداد بعد ثلاث وذلك في شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة الرباط مقابل جامع المنصوروحفظ قبره حتى لا تنبشه العوام، وظهر في قبره عجب، وهو أنه خسف بقبره بعد دفنه أذرعاً فظهر بعده من لعنه وسبه ما لا يكون لذمي.
الحسن بن أحمد بن محبوب، أبو علي القزاز سمع طراداً وابن النظر وثابت بن بندار وغيرهم قرأت عليه كثيراً من حديثه. وتوفي في محرم هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب.
سعيد بن أحمد بن الحسن بن عبد الله بن البناء، أبو القاسم بن أبي غالب ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وقرأت عليه كثيراً من حديثه عن أبي نصر الزينبي، وعاصم، وغيرهما، وكان خيراً. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر، أبو الفضل البغدادي


ولد ليلة السبت الخامس عشر من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وقرأ على أبي زكريا كثيراً من اللغة، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن البسري، وأبي طاهر بن أبي الصقر، وأبي محمد التميمي، وأبي الخير العاصمي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وأبي عبد الله مالك بن أحمد البانياسي وأبي الخطاب ابن النظر، ومن دونهم، وأكثر من الشيوخ المتأخرين، وكان حافظاً ضابطاً متقناً ثقة لا مغمز فيه، وهو الذي تولى تسميعي الحديث، فسمعت مسند الامام أحمد بن حنبل بقراءته وغيره من الكتب الكبار والأجزاء العوالي على الاشياخ، وكان يثبت لي ما اسمع، وذكره أبو سعد السمعاني في كتابه، فقال: كان يحب أن يقع في الناس.
قال المصنف: وهذا قبيح من أبي سعد، فان صاحب الحديث ما زال يجرح ويعدل، فاذا قال قائل: أن هذا وقوع في الناس دل على أنه ليس بمحدث، ولا يعرف الجرح من الغيبة، وكتاب السمعاني ما سواه إلا ابن ناصر ولا دله على أحوال المشايخ أحد مثل ابن ناصر، وقد احتج بكلامه في أكثر التراجم، فكيف عول عليه في الجرح والتعديل ثم طعن فيه، ولكن هذا منسوب إلى تعصب ابن السمعاني على أصحاب أحمد، ومن طالع في كتبه رأى تعصبه البارد، وسوء قصده لا جرم لم يمتع بما سمع، ولا بلغ مرتبة الرواية بل أخذ من قبل ان يبلغ إلى مراده، ونعوذ بالله من سوء القصد والتعصب. توفي شيخنا ابن ناصر ليلة الثلاثاء الثامن عشر من شعبان هذه السنة، وصلى عليه قريباً من جامع السلطان ثم بجامع المنصور ثم في الحربية ثم دفن بمقبرة باب حرب تحت السدرة إلى جانب أبي منصور ابن الانباري، وحدثني أبو بكر ابن الحصري الفقيه، قال: رأيته في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وقال لي قد غفرت لعشرة من اصحاب الحديث في زمانك لأنك رئيسهم وسيدهم.
محمد بن علي بن الحسن بن أحمد، أبو المظفر الشهرزوري ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة، وسمع أبا عبد الله حسين بن احمد بن طلحة، وأبا الفضل بن خيرون وغيرهما، وروى الحديث، وكانت له معرفة حسنة بعلم الفرائض والحساب انفرد بها، وكان ثقة من أهل الدين والخير، وكان يبيع العطر في دكان عند مسجد شيخنا أبي محمد المقرىء، ويقرأ عليه هنالك، ثم سافر إلى بلاد الموصل لدين ارتكبه فبقي بها مدة ثم رجع عنها إلى بعض ثغور اذربيجان. وتوفي بمدينة خلاط في رجب هذه السنة.
المبارك بن الحسن بن أحمد، أبو الكرم الشهرزوري ولد في ربيع الآخر سنة احدى وستين وقرأ القرآن وسمع من التميمي وابن خيرون وطراد وجماعة. وتوفي في ذي الحجة من هذه السسنة ودفن في دكة بشر الحافي إلى جانب أبي بكر الخطيب.
هارون بن المقتدي، عم المقتفي توفي يوم الإثنين ثالث عشرين شوال وصلى عليه، وحمل في الزبزب إلى التراب وكان أرباب الدولة كلهم قياماً في السفن إلى الترب. وقيل ان الوزير جلس حين جاوز الحر، فلما صعدوا ركب الوزير وجده، ومشى أرباب الدولة إلى الترب.
يحيى بن ابراهيم، أبو زكريا بن أبي طاهر الواعظ السلماسي سمع الحديث وقدم إلى بغداد فوعظ بها وكان له القبول التام ثم غاب عنها نحوا من اربعين سنة، ثم قدم بعد الأربعين وخمسمائة، فطلب ان يفتح له الجامع ليعظ فلم يجب إلى ذلك، فسمعنا علمه شيئا من الحديث بقراءة شيخنا ابن ناصر ثم رحل عن بغداد. فتوفي في سلماس في هذه السنة.
ثم دخلت
سنة احدى وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن سليمان شاه بن محمد استدعي يوم الجمعة خامس عشر المحرم إلى باب الحجرة فجاء في الماء وخرج أهل بغداد للفرجة، فلما حضر أحلف على النصح والموافقة ولزوم الطاعة، وأنه لا يتعرض للعراق بحال ووعده بالخطبة.


فلما كان يوم الجمعة تاسع عشر المحرم خطب له بعد سنجر ولقب بألقاب ابيه ونثر على الخطيب الدراهم والدنانير فلما كان يوم السبت رابع عشر صفر اخرج الخليفة السرادق والاعلام، فلما كان صبيحة الإثنين سادس عشر صفر بعث إلى سليمان فأحضر باب الحجرة وخلع عليه وتوج وسور واحلف على ما ذكر ايماناً كثيرة وقرر بأن العراق للخليفة ولا يكون لسليمان الا ما فتحه من بلاد خراسان واعطي الفرس والمركب واسرج له الزبزب وركب في الماء وكان الناس في السميريات يتفرجون حتى تعذرت السفن، وبعث الخليفة إليه عشرين ألف دينار ومائتي كر وخلع على الامراء الذين معه ثم رحل وضرب في النهروان وتبعه العساكر وبعث إلى الخليفة: ما ارحل حتى اراك فيقوى قلبي، فخرج الخليفة في غرة ربيع الأول فرحل معه منازل وهو يتقدم إلى ان وصلوا حلوان ونفذ معه العسكر وعاد.
وفي ربيع الآخرة خلي سبيل أبي البدر ابن الوزير من القلعة، وكان بين أخذه واطلاقه ثلاث سنين وأربعة أشهر، وخرج أخوه والموكب فاستقبلوه، وكان يوماً مشهوداً. وفي سلخ ربيع الآخر: كثر الحريق ببغداد ودام أياما فوقع بدرب فراشا ودرب الدواب ودرب اللبان وخرابة ابن جردة والظفرية والخاتونية ودار الخلافة وباب الازج وسوق السلطان وغير ذلك.
وفي رجب: خرج الخليفة إلى ناحية الدجيل، وكان قد تولى حفره ابن جعفر صاحب الديوان ثم رجع وعاد فخرج فأبصر الانبار وسار في اسواقها ودروبها ثم رجع وعاد متصيد اً.
وجاءت الأخبار بان ملكشاه ابن اخي سليمان شاه قد انضاف اليه وانهم اتصلوا بألدكز وتحالفوا فلما سمع بذلك محمد شاه سار اليهم وضرب معهم مصافا فانهزموا بين يديه وتشتت العسكر ووصل من عسكر الخليفة إلى بغداد نحو خمسين فارساً بعد أن كانوا ثلاثة آلاف ولم يقتل منهم احد انما اخذت خيولهم واموالهم وتشتتوا وجاءوا عراة، وجاء الخبر أن سليمان شاه انفصل عن ألدكز وجاء يقصد بغداد على طريق الموصل وكان عاجزاً عن حسن التدبير فهان في عيون اهل الاطراف فخرج علي كوجك امير الموصل فقبض عليه ورقاه إلى القلعة في رمضان هذه السنة وبعث إلى محمد شاه يقول له قد قبضت عليه فتعال تسلمه وان اردت ان تقصد بغداد فأنا الحق بك، فسار محمد شاه يقصد بغداد فوصل إلى ناحية بعقوبا وبعث إلى علي كوجك فتأخر عنه، وانزعجت بغداد واحضرت العساكر وخرج الوزير يستعرض العسكر وذلك في مستهل ذي الحجة فلما اقبل محمد شاه إلى بغداد اضطربت عساكر العراق على الخليفة فعصى بدر بن المظفر صاحب البطيحة وارغش صاحب البصرة.
وفي رجب هذه السنة: اخرج الوزير شرف الدين الزينبي من داره وقلع من قبره فحمل إلى الحربية في الماء ليلا بعد أن احضر الوعاظ فتكلموا قبل قلعه من داره من أول الليل، وعبرت معه الاضراء الكثيرة والخلق الكثير.
واتفق أن رجلا يقال له أبو بكر الموصلي قص ظفره فحاف عليه فخبثت يده ومات.
ذكر من توفي في هذه السنة مق الأكابر.
رشيد الخادم كان صاحب أصبهان . توفي في هذه السنة.
سلمان بن مسعود بن الحسين بن حامد، أبو محمد القصاب الشحام ولد سنة سبع وسبعين وسمع ثابتاً، وابن الطيوري، ويحيى بن منده، وغيرهم، وكان سماعه صحيحاً، وكان من أهل السنة، قرأت عليه كثيراً من حديثه. وتوفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
علي بن الحسين، أبو الحسن الغزنوي قدم بغداد في سنة ست عشرة فسمع الحديث على مشايخنا وكان يعظ وكان مليح الايراد لطيف الحركات فأمرت خاتون زوجة المستظهر فبني له رباط بباب الازج ووقفت عليه الوقوف وصار له جاه عظيم تميل الأعاجم اليه وكان السلطان يأتيه فيزوره وكثر زبون مجلسه بأسباب منها طلب جاهه وكثرة المحتشمين عنده والقراء واستعبد كثيراً من العلماء والفقراء بنواله وعطائه وكان محفوظه قليلاً فكان يردد ما يحفظه.
وحدثني جماعة من الفقراء انه كان يعين لهم ما يقرأون بين يديه ويتحفط الكلام عليه. سمعته يوماً يقول في مجلس وعظه: الحكمة في المعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى ما في الجنة والنار ليكون يوم القيامة على سكون لا انزعاج فيه فلا يزعجه ما يرى لتقدم الرؤية، ولهذا المعنى قلبت العصا حية يوم التكليم لئلا ينزعج موسى عند القائها بين يدي فرعون.
وسمعته يقول: حزمة حزن خير من أعدال أعمال. وأنشدنا:


كم حسرة لي في الحشا ... من ولد اذا نشا
وكم اردت رشده ... فما نشا كما أشا
وأنشدنا:
يحسدني قومي على صنعتي ... لأنني في صنعتي فارس
سهرت في ليلي واستنعسوا ... هل يستوي الساهر والناعس
وكان يميل إلى التشيع ويدل بمحبة الأعاجم فلا يعظم بيت الخلافة كما ينبغي فسمعته يقول تتولانا وتغفل عنا، وأنشد:
فما تصنع بالسيف ... اذا لم تك قتالا
فغير حليه السيف ... وضعه لك خلخالا
ثم قال: تولي اليهود فيسبون نبيك يوم السبت ويجلسون عن يمينك يوم الاحد وصاح: اللهم هل بلغت فكانت هذه الاشياء تبلغ فتثبت في القلوب حتى انه منع من الوعظ فقدم السلطان مسعود فاستدعاه فجلس بجامع السلطان فحدثني ابن البغداي الفقيه انه لما جلس يومئذ حضر السلطان فقال له يا سلطان العالم محمد بن عبد الله أمرني ان اجلس ومحمد أبو عبد الله منعني أن أجلس يعني المقتفي وكان اذا نبغ واعظ سعى في قطع مجلسه. ولما مال الناس إلى ابن العبادي قل زبونه فكان يبالغ في ذمه فقام بعض اذكياء بغداد في مجلس العبادي فأنشده:
لله قطب الدين من واعظ ... طب بأدواء الورى آس
مذ ظهرت حجته في الورى ... قام بها البرهان في الناس
وأراد ابن الغزنوي قد قام للناس، لأنه كان يلقب بالبرهان وهذا من عجيب ذكاء البغداديين فلما مات السلطان مسعود تتبع الغزنوي واذل لما كان تقدم من انبساطه وكان معه قرية اصلها للمارستان فأخذت وطولب بنمائها بين يدي الحاكم وحبس ثم سئل فيه فاطلق، ومنع من الوعظ. وحدثني عبد الله بن نصر البيع قال اخذت من الغزنوي القرية التي كانت وقفت عليه فاستدعاني وسألني أن أقول لابن طلحة صاحب المخزن ان يسأل فيه وقال:هذه القرية اشترتها خاتون من الخليفة والذي وقع عليه الشهادة صاحب المخزن فهو اعرف الخلق بالحال قال فجئت فأخبرته فقال انا رجل منقطع عن الاشغال وكان قد تزهد وترك العمل فعدت إليه فأخبرته فقال لا بد من انعامه في هذا فكتب صاحب المخزن إلى المقتفي هذا رجل قد اوى إلى بلدكم وهو منسوب إلى العلم فقال المقتفي أولا يرضى أن يحقن دمه؟ وما زال الغزنوي يلقى الذل بعد العز الوافي فحدثني أبو بكر بن الحصري قال سمعته يقول: من الناس من الموت أحب إليه من الحياة، وعنى نفسه وكان لا يحتمل الذل، فمرض فحكى الطبيب الداخل عليه أنه قد ألقى كبده، وكان مرضه في محرم هذه السنة فبلغني أنه كان يعرق في مرضه ويفيق، فيقول: رضا وتسليم. وتوفي ليلة الخميس سابع عشرين المحرم وصلي عليه في رباطه ودفن بمقبرة الخيزران إلى جانب أبي سعيد السيرافي.
المظفر بن حماد بن أبي الخير، صاحب البطيحة فتك به يعيش بن فضل بن أبي الخير من أصاغرهم في الحمام ومعه اثنان من اهله وولى ابنه مكانه.
يحيى بن عبد الباقي، أبو بكر، الغزال سَمِعَ وسُمِعَ وتوفي في شوال هذه السنة ودفن في مقبرة يقال لها العطافية وقف ابن عطاف التاجر وهو أول من دفن فيها.
ثم دخلت
سنة اثنتين وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه لما قرب محمد شاه من بغداد وكان قد طلب ان يخطب له فلم يقبل عرض الخليفه العسكر وبعث إلى الامراء فأقبل خطلبرس من واسط وعصى ارغش صاحب البصرة وأخذ واسط ورحل مهلهل إلى الحلة فأخذها بنو عوف وضرب الخليفة سرادقه تحت دار يرنقش ثم نزعه وجمع جميع السفن التي ببغداد تحت التاج ونودي في سادس عشر المحرم أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي فأجفل الناس وأهل السواد ونقلت أموال الناس إلى دار الخلافة وعبر محمد شاه فوق حربي ونهب أوانا واتصل به علي كوجك واتفقا وضرب محمد شاه بالرملة فقطع الجسر وجيء به إلى تحت التاج ولبس الناس السلاح فأخرج الخليفة سبعة ألاف جوشن ففرقها ونصبت المجانيق والعرادات وأقام أربعين شقاقا يعملون الخشب لعمل التراس والمجانيق والعرادات فكانت مائتين وسبعين دراعة ومنجنيق في كل دراعة أربعون رجلاً، وكان يخرج كل يوم من الخزانة أكثر من مائة كر.


وأذن للوعاظ في الجلوس بعد منعهم من ذلك مدة سنة وخمسة أشهر وكان ذلك في ليلة السبت ثامن عشر المحرم فلما كان يوم الإثنين ركب عسكر محمد شاه وعلي كوجك وجاءوا في نحو ثلاثين ألف مجفجف فوقفوا عند الرقة ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج وصعد الناس إليهم من السفن، وكان صلاح الدين، رجل من أصحاب السلطان، قد بنى خاناً عند الرقة أنفق عليه ألوف دنانير وجعله للسابلة فكان هؤلاء القوم يعتصمون به وبحائط الرقة فأمر أمير المؤمنين بنقض ذلك وكان أمير المؤمنين أمر صبيان بغداد يعبرون إليهم بالمقاليع وزراقات النار فيردون العسكر الكثير ويتلقون النشاب بميازر صوف وكان القتال تحت قمرية وقصر عيسى وضرب الصبيان يوماً أميراً منهم بقارورة نفط فرمت به الفرس فقتلوه وقعد القوم له في العزاء ونهب عسكر القوم بالجانب الغربي وأخرجوا مائتين وسبعين دولاباً وركب يوم الإثنين عسكر الخليفة ومضوا بكرة إلى ناحية الدار المعزية ومعهم العرادات وأقواس الجرح يقاتلون والنشاب يقع عليهم مثل المطر.
فلما كان يوم السبت ثالث صفر جاء عسكر الأعداء في جمع عظيم فانتشروا على دجلة وخرج عسكر الخليفة في السفن واتصلت الحملات وانقطعت صلاة الجمعة من الجانب الغربي ووصلت الأخبار بمجيء سفن إليهم من الحلة وأنهم قد أداروها إلى الصراة وجاءتهم سفن من واسط فأقامت في المدئن ووصل لهم من الموصل كلك عليه دقيق وسكر وعسل وسمن ونعل للخيل وغير ذلك فأخذه أصحاب الخليفة فركبوا بأجمعهم وانتشروا من الرملة إلى تحت الرقة وضربوا الدبادب والبوقات وكانت الريح شديدة تمنع السفن أن تصعد فرمى صبيان بغداد نفوسهم في الماء وسبحوا فصعد منهم نحو خمسين بأيديهم السيوف والمقاليع والنشاب وسكنت الريح فركبت المقاتلة في السفن تمنع من الصبيان وكان يوماً مشهوداً.
وفي يوم الجمعة سادس عشر صفر: وصلت سفن القوم إلى الدور فخرجت سفن أهل بغداد فمنعتها من الإصعاد وجرى قتال عظيم ووقع النفير ببغداد ولم يصل الجمعة إلا قليل ونودي من الديوان بحمل السلاح فلبس العوام والتجار والرؤساء ثياب الحرب وكان المحتسب كل يوم يجوز والسلاح بين يديه وعلم الحاج بالحال.
فجاء الخبر أن الحاج بالحلة على حملة السلامة والعافية وإن أمير الحاج قيماز أخذ، امرأة الوزير ابن هبيرة فكانت مع الحاج، فدخل البرية مع بني خفاجة وجاء الحاج فعبروا إلى بغداد.
فلما كان يوم الإثنين سادس عشر صفر وصل ركابي من همذان يخبر بدخول ملكشاه شاه همذان وكبس بيوت المخالفين ونهبها فخلع على الركابي وضربت بين يديه الدبادب وجاء رسول آخر فأخبره بذلك فلما كانت عشية الجمعة سلخ صفر عبر منهم في السفن نحو ألف فارس فقصدوا تحت الزاهر ليدخلوا دار السلطان فنزل منكو برس الشحنة وأصحابه فضرب عليهم فقتل منهم جماعة ورمى الباقون أنفسهم في الماء واتصل القتال عند عقد السلطان ودار العميد في دجلة وغير ذلك من الأماكن وخرج بعض الأيام إلى الأتراك من الخزانة خمسة وعشرون ألف نشابة ومائتان وستون كرا وكان جميع ذلك من خزانة الخليفة ولم يكلف أحداً شيئاً ولا استقرض، من ذوي المال. وحكى زجاج الخاص أنه عمل في هذه النوبة ثمانية عشرألف قارورة للنفط سوى ما كان عندهم من بقايا نوبة تكريت، وفي يوم الأربعاء خامس ربيع الأول فتح باب السور مما يلي سوق السلطان وباب الظفرية وخرجت الخيالة والرجالة وخرج منكوبرس وقيماز السلطاني ووقع القتال فحملوا اثنتي عشرة مرة ونصب الأعداء عرادة على دار السلاركرد فرماها المنجنيق الذي تحت دار الشحنة فكسرها وتعذر على أهل بغداد الشوك والتبن والعلف فبيع الشوك كل باقة بحبة ورأس غنم بسبعة دنانير وسد الخليفة الجسر فبقي منه زورقان وكان يحفظ.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشرربيع الأول وصل الخبر بأنهم قد عبروا الرحل والحمال من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي ووصل قوم من طريق خراسان وأخبروا بأن الشحنة الذي عندهم جاء إليهم مهزوماً وأخبر بأن عسكراً من طريق همذان يخبر بأن ملكشاه وصل إلى همذان وصحبته ابن امرأة ألدكز.
فلما كان يوم الخميس العشرين من ربيع الأول جاءوا بالسلاليم التي عملوها وكانت أربعمائة سلم طوال ليضعوها على السور فلم يقدروا.


فلما كان يرم الجمعة حادي عشرين ربيع الأول لم يجر إِلا قتال يسير، وهذه الجمعة هي الجمعة الثالثهَ من الجمع التي لم يصل فيها الجمعة ببغداد غير جامع القصر وعطل باقي الجوامع واحتوى العسكر على الجانبين ووصل رسول من ألدكز يخبر بدخول ملكشاه همذان فأخذ نساء المخالفين وأولادهم فخلع عليه ونفذ علي كوجك جماعة فوقفوا على قمرية يصيحون إلى منكوبرس الشحنة نفذ رسولاً نودعه رسالة إلى أَمير المؤمنين فاستؤذن في ذلك فأذن فنفذ الوزير بصاحبه.
وقيل: أن نور الدين بن زنكي بعث إلى علي كوجك وقال له: نمضي وترمي نفسك بين يدي أمير المؤمنين حتى يرضى ووصلت في هذا اليوم امرأة سليمان شاه بنت خوارزم شاه وكانت قد اصطلحت بين ملكشاه وبين الأمراء جميعهم في همذان وجاءت على التجريد في زي الحاج الصوفية إلى الموصل وعليها مرقعة وفي رجليها طرسوس ومعها ركابي في زي المكدين ثم جاءت حتى صارت في عسكر محمد شاه وكوجك ثم جاءت ليلة السبت فوقفت تحت الرقة وصاحت بملاح وقالت له صح لي بقائد من قواد أمير المؤمنين يعبر فعرفته الوزير فنفذ إليها حاجباً فعرفته نفسها فعبر بها فدخلت على الوزير فقام لها قياماً تاماً وعرف الخليفة وصولها فأفرد لها داراً حسنة وحمل إليها مايصلح وأحضرت الركابي فأخرج الكتب وفيها أن ملكشاه دخل همذان ونقض الكشك وكبس بيوت المخالفين ونقض دورهم.
وفي يوم الإثنين رابع عشرين ربيع الأول: فقد من حبس الجرائم خمسة من الكبار منهم ابن سمكة ومقتص الخادم فتصبحوا في مفتح باب النوبي فوجدوهم في الدروب وأبواب المساجد فأخذوهم.
فلما كان يوم الثلاثاء خامس عشرين الشهر نادى الحراس في الحروب والأسواق من أراد الجهاد فليلبس السلاح ويقصد السور فخرج الخلق وجاء العدو ومعهم السلاليم والمعاول والزبل لسد الخندق وخرج الناس واقتتلوا فلما كان يوم الخميس سابع عشرين ربيع الأول نادوا في عسكرهم لا يتأخرن أحد عن الحرب وعبر العسكر الذي بالجانب الغربي وجاءوا بأجمعهم وافترقوا فبعضهم في عقد الظفرية وبعضهم في عقد سوق السلطان وفتحت الأبواب ووقع القتال إلى المغرب فلما كان يوم السبت تاسع عشرين هذا الشهر نادوا اليوم يوم الحرب العظيم فلا يتأخرن أحد فخرج الناس فلم يجر قتال وكان المنجمون قد حكموا فيه بأمرعظيم يلحق الناس من القتل وغيره فبان كذبهم فلم يجر شيء.
وجاء تركي فكلم بعض أتراك الخليفة فقال له صاحب الخليفة نحن على انتظاركم فاليوم الوعد فما حبسكم؟ فقال له: قد عولوا على عمل غرائر وازقاق قد عملوا بعضها وحشوها حصى ورملاً ليسدوا الخندق، وعملوا سلاليم طوالاً عراضاً فقال له، التركي: قد فتحنا لكم الأبواب لما علمنا بمجيئكم وإن أعوزكم سلاليم أعرناكم ثم إذا فتحت الأبواب فقد استغنيتم عن السلاليم، فقال قد عولوا على يوم الأربعاء فقال له هل وصلكم خبر همذان؟ قال نعم فكيف قلوبكم قال ما هي طيبة قلوبنا إلى أهلنا وكوجك خائف فما يعبر إلينا وقد تحيروا واختلفوا ثم ودعه وانصرف وجاء من أصحابهم قوم فاستأمنوا فسئلوا عن حالهم، فقال: قد رحل كثيرمنهم كل قوم إلى جهة وكان الضعفاء يعبرون فيجلبون علفاً وحطباً فيبيعونه ويعيشون بثمنه وربما حشوا فيه اللحم والتفاح والخضرة ففطنوا بهم فمنعوهم.
وفي ليلة الجمعة سادس ربيع الأخر: قبض على اليزدي الفقيه وحبس في حبس الجرائم وسببه أنه عزم على الانتقال إلى ذلك العسكر فكتب إليهم كتاباً وقال إذا قرأتم كتابي فخرقوه وبعثه مع فقيه فحمله إلى الوزير فأحضره فأقر وقال الحاجة حملتني على هذا فحبس وأخذ منه السجل الذي كان معه بالتدريس في المدرسة ثم أطلق في ربيع الآخر.
فلما كان يوم السبت سابع ربيع الآخر عبر الضعفاء الذين كانوا يجلبون الحطب والعلف على عادتهم فحسرهم كوجك وجمع منهم جماعة وتقدم بقطع آذانهم وخرم آنافهم ففعل بهم ذلك فعادوا ودماؤهم تسيل فجاؤا يستغيثون تحت التاج فتقدم الخليفة بمداواتهم وقسم فيهم مالاً.


وبعث محمد شاه إلى كوجك يقول له أنت وعدتني بأخذ بغداد فبغداد ما حصلت وخرجت من يدي همذان وأخذ مالي بها وخربت بيوت أصحابي وأنا معول على المضي، فقال له متى رحلت بغير بلوغ غرض كنت سبب قلع بيت السلجوقية إلى يوم القيامة ثم لا يقصدونك أيضاً ولكن إصبر حتى نمد الجسر ونعبر ونجمع موضعاً واحداً ونرمي هذه الغرائر في الخندق وننصب السلاليم ونحمل حملة واحدة فنأخذ البلد ثم ما زالوا يتسللون وضاقت بهم الميرة وهلك منهم خلق كثير وبعثوا ابن الخجندي فوقف عند قمرية وقال: ابعثوا إلينا يوسف الدمشقي فجاء يوسف فقال: ما لكم عندنا جواب قبل اليوم إلا السيف فكيف اليوم وقد قتلتم وأحرقتم وأفسدتم؟ ثم استأمن خلق كثير منهم فأخبروا أن القوم على الرحيل.
ووصل في عشية يوم الثلاثاء سابع عشر هذا الشهر ثلاثة من الركابية فأخبروا أن ملكشاه قد أخذ أربعة آلاف بختية نفذ بها محمد شاه إلى همذان وخبروا بهزيمة اينانج وبأموال كثيرة أخذت من همذان من المخالفين ودار إلى عسكر الخليفة جماعة من أمراء القوم وفرسانهم وهلك من أمرائهم جماعة وجاء كتاب من ملكشاه يذكر فيه أنه اجتمع بالأمراء ألدكز وجميع العساكر وبعثنا إلى إينانج فلم يحضر فقصدناه فانهزم وجاء إلينا أكثر عسكره وقد نفذنا إلى الأمراء الذين مع محمد شاه من أهل همذان نقول لهم متى تأخرتم عن الحضور إلى عشرين يوماً خربنا بيوتكم وأخذنا أموالكم وأولادكم ونساءكم، وقد وصل إلينا منهم عالم عظيم وقد نفذنا أميراً معه ثلاثة آلاف فارس إلى كرمانشاهان ونحن منتظرون الأمر الشريف فإن أذن لنا في المصير إلى بغداد جئنا وإن رسم لنا بالمضي إلى الموصل مضينا.
وفي يوم الجمعة العشرين من ربيع الآخر: جرى قتال على قمرية وهذه الجمعة هي السابعة التي تعطلت فيها جوامع بغداد فلم يصل إلا في جامع القصر وحده وفي ليلة السبت: خرج رجل من العيارين يقال له أبو الحسين العيار فأخذ معه جماعة من الرجالة والشطار ونزل من السور وكبس طوالع العسكر ومنهم قوم نيام وانتهبهم ووقعت الصيحة فانهزموا وعاد الرجالة إلى الباب.
ووقع الاستشعار بين محمد شاه وكوجك فخاف كل واحد منهما من صاحبه فقال محمد قد أخذت بلادي وأقطعت وأنت أشرت علي بالمجيء إلى بغداد. فلما علم إنه قد تغيرت له نيته قال له إن لم أفتح لك البلد في ثلاثة أيام فما أنا كوجك وأعبر يوم الإثنين وفي بكرة يوم الثلاثاء فقاتل وقد قررت مع أصحابي أن يقاتلوا قتال الموت، أي شيء بغداد عندنا؟ فاتفقا على ذلك ونصبوا الجسر وعبر أكثر العساكر وقال له تعبر أنت اليوم وأعبر أنا غداً.
فلما كان يوم الإثنين ثالث عشرين ربيع الآخر عبر محمد شاه وأصحابه إلى عشية وتخلف منهم ثلثمائة غلام فلما كان العشاء قطع كوجك الجسر وقلع الخيم وبعث رحله وخيمه وماله طول الليل فأصبح الناس وما بقي من خيمة شيء وضرب النار في زوارق الجسر وفيما بقي من تبن وشعير وحطب وضرب على خزانة السلطان والوزير ورحل وبقي محمد شاه وأصحابه بقية يوم الثلاثاء ثم قلع الخيم وذهب هو وعسكره ومنع الخليفة عسكره من أن يتبعوه وضربت الرجالة إلى دار السلطان فنهبوها وكان فيها أموال كثيرة ونهبوا الأبواب، والأخشاب وأخفذا الأطيار والغزلان والعسكر يرونهم فإذا طردوهم عادوا ورأى رجل من التجار حملاً فيه سكر في سوق المدرسة وكان قد نهب من دار السلطان فقال: لي هذا، قالوا من يشهد لك؟ قال في وسطه مائة دينار إلا ديناراً، فنظروا فإذا هو كما قال فسلموه إليه فأخذ الذهب وأعطاهم السكر ونهبت دار خاصبك فنودي برد ما أخذ من الدار فحمل إلى ديوان الأبنية وكان الناس قد تطرقوا يوم النهب إلى محلة أبي حنيفة وكان ثم أموال للتجار وعزموا على السفر فآووا أموالهم إلى ثم فنهبت وأما أصحاب محمد شاه فإنهم نهبوا بعقوبا وأعمالها. وجمع الخليفة الأمراء الذين كان يستشعر منهم فخلع عليهم وأعطاهم الأموال وقال تمضون إلى همذان فتكونون مع ملكشاه وخرج الناس يلعبون في نهر عيسى وغيره بأنواع اللعب والمضحكات فرحاً بالسلامة وكان العظامية والقرع والصبيان الذين كانوا يقاتلون في تلك الأيام قد اتخذوا زرديات من بعر الغنم وسلاحاً من الفارسي وأخرجوا طبلاً وبوقاً ونصبوا خشباً وصلبوا جماعة تحت آباطهم يلعبون ويضحكون ما كان كل سبت وخرج الناس يتفرجون ويضحكون عليهم.


فلما كان يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى ركب الخليفة في الماء إلى تحت دار تتر ثم ركب وسار يفتقد السور من أوله إلى آخره وعاد من دجلة يفتقده ثم عبر إلى الجانب الغربي فنظر آثار الخراب وما أحرق من الدور ثم عاد إلى منزله مسروراً وأطلق للفقراء مالاً كثيراً.
وحدث في هذه السنة بالناس أمراض شديدة لأجل ما مر بهم من الشدائد وكثر المطر والرعد والبرق وبرد الزمان كأنه الشتاء والناس في أيار، وفشا الموت في الصغار بالجدري، وفي الكبار بالأمراض الحادة، وغلت الأسعار، وبيعت الدجاجة بنصف دانق، والتبن خمسة أرطال بحبة وتعذر اللحم.
فلما كان خامس عشرين جمادى الآخرة وصل الخبر بوفاة سنجر فقطعت خطبته.
وفي سابع عشر رجب: خرج الخليفة فنزل بأوانا وقصد فم الدجيل وكان الحفر فيه ثم عاد وقصد نهر الملك ورحل يقصد البطائح يطلب ابن أبي الخير فهرب فعاد الخليفة إلى بغداد.
وفي شعبان: استأذن الخليفة ابن جعفر صاحب مخزن الإمام المقتفي أن أجلس في داره فأذن له فكنت أعظ فيها كل جمعة.
وفي شعبان: خرج الخليفة إلى الصيد فأقام عشرة أيام.
وكانت وقعة عظيمة بين محمود بن زنكي وبين الإفرنج وفتح عسكر مصر غزة واستعادوها من الإفرنج ووصل رسول محمود بتحف وهدايا ورؤس الإفرنج وسلاحهم وأتراسهم.
ووصل الخبر في رمضان: بزلازل كانت بالشام عظيمة في رجب تهدمت منها ئلاثة عشر بلداً ثمانية من بلاد الإسلام وخمسة من بلاد الكفر أما بلاد الإسلام فحلب وحماة وشيزر وكفر طاب وفامية وحمص والمعرة وتل حران وأما بلاد الإفرنج فحصن الأكراد وعرقه واللاذفية وطرابلس وأنطاكية، فأما حلب فأهلك منها مائة نفس وأما حماة فهلكت جميعها إلا اليسير وأما شيزرفما سلم منها إلا امرأة وخالها وهلك جميع من فيها وأما كفرطاب فما سلم منها أحد وأما فامية فهلكت وساخت قلعتها وأما حمص فهلك منها عالم عظيم وأما المعرة فهلك بعضها وأما تل حران فإنه انقسم نصفين وظهر من وسطه نواويس وبيوت كثيرة وأما حصن الأكراد وعرقة فهلكتا جميعاً وهلكت اللاذفية فسلم منها نفر ونبع فيها جوبة فيها حمأة وفي وسطها صنم واقف، وأما طرابلس فهلك أكثرها، وأما أنطاكية فسلم بعضها.
وفي هذه السنة: اغترم الوزير ابن هبيرة مالاً يقارب ثلائة آلاف دينار على طبق الإفطار طول رمضان وحضرة الأماثل وكان طبقاً جميلاً يزيد على ما كان قبله من أطباق الوزراء، وخلع على المفطرين الخلع السنية.
وفي شوال قدم ابن الخجندي الفقيه والعاملي الحنفي صاحب التعليقة فتلقاهما الموكب وقبلا العتبة وحضرا مجلسي في دار صاحب المخزن. وقدم أبو الوقت فروى لنا صحيح البخاري عن الداودي فألحق الصغار بالكبار.
وفيها: أعيدت نقابة الطالبيين إلى الطاهر أبي عبدالله بن عبيدالله وقد كانت جعلت في ولده أبي الغنائم لأنه كان قد مرض مرضاً أشرف منه على التلف ولم يشك الناس في هلاكه وحدثني بعد أن عوفي ما يدل أن شخصاً أطعمه فعزل في حالة المرض فلما عوفي أعيد.؟؟؟
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عمر بن محمد بن اسماعيل، أبوالليث النسفي من أهل سمرقند سمع الحديث وتفقه ووعظ وكان حسن السمت وحج وعاد إلى بغداد فأقام بها نحو ثلاثة أشهرثم ودع وخرج إلى بلده، وكان ينشد وقت الوداع:
يا عالم الغيب والشهادة ... مني بتوحيدك الشهاده
أسأل في غربتي وكربي ... منك وفاة على الشهاده
فلما وصل إلى قومس خرج جماعة من أهل القلاع وقطعوا الطريق على القافلة وقتلوا مقتلة عظيمة من العلماء والمعروفين فضربوه ثلاث ضربات فمات.
أحمد بن بختيار بن علي بن محمد، أبو العباس الماندائي الواسطي ولي القضاء بها مدة وكان فقيهاً فاضلاً له معرفة تامة بالأدب واللغة ويد باسطة في كتب السجلات والكتب الحكمية سمع أبا القاسم بن بيان، وأبا علي بن نبهان، وغيرهما، وكان يسمع معنا على شيخنا ابن ناصر، وصنف كتاب القضاة، وتاريخ البطائح توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة وصلي عليه في النظامية ودفن بمقبرة باب أبرز.
سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان، أبو الحارث، واسمه أحمد


ولد بسنجار في بلاد الجزيرة في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة حين توجه أبه ملكشاه إلى غزو الروم ونشأ ببلاد الخزر وسكن خراسان واستوطن مرو وكان قد دخل إلى بغداد مع أخيه السلطان محمد علي أمير المؤمنين المستظهر بالله فحكى هو قال لما وقفنا بين يديه ظن أني أنا السلطان فافتتح كلامه معي فخدمت وقلت يا مولانا السلطان هو أشرت إلى أخي ففوض إليه السلطنة وجعلني ولي العهد بعده بلفظه فلما توفي السلطان محمد لقب سنجر بالسلطان واستقام أمره متراقياً وكان أمره عالياً وكان مهيباً كريماً رفيقاً بالرعية حليماً عنهم وكانت البلاد آمنة في زمانه فجلس على سرير الملك إحدى وأربعين سنة وكان قبلها في ملك وسلطنة نحواً من عشرين سنة ولم يملك أحد من الخلفاء والسلاطين هذه المدة فإنها تقارب الستين سنة وخطب له على أكثر منابر الإسلام وروى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولحقه طرش واتفق أنه حارب الغز فأسروه ثم تخلص بعد مدة وجمع إليه أصحابه بمرو وكاد يعود إليه ملكه.
فتوفي يوم الإثنين وقت العصر الرابع والعشرين من ربيع الأول من هذه السنة ودفن في قبة بناها لنفسه وسماها دار الآخرة ولما بلغ خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته ولم يجلس له في العزاء فجلست امرأة سليمان للعزاء فعزاها الخليفة وأقامها.
علي بن صدقة، أبو القاسم الوزير عزل فتوفي ذي ليلة الجمعة ثالث عشرين من جمادى الأولى من هذه السنة وصلي عليه في جامع القصر قبل صلاة الجمعة وقبر بمشهد باب التبن.
عيسى بن أيى جعفر بن المقتفي توفي ودفن في مشهد باب أبرز ، وما أمكن حمله إلى التراب لأجل الفتن.، أبو القاسم بن المستظهر بالله وكان أصغر أولاده سناً، توفي في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى من هذه السنة وحمل ضاحي نهار إلى الترب في الماء ومضى معه الوزير إلى مقصورة جامع السلطان فصلى بها الجمعة في الموضع الذي كان يصلي فيه السلطان وجلسوا للعزاء به في بيت النوية يومين ثم خرج توقيع فأقامهم من العزاء.
محمد بن عبيد الله بن نصر الزاغوني، أبو بكر ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة وسمع أبا القاسم ابن البسري وأبا نصر الزينبي وطراداً عاصماً والتميمي وخلقاً كثيراً وقرأت عليه كثيراً من مسموعاته.
وتوفي ليلة الإثنين ثالث عشرين ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت، أبو بكرالخجندي سمع آبا علي الحداد وغيره وتقدم عند السلاطين وكانوا يصدرون عن رأيه وقدم بغداد وولي تدريس النظامية وكان مليح المناظرة، قال المصنف رحمه الله حضرت مناظرته وهو يتكلم بكلمات معدودة مثل الدر ووعظ بجامع القصر وبالنظامية وما كان يندار في الوعظ وكان مهيباً وحوله السيوف وهو بالوزراء أشبه منه بالعلماء، خرج إلى أصبهان فنزل قرية فنام في عافية فاصبح ميتاً في شوال هذه السنة وحمل إلى أصبهان.
محمد بن المبارك بن محمد ابن الخل، أبو الحسن بن أبي البقاء ولد سنة خمس وسبعين، وسمع الحديث من ابن أيوب وابن الطيوري، وابن النظر، وثابت وابن السراج وغيرهم وتفقه على أبي بكر الشاشي، ودرس. وتوفي في محرم هذه السنة فدفن باللوزية. وتوفي أخوه أبو الحسين ابن الخل الشاعر في ذي القعدة من هذه السنة.
محمد بن يحيى بن محمد بن بدال، أبو الفضل، ابن النفيس روى لنا عن أبي الحسين بن الطيوري، وتوفي في هذه السنة.
نصر بن نصر بن علي بن يونس، أبوالمعمر العكبري، الواعظ سمع من أبي القاسم ابن البسري، وأبي الليث نصر بن الحارث الشاشي، وأبي محمد التميمي وغيرهم، وكان ظاهر الكياسة يعظ وعظ المشايخ ويتخيره الناس لعمل الأعزية. ولد في سنة ستين. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة وصلي عليه بالنظامية والتاجية ودفن بمقبرة باب أبرز.
وكان له ولد يكنى آبا محمد نشأ على طريقته، ولد سنة خمسمائة ومات سنة خمس وسبعين.
يحيى بن عيسى بن ادريس، أبو البركات الأنباري


قرأ القرآن على جماعة، وسمع الحديث على عبد الوهاب الأنماطي وغيره وقرأ النحو على الزبيدي وصحبه مدة وتفقه على القاضي الحراني ووعظ الناس وكان يبكي من حين صعوده على المنبر إلى حين نزوله وتعبد في زاويته نحو خمسين سنة وكان ورعاً حتى إنه عطش فجيء بماء من بعض دور الحكام فلم يشرب وكان لايفعل شيئاً إلا بنية وكان من أهل السنة الجياد، رزقه الله أولاداً صالحين فسماهم أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وكان أماراً بالمعروف ناهياً عن المنكر مستجاب الدعوة له كرامات ومنامات صالحة رأى في بعضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بعضها أحمد بن حنبل فقال المروذي يا أبا عبدالله هذا من أصحابنا. فقال: وهل يشك فيه؟ وكان هو وزوجته أم أولاده يصومان النهار ويقومان الليل ويحييان بين العشائين ولا يفطران إلا بعد العشاء، وختما أولادهما القرآن وأقرءا خلقاً من الرجال والنساء.
توفي يوم الإثنين رابع ذي القعدة من هذه السنة، فقالت زوجته: اللهم لا تحيني بعده، فماتت بعد خمسة عشر يوماً وكانت صالحة.
ثم دخلت
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في غرة ربيع الأول ختن ولد الخليفة وختن معه جماعة من أولاد الأمراء وأعدت الخلع والتحف ولم يبق أحد من أرباب الدولة إلا وحمل من التحف كثيراً وعمل سماطاً كبيراً للأمراء والأتراك في الصحراء مما يلي سور الظفرية.
وفيها: وقع الاتفاق بين محمد شاه وأخيه ملك شاه وأمده بعسكر ففتح خوزستان ودفع عنها شملة التركماني.
وفي ربيع الآخر: خرج أمير المؤمنين بقصد الأنبار وعبر الفرات وزار قبر الحسينى رضي الله عنه ومضى إلى واسط ودخل سوقها وعاد إلى بغداد ولم يخرج هذه النوبة الوزير لأنه كان مريضاً وأنفق في مرضه هذا نحو خمسة آلاف دينار بعضها للأطباء بعضها للصدقة وبعضها في قضاء ديون أهل الحبوس وغيرهم وخلع على ابن التلميذ لما عوفي ثياباً كثيرة وأعطاه دنانير وبغلة وبعث إليه الخليفة يتعرف أخباره ويستوحش فخرج فانحدر إلى المدائن لتلقي الخليفة وعاد معه ثم خرج الخليفة في رجب وأحضر قويدان وخلع عليه وأضاف إليه عسكراً كثيراً ونفذ به إلى بلاد البقش وأقطعه البلاد والقلاع ثم وصل الخبر بأن قويدان قد إنضاف إلى سنقر الهمذاني واتفق معه فبعث الخليفة مملوكاً يقال له قيماز العمادي في جماعة يطلبونهما فهربا ثم انضافا إلى ملكشاه فأدركهم الجوع والوفر فهلك أكثرهم ثم خرج الخليفة في شعبان فبات في داره بالحريم الطاهري ثم سار إلى دجيل فأقام بها أياماً ثم عاد إلى بغداد وخرج يوم العيد الموكب بتجمل وزي لم ير مثله من الخيل والتجافيف والأعلام وكثرة الجند والأمراء.
وفي يوم الجمعة العشرين من شوال: وقع ببغداد مطر كان فيه برد مثل البيض وأكبر على صورمختلفة وفيه برد مضرس ودام ساعة وكسر أشياء كثيرة.
وفيها: غرق رجل بنتاً له صغيرة، فأخذ وحبس.
قال المصنف: وحججت في هذه السنة فتكلمت في الحرم نوبتين، فلما دخلنا المدينة وزرنا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لنا: إن العرب قد قعدوا على الطريق يرصدون الحاج، فحملنا الدليل على طريق خيبر فرأيت فيها العجائب من الجبال وغيرها.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر، أبو اسحاق بن المستظهر
أخو المقتفي لأمر الله توفي في نصف محرم وحمل إلى الترب بالرصافة ومضى معه الوزير وأرباب الدولة واغتم عليه المقتفي غماً كثيراً وجلسوا للعزاء به في بيت النوبة يومين وخرج التوقيع بإقامتهم من العزاء ثم ماتت بعد يومين أمه وهي جهة من جهات المستظهر وحملت إلى الترب ومضى معها الموكب سوى الوزير ودفنت عنده في التربة الجديدة التي انشأها المقتفي.
عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد، الأصفهاني، أبومسعود الحافظ كان واحد بلدته حفظاً وعلماً ونفعاً وصحة عقيدة. وتوفي بها في شعبان هذه السنة.
عبد الأول بن عيسى، أبو الوقت أبو عبد الله، السجزي عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق، أبو الوقت أبو عبد الله السجزي الأصل الهروي المنشأ.


ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، وسمع أبا الحسن الداوودي وأبا إسماعيل الأنصاري وأبا عاصم الفضيلي وغيرهم حمله أبوه على عاتقه من هراة إلى فوسنج فسمعه صحيح البخاري ومسند الدارمي والمنتخب من مسند عبد بن حميد وحدثه عبدالله الأنصاري مدة وسافر إلى العراق وخوزستان والبصرة وقدم علينا بغداد فروى لنا هذه المذكورات وكان صبوراً على القراءة وكان شيخنا صالحاً على سمت السلف كثير الذكر والتعبد والتهجد والبكاء وعزم في هذه السنة على الحج فهيأ ما يحتاج إليه فمات. وحدثني أبوعبداللّه محمد بن الحسين التكريتي الصوفي قال أسندته إلي فمات فكان آخر كلمة قالها: يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. ومات.
نصر بن منصور، أبو القاسم الحراني نصر بن منصور بن الحسن بن أحمد بن عبد الخالق العطار، أبو القاسم الحراني: ولد بحران سنة أربع وثمانين فأوسع الله له في المال وكان يكثر فعل الخير ويتتبع الفقراء ويمشي بنفسه إليهم ويكسو العراة ويفك الأسراء كل ذلك من زكاة ماله وكان كثير التلاوة للقرآن محافظً على الجماعة وحدثني أبو محمد العكبري قال رأيت رسول الله في المنام فقلت: يا رسول الله أمسح بيدك عيني فإنها تؤلمني فقال إذهب إلى نصر ابن العطار يمسح عينك قال فقلت في نفسي أترك رسول الله وأمضي إلى رجل من أبناء الدنيا فعاودته القول يا رسول الله امسح عيني بيدك فقال لي أما سمعت الحديث إن الصدقة لتقع في يد الله وهذا نصر قد صافحته يد الحق فامض إليه قال فانتبهت فقصدته فلما رآني قام يتلقاني حافياً فقال الذي رأيته في المنام قد تقدم في حقك بشيء فقرأ على عيني الفاتحة والمعوذات فسكن الألم ووجدت العافية.
يحيى بن سلامة بن الحسين بن محمد، أبو الفضل الحصكفي ولد بطنزة بعد الستين وأربعممائة وهي بلدة من الجزيرة من ديار بكر ونشأ بحصن كيفا وانتقل إلى ميافارقين وهو إمام فاضل في علوم شتى وكان يفتي ويقول الشعر اللطيف والرسائل المعجبة المليحة الصناعة وكان ينسب إلى الغلو في التشيع. ورد بغداد وقرأ شيئاً من مقاماته وشعره على أبي زكريا التبريزي فكتب التبريزي على كتابه قرأ على ما يدخل الأذن بلا إذن.
كتب إلى أبي محمد الحسن بن سلامة يعزيه عن أبيه أبي نصر:
لما نعى الناعي أبا نصر ... سدت علي مطالع الصبر
وجرت دموع العين ساجمة ... منهلة كتتابع القطر
ولزمت قلباً َكاد يلفظه ... صدري لفرقة ذلك الصدر
ولى فأضحى العصر في عطل ... منه وكان قلادة العصر
حفروا له قبراً وماعلموا ... ما خلفوا في ذلك القبر
ما أفردوا في الترب وانصرفوا ... إلا فريد الناس والدهر
تطويه حفرته فينشره ... في كل وقت طيب النشر
يبديه لي حباً تذكره ... حتى أخاطبه ومام أدري
تباً لدار كلها غصص ... تأتي الوصال بنية الهجر
تنسى مرارتها حلاوتها ... وتكر بعد العرف بالنكر
وله:
جد ففي جدك الكمال ... والهزل مثل اسمه هزال
فما تنال المراد حتى ... يكون معكوس ماتنال
ومن أشعاره الرقيقة:
أقوت مغانيهم فأقوى الجلد ... ربعمان كل بعد سكن فدفد
أسأل عن قلبي وعن أحبابه ... ومنهم كل مقر يجحد
وهل تجيب أعظم بالية ... وارسم خالية من ينشسد
ليس بهما إلا بقايا مهجة ... وذاك إلا حجر أو وتد
كأنني بين الطلول واقف ... أندبهن الأشعثالمقلد
صاح الغراب فكما تحملوا ... مشى بها كأنه مقيد
يحجل في آثارهم بعدهم ... بادي السمات أبقع وأسود
لبئس ما اعتاضت وكانت قبلها ... يرتع فيها ظبيات خرد
ليت المطايا للنوى ما خلقت ... ولا حدا من الحداة أحد
رغاؤها وحدوهم ما اجتمعا ... للصب إلا ونحاه الكمد


تقاسموا يوم الوداع كبدي ... فليس لي منذ تولوا كبد
على الجفون رحلوا وفي الحشا ... تقيلوا ودمع عيني وردوا
فأدمعي مسفوحة وكبد ي ... مقروحة وعلتي ما تبرد
وصبوتي دائمة ومقلتي ... دامية ونومّها مشرد
تيمني منهم غزال أغيد ... يا حبذا ذاك الغزال الأغيد
حسامه مجرد وصرحه ... ممرد وخده مورد
وصدغه فوق احمرار خده ... مبلبل معقرب مجعد
كانما نكهته وريقه ... مسك وخمر والثنيا برد
يقعده عند القيام ردفه ... وفي الحشا منه المقيم المقعد
له قوام لقضيب بانة ... يهتز قصداً ليس فيه أود
أيقنت لما أن حدا الحادي بهم ... ولم أمت إن فؤادي جلمد
كنت على القرب كئيباً مغرماً ... صبا فما ظنك بي إذ بعدوا
هم الحياة أعرقوا أم أشأموا ... أم أيمنوا أم اتهموا أم أنجدوا
ليهنهم طيب الكري فإنه ... حظهم وحظ عيني السهد
نعم تولوا بالفؤاد والكرى ... فأين صبري بعدهم والجلد
لولا الضنا جحدت وجدي بهم ... لكن نحولي بالغرام يشهد
ليس على المتلف غرم عندهم ... ولا على القاتل عمداً قود
هل أنصفوا إذ حكموا أم أسعفوا ... من تيموا أم عطفوا فاقتصدوا
بل اصطفوا إذ حكموا وأتلفوا ... من هيموا وأخلفوا ما وعدوا
وسائل عن حب أهل البيت هل ... أقر إعلاناً به أم أجحد
هيهات ممزوج بلحمي ودمي ... حبهم وهو الهدى والرشد
حيدرة والحسنان بعده ... ثم علي وابنه محمد
جعفر الصادق وابن جعفر ... موسى ويتلوه علي السيد
أعني الرضا ثم ابنه محمد ... ثم علي وابنه المسدد
الحسن التالي ويتلو تلوه ... محمد بن الحسن المفتقد
فإنهم أئمتي وسادتي ... وإن لحاني معضر وفندوا
أئمة أكرم بهم أئمة ... أسماؤهم مسرودة تطرد
هم حجج الله على عباده ... وهم إليه منهج ومقصد
هم في النهار صوم لربهم ... وفي الدياجي ركع وسجد
قوم أتى في هل أتى مدحهم ... ما شك في ذلك إلا ملحد
قوم لهم فضل ومجد باذخ ... يعرفه المشرك ثم الملحد
قوم لهم في كل أرض مشهد ... لابل لهم في كل قلب مشهد
قوم منى والمشعران لهم ... والمروتان لهم والمسجد
قوم لهم مكة والأبطح والخيف وجمع والبقيع الغرقد
ما صدق الناس ولا تصدقوا ... ما نسكوا وأفطروا وعيدوا
لولا رسول الله وهو جدهم ... واحبذا الوالد ثم الولد
ومصرع الطف ولا أذكره ... ففي الحشا منه لهيب موقد
يرى الفرات ابن البتول طاميا ... يلقى الردى وابن الدعي يرد
حسبك يا هذا وحسب من بغى ... عليهم يوم المعاد الصمد
يا أهل بيت المصطفى يا عدتي ... ومن على حبهم اعتمد
أنتم إلى الله غداً وسيلتي ... وكيف أخشى وبكم أعتضد
وليكم في الخلد حي خالد ... والضد في نار لظى يخلد
ولست أهواكم ببغض غيركم ... إني إِذاً أشقى بكم لا أسعد
فلا يظن رافضي أنني ... وافقته أو خارجي مفسد
محمد والخلفاء بعده ... أفضل خلق الله فيما أجد


هم أسسوا قواعد الدين لنا ... وهم بنوا أركانه وشيدوا
ومن يخن أحمد في أصحابه ... فخصمه يوم المعاد أحمد
هذا اعتقادي فالزموه تفلحوا ... هذا طريقي فاسلكوه تهتدوا
والشافعي مذهبي مذهبه ... لأنه في قوله مؤيد
أتبعه في الأصل والفرع معاً ... فليتبعني الطالب المسترشد
إني بإذن الله ناج سابق ... إذا ونى الظالم والمقتصد
وله أيضاً:
حنت فأذكت لوعتي حنينا ... أشكو من البين وتشكو البينا
قد عاث في أشخاصها طول السرى ... بقدر ما عاث الفراق فينا
فخلها تمشي الهوينا طالما ... أضحت تباري الريح في البرينا
وكيف لا نأوي لها وهي التي ... بها قطعنا السهل والحزونا
ها قد وجدنا البر بحراً زاخراً ... فهل وجدنا غيرها سفينا
ان كن لا يفصحن بالشكوى لنا ... فهن بالارزام يشتكينا
قد أقرحت بماتئن كبدي ... إن الحزين يرحم الحزينا
مذ عذبت لها دموعي لم تبت ... هيما عطاشا وترى المعينا
وقد تياسرت بهن جائراً ... عن الحمى فاعدل بها يمينا
تحن أطلالاً عفا آياتها ... تعاقب الأيام والسنينا
يقول صحبي أترى آثارهم ... نعم ولكن لا نرى القطينا
لو لم تجد ربوعهم كوجدنا ... للبين لم تبل كما بلينا
ما قدرالحي على سفك دمي ... لو لم تكن أسيافهم عيونا
أكلما لاح لعيني بارق ... بكت فأبدت سري المصونا
لا تأخذوا قلبي بذنب مقلتي ... وعاقبوا الخائن لا الأمينا
ما استترت بالورق الورقاء كي ... تصدق لما علت الغصونا
قد وكلت بكل باك شجوه ... تعينه إذ عم المعينا
هذا بكاها والقرين حاضر ... فكيف من قد فارق القرينا
أقسمت ما الروض إذا ما بعثت ... أرجاؤه الخيري والنسرينا
وأدركت ثماره وعذبت ... أنهاره وأبدت المكنونا
وقابلته الشمس لما أشرقت ... وانقطعت أفنانه فنونا
أذكى ولا أحلى ولا أشهى ولا ... أبهى ولا أو فى بعيني لينا
من نشرها وثغرها ووجهها ... وقدها فاستمع اليقينا
ياخائفاً علي أسباب العدى ... أما عرفت حصني الحصينا
إني جعلت في الخطوب موئلي ... محمداً والأنزع البطينا
أحببت ياسين وطاسين ومن ... يلوم في ياسين أو طاسينا
سر النجاة والمناجاة لمن ... أوى إلى الفلك وطور سينا
وظن بي الأعداء إذ مدحتهم ... مالم أكن بمثله قمينا
يا ويحهم وما الذي يريبهم ... مني حتى رجموا الظنونا
وكم مديح قدروا في رافد ... فلم يجنوا ذلك الجنونا
وإنما أطلب رفداً باقياً ... يوم يكون غيري المغبونا
ياتائهين في أضاليل الهوى ... وعن سبيل الرشد ناكبينا
تجاهكم دار السلام فابتغوا ... في نهجها جبريلها الأمينا
لجوامعي الباب وقولوا حطة ... تغفر لنا الذنوب أجمعينا
ذروا العنا فإن أصحاب العبا ... هم النبا إن شئتم التبيينا
ديني الولاء لست أبغي غيره ... ديناً وحسبي بالولاء دينا
هما طريقان فأما شأمة ... أو فاليمين فاسلكوا اليمينا
سجنكمٍ سجين إن لم تتبعوا ... علينا دليل عليينا
وله أيضا:
إذا قل مالي لم تجدني ضارعاً ... كثير الأسى مغرى بعض الأنامل
ولا بطراً إن جدد الله نعمة ... ولو أن ما آوى جميع الأنام لي


توفي الحصكفي في ربيع الأول من هذه السنة بميافارقين.
ثم دخلت
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن أمير المؤمنين إبل من مرض فضربت الطبول وفرقت الصدقات وذبح كل واحد من أرباب الدولة من البقر وفرقت الكسوة على الفقراء وعلق البلد اسبوعاً.
وفي المحرم: وصل ترشك إلى بغداد فلم يشعر به إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج عند كوخ المستخدمين معه سيف وكفن فبرز له الأذن بالمضي إلى الديوان فحضر عند الوزير فأنهى حضوره ووقع له بمال وأذن له في الدخول إلى الدار المعمورة من أي باب شاء.
ووصل في رسالة محمد شاه ومعه عدة رسل من أمراء الأطراف طلباً للمقاربة فلما نزلوا بشهرآبان أنفذ من دار الخلافة من استوقفهم هناك ولم يمكنوا من الوصول فأقاموا ثمانية عشر يوماً ثم عادوا ولم تسمع رسالتهم.
وفي هذه السنة: عاد الغز إلى نيسابور فنهبوها وكان بها ابن أخت سنجر فاندفع عنها إلى جرجان.
وفيها: خرج الخليفة إلى واسط واجتاز بسوقها وأبصر جامعها ومضى إلى الغراف وزلت به فرسه في بعض الطريق فوقع إلى الأرض وشج جبينه بقبيعة سيف الركاب فانتاشه مملوك من مماليك الوزير فأعتقه الوزير وخلع عليه وحصل للطبيب ابن صفية مال لأنه خاط المكان وعاده.
وفيها: وقع برد عظيم فهلكت قرى، وذكر أنه كان في بعض البرد ما وزنه خمسة أرطال وأهلكت الغلة فلم يقدروا على علف.
وفي ثامن عشر ربيع الأول كثر المد بدجلة وخرق القورج وأقبل إلى البلد فامتلأت الصحارى وخندق السور وأفسد الماء السور ففتح فيه فتحة يوم السبت تاسع عشر ربيع فوقع بعض السورعليها فسد بها ثم فتح الماء فتحة أخرى فأهملوها ظناً أنها تنفس عن السور لئلا يقع فغلب الماء وتعذر سده فغرق قراح ظفر والأجمة والمختارة والمقتدية ودرب القيار وخرابة ابن جردة والزيات وقراح القاضي وبعض القطيعة وبعض باب الأزج وبعض المأمونية وقراح أبي الشحم وبعض قراح ابن رزين وبعض الظفرية وثب الماء تحت الأرض إلى أماكن فوقعت.
قال المصنف: وخرجت من داري بدرب القيار يوم الأحد وقت الضحى فدخل إليها الماء وقت الظهر، فلما كانت العصر وقعت الدوركلها وأخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي فبلغت المعبرة دنانير، ولم يكن يقدرعليها.
ثم نقص الماء يوم الإثنين وسدت الثلمة وتهدم السور وبقي الماء الذي في داخل البلد يدب في المحال إلى أن وصل بعض درب الشاكرية ودرب المطبخ، وجئت بعد يومين إلى درب القيار فما رأيت حائطاً قائماً، ولم يعرف أحد موضع داره إلا بالتخمين، وإنما الكل تلال فاستدللنا على دربنا بمنارة المسجد فإنها لم تقع، وغرقت مقبرة الإمام أحمد وغيرها من الأماكن والمقابر وانخسفت القبور المبنية وخرج الموتى على رأس الماء وأسكر المشهد والحربية، وكانت آية عجيبة، ثم إن الماء عاد فزاد، بعد عشرين يوماً فنقض سد القورج فعمل فيه أياماً.
وتنافر الوزير ونقيب النقباء في كلام فوقع بأن يلزم النقيب بيته ثم رضي عنه بعد ذلك واصطلحا.
وفي هذه السنة جمع ملك الروم جمعاً عظيماً، وقصد الشام وضاق بالمسلمين الأمر، ثم عاد الكفار خائبين، وغنم المسلمون وأسر ابن أخت ملكهم، وكان سبب عودهم ضيقة الميرة عليهم.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن معالي، ابن بركة الحربي تفقه على أبي الخطاب الكلواذاني وبرع في النظر.
قال المصنف: سمعت درسه مدة وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي ثم عاد إلى مذهب أحمد ووعظ.
وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وكان سبب موته أنه ركب دابة فانحنى في مضيق ليدخله فاتكأ بصدره إلى قربوس السرج فأثر فيه، وانضم إلى ذلك إسهال فضعفت القوة، وكان مدة يومين أو ثلائة.
أحمد بن محمد بن عبد العزيز، أبو جعفر العباسي المكي نقيب مكة. شيخ صالح ثقة سمع الكثير وتوفي في هذه السنة ودفن بالعطافية.
جعفر بن زيد بن جامع، أبو زيد الحموي من أهل حماة بلدة من بلاد الشام بين حمص وحلب قرأ القرآن وكان كثير الدراسة وسمع الحديث من أبي الحسين ابن الطيوري وأبي طالب ابن يوسف وانقطع عن مخالطة الناس متشاغلاً بنفسه.
وتوفي في ليلة الأحد خامس عشر ذي الحجة من هذه السنة ودفن في صفة ملاصقة لمسجده في محلته المعروفة بقطفتا.


الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله أبوعلي. ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة قرأ القرآن وكان يؤم في مسجد ابن العلثي وسمع من ابن العلاف وابن الحصين وغيرهما وكان فيه لطف وظرف وسمع سيرة المسترشد وسيرة المقتفي. وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد شاه بن محمود طلب الخطبة والسلطنة فلم يجب إليهما فجاء إلى بغداد فحاصرها على ما سبق ذكره ثم عاد.
وتوفي في ذي الحجة بباب همذان.
يحيى بن نزار المنبجي كان فيه فضل وأدب ويقول الشعر وكان يحضر مجلسي ويدهشه كلامي وجد في أذنه ثقلاً فخاف الطرش فاستدعى إنساناً من الطرقية فامتص أذنه فخرج شيء من مخه فكان سبب موته. توفي في ذي الحجة ودفن في تربتهم بالوردية.
ثم دخلت
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن المسمى بعلي كوجك صاحب الموصل أفرج عن سليمان شاه بن محمد وخطب له بالسلطنة وسيره إلى همذان وتوجه ابن أخيه ملكشاه بن محمود إلى أصبهان طالباً للأجمة فمات بها.
وفي منتصف صفر: فوض تدريس جامع السلطان إلى اليزدي مكان الشمس البغدادي.
وفي هذه الأيام: منع المحدثون من قراءة الحديث في جامع القصر وسببه أن صبياناً من الجهلة قرأوا شيئاً من أخبار الصفات ثم اتبعوا ذلك بذم المتأولين وكتبوا على جزء من تصانيف أبي نعيم اللعن له والسب فبلغ ذلك أستاذ الدار فمنعهم من القراءة.
وفي يوم الجمعة سلخ صفر: أرجف على الخليفة بالموت فانزعج الناس وماج البلد وعدم الخبز من الأسواق ثم وقع إلى الوزير بعافيته وطابت قلوب الناس ووقعت البشائر والخلع، فلما كانت صبيحة الأحد ثاني ربيع الأول أصبحت أبواب الدار كلها مغلقة إلى قريب الظهر وأغلق باب النوبي وباب العامة فتحقق الناس الأمر وركب العسكر بالسلاح فلما كان قريب الظهر فتحت الأبواب ودعي الناس إلى بيعة المستنجد بالله فأظهروا موت المقتفي.
باب ذكر خلافة المستنجد بالله
واسمه: يوسف بن المقتفي ولد في ربيع الأول سنة ثمان عشرة وخمسمائة وبويع بعد موت أبيه المقتفي وقيل إنه أريد به سوء ليولي غيره فدفع عنه فبايعه أهله وأقاربه وأولهم عمه أبو طالب ثم ابو جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد ثم بايعه الوزير وقاضي القضاة وأرباب الدولة والعلماء ثم خطب له يوم الجمعة على المنابر ونثرت الدنانير والدراهم.
قال المصنف رحمه الله: وحدثني الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة قال: حدثني أمير المؤمنين المستنجد بالله قال: رأيت رسول الله في المنام منذ خمس عشرة سنة فقال لي: يبقى أثرك في الخلافة خمس عشرة سنة. فكان كما قال.
قال: ورأيته صلى الله عليه وسلم في المنام قبل موت أبي بأربعة أشهر فدخل بي إلى باب كبير ثم ارتقى إلى رأس جبل وصلى بي ركعتين وألبسني قميصاً ثم قال لي قل اللهم اهدني فيمن هديت وذكر دعاء القنوت. وذكر لي الوزير ابن هبيرة قال كان المستنجد قد بعث إلي مكتوباً مع خادم في حياة أبيه وكأنه أراد أن يسره عنه فأخذته وقبلته وقلت للخادم قل له والله ما يمكنني أن أقرأه ولا أن أجيب عنه. قال فأخذ ذلك في نفسه عليٌ فلما ولى دخلت عليه فقلت يا أمير المؤمنين اكبر دليل في نصحي اني ما حابيتك نصحا لأمير المؤمنين قال صدقت انت الوزير فقلت إلى متى؟ فقال إلى الموت فقلت أحتاج والله إلى اليد الشريفة فاحلفته على ما ضمن لى. وحكي ان الوزير خدم بعد ذلك بحمل كثير من خيل وسلاح وغلمان وطيب ودنانير فبعث أربعة عشر فرساً عراباً فيها فرس أبيض يزيد ثمنه على اربعمائة دينار وست بغلات مثمنة وعشرة من الغلمان الاتراك فيهم ثلاثة خدم وعشرة زريات وخوذ وعشرة تخوت من الثياب وسفط فيه عود وكافور وعنبر وسفط فيه دنانير فقبلت منه وطاب قلبه.


ولما بويع المستنجد اقر الوزير ابن هبيرة على الوزارة واصحاب الولايات على ولاياتهم وأزال المكوس والضرائب وأمر بالجلوس لعزاء أبيه فتقدم الي بالكلام في العزاء ووضع كرسي لطيف فتكلمت في بيت النوبة ثلاثة ايام وخرج في اليوم الثالث إلى الوزير توقيع نسخته: " الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعون " تسليما لأمر الله وقضائه فصبر الحكمة النافذ ومصابه في الامام السعيد الذي عظم الله مصابه واعتاض حلو العيش صابه وفت في عضد الاسلام وغدا به الدين واهي النظام ان الصبر عليه لبعيد وان الكمد عليه مع الإيام جديد لقد كان سكينة مغشية المراد ورحمة منتشرة في العباد برا بهم رؤوفاً متحننا عليهم، عطوفاً فجدد الله سبحانه لديه من كراماته الراجحة وتحياته الغادية الرائحة ما يحله بحبوحة جنانه وينيله مبتغاه من إحسانه ومع ما من الله عليه من استقرار الأمر في نصابه وحفظه على من هو أولى به فليس الا التسليم إلى المقدر والتفويض اليه سبحانه في جميع الامور فهو يوفي المثوبة والأجر والسعيد من كان عمله في دنياه لأخراه ورجوعه إلى اللة سبحانه في بدايته وعقباه والله تعالى يوفق أمير المؤمنين لما عاد برضاه وصلاح رعاياه ليعود النظام إلى اتساقه ونور الامامة إلى اشراقه فانهض انت إلى الديوان لتنفيذ المهام ولتثق بشمول الانعام ولتأمر الحاضرين بالانكفاء إلى الخدمات وليتقدم بضرب النوبة في اوقات الصلوات.
وكان الوزير في اليومين يجيء ماشيا فقدمت اليه فرسه في اليوم الثالث فركب وتقدم في هذا اليوم بالقبض على ابن المرخم الذي كان قاضيا وكان بئس الحاكم آخذ الرشاء واستصفيت امواله واعيد منها على الناس ما ادعوا عليه وكان قد ضرب فلم يقر فضرب ابنه فأقر بأموال كثيرة واحرقت كتبه في الرحبة وكان منها كتاب الشفاء واخوان الصفاء وحبس فمات في الحبس. واسقطت الضرائب وما كان ينسب إلى سوق الخيل والجمال والغنم والسمك والمدبغة والبيع في جميع اعمال العراق وافرج عن جماعة كانوا مطالبين بأموال وقد تقدم استاذ الدار فخلع عليه فجعل امير حاجب وتقدم إلى الوزير بالقيام له.
وخلع المستنجد بالله عند انتهاء شهر والده على ارباب الدولة وخلع عليَّ خلعة وعلى عبد القادر وابي النجيب وابن شقران واذن لنا في الجلوس بجامع القصر وتكلمت في الجامع يوم السبت ثامن عشرين ربيع الآخر فكان يحزر جمع مجلسي على الدوام بعشرة الاف وخمسة عشر ألفاً. وظهر اقوام يتكلمون بالبدع ويتعصبون في المذاهب واعانني الله تعالى عليهم وكانت كلمتنا هي العليا. واذن لرجل يقال له ابو جعفر بن سعيد ابن المشاط فجلس في الجامع فكان يسأل فيقال له " الم ذلك الكتاب " كلام الله؟ فيقول لا. ويقول في القصص هذا كلام موسى وهذا كلام النملة فأفسد عقائد الناس وخرج فمات عن قريب.
وفي جمادى الآخرة : عزل قاضي القضاة أبو الحسن علي بن احمد الدامغاني ورتب مكانه عبد الواحد، ابو جعفر الثقفي وخلع عليه وكتب له عهد وكان قد قيل لابن الدامغاني قم لابن الثقفي الصغير الذي ولي مكان ابن المرخم. فقال: ما جرت العادة ان يقوم قاضي القضاة لقاض. فقيل له قد قمت لابن المرخم فأنكر ذلك وشهد عليه العدول بأنه قام له فأخذوا ذلك عليه وعزل.
واخذ رجل معلم يقال له أبو المعمر عبد الرزاق بن علي الخطيب كان يعلم الصبيان بالمأمونية فصار يخبر المقتفى، وتقدم إلى حاجب الباب بسماع قوله فكان يخشى ويتقى وصار له شرف فلما توفي المقتفي كتب إلى المستنجد يلتمس ما كان يفعله في زمان ابيه فقال الخليفة هذا الذي كان يخبر؟ قالوا نعم، فأمر بالقبض عليه فأخذ وعوقب إلى أن سال دمه وجيء به إلى بيته ليلاً ليدلهم على دفين فقال احفروا هاهنا وهاهنا فحفروا فلم يجدوا شيئا فقال انما قلت ذلك من حرارة الضرب واعادوه إلى الحبس.
وفي هذه السنة: ولي ابن حمدون المقاطعات. وفيها: قبض على ابن الفقيه النائب بالمخزن وكان يشرف لولاية المخزن فقبض عليه صاحب المخزن وبذل ابن الصيقل الذي كان حاجب الباب أربعة آلاف دينار على ان يولى نقابة العباسيين فخوطب في ذلك نقيب النقباء فبذل خمسة آلاف فقبض على ابن الصيقل وطولب بما بذل فقررعليه اثنا عشر الفا فباع كل ما يملك.


وفي رمضان: حدثت حادثة عجيبة وذلك ان مغربياً كان يلعب بالرمل ويحسب بالنجوم سكن حجرة في دربية سوق الأساكفة ظهرها إلى دار ابن حمدون العارض فأظهر الزهادة فكان يخرج في الليل إلى الحارس فيقول افتح لي فقد لحقني احتلام، ثم نقب اصول الحيطان وفرق التراب في الغرف حتى خرج إلى خزانة في الدار وفيها خزانة خشب ساج فنقل كل ما فيها من مال ومصاغ قوم ثلاثة آلاف ديناروخرج إلى الحارس فقال افتح لي وكان قد استعد ناقة ورفقة فخرج فركب وسار فما علم به حتى صار على فراسخ ثم اخذ مملوك لنضر بن القاسم التاجر وقالوا كان رفيق المغربي جيء به من رحبة الشام متهماً بالعملة وبقتل المغربي وقيل انه ساعد المغربي على ذلك فلما خرج قتله واخذ المال.
وفي اول شوال: اتفق العسكر بباب همذان على القبض على سليمان شاه وخطبوا لأرسلان بن طغرل وورد على كوجك الى، بغداد قاصدا للحج في ووصل إلى الخدمة الشريفة وخلع عليه وحج في هذه السنة شيركوه صاحب الرحبة وغيرها من اعمال الشام وبث في الحرمين معروفا كثيرا ولم يفعل كوجك شيئاً يذكر به على كثرة ماله. وتوفي قاضي القضاة الثقفي فولي مكانه ابنه جعفر، وقدم مركبان، من كيش فيهما هدايا وتحف للخليفة منها عدة افراس وعشرة احمال من القنا الخطي وأنياب الفيلة وخشب الساج والصنوبر والآبنوس وسلال العود والببغ والجواري والمماليك.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر
عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن حمزة، أبو جعفر الثقفي وكان قاضيا بالكوفة وسمع من ابي الغنائم وغيره وولاه المستنجد قضاء القضاة.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة وقد ناهز الثمانين.
الفائز صاحب مصر توفي في رجب هذه السنة وكان صبيا يدبر امره أبو الغارات الصالح بن رزيك واقيم مقامه صبي لقب بالعاضد وهو الذي انقرضت على يده دولة آل عبيد وعادت الخطبة بديار مصر لبني العباس وسوف نذكر ذلك عند وصولنا اليه.
قيماز الأرجواني، أمير الحاج بعد نظر دخل ميدان دار الخلافة فلعب بالصولجان فشب فرسه من تحته ورمى به فوقع على ام راسه فانكسرت ترقوته وسال مخه من منخريه واذنيه فمات ودفن بمقبرة الشونيزي وتبعه الأكابر وترحم الناس عليه وذلك في شعبان هذه السنة.
محمد أبو عبد اللّه المقتفي بالله، أمير المؤمنين ابن المستظهر بالله مرض بالتراقي وقيل كان دمل في العنق، توفي ليلة الأحد في ربيع الأول من هذه السنة عن ست وستين سنة الا ثمانية وعشرين يوما. ولي الخلافة أربعة وعشرين سنة وثلاثة اشهر وستة عشر يوما ودفن في الدار ثم اخرج إلى الترب.
ومن العجب، : انه وافق اباه المستظهر في علة التراقي وماتا جميعا في ربيع الأول وتقدم موت محمد شاه على موت المقتفي بثلاثة اشهر وكذلك المستظهر مات قبله السلطان محمد بثلاثة اشهر، ومات المقتفي بعد الغرق بسنة وكذلك القائم مات بعد الغرق بسنة.
قال عفيف الناسخ وكان رجلا صالحا رأيت في المنام قبل دخول سنة خمس وخمسين قائلا يقول اذا اجتمعت ثلاث خاءات كان آخر خلافته، قلت خلافة من؟ قال خلافة المقتفي، قلت: ما معنى اجتماع الخاءات؟ قال سنه خمس وخمسين وخمسمائة.
محمد بن أحمد بن علي بن الحسين، أبو المظفر ابن التريكي كان يخطب في الجمع والاعياد وكان حسن الصورة فاضلاً. توفي يوم الاربعاء خامس عشر ذي القعدة ودفن في تربة معروف الكرخي.
محمد بن يحيى بن علي بن مسلم، أبو عبد الله الزبيدي من أهل زبيد باليمن مولده على التقريب سنة ثمانين وأربعمائة قدم بغداد سنة تسع وخمسمائة ووعظ وكان له معرفة بالنحو والادب وكان صبورا على الفقر لا يشكو حاله.


قال المصنف رحمه الله حدثني البراندسي قال جلست مع الزبيدي من بكرة الى قريب الظهر وهو يلوك شيئا في فمه فسألته فقال لم يكن لي شيء فأخذت نواة أتعلل بها. وأنه، كان يقول الحق وان كان مرا ولا يراقب احدا ولا تأخذه في الله لومة لائم وقد حكى لي انه دخل على الوزير الزينبي وقد خلعت عليه خلع الوزارة والناس يهنئونه بالخلعة فقال هو هذا يوم عزاء لا يوم هناء. فقيل له، فقال: الهناء على لبس الحرير؟ وحدثني عبد الرحمن بن عيسى الفقيه قال: سمعت محمد بن يحيى الزبيدي يحكي عن نفسه قال: خرجت إلى المدينة على الوحدة فآواني الليل إلى جبل فصعدت عليه وناديت اللهم اني الليلة ضيفك، ثم نزلت فتواريت عند صخرة فسمعت مناديا ينادي مرحبا بك يا ضيف الله انك مع طلوع الشمس تمر بقوم على بئر يأكلون خبزا وتمرا فاذا دعيت فأجب فهذه ضيافتك قال فلما كان من الغد سرت فلما كان مع طلوع الشمس لاحت لي اهداف بئر فجئتها فوجدت عندها قوما يأكلون خبزا وتمر فدعوني إلى الأكل فأكلت. توفي الزبيدي في ربيع الأول من هذه السنة و دفن قريبا من باب الشام الغربي من بغداد.
ملكشاه بن محمود بن محمد بن ملكشاه توفي في ربيع الأول بأصبهان.
ثم دخلت
سنة ست وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في يوم الجمعة سابع المحرم: قطعت خطبة سليمان شاه من المنابر في الجوامع وانتشر في هذه الايام ذكر التسنن والترفض حتى خشيت الفتنة وخرج الوزير يوم الجمعة رابع عشر المحرم بعد الصلاة من المخيم وخرج الخليفة صبيحة السبت وكان ركوبه في الماء وصعوده عند مسناة السور فركب هناك وخرجوا إلى الصيد.
وفي يوم الثلائاء تاسع صفر: ولي ابن الثقفي قضاء القضاة مكان أبيه واستناب أخاه في الحكم وخرج التوقيع بازالة المتعيشين الذين يجلسون على الطرقات في رحبة الجامع وغيرها وبنقض الدكاك البارزة في الأسواق التي توجب الازدحام.
وفي يوم الجمعة ثالث ربيع الأول: انتقل الوزير ابن هبيرة من الدار التي كان، يسكنها بجنب الديوان إلى دار ابن صدقة الوزير. وحول قاضي القضاة ابن الدامغاني عن الدار التي سكنها بباب العامة، فأسكنها الوزير ابنته فانتقل ابن الدامغاني إلى مدرسة التتشي.
وفي صبيحة السبت ربيع الأول: خرج الخليفة إلى الصيد وليس معه الا الخواص من الغلمان وعارض الجيش ابن حمدون.
وفي ليلة الأربعاء ثاني عشرين ربيع الأول: أخرج المقتفي من الدار في الزبزب والسفن حوله بالشمع الكبار والموكبيات وجمع أرباب الدولة معه إلى الترب وكان الماء جارياً شديد الجريان فجرى له تخبيط كثير وصلوا إلى هناك بعد نصف الليل.
وفي يوم السبت ثامن عشر ربيع الأول: خرج الوزيرمن بيته على عادته ليمضي إلى الديوان والغلمان بين يديه وهموا برد باب المدرسة التي بناها ابن طلحة فمنعهم الفقهاء وضربوهم بالآجر فهم اصحاب الوزير بضربهم وشهروا عليهم السيوف فمنعهم الوزير ومضى إلى الديوان ثم ان الفقهاء كتبوا قصة يشكون من غلمان الوزير فوقع عليها بضرب الفقهاء وتأديبهم ونفيهم من الدار فمضى اصحاب استاذ الدار فعاقبوهم هناك ثم أدخلهم الوزير اليه واستحلهم واعطى كل واحد ديناراً واعيدوا إلى المدرسة بعد أن غلقت أياماً واختفي ابوطالب مدرسهم ثم ظهر بعد العفو.
وأرجف في هذه الايام بأن عسكراً قد تعلق بالبند نيجين من التركمان وان الخليفة يريد أن ينفذ هناك عسكراً يضمهم إلى ترشك ويقاتلونهم فخرج جماعة من الامراء، في جيش كبير فاجتمعوا بترشك فلما حصل بينهم وثبوا عليه، فقتلوه واحتزوا رأسه وبعثوا به في مخلاة وانما احتالوا عليه لانهم دعوه فأبى ان يحضر وأضمر الغدر وقتل مملوكاً للخليفة ودعا الوزير اولياء ذلك المقتول وقال ان أمير المؤمنين قد اقتص لأبيكم من قاتله فشكروا.
وفي يوم الإثنين حادي عشر ربيع الآخر: فتحت المدرسة التي بناها ابن الشمحل في المأمونية وجلس فيها الشيخ ابو حكيم مدرساً وحضر جماعة من الفقهاء.
وفي هذه الايام: رخص السعر فبيع اللحم أربعة ارطال بقيراط وكثر البيض فبيع مائة بيضة بقيراط والعسل كل منٍ بطسوج والخوخ كل عشرة ارطال بحبة ونصف. وفي جمادى الآخرة: جلس أبو الخير القزويني في جامع القصر وتعصب له الأشاعرة.


وفي ثاني عشر جمادى الآخرة: مات ابن نقيب العلويين الذي كان قد تولى مكان أبيه لما مرض أبوه. وفي هذه الأيام: غلظ على الناس في أمر الخراج وردت المقاطعات إلى الخراج فانطلقت الألسن باللوم للوزير لأنه كان عن رأيه. وفي رمضان: عمل الوزير طبق الافطار على عادته ووصلت الاخبار ان جماعة من العسكر طلبوا العرب لأخذ الاعشار منهم فامتنعت العرب فأخذ العسكر ينهبون اموالهم فعطفوا عليهم فقتلوهم واهلك الامراء قيصر وبلال وبهلوان ومن نجا مات عطشاً في البرية فكن إماء العرب يخرجن بالماء ليسقين الجرحى فاذا أحسسن بحي يطلب الماء اجهزن عليه وكثر البكاء على القتلى ببغداد وخرج الوزير وبقية العسكر في طلب العرب.
وفي هذه الايام: احتدت شوكة علاء الدين ابن الزينبي في أمر الحسبة فوكل بالطحانين وأخذ منهم الأموال وعزموا أن يكسروا علائق المتعيشين ويبيعوهم علائق من عندهم فمضى الناس واستغاثوا ومضى المجان إلى قبر ابن المرخم يخلقونه وكتبوا عليه من رد مجوننا علينا فرفعت يد ابن الزينبي من الحسبة. وعاد الوزيرمن سفره بعد أن انطردت بنو خفاجة.
ووقعت حادثة عجبية لأبي بكر ابن النقور وذلك انه غمز به إلى الديوان أن في بيته وديعة فاستدعي فسئل عنها فأنكر وكان معذوراً في الانكار لانه لم يعلم بها انما علم بها النسوة من أهله فوكل به ونفذ إلى بيته فأخذت الوديعة من عرضي داره كانت دنانير في مسائن، وكان القاضي يحيى وكيل مكة بعثها مع نسائه إلى النساء اللواتي في دار ابن ابنقور فسألنهن ان يعيروهن عرضي الدار ليتركوا فيه رحلاً ويغلقن عليه ففعلن فدفن المال فأحست بذلك جارية في البيت فنمت وأهل البيت لا يعلمون وكان المال لبنت المنكوبرس الامير.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
إبراهيم بن دينار، أبو حكيم النهرواني ولد سنة ثمانين وأربعمائة سمع من ابن ملة وابن الحصين وغيرهما الحديث الكثير وتفقه على أبي سعد بن حمزة صاحب ابي الخطاب الكلوذاني وقد رأى ابا الخطاب وسمع منه ايضاً وكان عالماً بالمذهب والخلاف والفرائض وقرأ عليه خلق كثير ونفع به واعطى المدرسة التي بناها ابن الشمحل بالمأمونية واعدت درسه فبقي نحو شهرين فيها وسلمت بعده إلي فجلست فيها للتدريس وله مدرسة بباب الأزج كان مقيماً بها فلما احتضر اسندها إلي وكان يضرب به المثل في التواضع وكان زاهداً عابداً كثير الصرم وقرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض ورأيت بخطه على جزء له رأيت ليلة الجمعة عاشر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة فيما يرى النائم كأن شخصاً في وسط داري قائماً فقلت من انت؟ فقال الخضر ثم قال:
تأهب للذي لابد منه ... من الموت الموكل بالعباد
ثم على انني اريد أن اقول له هل ذلك قريب؟ فقال قد بقي من عمرك اثنا عشرة سنة تمام سن اصحابك وعمري يومئذ خمس وسبعون. فكنت ارتقب صحة هذا ولا افاوضه في ذكره لئلا انعي اليه نفسه فمرض رحمه الله اثنين وعشرين يوماً وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث عشر جمادى الآخرة من سنة ست وخمسين وخمسمائة وكان مقتضى حساب منامه أن يبقى له سنة فتأولت ذلك فقلت لعله دخول سنة لا تمامها او لعله رأى في آخر سنة.
ومات في أول الأخرى أو لعلها من السنين الشمسية ودفن رحمه الله قريباً من بشر الحافي.
حمزة بن علي بن طلحة، أبو الفتوح روى عن أبي القاسم ابن بيان رولي حجبة الباب ثم المخزن وكان قريباً من المسترشد وولي المقتفي وهوعلى ذلك ثم بنى مدرسة إلى جانب، داره ثم حج في تلك السنة ولبس القميص الفوط عند الكعبة وعاد متزهداً فأنشده أبو الحسين ابن الخل الشاعر:
يا عضد الاسلام يا من سمت ... إلى العلي همته الفاخره
كانت لك الدنيا فلم ترضها ... ملكماً فأخلدت إلى الآخره
وانقطع في بيته نحواً من عشرين سنة وكان محترماً في زمان عزله يغشاه أرباب الدولة وغيرهم وتوفي في هذه السنة ودفن بتربة له في الحربية مقابلة لتربة أبي الحسن القزويني.
محمد بن أحمد بن محمد، أبوطاهر الكرخي القاضي ولي قضاء باب الأزج وقضاء واسط وقضاء الحريم وقد ولي في زمن خمسة خلفاء المستظهر والمسترشد والراشد والمقتفي والمستنجد وهو الذي حكم بفسخ ولاية الراشد. وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة.، أبو جعفر بن المقتفي


توفي يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول ومضى معه الوزير وأرباب الدولة إلى الترب.
ثم دخلت
سنة سبع وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن الحاج وصلوا إلى مكة فلم يدخل اكثرهم لفتن جرت وانما دخلت شرذمة يوم العيد فحجوا ورجع الأكثرون إلى بلادهم ولم يحجوا وخرج الخليفة إلى الصيد على طريق واسط. وادعت امرأة ان ابن النظام الفقيه مدرس النظامية تزوجها فجحد وحلف ثم قرر فأقر فافتضح وعزل من التدريس ووكل به وكان قد عقد بينهما فقيه يقال له الأشتري فأخذ وصفع على باب النوبي.
وفي ربيع الآخر: ترافق رجل من أهل الحربية وصبي في الطريق فقتله الصبي بسبب شيء من الذهب كان معه ودخل إلى الحربية فانذر به وقال قد قتل هنا قتيل فأخذوه وقالوا انت كنت معه فجيء به في الباب فاعترف بالقتل فقتل.
وقبض على ابن الشمحل وحبس عند استاذ الدار وقبض على زوجته بنت صاحب المخزن ابن طلحة ونقل ما في داره. وفي جمادى الآخرة: وقع حريق عظيم احترق منه سوق الطيوريين والدور التي تليه مقابلة إلى سوق الصفر الجديد والخان الذي في الرحبة ودكاكين البزوريين وغيرها واحترق فيها رجل شيخ لم يستطع النهوض واحترقت طيور كثيرة وكانت في اقفاص. وفي رجب جلس يوسف الدمشقي في النظامية مدرساً وخلع عليه وحضرعنده جماعة من الاعيان. وفي هذه السنة: تكاملت عمارة المدرسة التي بناها، الوزير بباب البصرة واقام فيها الفقهاء ورتب لهم الجراية وكان مدرسهم أبو الحسن البراندسي، وفيها اعني المدرسة دفن الوزير، وحكى أبو الفرج بن الحسين الحداد قال جرت لابن فضلان الفقيه قصة عجيبة وهو انه اتهم بقتل امرأة فأخذ واعتقل بباب النوبي اياماً وذلك انه دخل على اخت له قد خطبت وما تمت عدتها من زوج كان لها فمات فضربها فثارت اليه امرأة كانت عندهم في الدار لتخلصها منه فرفسها برجله، ولكمها بيده فوقعت المرأة مغشية عليها ثم خرجت فوقعت في الطريق فأدخلت إلى رباط وسئلت عن حالها فأخبرتهم الخبر فحملت إلى بيت أهلها فماتت في الحال فكتب اهلها إلى الخليفة فتقدم باخذه فانكر فلم يكن لهم بينة فحلف وخرج.
وهذه القصة اذا صحت فقد وجبت عليه الدية مغلظة في ماله لانه شبه عمد ويجب عليه كفارة القتل بلا خلاف. وفي رجب: جمع الوكلاء والمحضرون والشهود كلهم عند حاجب الباب وشرط عليهم ان لا يتبرطلوا من احد ولا يأخذ الشروطي في كتب البراءة اكثر من حبتين ولا المحضر اكثر من حبة ولا الوكيل اكثر من قيراطين واشهدوا عليهم الشهود بذلك وسببه جناية جرت بينهم في ترويج كتاب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
سعد الله بن محمد بن علي بن أحمدي، أبوالبركات سمع ابا الخطاب الكلوذانى وابا عبد الله بن، طلحة وابا بكر الشاشي وكان خيراً وسمعت عليه كتاب السنة للالكائي عن الطريثيثي عنه. توفي في شعبان هذه السنة ودفن بباب حرب.
شجاع الفقيه الحنفي كان مدرساً في مشهد أبي حنيفة جيد الكلام في النظر قرأ عليه جماعة مذهب أبي حنيفة.
توفي في يوم الخميس حادي عشرين في القعدة من هذه السنة ودفن مما يلي قبر أبي حنيفة من خارج المشهد.
صدقة بن وزير الواسطي دخل بغداد ولبس الصوف ولازم التقشف زائداً في الحد ووعظ وكان يصعد المنبر وليس عليه فرش فأخذ قلوب العوام بثلائة أشياء احدها التقشف الخارج والثاني التمشعر فانه كان يميل إلى مذهب الأشعري والثالث الترفض فانه كان يتكلم في ذلك وبلغني انه لما مرض كان يحضر الطبيب ليلاً لئلا يقال عنه يتداوى وكان إذا اتاه فتوح يقول انا لا آخذ إنما سلموه إلى أصحابي فتم له ما أراد وبنى رباطاً واجتمع في رباطه جماعة. فمرض ومات يوم الخميس ثامن في القعدة وصلي عليه في ميدان داخل السور و دفن في رباطه بقراح القاضي وبنى يزدن في رباطه منارة وتعصب لهم لأجل ما كان يميل اليه من التشيع فصار رباطه مقصوداً بالفتوح وفيه دفن.
ثم دخلت
سنة ثمان وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها


إنه في يوم الخميس عشرين المحرم وصلت الأخبار عن الحاج بأمر مزعج من منعهم دخول مكة والطواف لفتنة وقعت هناك وأنكشف الأمر بان جماعة من عبيد مكة عاثوا في الحاج فنفرعليهم جماعة من أصحاب أمير الحاج فقتلوا منهم جماعة فرجعوا إلى مكة وجمعوا جمعاً وأغاروا على جمال فأخذوا منها قريباً من ألف جمل فنادى أمير الحاج في الاتراك فركبوا وتسلحوا ووقع القتال بينهم فقتل جماعة ونهب جماعة من أهل العراق وأهل مكة وجمع الأمير الحاج ورجع ولم يدخل بهم إلى، مكة خوفاً عليهم فلم يقدروا من الحج إلأَ على الوقوف بعرفة ودخل الخادم ومعه الكسوة فعلق استار الكعبة وبعث امير مكة إلى اميرالحاج يستعطفه ليرجع فلم يفعل ثم جاء أهل مكة بخرق الدم فضربت لهم الطبول ليعلم أنهم أطاعوا.
وفي ربيع الاول: قبض على صاحب الديوان ابن جعفر وحمل إلى دار استاذ الدار ووكل به وجعل ابن حمدون صاحب الديوان.
وفي بكرة السبت سابع عشر ربيع الاول: خرج الخليفة إلى ناحية الخليفة وتشارف البلد ورخصت المواشي والاسعار رخصاً كثيراً.
وفي جمادى الآخرة: خلع على ابن الابقى خلع النقابة وذلك بعد وفاة ابيه. وفي شعبان بني كشك بالحطمية للخليفة وكشك للوزير وانفق عليهما مال عظيم وخرج الخليفة اليه في شعبان وكان الخليفة والوزير وأصحابهما يصلون بجامع الرصافة الجمعة مدة مقامهم في الكشك. ووقع حريق عظيم من باب درب فراشة إلى مشرعة الصباغين من الجانبين.
وفي تاس عشر ذي القعدة: خرج الخليفة إلى ناحية بدار الروز متصيداً ومعه ارباب الدولة وعاد عشية الإثنين سابع عشر هذا الشهر. وفي عشية الأحد حادي عشر ذي الحجة: قبض على ابن الأبقي الذي جعل نقيب النقباء وحمل إلى دار استاذ الدار ثم حمل إلى التاج مقيداً وذكر أن السبب انه كاتب منكوبرس يحذره من المجيء إلى بغداد ويخوفه على نفسه.
وكانت بنو خفاجة فيهذه الأيام تأخذ القوافل في باب الحربية وكثر العيث في الاطراف وفوض إلى حاجب الباب النظر في محلة باب البصرة فرتب فيها أصحابه وانما كان أمر هذه المحلة إلى النقيب. وخرج تشرين الأول والثاني بغير مطر إلا ما يبل الارض.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
طلحة بن علي، أبو أحمد الزينبي نقيب النقباء تولى النقابة وناب في الوزارة وحضر مجلسي مراراً. خرج يوماً من الديوان معافى فبات في منزله فمات فذكر أنه أكل لباً وأزراً وجماراً ودخل الحمام فعرضت له سكتة فتوفي في ليلة الإثنين خامس ربيع الأول وصلي عليه بجامع القصر ودفن بمقبرة الشهداء من باب حرب.
محمد بن عبد اللّه ، أبو عبد الله أبي الفتح، البيضاوي القاضي محمد بن عبد اللّه بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو عبد الله أبي الفتح البيضاوي القاضي: سمع الحديث على ابن الطيوري وغيره، قرأت عليه أشياء من مسموعاته وتوفي في شوال هذه السنة.
محمد بن عبد الكريم بن ابراهيم بن عبد الكريم، أبو عبد الله بن الأنباري سديد الدولة، كاتب الإنشاء، كان شيخاً مليح الشيبة ظريف الصورة فيه فضل وأدب وانفرد بانشاء المكاتبات وبعث رسولاً إلى سنجر وغيره من السلاطين وخدم الخلفاء والسلاطين من سنة ثلاث وخمسمائة وعمر حتى قارب التسعين ثم توفي يوم الإثنين تاسع عشر رجب وصلي عليه يوم الثلاثاء بجامع القصر وحضر الوزير وغيره من ارباب الدولة ودفن بمشهد باب التبن.
هبة اللّه بن الفضل، أبو القاسم المتوثي القطان هبة اللّه بن الفضل بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن علي بن أحمد الفضل، أبو القاسم المتوثي القطان: سمع الحديث من ابيه وابي الفضل بن خيرون وأبي طاهر الباقلاوي وكان شاعراً مطبوعاً لكنه كان كثير الهجاء متفسحاً، وله في اول قصيدة.
يا اخي الشرط أملك ... لست للثلب أترك
ولما ولي ابن المرخم القضاء وكان قاضياً ظالماً. قال ابن الفضل:
ياحزينة الطمي الطمي ... قد ولي ابن المرخم
بدواته المفضضة ... ووكيله المكعسم
وي على الشرع والقضا ... وي على كل مسلم
اترى صاحب الشري ... عة قد جن اوعمي
ومن شعره اللطيف دوبيت:
يامن هجرت فما تبالي ... هل ترجع دولة الوصال


ما اطمع يا عذاب قلبي ... ان ينعم في هواك بالي
ما ضرك أن تعلليني ... في الوصل بموعد محال
اهواك وانت حظ غيري ... يا قاتلتي فما احتيالي
ايام عناي فيك سود ... ما اشبههن بالليالي
العذل فيك يزجروني ... عن حبك مالهم ومالي
يا ملزمي السلو عنها ... الصب انا وانت سالي
والقول بتركها صواب ... ما احسنه لو استوى لي
في طاعتها بلا اختياري ... قد صح بعشقها اختبالي
طلقت تجلدي ثلاثاً ... والصبوة بعد في حبالي
ذا الحكم على من قضاه ... من ارخصني لكل غالي
توفي ابن الفضل يوم السبت ثامن عشر رمضان، ودفن بمقبرة معروف الكرخي.
ثم دخلت
سنة تسع وخمسين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها انه في يوم الجمعة حادي عشر من المحرم جيء بصبي صغير مقتولاً ومعه صبي آخر فأقر أنه قتله بمنجل كان معه بسبب حلقة أخذها من أذنه فأخذت منه الحلقة وقتل. ودخل كانون الثاني في صفر ولم أر كانوناً أدفأ منه. وفي يوم الأحد رابع عشر صفر شهر جماعة من الحصريين كتبوا أسماء الأئمة الاثني عشر على الحصر شهرهم المحتسب بتقدم الوزير.
وفي يوم الأحد خامس ربيع الآخر: أملك يوسف الدمشقي بابنة قاضي القضاة جعفر بن عبد الواحد الثقفي بصداق مبلغه سبعمائة دينار ولم يكن في هذه السنة للناس ربيع بسبب اليبس المتقدم لعدم المطر وموت المواشي.
وفي جمادى: اجتمع جماعة يسمعون كتاب ابن منده في فضائل أحمد بن حنبل في مسجد ابن شافع فجرى بين ابن الخشاب وبين ابي المحاسن الدمشقي منازعة في أمر يتعلق بالفقهاء فآل الأمر إلى خصام فوشى بهم الدمشقي إلى الخليفة وانهم يقرأون كتاباً فيه معايب الخلفاء فتقدم بأخذ الكتاب من أيديهم. وفي شوال: عملت دعوة في الدار الجديدة التي بناها المستنجد بباب الغربة وحضر أرباب الدولة ومشايخ الصوفية وبات قوم على السماع وتقدم بقتل تسعة من اللصوص فأخرجوا من الحبس فقتلوا واحد بباب الازج وآخر بالحبة وآخر بباب الغلة وآخر باللكافين وأربعة على عقد سوق السلطان وواحد بسوق السلطان وشهرت امرأه تزوجت بزوجين ومعها أحدهما. وورد البشير إلى المستنجد بفتح مصر، فقال حاجب الوزير ابن تركان قصيدة أولها:
لعل حداة العيس ان يتوقفوا ... ليشفي غليلاً بالمدامع مدنف
وفيها:
ليهنك يا مولى الانام بشارة ... بها سيف دين الله بالحق مرهف
ضربت به هام الأعادي بهمة ... تقاصر عنها السمهري المثقف
بعثت إلى شرق البلاد وغربها ... بعوثاً من الآراء تحيي وتتلف
فقامت مقام السيف والسيف قاطر ... ونابت مناب الرمح والرمح يرعف
وقدت لها جيشاً من الروع هائلاً ... إلى كل قلب من عداتك يزحف
ليهنك يامولاي فتح تتابعت ... إليك به خوص الركائب توجف
أخذت به مصراً وقد حال دونها ... من الشرك ناس في لحى الحق تقذف
فعادت بحمد الله باسم امامنا ... تتيه على كل البلاد وتشرف
ولا غرو إن ذلت ليوسف مصره ... وكانت إلى عليائه تشوف
تملكها من قبضة الكفر يوسف ... وخلصها من عصبة الرفض يوسف
فشابهه خلقاً وخلقاً وعفة ... وكل عن الرحمن في الأرض يخلف
كشفت بها عن آل هاشم سبة ... وعاراً أبى إلا بسيفك يكشف
ثم تكامل الأمر بعد تسع سنين على ما نذكره في خلافة المستضيء بأمر الله.
ذكر من توفي في منه السنة من الأكابر
محمد بن علي بن منصور، أبو جعفر الأصفهاني ويلقب: بالجمال الموصلي. كان وزيرأ لصاحب الموصل فكان كثير المعروف دائم الصدقات وآثر إثارة عظيمة بمكة والمدينة فأحكم أبواب الحرم وبنى لها عتباً عالية وأجرى عيناً إلى عرفات وبنى للمدرسة سواراً وكانت صدقته تصل كل سنة إلى أهل بغداد فيعم بها الفقهاء والزهاد والمتصوفة ولا يخيب من يقصده بحال إلا أن تلك الأموال فيما يذكر غالبها من المكوس.


ووصل الخبر بموت الجمال في رمضان هذه السنة وقدر الله له أنه قدم بجنازته إلى بغداد وصلي عليه في الشونيزية ثم حملت إلى مكة فطيف بها ثم إلى المدينة ودفن في الرباط الذي عمره بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين البقيع فليس بينه وبين قبررسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أذرع.
ثم دخلت
سنة ستين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وصل إلى بغداد في المحرم صاحب المخزن أبو جعفر وقد فارق الحاج بالرحبة فأخبر أنهم لقوا شدة وأخبر أن جماعة انقطعوا في فيد والثعلبية وواقصة وهلك خلق كثير في البرية لتعذر الظهر ولم يصح للحاج المضي إلى المدينة لهذه الأسباب وللقحط الذي بنا وإن الوباء وقع في البادية فهلك منهم خلق كثير وهلكت مواشيهم وإن الأسعار بمكة ضيقة جداً وقدم مع الحاج فخر الدين بن المطلب. فمنع من دخول الحريم وذكر أن السبب أنه طلب موضع له يشترى للخليفة فتكلم بكلام لا يصلح فقبض طى عقاراته وغضب عليه فأقام في رباط الزوزني أياماً ثم مضى إلى الدور مستجيراً بالوزير ليصلح حاله مع الخليفة.
قال المصنف فحدثني أخو الوزير قال كتب إلي الوزير أن أحسن ضيافته ثلاثاً ثم آمره أن يخرج ففعلت فخرج فأقام بمشهد علي رضي الله عنه.
وفي صفر: خرج المستنجد بالله إلى نهر الملك للتصيد وقبض في طريقه على توبة البدوي ويقال إنه واطأ عسكر همذان على الخروج والعصيان وكان ضارباً بحلته على الفرات وقيد وأدخل بغداد في الليل وحبس ثم ذكر إنه قتل وكان الناس يشيرون إلى بعض الأكابر أنه أشار بالقبض عليه وبقتله فما عاش ذلك المشار إِليه بعده أكثر من أربعة أشهر.
وفي عيد الأضحى: ولدت امرأة من درب بهروز يقال لها بنت أبي الأعز الأهوازي الجوهري أربع بنات وماتت معها بنت أخرى وماتت المرأة ولم يسمع بمثل هذا.
وحكى أبو الفرج بن الحسين الحداد أن البراج وكان ناظراً في وقف النظامية وكان ابن الرميلي مشرفاً عليه والمدرس يوسف الدمشقي فاتفق ابن البراج وابن الرميلي على أن يكتبا كتاباً على لسان ألدكز إلى يوسف الدمشقي يتضمن إنه من بطانتهم وإنه يشعرهم بما يتجمد في بغداد من الأمور وأن يشكره على ما يصل إليهم منه عولاً على أن يدخلا على يوسف إلى بيته ويسلما عليه ويضعا الكتاب عند مسنده بحيث لا يشعر ثم يخرجا من فورهما إلى الديوان فيعلما الوزير بذلك فانفرد ابن الرميلي على ابن البراج ودخل إلى حاجب الباب فأعلمه بذلك فمضى حاجب الباب إلى الوزير فحدثه فاستدعى ابن الرميلي فسئل عن ذلك فأنكر فأكذبه حاجب الباب واستخف به فقال ابن الرميلي إنما ابن البراج هو الذي يريد أن يفعل ذلك فاستدعى ابن البراج فأنكر وأحال على ابن الرميلي وحلف بالطلاق الثلاث إنه ما عنده خبر من هذا وقذف ابن الرميلي بالفسق واستبا جميعاً فقال لهما الوزير قوما قبحكما الله فخرجا مفتضحين ونجا يوسف.
وعملت الدعوة في دار الخلافة يوم الثلاثاء ثامن عشرين جمادى الآخرة وحضر أرباب الدولة والصوفية على عادتهم وخلع عليهم وفرق عليهم مال.
وفي رجب: نقص اليزدي عن مشاهرته التي كانت بسبب التدريس بجامع السلطان وكان مبلغها عشرة دنانير فكتب أقوام يقولون نحن نقنع بثلاثة فقيل لهم هو أحق بهذا فقنع بذلك ودرس ورضي بذلك القدر.
وتوفي الوزير فقبض على ولديه وأخذ حاجبه ابن تركان فحبس في دار استاذ الدار وقدم رجل مغربي فنصب جذعاً طويلاً ووقف على رأسه يعالج فحاكاه صبي عجان وطاف العجان البلاد فقدم وقد اكتسب الأموال والجواري والخدم فنصب جذعين طويلين شد أحدهما إلى الآخر وصعد ورقص على كرة معه بحبال وحمل جرة ماء على رأسه ولبس سراويله هنا ورمى نفسه واستقبلها بحبل مشدود فحصل له مبلغ.
وفي ذي القعمة: وقع الحريق في السوق الجديد من درب فراشة إلى مشرعة الصباغين من الجانبين فذهب في ساعة حتى لم يبق للخشب الذي في الحيطان أثر. وفي ذي الحجة: وقع حريق في الحضائر والدور التي تليها وتفاقم الأمر. ورخص السكر في هذه السنة والنبات فكان ينادى على السكر قيراط وحبة رطل وعلى النبات نصف رطل بقيراط وحبة وحبة وهذا شيء لم يعهد.
ذكر من توفي في هذه من الأكابر
عمر بن بهليقا الطحان


عمر جامع العقبة بالجانب الغربي، وكان مسجداً لطيفاً فاشترى ما حوله وأوسعه وسمت همته حتى استأذن أن يجعله جامعاً فأذن له، إلا أن أكثر المواضع التي اشتراها كانت ترباً فيها موتى فأخرجوا وبيعت، وكان المسجد الأول، مما يلي الباب والمنارة.
وتوفي في يوم الإثنين ثامن عشر ذي القعدة من هذه السنة، ودفن على باب الجامع بعيداً من حائطه، ثم نبش بعد أيام وأخرج فدفن ملاصقاً لحائط الجامع ليشتهر ذكره بأنه بنى الجامع فتعجب من هذا بعض من له فطنة، وقال: هذا رجل سعى في نبش خلق من الموتى وأخرجهم وجعل تربتهم مسجداً فقضى عليه بأن نبش بعد دفنه.
محمد بن عبداللّه بن العباس بن عبد الحميد، أبوعبد الله الحراني ولد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، وشهد عند أبي الحسن الدامغاني في سنة أربع وخمسمائة، زكاه أبو سعد المخرمي وأبو الخطاب الكلوذاني وعاش حتى لم يبق من شهود الدامغاني غيره وسمع الحديث الكثير من طراد والتميمي وأبي الحسن بن عبد الرزاق الأنصاري وكان لطيفاً ظريفاً وجمع كتاباً سماه روضة الأدباء، فيه نتف حسنة وسمعت منه أشياء ولي منه إجازة وزرته يوماً فأطلت الجلوس عنده فقلت قد ثقلت فأنشدني:
لأن سميت إبراماً وثقلاً ... زيارات رفعت بهن قدري
فما أبرمت إلاحبل ودي ... ولاثقلت إلا ظهر شكري
توفي ابن الحراني يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة من هذه السنة وتقدم الوزير بفتح الجامع للصلاة عليه في بكرة الأحد فصلي عليه يوم الأحد ودفن بمقبرة الفيل من باب الأزج.
محمد بن محمد بن الحسين، أبو يعلى ابن الفراء ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث من أبيه وعمه وابن الحصين وغيرهم وتفقه على والده وأفتى ودرس وكان له ذكاء وفهم جيد وتولى القضاء بباب الأزج وبواسط ثم أشهد قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني على نفسه ببغداد أنه قد عزله عن القضاء فذكر عنه إنه لم يلتفت إلى العزل ثم خاف من حكمه بعد العزل فتشفع بابن أبي الخير صاحب البطيحة إلى الخليفة حتى أمنه فقدم بعد إحدى عشرة سنة وقد ذهب بصره فلازم بيته فلما مرض طلب أن يدفن في دكة أحمد بن حنبل.
قال لي عبد المغيث: بعث بي إلى الوزير فقال في الدكة جدي لأمي فأنكر الوزير هذا وقال كيف تنبش عظام الموتى فتوفي ليلة السبت خامس جمادى الآخرة من هذه السنة ودفن عند آبائه بمقبرة أحمد.
مرجان الخادم كان يقرأ القرآن ويعرف شيئاً من مذهب الشافعي وتعصب على الحنابلة فوق الحد حتى إن الحطيم الذي كان برسم الوزير ابن هبيرة بمكة يصلي فيه ابن الطباخ الحنبلي مضى مرجان وأزاله من غير تقدم بغضاً للقوم وناصبني دون الكل.
وبلغني أنه كان يقول: مقصودي قلع هذا المذهب، فلما مات الوزير ابن هبيرة سعى بي إلى الخليفة وقال عنده كتب من كتب الوزير فقال الخليفة هذا محال فإن فلاناً كان عنده أحد عشر ديناراً لأبي حكيم وكان حشرياً فما فعل فيها شيئاً حتى طالعنا. فنصرني الله عليه ودفع شره.
ولقد حدثني سعد الله البصري وكان رجلاً صالحاً وكان مرجان حينئذ في عافية قال: رأيت مرجان في المنام ومعه اثنان قد أخذا بيده فقلت إلى أين؟ قالا إلى النار، قلت لماذا؟ قالا: كان يبغض ابن الجوزي.
ولما قويت عصبيته لجأت إلى الله سبحانه ليكفيني شره فما مضت إلا أيام حتى أخذه السل.
فمات يوم الأربعاء، حادي عشر ذي القعدة من هذه السنة ودفن بالترب.
يحيى بن محمد، أبو المظفر ابن هبيرة الوزير ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقرأ بالقرا آت وسمع الحديث الكثير وكانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض وتفقه وصنف في تلك العلوم وكان متشدداً في اتباع السنة وسير السلف ثم أمضه الفقر فتعرض للعمل فجعله المقتفي مشرفاً في المخزن ثم رقاه إلى أن صيره صاحب الديوان ثم استوزره فكان يجتهد في اتباع الصواب ويحذر الظلم ولا يلبس الحرير، وقال لي لما رجع من الحلة وكان قد خرج لدفع بعض العصاة دخلت على المقتفي فسلمت فقال ادخل هذا البيت فدخلت فإذا خادم وفراش ومعه خلعة حرير فقلت أنا والله ما ألبس هذا فخرج الخادم فأخبر المقتفي فسمعت صوت المقتفي قد والله قلت إنه ما يلبس وكان المقتفي معجباً به يقول ما وزر لبني العباس مثله.


وكان المستنجد معجباً به وقد ذكر أنه لما ولي المستنجد بالله دخل عليه فقال له يكفي في إخلاصي إني ما حابيتك في زمن من أبيك فقال صدقت.
وقال مرجان الخادم: سمعت المستنجد ينشد وزيره أبا المظفر ابن هبيرة، وقد مثل بين يدي السدة الشريفة في أثناء مفاوضة ترجع إلى تقرير قواعد الدين وإصلاح أمر المسلمين وأنشده لنفسه مادحاً له:
صفت نعمتان خصتاك وعمتا ... فذكرهما حتى القيامة ينشر
وجودك والدنيا إليك فقيرة ... وجودك والمعروف في الناس ينكر
فلو رام يايحيى مكانك جعفر ... ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر
ولم أر من ينوي لك السوء يا أبا الم ... ظفر إلا كنت أنت المظفر
وكان الوزير مبالغاً في تحصيل التعظيم للدولة قامعاً للمخالفين بأنواع الحيل حتى حسم أمور السلاطين السلجوقية ولما جلس في الديوان في أول وزارته أحضر رجلان من غلمان الديوان فقال دخلت يوماً إلى هذا الديوان فقعدت في مكان فجاء هذا فأقامني فقال قم فليس هذا موضعك. فأقامني فأكرمه وأعطاه. ودخل عليه يوماً تركي فقال لحاجبه أما قلت لك أعط هذا عشرين ديناراً أو كراً من الطعام وقل له لا يحضر ها هنا فقال قد أعطيناه، فقال عد وأعطه وقل له لا تحضر ثم التفت إلى الجماعة فقال لا شك أنكم ترومون سبب هذا فقالوا نعم فقال هذا كان شحنة في القرى فقتل قتيل قريباً من قريتنا فأخذ مشايخ القرى فأخذني مع الجماعة وأمشاني مع الفرس وبالغ في أذاي وأوثقني ثم أخذ من كل واحد شيئاً وأطلقه ثم قال لي أيش بيدك؟ فقلت ما معي شيء فانتهرني وقال اذهب. وأنا لا أريد اليوم، أذاه وأبغض رؤيته.
وكان آخر قد آذاه في ذلك الزمان وضربه فلما ولي الوزارة أحضره وأكرمه وولاه.
وكان يتحدث بنعم الله عليه ويذكر في منصبه شدة فقره القديم فيقول نزلت يوماً إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به. وكان يكثر مجالسة العلماء والفقراء وكانت أمواله مبذولة لهم وللتدبير فكانت السنة تدور عليه ديون.
وقال: ما وجبت علي زكاة قط وكان إذا استفاد شيئاً قال أفادنيه فلان حتى إنه عرض له يوماً حديث وهو: " مَنْ فاته حزبه بالليل فصلاه قبل الزوال كان كأنه صلاه بالليل " .
فقال: ما أدري ما معنى هذا فقلت له هذا ظاهر في اللغة والفقه أما اللغة: فإن العرب تقول: كنت الليلة إلى وقت الزوال، وأما الفقه: فإن أبا حنيفة يصحح الصوم بنية قبل الزوال فقد جعل ذلك الوقت في حكم الليل فأعجبه هذا القول وكان يقول بين الجمع الكثيرما كنت أعرف ما معنى هذا الحديث حتى عرفنيه فلان فكنت أستحيي من الجماعة. وجعل لي مجلساً في داره كل جمعة يحضره ويطلق العوام في الحضور وكان بعض الفقراء يقرأ القرآن في داره فأعجبه فقال لزوجته إني أريد أن أزوجه ابنتي فغضبت الأم ومنعت من ذلك.
وكان يقرأ عنده الحديث في كل يوم بعد العصر فحضر فقيه مالكي فذكرت مسألة فخالف فيها ذلك الفقيه فاتفق الوزيروجميع العلماء على شيء وذلك الفقيه يخالف فبدر من الوزير أن قال له أحمار انت أما ترى الكل يخالفونك وأنت مصر. فلما كان في اليوم الثاني قال الوزير للجماعة جرى مني بالأمس ما لا يليق بالأدب حتى قلت له تلك الكلمة، فليقل لي كما قلت له فما أنا إلا كأحدكم، فضج المجلس بالبكاء وأخذ ذلك الفقيه يعتذر ويقول أنا أولى بالإعتذار والوزير يقول القصاص القصاص فقال يوسف الدمشقي يا مولانا إذا أبى القصاص فالفداء. فقال الوزير له حكمه فقال الرجل نعمك علي كثيرة فأي حكم بقي لي قال لا بد قال علي بقية دين مائة دينار، فقال تعطى مائة دينار لإبراء ذمته ومائة لإبراء ذمتي فأحضرت في الحال فلما أخذها قال الوزير عفا الله عنك وعني وغفر لك ولي.
وكان الوزير يتأسف على ماضي زمانه عن تندم ما دخل فيه وقال لي كان عندنا بالقرية مسجد فيه نخلة تحمل ألف رطل فحدثت نفسي أن أقيم في ذلك المسجد وقلت لأخي محب الدين نقعد أنا وأنت وحاصلها يكفينا ثم لم انظر إلى ماذا صرت.


ثم صار يسأل الله الشهادة ويتعرض بأسبابها. كان الوزير صحيحاً ليس به قلبة في يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى من هذه السنة نام ليلة الأحد في عافية فلما كان وقت السحر قاء فحضر طبيب كان يخدمه يقال له ابن رشادة فسقاه شيئاً فيقال إنه سمه فمات وسقى الطبيب بعده بنحو ستة أشهر سماً فكان يقول سقيت كما سقيت فمات.
قال المصنف رحمه الله: وكنت ليلة موت الوزير نائماً بين جماعة من أصحابي على ظهر سطح فرأيت في المنام مع انشقاق الفجر كأني في دار الوزير وهو جالس فدخل رجل بيده حربة فضرب بها بين انثييه فخرج الدم كالفوارة فضرب الحائط فالتفت فإذا خاتم ذهب ملقى فأخذته بيدي وقلت لمن أعطيه؟ أنتظر خادماً يخرج فأسلمه إليه فانتبهت فأخبرت من كان معي فما استتممت الحديث حتى جاء رجل فقال مات الوزير، فقال من معي هذا محال أنا فارقته أمس العصر وهو في كل عافية، فجاء آخر وآخر فصح الحديث ونفذ إلي من داره فحضرت فقال لي ولده لا بد أن تغسله فغسلته ورفعت يده ليدخل الماء في مغابنه فسقط الخاتم من يده فحيث رأيت الخاتم تعجبت من ذلك ورأيت في وقت غسله آثاراً بوجهه وجسده تدل على أنه مسموم وحملت جنازته يوم الأحد إلى جامع القصر فصلى عليه ثم حمل إلى مدرسته التي بناها بباب البصرة فدفن بها وغلقت يومئذ أسواق بغداد وخرج جمع لم نره لمخلوق قط في الأسواق وعلى السطوح وشاطىء دجلة وكثر البكاء عليه لما كان يفعله من البر وبظهره من العدل. وقيل في حقه مرات كئيرة فمنها قول نصر البحتري:
ألمم على جدث حوى ... تاج الملوك وقل سلام
واعقر سويداء الضم ... يرفليس يقنعني السوام
وتوق أن تبنى حياة ... دمع عينك أو ملام
فإذا ارتوت تلك الجنا ... دل من دموعك والرغام
فأقم صدور اليعملا ... ت فبعد يحيى لامقام
ذهب الذي كانت تقيد ... ني مواهبه الجسام
فإذا نظرت إليه لم ... يخطر على قلبي الشآم
غاض الندى الفياض عن ... راجيه واشتد الأوام
وتفرقت تلك الجمو ... ع وقوضت تلك الخيام
عجباً لمن يغتر بال ... دنيا وليس لها دوام
عقبى مسرتها الأسى وعقيب صحتها السقام
ما مت وحدك يوم م ... ت وإنما مات الأنام
يأبى لي الإحسان أن ... أنساك والشيم الكرام
ثم دخلت
سنة إحدى وستين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في يوم الأربعاء ثالث المحرم عاد الخليفة من الكشك إلى الدار وأخذ الناس يرجفون لأجل عجلة هذا المجيء فقال قوم قد وصل أهل الموصل إلى دقوقا وقال قوم بل عسكر من قبل الماهكي وحَكى بعض الجند أنهم ما ناموا تلك الليلة لخبر جاءهم به إنسان تركماني وأرادوا الدخول ليلاً فأشير عليهم أن لا يفعلوا لئلا ينزعج الناس وظهر في هذه الأيام من الروافض أمر عظيم، من ذكر الصحابة وسبهم وكانوا في الكرخ إذا رأوا مكحول العين ضربوه ورفع على قيماز أنه قد أخذ من مال الحلة مالاً كثيراً فأدى عشرين ألفاً وأخذت المدرسة التي بناها ابن الشمحل فأحرز فيها غلة وقلعت القبلة منها.
وفي هذه السنة: جاء الحاج على غير الطريق خوفاً من العرب لكنهم لقوا شدة ورخصت الأسعار في ربيع الأول فحدثني بعض جيراننا إنه اشترى كارة دقيق باثني عشر قيراطاً قال واشتريتها في زمن المسترشد بإثني عشر ديناراً.
وفي رابع ربيع الآخر خرج الخليفة إلى الكشك وصلى يوم الجمعة في جامع المهدي وظهر في هذه الأيام بين العوام الشتم والسب بسبب القرآن وكان ابن المشاط بعد في بغداد وكان يجلس في الجامع فيقال له: " آلم " كلام الله؟ فيقول: لا.
فقيل له: " والتين والزيتون " ؟ فقال: التين في الريحانيين والزيتون يباع في الأسواق.


وفي ربيع الآخر هرب عز الدين محمد بن الوزير بن هبيرة وكان محبوساً ونصب سلماً وصعد عليه في جماعة فغلقت أبواب دار الخليفة ونودي عليه في الأسواق وإن من أطلعنا عليه فله كذا ومن أخفاه أبيح ماله فجاء رجل بدوي فأخبرهم إنه في جامع بهليقا وكان ذلك البدوي صديقاً للوزير فأطلعه هذا الصبي على حاله فضمن له أن يهرب به فلما أخذ ضرب ضرباً وجيعاً وأعيد إلى السجن ثم رمي في مطمورة. وحدثني بعض الأتراك وكان محبوساً عندهم أنهم صاحوا بابن الوزير من المطمورة فتعلق بحبل وصعد فمدوه وجلس واحد على رجليه وآخر على رأسه وخنق بحبل ومنع القصاص كلهم من القصص في أواخر جمادى الآخرة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن بن العباس بن أبي الطيب بن رستم، أبو عبد الله الأصبهاني قال عبد الله الحياني الشيخ الصالح: ما رأيت أحداً أكثر بكاء من الحسن الأصبهاني. قال وسمعت محمد بن سالار أحد أصحابه يقول سمعت شيخي أبا عبد الله ابن الرستمي يقول وقفت على ابن ماشاذة وهو يتكلم على الناس فلما كان الليلة رأيت رب العزة في المنام وهو يقول يا حسن وقفت على مبتدع ونظرت إليه وسمعت كلامه لأحرمنك النظر في الدنيا فاستيقظت كما ترى.
قال عبدالله الحياني فكانت عيناه مفتوحتين وهو لايبصر بهما شيئاً.
توفي في صفرهذه السنة بأصبهان.
عبد القادر بن أبي صالح، أبو محمد الجيلي ولد سنة سبعين وأربعمائة ودخل بغداد فسمع الحديث من أبي بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار وأبي القاسم علي بن أحمد بن بيان الرزاز وأبي طالب بن يوسف وتفقه على أبي سعد المخرمي وكان أبو سعد قد بنى مدرسة لطيفة بباب الأزج ففوضت إلى عبد القادر فتكلم على الناس بلسان الوعظ وظهر له صيت بالزهد وكان له سمت وصمت فضاقت مدرسته بالناس فكان يجلس عند سور بغداد مستنداً إلى الرباط ويتوب عنده في المجلس خلق كثير فعمرت المدرسة ووسعت وتعصب في ذلك العوام وأقام في مدرسته يدرس ويعظ إلى أن توفي ليلة السبت ثامن ربيع الآخر ودفن في الليل بمدرسته وقد بلغ تسعين سنة.، أبو الفضائل بن شقران كان في مبتدأ أمره يتلمذ على أبي العز الواعظ ثم صار فقيهاً بالنظامية وصار معيداً ثم وعظ وأخذ ينصر مذهب الأشعري ويبالغ فتقدم الوزير بمنعه فحط عن المنبر يوم جلوسه ثم ترك الوعظ وأقام برباط بهروزوز مدة وغلبت عليه الرطوبة فمات بعد مرض طويل في يوم السبت خامس صفر هذه السنة ودفن بمقبرة درب الخبازين.
ثم دخلت
سنة إثنتين وستين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وقع الأرجاف بمجيء شملة التركماني إلى قلعة الماهكي وبعث يطلب ويقتطع فامتنع الخليفة أن يعطيه ما طلب من البلاد وبعث الخليفة أكثر عسكر بغداد إلى حربه ونفذ إليه يوسف الدمشقي في رجاله وجاء ثم عاد فتوفي يوسف هناك وأرجف الناس بمجيء العسكر من باب همذان فغلت الأسعار ثم عادوا فقالوا ليس لهذا الأرجاف أصل.
ووصل صاحب المخزن إلى بغداد من مكة وجاء رخص الزاد وكثرة الماء وإنهم نقضوا القبة التي بنيت بالمدينة للمصريين.
وفي يوم الأربعاء ثامن عشر صفر أخرج ابن الوزير الكبير المسمى شرف الدين من محبسه ميتاً فدفن عند أبيه بباب البصرة.
وفي سابع رجب عملت الدعوة في دار الخليفة وفرقت الأموال.
وفي يوم الخميس ثاني عشر رجب جاء رجال ونساء من الجانب الغربي من الحريم إلى نهر معلى فاستعاروا حلياً للعرس فأعيروا فنزلوا في سميرية ليمضوا إلى الحريم فلما وصلت السفينة إلى الجناح عند دار السلطان انكفأت بهم فغرقوا وتلف ما معهم.
وفي هذا اليوم هبت ريح شديدة قصفت النخل والشجر ورمت الأخصاص وتبعها مطر وبرد كثير ووقع بهذه الريح حائط من دار بيت القهرمانة في الجانب الغربي مما يلي الحريم فظهر بين الآجر سطيحة فيها تسعة أرطال ذهباً فأخذها الذي وجدها وأعلم بها المخزن فأخذت منه وذكر أن هذا الذهب خبأه ابن القهرمانة لأولاده وأعلم به غلاماً له وقال قد تركت في هذا الحائط ذهباً لأولادي فلا تعلمهم به إلا أن يحتاجوا إليه فلما مات أخبرهم به الغلام وزعم أنه قد شذ منه الموضع فضربوه فمات.
وفي هذه السنة: تزوج أمير المؤمنين ابنة عمه أبي نصر بن المستظهر بالله واجتمع بها في أيام الدعوة التي تختص بالصوفية.


وفي يوم السبت عاشر شوال: عبر أهل بغداد إلى الجانب الغربي نحو الظاهرية يتفرجون في صيد السمك لأن الماء زاد في الفرات حتى فاض إلى تلك الأجمة ولها نيف وثلاثون سنة لم ينعقد فيها سمك وإنما صارت مزارع فكثر سمكها.
وفي هذه السنة عاد ضمانها حتى كان يباع ثلاثة أرطال أو أربعة أرطال بحبة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
علي بن أبي سعد بن إبراهيم، أبو الحسن، الخباز الأزجي سمع الحديث الكثير وحصل الأصول وحدث.
وتوفي يوم الأربعاء عاشر شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة أحمد.
محمد بن الحسن بن محمد علي بن حمدون، أبوالمعالي الكاتب كانت له فصاحة وولي ديوان الزمام مدة وصنف كتاباً سماه التذكرة وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقابر قريش.
ثم دخلت
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن الحاج وصلوا إلى العراق سالمين فخرجت عليهم بنو خفاجة في طريق الحلة فقطعوا قطعة من الحاج فأخذوا أموالهم وقتلوا جماعة وحكى الناس إن التجار لم يبيعوا شيئاً بمكة على عادتهم لإن حاج مصر لم يأتوا لاشتغالهم بما حدث عندهم من القتال بمضي نور الدين وشيركوه.
وفي رابع صفر: وصل ابن البلدي من واسط فتلقاه الموكب وفيهم قاضي القضاة وحاجب الباب والحجاب بالسواد فخرج قيماز لتلقيه قبل ذلك بيوم ولما قرب من موازاة التاج عبر أستاذ الدار فتلقاه فنزل في السفن وصعد باب الحجرة وخلع عليه خلعة سنية حسنة وقلد سيفاً وجعل في ركابه سيف وخرج راكباً من باب الحجرة إلى الديوان فجلس هناك إلى إصفرار الشمس ونهض الوزير إلى الدار التي كان فيها ابن هبيرة بباب العامة، وخرج التشرينان بغير مطر وكثر الموت.
وفي صبيحة الإثنين: وقع وفر إلى أن طبق الأرض إلى قريب نصف الليل.
وفي هذه السنة: بيع الورد مائة رطل بقيراط وحبة.
وفيها: مات قاضي القضاة جعفر بن الثقفي وبقيت بغداد ثلاتة وعشرين يوماً بلا قاض في ربع من الأرباع ولا قاضي قضاة حتى ولي روح ابن الحديثي القضاء يوم الخميس رابع عشر رجب.
وفي شعبان: جلس المحتسب بباب بدرعلى ما جرت به العادة فأخذ جماعة من المتعيشين ثم أمر بتأديب أحدهم فرجم المحتسب بالآجر إلى أن كاد يهلك واختفى ولم يجسر أن يركب حتى نفذ إلى حاجب الباب فبعث إليه المستخدمين فمشوا معه إلى بيته وأخذ أولئك الطوافون فعوقبوا وحبسوا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة، أبوالمعالي سمع أبا سعد بن حشيش وابن النظر وثابت بن بندار وغيرهم وكان ثقة.
وتوفي في رمضان هذه السنة.
أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف، أبوالعباس القطيعي سمع الحديث وتفقه على القاضي أبي يعلى وناظر ووعظ.
وتوفي في رمضان هذه السنة ودفن بالحلبة.
أحمد بن المقرب بن الحسين، أبوبكر الكرخي ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة روى عن طراد وابن النظر وغيرهما وكان ثقة توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
أحمد بن هبة اللّه بن عبد القادر بن المنصوري، أبو العباس الهاشمي سمع الحديث من شيخنا أبي الحسن بن عبد الواحد الدينوري، وكان معدلاً.
وتوفي في هذه السنة ودفنن بتربة لهم عند جامع المنصور.
جعفر بن عبد الواحد، أبو البركات الثقفي ولد في محرم سنة تسع عشرة وخمسمائة وسمع الحديث من أبي القاسم الحريري وولي قضاء القضاة بعد أبيه وكان أبوه قد أقام في القضاء أشهراً ثم مات فدفن بدرب بهروز فلما مات الولد أخرجا فدفنا عند رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور وكان سبب موت هذا الولد إنه طولب بمال خرجه عليه رجل من أهل الكوفة فضاق صدره وأشرف على بيع عقاره وكلمه الوزير ابن البلدي بكلمات خشنة فقام الدم ومات.
سعد بن محمد بن طاهر، أبو الحسن المقرىء ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة وسمع من أبي القاسم ابن بيان وغيره وكان يسمع معنا على أبي القاسم الحريري وغيره ويقرأ القرآن فبينا هو جالس في مسجده يقرأ مال فوقع ميتاً وذلك في يوم الإثنين سادس عشر ربيع الآخر ودفن بمقبرة العقبة من الجانب الغربي.
عبد الكريم بن محمد بن منصور، أبو سعد السمعاني


دخل إلى بغداد سنة اثنتين وثلاثين وسمع معنا على المشايخ وسافر في طلب الحديث وذيل على، تاريخ بغداد وكان قد كتب شجاع الذهلي من التذييل شيئاً وكتب أبو الفضل بن خيرون وفيات المشايخ فجمع هو ذلك وتلقف من أشياخنا كعبد الوهاب ومحمد بن ناصر ومن بقي من الأشياخ ما يصلح أن يذكر من زمن الخطيب إلى زمانه إلا أنه كان يتعصب على مذهب أحمد ويبالغ فذكر من أصحابنا جماعة وطعن فيهم بما لا يوجب الطعن مثل إن قال عن عبد القادر كان يلقي الدرس المشستكة، وإنما كان الرجل مريض العين وقال عن ابن ناصر كان يحب الطعن في الناس وهذا وقد أخذ أكثر كتابه عنه واحتج بقوله في الجرح والتعديل فقد أزرى به، قال على نفسه في كل ما أورده عنه من جرح أوتعديل وما كان ينبغي أن يحتج به في شيء ثم قد كان يلزمه أن يقول طعن في فلان وليس بموضع الطعن وأي شغل للمحدث غير الجرح والتعديل فمن عد ذلك طعناً مذموماً فما عرف العلم فشفى أبوسعد غيظه بما لا معنى فيه في كتابه فلم يرزق نشره لسوء قصده فتوفي وما بلغ الأمل ولو أن متتبعاً يتبع ما في كتابه من الأغاليط، والأنساب المختلطة ووفاة قوم هم في الأحياء وغير ذلك من الأغاليط لأخر أشياء كثيرة غير أن الزمان أشرف من أن يُضيع في مثل هذا وهذا الرجل كانت مشقعة عجيبة فإنه كان يأخذ الشيخ البغدادي فيجلس معه فوق نهر عيسى ويقول حدثني فلان من وراء النهر ويجلس معه في رقة بغداد ويقول حدثني فلان بالرقة، في أشياء هذا الفن لا تخفى على المحدثين، وكان فيه سوء فهم وكان يقول في ترجمة الرجل حسن القامة وليست هذه عبارة المحدثين في المدح، وقال في عجوز يقرأ عليها الحديث وهي من بيت المحدثين أبوها محدث وزوجها محدث وقد بلغت سبعين أو زادت فقال كانت عفيفة وهذا ليس بكلام من يدري كيف الجرح والتعديل وذكر في ترجمة ابن الصيفي الشاعر فقال: المجان ببغداد يقولون هو الحيص بيص وله اخت اسمها دخل وخرج. ومثل هذا لا يذكره عاقل ولا نرى التطويل بمثل هذه القبائح. توفي ابن السمعاني ببلده في هذه السنة ووصل الخبر بذلك إلى بغداد.
عبد القاهر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عمويه، أبو النجيب السهروردي كان يذكر أنه من أولاد محمد بن أبي بكر الصديق ويقول مولدي تقريباً في سنة تسعين. سمع الحديث وتفقه ودرس بالنظامية وبنى لنفسه مدرسة ورباطاً ووعظ مدة وكان متصوفاً.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ودفن بمدرسته.
محمد بن عبد الحميد بن الحسن، أبو الفتح الرازي، العلاء العالم من أهل سمرقند كان فقيهاً فاضلاً ومناظرأ من الفحول وصنف التعليقة المعروفة بالعالمي ودخل بغداد وحضر مجلسي للوعظ. قال أبو سعد السمعاني كان مدمناً للخمر على ما سمعت فكان يقول ليس في الدنيا راحة إلا في شيئين كتاب أطالعه أو باطية من الخمر أشرب منها. قال المصنف ثم سمعت عنه أنه تنسك وترك المناظرة واشتغل بالخير إلى أن توفي.
هبة الله بن أبي عبد اللّه بن كامل بن حبيش، أبو علي قرأ القرآن وتفقه على ابن القاضي وسمع الحديث على شيخنا أبي بكر بن عبد الباقي وتقدم في رباط بدر زيجان على جماعة من الصوفية وكان من أهل الدين، توفي في محرم هذه السنة ودفن بمقبرة أحمد قريباً من بشر الحافي.
يوسف بن عبد الله، البندار الدمشقي الكبير تفقه على أسعد الميهني وبرع في المناظرة ودرس في النظامية وغيرها وكان متعصباً في مذهب الأشعري وبعث رسولاً نحو خوزستان إلى شملة التركماني فمات هناك في شوال هذه السنة.
ثم دخلت اربع وستين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن بعض غلمان الخليفة واقع العيارين بالدجيل وقتل كثيراً منهم وجاء وبرؤوسهم، واخذ قائدهم. وفي صفر: جلس ابن الشاشي للتمريس بالمدرسة النظامية التتشية على شاطيء دجلة بباب الازج التي كانت بيد يوسف الدمشقي وحضرعنده جماعة من ارباب المناصب.
وفي هذا اليوم: صلب تسعة أنفس وقطعت يد العاشر.
وفي يوم الثلاتاء حادي عشرين ربيع الاول: رئي في صحن دار السلام بدار الخليفة رجل غريب قائم في طريق الخليفة الذي يركب فيه ومعه سكين صغيرة في يده وأخرى كبيرة معلقة في زنده فاستنطقوه فقال انا من حلب فحبس وعوقب البواب.


وفي سابع عشر ربيع الأخر: فؤض إلى ابي جعفر ابن الصباغ نيابة التدريس في النظامية واعتقل تاج الدين اخو استاذ الدار.
وفي جمادى الآخرة: مات حاجب الباب ابن الصاحب وتولى ولده حجبة الباب.
وفي يوم الجمعة عاشر شعبان: دخل قوم من العيارين إلى دار بعض التجار عند سوق العطر فلم يجدوا في الدار الا مملوكاً فسألوه عن المال فقال لا علم لي فقتلوه وفتشوا الدار فلم يجدوا فيها شيئاً وخرجوا ولم يحظوا الا بقتل الغلام.
وفي ليلة النصف من شعبان: اتفقت حادثة عجيبة وهو أن انساناً كان قائماً عند دكان عطار بشارع دار الدقيق فجاء إنسان نفاط يلعب بقارورة النفط فخرجت من يده بغير اختياره فأهلكت ما في الدكان كله وتعلقت بثياب ذلك الرجل القائم هناك إلى ان نزع ثيابه انسلخ جلده من عنقه إلى مشد سراويله وأخذ النفاط فحبس وجرت فتنة فتخلص النفاط.
وفي سادس عشرين شعبان: خرج الوزير إلى الحلة لينظر إلى البلاد ويتعرف احوالها.
وفي رمضان: قبض على يزون وتتامش وسلما إلى قيماز وضيق على قيماز واخذ منه على ما حكي ثلاثون الف دينار جمع فيها مراكبه وآنية داره، وانكسر كسرة عظيمة.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر
أزهر بن عبد الوهاب بن أحمد بن حمزة، أبو جعفر السماك سمع من مشايخنا ابن الحصين والحريري وابي بكر بن عبد الباقي أوعبد الوهاب، وكان ثقة وفيه فضل وادب. وتوفي في محرم هذه السنة.
سعد اللّه بن نصر بن سعيد، الدجاجي، أبوالحسن ولد في رجب سنة ثمانين وأربعمائة وسمع ابوي الخطاب محفوظ بن احمد وعلي بن عبد الرحمن ابن الجراح وتفقه وناظر ووعظ وكان لطيف الكلام حلو الايراد ملازماً للمطالعة إلى أن مات. أنبأنا سعد الله بن نصر قال: كنت خائفاً من الخليفة لحادث نزل فاختفيت فرأيت في المنام كأني في غرفة أكتب شيئاً فجاء رجل فوقف بازائي وقال اكتب ما أملي عليك وأنشد:
ادفع بصبرك حادث الأيام ... وترج لطف الواحد العلام
لا تأيسن وان تضايق كربها ... ورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالى بين ذلك فرجة ... تخفي على الابصار والاوهام
كم من نجا من بين اطراف القنا ... وفريسة سلمت من الضرغام
وسئل في مجلس وعظه وانا اسمع عن اخبار الصفات فنهى عن التعرض بها وامر بالتسليم لها وأنشد:
أبى الغائب الغضبان يانفس ان يرضى ... وانت التي صيرت طاعته فرضا
فلا تهجري من لا تطيقين هجره ... وان هم بالهجران خدك والأرضا
توفي في شعبان من هذه السنة ودفن إلى جانب رباط الزوزني في ارضاء الصوفية لأنه اقام عندهم مدة حياته فبقي على هذا خمسة ايام وما زال الحنابلة يلومون ولده على هذا ويقولون مثل هذا الرجل الحنبلي اي شيء يصنع عند الصوفية؟ فنشبه بعد خمسة أيام بالليل وقال كان قد اوصى ان يدفن عند والديه ودفنه عندهما بمقبرة أحمد.، أبو طالب بن المستظهر بالله توفي في رمضان وحمل إلى التراب في الماء وكان من المشايخ المتقدمين في الدار وكان له بر ومعروف.
محمد بن عبد الباقي بن احمد بن سلمان أبو الفتح، ابن البطي ولد سنة سبع وسبعين وسمع مالك بن علي البانياسي وحمد بن احمد الحداد وابن النظر والتميمي وغيرهم وكان سماعه صحيحاً سمعنا منه الكثير، كان يحب أهل الخير ويشتهي ان يقرأ عليه الحديث. وتوفي يوم الخميس سابع عشرين جمادى الأولى من هذه السنة ودفن بمقبرة باب أبرز.
المبارك بن علي بن حصير، أبو طالب الصيرفي سمع الحديث وروى عن أبي الحسين بن العلاف وغيره. وكان ثقة صحيح السماع.
وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشر ذي الحجة من هذه السنة.
محمد بن المبارك بن الحسين بن إسماعيل، أبو بكر ابن الحصري صديقنا. ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة وقرأ القرآن وسمع الحديث من الرقي وأبي عبد الله ابن البناء وابي بكر بن عبد الباقي وغيرهم وتفقه على ابي يعلى وناظر وولي القضاء بقرية عبد الله من واسط، توفي في رجب هذه السنة ببغداد فجاءة ودفن بالزرادين وكان عمره أربعاً وخمسين سنة.
محمد الفارقي


كان يتكلم على الناس قاعداً وربما قام على قدميه في دار سيف الدولة من الجامع وكان يقال انه كان يحفظ كتاب نهج البلاغة ويغير الفاظه وكانت له كلمات حسان في الجملة توفي في يوم الجمعة حادي عشر رجب هذه السنة وصلي عليه وقت صلاة الجمعة ودفن بباب المختارة، معمر بن عبد الواحد، بن رجاء، أبو أحمد الأصفهاني كان من الحفاظ الوعاظ وله معرفة حسنة بالحديث وكان يخرج ويملي سمعت منه الحديث ببيت في الروضة بالمدينة وكان يروي عن أصحاب ابي نعيم الحافظ. وتوفي بالبادية ذاهباً إلى الحج في ذي القعدة من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة خمس وستين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في ثالث صفر فوض إلى اليزدي تدريس مشهد ابي حنيفة فمضى ومعه حاجب من الديوان فدرس هناك. وفي ثامن صفر: عبر العيارون من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي الى الحاج وقد تحصنوا بالبيوت داخل البلد فأخذوا اموالهم وانحدروا في السفن يضربون الطبل ولم يطلبوهم ثم وقع منهم اقوام فظهرعليهم شيء يسير.
وفي ثالث ربيع الأول: جاء المكيون بخرق البحر والهدايا كما جرت العادة والطبول بين ايديهم وكان معهم ثلاثة افراس وبغلة وانطع من الأدم ومضوا إلى الديوان وفي ربيع الآخر: خرج الخليفة إلى الصيد.
وفي جمادى الأولى: وقعت حادثة عظيمة للنصارى تعدى ضررها إلى المسلمين وذلك انه خطب ابن مخلد النصراني إلى ابن التلميذ ابنته فامتنع ابن التلميذ والتجأ مخلد إلى الجاه واخذ من غلمان الباب والفراشين جماعة فأحضر الجاثليق واستاذ الدار البنت فأذنت فعقدوا عليها وحملوها إلى ابن مخلد فشكا ابن التلميذ إلى الخليفة فأخذ ابن مخلد وعوقب مائة خشبة وفرق بينه وبين الزوجة ووكل بالجاثليق بالديوان واخرج من كاتب حكيم من الدار لانه كان مع القوم وضرب صاحب الخبر في الباب ضرباً عجيباً لانه قصر في العقوبة وحطت مرتبة حاجب الباب عن منزلته وجعل نائباً لا يجلس على مخدة ولا بين يديه دواة وفوضت العلامة في الكتب إلى ابن البراج فلا تشهد الشهود الا في كتاب فيه علامته.
وفي ذي القعدة: وردت الاخبار بوقوع زلازل كثيرة بالشام وقع منها نصف حلب ويقال هلك من اهلها ثمانون الفاً.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن صالح بن شافع، أبو الفضل الجيلي ولد سنة عشرين وخمسمائة وقرأ القرآن وسمع الحديث من ابي غالب ابن البناء وأبي عبد الله ابن السلال والارموي ويحيى بن ثابت وأبي الوقت وغيرهم وقرأ على ابن ناصر معظم حديثه وشهد. وتوفي في شعبان هذه السنة ودفن على أبيه في دكة الإمام احمد.
أحمد بن عمر بن محمد بن لبيدة، أبوالعباس الأزجي قرأ القرآن وسمع من ابن الحصين وابن خيررن والقزاز وابن السلال وغيرهم وكان فيه خير خرج إلى مكة. فتوفي في الطريق ودفن بزبالة في هذه السنة.
الحسين بن محمد، أبو المظفر ابن السبيبي عامل قوسان. حبس مديدة ثم قطعت يده ورجله وحمل إلى المارستان. فتوفي في محرم هذه السنة وكان أديباً لطيفاً له شعرحسن. ومما قال من الشعر يتشوق أهله:
سلام على اهلي وصحبي وجلاسي ... ومن في فؤادي ذكرهم راسب راسي
أحبة قلبي قل صبري عنكمُ ... وزاد بكم وجدي وحزني ووسواسي
اعالج فيكم كل هم ولا أرى ... لداء همومي غير رؤيتكم آسي
خذوا الواكف المدرار من فيض ادمعي ... وحر لهيب النار من كرب أنفاسي
لقد أبدت الأيام لي كل شدة ... تشيب لها الاكباد فضلاً عن الراس
أقول لقلبي والهموم تنوشه ... وقد حدثته النفس بالصبر والياس
وكيف اصطباري عنكمُ وتجلدي ... على فقدكم ويلي على قلبي القاسي
ومن لي بطيف منكم أن يزورني ... على الليلة الليلاء في جنح ديماس
طاووس أم المستنجد توفيت في يوم الثلاثاء سابع عشر شعبان وحملت إلى الترب بالرصافة وكان الوزير وأستاذ الدار قائمين وأرباب الدولة في السفن قياماً إلى أن حملت.
ثم دخلت
سنة ست وستين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها


أنه وقع حريق عظيم في درب المطبخ ثم في سويقة خرابة ابن جردة ثم ارجف على الخليفة بالمرض لانه انقطع عن الركوب ثم ركب وتصدق بالخبز والبقر وعملت دعوة في دار البدريهَ وخلعت الخلع وضربت الطبول للبشارة بسلامته وجاءت خرق البحر مع المكيين على عادتهم وبين يديها الطبول والهدايا ثم مرض المستنجد باللّه فلما اشتد مرضه كان الاتراك يحفظون البلد مديدة ثم توفي ففتحت الحبوس وأخرج من فيها وما زالت الحمرة الكثيرة عند مرض المستنجد، ترمي ضوءها على الحيطان مثل شعاع الشمس.
باب ذكر خلافة المستضيء بالله
واسمه: الحسن بن يوسف المستنجد بالله، ويكنى: أبا محمد، وأمه أرمنية تدعى: غضة، ولد في سادس شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ولم يتول الخلافة من اسمه الحسن ويكنى أبا محمد إلا الحسن بن علي وهو، فقد اشتركا في الاسم والكنية والكرم، كان له من الولد: أبو العباس أحمد وهو الذي تولى الخلافة بعده وابو منصور هاشم.
بويع المستضيء بأمر الله يوم توفي المستنجد البيعة الخاصة بايعه أهل بيته وبعث إلى الوزير ابن البلدي ان احضر البيعة فلما دخل دار الخلافة وكان في ولايته، قد قطع أنف امرأة ويد رجل بجناية جرت منهما وكان ذلك بتقدم فسلم إلى أولياء القوم ذلك اليوم فقطعوا أنفه ثم يده ثم ضرب بالسيوف وألقي في دجلة وتولى ذلك استاذ الدار ابن رئيس الرؤساء، ثم جلس المستضيء بأمر الله بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر في التاج فبايعه الناس، وصلى في التاج يومئذ على المستنجد ونودي برفع المكوس وردت مظالم كثيرة واظهر من العدل والكرم ما لم نره من اعمارنا واستوزر استاذ الدار وجلس لعزاء المستنجد بذاته ثلاثة ايام وتكلمت في تلك الأيام في بيت النوبة ثم اذن للوعاظ في الوعظ بعد أن كانوا قد منعوا مدة وفرق الامام المستضيء بأمر الله مالا عظيماً على الهاشميين والعلويين والعلماء والاربطة، وكان دائم البذل للمال ليس له عنده وقع، وخلع على ارباب الدولة والقضاة والجند وجماعة من العلماء وحكى خياط المخزن انه فصل الفاً وثلثمائة قباء ابريسم وخطب له على منابر بغداد يوم الجمعة رابع عشر ربيع الاخر ونثرت الدنانير كما جرت العادة وولي روح بن أحمد الحديثي قضاء القضاة يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر وولي يومئذ أبو المحاسن عمر بن علي الدمشقي الحكم بنهر معلى وولي ابن الشاشي النظامية فمضى الدعاة بين يديه.
وفي هذا الشهر: عزل ابن شبيب مشرف المخزن وولي مكانه أبو بكر ابن العطار وجعل ابن شبيب وكيلاً بباب الحجرة وولي من الامراء المماليك نحو سبعة عشر اميراً وقدم فخر الدولة ابن المطلب إلى بغداد وكان مقيماً بمشهد علي عليه السلام وردت عليه املاكه وولي ابن البخاري الديوان. وكسف القمر ليلة النصف من جمادى الأولى وهذا عجب لان عادته الانكساف في ليلة الرابع عشر. وفي يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى: خلع على الوزير الخلع التامة ومشى بين يديه قيماز وقاضىِ القضاة وغيرهما.
وفي يوم الإثنين ثالث عشرين الشهر: جلس الوزير في داره للهناء وانشد الحيص بيص:
اقول وقد تولى الأمر خير ... ولي لم يزل براً تقيا
وقد كشف الظلام بمستضيء ... غدا بالخلق كلهم حفيا
وفاض الجود والمعروف حتى ... حسبناه حبابا أو أتيا
بلغنا فوق ماكنا نرجي ... هنيئأ يا بني الدنيا هنيا
سألنا الله يرزقنا إماماً ... تسر به فأعطانا نبيا
وقال أيضاً:
يا امام الهدى علوت عن الجو ... د بمال وفضة ونضار
فوهبت الاعمار والأمن والبا ... دان في ساعة مضت من نهار
فبماذا اثني عليك وقد جا ... وزت فضل البحور والامطار
انما أنت معجز مستمر ... خارق للعقول والأفكار
جمعت نفسك الشريفة بين الب ... اس والجود بين ماء ونار
واحتجب الخليفة عن اكثر الناس فلم يركب الا مع الخدم ولم يدخل اليه غير قيماز وجلس الوزير في الديوان يوم الجمعة وأجلس عن يمينه ابن الشاشي وكانت العادة ان اليمين لأصحاب ابي حنيفة فأخذ المكان منهم. واستشهد في جمادى الآخرة ابنا ابن المنصوري الخطيب.


وقبض في يوم الجمعة خامس عشرين جمادى الأخرة على أحمد الفوي وابنه وسعد الشرابي واخذت مدرسة كانت للحنفية وقد كانت قديماً للشافعية وهي بالمرضع المسمى بباب المدرسة على الشط وقد حضرت فيها مناظرة يوسف الدمشقي وبيده كانت وآل أمرها إلى ان سلمت إلى محمد البروي فدرس فيها وحضر قاضي القضاة وشيخ الشيوخ وحاجب الباب ومدرس النظامية وابن سديد الدولة كاتب الانشاء.
وشرع في نقض الكشك الذي عمله المستنجد ليعمل بآلته مسناة للسور فتراجف الناس بمجيء العسكر فاحتدت سوق الطعام. وفي رجب: ولي ابن ناصر العلوي التدريس بمدرسة السلطان التي كان فيها اليزدي فحضر درسه قاضي القضاة وغيره.
وفي يوم السبت رابع عشرين الشهر: ولي الأمير السيد العلوي التدريس بجامع السلطان مكان اليزدي. وفي هذه الأيام وهى أمر أبي بكر ابن العطار والسبب انه كان ينافس صاحب المخزن فانقطع عن المخزن وقيل انه اخذت الوكالة منه.
وفي غرة شعبان: بعث يزدن مع جماعة من العسكر إلى واسط ليردوا ابن سنكا عن البلاد.
وفي ثامنه نقضت الدور التي اشتراها قيماز ليعملها داراً كبيرة وكان من جملتها دار ابن الطيبي وكانت بعيدة المثل قد غرم عليها ألوفاً فأعطى منها ألفاً وكذلك اخذ ما حولها من الدور المثمنة بثمن بخس واخرج اهلها وتشتتوا.
وجرى في سابع شعبان بين أهل المأمونية وباب الازج فتنة بسبب السباع انتهبت فيها سويقة البزازين. وفي عشية الإثنين ثامن عشرين شعبان: نقل تابوت الخليفة من الدار إلى الترب.
وفي نصف رمضان: هبت ريح عظيمة ورعدت السماء بقعقعة لم يسمع بمثلها فخر الناس على وجوههم وكان للوزير طبق جميل طول الشهر وكان الذي يحضر فيه من الخبز كل ليلة الف رطل وأربعمائة رطل حلاوة سكر وفرق أمير المؤمنين مصاحف كانت في الدار على جماعة فبعث إلي مصحفاً مليح الخط كثير الاذهاب.
وفي سلخ شوال: جلس أمير المؤمنين للرسل الذين جاءوا من همذان وغيرها فبايعوه.
ذكرمن توفي في هذه السنة من الأكابر، أبو طاهر بن البرني الواعظ
تعلم الوعظ من شيخنا ابي الحسن الزاغوني وسمع الحديث وكان يعظ. وتوفي في محرم هذه السنة ودفن بمقبرة احمد.
النفيس بن صعوة قرأ القرآن وتفقه على الشيخ ابي الفتح ابن المنى وناظر ووعظ ثم اختضر في شبابه فتوفي في يوم الثلاثاء تاسع شوال وصلي عليه بجامع السلطان ودفن عند مقبرة احمد.، أبو نصر بن المستظهر عم المستنجد وحموه لان المستنجد تزوج ابنته ولم يبق من اولاد المستظهر غيره وكان يذكر عنه الخير وصلي عليه صبيحة الثلاثاء ثامن عشرين في القعدة بصحن السلام وحمل الى الترب ومعه الوزير وارباب الدولة الا انهم كانوا جلوساً.
يوسف المستنجد باللّه، أمير المؤمنين بن المقتفي لأمر الله توفي يوم الثلاثاء بعد الظهر ثامن ربيع الأخر من سنة ست وستين وخمسمائة وحضرت الصلاة يوم الاحد قبل الظهر في التاج ودفن في الدار وبلغ من العمر ثمانياً وأربعين سنة وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وشهراً.
يحيى بن ثابت بن بندار، أبو القاسم سمع الحديث من أبيه وغيره، وروى لنا صحيح الإسماعيلي عن أبيه عن البرقاني عن الإسماعيلي. وتوفي في يوم الأحد خامس ربيع الأول من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة سبع وستين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في المحرم أعطي ابو منصور ابن المعلم مدرسة السلطان محمود التي كان فيها اليزدي وأستناب فيها ابا الفتح ابن الزني وحضر جماعة من الفقهاء فافتتح التدريس بأن قال قالت طائفة من الاصوليين بأن الله ليس بموجود فنفر الحاضرون من هذا وذكر مسألة من الفروع خلافيهَ للشافعي فلم يذكر الشافعي فوصل الخبر الى الوزير فاحضره وامر بأن يحضر بوقة السواد وحمار ليشهر عليه في البلد، وقال: ما وجدت في العلوم الا هذا؟ فسأل فيه ابن المعلم فأفرج عنه.


ووصل يوم السبت ثاني عشرين المحرم: ابن أبي عصرون رسولاً، يبشر بأن الخليفة خطب له بمصر وضرب السكة باسمه وعلقت اسواق بغداد وعملت القباب وخلع على الرسول وانكمد الروافض وكانت مصر يخطب لهم بها، الى هذا الاوان فكان مدة مملكه بني عبيد لها وانقطاع خطبة بني العباس الى ان اعيدت مائتي أسنة، وثماني سنين. قال المصنف وقد صنف في هذا كتاباً سميته النصر على مصر وعرضته على الامام المستضيء بأمر الله امير المؤمنين.
وفي ربيع الأول: خرج الخادم صندل ومعه القاضي الدمشقي صحبة ابن ابي عصرون برسالة الى نور الدين بالشام.
وفي هذه الأيام: فتح قيماز باباً من داره التي بدار الخليفة الى السوق مما يلي دكاكين الاساكفة ونصب عليه باباً من حديد فأنكر ابو بكر ابن العطار صاحب المخزن ذلك وحسن للخليفة التقدم بسدة فتقدم بذلك.
وفي يوم الجمعة منتصف جمادى الأولى: جعل للشيخ ابن المنى حلقة في الجامع فجلس فيها ولم يبن فيها دكة. وفي صبيحة الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى: أصبحت الدنيا شديدة البرد وسقط الوفرعلى الناس نهاراً الى وقت الظهر الا انه كان خفيفاً.
وفي يوم الأربعاء غرة رمضان: تكلمت في مجلسي بالحلبة فتاب على يدي نحو من مائتي رجل وقطعت شعور مائة وعشرين منهم. وقدم في هذه الايام محمد الطوسي الواعظ وفي رأسه حلق مشدودة وطوق وحواليه جماعة بسيوف فمضى الى الوزير فأنكر عليه ذلك ومنع من حمل السلاح معه. وفي يوم الأحد عاشر شوال: دخل نجاح الخادم على الوزير ابن رئيس الرؤساء ومعه خط من الخليفة يذكر أنه قد استغنى عنه فأمر بطبق دواته و حل ازاره وقيامه من مسنده ففعل ذلك وقبض على ولده استاذ الدار وأفرج عن سعد الشرابي وأعيد عليه ما كان أخذ منه. وفي صبيحة الثلاثاء دار الوزير ودار ولده فأخذ منها الكثير،وفي ثاني عشر شوال استنيب صاحب المخزن ابن جعفر في الوزارة.
وفي سابع عشر شوال: وقع حريق عظيم في السوق الجديد من درب حديد الى قريب من عقد الجديد احترقت فيه الدكاكين من الجانبين. وفيه: فوض الى ابن المعلم مدارس الحنفية يرتب فيها من يشاء. وفي سادس عشرين ذي الحجة وصلت رسل ملك البحرين وكيش بهدايا فيها الواح صندل وآبنوس وطيب وناب فيل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
عبد اللّه بن أحمد بن أحمد بن أحمد، أبو محمد الخشاب قرأ القرآن وسمع الحديث الكثير وقرأ منه ما لا يحصى وقرأ النحو واللغة وانتهى علمها اليه ومرض في شعبان هذه السنة نحو عشرين يوماً فدخلت عليه فى مرضه وقد يئس من نفسه فقال لي عند اللهّ احتسبت نفسي. وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان وصلى عليه بباب جامع المنصور يوم السبت ودفن بمقبرة احمدقريباً من بشر. وحدثني عبد الله الحياني العبد الصالح قال رأيته فى النوم بعد موته بأيام ووجهه منير مضيء فقلت ما فعل الله بك؟ قال غفر لي، قلت وأدخلك الجنة؟ قال وادخلني الجنة الا انه اعرض عني قلت اعرض عنك؟ قال. نعم وعن جماعة من العلماء تركوا العمل.
محمد بن محمد بن محمد، أبو المظفر البروي تفقه على محمد بن يحيى وناظر ووعظ وقدم بغداد فجلس للوعظ في أول ولاية المستضيء واظهر مذهب الأشعري وتعصب على الحنابلة وبالغ فأخذه قيام الدم في رمضان هذه السنة في يوم. وتوفي ودفن في تربة أبي اسحاق الشيرازي.
ناصر الخويي كان متصوفاً مقامه بمحلة التوثة ثم انتقل فأقام بجامع المنصور وكان يمشي في طلب الحديث حافياً. وتوفي فصلى عليه بجامع المنصور ودفن فى التوثة، .
ثم دخلت
سنة ثمان وستين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها إني عقدت المجلس يوم عاشوراء بجامع المنصور فحضر من الجمع ما حزر بمائة الف.
وفي صفر: جرت حادثة عجيبة وهو أن خادماً سلم الى غلام له مائة وخمسين ديناراً ومضى الى الحمام فأخذ الغلام المال وانحدر في الحال الى النعمانية فلما خرج الخادم لم ير الغلام فأخذ معه غلاما تركيا من أصحاب قيماز وانحدر فوجد الغلام فأخذه وأخذ الغلام وقيده وتركه معه في السفينة ليصعد به الى بغداد ثم ان الخادم نام فسأل الغلام التركي ان يحل يديه من القيد لما يلقى من الالم فحله التركي وقام فزحف وقتل الخادم وغلاماً كان معه فنهض اليه التركي فقتله ثم جاء بالمال فتسلمه أصحاب التركات.


وفي هذا الشهر: قدمت خرق البحر مع المكيين كما جرت العادة. وفي هذه الأيام: زاد الارجاف بمجيء العسكر من باب همذان فغلت الاسعار وأخذ الخليفة في التجنيد وعمارة السور وجمع الغلات وعرض العسكر. وفي هذه الأيام: شرع في ختان السادة وفرقت خلع كثيرة وعمل من المطاعم ما لا يحد فذكر أنه ذبح ثلاثة آلاف دجاجة وألف رأس من الغنم وعملت احدى وعشرون الف خشكنانكة من ستين كارة سميذاً وشرع في عمارة دواليب على الشط قريباً من التاج فأحكمت. وفي ربيع الآخر: درس ابن فضلان في المدرسة التي عملها فخر الدولة ابن المطلب عند عقد المأمونية وبنيت له دكة في جامع القصر.
وفي جمادى الأولى: جاء برد لم يسمع بمثله وكان في كانون الاول حتى جمدت مياه الآبار واستمر ذلك الى نصف كانون الثاني. ومن الحوادث: أن بعض الامراء سأل الخليفة أن يأذن لأبي الخير القزويني في الوعظ بباب بدر ليسمعه أمير المؤمنين وأراد أن يخص بهذا دون غيره فتكلم هناك يوم الخميس غرة رجب.
فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشرين رجب تقدم لي بالجلوس هناك واعطيت مالاً واخذ الناس أماكن من وقت الضحى للمجلس بعد العصر وكانت ثم دكاك فاكتريت حتى ان الرجل كان يكتري موضع نفسه بقيراطين وثلاثة وكنت اتكلم اسبوعاً والقزويني أسبوعاً الى آخر رمضان وجمعي عظيم وعنده عدد يسير ثم شاع ان أمير المؤمنين لا يحضر الا مجلسي.
وزادت دجلة في ائل شعبان ثم تربى الماء فيها فلما كان الاثنين عاشر شعبان عظمت الزيادة فأسكرت المحال ووصل الماء الى قبر الامام احمد ودخل مدرسة أبي حنيفة ودب من الحيطان الى النظامية والى رباط أبي سعد الصوفي واشغل الناس بالعمل في القورج وتقدم من الديوان الى الوعاظ بالخروج مع العوام ليعمل الناس كلهم، ثم من الله بنقص الماء فىِ مفتتح رمضان.
ووقع الحريق من باب درب بهروز الى باب جامع القصر ومن الجانب الأخر من حجرة النخاس الى دار الخليفة وتغير ماء دجلة باصفرار وثخن الماء فبقي على هذا مدة.
وفي شعبان: مرت ريح سوداء أظلمت الدنيا فتقدم الي بالجلوس بباب بدر يوم عرفة فحضر الناس من وقت الضحى وكان الحر شديد اً والناس صيام. وكان من أعجب ما جرى ان حمالاً حمل على رأسه دار نوبة من قبل الظهر الى وقت العصر ظلل بها من الشمس عشرة أنفس فأعطوه خمسة قراريط واشتريت مراوح كثيرة بضعفي ثمنها وصاح رجل يومئذ قد سرق الان مني مائة دينار في هذه الزحمة فوقع له أمير المؤمنين بمائة دينار.
وفي ذي الحجة: عزل نقيب النقباء ابن الابقى وولى مكانه ابن الزوال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن سالم بن أحمد، أبو العباس الشحمي قرأ القرآن وأقرأ وصنف كتاباً في المتشابه كبيراً و سمع من الزرفي وغيره. وتوفي في محرم هذه السنة ودفن في مقبرة الفيل من باب الأزج.، أبو المعالي الكتبي كان فاضلاً يقول الشعر المليح والنثر الجيد، وله رسائل ومدائح وكان من الذكاء على غاية وكان هو دلال بغداد في الكتب فاعترضه مرض فمات في صفر هذه السنة ودفن بمقبرة أحمد.، أبو الفتح ابن الزني كان متفقها على مذهب أبي حنيفة وكان عاملا على ديوان المقاطعات. فتوفي في غرة ذي الحجة من هذه السنة ودفن بباب أبرز وكان له امرأة يهودية وابن اخ مسلم فكتب جميع ماله لليهودية وترك ابن اخيه المسلم فاجتلب من الناس ذما كثيراً يزدن التركي كان من كبار الأمراء وتحكم في هذه الدولة وتجرد للتعصب في المذهب فانتشر بسببه الرفض وتأذى اهل السنة فمرض أياما بقيام الدم. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة ودفن في داره بباب العامة ثم نقل الى مقابر قريش.
ثم دخلت
سنة تسع وستين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها.
انه وقع حريق بالظفرية في ليلة الاربعاء ثالث المحرم فاحترقت مواضع كثيرة وما زالت النار تعمل الى الفجر. وفي يوم الجمعة: جلست في جامع المنصور فحزر الجمع بمائة الف وتكلم


يومئذ محمد الطوسي في التاجية وكان فيما قال ان ابن الملجم لم يكفر بقتل علي عليه السلام فهاج الناس عليه ورموه بالآجر وخرج من المجلس والاتراك يحفظونه فلما كان في يوم مجلسه بالتاجية فرش له فاجتمع الناس في الصحراء متأهبين لرجمه وجاءوا بقوارير النفط فلم يحضر ومزق فرشه قطعاً وتقدم اليه ان لا يجلس ولا يخرج من رباطه وما زال أهل البلد على حنق عليه، ثم منع الوعاظ كلهم من الوعظ في يوم الاثنين حادي عشرين المحرم ثم بعث الى النائب فىِ الديوان فقال قد تقدم الي ان الخير ثلاثة انت ورجل من الشافعية ورجل من الحنفية وذلك في سادس صفر فتكلمنا ثم اطلق الوعاظ واحداً بعد واحد.
ورأينا في هذه السنة الحر في تمرز وآب ما لم نره في أعمارنا وكان الحاج حينئذ في سفر الحجاز فأخبروا حين قدموا أنهم كانوا يتأذون بالبرد. وتغير الهواء ببغداد بدخول أيلول فأصاب الناس نزلات وسعال فقل أن ترى أحداً إلا وبه ذلك وانما كان العادة ان يصيب بعض الناس وهذا كان عاماً. وفي ربيع الأول: وقعت صاعقة في نخلة، بالجانب الغربي فاشتعلت النخلة.
وسألني أهل الحربية ان اعقد عندهم مجلساً للوعظ ليلة فوعدتهم ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الاول فانقلبت بغداد وعبر أهلها عبوراً زاد على نصف شعبان زيادة كثيرة فعبرت إلى باب البصرة فدخلتها بعد المغرب فتلقاني أهلها بالشموع الكثيرة وصحبني منها خلق عظيم فلما خرجت من باب البصرة رأيت أهل الحربية قد أقبلوا بشموع لا يمكن إحصاؤها فأضيفت إلى شموع أهل باب البصرة فحزرت بألف شمعة فما رأيت البرية إلا مملوءة ضوءاً وخرج أهل المحال الرجال والنساء والصبيان ينظرون وكان الزحام في البرية كالزحام في سوق الثلاثاء فدخلت الحربية وقد امتلأ الشارع واكتريت الرواشن من وقت الضحى فلو قيل ان الذين خرجوا يطلبون المجلس وسعوا في الصحراء بين باب البصرة والحربية مع المجتمعين في المجلس كانوأ ثلثمائة ألف ما أبعد القائل.
وفي ربيع الأول: وقع الامير أبو العباس ابن الخليفة من قبة عالية إلى أرض التاج وأوجب ذلك وهناً في البدن وسلمه الله سبحانه. وفي هذا الشهر: ختن الوزير ابن رئيس الرؤساء أولاده وعمل الدعوة العظيمة وانفذ إلي أشياء كثيرة وقال هذا نصيبك لأني علمت أنك لا تحضر في مكان يغني فيه. وفي ربيع الأخر: جرت مشاجرة بين الطوسي وبين نقيب النقباء فقال الطوسي أنا نائب النقابة وأنا نائب الله في أرضه فاستخف به النقيب وقال إنما نائب الله في أرضه الامام صلوات الله عليه فرفع ذلك فأمر باخراجه من البلد فأخرج يوم الخميس رابع عشرين ربيع الآخر فسئل فيه فأقام بالجانب الغربي مديدة ثم سئل فيه فدخل الحريم ثم سئل فيه فأعيد إِلى المجلس وكان المتعصب له ريحان الخادم.
وفي جمادي الآخرة: اعتقل الفقيه في الديوان أياماً وكان قد سعى به انه يرى رأي الدهرية ولا يصلي ولا يصوم وتعصب له قوم فتركوه فأخرج. وفي رجب: وصل ابن الهروىِ رسولاً من نور الدين بتحف كثيرة وفيها ثياب من ثياب المصريين وحمار كأن جلده الثوب العتابي.
وفي يوم الاربعاء تاسع عشرين رجب: عزل ابن الشاشي من التدريس بالنظامية وولي مكانه أبو الخير القزويني. وورد بغداد في شعبان هذه السنة بأن ابن أخي شملة التركماني ويعرف بابن سنكا قد استحدث قلعة في ولاية باذرايا بقرب من قلعة الماهكي ليتخذها ذريعة إلى الاغارة على البلاد ونقل إليها فبعث السلطان إليه الجيوش فالتقوا فحمل بنفسه عليهم فطحن الميمنة فتقدم قيماز العميدي إلى الأمراء فحثهم على خوض الماء إليه وكان قد فتح البثوق يحتج بها فخاض قيماز ومعه جماعة قوائم ثم اقتتلوا وأسر ابن سنكا ثم قتل وجيء برأسه فعلق بباب النوبي وهدمت القلعة ثم جاء رسول شملة ومعه حمل يبذل الطاعة ويعتذر مما جرى فلم يلتفت إليه.


وفي غرة رمضان: زادت دجلة زيادة كثيرة ثم تفاقم الأمر في سابع رمضان وجاء مطر كثير في ليلة الجمعة ثامن رمضان ووقع في قرى حول الحظيرة وفي الحظيرة برد ما رأوا مثله فهدم الدور وقتل جماعة من الناس وجملة من المواشي وحدثني بعض الثقات انهم وزنوا بردة فكان فيها سبعة أرطال قال وكانت عامته كالنارنج يكسر الاغصان وساخت الدور ثم زاد الماء في يوم الاحد عاشر رمضان فزاد على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بذراع وكسر وخرج الناس وضربوا الخيم على تلال الصحراء ونقلوا رحالهم إلى دار الخليفة ومنهم من عبر وتقدم بالعوام يخرجوا بالوعاظ إلى القورج ليعملوا فيه فخرجنا وقد انفتح موضع فوق القورج بقرية يقال لها الزور تقية وجاء الماء من قبله فتداركه الناس فسدوه وبات عليهم الجند وتولى العمل الأمير قيماز بنفسه وحده ثم انفتح يومئذ بعد العصر، فتحة من جانب دار السلطان وساح الماء فملأ الجواد ثم سد بعد جهد وبات الناس على اليأس يضجون بالبكاء والدعاء ثم نقص الماء نحو ذراعين فسكن الناس وغلا السعر في تلك الأيام فبيع الشوك كل باقة بحبة والخبز الخشكار كل خمسة أرطال بقيراط ودخل نزيز الماء من الحيطان فملأ النظامية والتتشية ومدرسة أبي النجيب وقيصر وجميع الشاطئات ثم وصل النزيز إلى رباط أبي سعد الصوفي فهدمت فيه مواضع وإلى درب السلسلة ومن هذه المواضع ما وقع جميعه ومنه ما تضعضع وكثر نزيز الماء في دار الخلافة وامتلأت السراديب فكان الخليفة يخرج من باب الفردوس إلى ناحية الديوان فيمضيَ إلى الجامع، ونبع الماء من البحرية فهلكت كلها وغلقت أبوابها ونبع في دار البساسيري ودرب الشعير من البلاليع وانهدمت دور كثيرة حتى انه نفذ إلى المواضع البعيدة فوقعت آدر في المأمونية وصعد الماء إلى الحريم الطاهري بالجانب الغربي فوقعت دوره ودخل الماء إلى المارستان وعلا فيه ورمى عدة شبابيك من شبابيكه الحديد، فكانت السفن تدخل من الشبابيك إلى أرض المارستان ولم يبق فيه مَنْ يقوم بمصلحته إلا المشرف على الحوائج.
فحكي أنه جمع اقطاعاً من الساج فشهدها كالطوق وترك عليها ما يحتاج من الطعام والشراب حتى الزيت والمقدحة ورقي المرضي إلى السطح وبعث بالمرورين إلى سقاية الراضي بجامع المنصور. وامتلأت مقبرة أحمد كلها ولم يسلم منها إلاموضع قبر بشرالحافي لأنه على نشزوكان مَنْ يرى مقبرة أحمد بعد أيام يدهش كأن القبور قد قلبت وجمع الماء عليها كالتل العظيم من العظام وكالتل من ألواح القبور، وأسكرت الحربية والمشهد، ووقع أكثر سور المشهد، ونبع الماء من داخله الماء فرمى الدور والترب ووقعت آدر بالحربية من النزيز وامتلأ الماء من دجلة إلى سور دار القز وكان الناس ينزلون في السفن من شارع دار الرقيق ومن الحربية ومن الحربية ومن درب الشعير وامتلأت مقبرة باب الشام ووقع المشهد الذي على باب النصرية ووصل الماء من الصراة الى باب الكرخ وكان الناس قد وطئوا التلال العالية وهلكت قرى كثيرة ومزارع لا تحصى.
وخرجت يوم الجمعة خامس عشرين رمضان إلى خارج، السور فإذا قد نصب لخطيب جامع السلطان منبر في سوق الدواب يصلي بالناس هناك لامتلاء جامع السلطان بالماء.
وجاء يوم الخميس حادي عشرين رمضان بعد الظهر برد كبار ودام زماناً كسر أشياء كثيرة وتوالت الأمطار في رمضان والرعود والبروق. وفي يوم الجمعة ثاني عشرين رمضان: جعل مسجد التوثة جامعاً وأذن في صلاة الجمعة فيه فأقيمت فيه الجمعة يومئذ ثم عاد الماء في يوم السبت ثالث عشرين رمضان إلى الزيادة الأولى على غفلة ثم زاد عليها وجاء يومئذ، مطر عظيم وانفتح القورج والفتحة التي في أصل دار السلطان وغلب الماء فامتلأت الصحراء وضرب إلى باب السور وضربوا الخيم على التلال العالية كتل الزبابية وتل الجعفرية وتعد الناس ينتظرون دخول الماء إلى البلد وعم الماء السبتي والخيزرانية وعسكر أهل أبي حنيفة فجاءهم الماء من خلف القرية وجامع المهدي فوقعت فيه أذرم ونبع الماء من دار الخليفة من


مواضع وهدم فيها دور كثيرة وملأ السراديب وانتقل جماعة من الخدم إلى دور في الحريم وامتلأت الصحارى وعبر خلق كثير إلى الكرخ وتقطر السور وانفتحت فيه فتحات وكان الناس يعالجون الفتحة فإذا سدوها انفتحت أخرى وكثر الضجج والدعاء والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى وغلا الخبر وفقد الشوك واخذ أصحاب السلطان يقاوون القورج ويجتهدون في سده وأقاموا القنا وفي أسافله الحديد في الماء ونقلوا حطباً زائداً عن الحد والماء يغلبهم على جميع ذلك إلى ان سده سكار حاذق في سابع شوال. واسكر جانب السور لئلا يتمقطر وأقام الماء خلف السور نحواً من شهر ونصب على الخندق الذي خلف السور جسر يعبر الناس عليه من القرى إلى بغداد.
وجاءت في هذه الأيام أكلاك من الموصل فتاهت في الماء حتى بيع ما عليها ببعقوبا بثمن طفيف وأخبر أهلها بما تهدم من المنازل بالأمطار في الموصل وقالوا اتصلت عندنا الامطار أربعة أشهر فهدمت نحو ألفي دار وكانوا يهدمون الدار اذا خيف وقوعها فهدموا أكثر مما هدم المطر وكانت الدار تقع على ساكنيها فيهلك الكل ثم زادت الفرات زيادة كثيرة وفاضت على سكر عندها يقال له سكر قنين وجاء الماء فأهلك من القرى والمزارع الكثير ثم جاء إلى الجانب الغربي من نهر عيسى والصراة وأسكر أهل دار القز وأهل العتابيين وباب البصرة والكرخ وباتوا مدة على التلال يحفظون المحال وقد انبسط الماء فراسخ ومر خلف المحال فقلب في الخندق والصرة ونهر عيسى ورمى قطعة من قنطرة باب البصرة .ومن العجائب أن هذا الماء على هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارعه بالعطش ووقع الموتان في الغنم وكان ما يؤتي به سليماً يكون مطعون حتى بيع الحمل بقيراط ومرض الناس من أكلها ثم غلت الفواكه فبيع كل من من التفاح بنصف دانق وكذلك الكمثرى والخوخ حتى غلا الطين الذي من المقالع .وبلغ الآجر كل ألف بثلاثة دنانير ونصف وتوفي في هذه السنة محمود بن زنكي فتجدد بعد موته اختلاف بحلب بين السنة والشيعة فقتل من الطائفتين خلق ونهب ظاهر البلد فذهب خمسة آلاف خركاه وبيت من التركمان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبيد الله، أبو عبد الله الحسيني نقيب النقباء، العلويين، وكان يلقب: بالطاهر. سمع الحديث الكثير وقرىء عليه وكان حسن الاخلاق جميل المعاشرة يتبرأ من الرافضة. توفي ليلة الخميس العشرين من جماس الآخرة ودفن بداره من الحريم الطاهري مدة ثم نقل إلى مشهد الصبيان بالمدائن ولما توفي ولي مكانه ولده الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد العطار، أبو العلاء الهمذاني .
سافر الكثير في طلب العلم وقرأ القرآن واللغة وقدم بغداد فأكثر من السماع وحصل الكتب الكثيرة وعاد إلى بللى همذان فاستوطنها وكان له بها القبول والمكانة وصنف وكان حافظا متقناً مرضي الطريقة سخياً وانتهت إليه القراآت والتحديث. وتوفي ليلة الخميس عاشرجمادى الآخرة من هذه السنة وقد جاوز الثمانين بأربعة أشهر وأيام.
قال المصنف: وبلغني أنه رئي في المنام في مدينة جميع جدرانها من الكتب وحوله كتب لا تحد وهومشتغل بمطالعتها فقيل له ما هذه الكتب؟ قال: سألت الله ان يشغفنى بما كنت اشتغل به في الدنيا فأعطاني. ورأى له شخص آخر أن يدين خرجتا من محراب،مسجد فقال ما هذه اليدان؟ فقيل هذه يدا آدم بسطها ليعانق أبا العلاء الحافظ قال وإذا بأبي العلاء قد أقبل قال فسلمت عليه فرد علي السلام وقال: يا فلان رأيت ابني أحمد حين قام على قبري يلقنني أما سمعت صوتي حين صحت على الملكين فما قدرا ان يقولا شيئاً أفرجعا رستم بن شرهيك، أبو القاسم الواعظ سمع الحديث وتعلم الرعظ من شيخنا أبي الحسن الزاغوني وأقام بشارع رزق الله وكان يعظ بجامع بهليقاَ.
توفي يوم الثلاثاء سادس عشرين ربيع الأول من هذه السنة عن ستين سنة تقريباً ودفن بباب حرب، ابن الأهوازى خازن دار الكتب بمشهد أبي حنيفة.
توفي في ربيع الأول جاء من محلته إلى البلد فاتكأ على دكة فمات وكذلك مات أخوه وأبوهما فجاءة.
محمود بن رنكي بن آقسنقر، الملقب نور الدين .


ولي الشام سنين وجاهد الثغور وانتزع من أيدي الكفار نيفاً وخمسين مدينة وحصن منها الرها وبنى مارستان في الشام أنفق عليه مالًا وبنى بالموصل جامعاً غرم عليه ستين ألف دينار وكان سيرته أصلح من كثير من الولاة، والطرق في أيامه آمنة والمحامد له كثيرة وكان يتدين بطاعة الخلافة وترك المكوس قبل موته وبعث جنوداً افتتحوا مصر وكان يميل إلى التواضع ومحبة العلماء وأهل الدين وكاتبني مراراً واحلف الامراء على طاعة ولده بعده وعاهد ملك الافرنج صاحب طرابلس وقد كان في قبضته أسيراً على ان يطلقه بثلثمائة ألف دينار وخمسين ومائة حصان وخمسمائة زردية ومثلها تراس افرنجية ومثلها قنطوريات وخمسمائة أسير من المسلمين وانه لا يعبر على بلاد الاسلام سبع سنين وسبعة أشهروسبعة أيام وأخذ منه في قبضته على الوفاء بذلك مائة من اولاد كبراء الافرنج وبطارقتهم فان نكث اراق دماءهم وعزم على فتح بيت المقدس فوافته المنية في شوال هذه السنة وكانت ولايته ثمانية وعشرين سنة وأشهراً.
يحيى بن نجاح المؤدب سمع الحديث الكثير وقرأ النحو واللغة وكان غزير الفضل يقول الشعر الحسن.
توفي في أواخر هذه السنة.
ثم دخلت
سنة سبعين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أنه في يوم الجمعة غرة المحرم ركب الخليفة من داره الى الجامع فخرج من باب الفردوس ودخل الديوان راكباَ ونزل عند باب المجاز الذي ينفذ الى الطريق وركب من هناك ودخل المقصورة لصلاة الجمعة وسبب ذلك ان طريقه في السراديب انسدت من زمان الغرق بالماء والتراب.
وجرت خصومات بين أهل باب البصرة وأهل الكرخ قتل فيها جماعة واتصلت واصلح بينهم من الديوان ثم عالحوا إلى الخصام فتولى الأمر سليمان بن شاووش فخافوا سطوته وكفوا.
وفي يوم الأحد ثالث المحرم: ابتدأت بالقاء الدرس في مدرستي بدرب دينار فذكرت يومئذ اربعة عشردرساً من فنون العلوم.
وفي سابع عشر المحرم: أخذ رجل قد خنق صبياً بسبب حليقات كانت في أذنه ونصفية بياض وكان الرجل خياطاً من الجانب الغربي وان والد الصبي كان غائباً فلما حضرضرب عنق هذا.
وفي يوم الجمعة ثاني عشرين المحرم: نصب جسرجديد أمرت بعمله جهة من جهات المستضيء بأمرالله تلقب بنفشة وكتبت اسمها على حديدة في سلسلة وجعل تحت الرقة مكان الجسرالعتيق وحمل الجسرالعتيق إلى نهرعيسى فبقي تحت الرقة الى ان حول في هذه الايام نحوآ من خمسين سنة فوجد الناس له راحط عظيمة بوجودجسرين.
و في يوم الأحد ثالث عشر ربيع الاول اعيد ابو الحسن بن احمد الدامغاني إلى قضاء القضاة بعد أن بقي مصروفاً خمس عشة سنة وكان قد تولى مكانه لما عزل ابو جعفر ابن الثقفي فمات فولي جعفر ولد ابن الثقفي قضاء القضاة فمات فولي روح بن الحديثي قضاء القضاة فمات وارجف لولد ابن الحديثي بذلك فلم يمض شهر حتى مات فاعيد ابن الدامغاني وقبض على صاحب الديوان ابن البخاري ووكل به في المخزن ورفعت اليه اشياء ثم نقل إلى الديوان موكلاً به مديدة ثم اطلق. وفي هذه الأيام: انتدب رجل يأخذ الطرزدانات من الدكاكين ويهرب ثم وقعوا به فأظهر ما كان يأخذ.


وكسفت الشمس وقت طلوعها يوم الثلاثاء ثامن عشرين ربيع الاخر فبقيت كذلك الى ضحوه عالية. وفي ليلة السبت عاشر جمادي الاولى: وقع في البلد انزعاج شديد من وقت العتمة ولبس العسكر السلاح، ولم يدر ما السبب ثم اصبح الناس على ذلك الانزعاج ولم يفتح باب النوبي ولا باب العامة وزاد الانزعاج وركوب العسكر وجعلت الظنون ترجم وكل قوم يرجفون بشيء وبقي البابان مغلوقين طول النهار وكان يفتح بعض جانب باب النوبي فيدخل من يريدون ثم يغلق فانكشف الامر الى اخر النهار وهو أن الامر وقع الى استاذ الدار صندل اذا كان في غد فاحضر ابن المظفر وغير ثيابه ومره بالقعود في الديوان فبلغ هذا الخبر قيماز فغضب من ذلك وأغلق باب النوبي وباب العامة وقال لا أقيم ببغداد حتى يخرج منها هو وأولاده وان هذا عدوي ومتى عاد الى الوزارة قتلني فقيل للوزير ابن المظفر تخرج من البلد فقال لا افعل فلما شدد عليه وخيف من فتنة قال انا اعلم أني إذا خرجت قتلت فاقتلوني في بيتي فتلطفوا به وقالوا لا بد من هذا فسأل بان يفتح الجامع ويحضر فخر الدولة بن المطلب وشيخ الشيوخ وان يحلف له قيماز انه لا يؤذيه ولا يتتبعه اذا خرج ولا يواطىء على اذاه ففعل ذلك واصبح باب النوبي وباب العامة مغلوقين ثم فتحا ولم يترك احد يدخل ويخرج الا أن يعرف فكان العسكر تحت السلاح والمحال تحفظ.
فلما كانت ليلة الاثنين اخرج الوزير ابن رئيس الرؤساء وأولاده راكبين بعد العتمة الى رباط ابي سعد الصوفي فباتوا ثم ومعهم جماعة موكلون بهم وحرست السطوح واغلق الباب وكان لا يفتح بالنهار الا لمهم واصبح الناس قد سكنوا ودخل قيماز الى الخليفة معتذراً مما فعل من غلق الابواب وغير ذلك وهو منزعج خائف فقيل انه لم يذكر له في ذلك شيء فخرج طيب النفس وأصر قيماز على انه لا بد من خروج الوزير واهله من بغداد فما زالت الرسل تتردد في ذلك الى ان استقر الأمر أنهم يعبرون الى الجانب الغربي.
وفي يوم السبت سابع عشر جمادي الأولى: انتهى تفسيري للقرآن في المجلس على المنبر فإني كنت اذكرفي كل مجلس منه آيات من اول الختمة على الترتيب الى أن تم فسجدت على المنبر سجدة الشكر وقلت: ما عرفت أن واعظاً فسر القرآن كله في. مجلس الوعظ منذ نزل القرآن فالحمد لله المنعم، ثم ابتدأت يومئذ في اول ختمة وانا افسرها على الترتيب والله قادر على الانعام بالاتمام والزيادة من فضله. وفي بكرة يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادي الأولى: خرج الوزير ابن رئيس الرؤساء واولاده من رباط ابي سعد الصوفي فعبروا على الجسر ونزلوا بدار النقيب الطاهر بالحريم على شاطىء دجلة بالجانب الغربي واحترزوا هنالك بالسلاح ثم اعيدوا في آخر يوم الخميس سابع جمادي الآخرة الى بيوتهم جاءوا على الخيل الى تحت الرقة ونزلوا في السفن ودخلوا من باب البشرى فخرجوا الى منازلهم.
وفي جمادى الاخرة: توفي السامري المحتسب وولي مكانه ابن الرطبي. وفي أول يوم من رجب: حضر ارباب الدولة للهناء بباب الحجرة ثم انصرفوا الى الدار الجديدة التي عمرها المستضيء مقابلة المخزن وحضر العلماء والمتصوفة والقراء واستدعيت مع القوم فقرأوا ختمة واكلوا طعاماً وانصرف قاضي القضاة في جماعة من الاكابر وانصرفت معه وبقي المتصوفة فباتوا على سماع وخلعت على الكل خلع وفرق عليهم مال.
وتقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة بباب بدر فتكلمت يوم الخميس بعد العصر خامس رجب وحضر أمير المؤمنين واخذ الناس أماكنهم من بعد صلاة الفجر واكتريت، دكاكين فكان مكان كل رجل بقيراط حتى انه اكترى دكان لثمانية عشر بثمانية عشر قيراطاً ثم جاء رجل فأعطاهم ست قراريط حتى جلس معهم وكان الناس يقفون يوم مجلسي من باب بدر الى باب العيد كأنه العيد ينظر بعضهم الى بعض وينتظرون قطع المجلس.


وفي يوم الخميس خامس عشرين شعبان: سلمت الي المدرسة التي كانت داراً لنظام الدين أبي نصر بن جهير وكانت قد وصلت ملكيتها الى الجهة المسماة بنفشة فجعلتها مدرسة وسلمتها إلي أبي جعفر ابن الصباغ فبقي المفتاح معه اياماً ثم استعادت منه المفتاح وسلمته الي من غير طلب كان مني وكتب في كتاب الوقف انها وقف على اصحاب احمد وتقدم إلى يوم الخميس المذكور بذكر الحرس فيها فحضر قاضي القضاة وحاجب الباب وفقهاء بغداد وخلعت علي خلعة وخرج الدعاة بين يدي والخدم ووقف اهل بغداد من باب النوبي الى باب المدرسة كما يكون في العيد واكثر وكان على باب المدرسة الوف والزحام على الباب فلما جلست لإلقاء الدرس عرض كتاب الوقف على قاضي القضاة وهو حاضر مع الجماعة فقرىء عليهم وحكم به وانفذه وذكرت بعد ذلك الدرس فألقيت يومئذ دروس كثيرة من الاصول والفروع وكان يوماً مشهوداً لم ير مثله ودخل على قلوب أهل المذهب غم عظيم لأنهم حسدوني.
وتقدم ببناء دكة لنا في جامع القصر في آخر شعبان فانزعج لهذا جماعة من الاكابر وقالوا ما جرت عادة للحنابلة بدكة فبنيت وجلست فيها يوم الجمعة ثالث رمضان ودل بعض فقهاء أبي حنيفة في الافطار بالأكل واعترضت عليه يومئذ وازدحم العوام حتى امتلأ صحن الجامع ولم يمكن للأكثرين وصول الينا وحفظ الناس بالرجالة خوفاً من فتنة وما زال الزحام على حلقتنا كل جمعة وكانت ختمتنا في المدرسة ليلة سبع وعشرين فعلق فيها من الاضواء ما لا يحصى واجتمع من الناس ألوف كثيرة فكانت ليلة مشهودة ثم عقدت المجلس يوم الاربعاء سابع شوال تحت المدرسة فاجتمع الناس من الليل وباتوا وحزر الجمع يومئذ بخمسين ألفاً وكان يوماً مشهوداً.
وكان تتامش الأمير قد بعث الى بلد الغراف من نهبهم وآذاهم حتى بلغني أن قوماً منهم قتلوا وقوماً غرقوا فجاء منهم جماعة فاستغاثوا بجامع القصر في شوال ومنعوا الخطيب وفاتت الصلاة اكثر الناس وانكر أمير المؤمنين ما جرى وان تتامش وزوج اخته قيماز لم يحفلا بالانكار واصروا على الخلاف وجرت بينهما وبين ابن العطار منا بذات ثم بعث امير المؤمنين مختار الخادم فأصلح بينهم فلما كان الغد أظهرا الخلاف واصرا عليه وضربوا النار في دار ابن العطار.
ثم في يوم الاربعاء خامس ذي القعدة جاءوا، وطلبوه فنجا وبعث الى قيماز ليحضر فأبى وبارز بالعناد وكان قد حالف الامراء على موافقته فبان قبح المضمر فصيح في العوام للخصومة وضربت ناحية قيماز بقوارير النفط فنقب حائطاً من داره الى درب بهروز وخرج من البلد ضاحي نهار ومعه تتامش ابن احماه وعدد يسير من الامراء ودخل العوام الى دار قيماز ودور الامراء الذين هربوا معه فنهبوا وأخذوا اموالاً زائدة عن الحد واحرقوا من الدور مواضع كثيرة وبقي الخارجون من البلد في الذل والجوع وقصدوا حلة ابن مزيد ثم خرجوا عنها فطلبوا الشام وقد تفلل جمعهم وبقي معهم عدد يسير ثم جعل حاجب الباب ابن الوكيل صاحب الديوان.
وفي يوم الخميس ثالث عشرين ذي القعدة: خلع على الوزير ابن رئيس الرؤساء وأعيد الى الوزارة وجلس في الديوان ثم خلعت عليه خلع الوزارة واحضرنا للاستفتاء في حق قيمازوما يجب عليه من مخالفته امير المؤمنين فكتب الفقهاء كلهم انه مارق.
ثم جاء الخبر يوم الجمعة سابع عشرين ذي الحجة بأن قيماز توفي ودفن وان اكثر اصحابه مرضى فأعيد سعد الشرابي الى شغله وسلمت خزانة الشراب اليه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
حامد بن محمد، أبو الفضل الحراني صديقنا قدم بغداد وتفقه وناظر وعاد الى حران فأفتى ودرس وكان ورعاً به وسوسة في الطهارة وروى عن شيخنا عبد الوهاب. وتوفي بحران في هذه السنة.
روح بن أحمد، أبو طالب الحديثي قاضي القضاة توفي يوم الاثنين خامس عشر المحرم ودفن يومئذ بقراح ظفر وكان ولده عبد الملك في الحج فبلغته وفاته وهو بالكوفة فلما دخل بغداد مرض أياماً ومات وكان ينبز بالرفض.
شملة التركماني


كان قد تغلب على بلاد فارس واستجد بها قلاعاً ينهب الأكراد والتركمان ثم يأوي اليها وقوي على السلجوقية وكان يظهر الطاعة للامام مكراً منه وتم له ذلك زيادة على عشرين سنة ثم انه نهض الى قتال بعض التركمان فعلموا بذلك فاستعانوا بالبهلوان فساعدهم بجنود فاقتتلوا فأصاب شملة سهم ثم أخذ أسيراً وولده وابن أخته وتوفي بعد يومين.
عبد اللّه بن عبد الصمد بن عبد الرزاق، أبو محمد، الدهان السلمي سمع الحديث ورواه وكان شيخاً صالحاً ففلج قبل موته. وتَوفى يوم الجمعة ودفن، بمقبرة احمد.
قيماز بن عبدالله كان مملوكاً للمستنجد بالله وارتفع أمره وعلا كثيراً، فلما ولي المستضيء بأمر الله، بعد موت المستنجد زاد أمره، وصار مقدماً على الكل وكانت الجنود كلها تحت أمره وانبسط كثيراً حتى ان المستضيء اراد تولية وزير فمنع من ذلك وأغلق باب النوبي يومين و قيل انه نوى نية ردية، وقد أشرنا الى حاله في حوادث هذه السنة الى ان خرج من بغداد هارباً.
فتوفي بناحية الموصل وغسل في سقاية ووصل خبره في ذي القعدة من هذه السنة.
يحيى بن جعفر، أبو الفضل كان صاحب مخزن المقتفي فأقره على ذلك المستنجد ولم يغير عليه المستضيء ثم استنابه في الديوان اذ خلا عن وزير فتقلب في هذه الاحوال عشرين سنة. كان يحفظ القراآن وسمع الحديث وحج حجات كثيرة. توفي يوم السبت تاسع عشر ربيع الاول من هذه السنة وصلى عليه يوم الاحد بجامع القصر، ودفن عند ابيه في الحربية وخلف ولدين نجيبين فبلغ كل واحد منهما نحو ثلاثين سنة من العمروتهيأ للولايات، فمات الاكبر ثم تبعه اخوه بعد قليل ودفنا عند أبيهما.
ثم دخلت احدى وسبعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها انه تقدم إلي بالجلوس تحت المنظرة الشريفة بباب بدر فتكلمت بكرة الخميس ثالث المحرم والخليفة حاضر وكان يوماً مشهوداً ثم تقدم الي بالجلوس هنالك يوم عاشوراء فأقبل الناس الى المجلس من نصف الليل وكان الزحام شديداً زائداً على الحد ووقف من الناس على الطرقات ما لا يحصى، وحضر أمير المؤمنين وفقه الله.
وفي صفر: قبض على استاذ الدار صندل، وعلى خادمين معه وحبسوا، وارجف الناس انهم كانوا قد تحالفوا على سوء ثم ضيق بعد ذلك، على الامير أبي العباس ولد أمير المؤمنين المستضيء بامر الله، وولي ابن الصاحب حاجب الباب مكان استاذ الدار، وولي ابن الناقد حجبة الباب. وبني كشك في البلد لأمير المؤمنين ناحية جامع السلطان، وجاء في ليلة الاحد، ثامن ربيع الآخر مطر عظيم برعد شديد ووقعت صاعقة في دار الخلافة وراء التاج واحرقت ما حولها فأصبحوا، فأخرجوا أهل الحبوس واكثروا الصدقات وكانت ابنتي رابعة، قد خطبت فسأل الزوج ان يكون العقد بباب الحجرة وحضر قاضي القضاة ونقيب النقباء وجماعة من الشهود والخدم والاكابر فزوجت ابنتي، بأبي الفتح ابن الرشيد الطبري، وتزوج حينئذ ولدي ابو القاسم بابنة الوزير يحيى بن هبيرة وكان الخاطب ابن المهتدي.
وتقدم إلي بالجلوس ليلة رجب تحت المنظرة فاجتمع الناس، فجاء مطر فمنع الحضور فتقدم بالجلوس في اليوم الثاني فتكلمت وأمير المؤمنين حاضر وامرنا بالبكور الى دعوة أمير المؤمنين فحضرنا بكرة السبت وحضر الوزير ابن رئيس الرؤساء وأرباب الدولة والعلماء والمتصوفة فأكلوا وانشد ابن شبيب قصيدة يمدح فيها أمير المؤمنين وخرج قاضي القضاة وأرباب الدولة بعد الأكل وخرجت معهم وبات . الباقون مع المتصوفة على سماع الانشاد وفرق على الجماعة مال وخلع وكان هذا رسمهم في كل رجب وكانت العادة ان لا يدخل احد الدار بطيلسان ولا طرحة احتراماً لامير المؤمنين سوى قاضي القضاة فانه كان يجعل طرحته طيلساناً وكنت اذا تكلمت بباب بدر اصعد المنبر فاذا جلست رفعت الطرحة فوضعتها الى جانبي فاذا فرغ المجلس اعدتها، وفي يوم الجمعة تاسع رجب: استدعانا صاحب المخزن للمناظرة فحضر فقهاء بغداد ولم يتخلف الا النادر ودل ابو الخير القزويني في مسألة زكاة الحلى واعترضت عليه ثم جرينا على العادة في الجلوس بباب بدر ليلة الجمعة، فأسبوع لي واسبوع للقزويني وكان الزحام عندي اكثر وبعث اليَ بعض الامراء من اقارب أمير المؤمنين فقال والله ما احضر أنا ولا أمير المؤمنين غير مجلسك وانما تلمحنا مجلس غيرك يوماً وبعض يوم آخر.


وفي يوم الجمعة، رابع عشر شعبان: حملت الى طريفة قد بعثت الى أمير المؤمنين من قرية قريبة من بغداد يقال لها الوقت، وهي بقرتان قد ولدتا برأسين ورقبتين واربع ايدي وبطن واحد وفرج ذكر وفرج انثى الا ان لكل واحدة رجلاً وقيل ان هذه ولدت حية ثم ماتت.
وفي رمضان: كتب على حائط المدرسة التي وقفتها الجهة وسلمتها الي بخط القطاع في الاجر وقفت هذه المدرسة الميمونة الجهة المعظمة الشريفة الرحيمة بدار الرواشني في ايام سيدنا ومولانا الامام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين على اصحاب الامام احمد بن حنبل وفوضت التدريس بها الى ناصر السنة ابى الفرج ابن الجوزي وما زالت المجالس تحت المنظرة بباب بدر الى آخر رمضان وكان في آخر رمضان قبل مجلسنا هناك، بيوم قد انزعج البلد ولبس السلاح فاختلفت الاراجيف فانقشع الامر ان أمير المؤمنين اصابته صفراء من الصوم فتكلمت تحت المنظرة فسكن البلد فحدثني من يلوذ بخدمة أمير المؤمنين قال حضر يومئذ الإمام، عندك المجلس، متحاملاً ولولا شدة حبه لك لما حضر لما كان اعتراه من الالم، وحدثني صاحب المخزن قال كتبت الى أمير المؤمنين في كلام كنت ذكرته، هل وقع ما ذكره فلان بالغرض فكتب أمير المؤمنين، ما على ما ذكره فلان مزيد.
وفي بكرة الجمعة سابع عشرين رمضان، كسفت الشمس اول وقت الضحى وبقيت ساعة حتى تجلت. وكان حاجب الباب ابن الناقد يلقب بالقنبر فذكرهذا اللقب من كان يعرفه به فشاع في العوام فصاروا يصيحون به اذا خرج فحفظ باتراك فلم يجىء من الأمر شيء وخلع عليه قبل العيد بثلاثة أيام فقيل لأمير المؤمنين ان الناس قد عزموا اذا خرج يوم العيد في الموكب ان يرسلوا القنابر بين الناس وهذا يصير الموكب هتكة. فعزله وولى ابا سعد ابن المعوج حجبة الباب وكان الرفض في هذه الايام قد كثر فكتب صاحب المخزن الى أمير المؤمنين ان لم تقو يدي ابن الجوزي لم تطق على دفع الباع فكتب أمير المؤمنين بتقوية يدي فأخبرت الناس بذلك على المنبر وقلت ان أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد بلغه كثرة الرفض وقد خرج توقيعه بتقوية يدي في ازالة البدع فمن سمعتموه من العوام يتنقص بالصحابة فأخبروني حتى انقض داره واخلده الحبس وان كان من الوعاظ حدرته المشان. فانكف الناس ثم تقدم في يوم الخميس، عاشر شوال بمنع الوعاظ كلهم الا ثلاثة كل واحد من مذهب انا من الحنابلة والقزويني من الشافعية وصهر العبادي من الحنفية ثم سئل في ابن عبد القادرفأطلق.
وعقدت الولاية على مكة لأمير المؤمنين فخرج الحاج على خوف شديد من القتال.
وفي يوم السبت رابع ذي القعدة: وقت الضحى خرج أمير المؤمنين إلى الكشك الذي عمل له خارج السور، وخرج أرباب الدولة مشاة وخرج الناس ينظرون إليه، ويدعون له فدخل الكشك، فأقام فيه ساعة ثم خرج فمضى نحو القورج ثم عاد فدخل من باب النصر وقت الظهر.
وفي يوم الجمعة غرة ذي الحجة: خلع على ظهير الدين أبي بكر بن نصر ابن العطار بباب الحجرة خلعة سنية وأعطي مركبا وسيفاً وولى المخزن ولاية تامة وخلع يومئذ على أستاذ الدار ابن الصاحب.
وفي يوم الأربعاء سادس ذي الحجة، صنع الوزير ابن رئيس الرؤساء دعوة وجمع فيها أرباب المناصب وحضر الخليفة فاستدعيت فخلعت علي خلعة، ونصب لي منبر في الدار فتكلمت بعد أن أكلوا الطعام، والخليفة حاضر والوزير وجميع أرباب المناصب وجميع علماء بغداد والفقهاء والوعاظ إلا النادر وخلع علي خلعة ثم تكلمت يوم عرفة وكان مجلساً عظيماً تاب فيه خلق كثير وقطعت شعوراً كثيرة وكان الخليفة حاضراً.
وفي يوم عيد الأضحى: وقعت فتنة في أخذ جمال البحريين جماعة من العوام فنصر بعضهم أمير يقال له سنقر الصغير فرماه العوام بالآجر فضربهم هو وأصحابه بالنشاب ثم أصبحوا يوم فرح ساعة فأقاموا الحرب وكان الذين خاصموه أهل باب الأزج فكان أصحابه يخاصمونهم فقامت يومئذ، الفتنة عامة النهار ومات بين الفريقين نحو عشرة أنفس ونهب من باب الأزج قطعة ثم سكنت الثائرة وأخرج أمير المؤمنين مالاً ففرقه على من نهب له شيء.


وخرج في أواخر ذي الحجة: عسكر كثير إلى بني خفاجة لمحاربتهم فرحلوا فلم يدركوهم وقتل من المطاردين قوم، وجاءت أخبار ظريفة عما جرى للحاج في طريقهم، فمنهاانهم خرجوا من عرفات فلم يبيتوا بالمزدلفة وانما مروا بها ولم يقدروا على رمي الجمار وخرجوا الى الابطح فبكروا يوم العيد وقد خرج اليهم قوم من مكة يحاربونهم فتطاردوا وقتل من الفريقين جماعة ثم الأمر الى أن صيح في الناس الغزاة الى مكة فهجموا وصعد أميرمكة المعزول الى القلعة التي على جبل ابي قبيس ثمٍ نزل عنها وخرج من مكة ودخل الناس فقصد قوم لا خلاق لهم النهب فأخفوا شيئاً كثيرا من اموال التجار المقيمين بمكة واحرقوا آدرا كثيرة بمكة وحدثني بعض التجار أن رجلَاَ كان زراقاً بالنفط ضرب دار رجل بقارورة فاشتعلت وكانت تلك الدار لأيتام يستغلونها كل سنة اذا جاء الحاج فهلكت وما فيها ثم اخرج قارورة اخرى فسواها ليضرب بها فجاء حجرفكسرها فعادت عليه فاحترق فبقي ثلاثة أيام بسفح الجبل ورأى بنفسه العجائب ثم مات، قال وحدثني رجل من السماسرة قال كان عندي مال عظيم لي ولغيري من التجار فدخل علي أربعة انفس فجمعوا الكل فقلت لأحدهم وعرفته يا فلان قد اكلت انا وانت الطعام وهذا ليس لي وهفه مائة دينار خذها حلالأ ودعني فقال اسكت قد اخذنا علينا بالدين قبل ان نجيء اليكم لنقضي من اموالكم فجمع الاربعة اربع كوارير فيها جميع المال وخرجوا عني خطوات فلقيهم عبيد من مكة فضربوا اعناقهم فقمت ونقلت المال فتعبت في نقله ولم يذهب منه شيء ان أميرمكة قال لا اتجاسر ان اقيم بعد الحاج فأمروا غيره ورحلوا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
علي بن الحسن أبن هبة الله، أبو القاسم، الدمشقي، المعروف: بابن عساكر.
سمع الحديث الكثير وكانت له معرفة وصنف تاريخاً لدمشق عظيماً جداً يدخل في ثمانين مجلدة كباراً وكان شديد التعصب لأبي الحسن الاشعري حتى صنف كتابأ سماه تهذيب، المفتري على ابي الحسن الاشعري وتوفي بدمشق في هذه السنة .
عمر بن هديه بن سلامة بن جعفر، أبوحفص الصواف ولد في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وسمع من جماعة، وروى.
وتوفي يوم الخميس سادس عشرين ربيع الاخرمن هذه السنة، 0 المبارك بن الحسن، أبو النجم، ابن القابلة الفرضي سمع ابا الحسين ابن الفراء وابا منصور ابن زريق وكان عارفاً بعلم الفرائض والمواقيت.
توفي في جمادى الاولى أمن هذه السنة، ودفن بمقبرة الزادمان، قرية قريبة من بغداد.
مسعود بن الحسين بن سعد، أبوالحسين اليزدي القاضي ولد سنة خمس وخمسمائة وتفقه وافتى وناب في القضاء ودرس بمدرسة ابي حنيفة ومدرسة السلطان ثم خرج الى الموصل فأقام مدة يدرس هناك وينوب في القضاء. فتوفي بها في جمادى الآخرة.
ثم دخلت
سنة اثنتين و سبعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها انه تقدم الي بالكلام تحت منظرة الخليفة بباب بدر، فتكلمت يوم الاحد،ثاني المحرم وحضرأمير المؤمنين ثم تكلمت هناك يوم عاشرراء فامتلأ المكان أمن وقت السحر فطلع الفجر وليس لأحد طريق فرجع الناس وامتلأت الطرق بالناس أقياماً يتأسفون على فوت الحضور، وقام من يتظلم في المجلس فبعث أمير المؤمنين، في الحال من كشف ظلامته.
صزفت ابنتي رابعة أليلة الاربعاء ثاني عشر المحرم الى زوجهاوكان زفافها في دار الجهة المعظمة في ثرب الحواب واحضرت الجهة وذلك، بعد أن جهزتها الجهة بمال كثير.
وفي يوم الخميس، حادي عشر صفر: دخل رجل الى جامع المنصور ليأكل خبزاً فمات في مكانه ومات آخر في باب البصرة وامرأة في تلك الساعة ودخل رجل السواد الى مسجد العتابيين يومئذ،وترك حماره على الباب فمات الرجل ودخل بعض الحاج الى بغداد يوم الاربعاء عاشر صفرثم تتابعوا فدخل الاكثرون يوم الاحد لم تجر لهم عادة بهذا التأخر وأخبروا باشياء لقوها في دخول مكة قد ذكرنا بعضها حودث السنة.
ونقصت دجلة في اول آب وهو اول صفر نقصاناً ما رأينا مثله وخرجت جزائر فيها ما عهدنا مثلها وكانت السفينة تجنح في وسط دجلة فينزلون فيحركونها. وفي اواخر آب هب ريح شديد البرد ليالي فنزل الناس من السطوح ثم عاد الحر فصعدوا فأصاب الناس زكام شديد عم ذلك الخلق.
وفي أول ربيع الاول: خرج العسكر لقتال بنى خفاجة.


وفي يوم الاثنين سابع ربيع الأول: خرج أمير المؤمنين عند استواء طلوع الشه الى الكشك ثم عاد بعد الظهر الى قصره .
وظهرت حمرة شديدة في السماء من المشرق من وقت طلوع الفجر الى استواء الشمس ثم كانت تظهرعند غيبة الشمس من المغرب كذلك كأنها الشفق إلأ أشد حمرة لم نرمثلها كأنها الدم وكانت تتصاعد ويبقى تحتها من الغيم المضيء فتضيء له الاماكن كأنه ضوء الشمس، وبقيت مدة ثم انقطعت ثم عادت تقل وتكثر أشهراً وفي ربيع الآخر: اخرج المجذمون من بغداد ونفوا الى تحت البلد.
وفي يوم الخميس ثامن جمادى الأولى: اذن في إقامة الجمعة بمسجد ابن المأمون بقصرعيسى فأقيمت فيه يومئذ.
وفي يوم السبت غرة جمادى الاخرة: عبرت الى جامع المنصور فوعظت فيه بعد العصر وعبر الناس من نهر معلى واجتمع اهل المحال فحزر الجمع مائة الف ورجعنا الى نهر معلى والناس ممتدون من باب البصرة كالشراك الى الجسر وكان يوماً مشهوداً.
وجاء الخبر بنصر المسلمين على الافرنج في غرة جمادى الأخرة وخرج أمير المؤمنين يوم الثلاثاء رابع عشرين جمادى الآخرة اول وقت الضحى الى الكشك وخرج الناس لرؤيته على ما جرت به العادة فبات في الكشك وخرج بكرة الى الصيد فبقي الاربعاء والخميس ودخل الدار العزيزة قبل المغرب ثم تقدم الي بالجلوس بباب بمر تحت المنظرة يوم الاثنين سلخ جمادى الاخرة فتكلمت فيه بعد العصروأمير المؤمنين حاضر وجرى مجلس مستحسن تاب فيه جماعة وقصت فيه شعور وذكرت خروجه الى الكشك في قصيدة انشأتها وهي:
يا سيد الخلق وعين الاكوان ... خليفة اللا العظيم السلطان
ياشمس جودنورها في البلدان ... يا بحرتم تم لاعن نقصان
ظهرت للخلق ظهور البرهان ... عاشت به ارواح اهل الايقان
زين بك البر وزينت اوطان ... صدت القلوب حين صاعوا الغزلان
بحلمك الوافر بل بالاحسان ... والكشك قد حقر قمرالايوان
هذا على التوحيد وضع البنيان ... وذاك مبني لأجل النيران
حب بني العباس اصل الايمان ... بنى الاله ولمح!م في الجثمان
الحجر والبيت لهم والأركان ... أصبحت كالروح ونحن ابدان
الشرع كالعين وانت اجفان ... الجود غصن واحد يا بستان
هذا مديحي وهو قحر الامكان ... وفي ضميري ضعف هذا الاعلان
عبيدكه لا يشترى بأثمان ... وقد ملكتم رقه بالاحسان
سميت نفسي مذ خدمت سلمان ... لكن لساني في المديح حسان
وحسن الفاظي تباهى سحبان وفي بكرة الأربعاء ثاني رجب: حضر الناس على عادتهم دعوة امير المؤمنين التي تكون في كل رجب فحضر الوزير وأرباب الحولة والعلماء والمتصوفة، ونصب لهم سماط مستحسن وقرئت ختمة وتقدم الي بالدعاء فدعوت أوانشد ابن شبيب قصيدة يمدح فيها امير المؤمنين وهذه كانت العادة كل سنة، ثم خرج قاضي القضاة أومعظم، ارباب الدولة وخرجت معهم وبات القوم على سماع الانشاد وخلعت عليهم خلع وفرقت عليهم اموال.
وتكلمت يوم الخميس عاشررجب بعد العصر تحت المنظرة وامير المؤمنين حاضر والزحام شديد ثم تناولنا انا والقزويني كل ليلة جمعة فكان يوم مجلسي تغلق ابواب المكان بعد الظهر لشدة الزحام فاذا جئت بعد العصر فتح لي فزاحم معي من يمكنه ان يزاحم.
وفي شهررجب: قارب بغداد بعض السلجوقية ممن يروم السلطنة وارسل رسولا ليؤذن له في المجيء فلم يلتفت اليه فجمع جمعا، ونهب مواضع فخرج اليه العسكروجرت مناوشات في شعبان ورحل فرجع العسكر الى بغداد ثم عاد فنهب مواضع وآذى قرى فعاد العسكر فخرج اليه وامرعليهم شكرالخادم فأقأموا يراصدونه طول رمضان ثم رحل في شوال الى ناحية خراسان فرجع العسكر.
أوفي يوم الاثنين حالحي عشر رمضان: تقدم الي بالجلوس في دار ظهير الدين صاحب المخزن وحضر امير المؤمنين واذن للعوام في الدخول فتكلمت وأعجبهم حتى قال لي ظهير الدين قد قال امير المؤمنين ما كأن هذا الرجل آدمي لما يقدر عليه من الكلام


ومما جرى بعد النصف من رمضان ان رجلا من التجار باع متاعا له بألف دينار وترك المال في خان انباروجاء الى بيته وليس معه في الدار إلاَّ مملوك له اسود قد اشتراه قبل ذلك بأيام فقام المملوك في الليل فضربه بسكين في فؤاور واخذ المفتاح ومضى الى الخان انبار فطرق باب الخان فقالت الخانية من انت قال انا غلام فلان قد بعث بي لآخذ له شيئاً من الخان انبار فقالت والله ما افتح لك حتى يجيء مولاك فرجع ليأخذ ما في البيت فاتفق ان حارس الدرب سمع صيحة الرجل وقت ان ضرب بالسكين فأمسك الغلام وبقي مولاه في الحياة يومين فوصى بقتل الغلام بعده فصلب المملوك بالرحبة بعد موت مولاه يوم الخميس حادي عشرين رمضان، واخذ مملوك اخر لبعض التجار من سيده الف ديناروهرب فلم يسمع له خبر.
وجاء حر شديد بعد نصف رمضان فكان ذلك في آذار فبقى اسبوعا على مثل حرحزيران او اشد فأخبر المشايخ انهم ما رأوا مثل هذا في هذا الوقت ثم عاد الزمان الى عادته.
وحدثني طلحة بن مظفر العلثي الفقيه انه ولد عندهم بالعلث في رمضان مولود لستة اشهر فخرج له اربعة اضراس.
وفي يوم الاثنين خامس عشرين رمضان: تقدم بجلوسي في دارصاحب المخزن فجلست وحضر امير المؤمنين واذن للعوام في الدخول فتكلمت بعد العصر الى المغرب وبتنا في الدارتلك الليلة مع جماعة من الفقهاء فجرت مناظرات الى نصف الليل.
وفي يوم الجمعة العشرين من شوال: حضرت الصلاة بجامع الرصافة فلم يحضر الخطيب وقاربت العصر فصلى اكثر الناس الظهر وانصرفوا واقمت مع جماعة ننتظر الخطيب فجاء قبيل العصرفخطب وصلينا وكان السبب في تأخره ان الذي كانت الجمعة نوبته صرف عن الخطابة ولم يعلم نائبه فتأخرفبعثوا اليه من باب البصرة فحضر فاختصر فقرأ " ألهاكم التكاثر " وهذا شيء لا يذكر الناس انه جرى مثله على هذا الوصف. وفي يوم الجمعة خامس في القعدة: اذن في اقامة الجمعة بمسجد في شارع دار الدقيق من الجانب الغربي فأقيمت فيه وقد ذكرنا انه اذن في اقامة الجمعة بمسجد ابن المأمون في جمادى الاولى فمن العجائب تجدد جامعين ببغداد في سنة واحدة، وفي يوم الاثنين، ثامن في القعدة بعد العصر هبت ريح شديدة فأثارت ترابا عظيما وازعجت الناس وبقيت كذلك ساعة جيدة ثم ذهبت.
واتفق في هذا الشهرأن رجلا أمر بالمعروف فقصده بعض من امره بخشبة فهرب الآمر فعاد الرجل الى بيته والخشبة بيده فحين دخل الدار وقع فمات.
ووصل الخبر في ذي القعدة بأن بلادا كثيرة زلزلت وخسف ببعضها وذكر فيها الري وقزوين.
وكتب الي بعض الوعاظ ان امرأة تقول كان رجل اذا رآني في الطريق مشى الى جانبي وتعرض لى فقلت له انا لا اوافق الا على الحلال فتزوج بي عند الحاكم وقضيت معه مديدة يأتيني كما يأتى الرجل المرأة ثم عظمت بطنه وقال لي قد حبلت فاعملي لي دواء الاسقاط فعملت له فولد وقد حضرت المجلس انا وهوفما حكمنا؟ فقال الواعظ هذا النكاح ما صح لانه بالودة انكشف انه امرأة وتعجب الناس من حال هذا الخنثى الفي كان يأتي ويؤتى.
وفي ليلة الاثنين ثاني عشرين ذي القعدة: دخل رجل الى بيت اخته فذبحها أوهرب، وكأنه حدث عنها بما لا يصلح أوتحدث بعض جيراننا بباب المراتب انه وقع في ارهم حائط فقام هووجارية له يعزلون الآجر والجص فوجدت الجارية صنحوقا لطيفا فيه منامية فيها دنانير في الدينار اربعة وخمسة وبين ذلك حب الحبة الواحمة كالزيتونة واشياء وصفتها فأعطت منها بعض جيرانهم وسلمت الباقي الى رجل كان يعرفها منذ جلبت وقالت اكتر ببعض هذا وتعال إلي في اليوم الفلاني حتى اخرج معك فمضى الرجل ولم يعد فلما يئست منه حدثَ سيدها بذلك فجعل يتلهف بعد أن فات الامر. ونزل رجل الى دجلة يسبح وترك ثيابه وفيها ستون ديناراً على الشاطىء فجاء قوم فأخفوها ومضوا فاتهم بها آخرين فأخفوا واهينوا ثم طلبوا من كان قريباً منهم فاذا رجل قد اخذ الذهب وخرج ليسافر فوجحوه في الحربية قد نفق منه عشره قراريط ففتشوه فأخفوه فقيل لصاحب المال طيب قلوب المتهمين فقد رد مالك فلم يفعل.
ومما تجدد ان رجلا قال لطحان من اهل الكرخ اعطني كارة دقيق. فقاك ما افعل


فقال والله ما ابرح حتى آخذ فقال الطحان وحق علي الذي هوخير من الله ما اعطيك. فشهد عليه جماعة فحبس أياماً ثم اخرج يوم السبت سابع عشرين ذي القعدة فضرب مائة سوط وسود وجهه وشهر في الغد وخلفه من يضربه بالخشب والعامة يرجمونه ثم اعيد الى الحبس.
وتقدم الي بالجلوس بباب بمر فتكلمت بكرة الخميس ثالث في الحجة وحضرأمير المؤمنين وقام الي رجل يوم عرفة في المجلس فتاب وقطع شعره وقال لي ثلاث اسابيع أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم و في المنام كأنه في كل مجلس يأتي اليك فيقبلِ، صدرك
ذكر من توفي في هذه السنة من ألاكابر.
علي بن عساكر، أبو الحسن البطائحي المقرىء كان قد قرأ القرآن وأقرأ وسمع الحديث الكثير وروى وكانت له معرفة بالنحووعبر الثمانين ووقف كتبه وتوفي ليلة الثلاثاء ثامن عشرين شعبان هذه السنة.
محمد بن سعيد بن محمد، أبوسعد، ابن الرزاز كان من المعدلين وسمع الحديث من ابن برهان وابن الحصين وكان ينظر التركات أويقول شعراً مطبوعا، كتب اليه بعض الناس مكاتبة تتضمن شعراً فكتب في جوابها:
يامن اياديه يعيا من يعددها ... وليس يحصى مداها من لها يصف
عجزت عن شكرما اوليت من كرم ... وصرت عبدا ولي في ذلك الشرفا
اهديت منظوم شعركله درر ... فكل ناظم عقددونه يقف
اذا أتيت ببيت منه كان لنا ... قصراً وعر المعالي فوقه شرف
وأن أتيت أنا بيتاً نناقضه ... أتيت لكن ببيت سقفه يكف
لا كنت منه ولامن اهله ابدا ... وانما حين ادنو منه أقتطف
ولد ابوسعد سنة احدى وخمسمائة وتوفي في الحجة من هذه السنة.
محمد بن عبد الله بن القاسم، أبو الفضل الشهرزوري كان رئيس اهل بيته وبنى مدرسة بالموصل ومدرسة بنصيبين وقف عليها وقوفاً ولاه محمود بن زنكي ثم استوزره، ورد بغداد رسولاً فذكر أنه كتب قصة إلى المقتفي فكتب على رأسها محمد بن عبد الله الرسول، فكتب المقتفي صلى الله عليه وسلم . وتوفي في محرم هذه السنة بدمشق.
مختار الخادم وكان من خواص الخليفة وكان يتدين وعلت سنه.
توفي في آخر شعبان ودفن في الترب بالرصافة.
مسلم بن ثابت بن زيد بن القاسم بن أحمد، أبوعبد الله بن جوالق الفقيه. سمع الحديث وتفقه على شيخنا ابى بكر الدينوري وناظر وعلت سنة وكان وكيلًا، لبعض امراء الدار العزيزة.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة احمد.
ثم دخلت
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها انه في بكرة الخميس غرة المحرم دخل الى البلد تتامش الني كان قد خرج مع قيماز من بغداد وخرج اهل البلد للنظر اليه ونزل تحت التاج فقبل الارض مراراً واذن له في الدخول الى داره وعفى عنه وأمر وكرم.
وبعد صلاة العصريومئذ تقدم الي بالجلوس تحت منظرة باب بدر واجتمع الخلق وتاب جماعة وحضر امير المؤمنين. ثم تقدم الي بالجلوس هناك يوم عاشوراء وكان الناس يجيئون من نصف الليل بالأضواء فما طلع الفجرولا حد موضع قدم وغلقت الابواب ولقينا شدة من الزحام وأمير المؤمنين حاضر.
وقدم الحاج في نصف صفروذكروا ما لقوا في طريقهم من الجوع وغلاء السعر وكثرة من هلك من المشاة والجمال.
وقبض على حاجب الباب ابي منصور ابن العلاء وسلم الى استاذ الدار وجرت


همرجات عظيمة قبض فيها على جماعة ومنع ابن الوزيرأبن رئيس الرؤساء من الركوس وان يتردد الى بابه احد واستكتب كثيراً من املاكه ثم رلمحد عليه كثيرمنها بعد ذلك وصرف اكثر اشغال الديوان الى المخزن وانقطع عن الركوب اصلا واخذ ابو المظفر الحسين بن محمد بن علي الدامغاني اخو قاضي القضاة إلى دار صاحب المخزن وهو الذي كان ينوب عن قاضي القضاة، في الحكم على بابه وكان قد زوج امرأة فتظلم زوجها الاول وقال اكرهت على طلاقها فقيل له كيف زوجتها. فقال جاءني كتاب حكمي من واسط ان زوجها قد طلقها وفتحته وكتبت على ظهره وجاءتني برأءة فكتبت عليها وزوجتها فأخرج صاحب المخزن الكتاب وليس بمفتوح ولا مكتوب في ظهره ولا في البراءة فجبهه صاحب المخزن وقال قد عزلتك عن القضاء والشهادة وكل ما كنت تتولاه ثم امربتنحية طيلسانه وقال له: يبلغ عنك وعن اخيك ما لا يصلح وامير المؤمنين لا يغفل عن هذا ثم جعل يتبع افعالا تنسب الى قاضي القضاة وحدثني بعض الوكلاء ان قاضي القضاة كان قد كتب الى الخليفة قبل ذلك بمده يسأل ان يعفى من قصد صاحب المخزن فأعفي وكان بينهما شيء فلما رأى قاضي القضاة ما جرى على أخيه وكان قبل ذلك قد جرى على جماعة من وكلائه اهانات ثم تتبع وجاء في يوم الخميس حادي عشر ربيع الأخر الى دار صاحب المخزن يستعطفه ثم صار يترعداليه كل اسبوع واستقبح الناس هذا التردد بعد الانقطاع الدائم وعلموا انه من الخوف.
وفي يوم الائنين النصف من ربيع الآخر: تكلمت في جامع المنصور وحضر الخلق فحزروا بمائة الف وتاب ثلاثة وخمسون نفسا وقصت شعورهم.
وانشد في يوم السبت الشهاب الضرير:
بك يا جمال الدين قد ... شقت من الأعدا مرائر
حسموا ومالهمُ اذا ... سروا علينا من جرائر
لك في الفداء نفوسنا ... وهي الشريفات الحرائر
يا من تطير بلطفه ... من نارمعناه شرائر
يوم الجلوس لنا الأني ... س لهم به تبلى السرائر
تكفي المليحة عند من تهوى ... شهادات الضرائر
وفي يوم الخميس خامس عشرين ربيع الآخر: ضرب تركي تركياًضحوة نهارعلى باب النوبي، بنشابة ثم اتباعها ضربة بسيف ثم هرب الضارب وخرج البلد ثم عاد ليأخذ من بيته شيئاً وبهرب فأخذوه فصلب وقت الظهر بباب النوبي أوحي بعد صلاة الجمعة.
وفي يوم الجمعة ثالث جمادى الأولى: منع من اقامة الجمعة التي في قصر عيس المعروف بمسجد ابن المأمون وكان قد عمره فخر الدولة بن المطلب واوسعه وانفق عليه مالاً، وجاءت الاخبار بان الموت في دمشق كثيروالمرض بالموصل كثير.
وفي النصف من جمادى الآخرة: أخرج البلخي الواعظ من البلد بتوقيع بعد اسمعه حاجب الباب المكروه لما كان يذكرعنه من شرب الخمر.
وفي يوم الجمعة، سادس عشرجمادى الأخرة: ركب الوزير الى باب الحجرة بعد أن بقي زماناً لا يركب فطاب قلبه وجلس للهناء وجاء صاحب المخزن الى دارالوزير بعد صلاة الجمعة والنقباء وقام له الوزيروقبل صاحب المخزن يده.
وجاءت الي يوم الأحد خامس عشرين جمادى الاخرة فتوى في عبد وامة لرجل فاعتقهما زوج الرجل بالمرأة فبقيت معه عشرين سنة وجاءت منه باربعة اولاد ثم بان الان انها اخته لابيه وامه ومذ عرف ذلك أخذا لم في البكاء والنحيب فتعجبت ذلك واعلمتهما أنه لا إثم فيما مضى والعدة تلزمها ويجوز أن ينظر إليها بعد أن فارقها نظره إلى أخته إلا أن يخاف على نفسه فيلزمه البعد عنها.
وفي ليلة رجب: تكلمت بباب بدر تحت المنظرة الشريفة وأمير المؤمنين حاضر والجمع متوفر.
وفي بكرة ليلة الأحد، ثاني رجب: حضرنا دعوة أمير المؤمنين على العادة وحضر ارباب المولة كلهم والعلماء والصوفية فأكلوا وختمت الختمة ودعا للختمة ابن المهتدي الخطيب وصلى بهم في ذلك اليوم وتلك الليلة في الداروبعد دعاء الختمة خلع على أمير المدينة ووللى وولد امير مكة ثم انصرف من عادته الانصراف أوبات الباقون على عادتهم وخلعت عليهم الخلع وفرقت الآموال .
وبنت الجهة المعظمة المسماة بنفشة رباطاً في سوق المدرسة للصوفيات وفتحته اول رجب وعملت فيه دعوة وتكلمن فيه وأفرد لاخت أبي بكر الصوفي شيخ رباط الزوزني وفرقت الجهة عليهم مالاً.


وفي ليلة الاحد سادس عشر رجب: جاء مطر عظيم ودام ثلاثة ايام بلياليهن وكان فيه رعود هائلة وبروق عظيمة ووقعت آدر كثيرة وامتلأت الطرقات بالماء وبقي الوحل أسبوعاً وجمع أهل عرب بينهم اثني عشرديناراً لمن ينقل الماء في المزادات الى دجلة واخرج الخليفة مالاً ينفق في تنحية الوحل من الطرق وزادت دجلة زيادة بينة وذلك في كانون الثاني ولم يزل ينقص قليلاً ثم يعود الى الزيادة فقا شيخ من الملاحين لي ثمانون سنة ما رأيت مثل هذه الزيادة في كانون.
وفي يوم الخميس سابع عشرين رجب: تكلمت بعد العصرتحت المنظرة المؤمنين حاضر.
وفي هذه الايام: خرج شحنة اوانا وعكبرا يتصيد فوق تلك النواحي فلقيه من بني خفاجة فقتلوه فجيء به الى بيته بباب الازج ثم حمل فدفن في مقبرة احمد بن حنبل وكان كثير الخير والتدين لا يشرب الخمرولا يشكى منه وكان مواظباً على مجلسي.
وفي يوم الاثنين،غرة شعبان ألكم رجل رجلاً فمات في الحال.
وانشأ أمير المؤمنين مسجدآ كبيراً في السوق عند عقد الحديد وتقم بعمارته عمارة فائقة وكسي وقمم فيه عبد الوهاب أ ابن العيبي، زوج ابنتي فصلى فيا النصف من شعبان وأجريت له مشاهرة وتقمم الي فصليت فيه بالناس التراويح ليلة الزحام كثيراً فدخل على قلوب اهل المذهب ما شاء الله من الغم لكونه اضيف الحنابلة وقد كان يرجف له به لغيرهم.وفي بكرة السبت خامس رمضان: تقمم بجلوسي في دار صاحب اله وازدحم الناس حتى غلق الباب وكان أمير المؤمنين حاضراً. ثم تكلمت يوم الاثنين حادي عشرين رمضان في داره ايضاً على تلك الصفة.
وفي سحرة يوم الأربعاء سابع شوال: هبت ريح عظيمة فزلزلت الدنيا بتراب عظيم حتى خيف ان تكون القيامة ثم جاء فيها برد ودام ذلك ساعة طويلة ثم انجلت وقد وقعت حيطان وتهدمت مواضع على اقوام مات منهم وارتث منهم ووقع سقف متصل بمنظرة الخليفة التي عند باب الحلبة وكانت الريح تقوى ساعة وتخف ساعة الى وقت الضحى ثم اشتدت وملأت الدنيا تراباً فصعد اعنان السماء فتبير، السماء منه مصفرة الى وقت العصر وزادت دجلة في عاشر شوال زياثة عشرين فراعآ على المعتاد وخاف الناس واشغلوا بالعمل في القورج ثم نقص الماء بعد ثلاثة ايام.


وفي يوم الجمعة سلخ شوال: بعد أذان الجمعة صعد غيم وجاء مطرشديد من جامع السلطان الى الرصافة فما فوق فكانت ثم غدران وامتلأت الصحارى والشوارع به ولم يأت بنهر معلى الا اليسير. وورد حاجِ كثير من خراسان فاستأذلن الوزير ابن رئيس الرؤساء في الحج فأذن له فعمل تركاً جميلاَ وقيل انه اشترى ستمائة جمل وأقام منها مائة للمنقطعين واخرج معه الالمحوية ومن يطب المرضى واستصحب جماعة من اهل الخير والعلم ودخلنا اليه بكرة الثلائاء نودعه فسلمط عليه ثم قام فدخل الى الخدمة ثم خرج فعبر في سفينة الى ناحية الرقة وقد خرج اهل بغداد فأمتلأت الشواطىء من الجانبين وامتحوا الى ما فوق معروف ينظرون اليه وخرج معه ارباب الحولة سوى صاحب المخزن فانه لم يلقه وأما استاذ الدار فانه ودعه في دار الخلافة وعبر معه شامش وكان مريضآ فرط حين صعد من السفينة وقال له انت مريض فعادفركب الوزير وبين يديه النقيبان وارباب الحولة والعلماء وضرب له بوق حين ركب فلما وصل باب قطفتا خرج رجل كهل فقال يا مولانا إنا مظلوم وتَقرب منه فزجره الغلمان فقال الوزيردعوه فتقدم اليه فضربه بسكين في خاصرته فصاح الوزير قتلني ووقع من الدابة ووقعت عمامته فغطى رأسه بكمه وبقي على قارعة الطريق وضرب ذلك الباطني بسيف فعاد فضرب الوزيرواقبل حاجب الباب ينصره فضربه الباطني بسكين وعاد وضرب الوزير فقطع الباطني بالسيوف ، وبعض الناس يقولون كانوا اثنين وخرج منهم شاب بيلى سكين فقتل ولم يعمل شيئاً وأحرقت أجساد الثلاثة وحمل الوزير الى دار هناك وجيء بحاجب الباب الى بيته واختلط الناس، وما صدق أحد أن يعود إلى بيته في عافية، وكان الوزير قد رأى في المنام قبل ذلك إنه عانق عثمان بن عفان، وحكى عنه ولده أنه اغتسل قبل خروجه وقال هذا غسل الإسلام وإني مقتول بلا شك ومات الوزير بعد الظهر وتوفي حاجب الباب في الليل وغسل الوزير بكرة الإربعاء وحمل إلى جامع المنصور فصلي عليه وحضر أرباب الدولة وصاحب المخزن ودفن عند أبيه وجاء مكتوب من الخليفة إلى أولاده يطيب قلوبهم ويأمرهم بالقعود للعزاء فقعدوا يوم الخميس في داره فلم يحضر أحد يوماً إليه لا من الأمراء ولا من القضاة ولا من الشهود ولا من الصوفية بل كان هناك عدد يسير وتكلم في العزاء من عادته يتكلم في أعزية العوام من الطرقيين فتعجبت من هذه الحال وإنه كان يكون عزاء بزاز أحسن من ذلك وما كان انقطاع الناس إلا رضا لصاحب المخزن لأنه كان يفارقه فلما كان في اليوم الثاني حضر الدار جماعة من الفقهاء بالنظامية فلم يقعد أولاده فلما علم الخليفة بالحال تقدم إلى أرباب الدولة ومن جرت عادته بالحضور فحضر في اليوم الثالث صاحب الديوان وقاضي القضاة والنقيب وغيرهم وسألوا أن أتَكلم عندهم في العزاء فنصب لي كرسي لطيف وتكلمت عليه والقراء يقرأون ومددت الكلام إلى أن جاء خدم الخليفة بمكتوب منه يعزيهم ويأمرهم بالنهوض عن العزاء فقرأه ابن الأنباري قائماً والناس كلهم قيام ثم انصرفوا.
وفي يوم الجمعة: ولي ابن طلحة حجبة الباب.
وفي ليلة الإثنين: بعث صاحب المخزن بغلامه من الليل إلى تتامش ليحضر عنده وكانت له عادة بزيارته في الليل يخلوان للحديث فحضر عنده فوكل به في حجرة دار صاحب المخزن ونفذ إلى بيته فأخذ من الخيل والكوسات وكل ما في الدار واختلفت الأراجيف في نوبته فقوم يقولون أنهم في وضع الباطنية على قتل الوزير وذكر أنه كف إلى أمير المؤمنين مراراً يحرضه على الخروج للفرجة في الحاج فلما اتفق قتل الوزير خيف أن تكون نيته قد كانت رديئة، وقوم يقولون إنه كاتب أمراء خراسان، وبقي موكلاً به في دار صاحب المخزن.
وفي عاشر ذي الحجة: غسل الديوان ورتب وهيء ورجمت الظنون وتحازر الناس من يكون وزيراً فلما كان يوم العيد تقدم إلى صاحب المخزن بالحضور في الديوان على وجه النيابة فحضر ورتب الموكب وانصرف.


وجاء قوم من أهل المدائن بعد العيد فشكوا من يهود بالمدائن وإنه كان لهم مسجد يصلي فيه الجماعة ويكثر فيه التأذين وهو إلى جانب كنيسة اليهود فقال بعض اليهود قد آذيتمونا بكثرة الآذان فقال المؤذن ما نبالي تأذيتم أم لا فتناوشوا وجرت بينهم خصومة استظهر فيها اليهود فجاء المسلمون يستنفرون ويستغيثون مما جرى عليهم من اليهود إلى صاحب المخزن فأمر بحبس بعضهم ثم أطلقهم فخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الخليفة فاستغاثوا قبل الصلاة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة فلما فرغ قاموا يستغيثون فخرج جماعة من الجند فضربوهم ومنعوهم من الإستغاثة فانهزموا فلما رأى العوام ما فعل بهم غضبوا نصرة للإسلام واستغاثوا وتكلموا بالكلام السيئ وقلعوا طوابيق الجامع وضربوا بها الجند فوقع الآجر على المنبر والشباك ثم خرجوا فنهبوا دكاكين المخلصين لأن أكثرهم يهود ووقف حاجب الباب بيده سيف مجذوب ليرد العوام وحمل عليهم نائبه فرجموه وانقلب البلد من ذلك وجاء قوم إلى الكنيسة التي بدار البساسيري فنهبوها ونقضوا شبابيكها وقطعوا التوراة وأخرجوها مقطعة الأوراق وما تجاسر يهودي يظهر وتقدم أمير المؤمنين بنقض الكنيسة التي بالمدائن وأمر أن تجعل مسجداً ونصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها أقوام من العيارين فظنها العوام لتفزيعهم والتهويل عليهم لأجل ما فعلوا فعلقوا على الأخشاب في الليل جرذاناً ميتة. وأخرج يوم الإثنين سادس عشر ذي الحجة: جماعة كانت لهم مدة في الحبس ذكر أنهم كانوا لصوصاً بواسط وأنهم قتلوا قوماً هناك فصلبوا بالرحبة وكان فيهم شاب هاشمي.
وفي الجمعة المقبلة أقيم الجند بالسلاح يحفظون الجامع والرحبة خوفاً مما جرى من العامة في الجمعة الماضية فلم يتكلم أحد وصار الجند في كل جمعة يراعون الجامع حذراً من مثل ذلك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن بكروس، الحمامي، أبو العباس ولد سنة اثنتين وخمسمائة وقرأ القرآن على آبي العز ابن كادش وأبي القاسم ابن الحصين وغيرهما وتفقه على شيخنا أبي بكر الدينوري وكان يكثر الصوم والصلاة فتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر وصلي عليه بجامع القصر ودفن بمقبرة الإمام أحمد.
صدقة بن الحسين بن الحسن، أبو الفرج الحداد ولد سنة سبع وتسعين وأربعمائة وكان في صباه قد حفظ القرآن وسمع شيئاً من الفقه وكان له فهم فناظر وأفتى إلا إنه كان يظهر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته وكان لا ينضبط فكان من يجالسه يعثر منه على ذلك وكان يخبط الإعتقاد تارة يرمز إلى إنكار بعث الأجسام ويميل إلى مذهب الفلاسفة وتارة يعترض على القضاء والقدر.
قال المصنف رحمه الله: دخلت عليه يوماً وعليه حرير فقال لي ينبغي أن يكون هذا على جمل لا على أنا. وقال لي يوماً أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك، وقال لي القاضي أبو يعلى ابن الفراء مذ كتب صدقة كتاب الشفاء لابن سينا تغير.
وحدثني أبو الحسن علي بن عساكر المقرىء قال دخلت عليه فقال والله ما أدري من أين جاءوا بنا ولا من أي مضيق يريدون أن يحملونا.
وحدثني عنه الظهير ابن الحنفي الفقيه قال دخلت عليه وهو مضيق قال إني لأفرح بتعثيري، قلت لم؟ قال لأن الصانع يقصدني. وكان طول عمره ينسخ بأجرة فاتفق في آخر عمره أن تفقده بعض الأكابر فحكى لي عنه أنه كان يقول أنا كنت أنسخ طول عمري لا أقدرعلى دجاجة فانظر كيف بعث لي الدجاج والحلوى في وقت لا أقدر أن آكله. وهذا من جنس اعتراضات ابن الريوندي وكنت أنا أتأمل عليه إذا قام إلى الصلاة فأكون في أوقات إلى جانبه فلا أرى شفتيه تتحرك أصلاً. وكتب إلي في قصيدة أنشأها، بخطه:
واحيرتا من وجود ما تقدمنا ... فيه اختيار ولا علم فتقتبس
ونحن في ظلمات مالها قمر ... يضيء فيها ولاشمس ولاقبس
مدلفين حيارى قد تكنفنا ... جهل تجهمنا في وجهه عبس
والفعل فيه بلا ريب كلا عمل ... والقول فيه كلام كله هوس
وله في آخرى يذم الدنيا:
لا توطنها فليست بمقام ... واجتنبها فهي دار الإنتقام
أتراها صنعة من صانع ... أم تراها رمية من غير رامي
فلما كثرعثوري على هذا منه وعجز تأويلي له هجرته سنين ولم أصل عليه حين مات.


وحكى عنه أبو يعلى المقرىء قال كنا عنده فسمع صوت الرعد فقال فوق خباط وأسفل خباط.
قال أبو يعلى: وقال أبياتاً أخذتها منه بخطه وهي:
نظرت بعين القلب ما صنع الدهر ... فألقيه غراً وليس له خبر
فنحن سدى فيه بغير سياسة ... نروح ونغدو قد تكنفنا الشر
فلا من يحل الزيج وهومنجم ... ولا من عليه الوحي ينزل والذكر
يحل لنا ما نحن فيه فنهتدي ... وهل يهتدي قوم أضلهم السكر
عمى في عمى في ظلمة ... فوق ظلمة تراكمها من دونه يعجز الصبر
وكان مع هذا الاعتقاد يعرف منه فواحش وأغري بالطلب من الناس لا عن حاجة فخلف ثلثمائة دينار. ومات يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر وصلي عليه في رحبة الجامع ودفن بمقبرة باب حرب.
وكتب إلي أبو بكر الدلال وكان من أهل السنة الجياد قال رأيت في ما يرى النائم كأني في سوق وكأن صدقة بن الحسين الحداد عريان وحوله جماعة فتبعته فصعد درجة فصعدت خلفه فقلت يا شيخ صدقة ما فعل الله بك؟ فقال لي ما غفرلي، فقلت له كذا؟ قال نعم وأعاد القول مرة آخرى وغير عبارته قال قلت له إغفر لي قال ما أغفر لك ونزل من الدرجة فقلت أين تسكن؟ فقال في بيت في خان فانتبهت فلقيت رجلاً كان صديق صدقة فحدثته بما رأيت فقال لي إني رأيت في المنام امرأة أعرف إنها ميتة فقلت لها رأيت صدقة؟ قالت نعم رأيته وسألته ما فعل الله بك؟ قال قد وكل بي كل ملك في السماء وقد ضايقوني حتى قد حنقوني فقلت أين تكون؟ قال مسجون.
فاطمة بنت نصر بن العطار توفيت يوم الأربعاء سادس عشر رمضان وأخرجت جنازتها بكرة الخميس إلى جامع القصر ونحي شباك المقصورة لأجلها وحضر جميع أرباب الدولة سوى الوزير وصلى عليها أخوها صاحب المخزن وامتلأت الأسواق والشوارع بالناس أكثر من يوم العيد وشيعها إلى مقبرة أحمد بن حنبل خلق كثير من الأكابر ودفنت عند أبيها وشاع عنها الذكر الجميل والزهد في الدنيا، وحدثني أخوها صاحب المخزن إنها كانت كثيرة التعبد شديدة الخوف ما خرجت في عمرها من بيتها إلا ثلاث مرات لضرورة وما كانت تلتفت إلى زينة الدنيا.
محمد بن أحمد ابن عبد الجبار، أبو المظفر الحنفي، المشطب ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة كان فقيهاً على مذهب أبي حنيفة مناظراً أفتى ودرس سنين.
وتوفي ليلة الثلاثاء حادي عشر جمادى الأولى وصلى عليه بجامع القصر ودفن بمقبرة الخيزران.
محمد بن أسعد بن محمد بن أبي منصور العطاري، حفدة ولد بطوس وكانت له معرفة جيدة بالخلاف وأنس بالتفسير وكان يعظ بتبريز وناظر طويلاً ودرس وبلغني أنه، أفتى وقدم بغداد بعد الستين وخمسمائة فناظر بها وتوفي بتبريز في رجب هذه السنة.
محمد بن عبداللّه ، أبي القاسم ابن المسلمة، أبو الفرج الوزير محمد بن عبداللّه بن هبة اللة بن المظفر رئيس الرؤساء، أبي القاسم ابن المسلمة، أبو الفرج الوزير.
ولد في جمادى الآخرة من سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان أبوه استاذ دار المقتفي وتولى المستنجد فأقره على ذلك ورفع قدره فوق ما كان فلما ولي المستضيء بأمر الله الخلافة استوزره وكان يحفظ القرآن وقد سمع الحديث وله مروءة وإكرام للعلماء والفقراء ثم جرى له مع قيماز ما جرى فعزله الخليفة ثم مات قيماز فأعيد إلى الوزراة وخرج من بيته إلى الحج يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة فضربه الباطنية أربع ضربات على باب قطفتا فحمل إلى دار هناك ولم يتكلم إلا أنه يقول الله الله وقال ادفنوني عند أبي ثم مات بعد الظهر وحمل يوم الخميس إلى جامع المنصور فصلى عليه ولده الأكبر ودفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند الجامع.
محمد بن محمد بن هبة الله بن أحمد، ابن الزيتوني، أبو الثناء سمع الحديث ووعظ وانقطع في مسجده وتوفي فىِ رمضان هذه السنة ودفن في زاويته الملاصقة لمسجده.
محمد بن أيي نصر، أبو سعد، ابن المعوج حاجب الباب قد ذكرنا إنه ضربه الباطنية يوم قتل الوزير وحمل إلى داره بنهر معلى فدفن بها.
ثم دخلت
سنة أربع وسبعين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها


أنه كان مفتتحها الثلاثاء فتقدم إلي بالكلام تحت منظرة باب بدر فتكلمت بكرة وحضر أمير المؤمنين، وتكلمت هناك يوم عاشوراء حضر أمير المؤمنين وقلت ولو أني مثلت بين يدي السدة الشريفة لقلت يا أمير المؤمنين كن لله سبحانه مع حاجتك إليه كما كان لك مع غناه عنك، إنه لم يجعل أحداً فوقك فلا ترض أن يكون أحد أشكر منك. فتصدق يومئذ أمير المؤمنين عقيب المجلس بصدقات وأطلق محبوسين. وانكسف القمر بعد ثلث الليل الأخير ليلة النصف من ربيع الأول فبقي على حاله إلى أن غاب بعد طلوع الشمس.
وانكسفت الشمس يوم الأربعاء تاسع عشرين ربيع الاول وقت العصر فبقيت إلى قريب الغروب كذلك.
وولدت امرأة من جيراننا في بطن واحدة ثلاثة أولاد ابن وابنتان فعاشوا بعض اليوم وذلك في جمادي الأولى.
وفي أوائل جمادي الأخرة تقدم أمير المؤمنين بعمل لوح ينصب على قبر الإمام أحمد بن حنبل فعمل ونقضت السترة جميعها وبنيت بآجر مقطوع جديدة وبني لها جانبان ووقع اللوح الجديد وفي رأسه مكتوب هذا أمر بعمله سيدنا ومولانا المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، وفي وسطه: هذا قبر تاج السنة وحيد الأمة العالي الهمة العالم العابد الفقيه الزاهد الإمام، أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني رحمه اللّه.
وقد كتب تاريخ وفاته وآية الكرسي حول ذلك.
ووعدت بالجلوس في جامع المنصور فتكلمت يوم الإثنين سادس عشر جمادى الأولى فبات في الجامع خلق كثير وختمت ختمات واجتمع للمجلس بكرة ما حزر بمائة ألف وتاب خلق كثير وقطعت شعور ثم نزلت فمضيت إلى زيارة قبر أحمد فتبعني من حزر بخمسة آلاف، وفي ليلة السبت حادي عشرين جمادى الأولى: أطلق تتامش إلى داره وتقدم أمير المؤمنين بعمل دكة بجامع القصر للشيخ ابن المنى الفقيه الحنبلي جلس فيها يوم الجمعة ثاني عشر جمادي الآخرة فماتوا أهل المذاهب من عمل مواضع للحنابلة وما كانت العادة قد جرت بذلك وجعل الناس يقولون لي هذا بسببك فإنه ما ارتفع هذا المذهب عند السلطان حتى مال إلى الحنابلة إلا بسماع كلامك فشكرت الله تعالى على ذلك.
ولقد قال لي صاحب المخزن: ما يخرج إلى شيء من عند السلطان فيه ذكرك إلا يثني عليه وقال له يوماً نجاح الخادم: أنت تتعصب لابن الجوزي، فقال والله ما يتعصب له سيدك بقدر ما يتعصب له إلا خمسين مرة وما يعجبه كلام غيره وكان يقول الوزير ابن رئيس الرؤساء ما دخلت قط على الخليفة إلاَ جرى ذكر ابن الجوزي وصار لي خمس مدارس وهذا شيء ما رآه الحنابلة إلا في زمني ولي مائة وثلاثون مصنفاً إلى اليوم وهي في كل فن وقد تاب على يدي أكثر من مائة ألف وقطعت أكثر من عشرين ألف طائلة ولم ير لواعظ قط مثل مجلسي جمع الخليفة والوزير وصاحب المخزن وكبار العلماء.
وفي يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة: تكلمت بباب بدر وأمير المؤمنين حاضر والزحام شديد.
وفي بكرة السبت رابع رجب: حضر الناس الدعوة في دار أمير المؤمنين على رسمهم في كل سنة فأكلوا ودبرت ختمات وقرأ القراء كلهم وعاد للختمة ابن المهتدي الخطيب وأنشد ابن شبيب.
وتكلمت يوم الخميس بعد العصر تاسع رجب تحت المنظرة وأمير المؤمنين حاضر والزحام شديد والباب مغلق لشدة الزحام وبالغت في وعظ أمير المؤمنين فمما حكيت له إن الرشيد قال لشيبان عظني فقال يا أمير المؤمنين لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف: قال الرشيد فسر لي هذا قال من يقول لك أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم. فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وقلت له في كلامي يا أمير المؤمنين إن تكلمت خفت منك وإن سكت خفت عليك فأنا أقدم خوفي عليك لمحبتي لك على خوفي منك.
وتكلمت يوم السبت مفتتح رمضان في مدرستي بدرب دينار فكان الزحام خارجاً عن الحد حتى غلق الأبواب وقصت ثلاثون طائلة وتاب خلق من المفسدين.


وخرج كانون ولم يأت فيه إلا شيء يسير من المطر وخرج كانون الثاني خالياً عن مطر وكذلك خرج شباط وأذار وجاء في نيسان مرة شيء يسير وشاع في الناس إن في الموصل الغلاء وفي ما حولها وإنهم استسقوا فلم يسقوا وأما دجلة فما رأيت فيها زيادة ولا انقطع الجسر طول السنة وهلك من الزرع ما كان سقيه بالمطر وأجدبت واسط فكانو ينقلون الطعام من بغداد إليها فمنع ذلك وصار الخبز الحواري كل ستة أرطال بقيراط والشعير كل أربعة أرطال بحبة وهم على حذر من الغلاء الشديد هذا والناس يحصدون. وجاء رجل إلى بغداد في رمضان فذكر أنه يضرب بالسيف والسكين فلا يعمل فيه ولكن ذكروا أن ذلك سيفه وسكينه خاصة وكان يقول لهم أنا مشعبذ.
وفي ليلة الجمعة رابع عشرين رمضان: كبس بالكرخ على رجل يقال له أبا السعادات ابن قرايا كان ينشد على الدكاكين ويقال إنه كان يذكر على العوني وغيره من الرفض فوجدوا عنده كتباً كثيرة فيها سب الصحابة وتلقيفهم فأخذ فقطع لسانه بكرة الجمعة وقطعت يده ثم حط إلى الشط ليحمل إلى المارستان فضربه العوام بالآجر في الطريق فهرب إلى الشط فجعل يسبح وهم يضربونه حتى مات ثم أخرجوه وأحرقوه ثم رمي باقيه إلى الماء فطفا بعد أيام فقالت العامة مارضيته السمك وقالت العامة فيه الشعر الكثير المسمى بكان وكان فقال بعضهم:
زوروا الشبيك وخلوا ... سرداب سامرا
السنة خل المشبه حامض ... وقعت فيه هراك
ما رأيتم ابن قرايا رأياً ظهر فيه معجزة إن ردت بل وتقدم هذا عقوبة ذاك، ثم تتبع جماعة من الروافض فجعلوا يحرقون كتباً عندهم من غير أن يطلع عليها مخافة أن ينم عليهم وخمدت جمرتهم بمرة وصاروا أذل من اليهود.
وفي ليلة السبت تاسع عشرين رمضان: حضر الجماعة على طبق صاحب المخزن فتكلم ابن البغدادي الفقيه فقال إن عائشة قاتلت علياً رضي الله عنه فصارت من جملة البغاة فتقدم صاحب المخزن باقامته من مكانه ووكل به في المخزن وكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فخرج التوقيع بتعزيره فجمع الفقهاء فقيل لهم ما تقولون فيما قال؟ وهل يجوز أن يترك تعزيره إذا أقر بالخطأ؟ فجعل هو يناظر على ما قال والفقهاء يردون ما يقول فقلت أنا من بين الجماعة هذا رجل ليس له علم بالنقل وقد سمع إنه جرى قتال ولعمري لقد جرى قتال ولكن ما قصدته عائشة ولا علي إنما أثار الحرب سفهاء الفريقين ولولا علمنا بالسير لقلنا مثل ما قال وتعزير مثل هذا إن يقر بالخطأ بين الجماعة ويصفح عنه، فكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فوقع إذا كان قد أقر بالخطأ فيشترط عليه أن لا يعاود ثم أطلق.
وجاء الخبر: بقلة الماء في طريق مكة وبعدم العشب والجمال فنودي في الناس لا يخرج ماش ولا صاحب تجارة فقعد خلق كثير ورجع قوم قد قدموا من الموصل للحج فعادوا يبيعون زادهم وخرج من خرج على خوف ومخاطرة وعاد جماعة من الحلة ونزل أكثرهم في السفن فخرج عليهم عرب فأخذوا أكثر الأموال وقتل منهم قوم وشاع أنه قدم قوم من الباطنية يريدون قتل قوم من الأكابر فوقع الاحتراز وحكى لي ثقات أن الأرض زلزلت بعد العصر يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة أربع مرات ولم أحس أنا بذلك. ومما جرى في هذا الشهر أن رجلاً تاجراً أكرى مع مكارية من الموصل وكان معه ألف دينار فعلم بها المكارية فسرقوها في الطريق فلم يتكلم حتى دخل بغداد فاستعدي عليهم فأحضرهم صاحب المخزن فأقر أحدهم إني أنا أخذتها وهي مدفونة في الياسرية فبعث فجيء بها فنقصت خمسين ديناراً فطولب فقال هي مع قرابة لي فقال صاحب المخزن احبسوا هذا حتى نصلبه غداً فقام الرجل في الليل فصلب نفسه.
وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشرين ذي القعدة: هبت ريح شديدة وغامت السماء نصف الليل وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء كأنها تتصاعد من الأرض فاستغاث الناس استغاثة شديدة وبقي الأمر على ذلك إلى ضحوة ذي الحجة ولم ير الهلال ليلة الثلاثين فأرخ الناس الشهر بالجمعة على التمام وكان الهلال زائداً على الحد في الكبر والعلو فجعلنا ندهش من كبره.


ومن العادة أن أول رمضان هو يوم الأضحى وهذا ليس كذلك فبقي الأمر على هذا يوم الجمعة إلى يوم الجمعة قبل الصلاة فوصل من بعض البلاد ما أوجب أن علم الناس أن اليوم يوم عرفة فأخرج المنبر وهيئت أمور العيد وتقدم إلي بالجلوس عشية الجمعة فجلست للتعريف بباب بدر وأمير المؤمنين حاضر.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عيسى بن أبي غالب، أبو العباس الأبروزي الضرير قرأ القرآن وسمع الحديث وتفقه وناظر وكان فيه دين توفي يوم الجمعة عاشر رجب وصلى عليه يومئذ بجامع القصر ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل.
سعد بن محمد بن سعد، أبو الفوارس الصيفي الناقد الشاعر. ويلقب: بالحيص بيص. سمع شيئاً من الحديث ومدح الأكابر وتقدم عندهم على الشعراء ومن شعره يمدح الوزير علي بن طراد:
ما أنصفت بغداد ناشئيها الذي ... كثر الثناء به على بغداد
شاني إذا مد الجدال رواقه ... بصوارم غير السيوف حداد
وجرت بأنواع العلوم مقالتي ... كالسيل مد إلى قرار الوادي
وذعرت ألباب الخصوم بخاطر ... يقظان في الأصدار والإيراد
فتصدعوا متفرقين كأنهم ... مال تفرقه يد ابن طراد
وقال أيضاً:
كل ما أوسعت حلمي جاهلاً ... أوسع الجهل له فحش المقال
وإذا شاردة فهت بها ... سبقت مر النعامى والشمال
عز بأسي أن أرى مضطهداً ... وأبى لي غرب عزمي أن أبالي
لا تلمني في شقائق بالعلا ... رغد العيش لربات الحجال
سيف عز زانه رونقه ... فهو بالطبع غني عن صقال
توفي ليلة الأربعاء سادس عشر شعبان هذه السنة.
شهدة بنت أحمد بن عمر الأبري، فخر النساء الكاتبة سمعت الحديث من ابن السراج وطراد وغيرهما وقرأت عليه كثيراً وكان لها خط حسن وتزوجت ببعض وكلاء الخليفة وعاشت مخالطة للدار ولأهل العلم وكان لها بر وخير وقرىء عليها الحديث سنين وعمرت حتى قاربت المائة وتوفيت ليلة الإثنين رابع عشر المحرم وصلي عليها بجامع القصر وأزيل شباك المقصورة لأجلها وحضرها خلق كثير وعامة العلماء ودفنت بمقبرة باب أبرز.
عمار بن سلامة، أبو البقاء الحراني كان من أماثل التجار كثير الصدقة ملازماً لمجلس الذكر كثير الخشوع والبكاء متعصباً لأهل السنة مبالغاً في حب أصحاب أحمد بن حنبل مرض ثلاثة أيام.
وتوفي ليلة الأحد ثالث عشر محرم هذه السنة وصليت عليه بمدرستي بدرب دينار وحضر خلق كثير ودفن بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.
الخاتمة
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمدللّه وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً.