|
المنتظم
الجزء السابع عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله عليه وسلم
ثم دخلت
سنة ست وثمانين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها
أنه كان
قد قدم إلى بغداد في شوال سنة خمس وثمانين رجل من أهل مرو واسمه
أردَشير بن منصور أبو الحسين العبادي، ثم خرج إلى الحج، فلما قدم جلس
في النظامية سنة ست، وحضره أبو حامد الغزالي المدرس بها، وكان الغزالي
يحاضره وسمع كلامه منذ قدم بغداد، فلما جلس كثر الناس عليه حتى امتلأ
صحن المدرسة وأروقتها وبيوتها وغرفها وسطوحها، وعجز المكان فكان يجلس
في قراح ظفر، وفي كل مجلس يتضاعف الجمع وذرعت الأرض التي عليها الرجال
خاصة فكان طولها مائة وسبعين ذراعاً وعرضها مائة وعشرين ذراعاً، وكان
النساء أكثر من ذلك، فكانوا على سبيل الحزر ثلاثين ألفَاً، وكان صمت
هذا الرجل أكثر من نطقه، وكانت آثار الزهادة بينة عليه، وكان إذا تكلم
كلمة ضجوا وهاموا، وترك أكثر الناس معايشهم، وحلق أكثر الصبيان شعورهم،
وأووا إلى المساجد والجوامع، وتوفروا على الجماعات، وأريقت الأنبذة
والخمور، وكسرت آلات الملاهي. وحكى إسماعيل بن أبي سعد الصوفي قال: كان
العبادي ينزل رباطاً وكان في الرباط بركة كبيرة يتوضأ فيها، فكان الناس
ينقلون منها الماء بالقوارير والكيزان تبركاً حتى كان يظهر فيها نقصان
الماء. وحدثني أبو منصور الأمين أنه قام إليه رجل ليتوب، فقال له: قف
مكانك ليغسلك ماء المطر. فوقف، فوقع ماء المطر وأظنه قال: وليس في
السماء قزعة.
قال: وقال يوماً: يا أبا منصور، أشتهي توثاً شامياً وثلجاً فإن حلقي قد
تغيّر.
قال: فعبرت إلى الجانب المغربي ولي ثَمّ بساتين، فطفت واجتهدت فلم أجد،
فرجعت قبيل الظهر، فدخلت إلى الدار وكان أصحابه فيها وهو منفرد في بيت،
فقلت لأصحابه: مَنْ جاء اليوم.
فقالوا: جاءت امرأة فقالت: قد غزلت غَزْلاً وأحب أن تقبل مني ثمنه،
فأخبرناه فقال: ليس لي بذلك عادة، فجلست تبكي فرحمها فقال: قولوا لها
تشتري ما يقع في نفسها، فخرجت فاشترت توثاً شامياً وثلجاً وجاءت به.
وقال لي أبومنصور: ودخلت يوماً عليه فقال لي: يا أبا منصور، قد اشتهيت
أن تعمل لي دعوة فاشتريت الدجاج، وعقدت الحلوى، وغرمت أكثر من أربعين
ديناراً، فلما تم ذلك جلس يفرقه و يقول: احمل هذا إلى الرباط الفلاني
وإلى الموضع الفلاني.
فلما انتهينا رآني كأني ضيق الصدر، إذ لم يتناول منه شيئاً، فغمس إصبعه
الصغرى في الحلوى، وقال: يكفي هذا. قال وكنت أراصده في الليل، فربما
تقلب طول الليل على الفراش، ثم قام وقت الفجر فصلى بوضوئه. وكان معه
طعام قد جاء به من بلده، فلم يأكل من غلة بغداد.
وحكى لي عبد الوهاب بن أبي منصور الأمين عن أبيه قال: دخلت على العبادي
وهو يشرب مرقة فقلت في قلبي: ليته أعطاني فضلته لأشربها لعلي أحفظ
القرآن. قال: فناولني ما فضل منه، وقال: اشربه على تلك النية. فشربته
ورزقني اللهّ حفظ القرآن. وحكى لي أن هذا الرجل تكلم في الربا وبيع
القراضة بالصحيح، فمُنِعَ من الجلوس، وأمر بالخروج من البلد فخرج.
وفي هذه السنة: خطب تاج الدولة تتش لنفسه، بالسلطنة، وقصد الرحى ففتحها
عنوة ودخل في. طاعته آقسنقر صاحب حلب، وبوزان صاحب الرها ووزر له
الكافي ابن فخر الدولة بن جهير وملك ديار بكر والموصل وبعث إلى الخليفة
يلتمس إقامة الخطبة له ببغداد، فتوقف وانفصل بعد ذلك عن تتش آقسنقر
وبوزان وتوجه بركيارق إلى حرب تتش، فاستقبلهم بباب حلب، فكسرهم وأسر
بوزن واقسنقر، وصلبهما.
وفي جمادى الاخرة: بدأت الفتن في الجانب الغربي، وقطعت بها طرق
السابلة، وقتل أهل النصرية مسلحياً يعرف بابن الداعي، وأنفذ سعد الدولة
أصحابه فأحرقوا النصرية، وتتبع المفسدين فهربوا، ثم اتصلت الفتن بين
أهل باب البصرة والكرخ، ووقع القتال على القنطرة الجديدة، وأنفذ سعد
الدولة إلى الكرخ فنهب وأحرقت.
وفي شعبان: وُلدَ لولد الخليفة ولد، وهو أبو منصور الفضل أبن ولي العهد
العباس أحمد المستظهر، والفضل هو المسترشد.
وفي يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة: خرج الوزير أبو منصور بن جهير في
الموكب لتلقي السلطان بركيارق، فهنأه عن الخليفة بالقدوم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
جعفر بن المقتدي الذي كان من خاتون بنت ملكشاه، توفي يوم الثلاثاء ثالث
عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وجلس الوزيرعميد الدولة للعزاء به
ثلاثة أيام.
أحمد بن محمد بن أحمد، أبوالعباس اللباد
أبْهَرُي
الأصل، أصبهاني المولد والمنشأ، أحد عدول أصبهان، رحل البلاد وسمع
الكثير، وجمع الشيوخ، وكان ثقة، حسن الخلق سليم، مضت أموره على السداد،
قُتِلَ في أيام الباطنية مظلوماً في شوال هذه السنة.
سليمان بن إبراهيم بن حمد بن سليمان، أبو مسعود الأصبهاني ولد في رمضان
سنة سبع وتسعين وثلثمائة، ورحل في طلب الحديث، وطلب، وتعب وجمع ونسخٍ.
وسمع أبا بكر بن مردويه، وأبا نعيم، وأبا علي بن شاذان، وأبا بكر
البرقاني، وخلقاً كثيراً. سمع منه أبو نعيم، وأبو بكر الخطيب، وكان له
معرفة بالحديث، وصنّف التصانيف، وخرج على الصحيحين، وتوفي في ذي
القعدة، من هذه السنة بأصبهان.
عبد اللّه بن عبد الصمد بن علي بن المأمون، أبوالقاسم حدَث عنه شيخنا
ابن ناصر، توفي في ربيع الآخر، ودفن في داره بقصر بني المأمون.
عبد بن علي بن زكري، أبوالفضل الدقاق سمع أبا الحسين بن بشران، وسمع
منه أشياخنا، وتوفي يوم الثلاثاء.
عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهد، أبوالقاسم العلاف سمع أبا الفرج
الغوري، وأبا الفتح بن أبي الفوارس، وهو آخر من حدث عنهما. سمع منه
أشياخنا، وتوفيَ يوم الجمعة سادس عشر ذي القعدة، ودفن بباب حرب.
عبد الواحد بن أحمد بن الحصين الدسكري، أبوسعد الفقيه صحب أبا إسحاق
الشيرازي، وروى الحديث، ثم خدم في المخزن، وكان مألفاً لأهل العلم،
وكان يقول: ما غمر بدني هذا في لذة قط، وتوفي يوم الثلاثاء العشرين من
رجب، ودفن بباب حرب.
علي بن أحمد بن يوسف بن جعفر. توفي في هذه السنة.، أبو الحسن الهًكّاري
والهكارية جبال فوق الوصل، فيها قرى، ابتنى اربطة وقدم إلى، بغداد فنزل
في رباط الزوزني، وسمع الحديث من أبي القاسم بن بشران، وأبي بكر
الخياط، وغيرهما. وكان صالحاً من أهل السُّنّة كثير التعبد، وحدّث فسمع
منه أبو المظفر ابن التريكي الخطيب، وكان يقول: رأيت رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم في المنام في المدرسة في الروضة فقلت: يا رسول الله،
أوصني. فقال: " عليك باعتقاد مذهب أحمد بن حنبل، ومذهب الشافعي، وإياك
ومجالسة أهل البدع " توفي في محرم هذه السنة، وورد الخبر بذلك إلى
بغداد.
علي بن محمد بن محمد، أبو الحسن الخطيب الأنباري، ابن الأخضر سمع أبا
أحمد الفرضي، وهو آخر مَنْ حدَّث في الدنيا عنه، وتوفي بالأنبار في
شوال، روى عنه أشياخنا اخرهم أبو الفتح ابن البطي، وبلغ من العمر خمساً
وتسعين.
علي بن هبة اللّه بن علي بن جعفر بن علىِ بن محمد بن دلف بن أبي دلف
العجلي، أبو نصر بن ماكولا ولد سنة اثنتين وأربعمائة، وكان حافظاً
للحديث، وصنَّف كتاب المؤتلف والمختلف فذكر فيه كتاب عبد الغني، وكتاب
الدارقطني، والخطيب، وزاد عليهم زيادات كثير، وسمّاه: كتاب الإكمال
وكان نحوياً مبرزاً، غزل الشعر، فصيح العبارة، وسمع من أبي طالب. قال
أبو طالب الطبري: وحدث كثيراً، وسمعت شيخنا عبد الوهاب يطعن فيدينه
ويقول: العلم يحتاج إلى دين. وقُتل في خوزستان في هذه السنة أوفي السنة
بعدها.
نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل، أبو الليث، وأبو الفتح التنكتي وكان
له كنيتان. من أهل تنك بلدة عند الشاش ما وراء النهر، ولد سنة ست
وأربعمائة، وطاف البلاد، وسار من الشرق. إلى الغرب، وجال في بلاد
الأندلس، وأقام بها مدة، وسمع من جماعة، وحدِّث بصحيح مسلم وبالمتفق
لأبي بكر الجوزقي، حدتنا عنه شيوخنا، وكان نبيلاً صدوقاً أميناً ثقة،
من أهل الثروة، كثير النعم، حسن الزي، مليح البشر، كريم الأخلاق، قومت
تركته بعد موته مائة ألف وثلاثين ألف دينار.
توفي في ذي القعدة من هذه السنة بنيسابور، ودفن بالحيرة.
يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور، أبوعلي البرزبيني سمع أبا إسحاق
البرمكي، وتفقه على القاضي أبي يعلى ابن الفراء، ودرس في حياته وصنف،
وحدّث فروي عنه أشياخنا، وشهد عند أبي عبد اللهّ الدامغاني في سنة ثلاث
وخمسين هو والشريف أبو جعفر ورُدّ إليه قضاء باب الأزج.
وتوفي في شوال هذه السنة عن سبع وسبعين سنة، ودفن بمقبرة دار، الفيل
إلى جانب عبد العزيز غلام الخلال.
ثم دخلت
سنة سبع وثمانين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها
أنه لما
قدم السلطان بركيارق بن ملكشاه بغداد تقرر مع الخليفة المقتدي بأن يحمل
السلطان إليه المال الذي ينسب إلى البيعة، وأن يخطب له بالسلطنة على
رسم أبيه، وتقدم الخليفة إلى أبي سعد بن الموصلايا كاتب الإنشاء أن
يكتب عهده، فكتب ورتبت الخلع وذلك يوم الجمعة رابع عشرمحرم، وحمل العهد
إلى الخليفة يوم الجمعة فوقع فيه، وتأمل الخلع، ثم قدم إليه الطعام
فتناول منه وغسل يده، وأقبل على النظر في العهد وهو أكمل ما كان صحة
وسرورأ وبين يديه قهرمانته شمس النهار فقال لها: مَنْ هذه الأشخاص
الذين قد دخلوا علينا بغير إذن؟ قالت: فالتفت فلم أر أحداً، ورأيته قد
تغيرت حالته استرخت يداه ورجلاه، وانحلت قواه، وسقط إلى الأرض. فظننتها
غشية لحقته، ومِرّة غلبته، فحللت أزرار ثيابه فوجدته لا يجيب داعياً،
فحققت موته، ثم أنها تماسكت وتشجعت وقالت لجارية كانت عنده: ليس هذا
وقت يظهر فيه الهلع، فإن ظهر منك صياح قتلتك. وأفردتها في حجرة وأغلقت
عليها الباب، ثم نفّذت بمن استدعى يَمناً الخادم وهو صهر القهرمانة على
ابنتها، فلما حضر أمرته باستدعاء الوزير عميد الدولة ابن جهير، فمضى
إليه عند اختلاط الظلام، فلما شعر به ارتاع وخرج إليه، فأمره بالحضور
فحضر والأفكار تتلاعب به، فلما رأى القهرمانة أجلها زيادة على ما جرت
به عادته معها، فدخلت الحجرة إلى أن قالت: قد عجزت عن الخدمة وقد عولت
على سؤال أمير المؤمنين أن يأذن لي في الحج، وأنت شفيعي إليه وأسألك أن
تحفظني في مغيبي كما تحفظني في مشهدي، وأخذت عليه الأيمان أن يتوفر على
مصالحها، استوثقت منه استنهضته، فدخل على الخليفة فرآه مسجى فأجهش
بالبكاء، وأحضروا ولي العهد المستظهر فعرفوه الحال وعزوه عن المصيبة،
وهنأوه بالخلافة، وبايعوه.
فقد بان بما ذكرنا أنه من حوادث هذه السنة موت المقتدي وخلافة
المستظهر. قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: كانت ببغداد زلزلة في محرم سنة
سبع وثمانين، العشائين، فحدث بعدها موت المقتدي، وخروج تتش وقتله،
ومجيء بركيارق إلى بغداد، وغير ذلك من الفتن والحروب وغلاء البسعر.
باب ذكر خلافة المستظهر بالله
ولما بويع المستظهر وهو ابن ست عشرة سنة وشهرين، واسمه، أحمد بن
المقتدي، ويكنى: أبا العباس، وأمه أم ولد، كان كريم الأخلاق، لين
الجانب، سخي النفس، مؤثراً للإحسان، حافظاً للقرآن، محبآَ للعلم،
منكراً للظلم، فصيح اللسان، له شعر مستحسن منه قوله:
أذاب حر الهوى في القلب ماجَمدا ... يوماً مددتُ على رسم الوداع يدا
فكيف أسلك نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا
قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به ... من بعدما قد وفى دهراً بما وعدا
إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي ... من بعد هذا فلا عاينته أبدا
ولما بويع
المستظهر استوزر أبا منصور ابن جهير، وقال له: الأمور مفوضة إليك
والتعويل فيها عليك، فدبرها بما تراه. فقال: هذا وقت صعب، وقد اجتمعت
العساكر ببغداد مع هذا السلطان الذي عندنا، ولا بد من بذل الأموال التي
تستدعي إخلاصهم وطاعتهم. فقال له: الخزائن بحكمك فتصرف فيها عن غير
استنجاز ولا مراجعة ولا محاسبة. فقال: ينبغي كتمان هذه الحال إلى أن
يصلح نشرها، وأنا أستأذن في إطلاع ابني الموصلايا على الحال فهما كاتبا
الحضرة. فقال المستظهر: قد أذن في ذلك، وفي جميع ما تراه. فخرج إلى
الديوان واستدعى ابنيّ الموصلايا وقال لهما: قد حدث حادثة عظيمة.
وتفاوضوا فيما يقع عليه العمل. فركب عميد الدولة باكراً إلى السلطان
بركيارق يوم السبت وهو متشجع فخلع عليه، وعاد إلى بيت النوبة فأنهى
الحال إلى المستظهر، وجرى الأمر في ذلك على أسدّ نظام إلا أن الأرجاف
انتشر في هذا اليوم، ثم تكاثر في يوم الأحد، ثم زاد يوم الإثنين، فوقع
الوزير إلى أرباب المناصب بالحضور، فحضر طراد بن محمد من باب البصرة في
الزمرة العباسية مظهرين شعار المصيبة، وجاء. نقيب الطالبيين المعمر على
مثل ذلك في زمرة العلوية، فضجَّ الناس بالبكاء، ثم أظهر موت المقتدي
بعد ثلاثة أيام، وذلك يوم الثلاثاء ثامن عشر المحرم، فأخرج في تابوت
وصلى عليه المستظهر، ولم يحضر السلطان بل حضر أعيان دولته، وأرباب
المناصب، وأهل العلم مثل الغزالي، والشاشي، وابن عقيل، فبايعوه وكان
المتولي لأخذ البيعة على الكل الوزير أبومنصور بن جهير.
وكان المستظهر كريمآَ فحكى أبو الحسن المخزني قال: أخرج إلينا من الدار
أربع عشرة جبةً طلساء قد تدنست أزياقها تزيد قيمتها على خمسمائة دينار،
فسلمها إلى مطري، وظننت أن كُتَّاب المخزن قد أثبتوها، ولم تطلب مني
ولا ذكرت بها، واتصلت أشغالي ومضى على هذا حدود من ثلاث سنين، فخرج
إلينا من طلب الجباب، فأنكرت الحال، وقلت: متى كان هذا وفي أي وقت؟
فذكروني الوقت ومَنْ جاء بها، فتذكرت وما علمت إلى من سلمتها، فاستدعيت
كل مطري جرت عادته بخدمة المخزن فحضروا وفيهم الذي سلمتها إليه،
فتأملته وقد استحال لونه، فقلت له: أين الجباب؟ فلم ينطق، فعاودته
فسكت، فأمرت بضربه فقال: أصدقك، لما أصلحت الجباب لم تلتمس مني، وبقيت
سنة وعملت بعدها أعمالاً كثيرة للمخزن، وما ذُكِرت لي فعلمت أنها قد
نسيت، وكان عليَّ دين، فبعت واحدة، ثم مضى زمان فلم تطلب فبعت أخرى، ثم
أخرى، إلى أن بقي عندي منها ست جباب فبعتها جملة وجهَزتُ ابنة لي،
واللّه ما في يدي منها خيط، ولا من ثمنها حبة، وما لي سوى ثمن دويرة
البنت والرحل الذي جهَّزتها به، فقلت: ويلك.، خاطرت بدمي، وعرَّضتني
للتهمة، ودخلت على أبي القاسم بن الحصين صاحب المخزن، فعرَّفته فتقدم
بتقييده وحمله إلى الحبس، ثم طولع المستظهر بالحال، وترقب أن يتقدم
بقطع يده إظهاراً للسياسة، فوقع أن أمر. بالجواب. كانت المقابلة لمن
فرضه الحفظ إذ فرَّط، فالذنب للراعي إذ نعس لا للذئب إذ اختلس، والذي
انصرف فيه ثمن الثياب أنفع لأربابها منها، فليخل سبيل هذا، ولا يعرض
لدار بنته ورحلها، واللهّ المعين.
وفي ربيع الآخرة: رأى بعض اليهود مناماً أنهم سيطيرون فجاء فأخبرهم
فوهبوا أموالهم وذخائرهم وجعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا فصاروا
ضحكة بين الأمم.وفي ثالث عشر شعبان: ولى أبو الحسن الدامغاني قضاء
القضاة، ولاه الوزير عميد الدولة شفاهاً، وتقدم بإضافة الخلع في
الديوان وعبر بنهر القلائين ومعه النقيبان وحجاب الديوان وأتى محلته
والفتنهَ قائمة فسكنت، فجلس وحكم، وولى أخاه أبا وُجعفر القضاء
بالرصافة، وباب الطاق، ومن أعلى بغداد إلى الموصل، وغيرها من البلاد
بعد أن قبل شهادته، وكانت الفتنة بين أهل نهر طابق وأهل باب الارحاء،
فاحترقت نهر طابق وصارت تلولاً، فلما احترقت نهر طابق عبريمن وصاحب
الشرطة، فقتل رجلاً مستوراً، فنفر الناس عنه، وعزل في اليوم الثالث من
ولايته.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
عبد الله المقتدى بالله أمير المؤمنين توفي فجأة ليلة السبت خامس عشر
هذه السنة وكان، وكان عمر ثمانياً وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام
سبعة أيام، وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر إلا يومين.
خاتون
زوجة
السلطان ملكشاه، تسمى تركان وهي بنت طراج وأبوها من نسل أفراسياب ملك
الفرس وكانت حازمة حافظة شهمة وكان معها من الأتراك إلى حين وفاتها
عشرة آلآف وقد ذكرنا كيف زمت الأمور حين وفاة السلطان وحفظت أموال
السلطان فلم يذهب منها شيء وهي صاحبة أصبهان بباشرت الحروب ودبرت
الجيوش وقادت العساكر وتوفيت في رمضان هذه السنة فانحل أمر ابنها،
فانحل أمر ابنها محمود بموتها، وعقد الأمر لبركيارق بن ملكشاه.
ثم دخلت
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها ورود يوسف بن أبق التركماني إلى بغداد في صفر أنفذه
تاج الدولة أبو سعيد تتش بن محمد ألب أرسلان لإقامة الدعوة له، فأخرج
إليه من الديوان حاجب، فلما لقيه ضربه وأراد خروج الوزير، فعلم أنه
طالب مكيدة، ودخل بغداد فاستدعى سيف الدولة صدقة بن منصور وكان نافراً
من تاج الدولة، ولم يغير الخطبة في بلاده لبركيارق لما غيرها الديوان
فخيم سيف الدولة بباب الشعير، فرحل ابن أبق فنهب باجسري، وقرر على
شهربان ثلاثة آلاف دينار، ونهب طريق خراسان، فقال الوزير لحاجبه: قل
للورامية استلأموا بسدفة - يريد ألبسوا السلاح. في ظلمة الليل - فقال
لهم. الحاجب: قال لكم مولانا ناموا في الصفة.
فقال ورام بن أبي فراس: فكأنا برحنا من الصفة. فعاد الحاجب فقال له
الوزير: ما الذي قلت؟ فأخبره، فضحك وقال: شر المصائب ما يضحك. ثم إن
الخليفة استدعى ابن أبق فدخل فقبل الأرض خارج الحلبة ونزل بدار
المملكة، واستعد أهل بغداد السلاح وتحارسوا، لأنه كان عازماً على نهب
بغداد، فوصل أخو يوسف فأخبره بقتل تاج الدولة، فانهزم قاصداً إلى حلب.
وكانت الوقعة بين تاج الدولة وبركيارق يوم الأحد سابع عشر صفر سنة ثمان
وثمانين بموضع بقرب الري، وكان تاج الدولة في القلب فقتل في أول من
قتل.
وفي يوم الجمعة تاسع عشر ربيع الأول: خطب لولي العهد أبي منصور الفضل
ابن المستظهر بالله عمدة الدين.
وفي ثامن عشر ربيع الأخر: خرج الوزير عميد الدولة أبو منصورفخط
السورعلى الحريم، وقدرهومعه المساح وتقدم بجبايات المال الذي يحتاج
إليه عقارات الناس دورهم وأذن للعوام في الفرجة والعمل، وحمل أهل
المحال السلاح والأعلام، والبوقات والطبول ومعهم المعاول والسبلات
وأنواع الملاهي من الزمور والحكايات، والخيالات فعمل آهل باب، المراتب
من البواري المقيرة على صورة الفيل، وتحته قوم يسيرون به، وعملوا زرافة
كذلك، وأتى أهل قصر عيسى بسميرة كبيرة فيها الملاحون يجدفون وهي تجري
على هاذور، وأتى أهل سوق يحيى بناعورة تدور معهم في الأسواق وعمل أهل
سوق المدرسة قلعة خشب تسير على عجل وفيها غلمان يضربون بقسي البندق
والنشاب وأخرج قوم بئراً على عجل وفيها حائك ينسج وكذلك القلاطونيون
وكذلك الخبازون جاؤا بتنور وتحته ما يسير به والخباز يخبز ويرمي الخبز
إلى الناس.
وكتب أبو
الوفاء بن عقيل إلى الوزير ابن جهير إحراق العوام بالشريعة في بناء
السور فكان فيه مما نقلته من خطه لولا اعتقادي صحة البعث وأن لنا داراً
أخرى لعلي أكون فيها على حال أحمدهما لما بغضت نفسي إلى مالك عصري وعلى
الله أعتمد في جميع ما أورده بعد أن أشهده أني محب متعصب لكن إذا تقابل
دين محمد ودين بني جهير فو الله ما أزن هذه بهذه ولوكنت كذلك كافراً
فأقول إن كان هذا الخرق الذي جرى بالشريعة عن عمد لمناصة واضعها فما
بالنا نعتقد الختمات ورواية الأحاديث وإذا نزلت بنا الحوادث تقدمنا
مجموع الختمات والدعاء عقيبها ثم بعد ذلك طبول وسواني ومخانيث وخيال
وكشف عورات الرجال مع حضور النساء إسقاطاً لحكم الله، وما عندي يا شرف
الدين أن فيك، أن تقوم لسخطة من سخطات الله، ترى بأي وجه تلقى محمداً
صلى الله عليه وسلم، بل لو رأيته في المنام مقطباً كان ذلك يزعجك. في
يقظتك، وأي حُرمةٍ تبقى لوجوهنا وأيدينا وألسنتنا عند الله إذا وضعنا
الجباه ساجدة، ثم كيف نطالب الأجناد تقبيل عتبة ولثم ترابها، ونقيم
الحد في دهليز الحريم صباحاً ومساءً على قدح نبيذ مختلف فيه، ثم تمرح
العوام في المنكر المجمع على تحريمه، هذا مضاف إلى الزناء الظاهر بباب
بدر، ولبس الحرير على جميع المتعلقين والأصحاب، يا شرف الدين اتق سخط
اللّه فإن سخطه لا تقاومه سماء ولا أرض، فإن فسدت حالي بما قلت، فلعل
الله يلطف بي ويكفيني هوائج الطباع، ثم لاتلمنا على ملازمة البيوت
والاختفاء عن العوام، لأنهم إن سألونا لم نقل إلا ما يقتضي الإعظام
لهذه القبائح، والإنكار لها والنياحة على الشريعة، أترى لوجاءت معتبة
من اللهّ سبحانه في منام، أوعلى لسان نبي إن لوكان قد بقي للوحي نزول،
أو ألقى إلى روع مسلم بإلهام، هل كانت إلا إليك، فاتق الله تقوى من علم
مقدار سخطه، فقد قال: " فلما آسفونا انتقمنا منهم " وقد ملأتكم في
عيونكم مدائح الشعراء، ومداجاة المتمولين بدولتكم، الأغنياء الأغبياء
الذين خسروا اللّه فيكم فحسنوا لكم طرائقكم، والعاقل مَنْ عرف نفسه،
ولم يغيره مدح مَنْ لايخبرها.
وفي شعبان: شهد أبو الخطاب الكلوذاني وأبو سعيد المخرمي.
وفي رمضان جرح السلطان بركيارق، جرحه رجل سجزي كان سترياً على بابه بعد
الإفطار فأخذ الجارح وأقر على رجلين سجزيين أنهما أعطياه مائة دينار.
ليقتله، فقتل وقررا فاعترفا، فضربا فلم يقرا على مَنْ أمرهما بذلك،
وعُذِّبا بأنواع العذاب فلم يذكرا مَن وضعهما، فتُرك أحدهما تحت يد
الفيل فقال: خلصوني حتى أقر بالحال. فلما خلي التفت إلى رفيقه فقال له:
يا أخي، لا بد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار،
فقتلا وبعث يمن الخادم إلى السلطان مهنئاً له بالسلامة.
وفي ذي القعدة: خرج أبو حامد الغزالي من بغداد متوجهاً الى بيت المقدس
تاركاً للتدريس في النظامية، زاهداً في ذلك، لابساً خشن الثياب بعد
ناعمها، وناب عنه أخوه في التدريس، وعاد في السنة الثالثة من خروجه وقد
صنَف كتاب الإحياء فكان يجتمع إليه الخلق الكثير كل يوم في الرباط
فيسمعونه منه، ثم حج في سنة تسعين، ثم عاد إلى بلده.
وفي يوم عرفة: خلع على القاضي أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة اللّه
السيبي، ولقب بشرف القضَاة، ورُدَّ إليه ولاية القضاء بالحريم وغيره.
وفي هذه السنة: اصطلح أهل الكرخ مع بقية المحال، وتزاوروا وتواكلوا
وتشاربوا، وكان هذا من العجائب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الحسن بن أحمد بن خيرون، أبو الفضل الباقلاوي ولد لثلاث بقين
من جمادى الآخرة سنة ست وأربعمائة، وسمع الحديث الكثير وكتبه، وله به
معرفة حسنة، روى عنه أبو بكر الخطيب، وحدثنا عنه أشياخنا، وكان من
الثقات، وشهد عند أبي عبد الله الدامغاني، ثم صار أميناً له، ثم ولي
إشراف خزانة الغلات، وتوفي ضحوة يوم الخميس رابع عشر رجب هذه السنة،
ودفن بمقبرة باب حرب.
تتش بن ألب أرسلان قُتل في وقعة كانت بينه وبين بركيارق ابن ملكشاه،
وكان وزير تتش أبو المظفر علي بن نظام الملك، فأسر في الوقعة، وكان
وزير بركيارق أبو بكرعبد اللهّ بن نظام الملك، فأطلق له أبا المظفر
فعزله بركيارق واستوزر أبا المظفر.
حمد بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن مسهرة، أبو الفضل الحداد الأصبهاني
سمع خلقاً
كثيراً، وقدم بغداد في سنة خمس وثمانين، فروى الحلية ثا عن أبي نعيم
وغيره، وكان أكبر من أخيه أبي علي المعمر، وكان إماماً فاضلاً عالماً،
صحيح السماع، محققاً في الأخذ. توفي في هذه السنة.
رزق اللّه بن عبد الوهاب ابن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن
سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن إبراهيم بن عبد اللّه
بن الهيثم بن عبد الله، وكان عبد اللّه اسمه: عبد اللات، فسماه النبي
صلى الله عليه وسلم عبد اللّه، وعلمه وأرسله إلى اليمامة والبحرين
ليعلمهم أمر دينهم، وقال: نزع الله من صدرك وصدر ولدك الغل والغش إلى
يوم القيامة.
أنبأنا محمد بن ناصر، أنبأنا أبو محمد التميمي قال: سمعت أبي يقول:
سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي
يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: هتف
العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا رحل.
ولد أبو محمد رزق اللّه سنة أربعمائة، وقيل: سنة إحدى وأربعمائة،. وقرأ
القرآن على أبي الحسن الحمامي، وقرأ بالقرا آت السبعِ وسمِع أبا عمر بن
مهدي، وابن البادا وابني بشران وأبا علي بن شاذان، وخلقاً كثيراً، وأخذ
الفقه عن القاضي أبي علي بن أبي موسى الهاشمي، وشهد عند أبي عبد اللّه
الحسين بن علي بن ماكولا قاضي القضاة في يوم السبت النصف من شعبان هذه
السنة، ولم يزل شاهداً إلى أن ولي قضاء القضاة أبو عبد اللّه الدامغاني
بعد موت ابن ماكولا، فترك الشهادة، ترفعاً عن أن يشهد عنده، فلم يخرج
له، فجاء قاضي القضاة إليه مستدعياً لمودته وشهادته عنده، فلم يخرج له
عن موضعه، ولم يصحبه مقصوده، وكان قد اجتمع للتميمي القرآن، والفقه،
والحديث، والأدب، والوعظ، وكان جميل الصورة، فوقع له القبول بين الخواص
والعوام، وجعله الخليفة رسولاً إلى السلطان في مهام الدولة، وله الحلقة
في الفقه والفتوى والوعظ بجامع المنصور، فلما انتقل إلى باب المراتب
كانتَ له حلقة في جامع القصر، يروي فيها الحديث ويفتي، وكان يجلس فيها
شيخنا ابن ناصر، وكان يمضي في السنة أربع دفعات في رجب، وشعبان، وعرفة،
وعاشوراء، إلى مقبرة الإمام أحمد ويعقد هناك مجلساً للوعظ، حدثنا عنه
أشياخنا، وقال ابن عقيل: كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد يمناً ورياسة
وحشمة أبومحمد التميمي، وكان أحلى الناس عبارة في النظر وأجرأهم قلماً
في الفتيا وأحسنهم وعظاً.
أنشدنا ابن ناصر قال: أنشدنا أبومحمد التميمي لنفسه:
أفق يا فؤادي من غرامك واستمع ... مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاة قلبها متعلق ... بغيرك فاستوثقت غير وثيق
فأصبحت موثوقاً وراحت طليقة ... فكم بين موثوقٍ وبين طليق
وتوفي ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الأولى من هذه السنة، وصلى عليه
ابنه أبو الفضل عبد الواحد، ودفن في داره بباب المراتب بإذن المستظهر،
ولم يدفن بها أحد قبله، ثم توفي ابنه أبو الفضل سنة إحدى وتسعين، فنقل
معه والده إلى مقبرة باب حرب، ودفن إلى جانب أبيه وجده وعمه بدكة
الإمام أحمد عن يمينه.
عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار، أبو يوسف القزويني أحد شيوخ
المعتزلة المجاهرين بالمذهب الدعاة، قرأ على عبد الجبار الهمذاني، ورحل
إلى مصر وأقام بها أربعين سنة، وحصل أحمالاً من الكتب، فحملها إلى
بغداد، وكان قاضي القضاة أبو عبد اللّه الدامغاني يكرمه ويقوم له، وروى
الحديث ببغداد عن أبي عمر بن مهدي، وفسّر القرآن في سبعمائة مجلد، وجمع
فيه العجب، حتى أنه ذكر قوله تعالى: " واتبعوا ما تتلوا الشياطين " في
مجلد، قأل ابن عقيل: كان رجلاً طويل اللسان، يُعلِّم تارة ويُسفِّه
أخرى، ولم يكن محققاً في علم، وكان يفتخر ويقول: أنا معتزلي، وكان ذلك
جهلاً منه، لأنه يخاطر بدمه في مذهب لا يساوي، قال: وبلغني عنه أنه لما
وكل به الأتراك مطالبة بما اتهموه به من إيداع بني جهير الوزراء عنده
أموالاً، قيل له: ادع اللّه. فقال: ما للّه في هذا شيء، هذا فعل
الظلمة.
قال ابن عقيل: هذا قول خرف، لأنه إن قصد بذلك التعديل ونفي الجور فقد
أخرج اللّه سبحانه وتعالى عن التقدير، ثم هب أنه ليس هو المقدر لذلك
أليس بقادر على المنع والدفع.
قال شيخنا
أبو بكر بن عبد الباقي: دخل أبو يوسف على نظام الملك وعنده أبو محمد
التميمي ورجل آخر أشعري، فقال له: أيها الصدر، قد اجتمع عندك رؤوس أهل
النار. فقال: كيف؟ فقال: أنا معتزلي وهذا مشبه، وذاك أشعري، وبعضنا
يُكَفِّر بعضاً.
توفي أبو يوسف في ذي القعدة من هذه السنة وقد بلغ ستاً وتسعين سنة، وما
تزوج إلا في آخر عمره، ودفن بمقبرة الخيزران قريباً من أبي حنيفة.
محمد بن حسين بن عبد اللّه بن إبراهيم، أبو شجاع الوزير ابن الوزير
الروذراوي الأصل بلدة من ناحية همذان أهوازي المولد. الوزير ابن
الوزير، لأن أبا يعلى الحسين كاتبه القائم وهو بالأهواز بوزارته،
وخاطبه بها فوصله الكتاب يستدعي له وهو ميت، وكان أبو شجاع قد قرأ
الفقه والعربية، وسمع الحديث من جماعة منهم: أبو اسحاق الشيرازي، وصنف
كتباً منها كتابه الذي ذيله على تجارب الأمم ووزر للمقتدي سليماً من
طمع، وكان يملك حينئذ عيناً ستمائة ألف دينار، فأنفقها في الخيرات
والصدقات.
وقال أبو جعفر بن الخرقي: كنت أنا من أحد عشر يتولون إخراج صدقاته،
فحسبت ما خرج على يدي فكان مائة ألف دينار، ووقَفَ الوقوف، وبني
المساجد، وأكثر الإنعام على الأرامل واليتامى، وكان يبيع الخطوط
الحسنة، ويتصدق بثمنها ويقول: أحب الأشيِاء إليّ الدينار والخط الحسن،
فأنا أخرج لله محبوبيِ. ووقع مرض في زمانه، فبعث إلى جميع أصقاع البلد
أنواع الأشربة والأدوية، وكان يخرج الغشر من جميع أمواله النباتية على
اختلاف أنواعه، وعرضت عليه رقعة من بعض الصالحين يذكر فيها: أن امرأة
معها أربعة أطفال أيتام، وهم عُراة جياع. فقاك للرجل: امض الآن إليهم،
واحمل معك ما يصلحهم، ثم خلع أثوابه وقال: والله لا لبستها ولا دفئت
حتى تعود وتخبرني أنك كسوتهم وأشبعتهم، فمضى وعاد فأخبره وهو يرعد من
البرد.
حكى حاجبه الخاص به قال: استدعاني ليلة، وقال: إني أمرت بعمل قطائف،
فلما حضر بين يدي ذكرت نفوساً تشتهيه فلا تقدر عليه، فنغّص ذلك عليّ
أكله، ولم أذق منه شيئاً، فأحمل هذه الصحون إلى أقوام فقراء. فحملها
الفراشون معه، وجعل يطرق أبواب المساجد بباب المراتب، ويدفع ذلك إلى
الأضراء المجاورين بها.
وكان يبالغ في التواضع، حتى ترك الاحتجاب فيكلم المرأة والطفل، وأوطأ
العوام والصالحين مجلسه، وكان يحضر الفقهاء الديوان في كل مشكل، وكانوا
إذا أفتوا في حق شخص بوجوب حق القصاص عليه سأل أولياء الدم أخذ شيء من
ماله وأن يعفوا، فإن فعلوا وإلا أمر بالقصاص، وأعطى ذلك المال ورثة
المقتول الثاني، ولقد جرت منه عصبية مرة في ليل الغيم فأمر ابن الخرقي
المحتسب أن يجلس بباب النوبي ويكرم الناس بالإفطار، وأحضر أطباقاً فيها
لوز وسكر، وبعث إلى أبي إسحاق الخزاز بباب المراتب ليمنعه من صلا
التراويح تلك الليلة فلم يمتنع ذلك وقرأ " أرأيت الذي ينهى عبداً إذا
صلى " فعدَّد في هذا الشهر أن صام الناس ثمانية وعشرين يوماً فأسقط في
يده وذبح البقر،، وصدق بصدقات وافرة، وعاهد الله سبحانه أن لا يتعصب في
الفروع أبداً.
وفي زمانه أسقطت المكوس، وألبس أهل الذمة الغيار، وتقدم إلى ابن الخرقي
المحتسب أن يؤدب كل مَنْ فتح دكانه يوم الجمعة ويغلقه يوم السبت من
البزازين وغيرهم، وقال: هذه مشاركة لليهود في حفظ سبتهم. وكان قد سمع
أن النفاطين والكلابزية يقفون على دكاكين المتعيشين فيأخذون منهم كل
أسبوع شيئاً، فنفذ مَنْ يمنعهم من الاجتياز بهم. وحج في وزارته سنة
ثمانين، فبذل في طريقه الزاد والأدوية، وعمّ أهل الحرمين بصدقات، وساوى
الفقراء في إقامة المناسك والتعبد، وكانت به وسوسة في الطهارة.
قال
المصنف رحمه اللّه: ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل أنه كتب إليه لأجل
وسوسته: أما بعد، فإن أجلّ محصول عند العقلاء بإجماع الفقهاء الوقت،
فهو غنيمة ينتهز فيها الفرص، والتكاليف كثيرة، والأوقات خاطفة، وأقل
متعبد به. الماء، ومن اطلعِ على أسرار الشريعة علم قدر التخفيف، فمن
ذلك قوله: " صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء " وقوله في المني: "
أمطه عنك بأذخرة " وقوله في الخف: " طهوره أن تدلكه بالأرض " وفي ذيل
المرأة: " يطهره ما بعده وقوله عليه السلام: " يغسل بول الجارية وينضح
بول الغلام " وكان يحمل بنت أبي العاص في الصلاة، ونهى الراعي عن إعلام
السائل له عن الماء، وما يرثه وقال: " ائت لنا طهوراً " وقال: يا صاحب
البراز لا تخبره فإن خطر بالبال نوع احتياط في الطهارة كالاحتياط في
غيرها من مراعاة الإطالة وغيبوبة الشمس والزكاة، فإنه يفوت من الأعمار
ما لا يفي به الاحتياط في الماء، الذي أصله الطهارة وقد صافح رسول الله
صلى الله عليه وسلم الأعراب، وركب الحمار، وما عرف من خلقه التعبد
بكثرة الماء الذي أصله الطهارة وقد توضأ من سقاية المسجد، ومعلوم حال
الأعراب الذين بان من أحدهم الإقدام على البول في المسجد، وتوضأ من جرة
نصرانية، وما احترز تعليماً لنا وتشريعاً وإعلاماً أن الماء على أصل
الطهارة، وتوضأ من غديركان ماؤه نقاعة الحناء، فأما قوله: تنزهوا من
البول فإن للتنزه حداً معلوماً، فأما الاستشعار فإنه إذا علق نما
وانقطع الوقت بما لا يقتضي بمثله الشرع.
قال ابن عقيل: كان الوزير أبو شجاع كثير البر للخلق، كثير التلطف بهم،
فقدم من الحج وقد اتفق نفور العوام نفوراً أريقت فيها الدماء، وانبسط
حتى هجموا على الديوان، وبطشوا بالأبواب والستور، فخرج من الخليفة
إنكار عليه، وأمره أن يلبس أخلاق السياسة لتنحسم مادة الفساد، فأدَّب
وضرب وبطش، فانبسطت فيه الألسنة بأنواع التهم، حتى قال قوم: ها هو
إسماعيلي وهبط عندهم ما تقدم من إحسانه. قال ابن عقيل: فقلت لنفسي:
أفلس من الناس كل الإفلاس، ولا تثقي بهم، فمن يقدر على إحسان هذا اليهم
وهذه أقوالهم عنه. قال ابن عقيل: وقد رأيت أكثر أعمال الناس لا يقع إلا
للناس إلا مَنْ عصم الله من ذاك، إني رأيت في زمن أبي يوسف كثيراً من
أهل القرآن والمنكرون لإكرام أصحاب عبد الصمد، وكثر متفقهة الحنابلة،
ومات فاختل ذلك فاتفق ابن جهير، فرأيت مَنْ كان يتقرب إلى الشيخ
بالصلاح يتقرب إلى ابن جهير برفع أخبار العاملين، ثم جاءت الدولة
النظام، فعظم الأشعرية، فرأيت مَنْ كان يتسخط علي بنفي التشبيه غلواً
في مذهب أحمد، وكان يظهر بغضي يعود عليّ، بالغمض علي الحنابلة، وصار
كلامه ككلام رافضي وصل إلى مشهد الحسين فأمن وباح، ورأيت كثيراً من
أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا، وتوثّق بمذهب الأشعري والشافعي طمعاً
في العز والجرايات، ثم رأيت الوزير أبا شجاع يدين بحب الصلحاء
والزُّهاد، فانقطع البطالون إلى المساجد، وتعمد خلق للزهد، فلما افتقدت
ذلك قلت لنفسي: هل حظيت من هذا الافتقاد بشيء ينفعك؟ فقالت البصيرة:
نعم، استفدت أن الثقة خيبة، فالغنى بهم إفلاس وليس ينبغي أن يعول على
غير اللّه.
قال المصنف: ولما عزل الوزير أبو شجاع خرجِ إلى الجامع يوم الجمعة،
فانثالت عليه العامة تصافحه وتدعو له، فكان ذلك سبباً لالتزامه بيته،
والإنكار على مَنْ صحبه، وبنىِ في دهليز داره مسجداً وكان يؤذن ويصلي
فيه، ثم وردت كتب نظام الملك بإخراجه من بغداد، فأخرج إلى بلده، فأقام
مدة، ثم استأذن في الحج فأذن له فخرج.
قال أبو الحسن بن عبد السلام: اجتمعت به في المدينة فقبل يدي فأعظمت
ذلك، فقال لي: قد كنت تفعل هذا بي فأحببت أن أكافئك. وجاور بالمدينة،
فلما مرض مرض الموت حمل إلى مسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فوقف
بالحضرة وبكى وقال: يا رسول الله، قال اللهّ عز وجل " ولوأنهم إذ ظلموا
أنفسهم جاؤك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه تواباً
رحيماً " وقد جئت معترفاً بذنوبي وجرائمي أرجو شفاعتك، وبكى.
وتوفي من يومه ودفن بالبقيع عند قبر إبراهيم عليه السلام بعد أن صلي
عليه بمسجد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وزوّر به الحضرة وذلك في
منتصف جمادى الآخرة من هذه السنة وهو ابن احدى وخمسين سنة، وكان له شعر
حسن، فمنه قوله:
ما كان
بالإحسان أولاكم ... لو زرتمُ من كان، يهواكم
احباب قلبي مالكم والجفا ... ومن بهذا الهجر أغراكم
ماضَرَكم لوعدتم مدنفاً ... ممرضاً من بعد قتلا كم
أنكرتمونا مذعهدناكم ... وخنتمونا مذ حفظناكم
لا نظرت عيني سوى شخصكم ... ولا أطاع القلب إلاكم
جُرتُم وخنتم وتحاملتم ... على المعنى في قضاياكم
يا قوم ما أخونكم في الهوى ... وما على الهجران أجرَاكُم
حولوا وجوروا وانصفوا أو اعدلوا ... في كل حال لاعدمناكم
ما كان أغناني عن المشتكى ... إلى نجوم الليل لولاكم
سلوا حداة العيس هل أوردت ... ماء سوى لمحمعي مطاياكم
أو فاسألوا طيفَكم هل رأى ... طرفي أغفى بعد مسراكم
أحاول النوم عسى أنني ... في مستلذ النوم ألقاكم
ما آن أن تقضوا غريماً لكم ... يخشاكمُ أن يتقاضاكم
يستنشق الريح إذا ما جرَت ... من نحو نجدٍ أين مسراكم
وله أيضاً:
لو أنكم عاينتمُ بعد مسراكم ... وقوفي على الأطلال أندب مغناكم
أنادي وعيني قد تفيض بذكراكم ... أيا خلتي لم أبعد البَين مرماكم
ولم غبتمُ عن ناظري بعد رؤياكم ... ولم نعب البين المشت وأقصاكم
محمد بن المظفر بن بكران الحموي الشامي وُلد سنة أربعمائة، وحج في سنة
سبع عشرة وأربعمائة، وتفقه ببلده بعد حجه ثم قدم إلى بغداد فتفقه على
أبي الطيب الطبري، وسمع من أبي القاسم بن بشران وغيره، وشهد عند قاضي
القضاة أبي عبد اللّه الدامغاني في ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين،
وزكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء، وأبو الحسن بن السمناني، وناب عنه في
القضاء بربع المدينة. حدثنا عنه أشياخنا، وكان حسن الطريقة، خشن
الأخلاق وفيه حدة، وكان ثقة عفيفاً نزهاً لا يقبل من سلطان عطية ولا من
صديق هدية، ولا مسجداً بقطيعة أم الربيع، يؤم أهله، ويدرس ويقرأ عليه
الحديث زائدأ على خمس وخمسين سنة، ولما مات أبو عبد اللّه الدامغاني
أشار به الوزير أبو شجاع على المقتدي فقلده قضاء القضاة في رمضان سنهَ
ثمان وسبعين، وخلع عليه، وقرىء عهده ولم يرتزق على القضاء شيئاً، ولم
يغير ملبسه ومأكله وأحواله قبل القضاء، وكان يتولى القضاء بنفسه، ولا
يستنيب أحداً ولا يحابي مخلوقاً، فلما أقام الحق نفرت عنه قلوب
المبطلين، ولفقوا له معايب لم يلصق به منها شيء، وكان غاية تأثيرها أنه
سخط عليه الخليفة، ومنع الشهود من إتيان مجلسه، وأشاع عزله فقال: لم
يُطرَعليً فسق استحق به العزل. فبقي كذلك سنتين وشهوراً، وأذن لأبي عبد
اللهّ محمد بن عبيد اللَه الدامغاني في سماع البينة، فنفذ من العسكر
بأن الخبر قد وصل إلينا أن الديوان قد استغنى عن ابن بكران، ونحن بنا
حاجة إليه، فيسرح إلينا، فوقع الإمساك عنه، ثم صلح رأي الخليفة فيه،
وأذن للشهود في العود إلى مجلسه، فاستقامت أموره وحُمل إليه يهودي جحد
مسلماً ثياباً ادعاها عليه، فأمر ببطحه وضربه فعوقب فأقر، فعاقبه
الوزير أبو شجاع على ذلك، واغتنم أَعداؤه الفرصة في ذلك، فصنّف أبو بكر
الشاشي كتاباً في الرد عليه سماه: الرد على مَنْ حكم بالفراسه وحققها
بالضرب والعقوبة وقد ذكر أن الذي فعله له وِجه ومستند من كلام الشافعي.
قال
المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل قال: أخذ قوم يعيبون على الشامي
ويقولون: كان يقضي بالفراسة ويواقعه، قال: فضرب كردياً حتى أقر بمال
أخذه غَصباً وكان ضربه بجريدة من نخلة داره، فقلت: أعرف دينه وأمانته،
ما كان ذلك بالفراسة، لكن بأمارات، وإذا تأملتم الشرع وجدتم أنه يجوز
التعويل على مثلها، فإنه إذا رأى صاحب كلالجات ورعونة يقال إنه رجم
سطحاً لأجل طائر، فكسر جرة، وكان عنده خبر أنه يلعب بالطيور، فقال: بل
هذا الشيخ رجم. وقد ذهب مالك إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم
على ما حكاه بعض الفقهاء، وذلك يستند إلى قوله: " إن كان قميصه قد من
قبل " ومن حكمنا بعقد الأزج، وكثرة الخشب، ومعاقد القُمط، وما يصلح
للمرأة وما يصلح للرجل، والدباغ والعطار إذا تخاصما في جلد، وهل اللوث
في القسامة إلى نحو هذا.
وحمل يوماً إلى دار السلطان ليحكم في حادثة، فشهد عنده المشطب بن محمد
بن أسامة الفرغاني الإمام، وكان فقيهاً من فحول المناظرين، فرد شهادته
فقال: ما أدري لأي علة رد شهادتي، فقال الشامي: قولوا له كنت أظن أتك
عالم فاسق والآن أنت جاهل فاسق، أما تعلم أنك تفسق باستعمال الذهب؟
وكان يلبس خاتم الذهب والحرير، وادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئاً
فقال: ألك بينة؟ قال نعم. قال: مَنْ؟ قال: فلان والمشطب. فقال: لا أقبل
شهادته لأنه يلبس الحرير فقال التركي: السلطان ملك شاه ووزيره نظام
الملك يِلبسان الحرير فقال الشامي: ولو شهدا عندي في باقة بقل ما قبلت
شهادتهما.
توفي الشامي يوم الثلاثاء عاشر شعبان هذه السنة، ودفن بتربة له عند قبر
أبي العباس بن سريج على باب قطيعة الفقهاء من الكرخ.
محمد بن أبي نصر، فتوح بن عبد الله بن حميد، أبو عبد الله الحميدي
الأندلسي من أهل المغرب، من جزيرة يقال لها ميرقة قريبة من الأندلس
ولد، قبل العشرين وأربعمائة، وسمع ببلده الكثير، وبمصر، وبمكة،
وبالشامِ، وورد بغداد فسمع من أصحاب الدار قطني وابن شاهين، وكان
حافظاً ديناً نزهاً عفيِفاً، كتب من مصنفات ابن حزم الكثير، وكتب
تصانيف الخطيب، وصنف فأحسن، ووقف كتبه على طلب العلم فنفع الله بها،
حدثنا عنه أشياخنا.
وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب أبرز، ثم نقل
في صفر سنة إحدى وتسعين إلى باب حرب، فدفن في دكة بشر الحافي.
هبة الله بن علي بن عقيل، أبو منصور بن أبي الوفاء ولد في ذي الحجة سنة
أربع وسبعين، وتوفي وهو ابن أربع عشرة سنة، وكان قد حفظ القرآن وتفقه،
وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين عظيم، وكان هذا الصبي قد طال
مرضه، وأنفق عليه أبوه مالاً في المرض وبالغ، قرأت بخط أبيه أبي الوفاء
قال: قال لي ابني لما تقارب أجله: يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية
والطب والأدعية، ولله سبحانه في اختيار، فدعني مع اختيار الله، قال:
فواللّه ما، أنطق الله سبحانه ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحاق
لإبراهيم " افعل ما تؤمر " إلا وقد اختار الله له الحظوة.
ثم دخلت
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
فمن الحوداث فيها: أنه في ربيع الأول كثر العبث من بني خفاجة، وأتوا
إلى المسجد بالحائر، فتظاهروا فيه بالمنكر، فوجه إليهم سيف الدولة
عسكراً فكبسوهم في المشهد، وأخذوا عليهم أبوابه، وقتل منهم خلق عند
الضريح، ومن أعجب العجائب أن أحدهم ركب فرسه وصعد إلى سور المشهد،
وألقى نفسه وفرسه، فنجوا جميعاً.
وفي هذه السنة: حكم المنجمون بطوفان يكون في الناس، يقارب طوفان نوح،
وكثر الحديث فيه، فتقدم المستظهر بالله بإحضار ابن عيشون المنجم، فقال:
إن طوفان نوح عليه السلام اجتمع في برج الحوت الطوالع السبعة، والآن
فقد اجتمع في برج الحوت من الطوالع ستة وزحل لم يجتمع معهم، فلو اجتمع
معهم كان طوفان نوح، ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من البقاع يجتمع فيها
عالم من بلاد كثيرة فيغرقون ويكون من كل بلد الواحد والجماعة، فقيل: ما
يجمّمع في بلد ما يجتمع في بغداد، وربما غرقت، فتقدم بأحكام المسنيات
والمواضع التي يخشى منها الانفجار، وكان الناس ينتظرون الغرق، فوصل
الخبر بأن الحاج حصلوا في وادي المناقب بعد نخلة، فأتاهم سيل عظيم،
فنجا منهم من تعلق برؤوس الجبال، وأذهب الماء الرحال والرجال، فخلع على
ذلك المنجم وأجرى له جراية.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن محمد بن خداداد الكرخي الباقلاوي،
أبو طاهر بن أبي علي سمع من أبي علي بن شاذان، وأبي القاسم بن بشران،
وأبي بكر البرقاني، وغيرهم. وكان ثقة ضابطاً، وكان جميل الخصال، مقبلاً
على ما يعنيه، زاهداً في الدنيا، حدّث عنه عبد الوهاب الأنماطي وغيره
من أشياخنا. قال شيخنا عبد الوهاب: كان يتشاغل يوم الجمعة بالتعبد
ويقول: لأصحاب الحديث من السبت إلى الخميس ويوم الجمعة أنا بحكم نفسي
للتكبير إلى الصلاة وقراءة القرآن، وما قرىء عليه في الجامع حديث قط.
قال: ولما قدم نظام الملك إلى بغداد أراد أن يسمع من شيوخها فكتبوا له
أسماء الشيوخ، وكتبوا في جماعتهم اسم أبي طاهر، وسألوه أن يحضر داره،
فامتنع فألحوا فلم يجب. قال أبو الفضل بن خيرون: قرابتي وما أنفرد أنا
بشيء عنه ما سمعته قد سمعه، وأنا في خزانة الخليفة فما يمتنع عليكم،
فأما أنا فلا أحضر.
وتوفي ليلة الاثنين الرابع من ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن عمر بن الأشعث، أبو بكر السمرقندي والد شيخنا أبي القاسم. ولد
سنة ثمان وثمانين وثلثمائة، وقرأ القرآن على أبي علي الأهوازي بالقرا
آت التي صنفها، وكان مجوداً، وكان ينسخ المصاحف، وسمع الحديث الكثير،
وروى عنه أشياخنا. وتوفي يوم الأحد سابع عشرين من رمضان، ودفن بمقابر
الشهداء بباب حرب إلى جانب أبي بكر الدينوري الزاهد.
إبراهيم بن الحسين، أبو إسحاق الخَزّاز كان من الزهاد، توفي يوم السبت
تاسع ربيع الآخر، ودفن بمقبرة باب حرب. ونقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل
قال: كان الشيخ أبو اسحاق الخزاز شيخاً صالحاً بباب المراتب، وهو أول
من لقنني كتاب اللّه بدرب الديوان بالرصافة، وكان من عادته الإمساك عن
الكلام في رمضان، وكان يخاطب بآي القرآن في أغراضه وسوانحه وحوائجه،
فيقول في إذنه: ادخلوا عليهم الباب، ويقول لابنه في عشية الصوم من
بقلها وقثائها آمراً له بشراء البقل، فقلت له: هذا تعتقده عبادة، وهو
معصية فصعب عليه فبسطت الكلام، وقلت: إن هذا القرآن العزيز نزل في بيان
أحكام الشريعة فلا يستعمل في أغراض دنيوية وما عندي أن هذا بمثابة صرك
السدر والأشنان في ورق المصحف أو توسدك له فهجرني وهجرته مدة.
حمزة بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل
بن عامر بن عبيد اللهّ بن الزبير بن العوام القرشي، أبوالقاسم ولد سنة
ثمان وأربعمائة، وسكن نهر الدجاجِ، وسمع أبا القاسم الخرقي، وأبا علي
بن شاذان. روى عنه مشايخنا، وكان صالحاً ديناَ ثقة.
وتوفي يوم الجمعة ثاني شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة الشونيزية.
سليمان بن أحمد بن محمد أبو الربيع السَرَقسْطِي من أهل الأندلس دخل
بغداد، وأقام بها وسمع أبا القاسم بن بشران، وأبا العلاء الواسطي ومن
بعدهما كأبي بكر الخطيب، وغيره. وكانت له معرفة باللغة. وروى عنه
أشياخنا لكنهم جرحوه، فقال أبو منصور بن خيرون: نهاني عمي أبو الفضل أن
أقرأ عليه القرآن، وقال ابن ناصر: كان كذاباً يلحق سماعاته.
وتوفي في ربيع الآخرمن هذه السنة.
عبد اللّه بن إبراهيم، بن عبد الله، أبوحكيم الخبري وخبر إحدى بلاد
فارس، وهو جد شيخنا أبي الفضل بن ناصر لأمه، تفقه على أبي أسحاق، وسمع
من الجوهري وغيره، وكانت له معرفة تامة بالفرائض، وله فيها تصنيف وله
معرفة بالأدب واللغة، وكان مرضي الطريقة، وحدثني عنه شيخنا أبو الفضل
بن ناصر، قال: كان يكتب المصاحف فبينا هو يوماً قاعداً مستنداً يكتب
وضع القلم من يده واستند، وقال: واللّه إن كان هذا موتاً فهذا موت طيب
ثم مات.
عبد المحسن بن محمد بن علي بن أحمد، أبو منصور الشيحي التاجر، ابن
شهدانكة من أهل النصرية، وسمع ببغداد أبا طالب ابن غيلان، وأبا القاسم
التنوخي، وأبا الحسن القزويني، وأبا إسحاق البرمكي، والجوهري، ورحل إلى
الشام وديار مصر فسمع بها من جماعة وأكثر عن أبي بكر الخطيب بصور،
وأهدى إليه الخطيب تاريخ بغداد بخطه، وقال: لوكان عندي أعز منه لأهديته
له لأنه حمل الخطيب من الشام إلى العراق، وروى عنه الخطيب في تصانيفه
فسماه عبد الله، وكان يسمى عبد الله وكان ثقة خيراً ديناً.
توفي يوم
الاثنين سادس عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، الهمذاني سمع أبا علي الحسن بن علي
الشاموخي وغيره. روى عنه أشياخنا، وكان يعرف العلوم الشرعية والأدبية،
إلا أن علم الفرائض والحساب انتهى إليه، وكان قد تفقه على أقضى القضاة
أبي الحسن الماوردي، وكان يحفظ غريب الحديث لأبي عبيد، والمجمل لابن
فارس، وكان عفيفأ زاهدأ، وكان يسكن درب رياح، وكان الوزير أبو شجاع قد
نص عليه لقضاء القضاة فأجابه المقتدي، فاستدعاه فأبى أشد الإباء،
واعتذر بالعجز وعلوّ السن، وعاود الوزير أن لا يعاود ذكره في هذا
الحال.
أنبأنا شيخنا عبد الوهاب الأنماطي قال: سمعت أبا الحسن بن أبي الفضل
الهمذاني يقول: كان والدي إذا أراد أن يؤدبني يأخذ العصا بيده ويقول:
نويت أن أضرب ابني تأديباً كما أمر الله، ثم يضربني. قال أبو الحسن:
وإلى أن ينوي ويتم النية كنت أهرب.
توفي يوم الأحد تاسع عشر رمضان من هذه السنة، ودفن عند قبر ابن سريج.
محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن منصور، أبو بكر، ابن الخاضبة الدقاق كان
معروفاً بالإفادة، وجودة القراءة، وحسن الخط، وجودة النقل، وجمع علم
القرا آت والحديث، وأكثر عن أبي بكر الخطيب، وأصحاب المخلص، والكتاني.
حدثنا عنه شيوخنا وكانوا يثنون عليه، وعاجلته المنية قبل الرواية. توفي
ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول، ودفن في المقبرة المعروفة بالأجمة
المتصلة بباب أبرز.
أنبأنا أبو زرعة، عن أبيه محمد بن طاهر قال: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد
الدقاق المعروف بابن الخاضبة يقول: لما كانت سنة الغرق وقعت داري على
قماشي وكتبي، ولم يبق لي شيء، وكانت لي عائلة، وكنت أورق للناس، فكتبت
صحيح مسلم تلك السنة سبع مرات، فنمت ليلة فرأيت في المنام كأن القيامة
قد قامت ومناد ينادي: اين ابن الخاضبة؟ فأحضرت فقيل لي: ادخل الجنة،
فلما دخلت استلقيت على فراشي، ووضعت إحدى رجلي على الأخرى، وقلت:
استرحت واللّه من النسخ.
محمد بن علي بن عمير، أبوعبد الله القهُندُزيّ العميري خرج من هراة إلى
الحجاز سنة عشرين وأربعمائة، وركب البحر، وخرج إلى عدن، وزبيد، ووصل
إلى مكة بعد سنتين، وسمع بها، ثم انصرف إلى بغداد وسمع بها، وبهراة،
ونيسابور، وسجستان، وغير ذلك من البلاد، سمع المؤتمن وغيره، وكان
متقناً فهماً، فقيهاً فاضلاً ديناً خيراً ورعاً زاهداً، حدث بالكثير.
وتوفي في محرم هذه السنة.
محمد بن علي بن محمد، أبوياسر الحمامي قرأ على أبي بكر الخياط وغيره،
وكتب الكثير من علوم القرآن والحديث، وسمع من أبي محمد الخلال، وأبي
جعفر ابن المسلمة، والصريفيني، وغيرهم، وكان ثقة إِماماً في القرا آت
والحديث، سمع أشياخنا منه.
وتوفي يوم الثلاثاء تاسع المحرم ودفن بمقبرة باب حرب.
أنشدني أبو الفتح. بن أبي السعادات الوكيل قال: أنشدنا أبو عمرو عثمان
بن محمد بن الحسين المدني، قال: أنشدني أبوياسر الحمامي:
دحرجني الدهر إلى معشر ... مافيهمُ للخير مستمتع
إن حدّثوا لم يفهموا لفظة ... أوحُدثوا ضجوا فلم يسمعوا
محمد بن أحمد بن محمد، أبو نصر الرامشي من أهل نيسابور، ولد سنة أربع
وأربعمائة، وسافر الكثير، وسمع الكثير، ورحل في طلب القراآت والحديث،
وكان مبرزاً في علوم القرآن، وله حظ في علم العربية، وأملى بنيسابور
سنين وتوفي في هذه السنة.
منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد بن محمد، أبو المظفر السمْعاني من
أهل مرو، تفقه على أبيه أبي منصور على مذهب أبي حنيفة حتى برع في الفقه
وبرز على أقرانه من الشبان، ثم ورد بغداد في سنة إحدى وستين، وسمع
الحديث الكثير بها، واجتمع بأبي إسحاق الشيرازي، وأبي نصر بن الصباغ،
ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، فلما رجع إلى بلده اضطرب أهل بلده، وجلب
عليه العوام، وقالوا طريقة ناظر عليها أكثر من ثلاثين سنة ثم تَحوَّل
عنها، فخرج إلى طوس، ثم قصد نيسابور، ووعظ وصنف التفسير والبرهان، و
الاصطلام، وكتاب القواطع في أصول الفقه، وكتاب الانتصار في الحديث،
وغير ذلك، وأملى الحديث، وكان يقول: ما حفظت شيئاً فنسيته. وسئل عن
أخبار الصفات فقال: عليكم بدين العجائز، وسئل عن قوله: " الرحمن على
العرش استوى " فقال:
جئتماني
لتعلما سِرَّسعدى ... تجداني بسر سُعدى شحيحا
إن سُعدى لمنية المتمني ... جمعت عفة ووجهاً صبيحا
توفي أبو المظفر في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة مرو، رحمه
الله وإيانا وجميع المسلمين.
ثم دخلت
سنة تسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أنه في يوم عاشوراء كبس على أبي نصر بن جلال الدولة
أبي طاهر ابن بُوَيه، وكان يلقب: بهاء الدولة، وكان قد أقطعه جلال
الدولة ملكشاه المدائن، ودير العاقول، وغيرهما، فلما كبس عليه هرب إلى
بلد سيف الدولة صدقة، ثم تنقل في البلاد، وكان قد ثبت عليه عند القاضي
أمور أوجبت إراقة دمه، وقضت بارتداده، وبنيت داره بدرب القيار مسجدين
أحدهما لأصحاب الشافعي، والآخر لأصحاب أبي حنيفة. وفي ربيع الآخر:
تظاهر العيارون بالفتك في الجانب الغربي.
وفي شوال: قتل إنسان باطني على باب النوبي أتى من قلاعهم بخوزستان،
وشهد عليه بمذهبه شاهدان دعاهما هو إلى مذهبه، فأفتى الفقهاء بقتله
منهم ابن عقيل وكان من أشدهم عليه، فقال له الباطني: كيف تقتلوفي وأنا
أقول لا إله إلا اللّه؟ قال ابن عقيل: أنا اقتلك. قال: بأي حجة؟ قال:
بقول اللّه عز وجل: " فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا
بماكنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا " .
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن زكريا بن دينار، أبو يعلى البصري
العبدي، ابن الصواف ولد سنة أربعمائة، وكات ينزل القسامل إحدى محال
البصرة، دخل بغداد في سنة إحدى وعشرين، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا
بكر البرقاني، وسمع بالبصرة من أبي عبد الله بن داسة وغيره، وكان
فقيهاً مدرساً زاهداً خشن العيش متصوفاً ذا سمت ووقارٍ وسكينة، وكان
إماماً في عشرة علوم. وتوفي في رمضان هذه السنة.
إبراهيم بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أبو إسحاق، بن أبي عمر بن أبي
عبد الله، ابن منده ولد في صفر سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع من
أبيه وغيره، وكان كثير التعبد والتهجد، وتوفي في بادية الكوفة متوجهاً
إلى مكة في هذه السنة.
محمد بن علي بن الحسين، أبو عبداللّه القطِيعي الكاتب سمع أبا القاسم
بن بشران، وحدَّث وروى عنه شيوخنا، وتوفي في يوم الجمعة ثالث رمضان،
ودفن في مقبرة باب حرب.
محمد بن محمد بن عبيداللّه، أبو غالب البقال سمع أبا علي بن شاذان،
وأبا القاسم بن بشران، وأبا القاسم الخرقي وغيرهم، حدثنا عنه أشياخنا،
وكان صدوقاً، نزل إلى دجلة ليتوضأ فغرق في يوم الاثنين سادس عشرين رجب.
فأخرج، وحمل إلى داره، وأخرجت جنازته من الغد فصلي عليه، ثم حمل إلى
مقبرة باب حرب.
المعمر بن محمد بن المعمرين أحمد بن محمد، أبو الغنائم الحسيني الطاهر،
ذو المناقب، نقيب الطالبيين وكان جميل الصورة، كريم الأخلاق، كثير
التعبد، لا يحفظ عنه أنه آذى مخلوقاً، ولا شتم حاجباً، وسمع الحديث
ورواه، وتوفي بداره بالكرخ بنهر البزازين ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع
الأول، وحمل من الغد إلى الجامع المنصور فصلي عليه، ثم حمل إلى مشهد
مقابر قريش فدفن به، ومات عن اثنتين وسبعين سنة، ولي النقابة منها
اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وتولى مكانه ابنه أبو الفتوح حيدرة،
ولقب بالرضي ذي الفخرين، ورثاه أبوعبداللهّ بن عطية بأبيات منها:
هل ينفعن من المنون حذار ... أم للإمام من الرَّدَى أنصار
هيهات ما دون الحمام إذا دنا ... وزَر ولا يُسطاع مِنه حِذَار
نفذ القضاء ُعلى الورى من عادل ... في حكمه وجرت به الأقدار
ما لي أرى الآمال تخدع بالمنا ... عدة تطول وتقصر الأعمار
والناس في شُغْل وقد أفناهمُ ... ليل يكرُّ عليهم ونهار
ويَد المنية شثنة مبسوطة ... في كل أنملة لها أظفار
لو كان يدفع بطشها عن مهجة ... ويردّ حتفاً معقل وجدار
لَفدت ربيعة ذا المناقب واشترت ... حُبَّاً له طول البقاء نزار
خرجت ذرى المجد المنيف وأصبحت ... عرصات ربع المجد وهي قفار
وخلا مقام
النسك من تسبيحه ... وبكت على صلواته الأسحار
يحيى بن أحمد بن أحمد بن محمد بن علي السًيبي ولد سنة ثمان وثمانين
وثلاثمائة، فرحل الناس إليه، وكان صالحاً ثقة صدوقاً ديناً، وتوفي ليلة
السبت خامس عشرين ربيع الآخر، وكان عمره مائة وثلاثاً وخمسين سنة
وثلاثة أشهر وأياماً، وكان صحيح الحواس، قرأ عليه القرآن والحديث.
ثم دخلت
سنة إحدى وتسعين وابعمائة
فمن الحوادث فيها أنه في شهر ربيع الآخر كثر الاستنفار على الإفرنج
وتكاثرت الشكايات بكل مكان، ووردت كتب السلطان بركيارق إلى جميع
الأمراء يأمرهم بالخروج مع الوزير ابن جهير لحربهم، واجتمعوا في بيت
النوبة وبرز سيف الدولة صدقة فنزل، بقرب الأنبار، وضرب سعد الدولة
مضاربه بالجانب الغربي، ثم انفسخت هذه العزيمة، ووردت الأخبار بأن
الأفرنج ملكوا أنطاكية، ثم جاءوا إِلى معرة النعمان فحاصروها، ودخلوا
وقتلوا ونهبوا. وقيل: إنهم قتلوا ببيت المقدس سبعين ألف نفس، وكانوا قد
خرجوا في ألف ألف.
وفي شعبان: خرج أبو نصر ابن الموصلايا إلى المعسكر إلى نيسابور
مستنفراً على الإفرنج برسالة من الديوان.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
طراد بن محمد بن علي بن الحسن ابن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن عبد
الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن على بن عبدالله بن عباس،
أبو الفوارس بن أبي الحسن بن أبي القاسم بن أبي تمام من ولد زينب بنت
سليمان بن علي بن عبدالله بن عباس، وهي أم ولد عبداللهّ بن محمد بن
إبراهيم الإمام بن محمد بن عبداللّه بن عباس. حدث عنها أحمد بن منصور
الرمادي، وكنَّاها أم علي.
ولد في سنة ثمان وتسعين وثلثمائة، وسمع الحديث الكثير والكتب الكبار،
وسمع من أبي نصر النرسي، وهلال الحفار، والحسين بن عمرو بن برهان، وهو
آخر مَنْ حدَّث عنهم، ورحل إليه من الأقطار، وأملى بجامع المنصور،
واستملى له أبو علي البرداني، وكان يحضر مجلسه جميع المحدثين والفقهاء،
وحضر املاءه قاضي القضاة أبو عبد اللهّ الدامغاني، وحج سنة تسع وثمانين
فأملى بمكة والمدينة، وبيته معروف في الرئاسة ولي نقابة العباسيين
بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وترسل من الديوان العزيز إلى الملوك،
وساد الناس رتبة ورأياً، ومتع بجوارحه، وقد حدَّث عنه جماعة من مشايخنا
وقد، تورع قوم عن الرواية عنه لتصرفه وصحبته للسلاطين، ولما احتضر بكى
أهله فقال: صيحوا وامختلساه إنما يُبكى على من سنُّه دان، فأما مَنْ
عمره مترام فما فائدة البكاء عليه.
وتوفي في سلخ شوال هذه السنة، وقد جاوز التسعين، ودفن في داره بباب
البصرة، ثم نقل في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين إلى مقابر الشهداء فدفن
بها.
عبد اللّه بن سمعون بن يحيى بن أحمد، أبو محمد السلمي، القيسي
القَيرَواني سمع من ابن غيلان، والجوهري، وخلقاً كثيراً فىِ البلدان،
وقرأ ونقل، وكانت له معرفة بالنقل، روى عنه أشياخنا.
وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
عبد الواحد بن علوان بن عقيل بن قيس، أبو الفتح الشيباني حدثنا عنه
أبومحمد المقرىء. وتوفي في رجب هذه السنة.
محمد بن أحمد بن محمد، أبوعبد الله الميبذي وميبذة بلدة من كورة اصطخر
قريبة من يزدورد، قدم بغداد، وسمع الكثير من ابن المسلمة، وابن النقور،
وغيرهما وكان له معرفة باللغة والأدب.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ودفن بمقبرة المارستان في غربي بغداد.
محمد بن الحسين بن محمد، أبوسعد الحَرَمِي من أهل مكة، نزل هراة ورحل
إلى البلاد في طلب العلم، وسمع الكثير، وكان من الزُّهاد الورعين، لا
يخالط أحداً، وكانوا يعدونه من الأبدال.
توفىِ في رمضان هذه السنة.
محمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبو الوضاح العلوي تفقه على أبيه، وبرع
في الفقه ودرس. وتوفي في شوال هذه السنة وهو ابن أربع وخمسين سنة.
المظفر، أبو الفتح ابن رئيس الرؤساء. أبي القاسم ابن المسلمة كانت داره
مجمعاً لأهل العلم والدين والأدب، ومن جملة مَنْ أقام بها إلى أن توفي
أبو إسحاق الشيرازي.
توفي المظفر خامس ذي القعدة من هذه السنة، ودفن عند أبي إسحاق
الشيرازي.
هبة اللّه
بن عبد الرزاق، بن محمد بن عبدالله بن الليث، أبو الحسن الأنصاري
الأشهلي ولد سنة اثنتين وأربعمائة، وسمع أبا الفتح هلال بن محمد
الحفار، وأبا الفضل عبد الواحد التميمي، وهو آخر من حدث عنه. روى عنه
أشياخنا، وكان من ذوي الهيآت وأرباب الديانات، وأحد قراء الموكب، عمر
حتى حمل عنه، وكان صحيح السماع.
توفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة الشونيزي.
ثم دخلت
سنة اتنتين وتسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أخذ الافرنج بيت المقدس في يوم الجمعة ثالث عشر
شعبان، وقتلوا فيه زائداً على سبعين ألف مسلم، وأخذوا من عند الصخرة
نيفاً وأربعين قنديلاً فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهمِ،
وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلاً بالشامي، وأخذوا نيفاً وعشرين
قنديلاً من ذهب، ومن الثياب وغيره ما لا يحصى، وورد المستنفرون من بلاد
الشام، وأخبروا بما جرى على المسلمين، وقام القاضي أبو سعد الهروي قاضي
دمشق في الديوان، وأورد كلاماً أبكى الحاضرين، وندب من الديوان مَنْ
يمضي إلى العسكر ويعرفهم حال هذه المصيبة، ثم وقع التقاعد فقال أبو
المظفر الابْيوَردي قصيدة في هذه الحالة فيها:
وكيف تنام العين ملء جفونها ... على هَنوات أيقظت كل نائم
وأخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم
تسُومُهم الروم الهوانَ وأنتمُ ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم
إلى أن قال:
وتلك حروب مَنْ يغب عن غمارها ... ليسلم يقرع بعدها سنَ نادم
يكاد لهن المستجنَّ بطيبةٍ ... ينادي بأعلى الصَّوت يا آل هاشم
أرى أمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهمُ والدين واهي الدعائم
وبجتنبون الثأر خوفاً من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضَى صَنَاديدُ الأعاريب بالأذى ... وتغضي على ذُلّ كماة الأعاجم
وليتهمُ إن لم يذودوا حمية ... عن الدين ضَنُّوا غيرةً بالمحارم
وإن زهدوا في الأجر إذ حمي الوغى ... فهلا أتوهُ رغبةً في المغانم
ذكر ابتداء أمر السلطان محمد بن ملكشاه
كان أبو شجاع محمد بن ملك شاه هو وسنجر أخوين لأب وأم، وكان محمد
ببغداد لما مات أبوه، وخرج إلى أصبهان مع أخيه محمود لما خرجت تركان
خاتون بابنها محموداً حاصرها بأصبهان بركيارق، فأقام عنده فأقطعه كنجة
وأعمالها، وسار محمد مع بركيارق إلى بغداد لما دخلها سنة ست وثمانين،
فقتل محمد أتابكه واستولى على إقليم كنجة، ولحق به مؤيد الملك، وحسن له
طلب الملك وصار وزيراً له، واجتمع إليه النظامية وغيرهمِ، وخطب لنفسه،
وضرب الطبل، وخرج أكثر عسكر بركيارق إليه، وأنفذ رسولاً إلى بغداد فخطب
له في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين، وكانت له مع بركيارق خمس وقائع.
وفيها: زادت الأسعار ومنع القطر، وبلغ الكر تسعين ديناراً ببغداد
وواسط، ومات الناس على الطرقات، واشتد أمر العيارين في المحال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد القادر، بن محمد بن يوسف، أبو الحسين المحدث الزاهد ولد
سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وسافر الكثير، ووصل إلى بلاد المغرب، وسمع
الحديث الكثير من ابن بشران، وابن شاذان، وخلق كثير، وحدثنا عنه
أشياخنا. وتوفي في شعبان، ودفن في مقابر الشهداء.
إبراهيم بن مسعود، بن محمود بن سبكتكين
قد ذكرنا
حالة محمود بن سبكتكين في أيام القادر باللهّ، ولما مات ملك مكانه ابنه
مسعود، ثم أخذ واعتقل، وآل الأمر إلى إبراهيم، فملك. فحكى أبو الحسن
الطبري الفقيه الملقب بالكيا قال: أرسلني إليه السلطان بركيارق، فرأيت
في مملكته مالا يتأتى وصفه، فدخلت عليه وهو جالس في طارمة عظيمة بقدر
رواق المدرسة النظامية، وباب فضة بيضاء بطول قامة الرجل وفوق ذلك إلى
السقف صفائح الذهب الأحمر، وعلى باب الطارمة الستور التنيسي، وللمكان
شعاع يأخذ بالبصر عند طلوع الشمس عليه، وكان تحته سرير ملبس بصفائح
الذهب، وحواليه التماثيل المرصعة من الجوهر واليواقيت، فسلمت عليه
وتركت بين يديه هدية كانت معي، فقال: نتبرك بما يهديه العلماء. ثم أمر
خادمه أن يطوف بي في داره، فدخلنا إلى خركاه عظيمة قد ألبست قوائمها من
الذهب، وفيها من الجواهر واليواقيت شيء كثير، وفي وسطها سرير من العود
الهندي، وتمثال طيور بحركات، إذا جلس الملك صفقت بأجنحتها، إلى غير ذلك
من العجائب، فلما عدت رودت له الخبر. عن النبي صلى الله عليه وسلم: "
لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا " . فبكى. قال: وبلغني أنه
كان لا يبني لنفسه منزلاً حتى يبني للهّ مسجداً أو مدرسة.
توفي في رجب هذه السنة وقد جاوز السبعين، وملك فيها اثنتين وأربعين
سنة.
أتز الأمير كان السلطان بركيارق قد ولاه فارس جميعها، ثم ولاه إمارة
العراق، وانتدب لقتال الباطنية، ثم عزم على ترك بركيارق وطاعة السلطان
محمد، وكان إقطاعه يزيد على عشرة آلاف ألف دينار، فجلس ليلة على طبقة
فهجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم، وكانوا قد دخلوا في
حيلة، فصدم أحدهم المشعل فرمى به، وصدم الآخر شمعة فأطفأها، وجذب الآخر
سكينين فقتله بهما فأفلت اثنان وقتل الثالث، ونهب ماله، وحمل إلى داره
بأصبهان فدفن بها.
بركة بن أحمد بن عبد اللّه، أبوغالب الواسطي ولد سنة عشر وأربعمائة،
وسمع أبا القاسم بن بشران، وأبا عبد الله المحاملي، حدَّث عنه شيخنا
عبد الوهاب وأثنى عليه، وكان ثقة.
وتوفي يوم الإثنين ثالث عشر ذي الحجة ودفن بمقبرة الشونيزية.
عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح، أبو تراب المراغي ولد سنة ثلاث
وأربعمائة، سمع ببغداد أبا القاسم بن بشران، وأبا علي بن شاذان، وأبا
محمد السكري، وأبا علي ابن المذهب، وأبا بكر بن بشران، وأبا محمد
الجوهري وأبا الطيب الطبري، وتفقه عليه، وسمع بالموصل وبأصبهان
ونيسابور ونزلها، وتشاغل بالتدريس والمناظرة والفتوى، وكان يقول: أحفظ
أربعة ألاف مسألة في الخلاف، وأحفظ الكلام فيها، ويمكنني أن أناظر في
جميعها. وكان يحفظ من الحكايات والأشعار والمُلَح الكثير، وكان صبوراً
على الكفاف معرضاً عن كسب الدنيا على طريق السلف، بعث إليه منشور بقضاء
همذان فقال: أنا في انتظار المنشور من الله تعالى على يدي ملك الموت،
وقدومي الآخرة أليق من منشور القضاء بهمذان، وقعودي في هذا المسجد ساعة
على فراغ القلب أحب إليّ من علم الثقلين.
توفي في ذي القعدة من هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة.
علي بن الحسين بنَ علي بن أيوب، أبو الحسن البزاز ولد سنة عشر
وأربعمائة في شوال، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا محمد الخلال، وأبا
العلاء الواسطي، حدثنا عنه أشياخنا. توفي يوم عرفة ودفن في مقبرة جامع
المنصور.
ثم دخلت
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
فمن الحوداث فيها:
أن
بركيارق وصل إلى خوزستان بحال سيئة لميل الناس إلى السلطان محمد، وكان
مع بركيارق ينال، وهو أمير عسكره، ثم خاف منه فرحل عنه إلى الأهواز،
فصادر أهلها، وأصعد بركيارق إلى واسط، فهرب أعيان البلد، فدخل العسكر
فعاثوا ونهبوا وقلعوا الأبواب، واستخرجوا الذخائر وفعلوا ما لا يفعل
الروم، وحُمِل إلى السلطان قوم ذكر أنهم جاؤوا للفتك، وأقر رئيسهم
بذلك، فأمر به السلطان فبطح وضربهُ فقسمه نصفين، ثم رحل السلطان إلى
بلاد سيف الدولة صدقة، ففعلت العساكر نحواً مما فعلت بواسط، والتقى سيف
الدولة بالسلطان وأصعد معه إلى بغداد، وكان سعد الدولة الكوهرائين
مخيماً بالشفيعي مقيماً على المباينة لبركيارق، والطاعة للسلطان محمد،
فلما علم بوصوله إلى زريران رحل إلى النهروان في ليلة الجمعة النصف من
صفر. وسارت معه زوجة مؤيد الملك وهي ابنة القاسم بن رضوان، فلما كان
يوم الجمعة منتصف صفر قطعت خطبة محمد، وأقيمت لبركيارق.
وفي يوم السبت سادس عشر صفر: خرج الوزير عميد الدولة لاستقبال السلطان
بركيارق إلى جسر صرصر في الموكب، وعاد من يومه، ودخل السلطان بغداد يوم
الأحد، وجلس على السرير في دار المملكة، وسرّ العوام النساء والصبيان
قدومه، ونفذ الخليفة إليه هدية تشتمل على خيل وسلاح.
وفي ربيع الأول: تقررت له وزارة العميد أبي المحاسن عبد الجليل بن علي
بن محمد الدهستاني، ولقب بنظام الدين، وجلس للنظر في دار المملكة، وخرج
إلى حلوان فانضاف إليه سعد الدولة وغيره، ودخلوا معه إلى بغداد، فخرج
الموكب يتلقاه، ثم نفذت له الخلع في يوم آخر مع عميد الدولة فاحتبسه
عنده، واستدعى أبا الحسن الدامغاني، وأبا القاسم الزينبي، وأبا منصور
حاجب الباب، وقال لهم أبو المحاسن: أن السلطان يقول لكم: قد عرفتم ما
نحن فيه من الإضاقة ومطالبة العسكر، وهذا الوزير ابن جهير قد تصرف هو
وأبوه في ديار بكر والجزيرة والموصل في أيام جلال الدولة، وجبوا
أموالها وأخذوا ارتفاعها، وينبغي أن يعاد كل حق إلى حقه. فخرجوا إلى
الوزير فأعلموه بالحال فقال: أنا مملوك ولا يمكنني الكلام إلا باذن
مولاي. فاستأذنوا في الانصراف فأذن لهم، فعرفوا الخليفة الحال، فكتب
الخليفة إلى السلطان كتاباً مشحوناً بالعتب والتهديد والغلظة، وقال
فيه: فلا يغرك إمساكنا عن مقابلة الفلتات، فوحق السالف من الآباء
المتقدمين بحكم رب السماء لئن قُصّرَ في أن يعاد شاكراً وبالحباء
موفوراً لنفعلن فقرىء الكتاب على السلطان، وآل الأمر إلى أن أحضر عميد
الدولة بين يدي السلطان، ووعده عنه وزيره بالجميل، وقال: السلطان يقول
لك إننا ثقلنا عليك كما يثقل الولد على والده، لضرورات دعت. فانطلق
والأمراء بين يديه، وصحح مائة ألف وستين ألف دينار.
والتقى السلطان بركيارق ومحمد في يوم الأربعاء رابع رجب بمكان قريب من
همذان، وكانت الغلبة لأصحاب محمد، فانهزم بركيارق في خمسين فارساً،
فنزل على فرسخ من المصاف حتى استراح والتأم إليه عسكره، فلقي أخاه
سنجر، فانهزم أصحاب سنجر ثلاثين فرسخاً فاشتغل أصحاب بركيارق بالنهب،
وأسرت أم أخوي السلطان سنجر ومحمد فأكرمها، وقال: إنما ارتبطتك ليطلق
أخي مَنْ عنده من الأسارى، فأنفذ سنجر مَنْ كان عنده من الأسارى
وأطلقها.
وفي يوم الجمعة رابع عشر رجب: قطعت خطبة السلطان بركيارق وأعيدتَ خطبة
السلطان محمد.
وفي شعبان: زاد أمر العيارين بالجانب الغربي حتى أخذوا عَيبتين ثياباً
لقاضي القضاة أبي عبد اللّه الدامغاني فلم يرثوهما إلا بعد تعب.
وتقدم الخليفة إلى الأمير يمن بتهذيب البلد، فعبر الأمير في ثالث عشرين
شعبان، فأخذ جماعة منهم فقتلهم.
ومن عجيب ما اتفق: أن رجلاً من العيارين أعور هرب، وأخذ على رأسه سلّة
فيها خزف، ولبس جبّة صوف، وخرج قاصداً للدجيل ليخفي حاله، فاتفق أن
خادماً للخليفة خرج ليتصيد، فكان يتطير بالعور، فلقيه أعوران فتطير
بهما، فرأى غلمانه هذا العيّار، فصاحوا به ونادوا أستاذهم ليقولوا له
هذا ثالث، فظن العيّار أنهم قد عرفوه، فدخل مزرعة، فارتابوا بهربته
وجدوا في طلبه، فأخذوه ومعه سيف تحت ثيابه، فبحثوا عن حاله فعرفوه
فقتلوه.
وفي آخر شعبان: كثر الجرف بالعراق. والوباء، وامتنع القطر، وزاد المرض،
وعدمت الأدوية والعقاقير، ورئي نعش عليه ستة موتى، ثم حفر لهم زبْيَة
قألقوا فيها.
وفي هذا
الشهر: وقع حريق بخرابة ابن جردة، فهلك معظمها، وكانت الريح عاصفة
فأطارت شرارة فأحرقت داراً برحبة الجامع، وأخرى فأحرقت ستارة دار
الوزير بباب العامة.
وفي رمضان: قُبِض على الوزير عميد الدولة، وعلى أخوته زعيم الرؤسات أبي
القاسم وأبي البركات بن جهير الملقب بالكافي راسله الخليفة بأبي نصر بن
رئيس الرؤساء، ويُمن، فلما خرج من الديوان معهما قدم عليه المركوب وقد
أحس بما يراد منه، أنا أساويكما في المشي.
وفي ليلة السابع والعشرين من رمضان: قُتل شحنة أصبهان في دار السلطان
محمد، قتله باطني، وقد كان يتحرز منهم ويلبس درعاً تحت ثيابه، فأغفل
تلك الليلة لبس الدرع وخرج إلى دار السلطان، فضربه الباطني بسكين في
خاصرته، وقتل معه اثنين، ومات في تلك الليلة جماعة من ولد هذا الشحنة،
فأخرج من داره خمس جنائز. وفي ذي الحجة: قُتل أمير بالري، قتله باطني،
فحُمل الباطني إلى فخم الملك بن نظام الملك فقال له: ويحك، أما تستحي؟
هتكت حرمتي وأذهبت حشمتي، وقتلته في داري. فقال الباطني: العجب منك أنك
تذكر أن لك حرماً مهتوكة، أو داراً مملوكة، أو حشمة تمنع من الدماء
المسفوكة، أو ما تعلم أننا قد أنفذنا إلى ستة نفر أحدهم أخوك وفلان
وفلان، فقال له: وأنا في جملتهم. فقال: أنت أقل من أن تذكر أو أن تدنس
نفوسنا بقتلك. فعُذَبَ على أن يقر من أمره بذلك، فلم يقر فقتله.
وفي هذه السنة: خرج من الأفرنج ثلثمائة ألف فهزمهم المسلمون وقتلوهم،
فلم يسلم منهم سوى ثلاثة آلاف هربوا ليلاً، وباقي الفل هربوا مجروحين.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد الوهاب بن الشيرازي، أبو منصور الواعظ تفقه على أبي إسحاق،
ورزق في الوعظ قبولاً.
وتوفي في شعبان هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن محمد بن عمر بن محمد، أبو القاسم، ابن الباغبان من أهل أصبهان،
سمع الحديث الكثير تحت ضرّ شديد، وكان رجلاً صالحاً وتوفي في شعبان هذه
السنة.
أحمد بن أحمد بن الحسن، أبو البقاء الوكيل كان وكيلاً بين يدي أبي عبد
اللّه الدامغاني، وقد سمع من ابن النقور، والصريفيني وأبي بكر الخطيب،
وكان يُضرب به المثل في الدهاء والحذق في صناعته. وتوفي قبل أوان
الرواية في هذه السنة.
الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة، أبوعبد اللهّ النعالي سمع أبا سعيد
الماليني، وأبا الحسين بن بشران في آخرين، وعاش تسعين سنة، فاحتاج
الناس إلى إسناده مع خلوه من العلم، حدثنا عنه أشياخنا. وتوفي في صفر
هذه السنة، ودفن بمقبرة جامع المنصور.
سلمان بن أبي طالب عبد اللهّ بن محمد الفتي، أبو عبد اللهّ الحلواني،
والد الحسن بن سلمان الفقيه الذي درس في النظامية ببغداد: سمع أبا
الطيب الفبري، وأبا طالب بن غيلان، وأبا محمد الجوهري، وغيرهم، وحدث
وكان له معرفة تامة باللغة والأدب، قرأ على الثمانيني، وغيره، وقال
الشعر، ونزل أصبهان فقرأ عليه أكثر أئمتها وفضلائها الأدب، وكان جميل
الطريقة.
وتوفي في هذه السنة بأصبهان.
سعد الدولة الكوهرائين
وكان من
الخدم الأتراك الذين ملكهم. أبو كاليجار بن سلطان الدَّولة من بهاء
الدَّولة بن عضد الدَّولة، وانتقل إليه من امرأة، وكان الكوهرائين بعد
إقبال الدنيا عليه ومسير الجيوش تحت ركابه يقصد مولاته، ويسلم عليها،
ويستعرض حوائجها، وبعث به أبو كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد
فاعتقل طغرلبك أبا نصر، ولم يبرح معه الكوهرائين، ومضى معه إلى القلعة،
فلما توفي خدم الكوهرائين ألب، رسلان ووقاه بنفسه لما جرحه يوسف، فلم
يغن عنه، فلما ملك جلال الدولة ملكشاه جاء إلى بغداد في رسالة، وجلس له
القائم بأمر اللّه في صفر سنة ست وستين، وأعطاه عهد جلال الدولة،
وأقطعه ملك شاه واسط، وكان قد جعل إليه الشحنكية ببغداد، ثم قبل ذلك
نال دنيا واسعة، فرأى ما لم يره خادم يقاربه من نفوذ الأمر، وكمال
القدرة والجاه وطاعة العسكر، ولم ينقل أنه مرض ولا صدع، ونال مراده في
كل عدوٍ له، وذُكر أنه لم يجلس إلا على وضوءٍ، وكان يصلي بالليل ولا
يستعين على وضوئه بأحد، ولا يُعلم أنه صادر أحداً ولا ظلمه، إلا أنه
كان يعمل رأيه في قتل مَنْ لا يجوز قتله من اللصوص ويمثل بهم، ويزعم أن
ذلك سياسة، ولما اختصم محمد وبركيارق كان مع بركيارق فكبا بِهِ الفرس
فسقط وعليه سلاحه فقُتل، ثم حمل إلى بغداد فدفن بها في الجانب الشرقي،
وتربته مقابل رباط أبي النجيب.
عبد الرزاق الصوفي الغَزْنَوي كان مقيماً في رباط عتاب، وكان خيِّراً
يحج سنين على التجريد، واحتضر وقد قارب مائة سنة ولا كفن له، فقالت له
زوجته وهو يجود بنفسه: إنك تفتضح إذا لم يوجد لك كفن. فقال لها: لو
وُجد كفن لافتضحت. ومات. في هذه السنة.، أبو الحسن البسطامي شيخ رباط
بن المحلبان وكان لا يلبس إلا الصوف شتاء وصيفاً، وكان يحترم ويقصد،
فخلف مالاً مدفوناً يزيد على أربعة آلاف دينار، وكان عبد الرزاق على ما
ذكرنا فتعجب الناس من تفاوت حاليهما وكلاهما شيخ رباط.
عبد الباقى بن حمزة بن الحسين، أبو الفضل الحداد القرشي سمع من الجوهري
وغيره، وكان له يد في الفرائض والحساب، وكان شيخنا أبو الفضل ابن ناصر
يثني عليه ويوثقه، وتوفي في شعبان هذه السنة.
عبد الصمد بن علي بن الحسين ابن البدن، أبوالقاسم من أهل نهر القلائين،
والد شيخنا عبد الخالق. قال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي: كان شيخ
المحملة يضرب ويعاقب، ولكنه كان سنياً.
توفي يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، ودفن في داره بنهر القلائين.
عبد الملك بن محمد بن الحسن، أبوسعد السّامَريّ سمع الحديث من ابن
النقور، وابن المهتدي، والزينبي، وغيرهم، وحدث ببغداد، وشهد عند أبي
عبداللهّ الدامغاني في سنة خمس وستين، وكان حجَّاجاً وإليه كسوة
الكعبة، وعمارة الحرمين، والنظر في المارستانين العضدي، والعتيق،
والجوامع بمدينة السلام، والجسر، والترب بالرصافة، وكان كثير الصدقة،
ظاهر المعروف، وافر التجمل، مستحسن الصورة، كامل الظرف، روى عنه
أشياخنا، وآخر مَنْ روى عنه شهدة بنت الأبري.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن بمقبرة الخيرزان عند قبر أبي حنيفة.
عبد القاهر بن عبد السلام بن علي، أبوالفضل العباسي من أهل مكة، وكان
نقيب الهاشميين. بها، وكان من خيارهم ومن ذوي الهيئات النبلاء، سمع
الحديث بمكة، واستوطن بغداد، وأقرأ بها، وكان قيماً بالقرا آت، فقرأ
عليه من مشايخنا أبو محمد، وأبو الكرم ابن الشهرزوري.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبدوس بن كامل، أبو الحسين الدلال،
الزعفراني سمع أبا بكر النقاش، والشافعي، روى عنه أبو القاسم التنوخي،
وكان ثقة، وأخذ الفقه عن أبي بكر الرازي.
محمد بن علي بن الحسين بن جداء، أبو بكر العُكْبَرِيّ كان من العلماء
الصالحين، نزل يتوضأ في دجلة فغرق في ربيع الأول من هذه السنة.
محمد بن جعفر بن طريف البجلي الكوفي، أبوغالب. سمع أبا الحسين ابن
قدوية وغيره، وسماعه صحيح، وهو ثقة، روى عنه شيوخنا، وتوفي يوم
الثلاثاء العشرين من جمادى الآخرة.
محمد بن محمد بن محمد بن جهير الوزير، أبو منصور بن أبي نصر الوزير بن
الوزير، عميد الدولة
كان حسن
التدبير، كافياً في مهمات الخطوب، كثير الحلم، لم يُعرف أنه عجل على
أحد بمكروه، وقرأ الأحاديث على المشايخ، وكان كثير الصدقات، يجيز
العلماء، ويثابر على صلاتهم، ولما احتضر القائم أوصى المقتدي بابن
جهير، وخصه بالذكر الجميل، فقال: يا بني، قد استوزرت ابن المسلمة، وابن
دارست، وغيرهما، فما رأيت مثل ابن جهير. وكان عميد الدولة قد خدم ثلاثة
خلفاء، ووزر لاثنين منهم، تقلد وزارة المقتدي في صفر سنة اثنتين وسبعين
فبقي فيها خمس سنين، ثم عزل بالوزير أبي شجاع، ثم عاد بعد عزل أبي شجاع
في سنة أربع وثمانين، فلم يزل إلى أن مات المقتدي، ثم دبَّر المستظهر
التدبير الحسن ثماني سنين وأحد عشر شهراً وأربعة أيام، وكان عيبه عند
الناس الكبر، وكانت كلمه معدودة، فإذا كلَّم شخصاً قام ذلك مقام بلوغ
الأمل، حتى إنه قال يوماً لولد أبي نصر بن الصباغ: اشتغل وادْأب، وإلا
كنت صباغاً بغير أب: فلما نهض المقول له ذلك من مجلسه هنأ الناس بهذه
العناية، ثم آل أمره إلى أن قبض عليه وحبس في باطن دار الخلافة، فأخرج
من محبسه ميتاً في شوال، فحُمل إلى داره فغسل بها، ودفن في التربة التي
استجدها في قراح ابن رزين، وكان فيها قبور جماعة من ولده، ومنع أصحاب
الديوان دفنه، وأخذوا الفتاوى بجواز بيع تربته لأنه لم يثبت البينة
بأنه وقفها ولم يتم لهم ذلك.
محمد بن صدقة بن مزيد، أبو المكارم، عز الدولة وأبوه سيف الدولة. كان
ذكياً شجاعاً، فتوفي وجلس الوزير عميد الدولة في داره للعزاء به ثلاثة
أيام، للصهر الذي كان بينهما، وخرج إليه في اليوم الثالث توقيع يتضمن
التعزية له والأمر بالعود إلى الديوان، فعزاه قائماً، وخرج قاضي القضاة
أبو الحسن الدامغاني إلى حلة سيف الدولة برسالة من دار الخلافة تتضمن
التعزية لأبيه، واتفق في مرضه أنه أتى أبوه بديوان أبي نصر بن نباتة،
فبصر في توقيع قصيدة، قال يعزي سيف الدولة أبا الحسن علي بن حمدان
ويرثي ابنه أبا المكارم محمداً، فأخذ من حضره المجلدة من يده وأطبقه،
فعاد وأخذه. وفتحه وخرج ذلك وأراه قصيدة ابن نباتة التي يقول فيها:
فإن بميَّا فارقين حفيرة ... تركنا عليها ناظر الجود داميا
وحاشاك سيف الدَّولة اليوم أن تُرى ... من الصبر خلواً أو إلى الحزن
ظاميا
ولما عدمنا الصبر بعد محمدٍ ... أتينا أباه نستعيد التعازيا
يحيى بن عيسى بن جزلة، أبوعلي الطبيب كان نصرانياً فلازم أبا علي بن
الوليد ليقرأ عليه المنطق، فلم يزل أبو علي بن الوليد يدعوه إلى
الإسلام، ويذكر له الدلالات الواضحة، والبراهين البيِّنة حتى أسلم،
واستخدمه أبو عبداللّه الدامغاني في كتب السجلات، وكانُ يطيب أهل محلته
وسائر معارفه بغير أجرة، بل احتساباً، وربما حمل إليهم الأدوية بغير
عوض، ووقف كتبه قبل وفاته، وجعلها في مسجد أبي حنيفة.
ثم دخلت
سنة اربع وتسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أنه في المحرم ولي أبو الفرج ابن السيبي قضاء باب
الأزج، حين مرض حاكمها أبو المعالي عزيزي، ولما توفي عزيزي وقع إلى أبي
الفرج ابن السيبي أن ينوب عنه أبو سعيد المخرمي، وتقررت وزارة الخليفة
لأبي المحاسن عبد الجليل بن محمد، الدهستاني، وهو الذي استوزره
بركيارق، ولقبه نظام الدين، وجمدت عمارة ديوان الخليفة ونظريته، وعين
على حضوره فيه، وإفاضة الخلع عليه يوم السبت سادس صفر، فوصلت من
بركيارق كتب تستدعيه، فسارع إلى ذلك، وبطل ما عزم عليه، وشهد في جمادى
الآخرة عند أبي الحسن الدامغاني أبو العباس أحمد بن سلامة الكرخي
المعروف بابن الرطبي، وأبو الفتح محمد بن عبد الجليل الساوي، وأبو بكر
محمد بن عبد الباقي شيخنا.
وفي هذه
السنة: قُتل السلطان بركيارق خلقاً من الباطنية ممن تحقق مذهبه، ومن
اتهم به، فبلغت عدتهم ثمانمائة ونيفاً، ووقع التتبع لأموال مَنْ قتل
منهم، فوجد لأحدهم سبعون بيتاً من الزوالي المحفور، وكتب بذلك كتاب إلى
الخليفة، فتقدم بالقبض على قوم يظن فيهم ذلك المذهب، ولم يتجاسر أحد أن
يشفع في أحد لئلا يظن ميله إلى ذلك المذهب، وزاد تتبع العوام لكل من
أرادوا، وصار كل مَنْ في نفسه شيء من إنسان يرميه بهذا المذهب، فيُقصد
وينهب، حتى حُسِمَ هذا الأمر فانحسم، وأول ما عُرف من أحوال الباطنية
في أيام ملك شاه، جلال الدولة، فإنهم اجتمعوا فصلوا صلاة العيد في
ساوة، ففطن بهم الشحنة، فأخذهم وحبسهم، ثم أطلقهم، ثم اغتالوا مؤذناً
من أهل ساوة، فاجتهدوا أن يدخل معهم فلم يفعل، فخافوا أن ينم عليهم
فاغتالوه فقتلوه، فبلغ الخبر إلى نظام الملك، وتقدم بأخذ مَنْ يتهم
بقتله فقتل المتهمِ، وكان نجاراً، فكانت أول فتكة لهم قتل نظام الملك.
وكانوا يقولون: قتلتم منا نجاراً، وقتلنا به نظام الملك فاستفحل أمرهم
بأصبهان لما مات ملك شاه، فآل الأمر إلى أنهم كانوا يسرقون الإنسان
فيقتلونه ويلقونه في البئر، فكان الإنسان إذا دنا وقت العصر ولم يعد
إلى منزله يئسوا منه، وفتش الناس المواضع، فوجدوا امرأة في دار الأزج
فوق حصير، فأزالوها فوجدوا تحت الحصير أربعين قتيلاً، فقتلوا المرأة،
وأخربوا الدار والمحلة، وكان يجلس رجل ضرير على باب الزقاق الذي فيه
الدار، فإذا مرّ به إنسان سأله أن يقوده خطوات إلى الزقاق، فإذا حصل
هناك جذبه مَنْ في الدار، أواستولوا عليه، فجد المسلمون في طلبهم
بأصبهان، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وأول قلعة تملكتها الباطنية قلعة
في ناحية يقال لها: الروذ ناذ من نواحي الديلم، وكانت هذه القلعة لقماج
صاحب ملك شاه، وكان مستحفظها متهماً بمذهب القوم، فأخذ ألفاً ومائتي
دينار وسلم إليهم القلعة في سنة ثلاث وثمانين في أيام ملك شاه، فكان
متقدمها الحسن بن الصباح وأصله من مرو وكان كاتباً للأمير عبد الرزاق
بن بهرام، إذ كان صبياً، ثم سار إلى مصر، وتلقى من دعاتهم المذهب، وعاد
داعية للقوم، ورأساً فيهم، وحصلت له هذه القلعة، وكانت سيرته في دعائه
أنه لا يدعو إلا غبيّاً، لا يفرق بين شماله ويمينه، ومَنْ لا يعرف أمور
الدنيا، ويطعمه الجوز والعسل والشونيز، حتى يتسبط دماغه، ثم يذكر له
حينئذ ما تم على أهل بيت المصطفى من الظلم والعدوان، حتى يستقر ذلك في
نفسه، ثم يقول له: إذا كانت الأزارقة والخوارج سمحوا بنفوسهم في القتال
معِ بني أميّة، فما سبب تخلفك بنفسك في نصرة إمامك؟ فيتركه بهذه
المقالة طعمةَ للسباع. وكان ملك شاه قد أنفذ إلى هذا ابن الصباح يدعوه
إلى الطاعة، ويتهدده إن خالف، ويأمره بالكفِّ عن بثِّ أصحابه لقتل
العلماء والأمراء، فقال في جواب الرسالة والرسول حاضر: الجواب ما ترى،
ثم قال لجماعة وقوف بين يديه: أريد أن أنفذكم إلى مولاكم في قضاء حاجة،
فمن ينهض لها؟ فاشرَأَبَّ كل واحد منهم لذلك، وظن رسول السلطان أنها
رسالة يحملها إياهم، فأومأ إلى شاب منهم، فقال له: اقتل نفسك. فجذب
سكينه وضرب بها غلصمته فخر ميتاً، وقال لآخر: ارم نفسك من القلعة.
فألقى نفسه فتمزّق، ثم التفت إلى رسول السلطان فقال: أخبره أن عندي من
هؤلاء، عشرين ألفاً هذا حدّ طاعتهم لي، وهذا هو الجواب. فعاد الرسول
إلى السلطان ملك شاه، فأخبره بما رأى، فعجب من ذلك وترك كلامهم، وصار
بأيديهم قلاع كثيرة، فمنها قلعة على خمسة فراسخ من أصبهان، كان حافظها
تركياً، فصادقه نجار باطني، وأهدى له جارية وفرساً ومركباً، فوثق به،
واستنابه في حفظ المفاتيح، فاستدعى النجار ثلاثين رجلاً من أصحاب ابن
عطاش، وعمل دعوة، ودعا التركي وأصحابه، وسقاهم الخمر، فلما سكروا دفع
الثلاثين بالحبال إليه، وسلّم إليهم القلعة، فقتلوا جماعةً من أصحاب
التركي، وسلّم التركي وحده فهرب، وصارت القلعة بحكم ابن عطاش، وتمكنوا
وقطعوا الطرقات ما بين فارس وخوزستان، فوافق الأمير جاولي سقا وو
جماعةً من أصحابه حتى أظهروا الشغب عليه، وانصرفوا عنه، وأتوا إلى
الباطنية وأشاعوا الموافقة لهم، ثم أظهر أن الأمراء بني برسق يقصدونه،
وأنه على ترك البلاد عليهم، والانصراف عنهم، فحادت طائفة من أصحابه
عنه، فلما سار بلغ الباطنية
حده، فحسن
له أصحابه المنحازون إليهم أتباعه، والاستيلاء على أمواله، فساروا إليه
بثلثمائة من صناديدهم، فلما توسطوا الشعب عاد عليهم ومَنْ معه من
أصحابه، فقتلوهم، فلم يفلت إلا ثلاثة نفر تسلقوا في الجبال، فغنم خيلهم
وأموالهم، وتهذبت الطرق بهلاكهم، وتبعهم بعض الأمراءِ، وقتل خلقاً منهم
ابن كوخ الصوفي، وكان قد أقام ببغداد بدرب زاخي في الرباط مدة، وكان
يحج في كل سنة بثلثمائة من الصوفية، وينفق عليهم الألوف من الدنانير،
وقتل جماعة من القضاة اتهموا بهذا المذهب، وكان قد حصل بعسكر بركيارق
جماعة، واسْتَغووا خلقاً من الأتراك، فوافقوهم في المذهب، فاستشعر
أصحاب السلطان ولازموا لبس السلاح، ثم تتبعوا مَنْ يتهم، فقتلوا أكثر
من مائة، وثَمَّ بلد يعرف بالصيمر هو سواد يقارب المشان يعتقد أهله في
ابن الشيباش وأهل بيته، وكان له نارنجيات انكشفت لبعض أتابعه، ففارقه
وبيّن للناس أمره، فكان مما أخبر به عنه أنه قال: أحضرنا يوماً جديَاً
مشوياً ونحن جماعة من أصحابه، فلما أكلناه أمر بردّ عظامه إلى التنور
فرُدّتْ، وترك على التنور طبقاً ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جدياً حياً
يرعى حشيشاً، ولم نر للنار أثراً، ولا للرماد خبراً، فتلطفت حتى عرفت
هذه النارنجية، وذاك أني وجدت ذلك التنور يُفضي إلى سرداب، وبينهما طبق
حديد يدور بلولب، فإذا أراد إزالة النار عنه فركه، فينزل إليه. ويترك
مكانه طبقاً آخر مثله. وستأتي أخبار ابن الشيباش فيما بعد إن شاء الله
تعالى.حده، فحسن له أصحابه المنحازون إليهم أتباعه، والاستيلاء على
أمواله، فساروا إليه بثلثمائة من صناديدهم، فلما توسطوا الشعب عاد
عليهم ومَنْ معه من أصحابه، فقتلوهم، فلم يفلت إلا ثلاثة نفر تسلقوا في
الجبال، فغنم خيلهم وأموالهم، وتهذبت الطرق بهلاكهم، وتبعهم بعض
الأمراءِ، وقتل خلقاً منهم ابن كوخ الصوفي، وكان قد أقام ببغداد بدرب
زاخي في الرباط مدة، وكان يحج في كل سنة بثلثمائة من الصوفية، وينفق
عليهم الألوف من الدنانير، وقتل جماعة من القضاة اتهموا بهذا المذهب،
وكان قد حصل بعسكر بركيارق جماعة، واسْتَغووا خلقاً من الأتراك،
فوافقوهم في المذهب، فاستشعر أصحاب السلطان ولازموا لبس السلاح، ثم
تتبعوا مَنْ يتهم، فقتلوا أكثر من مائة، وثَمَّ بلد يعرف بالصيمر هو
سواد يقارب المشان يعتقد أهله في ابن الشيباش وأهل بيته، وكان له
نارنجيات انكشفت لبعض أتابعه، ففارقه وبيّن للناس أمره، فكان مما أخبر
به عنه أنه قال: أحضرنا يوماً جديَاً مشوياً ونحن جماعة من أصحابه،
فلما أكلناه أمر بردّ عظامه إلى التنور فرُدّتْ، وترك على التنور طبقاً
ثم رفعه بعد ساعة، فوجدنا جدياً حياً يرعى حشيشاً، ولم نر للنار أثراً،
ولا للرماد خبراً، فتلطفت حتى عرفت هذه النارنجية، وذاك أني وجدت ذلك
التنور يُفضي إلى سرداب، وبينهما طبق حديد يدور بلولب، فإذا أراد إزالة
النار عنه فركه، فينزل إليه. ويترك مكانه طبقاً آخر مثله. وستأتي أخبار
ابن الشيباش فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة: قصد بركيارق خوزستان، وانضم إليه أولاد برسق، وكان أمير
آخر قد مات، وانضم إليه عسكره مع أياز، فتوجه أياز من همذان بعسكره،
واتصل ببركيارق، وسار طالباً لأخيه محمد فالتقيا وعلى ميمنة بركيارق
أياز، وعلى الميسرة أولاد برسق، فانهزمت طلائم محمد، ورجعت إلى القلب
فانهزم السلطان محمد ورجع مؤيد الملك، وهرب، فأدركه غلمان بركيارق
فأسروه فقتل، وخرج الزعيم ابن جهير متنكراً فقصد حلة سيف الدولة.
وفي رمضان هذه السنة: تقدم الخليفة بفتح جامع القصر وأن يصلى فيه صلاة
التراويح، ولم تكن العادة جارية بذلك، ورتب فيه للإمامة أبو الفضل محمد
بن أبي جعفرعبد اللّه بن أحمد بن المهتدي، وأمر بالجهر بالبسملة
والقنوت على مذهب الشافعي، وبيّض الجامِع، وعمّر وكسى، وحملت إليه
الأضواء، وأمر المحتسب أن ينهى النساء عن الخروج ليلاً للتفرج.
وفي هذه
السنة: أرسل السلطان محمد إلى أخيه سنجر يلتمس منه مالاً وكسوة، فوقع
التقسيط بذلك على أهل نيسابور الكبار والصغار والضعفاء، حتى جبيت
الحمامات والخانات، وترددت الرسل بينهما، فوقع الصلح، وسارا وقد بلغهما
تفرق العساكر عن بركيارق، فلما وصلا إلى دامغان أخربوها فعفت، وأخربوا
ما أتوا عليه من البلاد، وعمّ الغلاء تلك الأصقاع حتى شوهد رجل يأكل
كلباً مشوياً في الجامع، وإنسان يُطاف به في الأسواق وفي عنقه يد صبي
قد ذبحه وأكله.
ومضى بركيارق إلى بغداد ومعه الأمير أياز، فوصل إلى بغداد في خمسة آلاف
فارس، وخرج الموكب لتلقيه، ثم دخل بعده ولده ملك شاه بن بركيارق،
فاستقبله أهل المناصب من النهروان، وحُمل إليه من دار الخلافة تعويذ من
ذهب، فيه مصحف جامع، فعُلّق عليه، وكان عمره سنة وشهوراً.
وفي عيد الفطر: خطب الشريف أبو تمام ابن المهتدي بجامع القصر، فأراد أن
يدعو لبركيارق فدعا للسلطان محمد غلطاً لا عن قصد، فأتى أصحاب بركيارق
إلى الديوان وقالوا: قد ولف علينا. فعزل ثم أعيد بعد جمعتين.
وفي يوم الأضحى: بعث الخليفة للسلطان منبراً فنصب في دار المملكة، وصلى
هناك الشريف أبو الكرم، وأنفذ إليه جملاً للأضحية، وحربةً للنحر، وكان
السلطان محموماً، فلم يمكنه النحر بيده، ولما وصل السلطان بركيارق لم
يرد سيف الدولة إلى خدمته، وكان متجنياً فراسله السلطان بركيارق، فأبى
وقال: لا أصحب السلطان، مع كون الوزير الأعز معه، فإن سلمه إليّ فأنا
المخلص، وقال الوزير: قد نفذ إليّ سيف الدولة قبل ذلك أنه قد اجتمع
عليك للخزانة السلطانية ألف ألف دينار، فإن أديتها وإلا فبلدك مقصود،
فلما قرأ الكتاب طرد الرسول وكان الرسول العميد، وكانت كيفيّة طرده:
أنه نزل في خيمة فأمر سيف الدولة بأن يقطعوا أطنابها فوقعت الخيمة
عليه، فخرج وركب في الحال، وكتب إلى سيف الدولة من الطريق:
لا ضُر بت لي بالعراق خيمةٌ ... ولا عَلَتْ أناملي على قلم
إن لم أَقُدْها من بلاد فارسٍ ... شعث النواصي فوقها سود اللمم
حتى ترى لي في الفرات وقعة ... يشربُ منها الماءُ ممزوجاً بدم
وقطع سيف الدولة خطبة السلطان، وخطب لمحمد فراسل السلطان بركيارق
الخليِفة بأن المطالب قد امتنعت، ولا بد من إعانتنا بشيءٍ ونصرفه إلى
العسكر، فتقرر الأمر على خمسة آلاف دينار، وصححت إلى عشر ذي الحجة.
واتفق أن رئيس جبلة هرب من الإفرنج، ونزل الأنبار، فسمع الأعز بذلك،
فقصده وأخذ منه ألف قطعة ومائتي قطعة من المصاغ وثلاثين ألف دينار غير
الثياب والآلات.
ووصل السلطان محمد وأخوه سنجر إلى النهروان، وكان بركيارق مريضاً
فعبروه إلى الجانب الغربي، ودخل محمد وسنجر بغداد في الخامس والعشرين
من جمادى الآخرة، وقطعت خطبة بركيارق وخطب لمحمد في الديوان، ونصبت
مطردان، وقام الخطيب فخطب له، ونزل محمد بدار المملكَة، وسنجر بدار سعد
الدولة، ووصل بركيارق إلى واسط، ونهب عسكره، فقصد إليه القاضي أبو علي
الفارقي فوعظه، وسأله منع العسكر من النهب، ثم سار نحو الجبل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ، أبومنصور سمع الحديث من
الجوهري، وأبي الطيب الطبري، وتفقه عليه وعلى ابن عمه أبي نصر بن
الصباغ، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد اللّه الدامغاني سنة ست وستين،
وكان ينوب في القضاء بربع الكرخ عن القاضي أبي محمد الدامغاني، وولي
الحسبه بالجانب الغربي، وكان فاضلاً في الفقه، وكان يصوم الدهر، ويكثر
الصلاة.
وتوفي في محرم هذه السنة.
أسعد بن مسعود بن علي بن محمد بن إبراهيم العُتْبِيّ من ولد عتبة بن
غزوان: من أهل نيسابور، ولد سنة أربع وأربعمائة، وسمع من أبي بكر
الحيري، وأبي سعيد الصيرفي، وعبد الغافر الفارسي، وغيرهم، وكان في
شبابه يتصرف في الأعمال، ثم ترك العمل وتاب، وتزهد ولزم البيت، وأملى
الحديث مدة.
وتوفي في هذه السنة بنيسابور.
سعد بن علي بن الحسن بن القاسم، أبو منصور العجلي من أهل أسداباذ،
انتقل إلى همذان، وكان مفتيها. سمع ببغداد من أبي الطيب الطبري، وأبي
طالب العشاري، وأبى أسحاق البرمكي، والقزويني، والجوهري، وسمع بمكة،
والمدينة، والكوفة، وغيرهما.
عبد اللّه
بن الحسن بن أبي منصور، أبو محمد الطبَسيّ جال الأقطار، وسمِع من
الشيوخ الكثير، وخرّج لهم التخاريج، وكان أحد الحفاظ، ثقة صدوقاً
عارفاً بالحديث ورعاً، حسن الخلق.
وتوفي في هذه السنة بمرو الروذ.
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد النويري، الزاز السرخسي نزيل مرو، ولد في
سنه إحدى أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع الحديث من خلق كثير، وأملى
ورحل إليه الأئمة والعلماء، وكان حافظاً لمذهب الشافعي، وكان متديناً
ورعاً محتاطاً في مطعمه، ورأى رجل في المنام رسول اللّه صلى الله عليه
وسلم فقال له: قل له أبشر فقد قَرُب وصولك إليّ وأنا أنتظر قدومك، رأى
ذاك ثلاث ليال، ثم جاءه فبشره، فعاش بعد ذلك سنتين، وتوفي في هذه
السنة.
عزيزي بن عبد الملك بن منصور، أبو المعالي الجيلي القاضي، يلقب:
شَيْذَله: ولي القضاء بباب الأزج، وسمع الحديث من جماعة، وكان شافعياً
لكنه كان يتظاهر بمذهب الأشعري، وكانت فيه حدة وبذاءة لسان، توفي في
صفر هذه السنة، ودفن في مقبرة باب أبرز مقابل تربة الشيخ أبي إسحاق،
وسُر أهل باب الأزج بوفاته.
فإنه سمع يوماً رجلاً يقول: مَنْ وجد لنا حماراً؟ فقال: يدخل باب الأزج
ويأخذ مَنْ شاء. وقال يوماً بحضرة نقيب النقباء طراد: لوحلف حالف أنه
لا يرى إنساناً فرأى أهل باب الأزج لم يحنث، فقال النقيب: أيها الثالب،
مَنْ عاشر قوماً أربعين صباحاً صار منهم.
محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق، أبو الفضائل
الربعي الموصلي تفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث من أبي الطيب
الطبري، وأبي إسحاق البرمكي، وأبي القاسم التنوخي، وابن غيلان،
والجوهري، وغيرهم، وكتب الكثير، وروى عنه أشياخنا، وقال عبد الوهاب
الأنماطي: كان فقيهاً صالحاً فيه خير.
توفي في صفر هذه السنة، ودفن بالشونيزي.
محمد بن أحمد بن محمد، أبوطاهر الرَحَبي سمع الحديث الكثير، وكتب وكان
صالحاً، وتوفي في المحرم من هذه السنة، ودفن بمقبرة جامع المنصور.
قال أبو المواهب ابن فرجية المقرىء: رأيته في المنام وكأنه قد صرَّ من
شفته أو لسانه شيء، فقلت له في ذلك، فقال: لفظة من حديث رسول اللهّ صلى
الله عليه وسلم غيرتها برأي، ففُعِلَ بي هذا.
محمد بن أحمد بن عيسى بن عباد الشُّروطِيّ، أبو بكر من أهل الدينور، ثم
انتقل إلى. همذان، ودخل بغداد فسمع أبا إسحاق البرمكي، وكان فقيهاً
فاضلاً صدوقاً زاهداً و توفي في نصف صفر.
محمد بن الحسن، أبوعبد اللهّ الراذاني نزيل أوانا كان فقيهاً مقرئاً من
الزهاد المنقطعين والعباد الورعين له كرامات. سمع من القاضي أبي يعلى
وغيره وبلغني أن ولداً له صغيراً طلب منه غزالاً وألح عليه فقال له يا
بني غداً يأتيك غزال.
فلما كان الغد، جاء غزال فوقف على باب الشيخ وجعل يضرب بقرنيه الباب
إلى أن فتح له ودخل فقال الشيخ لإبنه أتاك الغزال.
توفي أبوعبد اللّه في جمادى الأولى من هذه السنة.
محمد بن علي بن المحسن، أبو الحسن بن أبي القاسم التنوخي قبل قاضي
القضاة أبو عبد اللهّ شهادته في سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.
وتوفي في شوال هذه السنة وانقرض بيته.
محمد بن علي بن عبيد اللّه بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان، أبو
نصر الموصلي القاضي قدم بغداد في سنة ثلاث وسبعين ومعه جزء فيه أربعون
حديثاً عن عمه أبي الفتح، وهي التي وضعها زيد بن رفاعة الهاشمي وجعل
لها خطبة فسرقها أبو الفتح بن ودعان عم أبي نصر هذا وحذف خطبتها وركب
على كل حديث شيخاً الى شيخ الذي روى عنه ابن رفاعة وقد روى أبو نصر هذا
أحاديث غيره والغالب على حديثه المناكير والموضوع. توفي بالموصل في
ربيع الآخر من هذه السنة.
محمد بن منصور، أبو سعد المستوفي، شرف الملك
من أهل
خوارزم وكان جليل القدر. وكان يتعصب لأصحاب أبي حنيفة وهو الذي بنى
المدرسة الكبيرة بباب الطاق وبنى القبة على قبر أبي حنيفة، وبنى مدرسة
بمرو ووقف فيها كتباً نفيسة، وبنى أربطة في المفاوز وعمل مصالح كثيرة،
ثم ترك الأشغال وكان الملوك يصدرون عن رأيه، ولم يتنعم أحد تنعمه ولا
راعى أحد نفسه في مطعمه ومشربه ومركبه، حتى إنه كان يشرب ماء خوارزم
بأصبهان ويزعم أنه يمرئه وأنه عليه نشأ، وكان يأكل حنطة مرو ببلاد
الشام وهي أجود الحنطة، وبذل لجلال الدولة ملكشاه مائة ألف دينار حتى
عز له عز الأشراف، وكانت خاتون الجلالية قد قسطت على أرباب الأموال
مالاً فقسطت عليه جملة وافرة نوبتين، فقال لبعض من يدخل إليها: اعلم أن
الذي أخذ مني لا يؤثر عنديَ، فإن لي ذخائر جمة وجميع ذلك كسبته في
أيامهم وأن لم يعلموا بأن ما أخذ مني لم يغير حالي واستوحشوا مني وأسأل
أن تعرفها أنني الخادم الذي لم يغيره حال، وأن مالي بين أيديهم فأخبرت
خاتون بذلك، فاسترجحت عقله وأمن بذلك من ضرر.
توفي أبو سعد في جمادى الآخرة من هذه السنة بأصبهان.
محمد بن منصور بن النسوي المعروف بعميد خراسان ورد بغداد في زمن طغرلبك
وحدث عن أبي حفص عمر بن أحمد بن مسرور وكان كثير الرغبة في الخير بنى
بمرو مدرسة ووقفها على أبي بكر بن أبي المظفر السمعاني وأولاده فهم
فيها إلى الآن وبنى مدرسة بنيسابور وفيها تربته.
توفي في شوال هذه السنة.
محمد بن المبارك بن عمر، أبو حفص، ابن الخرقي القاضي المحتسب. كان
حافظاً للقرآن صارماً في حسبته ولي الحسبة سنة ثلاث وسبعين، وكان
المتعيشون يخافونه ومنع قوام الحمامات أن يمكنوا أحداً يدخل بغير مئزر،
وتهددهم على ذلك بالإشهار.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة.
مؤيد الملك بن نظام الملك كان قد أشار على السلطان محمد بطلب السلطنة،
فلما تم له ذلك استوزره فبقي سنة وأحد عشر شهراً، ثم كانت وقعة بين
محمد وبركيارق فأسر مؤيد الملك وقتل في جمادى الآخرة من هذه السنة، وقد
قارب عمره خمسين سنة.
نصر بن أحمد بن عبد الله بن النظر، أبو الخطاب البزار القارىء ولد سنة
ثمان وسبعين وثلثمائة سمع ابن رزقويه، وأبا الحسين بن بشران، وأبا محمد
عبداللّه بن عبيد الله البيع وهو آخر من حدث عنهم، وعمر حتى صار إليه
الرحلة من الأطراف وانتشرت عنه الرواية، وكان شيخاً صالحاً صدوقاً صحيح
السماع، حدثنا عنه أشياخنا.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة خمس وتسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أنه في يوم الخميس سادس محرم قبض على الكيا أبي الحسن
علي بن محمد المدرس بالنظامية، فحمل إلى موضع أفرد له، ووكل به جماعة،
وذلك أنه رفع عنه إلى السلطان محمد بأنه باطني، فتقدم بالقبض عليه
فتجرد في حقه أبو الفرج بن السيبي القاضي، وأخذ المحاضر، وكتب أبو
الوفاء بن عقيل خطه له بصحة الدين، وشهد له بالفضل وخوطب من دار
الخلافة في تخليصه فاستنقذ.
وفي يوم الثلاثاء حادي عشر المحرم: جلس المستظهر لمحمد وسنجر واجتمع
أرباب المناصب في التاج ونزل كمال الدولة في الزبزب وأصعد إلى دار
المملكة فاستدعاهما فنزلا في الزبزب، وكان الطيار قد شعث وغاب وهو الذي
انحدر فيه والدهما جلال الدولة أبو الفتح ملكشاه إلى دار الخلافة حين
جلس له المقتدي بأمر الله، وانحدر فيه طغرلبك حين جلس له القائم بأمر
اللّه، وهذا الطيار كان لجلال الدولة أبي طاهر بن بويه، وأنفق عليه
زائداً على عشرة آلاف دينار، وأهداه للقائم وجددت عمارته في سنة سبع
وأربعين وتسعث في أيام المقتدي، فجددت عمارته وحط إلى دجلة، فكان للناس
في تلك الأيام من الفرجة بدجلة عجائب ثم هدم.
فنزلا في
الزبزب فانحدرا إلى دار الخلافة ومعهما الحشر، وقد شهروا للسلام وقدم
لهما مركوبان من مراكب الخليفة وبين يديهما أمراء الأجناد، وكان على
كتف المستظهر البردة المحمدية وفي يده القضيب، ودخلا فقبلا الأرض فأمر
الخليفة كمال الدولة بإفاضة الخلع عليهما، وعقد الخليفة لوائين بيده
وكانت الخلع على محمد سيفاً وطوقاً وسواداً وسيفاً ولواء، وقبل بين يدي
السلطان خمسة أرؤس خيلاً بمراكب، أحدها مركب صيني وبين يدي الآخر
ثلاثة، فوعظهما الخليفة وأمرهما بالتطاوع، وقرأ عليهما " واعتصموا بحبل
الله جميعاً ولا تفرقوا " ثم انصرفا.
فلما كان يوم السبت منتصف محرم خرج سنجر متقدماً لأخيه قاصداً ممالكه
بخراسان، وخرج محمد يوم الأربعاء تاسع عشر المحرم فارجف يوم الجمعة
حادي عشرين المحرم بدنو السلطان بركيارق فأمر الخليفة كمال الدولة
وأمراء بالمضي إلى محدم وسنجر وإعادتهما، فلقي محمداً فرده وفاته سنجر،
وعزم الخليفة على النهوض لنصرة السلطان محمد وأمر بالاحتراز
والاستعداد، وجمع السفن فبذل السلطان محمد القيام بهذه الخدمة وأنه
يكفيه عناية النهوض، ودخل سيف الدولة صدقة الى الخليفة فتقدم بتطويعه
وقال: إن الخليفة يعضد بك بالصارم العضب.
وخرج السلطان محمد، ثامن عشر المحرم، فسار إلى النهروان وبعث الخليفه
إليه من أعلمه أنه قد ولاه ما وراء بابه، وأرسل سعادة الخادم ومعه
منجوق وأخرج معه أبو علي الحسن بن محمد الاستراباذي الحنفي وأبو سعد بن
الحلواني ليكونا مع السلطان محمد في جميع مواقفه، ويعلما الناس أن
الإمام قد ولاه ما وراء بابه فلحقوه بالدسكرة ثم التقى هو وبركيارق وآل
الأمر إلى الصلح على أن يكون لسلطان بركيارق ومحمد الملك، وأن يضرب له
ثلاث نوب، وجعل له من البلاد جنزة وأعمالها وآذربيجان وديار بكر وديار
مضر وديار ربيعة، وهذه البلاد تؤدي ألف ألف دينار وثلثمائة ألف دينار
وبضعة عشر ألف دينار ثم لم يف محمد فعوود، وجرى عليه المكروه.
وفي رجب: قبل قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني شهادة أبي الحسين وأبي
خازم ابني القاضي أبي يعلى بن الفراء.
وفي هذه السنة: قدم إلى بغداد أبو المؤيد عيسى بن عبد اللّه الغزنوي
ووعظ في الجامع وأظهر المذهب الأشعري ومال معه صاحب المخزن ابن الفقيه
فوقعت فتنة وجاز يوماً من مجلسه ماضياً إلى منزله برباط أبي سعد
الصوفي، فرجم من مسجد ابن جردة فارتفع بذلك سوقه وكثر أصحابه، وخرج من
بغداد في ربيع الآخر سنة ست وتسعين، كفانت إقامته سنة وبعض اخرى.
وفي رابع رمضان: استوزر للمستظهر أبو المعالي الأصفهاني، وعزل في رجب
سنة ست وتسعين، واعتقل في الحبس أحد عشر شهراً ثم أطلق.
وفي العشرين من رمضان، قبض على أبي المعالي هبة اللّه بن المطلب، ورتب
مكانه أبو منصور نصر بن عبد اللّه الرجي، ثم قبض عليه في السنة الآتية
وأعيد أبو المعالي بن المطلب.
وفي ذي القعدة: وقعت نار بنهر معلى فأحرقت ما بين درب سرور إلى درب
المطبخ طولًا وعرضاً، وكان سببها أن بعض الكناسين وضع سراجه في أصل
شريجة قصب فأكلها فاحترقت أموال عظيمة.
وفي ذي الحجة بعث كتاب من الخليفة إلى صدقة، وقد لقب بملك العرب.
وفي ذي الحجة: قتل رجل امرأة لسيده الذي يخدمه على هدي منه لها، وذلك
أنها ضررته في سيده فقتلها وأمكنه أن يهرب فلم يفعل، ونادى: يا معشر
الناس أما فيكم من يقتلني فإني قتلت هذه المرأة ولا عذرلي في مقامي
بعدها، قالوا: إنّا نخاف من هذه السكين التي بيدك، فأقى إليهم السكين
فحملوه إلى باب النوبي، فأقر بالقتل فأحضر زوج المرأة معه إلى رحبة
الجامع، فأعطي سيفاً فضرب به رأس القاتل وأبانه أذرعاً في ضربة واحدة.
وفي هذه السنة: عمر صدقة بن منصور الحلة، وإنما كان ينزل هو وأبوه في
البيوت القريبة.
وفيها جرى لجكرميش - وكان من مماليك جلال الدولة ملكشاه، ثم صارت
الجزيرة والخابور بيده - أن جماعة من السواد أتوه يشكون من عمالهم،
فعمل دعوة اشتملت على ألف رأس من الغنم والبقر وغير ذلك من الدجاج
والحلواء، ولم يحضر الخبز ثم دعا وجوه العسكر فعجبوا إذ لم يروا خبزاً،
وقالوا: ما السبب في هذا؟ فقال: الخبز إنما يجيء من الزرع، والزرع إنما
يكون بعمارة السواد، وقد أضررتم بأهل اقطاعكم فاستغلوه الآن أنتم بتحصل
الطعام، فعملوا بالتوصية وتابوا.
وفي هذه
السنة: عم الرخص كثيراً ببغداد في الطعام وفي الفواكه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الأعز وزير السلطان بركيارق، قتلته الباطنية بباب أصبهان.
الحسن بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الفضل، أبوعلي الكرماني الشرقي
الصوفي: رحل في طلب الحديث، وعني بجمعه وسمع الكثير، وكان فيه دين
وعبادة وزهد يصلي بالليل، لكنه روى ما لم يسمع فأفسد ما سمع، وكان
المؤتمن أبو نصر يقول: هو كذاب.
توفي هذه السنة وقد جاوز السبعين.
محمد بن أحمد بن عبد الواحد، أبو بكر الشيرازي يعرف بابن الفقير: شيخ
صالح، سمع أبا القاسم بن بشران، وروى عنه شيخنا عبد الوهاب، وقال: كان
يخرب قبر أبي بكر الخطيب، ويقول: كان كثير التحامل على أصحابنا يعني
الحنابلة، إلى أن رأيته يوماً وأخذت الفأس من يده، وقلت: هذا كان رجلًا
حافظاً إماماً كبير الشأن وتوّبته فتاب ولم يعد.
وتوفي في محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
- محمد بن محمد بن عبد العزيز النحاس، أبو الفرج قاضي العراق: وُلد سنة
ست عشرة وأربعمائة، وولي القضاء سنة أربع وستين.
توفي في هذه السنة.
محمد بن هبة اللّه، أبو نصر البندنيجي الضرير الشافعي: قرأ على أبي
إسحاق الشيرازي، ومضى إلى مكة فأقام مجاوراً بها أربعين سنة متشاغلًا
بالعبادة والتمريس والفتيا ورواية الحديث.
أنشدنا أبو نصر أحمد بن محمد الطوسي، قال: أنشدني أبو نصر محمد بن هبة
اللّه البندنيجي:
عدمتك نفس ما تملي بطالتي ... وقد مراخواني وأهل مودتي
أعاهد ربي ثم أنقض عهده ... وأترك عزمي حين تعرض شهوتي
وزادي قليل لا أراه مبلّغي ... أللزاد أبكي أم لطول مسافتي
أبو القاسم، صاحب مصر، الملقب المستعلي: توفي في ذي الحجة ورتب مكانه
ابنه أبوعلي وسنه سبع سنين ولقب الآمر بأحكام الله.
ثم دخلت
سنة ست وتسعين، وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أنه لما انهزم السلطان محمد من الوقعة التي كانت بينه
وبين بركيارق دخل أصبهان، وكان فيها جماعة قد استحلفهم فقوي جأشه بهم،
ورم البلد وجدد عمارة، سور القلعة، وأقبل بركيارق في خمسة عشر ألفَاَ
فحاصره وعدد أصحاب محمد قليل، فضاقت الميرة على محمد، فقسط على أهل
البلد على وجه القرض فأخذ مالاً عظيماً ثم عاود عسكره الشغب، فأعاد
التقسيط بالظلم والعذاب، وبلغ الخبز عشرة أمناء بدينار، ورطل لحم بربع
دينار، ومائة منأ تبناً بأربعة دنانير، وقلعت أخشاب المساجد وأبواب
الدكاكين، هذا والقتال على أبواب البلد، وينال صاحب محمد يحرق الناسِ
بالمصادرة، وعسكر بركيارق في رخص كثير، ثم إن محمداً خرج في أصحابه
سراً من بعض أبواب البلد فلم يصبح إلا على فراسخ، فندب بركيارق من
يطلبه، فلحقه إياز وقد نزل لضعف خيله من قلة العلوفة فبعث إلى إياز
يقول له: بيننا عهد ولي في عنقك إيمان، فقال: امض في دعة اللّه، فقال:
خيلي ضعيفة فبعث إليه فرساً، وبغلة وأخذ علمه، وثلاثة أفراس محملة
دنانير وأسر من أصحابه أميرين، وعاد إياز فأخبر بركيارق. فلم يسره
سلامة أخيه.
وفي صفر: لقب أبو الحسن الدامغاني بتاج الإسلام مضافاً إلى قاضي
القضاة.
وفي يوم الاثنين ثالث عشرين ربيع الأول: أعيدت الخطبة لبركيارق فخطب في
الديوان، ثم تقدم إلى الخطباء في السابع والعشرين من هذا الشهر، بأن
يقتصروا على ذكر الخليفة، ولا يذكروا أحداً من السلاطين المختلفين.
ثم التقى السلطان محمد وبركيارق في يوم الأربعاء في جماى الآخرة، فوقعت
الحرب بينهما فانهزم محمد إلى بعض بلاد أرمينية على أربعين فرسخاً من
الوقعة، ثم سار منها إلى خلاط ثم عاد إلى تبريز، ومضى بركيارق إلى
زنجان، ثم وقع بينهما صلح.
وكان سيف
الدولة صدقة يحافظ على الخطب لمحمد، فجاء في ربيع الآخر إلى نهر الملك،
ثم نزل بالعلويين، فخرج إليه العلويون يسألونه الامان لبلدهم، فأجاب
وبعث الخليفة إليه يخبره بانزعاج الناس، فلم يلتفت ونقل أهل بغداد من
الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي بالحريم، ومن الحريم إلى دار الخليفة،
وبلغ الخبز ثلاثة أرطال بقيراط، واستبيح السواد وافتضت الأبكار، وبعث
الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن وأبا نصر بن الموصلايا إلى سيف الدولة،
فلما قربا قدم لهما مركوبين من مراكبيه وقام لهما واحترمهما وأجاب
بالطاعة لأمير المؤمنين، ونهض من خيمته وأنفذ لهما دراريج مشوية، وقال:
هذه صدناها، فلم يتناول قاضي القضاة شيئاً من الطعام واعتذر بأنه لا
يأكل في سفره ما يحوجه إلى البروز لحاجة، ثم سار وسار معه سيف الدولة
إلى صرصر، وعانقه لما ودعه ورجع.
وفي رمضان: خلع على زعيم الرؤساء أبي القاسم علي بن محمد بن محمد بن
جهير واستوزره المستظهر، ودخل ينال صاحب السلطان محمد إلى بغداد، وأفسد
القرى وقسط عليها وأكثر الظلم، فروسل بقاضي القضاة فعرفه قبح الظلم
وحرمة الشهر، فزاده ذلك عتواً وجاء العيد، فصلى بالحسبة وأمر بضرب
البوقات والطبول عند دار العميد بقصر ابن المأمون، واحتبس سفناً وصلت
للخليفة فقرر عليها شيء يعطاه، ثم أصعد إلى أوانا فنهب الدنيا وعاث
أقبح عيث، ثم آل أمر ينال إلى أن هرب من السلطان، ثم آل أمره إلى أن
قتل. وتقدم بنقض السوق التي استجدها جلال الدولة ملكشاه بالمدينة
المعروفة بطغرلبك، وكانت مرسومة بالصباغين بعد خروجه والسوق التي كان
بها البزازون أيام دخوله، والمدرسة التي بنتها تركان خالون وكانوا قد
أنفقوا على ذلك الأموال الجمة فنقض ذلك كله.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن علي بن عبد اللّه بن سوار، أبو طاهر المقرىء: ولد سنة اثنتي
عشرة وأربعمائة، وكان ثقة ثبتاً مأموناً إماماً في علم القراآت، وصنف
فيها كتباً وسمع الحديث الكثير.
وتوفي في يوم الأربعاء رابع شعبان، ودفن عند قبر معروف.
أحمد بن محمد بن أحمد بن حمزة، أبوالحسين الثّقفِيّ: ذى أنه من ولد
عروة بن مسعود الثقفي ولد قبل سنة ثلاثين وأربعمائة، ودخل بغداد في
شبيبته، وسمع أبا القاسم التنوخي، وأبا محمد الجوهري، وتفقه على أبي
عبد اللّه الدامغاني. روى عنه شيخنا عبد الوهاب قال: وكان خيراً، ثقة.
محمد بن الحسن، أبوسعد البَردَاني الحنبلي كان من الفقهاء. توفي في
محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن عبيد اللّه بن حمد بن أحمد بن كادش، أبو ياسر العكبري الحنبلي
المفيد: سمع قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي وغيره، ونسخ وكان مفيد
بغداد، وروى عنه شيخنا أبو القاسم السمرقندي وغيره. وتوفي في صفر هذه
السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.، أبو المعالي الصالح سكن باب الطاق، وكان
مقيماً بمسجد. هناك معروف به إلى اليوم، سمع وعظ ابن أبي عمامة فتاب
وتزهد.
حدثني أبو القاسم ابن قسامي الفقيه، قال: حدثني أبو الحسن ابن بالان،
وكان ثقة قال: حدثني أبو المعالي الصالح، وحدثني مسعي بن شيرا زاد
المقرىء،، قال: سمعت أبا المعالي الصالح، يقول: ضاق بي الأمر في رمضان
حتى أكلت فيه ربعين باقلى، فعزمت على المضي إلى رجل من ذوي قرابتي أطلب
منه شيئاً، فنزل طائر فجلس على منكبي، وقال: يا أبا المعالي أنا الملك
الفلاني لا تمض إليه نحن نأتيك به فبكر الرجل إليّ.
حدثني أبو محمد عبد اللّه بن علي المقرىء، قال: كان أبو المعالي لا
ينام إلا جالساً، ولا يلبس إلّا ثوباً واحداً شتاء كان أوصيفاً، وكان
إذا اشتد البرد عليه يشد المئزر بين كتفيه، قال: وكنت يوماً عنده فقيل
له: قد جاء سعد الدولة شحنة بغداد، فقال: أغلقوا الباب، فجاء فطرق
الباب، وقال: ها أنا قد نزلتَ عن دابتي، وما أبرح حتى يفتح لي، ففتح له
أفدخل، فجعل يوبخه على ما هو فيه، وسعد الدولة يبكي بكاء كثيراً،
فانفرد بعفض أصحابه وتاب على يده.
توفي أبوالعالي في هذه السنة، ودفن قريباً من قبر أحمد.، أبو المظفر
الخُجَنْدِي الفقيه الشافعي الممرس بأصفهان، وينسب إلى المهلب بن أبي
صفرة قتله علوي بالري في الفتنة بين السنة والشيعة، وقتل العلوي.
السيدة بنت القائم بأمر اللّه، أمير المؤمنين
كانت
زوجة. طغرلبك أول ملوك السلجوقية، وكانت كثيرة الصدقة توفيت في هذه
السنة وحملت إلى الرصافة في الزبزب، وجلس للعزاء بها ببيت النوبة.
ثم دخلت
سنة سبع وتسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أن الافرنج اجتمعوا بالشام فحاربهم المسلمون فقتلوا
منهم اثني عشرألفاً، ورجعوا غانمين.
وفي يوم الحادي والعشرين من المحرم: وقعت منارة واسط، وكان حامد بن
العباس قد ابتناها للمقتدر في سنة أربع وثلثمائة، وكان أهل واسط
يفتخرون بها وبقبة الحجاج، ولما وقعت المنارة لم يهلك تحتها أحد،
وارتفع في واسط من البكاء والعويل ما لا يكون لفقد آدمي.
وفي هذه السنة: كانت الشرطة قد تركت من الجانب الغربي لاستيلاء
العيارين عليه، وكانت الشحن تعجز عن العيارين فلا يقع بأيديهم إلّا
الضعفاء فيأخذون منهم ويحرقون بيوتهم فرد إلى النقيبين إلى أبي القاسم
باب البصرة، وجميع محال أهل السنة، وإلى الرضا الكرخ ورواضعه فانكف
الشر، ثم عاد وتأذى الناس بالشحنة، وكان قد عول على النهب فاجتمع الناس
إلى الديوان شاكين، فقرر مع النقيبين تقسط ألفي دينار ومائتي دينار
منها على الكرخ خمسمائة والباقي على سائر المحال، فأهلك ذلك الضعفاء،
وقرر على أهل التوثة. أربعون ديناراً فأسقط عنهم النقيب عشرة، فلم
يقدروا. على أداء الباقي فقصدوا الأماكن يستجبون الناس، فدخلوا على ابن
الشيرازي البيع، فتصدق عليهم بدينار، وكانوا أهل قرآن وتدين وصلاح.
وفي هذه السنة: وقع الصلح بين محمد وبركيارق، وكان السبب أن بركيارق
بعث القاضي أبا المظفرالجرجاني وحمد بن عبد الغفار سفيرين بينه وبين
أخيه في الصلح، فجلس الجرجاني واعظاً، وحضر السلطان محمد فذكر ما أمر
اللّه تعالى به من اصلاح ذات البين والنهي عن قطيعة الرحم، فأجاب محمد
إلى الصلح وحلف كل واحد من الأخوين يميناً لصاحبه على الوفاء، وذكر لكل
واحد من البلاد ما يخصه، ووصل الخبر إلى بغداد، فخطب لبركيارق في
الديوان، ثم خطب له في الجوامع وقطعت خطبة محمد.
وفي هذه السنة: أخرج أبو المؤيد عيسى بن عبد اللّه الغزنوي الواعظ
ببغداد لغلبته على قلوب الناس، وتوفي باسفرائين.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الحسين بن الحداد المستعمل، أبوالمعالي: سمع الجوهري،
والعشاري، وتوفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من ربيع الآخر، ودفن
بمقبرة باب حرب.
أحمد بن علي بن الحسين بن زكريا، أبو بكر الطُّرَيْثيثيّ المعروف بابن
بهذا المقرىء الصوفي.
ولد في شوال سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، حدث عن أبي الحسن الحمامي، وأبي
علي بن شاذان وغيرهما وتتلمذ في التصوف إلى أبي سعيد بن أبي الخير شيخ
الصوفية بنيسابور، وكان صيتاً يؤذن كل ليلة على سطحِ رباط أبي سعيد
الصوفي، فيسمع صوته في جانبي بغداد، وكان سماعه صحيحاً كثيراً، فأفسد
سماعه بأن روى ما لم يسمع وادعى أنه سمع من أبي الحسن ابن رزقويه، وما
يصح ذلك.
قال شجاع بن فارس: حال الطريثيثي في الضعف أشهر من أن يخفى، أجمع الناس
على ضعفه، قال شيخنا عبد الوهاب: كان مخلطاً، قال شيخنا أبو القاسم
السمرقندي: دخلت على الطريثيثي وكان يقرأ عليه جزء من حديث أبي الحسين
بن رزقويه، فقلت: متى ولدت. فقال في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، قلت:
ففي هذه السنة توفي ابن رزقويه، ثم قمت فاخرجت وفيات الشيوخ بخط أبي
الفضل ابن خيرون فحملت إليه، وإذا فيه مكتوب:اتوفي أبو الحسن ابن
رزقويه سنة اثنتي عشرة، فأخذت الجزء من يده وقد سمعوا فيه، فضربت على
السماع، فقام ونفض سجادته وخرج من المسجد. قال شخينا بن ناصر: كان
كذاباً.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، ودفن بباب حرب.
أحمد بن بندار بن إبراهيم، أبو ياسر البَقّال الدينوري حدث ببغداد،
وكان ثقة، وروى عنه أشياخنا.
وتوفي في يوم الأربعاء خامس عشر رجب، ودفن بباب أبرز.
أحمد بن محمد بن علي،أبوبكر القَصّار، ابن الشبلي سمع أبا عبد اللهّ
الحسين بن محمد بن الحسن الخلال، روى عنه شيخنا أبو القاسم ابن
السمرقدني. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
إسماعيل بن علي بن الحسين بن علي، أبو علي الجَاجَرمِيّ الأصم
من أهل
نيسابور، ولد سنة ست وأربعمائة وسمع أبا سعيد البصروي، وأبا عثمان
الصابوني، وأبا عبد الله بن باكويه وغيرهم، ورد بغداد فسمع منه شيخنا
أبو القاسم السمرقندي، وكان واعظاً زاهداً حسن الطريقة.
توفي في محرم هذه السنة، ودفن في مشهد محمد بن إسحاق بن خزيمة.
إسماعيل بن محمد بن عثمان بن أحمد، أبو الفرج القومساني من أهل همذان،
سمع بهمذان من أبيه وجده وجماعة، وورد بغداد فسمع بها من أبي الحسين بن
المهتدي، وأبي محمد الصريفيني، وجابر بن ياسين، وابن النقور، وابن
البسري وغيرهم. وكان حافظاً حسن المعرفة بالرجال والمتون، صدوقاً ثقة
أميناً ديناً تاركاً للخوض فيما لا يعنيه.
وتوفي ني محرم هذه السنة.
أزدشير بن منصور، أبو الحسن العبادي الواعظ سمع بمرو ونيسابور من
جماعة، وقدم بغداد فسمع ابن خيرون وقد ذكرنا قدومه إلى بغداد ونفاقه
على أهلها في حوادث سنة ست وثمانين، وخرج من بغداد. فتوفي بمرو في غرة
جمادى الأولى من هذه السنة.
الحسين بن علي بن أحمد بن محمد ابن البسري، أبوعبيد اللهّ ولد سنة عشر
وأربعمائة، وروى عن أبي محمد بن عبد الجبار السكري، وهو آخر من حدث
عنه، سمع منه في سنة أربع عشرة وأربعمائة.
وتوفي ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن في مقبرة جامع
المنصور.
عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن، أبومسلم السِّمَناني سمع أبا علي بن
شاذان، وروى عنه أشياخنا، وتوفي يوم الثلاثاء تاسع المحرم ودفن
بالشونيزية.
علي بن عبد الرحمن بن هارون بن عبد الرحمن، أبو الخطاب، ابن الجراح ولد
سنة عشر وأربعمائة. وحدث، وأقرأ ببغداد، وكان من أهل الفضل والأدب،
وكان من أهل البيوتات المعروفة في الرياسة، وصنف قصيدتين في القرا آت،
وسمى إحداهما بالمكملة، والآخرى بالمبعدة روى عنه أشياخنا.
توفي سحرة يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة، ودفن بمقبرة باب أبرز عند
أبي إسحاق الشيرازي.
العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا، أبو سعد الكاتب نال من الرفعة في
الدنيا ما لم ينله أبناء جنسه، فإنه ابتدأ في خدمة دار الخلافة في أيام
القائم سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، فخدمها خمساً وستين سنة، وأسلم
في سنة أريع وثمانين، وناب عن الوزارة في أيام المقتدي وأيام المستظهر
نوباً كثيرة، وكان كثير الصدقة كريم الفعال حسن الفصاحة، وبدل على
فصاحته وغزارة علمه ما كان ينشئه من مكاتبات الديوان والعهود.
وحكى بعض أصحابه، قال: شتمت يوماً غلاماً لي فوبخني، وقال: أنت قادر
على تأديب الغلام أو صرفه فأما الخنا والقذف فإياك والمعاودة له فإن
الطبع يسرق من الطبع، والصاحب يستدل به على المصحوب.
توفي في هذه السنة فجأة.
محمد بن أحمد بن عمر، أبو عمر النهاوندي الحنفي بصرى ولد سنة عشر
وأربعمائة، وقيل سنة سبع. وولىِ القضاء بالبصرة مدة، وكان فقيهاً
عالماً. سمع من جماعة. منهم: أبو الحسن الماوردي.
توفي في صفر هذه السنة بالبصرة.
ثم دخلت
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
فمن الحوداث فيها: أن بركيارق توجه إلى بغداد، فمرض بيزدجرد فخلع على
ولده ملكشاه، وأسند وصيته إلى إياز ومات فقصد إلى بغداد واجلس الصبي
على التخت وله من عمره أربع سنين وعشرة أشهر، ومضى إليه الوزير أبو
القاسم ابن جهير وخدمه كما كان يخدم أباه بمحضر من إياز. ثم انفصل إياز
إلى مكان من روشن دارالمملكة حتى قصده الوزير وخدمه خدمة مفردة، وكان
إياز هو المستولي على الأمور، ونزل إياز دار سعد الدولة ببغداد، وحضر
من أصحابه الديوان قوم فطالبوا بالخطبة، فخطب له بالديوان بعد العصر،
وخوطب بجلال الدولة، وخطب له يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى في جوامع
بغداد، ونثر عند ذكره الدراهم والدنانير، وكان سيف الدولة قد ظاهر هذا
العسكر بالعداوة وجمع خمسة عشر ألف فارس، فنفذ إليه إِياز هدايا، فبعث
في جوابها ثلاثة آلاف دينار على ما هو عليه، وعلم إياز بقرب السلطان
محمد فخيم بالزاهر، وشاور أصحابه فقووا عزمه على الثبات، وكان أشدهم في
ذلك ينال، فقال له وزيره المسمى بالصفي: كلهم أشار بغير الصواب وإنما
الصواب مصالحة السلطان محمد.
فلما كان
يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى قصد الأتراك نهر معلى وجمعوا السفن
من المشارع إلى معسكرهم بالزاهر، فلما كان يوم الجمعة ثاني عشرين جمادى
الأولى نزل السلطان محمد الرملة. وانزعج أهل بغداد وخافوا امتداد
الفساد، فركب إياز حتى أشرف. على معسكر محمد، فوقع في نفسه الصلح
فاستدعى وزيره الصفي وأمره بالعبور إلى السلطان محمد، وأن يصالحه،
وقال: إني لوظفرت لم يسكن صدري على نفسي والصواب أن أغمد سيوف الإسلام
المختلفة.
فعبر وزيره واجتمع بالوزير سعد الملك أبي المحاسن وحضرا بين يدي
السلطان محمد فأدى الصفي رسالة صاحبه واعتذر عما جرى منه بسابق القدر،
فوافق من السلطان قبولًا، وعبر ابن جهير والموكب إلى محمد فلقوه وحضر
الكيا الهراسي، فتولى أخذ اليمين المغلظة على السلطان محمد، وأمن
الناس، وعمل إياز دعوه للسلطان محمد في دار سعد الدولة، فحضر السلطان
وخدمه بغلمان أتراك بالخيِول والأسلحة الظاهرة وبجواهر نفيسة منها
الجبل البلخشي الذي كان لمؤيد الملك بن نظام الملك.
واتَفق أن الأتراك مازحوا رجلَاَ فالبسوه سلاحأ وخفاً وقميصه فوق ذلك
ونالوه بأيديهم، فدنا من السلطان فسأل عنه، فأخبر أن تحت قميصه سلاحاً
فاستشعر ونهض من مكانه.
فلما كان يوم الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة استدعى السطان الأمراء سيف
الدولة وإياز وغيرهما، فحضروا فخرج إليهم الحاجب، وقال: السلطان يقول
لكم بلغنا نزول الأمير أرسلان بن سليمان بديار بكر وينبغي أن يجتمع
آراؤكم على من يتجهز لقتاله، فقال الجماعة: هذا أمر لا يصلح إلّا
للأمير إياز، فقال إياز: ينبغي أن اجتمع مع سيف الدولة ونتعاضد على
ذلك، فخرج الحاجب، فقال: السلطان يقول لكما قوما فادخلا لتقع المشورة
ها هنا، فدخلا إليه وقد رتب أقواماً لقتل إياز، فلما دخل إياز بادره.
أحدهم بضربة أبان بها رأسه، وأما سيف الدولة فغطى وجهه بكمه، وأما
الوزير سعد الملك فأظهر أنّه أخذته غشية، وأخرج إياز مقتولًا في زلي
ورأسه مقطوع على صدره، فألقي بإزاء دار السلطان، وركب عسكر إياز إلى
داره فنهبوها، وجمع بين بدنه ورأسه قوم من المطوعة، وكفنوه في خرقة خام
وحملوه إلى مقبرة الخيزران.
وفي ثاني عشر رجب: أزيل الغيار عن أهل الذمة الذي كانوا ألزموه في سنة
أربع وثمانين، ولا يعرف سبب زواله.
وفي هذا الشهر: مضى ابن جهير في الموكب فخلع على السلطان محمد، وقصد
دار وزيره سعد الملك، وحمل إليه من دار الخليفة الدست والدواة والخلع.
وفي هذا الشهر قصد الوزير سعد الملك المدرسة النظامية، وحضر تدريس
إلكيا الهرّاسي بها ليرغّب الناس في العلم.
وأنفذ السلطان محمد إلى الوزير الزعيم الخلع الكاملة فلبسها في
الديوان، وأنفذ إلى كل واحد من الديوان تختاً من الثياب، وجاء سعد
الملك إلى دار الزعيم مسلماً وزائراً.
وفي شعبان: خرج السلطان محمد من بغداد ورتب البرسقي شحنة العراق وفوض
العمارة إلى محمد بن الحسن البلخي ورد أمر واسط إلى سيف الدولة صدقة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد، أبوعلي البَرَدَاني الحافظ ولد في سنة
ست وعشرين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم الأزجي، وأبا الحسن القزويني،
وأبا طالب بن غيلان، والبرمكي، والعشاري والجوهري، واستملى له خلقاً
كثيراً، وكتب الكثير، وسمع الكثير، وأول سماعه في سنة ثلاث وثلاثين عن
أبي طالب العشاري، وكان ثقة ثبتاً صالحاً.
وتوفي في ليلة الخميس حادي عشرين شوالى، ودفن بمقبرة باب حرب.
إياز الأمير قد ذكرنا قتله في، الحوادث.
بركيارق السلطان ابن ملكشاه، أبوالمظفر. أرادت أم محمود بن ملكشاه من
السلطان أن ينص على ابنها محمود، فعرفه نظام الملك ما في ذلك من الخطر،
فنص على بركيارق، وكان ذلك سبباً لقتل نظام الملك، وورد بركيارق إلى
بغداد ثلاث. مرات، وقطعت خطبته بها ست دفعات.
توفي في ربيع الأول من هذه السنة، وهو ابن أربعة وعشرين سنة وشهرين
بعلة السل والبواسير.
ثابت بن بنذار بن إِبراهيم بن الحسن بن بندار البقال، أبو المعالي يعرف
بابن الحمامي
وهو من
أهل باب خراسان، ولد سنة ست عشرة وأربعمائة، وسمع أبا الحسن بن رمة،
وأبا بكر البرقاني، وأبا علي بن شاذان في خلق كثير. وحدث وأقرأ، وكان
ثقة ثبتاً صدوقاً، حدثنا عنه أشياخنا آخرهم ولده يحيى.
وكان أبو بكر بن الخاضبة يقول: ثابت ثابت، وقال شيخنا عبد الوهاب: كان
ثقة مأموناً ديناً كيساً خيراً.
توفي في ليلة الأحد ثالث عشرين جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب
قريباً من قبر القاضي أبي يعلى.
عيسى بن عبداللّه بن القاسم، أبو المؤيد الغَزْنَوي كان واعظاً شاعراً
كاتباً، ورد بغداد فسمع. السراج بن الطيوري، ووعظ بها. ونفق ونصر مذهب
الأشعري، فأخرج من بغداد فخرج في السنة التي قبل هذه، وقيل في هذه
السنة، وربما قيل في السنة التي بعدها، خرج يقصد غزنة فتوفي في الطريق
باسفرائين.
محمد بن أحمد بن محمد بن قيداس، أبوطاهر الحطاب ولد في رمضان سنة عشر
وأربعمائة، وسكن التوثة، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا محمد الخلال،
وغيرهما. روى عنه أشياخنا.
وتوفي في محرم هذه السنة، ودفن في الشونيزية.
محمد بن أحمد بن ابراهيم، بن سلفة بن أحمد الأصفهاني كان شيخا صالحاً
عفيفاً، حدث عن أبي الخطاب نصر بن النظر، وأبي الحسين بن الطيوري،
وغيرهما.
وتوفي في هذه السنة.
محمد بن علي بن الحسن بن أبي علي الصقر، أبو الحسن الواسطي سمع الحديث
ورواه وتفقه على أبي اسحاق الشيرازي، وقرأ الأدب، وقال الشعر، وكان
ظريفاً. روى عنه شيخنا أبو الفضل بن ناصر.
ومن أشعاره اللطفية:
من قال لي جاه ولي حشمة ... ولي قبول عند مولانا
ولم يعد ذاك بنفع على ... صديقه لا كان من كانا
توفي في هذه السنة بواسط.
ثم دخلت
سنة تسع وتسعين وأربعمائة
فمن الحوادث فيها أنه ظهر في المحرم رجل بسواد نهاوند ادعى النبوة،
وتبعه خلق من الرستاقية، وباعوا املاكهم ودفعوا إليه أثمانها، وكان يهب
جميع ما معه لمن يقصده، وسمى أربعة. من أصحابه أبا بكر وعمر وعثمان
وعلي، وكان يدعي معرفة النجوم والسحر، وقتل بنهاوند.
وخرج رجل من أولاد ألب أرسلان فطلب السلطنة، فقبض عليه فكان بين مدة
خروجه واعتقاله شهران، فكان أهل نهاوند يقولون: خرج عندنا في مدة شهرين
مدع للنبوة، وطالب للملك واضمحل أمرهما أسرع من كل سريع.
وفي النصف من رجب وهو نصف شباط: توالت الغيوم، وزادت دجلة حتى قيل أنها
زادت على سنة الغرق.
وهلكت في هذه السنة الغلات، وخربت دور كثيرة وانزعج الخلق، فلما أهل
رضان نقص الماء، وقدر في هذه الزيادة أمر عجيب، وذلك أن نقيب النقباء
أبو القاسم الزينبي أشرفت داره بباب المراتب على الغرق، فأقام سميريات
ليصعد فيها إلى باب البصرة، فتقدمت منهن سفينة فيها تسع جوار لهن أثمان
ومعهن صبية أراد أهلها زفافها في هذه الليلة على زوجها، فأشفقوا فيها
على الغرق فحملوها معهن، فلما وصلت السفينة مشرعة الرباط غرقت بمن
فيها، فأمسك النقيب من الإصعاد وتسلى بمن بقي عمن مضى، وأقامت أم
الصبية عليها المأتم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
سهل بن أحمد بن علي الأرغياني، أبوالفتح الحاكم وأرغيان قرية بنواحي
نيسابور. سمع الحديث الكثير وتفقه، وكان حافظاً للمذهب، وعلق أصول
الفقه على الجويني، وناظر ثم ترك المناظرة وبنى رباطاً ووقف عليه
وقوفاً، وتشاغل بقراءة القرآن، وأدام التعبد.
وتوفي في محرم هذه السنة.
عمر بن المبارك بن عمر، أبو الفوارس ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة،
وقرأ القرآن، وسمع الحديث من أبي القاسم بن بشران، وأبي منصور السواق،
وأبي الحسن القزويني وغيرهم، وأقرأ السنين الطويلة وختم القرآن عليه
ألوف من الناس. وروى الحديث الكثير، فحدثنا عنه ابن بنته أبو محمد
المقري، وكان من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين حتى إنه كان له ورد
بين العشائين يقرأ فيه سبعاً من القرآن قائماً وقاعداً، فلم يقطعه مع
علو السن.
وتوفي ضحى
نهار يوم الأربعاء سادس عشر المحرم عن سبع وسبعين ممتعاً بسمعه وبصره
وعقله، وأخرج من الغد فصلى عليه سبطه أبو محمد في جامع القصر، وحضر
جنازته ما لا يحد من الناس، حتى إن الأشياخ ببغداد كانوا يقولون: ما
رأينا جمعاً قط هكذا لا جمع ابن القزويني ولا جمع ابن الفراء، ولا جمع
الشريف أبي جعفر، وهذه الجموع التي تناهت إليها الكثرة وشغل الناس ذلك
اليوم وفيما بعده عن المعاش، فلم يقدرأحد من نقاد الباعة في ذلك
الأسبوع على تحصيل نقده.
وقال لي أبو محمد سبطه: دخل إلي رجل بعد رجوعي من قبر جدي، فقال لي:
رأيت مثل هذا الجمع قط؟ فقلت: لا، فقال لي: ذاك من ها هنا خرج، يشير
إلى المسجد ويأمرني فيه بالاجتهاد.
ورئي أبو منصور في النوم، فقيل له: ما فعل اللّه بك. ففال: غفر لي
بتعليم الصبيان فاتحة الكتاب.
محمد بن عبد الله بن يحيى أبو البركات، ابن الشيرجي، وبابن الوكيل
المقرىء ولد يوم الجمعة العشرين من رمضان سنة ست وأربعمائة، وقرأ
القرآن على أبي العلاء الواسطي وغيره، وسمع الحديث من أبي القاسم بن
بشران وغيره، وتفقه على أبي الطيب الطبري سنين، وسكن الكرخ، وروى عنه
أشياخنا، وكان يتهم بالاعتزال.
وتوفي يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الأول من هذه السنة، ودفن في مقبرة
الشونيزي.
محمد بن عبيد اللّه بن الحسن بن الحسين، أبو الفرج البصري قاضي البصرة،
سمع من علماء البصرة، ثم ورد بغداد فسمع أبا الطيب الطبري، وأبا القاسم
التنوخي، وأبا الحسن الماوردي، وأبا محمد الجوهري، وغيرهم. وسمع
بالكوفة والأهواز وبواسط وغيرها، وكان يعرف الآداب، سمع من أبي القاسم
الرقي، وابن برهان، وله فصاحة ومحفوظ كثير، وكان ممن يخشع قلبه عند
الذكر ويبكي، وكانت له مروءة تامة.
توفي بالبصرة في محرم هذه السنة.
محمد بن محمد بن الطيب، أبوالفضل الصًبّاغ ولد في في الحجة سنة عشرين
وأربعمائة، وسمع أبا القاسم بن بشران، وحدثنا عنه أشياخنا.
وتوفي يوم السبت غرة ربيع الأول، ودفن بباب حرب.
مهارش بن مجلي، أبو الحارث. صاحب الحديثة، وهو الذي أكرم القائم بأمر
اللّه، وفعل معه الجميل الذي قد سبق ذكره حين خرج القائم بأمر اللّه،
من داره يوم فتنة البساسيري وكان كثير الصلاة والصدقة، محباً للخير،
فبلغ ثمانين سنة.
توفي في هذه السنة.
ثم دخلت
سنة خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في سابع المحرم، دخل صبي إلى بيت أخته فوجد عندها
رجلاً، فقتلها وهرب، وكان ذلك بالنَصرية، فركب الشحنة، وخرب المحلة.
وفي يوم عاشوراء:. قتل فخر الملك أبو المظفر بن نظام الملك، وهو أكبر
أولاده، قتله باطني على وجه الاغتيال، وكان فخر الملك قد رأى في ليلة
عاشوراء التي قتل فيها الحسين عليه السلام، وهو يقول له: عجل إلينا
والليلة أفطر عندنا. فانتبه مشفقاً من ذلك فشجعوه وأمروه أن لا يبرح
يومه هذا من داره، وكان صائماً فلما صار وقت العصر، خرج من حجرة كان
فيها إلى بعفض دور النساء، فسمع صوت متظلم بحرقة، وهو يقول: ذهب
المسلمون ما بقي من يكشف ظلامة ولا من يأخذ لضعيف حق، ولا من يفرج عن
ملهوف، فقال: أدنوه مني فقد عمل كلامه في قلبي، فلما أتوه، قال: ما
حالك. فدفع إليه رقعة، فبينما هو يتأملها ضربه بسكين في مقتله فقضى
نحبه، وكان ذلك بنيسابور وهو يومئذ وزير سنجر فقرر فأقر على جماعة من
أصحاب فخر الملك أنهم ألفوه وكذب عليهم، وإنما كان باطنياً يريد أن
يقتل بيده وسعايته فقتل من عين عليه، وكانوا برآء ثم قتل هو بعد ذلك.
وفي رابع عشر صفر: خرج الوزير أبو القاسم علي بن جهير من داره بباب
العامة إلى الديوان على عادته، فلما استقر في الديوان وصل إليه أبو
الفرج بن رئيس الرؤساء وبهج وشافهاه بعزله، فانصرف إلى داره ماشياً،
ومشيا معه، وكان سيف الدولة صدقة قد قرر أمره لما رد إلى الوزارة أنه
متى تغير الرأي فيه عزل مصونَاً، فقصد دار سيف الدولة بعد عزله، وهو
يقول في الطريق: أمنك اللّه يا سيف الدولة يوم الفزع الأكبر كما
أمنتني. فأقام بدار سيف الدولة إلى أن نفذ إليه قوماً من الحلة، فخرج
معهم هو وولده وأصحابه.
وكانت مدة
وزارته ثلاث سنين وخمسة أشهر وأياماً وكان قد استفسد في وزارته هذه
قلوب جماعة. عليه منهم: قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني، وصاحب المخزن
أبو القاسم ابن الفقيه. وأمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة، وكان
في ذلك عبرة من جهة أن أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض دور الجانب الغربي
وباب محول على يدي صاحب الشرطة أبي الغنائم بن إسماعيل، وكان هذا
الشرطي يأخذ أكثر ذلك لنفسه ويحتج بعمارة هذه الدار ولا يقدر الضعفاء
على منعه، فكانت عاقبة الظلم الخراب وذهاب الأموال، فلما عزل استنيب
قاضي القضاة أبو الحسن، وجعل معه أبو الحسين بن رضوان مشاركاً له
وجالساً إلى جانبه، ثم استدعي إلى حضرة الخلافة يوم الثلاثاء سابع عشر
ربيع الأول أبو المعالي هبة اللّه بن محمد بن المطلب، فكلمه بما شد
أزره وشافهه بالتعويل عليه وتقدم بإفاضة الخلع عليه، فخرج إلى الديوان،
وقرأ أبو الحسين بن رضوان عهده وهو من إئشاء ابن رضوان.
وفي هذا اليوم استدعى أبوالقاسم بن الحصين صاحب المخزن إلى باب الحجرة
فخلع عليه هناك إبانة لمحله، ورفعاً لمنزلته.
وفي ثالث شعبان: قبض السلطان على وزيره أبي المحاسن وصلبه بظاهر أصبهان
مع جماعة من أعيان الكتاب، واستوزر نظام الملك أبا نصر أحمد بن نظام
لملك.
وفي ذي القعدة عول في ديوان الزمام على أبي الحسن علي بن صدقة، وخلع
عليه، ولقب عميد الدولة.
وفي هذه السنة. رتب أبو جعفر عبد الله الدامغاني حاجب الباب، ولقب
بمهذب الدولة، وخلع عليه فخلع الطيلسان، وقد كان إليه القضاء بربع
الطاق وقطعة كبيرة من البلاد نيابة عن أخيه، فشق ذلك على أخيه لكونه
قاضي القضاة.
وفي آخر ذي الحجة: وصل إلى بغداد رأس أحمد بن عبد الملك. بن عطاش، ورأس
ولده معه، وهو متقدم الباطنية بقلعة أصفهان، وهذه القلعة بناها السلطان
جلال الدولة ملكشاه، وسبب بنائه لها أنه ورد عليه بعض متقدمي الروم،
وأظهر الإسلام فخرج معه في بعض الأيام للصيد فهرب منه كلب معروف بجودة
العدو إلى الجبل، فصعد السلطان وراءه وطاف في الجبل حتى وجده، فقال له
الرومي: لو كان هذا الجبل عندنا لبنينا عليه قلعة ينتفع بها ويبقى
ذكرها، فثبت هذا الكلام في قلبه فبناها وأنفق عليها ألف ألف ومائتي ألف
دينار، فكان أهل أصفهان يقولون حين ابتلوا بابن عطاش: انظروا إلى هذه
القلعة كان الدليل على موضعها كلب، والمشير ببنائها كافر، وخاتمة أمرها
هذا الملحد.
ولما رجع هذا الرومي إلى بلده، قال: إني نظرت إلى أصفهان وهو بلد عظيم
والإسلام به ظاهر فلم أجد شيئاً اشتت به شملهم غير مشورتي: على السلطان
ببناء هذه القلعة.
ولما مات السلطان آل أمرها إلى الباطنية، فاستولى عليها ابن عطاش اثنتي
عشرة سنة فلما سيقت المماللك للسلطان محمد اهتم بأمر الباطنية، فنزل
بهذه القلعة، فحاصرها سنة فأرسلوا إليه أن ينفذ إليهم من يناظرهم،
فأنفذ فلم يرجعوا، ثم ضاق الأمر بهم فاذعنوا بالطاعة فاخرجهم إلى أماكن
التمسوها ونقضها في ذي القعدة من هذه السنة، وقتل رئيسها ابن عطاش
وسلخه، وقتل ابنه وألقت زوجته نفسها من أعلى القلعة ومعها جوهر نفيس،
فهلكت وما معها.
وكان هذا ابن عطاش في أول أمره طبيباً، فأخذ أبوه في أيام طغرلبك لأجل
مذهبه، فأراد قتله فأظهر التوبة ومضى إلى الري، وصاحب أبا علي
النيسابوري وهو متقدمهم هناك وصاهره وصنف رسالة في الدعاء إلى هذا
المذهب سماها " العقيقة " . ومات في سواد الري، فمضى. ولده إلى هذه
القلعة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد، أبو الفتح الحداد الأصفهاني ابن أخت أبي
القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن مندة. ولد سنة ثمان وأربعمائة، وسمع
من خلق كثير، روى عنه شيخنا عبد الوهاب فاثنى عليه ووصفه بالخيرية
والصلاح، وكان من أهل الثروة.
وتوفي في رجب هذه السنة باصبهان.
جعفر بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن السراج، أبو محمد القارىء
ولد سنة
ست عشرة وأربعمائة، قرأ القرآن بالقراآت وأقرأ سنين، وسمع أبا علي بن
شاذان، وأبا محمد الخلال، والبرمكي، والقزويني وخلقاً كثيراً، وسافر
إلى بلاد الشام ومصر، وسمع بدمشق وطرابلس، وخرج له الخطيب فوائد في
خمسة أجزاء، وتكلم على الأحاديث، وكان أديباً شاعراً لطيفاً صدوقاً
ثقة، وصنف كتباً حساناً وشعره مطبوع، وقد نظم كتباً كثيرة شعراً فنظم
كتاب " المبتدأ " ، وكتاب " مناسك الحج " ، وكتاب " الخرقى " ، وكتاب "
التنبيه " وغيرها، حدثنا عنه أشياخنا، وآخر من حدث عنه شهدة بنت
الأبري، قرأت عليها، كتابه المسمى " بمصارع العشاق " بحق سماعها منه.
ومن أشعاره:
بان الخليط فأدمعي ... وجداً عليهم تستهل
وحدا بهم حادي الفرا ... ق عن المنازل فاستقلوا
قل للذين ترحلوا ... عن ناظري والقلب حلوا
ودمي بلا جرم أتي ... ت غداة بينهمُ استحلوا
ماضرهم لو أنهلوا ... من ماء وصلهمُ وعلوا
أنبأنا أبو المعمر الأنصاري، قال: أنشدنا جعفر ابن السراج لنفسه في مدح
أصحاب الحديث:
قل للذين بجهلهم ... أضحوا يعيبون المحابر
والحاملين لها من ال ... أيدي بمجتمع الأساور
لولا المحابر والمقا ... لم والصحائف والدفاتر
والحافظون شريعة ال ... مبعوث من خير العشائر
والناقلون حديثه ع ... ن كابر ثبت وكابر
لرأيت من شيع الضلا ... ل عساكراً تتلوعساكر
كل يقول بجهله ... والله للمظلوم ناصر
سميتهم أهل الحديث ... أولي النهى وأولي البصائر
حشوية فعليكمُ ... لعن يزيركمُ المقابر
هم حشو جنات النعيم ... على الأسرة والمنابر
رفقاء أحمد كلهم ... عن حوضه ريان صادر
كان جعفر السراج صحيح البدن لم يعترِهِ في عمره مرض يذكر، فمرض أياماً.
وتوفي ليلة الأحد العشرين من صفر هذه السنة، ودفن بالمقبرة المعروفة
بالأجمة من باب أبرز.
سعد بن محمد، أبو المحاسن. وزير السلطان محمد، صلبه السلطان على ما سبق
ذكره.
عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن عبد الواحد، أبو محمد الشيرازي
الفارسي سمع الحديث الكثير وتفقه، ولاه نظام الملك التدريس بمدرسته
ببغداد سنة ثلاث وثمانين، فبقي بها مدة يدرس ويملي الحديث إلَّا أنَّه
لم يكن له أنس بالحديث، فكان يصحف تصحيفاً ظريفاً، فحدثهم بالحديث الذي
فيه: " صلاة في أثر صلاة كتاب في عليين " ، فقال: " كنار في غلس " .
فقيل: ما معنى هذا؟ فقال: النارفي الغلس تكون أضوأ.
توفي في رمضان هذه السنة.
علي بن نظام الملك قتل يوم عاشوراء وهو ابن ست وستين سنة وذكرنا في
الحوادث كيف كان ذلك.
محمد بن إبراهيم، أبوعبد اللّه الأسدي ولد بمكة سنة احدى وأربعمائة،
ونشأ بالحجاز ولقي أبا الحسن التهامي في صباه فتصدى لمعارضته، ثم خرج
إلى اليمن ثم توجه إلى العراق واتصل بخدمة الوزير أبي القاسم المغربي،
ثم عاد إلى الحجاز ثم سافر إلى خراسان.
ومن بديع شعره.
قلت ثقلت إذ أتيت مراراً ... قال ثقلت كاهلي بالأيادي
قلت طولت قال لابل تطولت ... وأبرمت قال حبل الوداد
توفي بغزنة في عاشر محرم هذه السنة.
محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن البغدادي، أبوغالب الباقلاوي ولد سنة
احدى وأربعمائة، وسمع أبا عبد الله المحاملي، وأبا علي بن شاذان، وأبا
بكر البرقاني، وأبا العلاء الواسطي وغيرهم. حدثنا عنه أشياخنا، وهو من
بيت الحديث، وكان شيخاً صالحاً كثير البكاء من خشية الله تعالى، صبوراً
على اسماع الحديث.
وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة ودفن بمقبرة باب حرب.
المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم بن أحمد، أبو الحسين الطيوري
الصيرفي.، ابن الحمامي
ولد في
ربيع الأول سنة احدى عشرة وأربعمائة، وسمع أبا علي بن شاذان، وأبا
الفرج الطناجيري، وأبا الحسن العتيقي، وأبا محمد الخلال. وانحدر إلى
البصرة فسمع بها، وكان مكثراً صالحاً أميناً صدوقاً متيقظاً، صحيح
الأصول، صيناً ورعاً، حسن السمت، كثير الصلاة، سمع الكثير ونسخ بخطه
ومتعة اللّه بما سمع حتى انتشرت عنه الرواية. حدثنا عنه أشياخنا وكلهم
أثنوا عليه ثناءً حسنَاً وشهدوا له بالصدق والأمانة مثل عبد الوهاب
وابن ناصر وغيرهما، وذكرعن المؤتمن أنه كان يرميه بالكذب وهذا شيء ما
وافقه فيه أحد.
وتوفي في منتصف ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب، أبو الكرم النحوي سمع الحديث من
أبي الطيب الطبري، والجوهري وغيرهما. وكان مقرئاً في النحو، عارفاً
باللغة، غير أن مشايخنا جرحوه؟ كان شيخنا أبو الفضل ابن ناصر سيء الرأي
فيه يرميه بالكذب والتزوير، وكان يدعي سماع ما لم يسمعه.
توفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
يوسف بن علي، أبوالقاسم الزَنْجَاني الفقيه تفقه علي أبي اسحاق، وبرع
في الفقه، وكان من أهل الدين.
أنبأنا أبو المعمر الأنصاري، قال: سمعت أبا القاسم يوسف بن علي
الزنجاني، يقول سمعت شيخنا أبا إسحاق بن علي ابن الفيروز اباذي، يقول:
سمعت القاضي أبا الطيب يقول: كنا في حلقة النظر بجامع المنصور فجاء شاب
خراساني فسأل مسألة المصراة وطالب بالدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي
هريرة الوارد فيها، فقال الشاب وكان خبيثاً: أبو هريرة غير مقبول
الحديث، قال القاضي: فما استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف
الجامع فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب من يدها فلم ير لها أثر.
توفي يوسف في صفر هذه السنة، ودفن عند أبي حامد الاسفرائيني.
ثم دخلت
سنة إحدى وخمسمائة
فمن الحواث فيها: أنه جددت الخلع المستظهرية في أول المحرم على الوزير
أبي المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب، ووصل إلى الخليفة وشافهه بما
رفع قدره ولم يصل معه إلَأ أبو القاسم بن الحصين صاحب المخزن.
وفي ربيع الآخر: دخل السلطان محمد إلى بغداد واصطاد في طريقه صيداً
كثيراً، وبعث أربع جمازات عليها أربعون ظبياً هدية إلى دار الخلافة،
وكان على الظباء وسم السلطان جلال الدولة ملكشاه فإنه كان يصيد الغزلان
فيسمها ويطلقها.
ومضى الوزير أبو المعالي في الموكب لخدمة السلطان وحمل معه شيئاً من
ملابس الخليفة، وأخرج مجلداً بخط الخليفة يشتمل على دعاء رواه العباس،
عن النبي صلى الله عليه وسلم فقام السلطان فدعا وشكر هذا الاهتمام،
وانصرف الوزير وصاحب المخزن إلى دار نظام الملك وقد كان حاضراً أداء
الرسالة إلى السلطان لكنه سبق إلى داره، فأدى الوزير رسالة عن الخليفة
تتضمن مدح بيته وسلفه، فقام وقبل الأرض ودعا وشكر، وخرج السلطان إلى
مشهد أبي حنيفة فدخل فاجتمع إليه الفقهاء، فقال: هذا يوم قد انفردت فيه
مع الله تعالى فخلوا بيني وبين المكان، فصعدوا إلى أعاليه، فأمر غلمانه
بغلق الأبواب، وأن لا يمكنوا الأمراء من الدخول، وأقام يصلي ويدعو
ويخشع، وأعطاهم خمسمائة دينار، وقال: اصرفوا هذه في مصالحكم وادعوا لي.
ومرض نحو عشرة من غلمانه الصغار، فبعث بهم المتولي لامورهم إلى
المارستان، فلما علم بعث مائة دينار فصرفت في مصالح المكان، وخرج يوماً
فرأي الفقهاء حول داره وهم نحو من أربعمائة، فأمر بكسوتهم جميعاً،
وحملت إليه قسي بندق فلما رآها قال: قد ذكرت بها شيخاً من الأتراك قد
تعطل فأتوه به فأعطاه ثلاثين ديناراً، وكان أصحابه لا يظلمون أحداً ولا
يتعرضون بأذى، ولقد جاء بعض الصبيان الأتراك إلى بعض البيادر فقال:
بيعوني تبناً، فقالوا: التبن عندنا مبذول للصادر والوارد فخذ منه ما
أحببت، فأبى، وقال: ما كنت لأبيع رأسي بمخلاة تبن فإن أخذتم ثمن ذلك
وإلَأ انصرفت، فباعوه بما طلب، ثم كثر الفساد فعاثوا وصعب ضبطهم.
وكان صدقة
بن مزيد قد باين هذا السلطان، وكان السبب أن سرخاب الديلمي عصى على
السلطان فاستجار بصدقة، فطلبه فامتنع من تسليمه، فسار السلطان إليه وآل
الأمر إلى الحرب، وصار مع صدقة أكثر من عشرين ألفاً فالتقوا وكانت
الوقعة في رجب، فصف صدقة عسكره فجعل في ميمنته ابنه دبيس، وسعيد بن
حميد ومعهما خفاجة وجماعة من الأكراد، وفي مقابلتهم من العسكر السلطاني
البرسقي والسعدية. وكان في ميسرته ابنه بدران ومعه عبادة بأسرها، وفي
مقابلتهم من العسكر السلطاني الأمير أحمد بك وجماعة من الأمراء، وكان
سيف الدولة في قلب عسكره ومعه سرخاب الديلمي، وأبو المكارم حماد بن أبي
الجبر، فأما خفاجة وعبادة فلزمت مواضعها وحمل قلب عسكر سيف الدولة وحمل
معهم فحصلت خيولهم في الطين والماء، وكانت الأتراك تخرج من أيديهم في
رمية واحدة عشرة آلاف نشابة، وتقاعد عن صدقة جماعة من العرب فصاح صدقة:
يال خزيمة، يال ناشرة، يال عوف، وجعل يقول: أنا تاج الملوك، أنا ملك
العرب، فأصابه سهم في ظهره وأدركه غلام اسمه بزغش من السعدية أحد أتباع
الأتراك الواسطيين، وهو لا يعرفه، فجذبه عن فرسه فسقطا إلى الأرض
جميعاً، فقال له صدقة - وهو بارك بين يديه يلهث لهثاً شديداً: ارفق.
فضربه فرمى قحفه ثم حز رأسه وحمله، وانهزم أصحابه وأسر منهم حماد بن
أبي الجبر، ودبيس بن صدقة، وسرخاب الديلمي الذي نشأت الفتنة بسببه،
وأخذ دبيس فحلف على خلوص النية، وأطلق وزادت القتلى على ثلاثة آلاف،
وأخذ من زوجته خمسمائة دينار وجواهر، وكانت الوقعة بعد صلاة الجمعة
تاسع عشر رجب.
وفي رمضان: عزل أبو سعد ابن الحلواني عن الحسبة، وعول على القاضي أبي
العباس ابن الرطبي.
وفي هذا الشهر عزل الوزير ابن المطلب، وعول على نقيب النقباء أبي
القاسم وقاضي القضاة أبي الحسن في النيابة في الديوان والاشتراك في
النظر، وقبض على الوكيل أبي القاسم بن الحصين، وحمل إلى القلعة ثم أعيد
الوزير.
وفي يوم الفطر: عزل مهذب الدولة أبو جعفر ابن الدامغاني عن حجبة الباب،
وأستنيب أبو العز المؤيدي.
وفي ذي الحجة: وقع حريق في خرابة ابن جردة وبقي مقدار منا بين
الصلاتين، وذهب من العقارما تزيد قيمته على ثلثمائة ألف دينار، وتلفت
نفوس كثيرة وتخلص قوم بنقوب نقبوها في سور المحلة، وخرجوا إلى مقابر
باب أبرز، وكان هذا المكان قد احترق في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
وعمره أهله، ثم أتى عليه هذا الحريق، ثم عافى الحريق في عدة أماكن بدرب
القيار وغيره مراراً متوالية فارتاع الناس لذلك وأقاموا على سطوحهم من
يحفظها، ونصب بعضهم الخيم في أعاليها، وذلك في حر شديد، وأعدوا في
السطوح حباب الماء وبقوا على ذلك أياماً حتى تعطلوا عن معايشهم.
وظهر على جارية قوم أحبت رجلًا فوافقته على المبيت في دار مولاها
مستتراً، وعول بأن يأخذ زنفليجة كانت هناك، فلما أخذها طرحا النار
وخرجا، فأظهر اللّه تعالى أمرهما فافتضحا.
وظهر في هذه السنة صبية عمياء تتكلم في أسرار الناس، وبالغ الناس في
التحيل لعلم حالها فلم يعلموا، قال ابن عقيل: وأشكل أمرها على العلماء
والخواص والعوام حتى إنها كانت تسأل عن نقوش الخواتيم وما عليها وألوان
الفصوص وصفات الأشخاص وما في دواخل البنادق من الشمع والطين من الحب
المختلف والخرز، وبالغ أحدهم في ترك يده على ذكره فقيل لها: ما الذي في
يده؟ فقالت: يحمله إلى أهله وعياله. وثبت بالتواتر أن جميع ما يتكلم به
أبوها في السؤال لها: " ما في يد فلان؟ وما الذي قد خبأه هذا الرجل؟ !
فتقول في ذلك تفاصيل لا يدركها البصر، فاستحال أن يكون بينها وبين
أبيها ترجمة لأمور مختلفة.
قال ابن عقيل: ليس في هذا إلأ أنه خصيصة من الله سبحانه كخواص النبات
والأحجار فخصت هذه بإجراء ما يجري على لسانها من غير اطلاع على
البواطن.
قال المصنف رحمه الله: وقد حكى إبراهيم بن الفراء أنه أخذ شيئاً يشبه
الحنطة وليس بحنطة فأخطأت هذه المرة في حزره.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
إبراهيم بن مياس بن مهدي بن كامل، أبوإسحاق القشيري من أهل دمشق، سمع
الكثير وأكثر عن الخطيب وكتب من تصانيفه، وورد بغداد، فسمع من ابن
النقور. وكان ثقة.
وتوفي في شعبان هذه السنة.
إسماعيل بن عمرو بن محمد، أبو سعيد البحيري
من أهل
نيسابور، ومن بيت الحديث، سمع الكثير، وكان ثقة ديناً، وكان يقرأ
الحديث للغرباء، قرأ صحيح مسلم على عبد الغفار عشرين مرة.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة.
أحمد بن عبد اللّه بن منصور القَيْرَوَانّي، أبوبكر توفي في رمضان،
ودفن في باب أحرب، وحدث عن الجوهري وغيره.
حيدرة بن أي الغنائم المعمر بن عبد اللّه، أبو الفتوح العلوي نقيب
الطالبيين وكان عفيفاً متشاغلاً بالعلوم، غزير الأدب، مليح الصورة،
توفي في هذه السنة وعمره ثمان وثلاثون سنة، ومدة ولايته النقابة اثنتا
عشرة سنة وثلاثة أشهر، وولي بعده أخوه أبو الحسن علي.
صدقة بن منصور بن دبيس بن علي بن مزيد، أبو الحسن الأسدي الملقب بسيف
الدولة كان كريماً، ذا ذمام عفيفاً من الزناء والفواحش، كأن عليه
رقيباً من الصيانة، ولم يتزوج على زوجته قط ولا تسرى، وقيل: انه لم
يشرب مسكراً ولا سمع غناء ولا قصد التسوق في طعام، ولا صادر أحداً من
أصحابه، وكان تاريخ العرب والأماجد كرماً ووفاء وكانت داره ببغداد حرم
الخائفين، فلما خرج سرخاب الحاجب عن طاعة السلطان محمد التجأ إليه
فأجاره، ثم طلبه السلطان منه فلم يسلمه، فجاء السلطان محارباً له على
ما سبق ذكره في هذه السنة وهو ابن خمس وخمسين سنة، وكانت إمارته اثنتين
وعشرين سنة غير أيام، وحمل فدفن في مشهد الحسين عليه السلام.
ثم دخلت
سنة اثنتين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه شرع في عمارة جامع السلطان، وأتمه بهروز الخادم،
وفوض إليه السلطان محمد عمارة دار المملكة وملاحظة الأعمال بالعراق،
فحفر السواني وعمر، فرخصت الأسعار، وبنى رباطاً للصوفية قريباً من
النظامية، ومنع النساء أن يعبرن مع الرجال في السميريات، ثم وقع الغلاء
فبيعت الكارة بثمانية دنانير.
وفي هذه السنة: عزل الوزير ابن المطلب في حادي عشرين رجب، وكان أبو
القاسم علي بن جهير باصفهان فاستدعي للوزارة بإذن السلطان، وجلس في
وزارة المستظهر في شوال.
وفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من شعبان: تزوج المستظهر بخاتون بنت
ملكشاه، وكانت الوكالة للوزيرنظام الدين أحمد بن نظام الملك أخي الوزير
أحمد، والخطيب أبوالعلاء صاعد بن محمد الفقيه الحنفي.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن العلوي، أبوهاشم رئيس همذان وكان قد صادره السلطان على تسعمائة
ألف دينار فأداها في نيف وعشرين يوماً، ولم يبع فيها ملكاً ولا عقاراً.
صاعد بن محمد بن عبد الرحمن، أبو العلاء البخاري القاضي من أهل أصبهان،
ولد بها في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وسمع الحديث بها وببغداد ومكة،
وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وبرع حتى صار مفتي البلد، وكان متديناً.
وقتل في الجامع يوم الفطر من هذه السنة.
عبيد اللّه بن علي، أبو إسماعيل الخطبي قاضي اصفهان، قتله الباطنية
بها.
عبد الواحد بن اسماعيل، بن أحمد بن محمد، أبو المحاسن الروياني من أهل
آمل طبرستان، ولد سنة خمس عشرة وأربعمائة، ورحل إلى الأقطار، وعبر ما
وراء النهر، وسمع الحديث، واقتبس العلوم، وتفقه، وكان يحفظ مذهب
الشافعي، ويقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي، وله مصنفات
في المذهب والخلاف.
توفي شهيداً مقتولًا ظلماً يوم عاشوراء هذه السنة بآمل في الجامع يوم
الجمعة.
محمد بن عبد الكريم بن محمد بن خشيش، أبوسعيد الكاتب ولد سنة أربع عشرة
وأربعمائة، وسمعِ أبا علي بن شاذان، وأبا الحسن بن مخلد وغيرهما، وروى
عنه أشياخنا، وكان ثقة خيراً صحيح السماع.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن بباب حرب.
محمد بن عبد القادر بن أحمد بن الحسين، أبو الحسين ابن السماك الواعظ
المعدل. روى عن أبي القاسم الازجي، والتوزي وغيرهم، روى لنا عنه
أشياخنا، وقال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: لا تحل الرواية عنه لأنه كان
كذاباً، ولم يكن عفيفاً في دينه، وكان يكتب بخطه سماعاته على الأجزاء،
وقال: كذلك كان أبوه وجده، ولم يكن في عدالته بمرضي. توفي في رجب هذه
السنة، ودفن في داره بنهر معلى.
هبة اللّه بن أحمد بن محمد بن علي بن إبراهيم بن سعد، أبو عبد اللّه
البَزدَوي الموصلي
ولد سنة
اثنتين وعشرين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم بن بشران وغيره، روى عنه
أشياخنا وكان فاضلًا صالحاً صحيح السماع، عمر حتى انتشرت عنه الرواية،
وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن بسطام الشيباني التَبْرِيزِي، أبو
زكريا أحد أئمة اللغة، كانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة، قرأ على أبي
العلاء وغيره، وتخرج به جماعة من أهل اللغة، وصاحبه الأكبر شيخنا أبو
منصور ابن الجواليقي، وقال شيخنا أبو منصور ابن خيرون: ما كان أبو
زكريا بمرضي الطريقة، قال شيخنا ابن ناصر: ولكنه كان ثقة فيما يرويه.
وصنف التصانيف الكثيرة، وتوفي فجاءة في جمادى الآخر ة من هذه السنة،
وصلى عليه أبو طالب الزينبي، ودفن إلى جانب تربة أبي إسحاق الشيرازي
بباب أبرز.
أنبأنا أبو منصور ابن الجواليقي، قال: أنشدنا أبو زكريا قال: كتب إلي
العميد الفياض:
قل ليحيى بن علي ... والأقاويل فنون
غير أني لست من يك ... ذب فيها ويخون
أنت عين الفضل إن مد ... ت إلى الفضل العيون
أنت من عزبه الفض ... ل وقد كان يهون
فقت من كان واتعب ... ت لعمري من يكون
وإذا قيس بك الكل ... فصحو ودجون
وإذا فتش عنهم ... فالأحاديث شجون
قد سمعنا ورأينا ... فسهول وحزون
ووزنا بك من كا ... ن فقيل وقيون
إنك الأصل ومن دو ... نك في العلم غصون
إنك البحر وأعياني ... ن ذوي الفضل عيون
ليس كالسيف وإن حل ... ى في الحكم الجفون
ليس كالفذ المعلى ... ليس كالبيت الحجون
ليس كالجد وإن آ ... نس هزل ومجون
ليس في الحسن سواء ... أبداً بيض وجون
ليس كالأبكار في اللط ... ف وإن راقتك عون
إن ودي لك عما ... يصم الود مصون
ليس لي منه ظهور ... تتنافى وبطون
بل لقلبي منه صب ... بالمعافاة مكون
غلق الرهن وقد يغ ... لق في الحب الرهون
ومن الناس أمين ... في هواه وخؤون
قال أبو زكريا: فكتبت إليه:
قل للعميد أخي العلا الفياض ... أنا قطرة من بحرك الفياض
شرفتني ورفعت ذكري بالذي ... ألبستنيه من الثنا الفضفاض
إنّي أتيتك بالحصى عن لؤلؤ ... أبرزته عن خاطر مرتاض
ولخاطري عن مثل ذاك توقف ما إن يكاد يجود بالانقاض
أيعارض البحص الغطامط جدول ... أم درة تقتاس بالرضراض
يا فارس النظم المرصع جوهراً ... والنثر يكشف غمة الأمراض
لا تلزمني من ثنائك موجباً ... حقاًفلست لحقه بالقاضي
ولقد عجزت عن القريض وربما ... أعرضت عنه أيما إعراض
أنعم عليّ ببسط عذري إنني ... أقررت عند نداك بالانفاض
ثم دخلت
سنة ثلاث وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أخذ الإفرنج طرابلس.
وفيها: أن الوزير أبا المعالي بن المطلب خرج مستتراً في إزار وخف من
دار الخلافة ومعه ولداه، فنزل دجلة وصعد دار السلطان فاستجار بها.
وفي ربيع الآخر: دخل السلطان بغداد وعزل ابن قضاعة عن عمارة بغداد،
وولي مكانه عميد الدولة بن صدقة أبوعلي.
وفي شعبان: نزل الوزير نظامِ الدين أحمد بن نظام الملك إلى السميرية
فضربه باطني في عنقه بسكين فبقي مريضاً مدة وسلم، وقبض على الباطني
وسقي الخمر فلما سكر أقرعلى جماعة من الباطنية بمسجد في محلة المأمونية
فقتلوا وقتل معهم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن علي أحمد، أبو بكر العلثي
كان فى
حداثته يجصص الحيطان ويتنزه عن عمل النقوش والصور، وكان لا يقبل من أحد
شيئاً عفافاً وقناعة، وكان له عقار قد ورثه من أبيه، وكان يبيع منه
شياً فشياً ويتقوت به، واشتغل بالعبادة، وصحب القاضي أبا يعلى وقرأ
عليه طرفاً من الفقه، وسمع منه الحديث، وحدث عنه بشيء يسير، وكان إذا
حج يزور القبور بمكة ثم يجيء إلى قبر الفضيل فيخط بعصاه الأرض، ويقول:
يا رب ها هنا، فقدرله أن حج في سنة ثلاث وخمسمائة فوقع من الجمل مرتين
وشهد عرفة محرماً، وتوفي عشية ذلك اليوم في عرفات،. فحمل إلى مكة وطيف
به حول البيت، ودفن يوم النحرعند قبر الفضيل، ولما بلغ خبره إلى بغداد
صلى الناس عليه صلاة الغائب فامتلأ الجامع من الناس.
أحمد بن المظفر بن الحسين بن عبد الله بن سوسن، أبو بكرالتمار ولد سنة
إحدى عشرة وأربعمائة روى عنه جماعة، وحدثنا عنه أشياخنا.
قال شجاع بن فارس الذهلي: كان ضعيفاً جداً، قيل له: بماذا ضعفتموه؟
فقال: بأشياء ظهرت منه دلت على ضعفه، منها أنه كان يلحق سماعاته في
الأجزاء.
وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن بباب حرب.
عمر بن عبد الكريم بن سعدويه، أبو الفتيان الدَهِسْتانِي رحل وطلب
الحديث، فدار الدنيا، وخرج على المشايخ وانتخب، وكان ممن يفهم هذا
الشأن، وكان ثقة، سمع أبا يعلى بن الفراء وغيره، وصحح عليه الصحيحين
أبو حامد الغزالي، وتوفي بسرخس في هذه السنة.
محمد ويعرف بأخي حمادي قال المصنف: قرأت بخط أبي شجاع الذهلي مات محمد
ويعرف بأخي حمادي من أهل الجانب الشرقي يوم الخميس سادس محرم سنة ثلاث
وخمسمائة، وكان رجلاً صالحاً كان له مرض شارف منه التلف، فرأى النبي
صلى الله عليه وسلم في منامه فعوفي من ذلك المرض، فانقطع عن مخالطة
الناس، فلزم المسجد نحو أربعين سنة، وكان لا يخرج منه إلا في أيام
الجمعات لصلاة الجمعة، ثم يعود إليه.
وحدثني أبو محمد عبد الله بن علي المقرىء، عن أخي حمادي قال: خرجت في
يدي عيون فانتفخت فأجمع الأطباء على قطعها، فبت ليلة على سطح قد رقيت
إليه، فقلت: في الليل يا صاحب هذا الملك. الذي لا ينبغي لغيره هب لي
شيئاً بلا شيء، فنمت فرأيت رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم في المنام،
فقلت: يا رسول الله يدي انظر إليها فقال: مدها، فمددتها فأمر يده عليها
وأعادها، وقال: قم، فقمت وانتبهت والخرق التي قد شدت بها مخانق، فقمت
في الليل ومضيت إلى باب الأزج إلى قرابة لي، فطرقت الباب، فقالت المرأة
لزوجها: قد مات فلان، تعنيني وظنت أني مخبر قد جاء يخبرها بذلك، فلما
فتحت الباب فرأتني تعجبت ورجعت إلى باب الطاق فرأيت الناس من عند دار
السلطان إلى منزلي خلقاً لا يحصى معهم الجرار والأباريق، فقلت: مالكم؟
فقالوا: قيل لنا إن رجلاً قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا
يتوضأ من بئر، فقلت في نفسي: إن مضيت لم يكن لى معهم عيش، فاختفيت في
الخرابات طول النهار.
قال المصنف: هذا الرجل مدفون في زاوية كانت له بالجانب الشرقي مما يلي
قبر أبي حنيفة، وقد زرت قبره.
هبة اللّه بن محمد بن علي الكرماني، أبوالمعالي بن المطلب الوزير ولد
سنة أربعين وأربعمائة وسمع من أبي الحسين بن المهتدي.
وتوفي يوم الأحد ثاني شوال هذه السنة، ودفن بباب أبرز.
ثم دخلت
سنة أربع وخمسمائة
فمن الحوداث فيها: أنه وصل الخبر بأن الافرنج ملكوا الشام، فقامِ
التجار فمنعوا الخطبة في جامع السلطان، فقال السلطان: لا تعارضوهم،
وبعث عبيداً ومعهم ولد للسلطان.
وخرج شيجنا أبو الحسن الزاغوني إلى الغزاة، ورافقه جماعة فبلغني أنهم
ساروا إلى بعض الأماكن ورجعوا. وجلس الشريف أبو السعادات. ابن الشجري
في حلقة النحويين بجامع المنصور، وحضر عنده الأكابر.
وخرج زين الإسلام أبوسعد الهروي لاستدعاء خاتون بنت ملكشاه زوجة
الخليفة المستظهر، فدخلت بغداد يوم السبت ثامن عشرين رجب من هذه السنة،
ونزلت بدار المملكة عند أخيها السلطان محمد، وزينت بغداد، ونقل جهازها
في رمضان، فكان على مائة واثنين وستين جملاً وسبعة وعشرين بغلًا، وجاءت
النجائب والمهور والجواري المزينات، وغلقت الأسواق، ونصبت القباب،
وتشاغل الناس بالفرح، وكان الزفاف في ليلة العاشر من رمضان.
وجلس أبو
بكر الشاشي يدرس في المدرسة النظامية في شعبان، وحضرعنده وزير السلطان
وأرباب الدولة.
ووصل إلى بغداد حاج خراسان، ثم رحلوا إلى الكوفة، فقيل لهم: إن الطريق
ليس بها ماء، فعادوا ولم يحج منهم أحد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن الكاتب، أبو المكارم، ابن السكري
ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وسمع الأمير أبا محمد الحسن بن علي بن
المقتدر، وروى عنه شيخنا عبد الوهاب الأنماطي.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، ودفن في مقبرة باب حرب.
إسماعيل بن محمد بن عبد الغافر، أبو عبد اللّه بن أبي الحسين الفارسي
من أهل نيسابور المحدث ابن المحدث، ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة،
وسمع من أبي حسان المزكي وغيره. وقدم بغداد فسمع من ابن المهتدي،
والجوهري، وأبي الغنائم ابن المأمون. روى عنه شيخنا البسطامي، وغيره.
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، وهو ابن احدى وثمانين سنة.
إدريس بن حمزة بن علي، أبو الحسن الشامي الرملي العثماني من أهل
الرملة، بلدة من بلاد فلسطين، تفقه على أبي الفتح نصر بن إبراهيم
المقدسي، ثم ببغداد على أبي إسحاق الشيرازي، ودخل إلى بلاد خراسان،
وخرخ إلى وراء النهر، وسكن سمرقند، وفوض إليه التدريس بها إلى أن توفي
في هذه السنة، وكان من فحول المناظرين.
عبد الوهاب بن هبة اللّه بن السيبي، أبو الفرج مؤدب ولد الخليفة
المقتفي روى عنه المقّتفي الحديث، وتوفي يوم السبت عشرين محرم هذه
السنة عند عوده من الحج قبل وصوله إلى المدينة بيوم، وحمل إلى المدينة
فصلي عليه بها، ودفن بالبقيع.
علي بن محمد بن علي، أبوالحسن الطبري الهراسي، إلكيا ولد في ذي القعدة
سنة خمس وأربعمائة، وتفقه على أبي المعالي الجويني، وكان حافظاً للفقه،
كان يعيد الدرس في ابتدائه بمدرسة نيسابور على كل مرقاة من مراقي مسمع
مرة، وكانت المراقي سبعين، وسمع الحديث، وكان فصيحاً جهوري الصوت، ودرس
بالنظامية ببغداد مدة، واتهم برأي الباطنية، فأخذ فشهد له جماعة
بالبراءة من ذلك منهم أبو الوفاء بن عقيل.
وتوفي يوم الخميس غرة محرم هذه السنة، ودفن بمقبرة باب أبرز، عند الشيخ
أبي إسحاق الشيرازي.
ثم دخلت
سنة خمس وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه كان قد بعث السلطان محمد إلى الإفرنج الأمير
مودود في خلق عظيم، فخرج فوصل إلى جامع دمشق، فجاء باطني في زي المكدين
فطلب منه شيئاً فضربه في فؤاده فمات.
وفي ربيع الأول: خلع على ابن الخرزي بباب الحجرة، وخرج إلى الديوان
ونثر عليه دنانير.
ووجد رجل أعمى على سطح الجامع ومعه سكين مسمومة، وذكر أنه أراد وولد
للخليفة ولد من بنت السلطان، وضربت الدبادب والبوقات، وقعد الوزير
للهناء في باب الفردوس وتوفي أخ للمستظهر فقطع ضرب الطبل أياماً وجلس
للعزاء به بباب الفردوس.
وعزل أحمد بن نظام الملك عن الوزارة في تاسع رمضان، وكانت مدة وزارته
أربع سنين وأحد عشر شهراً.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن بن عبد الواحد، ابن الحصين، أبو القاسم صاحب مخزن الخليفة
المستظهر بالله، تمكن من الدولة تمكناً كثيراً، وكان يعزل ويولي من
الوزير إلى من دونه، فقبض عليه السلطان محمد وحمله إلى القلعة بكنجة،
فتوفي في هذه السنة.
علي بن محمد بن علي بن محمد بن يوسف، أبو الحسن ابن العلاف ولد سنة ست
وأربعمائة، وروى عن أبي القاسم بن بشران، وأبي الحسن الحمامي، وغيرهما.
وكان سماعه صحيحاً، ومتع بسمعه وبصره وجوارحه إلى أن توفي في هذه السنة
عن ثمان وتسعين سنة.
عبد الملك بن محمد بن الحسين، أبو محمد البوزجاني سمع أبا الحسن
القزويني، وروى عنه أشياخنا، وكان شيخاً صالحاً.
وتوفي في محرم هذه السنة ودفن في مقبرة باب حرب.
محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد الغزالي
ذكر أنه
ولد سنة خمسين وأربعمائة، وتفقه على أبي المعالي الجويني، وبرع في
النظر في مدة قريبة، وقاوم الأقران وتفقه وتَوحد، وصنف الكتب الحسان في
الأصول والفروع التي انفرد بحسن وضعها وترتيبها وتحقيق الكلام فيها،
حتى إنه صنف في خياة أستاذه الجويني، فنظر الجويني في كتابه المسمى
بالمنخول " ، فقال له: دفنتني وأنا حي هلا صبرت حتى أموت؟ وأراد أن
كتابك قد غطى على كتابي، ووقع له القبول من نظام الملك، فرسم له
التدريس بمدرسته ببغداد، فدخل بغداد في سنة أربع وثمانين ودرس بها
وحضره الأئمة الكبار كابن عقيل وأبي الخطاب، وتعجبوا من كلامه واعتقدوه
فائدة، ونقلوا كلامه في مصنفاتهم، ثم إنه ترك التدريس والرياسة، ولبس
الخام الغليظ، ولازم الصوم، وكان لا يأكل إلّا من أجرة النسخ، وحج وعاد
ثم رحل إلى الشام، وأقام ببيت المقدس ودمشق مدة يطوف المشاهد، وأخذ في
تصنيف كتاب الإحياء في القدس، ثم أتمه بدمشق إلّا أنه وضعه على مذهب
الصوفية، وترك فيه قانون الفقه؟ مثل أنه ذكر في محو الجاه، ومجاهدة
النفس أن رجلاً أراد محو جاهه فدخل الحمام فلبس ثياب غيره ثم لبس ثيابه
فوقها، ثم خرج يمشي على مهل حتى لحقوه فأخذوها منه وسمي سارق الحمام.
وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح لأن الفقه يحكم بقبح هذا،
فإنه متى كان للحمام حافظ وسرق سارق قطع، ثم لا يحل لمسلم أن يتعرض
لأمر يأثم الناس به في حقه.
وذكر أن رجلًا اشترى لحماً فرأى نفسه تستحي من حمله إلى بيته فعلقه في
عنقه ومشى.
وهذا في غاية القبح. ومثله كثير ليس هذا موضعه.
وقد جمعت أغلاط الكتاب وسميته " إعلام الأحياء بأغلاط الإحياء " وأشرت
إلى بعض ذلك في كتابي المسمى " بتلبيس إبليس " مثل ما ذكر في كتاب
النكاح أن عائشة رضي الله عنها قالت: للنبي صلى الله عليه وسلم " أنت
الذي تزعم أنك رسول اللّه، وهذا محال، وإنما كان سبب إِعراضه فيما وضعه
عن مقتضى الفقه أنه صحب الصوفية فرأى حالتهم الغاية، وقال: إني أخذت
الطريقة من أبي علي القارمذي، وامتثلت ما كان يشير به من وظائف
العبادات واستدامة الذكر إلى أن جزت تلك العقبات وتكلفت تلك المشاق وما
حصلت ما كنت أطلبه.
ثم أنه نظرفي كتاب أبي طالب المكي وكلام المتصوفة القمداء فاجتذبه ذلك
بمرة عما يوجبه الفقه، وذكر في كتاب الإحياء من الأحاديث الموضوعة وما
لا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الأحاديث
على من يعرف، وإنما نقل نقل حاطب ليل.
وكان قد صنف للمستظهر كتاباً في الرد على الباطنية، وذكر في آخر مواعظ
الخلفاء، فقال: روي أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم ابعث إلي
من إفطارك، فبعث إليه نخالة مقلوة، فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم
أفطر عليها، وجامع زوجته فجاءت بعبد العزيز، فلما بلغ ولد له عمر بن
عبد العزيز.
وهذا من أقبح الأشياء؟ لأن عمر ابن عم سليمان، وهو الذي ولاه فقد جعله
ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئاً أصلاً.
وكان بعض الناس شغف بكتاب الإحياء فأعلمته بعيوبه، ثم كتبته له فأسقطت
ما يصلح إسقاطه. وزدت ما يصلح أن يزاد.
ثم أن أبا حامد عاد إلى وطنه مشتغلاً بتعبده، فلما صار الوزارة إلى
فخرالملك أحضره وسمع كلامه وألزمه بالخروج إلى نيسابور، فخرج ودرس، ثم
عاد إلى وطنه واتخذ في جواره مدرسة ورباطاً للصوفية، وبنى داراً حسنة،
وغرس فيها بستاناً، وتشاغل بحفظ القرآن وسمع الصحاح.
سمعت إسماعيل بن علي الموصلي الواعظ يحكي عن أبي منصور الرزاز الفقيه،
قال: دخل أبو حامد بغداد فقومنا ملبوسه ومركوبه خمسمائة دينار، فلما
تزهد وسافر وعاد إلى بغداد فقومنا ملبوسه خمسة عشر قيراطاً.
وحدثني بعض الفقهاء، عن أنوشروان - وكان قد وزر للخليفة - ، أنه زار
أبا حامد الغزالي، فقال له أبو حامد: زمانك محسوب عليك، وأنت كالمستأجر
فتوفرك على ذلك أولى من زيارتي، فخرج أنوشروان، وهو يقول: لا إله إلا
الله، هذا الذي كان في أول عمره يستزيدني فضل لقب في ألقابه كان يلبس
الذهب والحرير فآل أمره إلى هذا الحال.
توفي أبو حامد يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة بطوس،
ودفن وسأله قبيل الموت بعض أصحابه: أوص، فقال: عليك بالإخلاص، فلم يزل
يكررها حتى مات.
محمد بن علي بن محمد، أبو الفتح الحلواني
سمع أبا
الحسين بن المهتدي وغيره، وتفقه على الشريف أبي جعفر، وحدث بشيء يسير.
توفي يوم عيد الأضحى من هذه السنة، ودفن بباب حرب.
مودود الأمير قد ذكرنا في الحوداث كيفية قتله، وكيف قتله الباطنية في
دمشق.
ثم دخلت
سنة ست وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن أبا علي المغربي كان من الزهاد معروفاً بين
الصوفية بالزهادة والقناعة، كان يأتيه كل يوم روزجاري برغيفين من كدّ
يده فيأكلهما ثم عنّ له أن يشتغل بصنعة الكيمياء فأخذ إلى دار الخلافة
وانقطع خبره.
وفي جمادى الآخرة: جلس ابن الطبري بالنظامية مدرساً، وعزل الشاشي.
ومن الحوادث: دخول يوسف بن أيوب الهمذاني الواعظ إلى بغداد، وكان قد
دخلها بعد الستين والأربعمائة، فتفقه على الشيخ أبي إسحاف حتى برع في
الفقه، ثم عاد إلى مرو فاشتغل بالتعبد، واجتمع في رباطه خلق زائد عن
الحد من المنقطعين إلى اللّه تعالى، وعاد إلى بغداد في هذه السنة فوعظ
بها، فوقع له القبول، وقام إليه رجل متفقه يقال له ابن السقاء، فآذاه
في مسألة، فقال له: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر، ولعلك تموت
على غير دين الإسلام فاتفق بعد مديدة ان ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم
وتنصر وقام إليه ابنا أبي بكر الشاشي، فقالا له: إن كنت تتكلم على مذهب
الأشعري والّا فلا تتكلم، فقال: اجلسا لا متعكما اللّه بشبابكما، فماتا
ولم يبلغا الشيخوخة.
قال المصنف: ورأيت بخط شيخنا أبي بكر بن عبد الباقي البزاز، قال: في
يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة من سنة ست وخمسمائة سمع صوت هدة عظيمة.
في. أقطار بغداد بالجانبين الشرقي والغربي، وسمعت أنا صوتها وأنا جالس
في المارستارن حتى ظننت أنه صوت حائط قد ذهب بالقرب منا، ولم يعلم ما
هو ولم يكن في السماء غيم، فيقال: صوت رعد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الفرج أبن عمر، أبو نصر الدينوري والد شيختنا شهدة. سمع القاضي
أبا يعلى، وابن المأمون، وابن المهتدي، وابن النقور، وابن المسلمة،
وأبا بكر الخطيب. روى عنه جماعة منهم ابنته شهدة، وكان خيراً متزهداً
حسن السيرة.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد، أبوالعلاء الخطيب من أهل نيسابور،
سمع الحديث الكثير، وروى عنه شيخنا أبو شجاع النظامي، وكان الجويني
يثني عليه، وخلف أباه في الخطابة والتدريسَ والتذكير. ولي قضاء خوارزم،
وأملى الحديث.
وتوفي في رمضان هذه السنة.
عبد الملك بن عبد اللّه بن أحمد بن رضوان أبو الحسين حدث عن أبي محمد
الجوهري، وروى عنه أبو المعمر الأنصاري، وكان خيراً صالحاً كثير الصدقة
والبر، وكان كاتب المستظهر باللّه على ديوان الرسائل.
وتوفي في شوال هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن الحسين بن إسماعيل، أبو جعفر البرزائي من أهل طبرستان، رحل في
طلب الحديث، وسمع الكثير بالعراق والحجاز والجبال، وكان صالحاً صدوقاً.
وتوفي في هذه السنة.
محمد بن محمد بن أيوب، أبو محمد القَطَوانِي من أهل سمرقند، وقطوان على
خمسة فراسخ منها، سافر البلدان، وسمع الكثير، وكان إماماً واعظاً
فاضلاً، له القبول التام بين الخواص والعوام، وحظي عند الملوك، وكان
يأمرهم بالمعروف من غير محاباة، ووعظ يوماً في الجامع وصلى العصر، ثم
ركب فرساً له فسقطت قطعة من السور فنفر الفرس ورماه، فاندقت عنقه فحمل
إلى داره فتوفي وقت الفجر، يوم السبت سادس رجب سنة ست وخمسمائة.
المعمر بن علي بن المعمر، أبو سعد بن أبي عمامة الواعظ ولد سنة تسع
وعشرين وأربعمائة، وسمع ابن غيلان والخلال والجوهري وغيرهم، وكان يعظ
وجمهور وعظه حكايات السلف، وكان له خاطر حاد وذهن بغدادي وتماجن، وكان
يحاضر المستظهر بالله، قال يوماً في وعظه: أهون ما عنده أن يجعل لك
أبواب الوصي توابيت.
ولما دخل
نظام الملك وزير السلطان ملكشاه إلى بغداد صلى في جامع المهدي الجمعة،
فقام أبو سعد بن أبي عمامة، فقال: الحمد للّه ولي الإنعام، وصلى اللهّ
على من هو للأنبياء ختام، وعلى آله سرج الظلام، وعلى أصحابه الغر
الكرام، والسلام على صدر الاسلام ورضي الإمام زينه اللّه بالتقوى وختم
عمله بالحسنى وجمع له بين خير الآخر ة والدنيا معلوم، يا صدر الاسلام
إن آحاد الرعية من الاعيان مخيرون في القاصد والوافد إن شاءوا وصلوه،
وإن شاءوا اقطعوه، فأما من توشح بولائه وترشح لآلائه فليس مخيراً في
القاصد والوافد، لأن من هوعلى الحقيقة أمير فهو في الحقيقة أجير، قد
باع نفسه وأخذ ثمنه، فلم يبق، من نهاره ما يتصرف فيه على اختياره، ولا
له أن يصلي نفلاً ولا يدخل معتكفاً دون التبتل لتدبيرهم،. والنظر في
أمورهم، لأن ذلك فضل وهذا. فرض لازم، وأنت يا صدر الاسلام وإن كنت وزير
الدولة، فأنت أجير الأمة استأجرك جلال الدولة بالأجرة الوافرة لتنوب
عنه في الدنيا والآخر ة، فأما في الدنيا ففي مصالح المسلمين، وأما في
الآخرة فلتجيب عند رب العالمين، فإنه سيقفه بين يديه ويقول له: ملكتك
البلاد وقلدتك أزمة العباد فما صنعت في إقامة البذل وإفاضة العدل؟
فلعله يقول: يا رب اخترت من دولتي شجاعاً عاقلًا حازماً وسميته قوام
الدين نظام الملك وها هو قائم في جملة الولاة، وبسطت يده في السوط
والسيف والقلم، ومكنته من الدينار والدرهم، فاسأله يا رب ماذا صنع في
عبادك وبلادك؟ أفتحسن أن تقول في الجواب نعم تقلدت أمور العباد وملكت
أزمة العباد فبثثت النوال وأعطيت الأفضال حتى إني أقربت من لقائك ودنوت
من تلقائك اتخذت الأبواب والنواب والحجاب والحِجاب ليصدوا عني القاصد
ويردوا. عني الوافد، فاعمر قبرك كما عمرت قصرك، وانتهز الفرصة ما دامِ
الدهر يقل أمرك، فلا تعتذر فما ثم من يقبل عذرك، وهذا ملك الهند وهو
عابد صنم ذهَبَ سمعه فدخل عليه أهل مملكته يعزونه في سمعه، فقال: ما
حزني لذهاب هذه الجارحة من بدني ولكن لصوت المظلوم كيف لا أسمعه
فأغيثه، ثم قال: إن كان قد ذهب سمعي فما فصب بصري، فليؤمركل في ظلامة
أن يلبس الأحمر حتى إذا رأيته عرفته فأنصفته.
وهذا أنو شروان قال له رسول. ملك الروم: لقد أقدرت عدوك عليك بتسهيل
الوصول إليك، فقال: إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظلامة وأقضي حاجة، وأنت
يا صدر الاسلام أحق بهذه المأثرة، وأولى بهفو المعدلة، وأحرى من عد
جواباً لتلك المسألة، فإنه الله الذي تكاد السموات يتفطرن منه فى موقف
ما فيه إلَأ خاشع أو خاضع أو مقنع، ينخلع فيه القلب، ويحكم فيه الرب،
ويعظم الكرب، ويشيب الصغير، ويعزل الملك والوزير: " يومئذ يتذكر
الانسان وأنى له الذكرى " " يومٍ تجد كل نفس ماعملت من خير محضراً وما
عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً " صدق الله العظيم.
وقد استجلبت لك الدعاء وخلدت لك الثناء مع براءتي من التهمة، فليس لي
في الأرض ضيعة ولا قرية ولا بيني وبين أحد حكومة ولا بي بحمد الله فقر
ولا فاقة.
فلما سمع نظام الملك هذه الموعظة بكى بكاءً طويلًا وأمر له بمائة دينار
فلم يأخذها، وقال: أنا في ضيافة أمير المؤمنين ومن يكون في ضيافته يقبح
أن يأخذ عطاء غيره، فقال له: فضها على الفقراء، فقال: الفقراء على بابك
أكثر منهم على بابي. ولم يأخذ شيئاً.
توفي أبوسعد في ربيع الأول من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة سبع وخمسمائة
فمن الحوادث فيها الوقعة الكبيرة بين المسلمين والإفرنج، قتل من
الإفرنج ألف وثلثمائة، وغنم المسلمون منهم الغنيمة العظيمة، واستولوا.
على جميع سوادهم، وفوضت شحنكية بغداد إلى بهروز، ووزر للمستظهر أبو
منصور الحسين بن الوزير أبي شجاع.
وفي هذه السنة حج بالناس زنكي بن برسق.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن علي بن بدران، أبو بكر الحلواني المقرىء الزاهد، خالوه سمع أبا
الطيب الطبري، وأبا محمد الجوهري، والعشاري، وابن النقور، وقرأ
بالقراآت، وحدث، وخرج له الحميدي مشيخة قرئت عليه، وكان من أهل الخير
والدين، وتوفي ليلة الأربعاء منتصف جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
أحمد بن محمد بن عبد الله بن عمروس، أبو العباس المالكي
أحد
الفقهاء المالكية، ولد في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وكانت له إجازة من
أبي علي ابن شاذان، وكان صدوقاً متيقظاً صالحاً.
وتوفىِ في رمضان هذه السنة، وصلى عليه شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي
البزاز.
إسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، أبو علي بن بكر البيهقي ولد
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، ووالده العالم المعروف صاحب التصانيف، وسمع
هو من أبيه، وأبي الحسن عبد الغافر، وأبي عثمان الصابوني، وسافر
الكثير، وسكن خوارزم قريباً من عشرين سنة، ودرس بها ثم مضى إلى بلخ،
فأقام بها مدة، وورد بغداد وحدث بها، وورد نيسابور في هذه السنة فسمعوا
منه، ثم خرج إلى بيهق. فتوفي بها في هذه السنة، وكان فاضلاً مرضي
الطريقة.
شجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس بن الحسين بن غريب بن زنجويه
بن بشير بن عبداللّه بن المنخل بن شريك بن محكان بن ثور بن سلمة بن
شعبة بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن
علي بن بكير بن وائل بن قاسط هيت بن قصي بن دعمى بن جذيلة بن أسد بن
ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، أبوغالب الذهلي الحافظ: ولد في رمضان
سنة ثلاثين وأربعمائة، وسمع أباه، وأبا القاسم الأزجي، وأبا الحسن بن
المهتدي، والجوهري، والبرمكي، والتنوخي، وأبا طالب ابن غيلان،
والعشاري، وغيرهم. وكتب الكثير، وكان ثقة مأموناً ثبتاً فهماً، وكان
يورق للناس.
قال شيخنا عبد الوهاب: دخلت عليه، فقال: توبني، قلت: من إيش؟ قالى: قد.
كتبت شعر ابن الحجاج سبع مرات، وأنا أريد أتوب.
وكان مفيد أهل بغداد والمرجوع إليه في معرفة الشيوخ، وشرع في تتمة
تاريخ بغداد، ثم غسل ذلك قبل موته بعد أن أرخ بعد الخطيب، وتوفي في
عشية الأربعاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بمقبرة باب حرب قريباً من ابن
سمعون.
علي بن محمد بن علي، أبومنصور الانباري سمع الحديث من ابن غيلان،
والجوهري، وأبي يعلى بن الفراء، وتفقه عليه. وأفتى ووعظ بجامع القصر،
وجامع المنصور، وجامع المهدي، وشهد عند أبي عبداللّه الدامغاني، وولي
قضاء باب الطاق.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
محمد الأبيوردي ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إسحاق بن الحسن بن
منصور بن معاوية بن محمد بن عثمان بن عتبة بن عنبسة بن أبي سفيان بن
حرب،أبو المظفر بن أبي العباس كانت له معرفة حسنة باللغة والنسب، سمع
إسماعيل بن مسعدة، وأبا بكر بن خلف، وأبا محمد السمرقندي، وأبا الفضل
بن خيرون وغيرهم، وصنف تاريخ أبيورد و المختلف والمؤتلف في أنساب العرب
وغير ذلك، وكان له الشعر الرائق غير أنه كان فيه تيه وكبر زائد يخرج
صاحبه إلى الحماقة، فكان إذا صلى يقول: اللهم ملكني مشارق الأرض
ومغاربها.
وكتب مرة إلى الخليفة قصة وكتب على رأسها الخادم المعاوي يعني معاوية
بن محمد بن عثمان لا معاوية بن أبي سفيان، فكره الخليفة النسبة إلى
معاوية فأمر بكشط الميم ورد القصة فبقيت الخادم العاوي.
قال أحمد بن سعد العجلي: كان السلطان نازلاً على باب همذان، فرأيت
الأديب الأبيوردي راجعاً من عندهم، فقلت له: من أين؟ فانشأ يقول
ارتجالاً.
ركبت طرِفي فأذرى دمعه آسفاً ... عند انصرافي منهم مضمر الياس
وقال حتى م تؤذيني فإن سنحت ... حوائج لك فاركبني إلى الباس
ومن شعره:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني ... أعز وأحداث الزمان تهون
فظل يرينيِ الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكون
توفي الأبيوردي بأصبهان في هذه السنة.
محمد بن الحسن بن وهبان، أبو المكارم الشيباني حدث عن الجوهري،
والماوردي، وأبي الطيب الطبري، إلا أن علماء النقل طعنوا فيه، وكان
السبب أنه سمع لنفسه من ابن غيلان في سنة خمسين وأربعمائة. وابن غيلان
توفي سنة أربعين، ومات يوم الأربعاء رابع عشر صفر، ودفن برباطه
بالمقتدية.
محمد بن طاهر بن علي بن أحمد، أبو الفضل المقدسي الحافظ
ولد سنة
ثمان وأربعين وأربعمائة، وأول ما سمع وكتب في سنة ستين، وسافر وكتب
الكثير، وكان له حفظ الحديث ومعرفة به، وصنف فيه إلا أنه صنف كتاباً
سماه صفوة التصوف يضحك منه من يراه ويعجب من استشهاده على مذاهب
الصوفية بالأحاديث التي لا تناسب ما يحتج له من نصرة الصوفية، وكان
داودي المذهب، فمن أثنى عليه فلأجل حفظه للحديث ومعرفته به وإلا فالجرح
أولى به، ذكره أبو سعد ابن السمعاني وانتصر له بغير حجة بعد أن قال:
سألت شيخنا إسماعيل بن أحمد الطلحي الحافظ عن محمد بن طاهر فأساء
الثناء عليه، وكان سيء الرأي فيه.
قال: وسمعت أبا الفضل ابن ناصر يقول محمد بن طاهر لا يحتج به، صنف
كتاباً في جواز النظر إلى المرد، وأرود فيه حكاية عن يحيى بن معين،
قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى اللّه عليها فقيل له تصلى عليها؟ فقال:
صلى اللهّ عليها وعلى كل مليح ثم قال: كان يذهب مذهب الإباحة.
قال ابن السمعاني: وذكره أبو عبداللّه محمد بن عبد الواحد الدقاق
الحافظ فأساء الثناء عليه جداً، إلى أشياء ثم انتصر له السمعاني، فقال:
لعله قد تاب.
فواعجبا ممن سيره قبيحة فيترك الذم لصاحبها لجواز أن يكون قد تاب، فما
أبله هذا المنتصر، ويدل على صحة ما قاله ابن ناصر من أنه كان يذهب مذهب
الإباحة.
ما أنبأنا به أبو المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري، قال أنشدنا أبو
الفضل محمد بن طاهر المقدسي لنفسه:
دع التصوف والزهد الذي اشتغلت ... به جوارح أقوام من الناس
وعج على دير داريا فإن به ... الرهبان ما بين قسيس وشماس
فاشرب معتقة من كف كافرة ... تسقيك خمرين من لحظ ومن طاس
ثم استمع رنة الأوتار من رشأ ... مهفهف طرفه أمضى من الماس
غنى بشعر أمرىء في الناس مشتهر ... مدون عندهم في صدر قرطاس
لولا نسيم بذكراكم يروحني ... لكنت محترقاً من حر أنفاسي
قال المصنف رحمه اللّه: فالعجب من ابن السمعاني قد روي عنه هذه
القصيدة، وطعن الأكابر فيه ثم رد ذلك بلا شيء.
توفي محمد بن طاهر في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة العقبة
بالجانب الغربي عند رباط البسطامي، ولما احتضر جعل يردد هذا البيت.
وماكنتمُ تعرفون الجفا ... فممن ترى قد تعلمتمُ
محمد بن عبد الواحد بن الحسن، أبو غالب القزاز، ابن زريق سمع أبا اسحاق
البرمكي، والقزوبني، والعشاري، والجوهري، وقرأ القرآن بالقرا آت على
ابن شيطا وغيره. وكان ثقة، توفي ليلة الخميس خامس شوال.
محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبوبكر الشاشي الفقيه:
ولد في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وسمع أبا يعلى بن الفراء، وأبا
بكر الطيب، وأبا اسحاق الشيرازي، وكان معيد درسه، وقرأ على أبي نصر بن
الصباغ كتابه الشامل، وصنف ودرس في النظامية، ثم عزل، وكان ينشد:
تعلم يا فتى والعود رطب ... وطينك لين والطبع قابل
فحسبك يا فتى شرفاً وفخراً ... سكوت الحاضرين وأنت قائل
روى عنه أشياخنا، وكان أشعرياً توفي فىِ سحرة يوم السبت سادس عشر شوال،
ودفن عند أبي إسحاق بباب أبرز.
محمد بن مكي بن عمر بن محمد، أبو بكر، ابن دوست ولد سنة سبع وعشرين
وأربعمائة، وسمع العشاري، والجوهري. وأبا بكر بن بشران، وكان سماعه
صحيحاً. روى عنه أشياخنا.
وتوفىِ يوم الخميس ثالث عشر ربيع الأول، ودفن بمقبرة غلام الحلال بباب
الأزج.
المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسن بن عبيداللّه، أبو نصر الساجي المقدسي
ولد سنة
خمس وأربعين وأربعمائة، وتفقه على أبي الشيرازي مدة، وسمع من أصحاب
المخلص والكتاني، ورحل في طلب الحديث إلى بيت المقدس، وأصبهان،
وخراسان، والجبال، وقرأ على عبدالله الأنصاري الحديث، وحصل الكثير منه،
وكان حافظاً عارفاً بالحديث معرفة جيدة خصوصاً المتون، وكان حسن
القراءة والخط، صحيح النقل، وما زال يسمع ويستفيد إلى أن مات، كان فيه
صلف نفس وقناعة وصبر على الفقر وصدق وأمانة وورع، حدثنا عنه أشياخنا،
وكلهم وصفه بالثقة والورع، وقد طعن فيه محمد بن طاهر المقدسي، والمقدسي
أحق بالطعن، وأين الثريا من الثرى؟ توفي المؤتمن يوم السبتَ ثامن عشر
صفر، ودفن بمقبرة باب حرب.
هادي بن اسماعيل، الحسيني العلوي الأصبهاني حدث عن أبي سعيد العيار،
وروى عنه شيوخنا، وتوفي بعد عوده من الحج يوم الخميس العشرين من ربيع
الأول، ودفن بمقبرة باب التبن.
محمد بن علي، أبو بكر النوري سمع أبا جعفر ابن المسلمة، وأبا الحسن
الملطي في آخرين، وتوفي في سلخ رجب.
وتوفي في ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة ثمان وخمسمائة
فمن الحوداث فيها: أنه وقع في جمادى الأولى حريق عظيم في الريحانيين
ومنظرة باب بدر، وهلك فيه عقار جليل.
قال المصنف: ورأيت بخط شيخنا أبي بكر بن عبد الباقي البزاز، قال: ورد
إلى بغداد في يوم الخميس سابع عشر رجب من سنة ثمان وخمسمائة كتاب ذكر
فيه: أنه كان في ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الآخرة من هذه السنة زلزلة
حدثت فوقع منها في مدينة الرها سورها ثلاثة عشر برجاً ووقع بعض سور
حران، ووقعت دور كثيرة على عالم فهلكوا، وأنه خسف بسميساط، وخسف بموضع،
وتساقط في بالس نحو مائة دار، وقلب بنصف القلعة وسلم نصفها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن الحسن بن أحمد، أبو العباس المخلطي الدباس سمع أبا الحسن بن
المهتدي، والقاضي أبا يعلى ابن الفراء، وهو تلميذه وعليه تفقه، وأبا
جعفر ابن المسلمة وغيرهم، وكان صالحاً من أهل القرآن والستر والصيانة
والثقة.
وتوفي في ليلة الأربعاء ثالثعشر جمادى الآخرة، ودفن بمقبرة باب حرب
أحمد بن عبد العزيز بن بعراج، أبو نصر الشيخ الصالح سمع أبا محمد
الخلال، وأبا الحسن القزويني، والبرمكي وغيرهم. وكان سماعه صحيحاً،
وكان كثير التلاوة بالقرآن، وقرأ القرا آت علي أبي الخطاب الصوفي.
توفي ليلة الاثنين. عاشر محرم ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن عبيد اللّه بن محمد بن أبي الفتح أبوعبد اللهّ الدلال، المقرىء
سمع أبا محمد الخلال، وأبا طالب بن غيلان، وأبا الفجر الطناجيري، وكان
صحيح السماع صالحاً ستيراً.
وتوفي يوم السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن بمقبرة معروف.
دلال بنت أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن المهتدي أخت أبي علي بن
المهتدي سمعت أباها، وتوفيت في محرم، ودفنت بباب حرب.
علي بن أحمد بن فتحان، أبو الحسن الشهرزوري البقال ولد سنة اثنتين
وعشرين وأربعمائة وسمع من ابن بشران، وابن المذهب وغيرهم وحدث وكان
شيخاً مستوراً من أهل القرآن.
وتوفي يوم الثلاثاء رابع جمادى الأولى، ودفن بمقبرة باب حرب.
علي بن محمد بن محمد بن جهير، أبوالقاسم، الزعيم كان في أيام القائم
وبعض أيام المقتدي متولي كتابة ديوان الزمام، ووزر للمستظهر نوبتين
فبقي في الوزارة الأولى ثلاث سنين وخمسة أشهر وأياماً، وولي بعده أبو
المعالي بن المطلب ثم عزل، وأعيد الزعيم إلى الوزارة فأقام فيها خمس
سنين وخمسة أشهر إلى أن تَوفي المستظهر وتدرج في الولايات والمراتب
خمسين سنة، وكان معروفاً بالحلم والرزانة وجودة الرأي وحسن التدبير.
وتوفي يوم الاثنين سابع عشرين ربيع الأول.
محمد بن المختار بن المؤيد ابو العز الهاشمي الحنبلي، ابن الخص سمع أبا
الحسن القزويني، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا علي بن المذهب، والجوهري،
والعشاري. في آخرين، وكان ثقة أثنى عليه شيخنا محمد بن ناصر. وتوفي
الاثنين عاشر محرم.
محمد بن أحمد بن محمد، أبو نصر القفال ابن بنت، أبو بكر الاكفاني سمع
أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن الآبنوسي، وكان سبب موته أنه وقع من
سطح داره فمات، ودفن بمقابر الشهداء.
ثم دخلت
سنة تسع وخمسمائة
من الحوادث فيها أنه تكاملت عمارة الدار التي استجدها بهروز الخادم من
الدار السلطانية، وحمل إليها أعيان الدولة الفروش الحسنة والكسى
الرائقة، واستدعى القراء والفقهاء والقضاة والصوفية فقرأوا فيها القرآن
ثلاثة أيام متوالية.
ووقع حريق في قراح أبي الشحم في جمادى الأولى، فهلكت فيه آدر ودكاكين
كثيرة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
إسماعيل بن محمد بن أحمد بن ملة، أبوعثمان بن أبي سعيد الأصبهاني سمع
الكثير ووعظ، وقدم بغداد فحدث عن أبي بكر بن ريدة، وغيره وأملى بجامع
المنصور ثلاثين مجلساً، وكان مستمليه شيخنا أبو الفضل بن ناصر، ولم يكن
شيخنا أبو الفضل راضياً عنه، وقال: وضع حديثاً وأملاه، وكان يخلط. توفي
بأصبهان في السنة.
منتخب بن عبد اللّه، أبو الحسن الدوامي المستظهري كان رجلاً حازماً
خيراً كثير الصلاح، شهد له بذلك شيخنا أبو الفضل بن ناصر،. ووقف كتباً
على أصحاب الحديث منها مسند الإمام. أحمد بن حنبل.
توفي ليلة السبت السابع من ذي الحجة من هذه السنة، وصلى عليه أبو الحسن
ابن الفاعوس، ودفن عند منصور بن عمار بمقبرة أحمد.
هبة الله بن المبارك بن موسى بن علي، أبو البركات السقطي أحد من طلب
العلم والحديث رحل في طلب الحديث إلى واسط والبصرة والكوفة والموصل
واصبهان والجبال، وبالغ في الطلب وتعب في الجمع، وكان فيه فضل ومعرفة
وأنس بالحديث، فجمع الشيوخ وخرج التاريخ وأرخ لكنه أفسد ذلك بأن ادعى
سماعاً ممن لم يره منهم أبو محمد الجوهري، فإنه لا يحتمل سنه السماع
منه، وسئل شيحننا ابن ناصر عنه، فقالوا: أثقة هو؟ فقال: لا واللهّ حدث
بواسط عن شيوخ لم يرهم، فظهر كذبه عندهم. روى عنه أبو المعمر الأنصاري.
وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أبو الخطاب الكلواذاني،
ودفن عند قبر منصور بن عمار بمقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة عشر وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وقعت النار في حضائر الحطب، ودكاكين الحطب التي
على دجلة، وأكلت النار الأعواد الكبار وجذوع النخل، وتطاير النار إلى
دروب باب المراتب فأحرق كنائسها، واحترقت الدور التي بدرب السلسلة،
والدور الشارعة على دجلة من جملتها دار نور الهدى أبي أطالب الحسين بن
محمد الزينبي، ورباط بهروز الذي بناه للصوفية، ودار الكتب التي
بالنظامية إلا أن الكتب سلمت، وحملها الفهقهاء إلى مكان يؤمن فيه من.
النار، وهذا الحريق كان بين العشائين.
وأقام السلطان طول السنة ببغداد، وقد كانت عادته المقام بباب همذان في
زمان الصيف، وأجرى النهر البارع من نهر الجبل إليها، ورحل إلى النهروان
وبعث إلى الخليفة بغلة وأربعة أرؤس من خيل، وألف دينار مغربية مثقبة،
وخمسة أمناء كافور، ومثلها مسكاً وأربعين ثوباً سقلاطون، وطلب من
الخليفة شيئاً عن ملبوسه ولواء ومصحفاً.
وفي جمادى الأولى من هذه السنة: رتب القاضي أبو العباس الرطبي على باب
النوبي إلى جانب حاجب الباب، وخلع عليه بعد ذلك خلعة جميلة.
وفيها: دخل أمير الجيوش إلى مكة قاهراً لأميرها مذلاً له، قال ابن
عقيل: فحكى لي أمير الجيوش أنه دخل إلى مكة بخفق البنود وضرب الكوسات
ليذل السودان وأميرهم، قال: وحكاه لي متبجحاً بذلك ذاهلاً عن حرمة
المكان فسمعته منه متعجباً وشهد قلبي أنه آخر أمره لتعاظم الكعبة عندي،
وقلت: لما رجعت إلى بيتي أنظر إلى جهل هذا الحبشي ولم ينبهه أحد ممن
كان معه من عالم بالشرع أو بالسّيَر، وذكرت قوله خلأت القصواء، فقال
رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: بل حبسها حابس الفيل، فلما أعطاهم ما
أرادوا أطلقت ناقته، وقد صين المسجد عن إنشاد ضالة حتى قيل لطالبها لا
وجدت، فكيف بحبشي يجيء بدبادبه معظماً لنفسه. فلم يعد إليها، وأعقبه
اللهّ سبحانه، النكال والاستئصال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
إبراهيم بن أحمد، أبو الفضل الخرمي سمع أبا محمد الصريفيني، وأبا
الحسين بن النقور، نزل إلى دجلة ليتوضأ فلحقه شبه الدوار فوقع في الماء
فأخرج فحمل إلى بيته فمات.
قال شيخنا أبن ناصر: كان رجلاً صالحاً مستوراً كثير تلاوة القرآن،
محافظاً على الجماعات، وحضرت غسله فرأيت النورعليه، فقبلت بين عينيه.
وتوفي في
ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن قريش بن حسين، أبو العباس سمع أبا طالب بن غيلان، وأبا إسحاق،
البرمكي، وأبا محمد الجوهري وأبا القزويني، وغيرهما وكان صحيح السماع،
حدثنا عنه أشياخنا. وتوفي يوم الأحد حادى عشر رجب، ودفن بباب حرب.
أحمد بك الأمير كاق إقطاعه في كل سنة أربعمائة ألف دينار، وجنده خمسة
آلاف فارس، جاءه ورمعه قصة وهو يبكي وينتحب ويشكو الظلم، فسأله أن يوصل
قصته إلى السلطان منه، فضربه بسكين كانت معه فوثب عليه الأمير فتركه
تحته، فجاء آخر فضرب الأمير بسكين فقطعه قطعاً، فجاء ثالث فتمم الأمير.
جاولي صاحب فارس، كانت له فيها حروب مع الكرمانية، وكان رجل الترك
ورأسا فيهم.
عبد اللّه بن يحيي بن محمد بن بهلول، أبو محمد السرقسطي الأندلسي من
أهل سرقسطة من بلاد الاندلس، كان فقيهاً فاضلاً لطيف الطبع مليح الشعر،
ورد بغداد في حدود هذه السنة، ومن شعره:
ومهفهف يختال في أبراده ... مرح القضيب اللدن تحت البارح
أبصرت في مرآة فكري خده ... فحكيت فعل جفونه بجوارحي
ماكنت أحسب أن فعل توهمي ... يقوي تعديه فيجرح جارحي
لا غرو أن جرح التوهم خده ... فالسحر يعمل في البعيد النازح
علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن بيان، أبو القاسم الوزان ولد في ليلة
الاثنين ثالث عشر صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وسمع أبا الحسن بن
مخلد، وهو آخرمن حدث عنه، وحدث عنه بجزء الحسن بن عرفة، وهو آخر من حدث
بهذا الجزء، فألحق الصغار بالكبار، فكان يأخذ عنه ديناراً من كل واحد،
وسمع أبا القاسم بن بشران، وهو آخر من حدث عنه، وسمع خلقاً كثيراً.
وتوفي ليلة الأربعاء سادس شعبان، ودفن بمقبرة باب حرب.
عقيل بن علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، أبو الحسن ابن الإمام أبي الوفاء
ولد ليلة إحدى وعشرين من رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، وتفقه،
وكان له فهم وحفظ حسن، سمع الحديث، وشهد عند قاضي القضاة محمد بن علي
الدامغاني، وتوفي في منتصف المحرم عن سبع وعشرين سنة، ودفن في داره
بالظفرية، ثم نقل لماتوفي أبوه فدفن في دكة أحمد بن حنبل.
وظهر من أبيه صبر جميل، دخل عليه بعض أصحابه وهو جالس يروحه بعد موته
فكأنه أحس من الداخل بإنكار ذلك، فقال له: إنها جثة علي كريمة فما دامت
بين يدي لم يطب قلبي إلا بتعاهدها، فإذا غابت فهي في استرعاة من هو لها
خير مني.
وقال: لولا أن القلوب توقن باجتماع يا بني لتفطرت المرائر لفراق
الأحباب.
قال المصنف: ونقلت من خطه قال: لما أصبت بولدي عقيل خرجت إلى المسجد
إكرامآَ لمن قصدني من الناس والصدور فجعل قارىء يقرأ: " يأيها العزيز
إن له أباً شيخا كبيراً " فبكى الناس وضج الموضع بالبكاء، فقلت له: يا
هذا إن كان قصدك بهذا تقبيح الأحزان فهو نياحة بالقرآن، وما نزل القرآن
للنوح، إنما نزل ليسكن الأحزان، فأمسك.
ونقلت من خط أبي الوفاء ابن عقيل، قال: ثكلت ولدين نجيبين أحدهما حفظ
القرآن وتفقه مات دون البلوغ يشير إلى ولده أبي منصور وقد ذكرنا وفاته
في سنة ثمان وثمانين والآخر مات وقد حفظ كتاب الله وخط خطاً حسناً يشار
إليه، وتفقه وناظر في الأصول والفروع، وشهد مجلس الحكم، وحضر الموكب
وجمع أخلاقاً حسنة وفى دماثة وأدباً، وقال شعراً جيداً يشير إلى عقيل
هذا قال: فتعزيت بقصة عمرو بن عبد ود العامري الذي قتله علي عليه
السلام، فقالت أمه ترثيه:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... ما زلت أبكي عليه دائم الأبد
لكن قاتله من لا يقاد به ... من كان يدعى أبوه بيضة البلد
فقلت سبحان اللّه:
كذبت وبيت اللّه لو كنت صادقاً ... لما سبقتني بالعزاء النساء
كما قال الشاعر:
كذبت وبيت اللّه لو كنت عاشقاً ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم
وذاك أن
أم عمرو كانت يسليها ويعزيها جلالة القاتل والافتخار بأن ابنها مقتوله
قهلا نظرت إلى قاتل ولدي وهو الأبدي. الحكيم المالك الأعيان المربى
بانواع، الدلال، فهان القتيل والمقتول بجلالة القاتل، وقتله إحياء في
المعنى إذ كان اماتهما على أحسن خاتمة، الأول! لم يجر عليه قلم والآخر
وفقه للخير وختم له بلوائح وشواهد دلت على الخير.
قال ابن عقيل: وسألني رجل فقال: هل للطف من علامة؟ فقلت: أخبرك بها عن
ذوق، كانت عادتي التنعم فلما فقدت ولدي تبدلت خشن العيش. ونفسي راضية.
محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار، أبو بكر بن أبي، المظفر السمعاني
من أهل مرو، ولد سنة ست وستين وأربعمائة، سمع الحديث من أبيه وجماعة،
ثم رحل إلى نيسابور، فسمع بها وبالري وهمذان وبغداد والكوفة ومكة، وروى
الحديث وورد بغداد ووعظ في النظامية، وخرج إلى أصبهان، فسمع بها وعاد
إلى مرو، وأملى بها مائة وأربعين مجلساً في جامعها، وقد رأيت من إملائه
فإنه لم يقصر، وكان علامة في الحديث والفقه والأدب والوعظ، وطلب يوماً
للقراء في مجلس وعظه فأعطوه ألف دينار، قال شعراً كثيراً ثم غسله فلم
يبق منه إلاّ القليل، وكتبت إليه رقعة فيها أبيات شعر، فكتب الجواب،
وقال: فأما الأبيات فقد أسلم شيطان شعري.
وادركته المنية وهو ابن ثلاث وأربعين سنة وأشهر، وتوفي في صفر هذه
السنة، ودفن عند قبر أبيه بمرو.
محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد اللة ابن البناء، أبو نصر بن أبي علي سمع
الجوهري وغير، وكان له علم ومعرفة، وخلف أباه في حلقته بجامعي القصر
والمنصور، وكان سماعه صحيحاً، وكان ثقة وتوفي ليلة الأربعاء سادس ربيع
الاول، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن علي بن محمد، أبو بكر النسوي سمع وحدث، وكان تزكية الشهود إليه
بنسا، وكان فقيهاً على مذهب الشافعي ديناً. وتوفي ببلده في هذه السنة.
محمد بن علي الأصبهاني، أبو المكارم القصار، مكرم سمع من الجوهري،
والقرويني، وابن لؤلؤ، وحدث عنهم. وتوفي يوم الاربعاء رابع عشر رجب،
ودفن في داره بالمقتدية.
محمد بن علي بن ميمون بن محمد، أبو الغنائم النرسي، أبي الكوفي لأنه
كان جيد القراءة في زمان الصبوة فلقبوه بأبي. واد في شوال سنة أربع
وعشرين، وسمع الكثير وأول سماعه سنة سبع وثلاثين، وكتب وسافر ولقي ابا
عبد الله العلوي العلامة، وهو محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن
العلوي. وكان هذا العلوي يعرف الحديث، وكان صالحاً، سمع ببيت المقدس
وحلب ودمشق والرملة، ثم قدم بغداد فسمع البرمكي، والجوهري، والتنوخي،
والطبري، والعشاري، وغيرهم. وكان يورق للناس بالأجرة، وقرأ القرآن
بالقراآت، وأقرأ، وصنف، وكان ذا فهم ثقة، ختم به علم الحديث ببلده.
أنبأنا شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي، قال: سمعت أبا الغنائم ابن النرسي
يقول: ما بالكوفة أحد من أهل السنة والحديث إلا أبيا، وكان يقول: توفي
بالكوفة ثلثمائة وثلاثة عشر. رجلاً من الصحابة لا يتبين قبرأحد منهم
إلأَ قبر علي عليه السلام، وقال: جاء جعفر بن محمد، ومحمد بن علي بن
الحسين فزارا الموضع من قبر أمير المؤمنين علي ولم يكن إذ ذاك القبر،
وما كان إلأَ الأرض حتى جاء محمد بن زيد الداعي وأظهر القبر.
وقال شيخنا ابن ناصر: ما رأيت مثل أبىِ الغنائم فى ثقته وحفظه، وكان
يعرف حديثه بحيث لا يمكن أحداً أن يدخل في حديثه ما ليس منه، وكان من
قوام الليل. ومرض ببغداد وانحدر فأدركه أجله بحلة ابن مزيد يوم السبت
سادس عشر شعبان، فحمل إلى الكوفة.
محمد بن أحمد بن طاهر بن منصور، خازن دار الكتب القديمة ومن ساكني درب
المنصور بالكرخ، سمع ابن غيلان، والتنوخي، وغيرهما.
وكان سماعه صحيحاً، روى عنه أشياخنا إلاّ أنه كان يذهب مذهب الإمامية،
وهو فقيه في مذهبهم ومفتيهم كذلك. قال شيخنا ابن ناصر: وتوفي يوم السبت
ثالث عشر شعبان، ودفن بمقابر قريش.
محمد بن أبي الفرج، أبوعبد اللهّ المالكي، الزكي المغربي من أهل صقلية،
كان عارفاً بالنحو واللغة، وورد العراق، وخرج إلى خراسان فجال فيها، ثم
خرج إلى غزنة وبلاد الهند، ومات بأصبهان، وجرت بينه وبين جماعة من
الأئمة مخاصمات آلت أن طعن فيهم، وكان يقول: الغزالي ملحد، وإذا ذكره
قال: الغزالي المجوسي.
المبارك
بن الحسين بن أحمد، أبو الخير الغسال المقرىء سبط الخواص ولد سنة سبع
وعشرين وأربعمائة، وسمع أبا الحسن ابن المهتدي، وأبا محمد الخلال، وأبا
جعفر ابن المسلمة،. وأبا يعلى بن الفراء وخلقاً كثيراً، وقرأ القرآن،
بالقراآت وأقرأ وحدث كثيراً، وكان ثقة. وتوفي في غرة جمادى الأولى،
ودفن بباب حرب.
المبارك بن محمد، أبو الفضل بن أبي طالب الهمذاني المؤدب سمع القاضي
أبا يعلى، وأبا جعفر ابن المسلمة. وكان من أهل السنة. قال شيخنا ابن
ناصر: كان ثقة. وتوفي ليلة الخميس خامس ربيع الآخر.
محفوظ بن أحمد ابن الحسن الكلوذاني، أبو الخطاب ولد في شوال سنة اثنتين
وثلاثين وأربعمائة، وسمع أبا محمد الجوهري، والعشاري، وابن المسلمة،
والقاضي أيا يعلى، وتفقه عليه وقرأ الفرائض على الوني، وصنف وانتفع
بتصنيفه، وحدث وأفتى ودرس، وشهد عند قاضي القضاة أبي عبد الله
الدامغاني، وكان ثقة ثبتاً غزير الفضل والعقل، وله شعر مطبوع، حدثنا
عنه أشياخنا. و أنشدنا محمد بن ناصر الحافظ، قال أنشدنا أبو الخطاب
محفوظ بن أحمد لنفسه:
دع عنك تذكار الخليط المنجد ... والشوق نحو الآنسات الخرد
وَالنوح في أطلال سعدى إنما ... تذكار سعدى شغل من لم يسعد
واسمع مقالي إن اردت تخلصاً ... يوم الحساب وخذ بهديي تهتد
واقصد فإني قد قصدت موفقا ... نهج ابن حنبل الإمام الأوحد
خير البرية بعد صحب محمد ... والتابعين إمام كل موحد،
ذي العلم والرأي الأصيل ومن حوى ... شرفاً علا فوق السها والفرقد
واعلم بأني قد نظمت مسائلاً ... لم آل فيها النصح غيرمقلد
واجبت عن تسآل كل مهذب ... ذي صولة عند الجدال مُسوَّد
هجر الرقاد وبات سَاهِر ليله ... ذي همة لا يستلذ بمرقد
قوم طعامهم دراسة علمهم ... يتسابقون إلى العُلا والسودد
قالوا بما عرف المكلف رَبَّه؟ ... فأجبت بالنَظر الصحيح المرْشد
قالوا فهل رب الخلائق واحد؟ ... قلت الكمال لربنا المتفرد
قالوا فهل لله عندك مشبه؟ ... قلت المشبه في الجحيم الموصد
قالوا فهل تصف الإله؟ أبن لنا ... قلت الصفات لذي الجلال السَّرمد
قالوا فهل تلك الصفات قديمة ... كالذات؟ قلت كذاك لم تتجدد
قالوا فأنت تراه جسماً مثلنا؟ ... قلت المجسم عندنا كالملحد
قالوا فهل هو في الأماكن كلها ... فأجبت بل في العلو مذهب أحمد
قالوا أتزعم أنْ على العرش استوى؟ ... قلت الصواب كذاك أخبر سيدي
قالوا فما معنى استواه. أبن لنا ... فأجبتهم هذا سؤال المعتدي
قالوا النزول. فقلت ناقلة له ... قوم تمسكهم بشرع محمد
قالوا فكيف نزوله؟ فأجبتهم ... لم ينقل التكييف لي في مسند
قالوا فينظر بالعيون. أبن لنا ... فأجبت رؤيته لمن هو مهتدي
قالوا فهل للهّ علم؟ قلت ما ... من عالم إلا بعلم مرتدي،
قالوا فيوصف أنه متكلم؟ ... قلت السكوت نقيصة المتوحد
قالوا فما القرآن. قلت كلامه ... من غيرما حدث وغيرتجدد
قالوا الذي نتلوه. قلت كلامه ... لاريب فيه عندكل مسدد
قالوا فأفعال العباد؟ فقلت ما ... من خالق غير الاله الأمجد
قالوا فهل فعل القبيح مراوده؟ ... قلت الاراعة كلها للسيد
لو لم يرده! لكان ذاك نقيصة ... سبحانه عن أن يعجز في الردي
قالوا فما الايمان؟ قلت مجاوباً ... عمل وتصديق بغير تبلد
قالوا فمن
بعد النبي خليفة؟ ... قلت الموحد قبل كل موحد
حاميه في يوم العريش ومن له ... في الغارمسعد يا له من مسعد
خير الصحابه والقرابة كلهم ... ذاك المؤيد قبل كل مؤيد
قالوا فمن صديق أحمد؟ قلت من ... تصديقه بين الورى لم يجحد
قالوا فمن تالي أبي بكر الرضا؟ ... قلت الامارة في الأمام الأزهد
فاروق أحمد والمهذب بعده ... نصر الشريعة باللسان وباليد
قالوا فثالثهم. فقلت مسارعاً ... من بايع المختار عنه باليد
صهر النبي على ابنتيه ومن حوى ... فضلين فضل تلاوة وتهجد
أعني ابن عفان الشهيد ومن دعي ... في الناس ذا النورين صهر محمد
قالوا فرابعهم. فقلت مبادراً ... من، جازدونهم أخوة أحمد
زوج البتول وخير من وطىء الحصى ... بعد الثلاثة والكَريم المحتد
أعني أبا الحسن الإمام ومن له ... بين الانام فضائل لم تجحد
ولعم سيدنا النبي مناقب ... لو عددت لم تنحصربتعدد
أعني أبا الفضل الذي استسقى به ... عمر أوان الجدب بين الشهًدِ
ذاك الهمام أبوالخلائف كلهم ... نسقا إلى المستظهربن المقتدي
صلى الإله عليه ماهبت صَباً ... وعلى بنيه الراكعين السجد
وأدام دولتهم علينا سرمداً ... ما حن في الأسحار كل مغرد
قالوا أبان الكلوذاني الهدى ... قلت الذي فوق السماء مؤيدي
وله أيضاً:
ومذ كنت من أصحاب أحمد لم أزل ... أناضل عن أعراضهم وأحامي
وماصدني عن نصرة الحق مطمع ... ولاكنت زنديقاً حليف خصام
ولاخير في دنيا تنال بذله ... ولا في حياة أولعت بسقام
ومن جانب الأطماع عز وإنما ... مذلته تطلابه لحطام
توفي أبو الخطاب ليلة الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه
السنة، وصلي عليه بجامع القصر، وكان المتقدم في الصلاة عليه أبو الحسن
بن فاعوس، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلي عليه ثم دفن، إلى جانب أبي
محمد التميمي في دكة أحمد بن حنبل.
ثم دخلت
سنة إحدى عشرة وخمسائة
فمن الحوادث فيها أنه زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة، وكانت الستور
والحيطان تمر وتجيء، ووقعت دور ودكاكين في الجانب الغربي، فلما كان بعد
أيام وصل الخبر بموت السلطان محمد بن ملكشاه.
قال شيخنا أبو الفضل أبن ناصر:، كانت هذه الزلزلة وقعت الضحى وكنت في
المسجد الذي على باب درب الدواب قاعداً في السطح مستنداً إلى سترة تلي
الطريق، فتحركت السترة حتى خرجت من الحائط مرتين، قال: وبلغني أن
دكاكين وقعت بالجانب الغربي في القرية، ثم كان عقبيها موت السلطان
محمد، موت المستظهر، ثم ما جرى من الحروب والفتن للمسترشد بالله مع
دبيس بن مزيد، وغلا السعر حتى بلغ الكر ثلثمائة دينار ولم يوجد، ومات
الناس جوعاً وأكلوا الكلاب والسنانير.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد القزويني كان، من الأولياء المحدثين، توفي في رمضان هذه السنة
فشهده أمم لا تحصى، وقبره ظاهر يتبرك به في الطريق إلى معروف الكرخي.
الحسن بن أحمد بن جعفر، أبو عبد الله الشقاق الفرضي الحاسب. صاحب أبي
حكيم الطبري. سمع أبا الحسين ابن المهتدي وغيره، وتوحد في علم الحساب
والفرائض. وتوفي يوم الاثنين حادي عشرين ذي الحجة.
الحسين بن الحسن، أبو القاسم القصار: سمع الجوهري، وأبا يعلى ابن
الفراء، وأبا الحسين بن المهتدي، وكان سماعه صحيحاً، وتوفي في رجب.
عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف سمع ابن المذهب،
والبرمكي وغيرهما. وكان ثقة. حدثنا عنه أشياخنا، وتوفي ليلة الأحد عاشر
شوال فجأة وقت صلاة المغرب، ودفن بمقبرة باب حرب في تربة أبي الحسين
السوسنجردي.
علي بن
أحمد، ابن أبي منصور المطوعي الطبري، أبوالحسن سمع أبا جعفر، وحدث عنه.
وتوفي يوم الثلاثاء ثالث جمادى الآخرة ودفن بباب أبرز.
علي بن أحمد، أبو الحسن الطبري سمع من ابن غيلان وغيره، وكان مستوراً،
وكان سماعه صحيحاً. وتوفي في ذي القعدة، وبعضهم يقول: إنما توفي سنة
اثنتي عشرة.
لؤلؤ الخادم صاحب حلب فتك به قوم من الأتراك كانوا في جملته، وهومتوجه
إلى قلعة جعبر.
محمد بن سعيد بن إبراهيم بن نبهان، أبوعلي الكاتب سمع أبا علي بن
شاذان، وأبا الحسين بن الصابي جده لأمه، وأبا علي بن دوما، وبشرى، وهو
اخر من حدث عنهم، وانتهى إليه الإسناد حدثنا عنه أشياخنا. قال شيخنا
ابن ناصر: إلأ أنه تغير قبل موته بسنتين. وبقي مطروحاً على فراشه لا
يعقل، فمن سمع منه في تسع وعشر فسماعه باطل، وكان يتهم بالرفض. توفي
ليلة الأحد سابع شوال، ودفن في داره بالكرخ.
قال شيخنا أبو الفضل: سمعته يقول مولدي سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ثم
سمعته مرة أخرى يقول مولدي سنة خمس عشر وأربع مائة فقلت له في ذلك،
فقال: أردت أن أدفع عني العين لأجل علو السن، وإلا فمولدي سنة احدى
عشرة، فبلغ مائة سنه.
أنبأنا شيخنا أبو الفضل بن ناصر، قال: أنشدنا أبو علي بن نبهان لنفسه
في قصيدة:
لي أجل قدره خالقي ... نعم ورزق أتوفاه
حتى إذا استوفيت منه الذي ... قدر لي لم أتعداه
قال حرام كنت ألقاه ... في مجلس قد كنت أغشاه
صار ابن نبهان إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه
محمد بن عبد الكريم بن عبيد اللّه بن محمد بن أحمد، أبو بكر الخطيب
السجزي ثم البلخي ولي الخطابة ببلخ، وسمع من أبيه وغيره، وسمع بأصبهان
من أحمد وغيره، وبنيسابور من أبي الفتح الطوسي، وبالعراق من عاصم
وغيره، وكان فقيهاً فاضلاً.وتوفي في هذه السنة.
محمد بن علي بن أبي طالب بن محمد، أبو الفضل بن أبي الغنائم، ابن زبيبا
ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وسمع من القاضي أبي يعلى، والجوهري،
وابن المذهب وغيرهم. وكان أبوه من أصحاب القاضي.
قال شيخنا ابن ناصر: لم يكن بحجة، لأنه كان على غير السمت المستقيم.
محمد بن ملكشاه، السلطان توفي بأصبهان في ذي الحجة من هذه السنة، عن
سبع وثلاثين سنة، وقام بالسلطنة ابنه محمود، وفرق خزانته في العسكر.
وقيل كانت أحد عشر ألف ألف دينار عيناً، وما يناسب ذلك من العروض.
المبارك بن طالب، أبو السعود الحلاوي المقرىء قرأ القرآن على أبي علي
ابن البناء، وأبي منصور الخياط وغيرهما، وسمع الحديث من الصريفيني
وغيره، سمع منه أشياخنا، وكان نقي العرض آمراً بالمعروف، وانتقل من نهر
معلى لكثرة المنكر بها، وأقام بالحربية حتى توفي في ربيع الأول من هذا
السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
يمن بن عبد الله، الجيوشي أبو الخير أحد خدم المستظهر باللّه، كان
مهيباً جواداً، حسن التدبير، ذا رأي وفطنة ثاقبة، وارتقت به الأمور
العالية حتى فوضت إليه إمارة الحاج، وبعث رسولاً إلى السلطان من حضرة
أمير المؤمنين مراراً، وسمع أبا عبد اللّه الحسين بن أحمد بن طلحة
النعالي بإفادة أبي نصر الأصبهاني، وكان يؤم به في الصلوات، وحدث
بأصبهان لما قدمها رسولاً. وتوفي بها في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن
هناك، وقد ذكرنا في حوادث السنة المتقدمة عن ابن عقيل في حقه كلاماً
يتعلق بالحج.
ثم دخلت
سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه خطب للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه أبي القاسم
يوم الجمعة ثالث عشرين محرم.
وفي ربيع الآخر: احترقت سوق الريحانيين وسوق عبدون، وكان حريقاً
مشهوداً وكان من عقد الحديد وعقد حمام السمرقندي إلى باب دار الضرب
وخان الدقيق والصيارف.
وفي هذا الشهر: توفي المستظهر باللّه وولي ابنه المسترشد.
باب ذكر خلافة المسترشد بالله
واسمه
الفضل، ويكنى أبا منصور، ومولده ليلة الأربعاء رابع ربيع الأول سنة
أربع وثمانين وأربعمائة، وقيل: خمس وثمانين، وقيل: ست وثمانين، وسمع
الحديث من مؤدبه أبي البركات أحمد بن عبد الوهاب السيبي، ومن أبي
القاسم على بن بيان وحدث، قرأ عليه أبو الفرج محمد بن عمر ابن الاهوازي
وهوسائر في موكبه إلى الحلبة فسمع ذلك جماعة وقرىء عنهم وروى، عنه
وزيره علي بن طراد وأبو علي بن الملقب، وكان شجاعاً بعيد الهمة، وكانت
بيعته بكرة الخميس الرابع والعشرين من ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة
وخمسمائة، فبايعه إخوته وعمومته والفقهاء والقضاة وأرباب الدولة، وكان
قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدامغاني هو المتولي لأخذ البيعة،
لأنه كان ينوب في الوزارة.
قال المصنف: ونقلته من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: لما ولي المسترشد
باللّه تلقاني ثلاثة من المستخدمين يقول كل واحد منهم؟ قد طلبك أمير
المؤمنين، فلما صرت بالحضرة قال لي قاضي القضاة وهو قائم بين يديه:
طلبك مولانا أمير المؤمنين ثلاث مرات، فقلت: ذلك من فضل اللّه علينا
وعلى الناس، ثم مددت يدي فبسط لي يده الشريفة فصافحت بعد السلام
وبايعت، فقلت: أبايع سيدنا ومولانا أمير المؤمنين المسترشد باللّه على
كتاب اللّه وسنة رسوله وسنة الخلفاء الراشدين ما أطاق واستطاع، وعلى
الطاعة مني، وقبلت يدي وتركتها على عيني زيادة على ما فعلت في بيعة
المستظهر تعظيماً له. وحده من بين سائر الخلفاء فيما نشأ عليه من الخير
والخصال المحمودة، وتميزه بطريقة جده القادر، فبعثوا إلى مبرة عشرة
دنانير، وكان رسمي في البيعة خمسين ديناراً.
وبرز تابوت المستظهر يوم بيعة المسترشد بين الصلاتين فصلى عليه
المسترشد، وكبرأربع تكبيرات، وجلس قاضي القضاة للعزاء بباب الفردوس
ثلاثة أيام، ونزل الأمير أبو الحسن بن المستظهر عند تشاغلهم بالمستظهر
من التاج في الليل وأخذ معه رجلاً هاشمياً من الحماة الذين يبيتون تحت
التاج، فمضى إلى الحلة إلى دبيس صدقة فبقي عنده مدة فأكرمه، وأفرد له
دار الذهب على أن يدخل عليه كل يوم مرة ويقبل الأرض ويستعرض حوائجه،
وبعث المسترشد نقيب النقباء أبا القاسم علي بن طراد ليأخذ البيعة على
دبيس، ويستعيد أخاه، فأعطى دبيس، البيعة، وقال: هذا عندي ضيف ولا
يمكنني إكراهه على الخروج، فدخل النقيب على الأمير أبي الحسن وأدى
رسالة الخليفة إليه ومعها خط الخليفة بالأمان على ما يجب وخاتمه ليعود
فلم يجب فرجع ووزر أبو شجاع محمد بن أبي منصور بن أبي، شجاع، وكان عمره
عشرين سنة صانعه، لأبيه لأنه كان وزيراً للسلطان محمود، واستنيب له أبو
القاسم علي بن طراد، فكتب إلى الوِّزير أبو محمد الحريري صاحب
المقامات:
هنيئاً لك الفخر فافخر هنيا ... كما قد رزقت مكاناً عليا
رقيت كآبائك الأكرمين ... لدست الوزارة كفؤاً رضيا
تقلدت أعباءها يافعاً ... كما أوتي الحكم يحيى صبيا
وفي جماى الآخرة: قبض على صاحب المخزن أبي طاهر ابن الخرزي،وعلى ابن
كمونة، وابن غيلان القاضي، وجماعة، وأرجف بأن هؤلاء كتبوا إلى الأمير
أبي الحسن يأمرونه، بأن لا يطيع. وتوفي ولد المسترشد الأكبر فدفن في
الدار مع المستظهر، ثم توفي ولد له آخر بالجدري، فبكى عليه المسترشد
حتى أغمي عليه.
وطولب ابن حمويه بمال فباع في يوم ثلاثة آلاف قطعة ثياب غير الأثاث
والقماش، وأخرج ابن بكري من الحبس وقرر عليه ثلاثة آلاف دينار
وخمسمائة، وتقدم ببيع أملاكه ليوفي، وأضيفت دار سيف الدولة إلى الجامع،
وكتب دبيس ابن مزيد فتوى في رجل اشترى داراً فغصبها منه رجل وجعلها
مسجداً، هل يصح له ذلك أم يجب إعادتها إلى مكانها ؟ فكتب قاضي القضاة
وجماعة من الفقهاء: يجب ردها إلى مالكها وينقض وقفها، فرفع ذلك إلى
المسترشد وطالب بداره التي أضيفت إلى الجامع، فأظهر بها كتاباً مثبتاً
في ديوان الحكم أنه اشتراها أبوه من وكيل المستظهر بخمسة عشر ألف دينار
وأنفق عليها ثمانية عشر ألف دينار.
وفي رجب: خلع المسترشد على دبيس جبة وفرجية وعمامة وطوقاً وفرساً
ومركباً وسيفاً ومنطقة ولواء، وحمل الخلع نقيب النقباء وابن السيبي
ونجاح، وكان يوماً مشهوداً.
وفي رابع
ذي القعدة: خلع المسترشد على نظر، ولقبه أمير الحرمين، وأعطي حقيبتين
ولوائين وسبعة أحمال كوسات، وسار للحج.
وفي ذي الحجة. صرف أبو جعفر ابن الدامغاني عن حجبة الباب، وجلس أبو
غالب ابن المعوج ثم خرج أبو الفرج بن طلحة، فجلس بباب النوبي وجلس ابن
المعوج نائبه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن محمد، أبو العباس الهاشمي، ابن الزوال العدل ولد يوم عرفة سنة
اثنتين وأربعين، وسمع أبا الحسين بن المهتدي، وأبا جعفر ابن المسلمة،
وأبا يعلى بن الفراء، وغيرهم روى عنه شيوخنا، وشهد عند أبي عبد اللّه
الدامغاني، وكان يسلك طريقة الزهد والتقشف.
وتوفي ليلة الخميس وقت العتمة تاسع عشرين محرم، ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد، أبو منصور الحارثي ولد في ذي القعدة سنة
سبع وثلاثين وأربعمائة، وسمع من جماعة، وروى عنه شيخنا عمر بن محمد
البسطامي، وكان له فضل، وتقدم ورياسة عريضة وجاه كثير، وتوفي في محرم
هذه السنة.
أحمد المستظهر باللّه، أمير المؤمنين ابن المقتدي بدأت به علة التراقي
فمرض ثلاثة عشريوماً، وتوفي ليلة الخميس سادس عشرين ربيع الآخر من هذه
السنة وكانت مدة عمره أحدى وأربعين سنة وستة أشهر وسبعة أيام، وكانت
خلافته أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوماً.
قال المصنف رحمه الله: ورأيت بخط شيخنا أبي بكر بن عبد الباقي قال:
توفي المستظهر نصف الليل، وغسله أبو الوفاء بن عقيل، وابن السيبي، وصلى
عليه الإمام المسترشد بالله، ودفن في الدار، ثم أخرج في رمضان. قال
شيخنا أبو الحسن الزاغوني: إنما عجل إخراجه لأنه قيل إن المسترشد رآه
في المنام وهو يقول له: أخرجني من. عندك وإلا أخذتك إلى عندي.
أرجوان جارية الذخيرة، أم المقتدي بأمر الله، قرة العين كانت جارية
أرمنية، وكان لها بر ومعروف، وحجت ثلاث حجج أدركت خلافة ابنها المقتدىِ
وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابنه المسترشد، ورأت للمسترشد ولداً،
وتوفيت في هذه السنة.
بكر بن محمد بن علي بن الفضل بن الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق بن
عثمان بن جعفربن عبد الله بن جعفر بن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، أبو
الفضل الزَرَنْجَري وزرنجر قرية من قرى بخارى على خمسة فراسخ منها، سمع
الحديث الكثير من جماعة يكثر عددهم، وتفرد بالرواية عن جماعة منهم لم
يحدث عنهم، وتفقه على أبي محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني، وبرع في
الفقه، فكان يضرب به المثل. وحفظ مذهب أبي حنيفة، ويقولون: هو أبو
حنيفة الصغير، ومتى طلب المتفقه منه الدرس ألقى عليه من أي موضع أراد
من غير مطالعة ولا مراجعة لكتاب، وكان الفقهاء إذا أشكل عليهم شيء
رجعوا إليه وحكموا بقوله ونقله، وسئل يوماً عن مسألة فقال: كررت هذه
المسألة ليلة في برج من حصن بخارى أربعمائة مرة. وتوفي في شعبان هذه
السنة ببخارى.
الحسين بن محمد، بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب، أبو طالب
الزينبي ولد في سنة عشرين وأربعمائة، وقرأ القرآن على أبي الحسين ابن
البروي وسمع من أبي طالب بن غيلان، وأبي القاسم التنوخي، وأبي الحسين
ابن المهتدي وغيرهم. وانفرد في بغداد برواية الصحيح عن كريمة، وتفقه
على أبي عبد الله الدامغاني، وبرع في الفقه وأفتى ودرس، وانتهت إليه
رياسة أصحاب أبي حنيفة.
ببغداد، ولقب نور الهدى ولم يزل واليَاً للمدرسة التي بناها شرف الملك
أبو سعد تدريساً، ونظراً، وترسل إلى ملوك الأطراف من البلاد من قبل
الخليفة وولي نقابة الطالبيين والعباسيين، وكان شريف النفس، كثير
العلم، غزير الدين، فبقي في النقابة شهوراً ثم حمل إليه هاشمي قد جنى
جناية تقتضي معاقبته، فقال ما يحتمل قلبي أن أسمع المعاقبين وما أراهم،
فاستعفى فأعفي واستحضر أخوه طراد من الكوفة، وكان نقيبها فولي النقابة
على العباسيين.
وتوفي يوم الاثنين حادي عشر صفر هذه السنة، وصلى عليه ابنه أبو القاسم
علي وحضره الأعيان وأرباب الدولة والعلماء، وحمل إلى مقبرة أبي حنيفة
فدفن داخل القبة ومات عن اثنتين وتسعين سنة، قال ابن عقيل: كان نور
الهدى يقول: بلغ أبي العلم إلى ما لا أبلغه من العلم.
رابعة بنت أبي حكيم إبراهيم، ابن عبيد اللّه الجيزي
والدة
شيخنا ابن ناصر، سمعت من الجوهري، وابن المسلمة، وابن النقور وغيرهم.
وحدثت وروى عنها ولدها وغيره، وكانت خيرة توفيت يوم الأحد حادي عشر ذي
القعدة ودفنت بمقبرة باب أبرز.
طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد ابن الحسن بن سليمان بن بادي بن الحارث
بن قيس بن الإشعث بن قيس، الكندي، ولد بدير العاقول بعد صلاة الجمعة
الثالث والعشرين من شعبان سنة اثنتين وخمسين، وسمع من أبي محمد الجوهري
في سنة ثلاث وخمسين، ومن القاضي أبي يعلى ابن الفراء، وأبي الحسين ابن
المقتدى. وأبي الحسين ابن النرسي، وأبي جعفر ابن المسلمة، وابن
المأمون، وابن النقور، والصريفيني، وابن الدجاجي، وابن البسري وقرأ
الفقه على يعقوب البرزباني، وكان عارفاً بالمذهب، حسن المناظرة، وكانت
له حلقه بجامع القصر للمناظرة.
وتوفي في هذه السنة ودفن بمقبرة البلد قريباً من أبي بكر عبد العزيز.
محمد بن الحسين بن محمد، أبوبكر الأرسابندي القاضي من قرية من قرى مرو،
سمع الحديث ببخارى، وتفقه هناك على صاحب أبي زيد، ونظر في الأدب، وبرع
في النظر، وولي القضاء، وكان حسن الأخلاق متواضعاً جواداً، وورد بغداد
فسمع بها أبا محمد التميمي وغيره إلأَ أنه يروى عنه التحريف في
الرواية، فإنه كان يقول: عندنا أنه من صنف شيئَاً فقد أجاز لكل من يروي
عنه ذلك. وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة. وكتب على قبره:
من كان معتبراً ففينا معتبر ... أو شامتاً فالشامتون على الأثر
محمد بن حاتم بن محمد بن عبد الرحمن، أبو الحسن الطائي من أهل طوس، ورد
نيسابور وتفقه على الجويني، ثم سافر إلى البلاد إلى المشايخ، فسمع بها
الحديث الكثير، ورجِع إلى نيسابور، فتوفي بها في هذه السنة، وكان
فقيهاً خيراً ذا كياسة.
محمود بن الفضل بن محمود، أبو نصر الأصفهاني سمع الكثير وكتب، وكان
حافظاً ضابطاً ثقة مفيداً لطلاب العلم. وتوفي يوم الاثنين سابع عشرين
جمادى الأولى، ودفن بباب حرب قريبَاً من بشر الحافي.
يوسف بن أحمد، أبو طاهر الخَرزي كان صاحب المخزن للمستظهر، وكان لا
يوفي المسترشد حق التعظيم و هو ولي عهد، فلما ولي أقره مديدة ثم قبض
عليه في جمادى الأولى من هذه السنة وهلك. حدثني عبد الله بن نصر البيع،
عن أبي الفتوح بن طلحة صاحب المخزن، قال: كنا نخدم مع المسترشد وهو ولي
عهد، وكان يقصر في حقه ابن الخرزي وفي حوائجه، فكنت ألزمه فأقول: لا
تفعل، فيقول: أنا أخدم شاباً في أول عمره يشير إلى المستظهر، وما
أبالي، وكان المسترشد حنقَاً عليه يقول: لئن وليت لأفعلن به، فلما ولي
خلا بي ابن الخرزي وأمسك ذيلي، وقال: الصنيعة، فقلت له: الآن وقد فعلت
في حقه ما فعلت، فقال: انظر ما نفعل، فقلت: هذا رجل قد ولى ولا مال
عنده فاشتر نفسك منه بمال، فقال: كم؟ فقلت: عشرين ألفاً، فقال: والله
ما رأيتها قط، قلت: لا تفعل، فلم يقبل، فانتظرنا البطش به فخلع عليه،
ثم بعد أيام خلع عليه فكتبت إلى المسترشد أقول: أليس هو الذي فعل كذا
وكذا؟ فكتب في مكتوبي: " خلق الإنسان من عجل " ، ثم عاد وخلع عليه، ثم
تقدم بالقبض عليه، فأخذنا من داره ما يزيد على مائة إلف دينار من المال
وأواني الذهب والفضة، ثم أخذنا مملوكاً له كان يعرف باطنه، فضربناه
بناه فأومأ إلى بيت في داره فاستخرجنا منه دفائن أربعمائة ألف دينار،
ثم تقدم إلينا بقتله.
يحيى بن عثمان ابن الشواء، أبوالقاسم الفقيه سمع أبا يعلى بن الفراء،
وأبا الحسين بن النقور، وابن المهتدي وابن المسلمة، والجوهري،و تفقه
على القاضي أبي يعلى، ثم على القاضي يعقوب، وكان فقيهاً حسناً، وسماعه
صحيح، وقرأ بالقراآت. وتوفي. ليلة الثلاثاء تاسع عشرجمادى الآخرة ودفن
في باب حرب.
يحيى بن عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن إبراهيم بن
الوليد، ابن منده ومنده لقب إبراهيم، ويكنى يحيى أبا زكريا: ولد سنة
أربع وثمانين وأربعمائة، وكان محدثاً وأبوه وجده وأبو جده وجد جده
وأبوه، وسمع يحيى الكثير، وكان ثقة حافظاً صدوقاً، وصنف وجمع، وقدم
بغداد فأملى بها، وحدثنا عنه أشياخنا. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة.
ولم يخلف في بيت ابن منده مثله، وقيل في سنة إحدى عشرة.، أبو الفضل بن
الخازن
كان
أديباً لطيفاً ظريفاً. أنبأنا أبوعبد الله محمد بن علي الحراني، قال:
حكى لي أبو الفتح بن زهمونه، قال: سافرت إلى أصبهان سنة ست وخمسمائة،
فاتفق معي أبو الفضل ابن الخازن فقصدنا يوماً دار شمس الحكماء أبي
القاسم الأهوازي الطبيب لزيارته لمودة كانت بيننا، ولم يكن حاضراً.
فدخلنا إلى حمام في الدار وخرجنا منه، فجلسنا في بستان فيها، فأنشدني
الخازن ارتجالاً:
وافيت منزله فلم أر صاحباً ... إلا تلقاني بوجه ضاحك
والبشر في وجه الغلام نتيجة ... لمقدمات ضياء وجه المالك
ودخلت جنته وزرت جحيمه ... فشكرت رضواناً ورأفة مالك
ثم دخلت
سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في المحرم خوطب الأكمل الزينبي بقضاء القضاة.
وحكم في خامس عشرين محرم، وخلع في صفر بالديوان، ومضى إلى جامع المنصور
للتثبيت.
وفيها: أن الأمير أبا الحسن بن المستظهر انفصل عن الحلة في صفر، ومضى
إلى واسط، ودعا إلى نفسه واجتمع معه الرجالة والفرسان بالعدة والسلاح
وملكها وسوادها، وهرب العمال، وجبى الخراج، فشق ذلك على الخليفة، فبعث
ابن الأنباري كاتب الإنشاء إلى دبيس وعرفه ذلك، وقال: أمير المؤمنين
معول عليك في مبادرته، فأجاب بالسمع والطاعة وأنفذ صاحب جيشه عنان في
جمع كثير، فلما سمع الأمير أبو الحسن ذلك رحل من واسط منهزماً مع عسكره
بالليل فضلوا الطريق وساروا ليلهم أجمع، ثم رجعوا إلى ناحية واسط حتى
وصلوا إلى معسكر دبيس، لما لاح لهم العسكر انحرف الأمير أبو الحسن عن
الطريق فتاه في البرية في عدد من خواصه، وذلك في شهر تموز، ولم يكن
معهم ماء وكان بينهم وبين الماء فراسخ فأشرف على الهلاك حتى أدركه نصر
بن سعد الكردي فسقاه الماء وعادت نفسه إليه، ونهب ما كان معه من المال
والتجمل، وحمل إلى دبيس وكان نازلاً بالنعمانية فأصعد به إلى بغداد
وخيم. بالرقة، و بعث به إلى المسترشد بعد تسليم عشرين ألف دينار إليه
قررت عنه، وكانت مدة خروجه إلى أن أعيد أحد عشر شهراً، وكان مديره ابن
زهمونه فشهر ببغداد على جمل وقد ألبس قميصاً أحمر وترك في رقبته مخانق
برم وخرز ووراءه غلام يضربه بالدرة، ثم قتل في الحبس وشفع في سعد اللّه
بن الزجاجي فعفى عنه.
وصرف ولد الربيب عن الوزارة، ووزر أبو علي ابن صدقة، وخطب في يوم
الجمعة ثاني عشر ربيع الأول من هذه السنة على منابر بغداد لولد الامام
المسترشد باللّه، فقيل في الخطبة: اللهم أنله من الأمل. العدة، وما
ينجز له به موعوده في سلالته الطاهرة في مولانا الأجل عدة الدين
المخصوص بولاية العهد في العالمين أبي جعفر منصور ابن أمير المؤمنين.
وفي هذه السنة: ورد سنجر إلى الري فملكها، وحاربه ابن اخيه محمود
فانهزم، وكان مع سنجر خمسة ملوك على خمسة أسرة منهم ملك غزنة، وكان معه
من الباطنية ألوف، ومن كفار الترك ألوف، وكان معه نحو أربعين فيلاً، ثم
إن محموداً حضر عند سنجر فخدمه، وعزل القاضي أبو علي الحسن بن ابراهيم
الفارقي عن قضاء واسط، وولي أبو المكارم علي بن أحمد البخاري.
وفي ربيع الأول: قبلت شهاعة الأرموي، وابن الرزاز، والهيتي، وأبي الفرج
بن أبي خازم بن الفراء، وانفرد الإمام المسترشد أياماً لا يخرج من
حجرته الخاصة هو ووالدته وجارية، حتى أرجف عليه، وكان السبب مرضاً
وقيل: بل شغل قلبه.
وفي جمادى الأولى خلع على أبي علي بن صدقة، ولقب جلال الدين، وظهر في
هذا الشهر غيم عظيم، وجاء مطر شديد، وهبت ريح قوية أظلمت معها السماء،
وكثر الضجيج والاستغاثة حتى ارتج البلد.
وذكر أن دبيساً راسل المسترشد: أنه كان من شرطي في إعادة الأمير أبي
الحسن أني أراه أي وقت أردت، وقد ذكر أنه على حالة صعبة، فقيل له: إن
أحببت آن تدخل، إليه فافعل أو تنفذ من يختص بك فيراه، أو يكتب إليك
بخطه، فأما أن يخرج هو فلا، كان قد ندم على تسليمه.
وورد كتب من سنجر فيها إقطاع للخليفة بخمسين ألف دينار، وللوزير. بعشرة
آلاف، ورد إلى الوزير العمارة والشحنكية ووزارة خاتون.
وفي شعبان وصل ابن الطبري بتوقيع من السلطان بتدريس النظامية.
وعلى
استقبال شوال بدىء بالبناء في التاج، وفي العشرين من شوال وصل القاضي
الهروي وتلقاه الوزير بالمهد واللواء ومعه حاجب الباب والنقيبان وقاضي
القضاة والجماعة، وحمل على فرس من الخاص، ونزل باب النوبي، وقبل الأرض،
ثم حضر في اليوم الثالث والعشرين فوصل إلى المسترشد فأوصل له كتباً،
وحمل من سنجر ثلاثين تختاً من الثياب، وعشرة مماليك وهدايا كثيرة.
وفي العشر الأوسط من ذي الحجة: اعتمد أبو الحسين أحمد بن قاضي القضاة
أبي الحسن الدامغاني إلى امرأة فأشهد عليها بجملة من المال ديناً له
عليها، وقال: هذه اختي زوجة ابن يعيش، وشهد عليهما شاهدان الأرموي
والمنبجي، فلما علمت أخته وزوجها أنكرا ذلك وشكيا إلى المسترشد فكشفت
الحال، فقال: إني أخطأت في اسمها، وإنما هي أختي الصغرى فأبدل اسم
باسم، فوافقه على ذلك المنبجي، وأما الأرموي فقال: ما شهدت إلا على
الكبرى، وكشط من الكتاب الكبرى، وكتب اسم الصغرى، فصعب هذا عند
الخليفة، وتقدم في حقه بالعظائم، واختفى أبو الحسين فحضر أخوه تاج
القضاة عند شيخ الشيوخ اسماعيل، وأحضر كتاباً فيه إقرار بنت الزينبي
زوجة، الوزير عميد الدولة بن صدقة، لأخيها قاضي القضاة الأكمل بجملة
كبير من المال إما ثلاثة آلاف ونحوها وفيه خطوط اثني عشر شاهداً، وأنه
ثبت على قاضي القضاة أبي الحسن الدامغاني أنه زور على أخته. وظهر هذا
للشهود حتى رجعوا عن الشهادة، فإن كان أخي قد أخطأ ومعه شاهد واحد
وخالفه شاهد واحد فهذا قاضي. القضاة اليوم يكذبه اثنا عشر شاهداً، فكتب
شيخ الشيوخ الى الخليفة بالحال، فخرج التوقيع بالسكوت عن القصتين
جميعاً، ذكر هذا شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني في تاريخه.
وفي هذه السنة: شدد التضييق على الأمير أبي الحسن وسد الباب وأبقي منه
موضع تصل منه الحوائج ثم أحضره، وقال له: قد وجد في قبة دارك تشعيث
ولعله منك وانك قد عزمت على الهرب مرة أخرى، وجرى بينهما خطاب طويل
وحلف أنه لم يفعل، وتنصل ثم أعيد إلى موضعه على التضييق.
وورد الخبر بان دبيس بن مزيد كسر المنبر الذي في مشهد علي عليه السلام
والذي في مشهد الحسين، وقال: لا تقام ها هنا جمعة ولا يخطب لأحد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف، أبوغالب النوبندجاني الصوفي
ونوبندجان من نواحي فارس، سمع من ابن المهتدي، وابن النقور وغيرهما،
وحدث، وكان صالحاً ديناً. وتوفي يوم الأحد خامس رجب، ودفن بمقابر
الشهداء.
أحمد بن محمد بن شاكر، أبو سعد صاحب ابن القزويني سمع منه ومن العشاري،
والجوهري، وكان صالحاً. وتوفي يوم الثلاثاء خامس عشر صفر، ودفن بباب
حرب.
أحمد بن الحسن بن طاهر بن الفتح، أبو المعالي ولد سنة خمس وأربعين
وأربعمائة، وسمع أبا الطيب الطبري، وأبا يعلى، وابن المهتدي، وابن
المسلمة وغيرهم. وكان سماعه صحيحاً. وتوفي يوم الأحد خامس رجب، ودفن
بمقابر الشهداء.
علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الملك بن حمويه، أبو الحسن
بن أبي عبد اللّه قاضي القضاة ابن قاضي القضاة الدامغاني
ولد في
رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وشهد عند أبيه. أبي عبد اللّه في سنة
ست وستين، وفوض إليه القضاء بباب الطاق، وما كان إلى جده أبي أمه
القاضي أبي الحسن بن أبي جعفرالسمناني من القضاء، وكان يوم تقلد القضاء
وعدل ابن ست عشرة سنة، ولم يسمع أن قاضياً تولى أصغر من هذا، وولي
القضاء لأربعة خلفاء: القائم والمقتدي إلى أن مات أبوه، ثم ولي الشافعي
فعزل نفسه، وبعث إليه الشامي يقول له: أنت على عدالتك وقضائك، فنفذ
إليه يقول: أما الشهادة فإنها استشهدت، وأما القضاء فقضى عليه، وانقطع
عن الولاية، واشتغل بالعلم، فقلده المستظهر قضاء القضاة في سنة ثمان
وثمانين وكان عليه اسم قاضي القضاة وهو معزول في المعنى بالسيبي
والهروي، ولم يكن إليه إلا سماع البينة في الجانب الغربي، لكنه كان
يتطرى جاهه بالآعاجم ومخاطبتهم في معناه، ثم ولي المسترشد فأقره على
قضاء القضاة ولا يعرف بأن قاضياً تولى لأربع خلفاء غيره، وغير شريح إلا
أبا طاهر محمد بن أحمد بن الكرخي، قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء،
وإن كان مستناباً: المستظهر، والمسترشد، والراشد، والمقتفي، والمستنجد.
وناب، أبو الحسن الدامغاني عن الدامغاني عن الوزارة في الأيام
المستظهرية والمسترشدية بمشاركة غيره معه، وتفرد بأخذ البيعة للمسترشد،
وكان فقيهاً متدينأً ذا مروءة وصدقات وعفاف، وكان له بصر جيد بالشروط
والسجلات، وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى بن الفراء، وأبي بكر الخطيب،
والصريفيني وابن النقور، وحدث.
وكان قد تقدم إليه المستظهر بسماع قول بعض الناس فلم يره أهلاً لذلك،
فلم يسمع قوله وحدثني أبو البركات بن الجلاء الأمين، قال: حضر أبو
الحسن الدامغاني وجماعة أهل الموكب باب الحجرة، فخرج الخادم فقال:
انصرفوا إلا قاضي القضاة، فلما انصرفوا قال له الخادم: ان أمير
المومنين. يحب يسمع كلامك، يقول لك: أنحن نحكمك أم أنت تحكمنا. قال:
فقال: كيف يقال لي هذا وأنا بحكم أمير المؤمنين. فقال: أليس يتقدم إليك
بقبول قول شخص فلا تفعل. قال: فبكى ثم قال لأمير المؤمنين: يا أمير
المؤمنين إذا كان يوم القيامة جيء بديوان ديوان فسئلت عنه، فإذا جيء
بديوان القضاء كفاك أن تقول وليته لذاك المدبر ابن الدامغاني فتسلم أنت
وأقع أنا، قال: فبكى الخليفة، وقال: افعل ما تَريد.
وقد روى رفيقنا أبو سعد السمعاني، قال: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد
الأزدي يقول: دخل أبو بكر الشاشي على قاضي القضاة الدامغاني زائراً له
فما قام قاضي القضاة، فرجع الشاشي وما قعد، وكان ذلك في سنة نيف
وثمانين، فما اجتمعا إلا بعد سنة خمسمائة في عزاء لابن الفقيه، فسبق
الشاشي فجلس، فلما دخل الدامغاني قام الكل إلا الشاشي فانه ما تزحزح،
فكتب قاضي القضاة إلى المستظهر يشكو من الشاشي انه ما احترم حرمة نائب
الشرع، فكتب المستظهر: ماذا أقول له، أكبر منك سنَاً وأفضل منك وأورع
منك، لو قمت له كان يقوم لك، وكتب الشاشي إلى المستظهر، يقول: فعل في
حقي وصنع ووضع مرتبة العلم والشيوخة، وكتب في أثناء القصة:
حجاب وإعجاب وفرط تصلف ... ومدّ يد نحو العلا بتكلف
فلو كان هذا من وراء كفاية ... لهان ولكن من وراء تخلف
فكتب المستظهر في قصته: يمشي الشاشي إلى الدامغاني ويعتذر، فمضى
امتثالاً للمراسم، وكنا معه، فقام له الدامغاني قيِاماً تاماً، وعانقه
واعتذر إليه، وجلسا يتحدثان، وكان القاضي يقول: تكلم والدي في المسأله
الفلانية واعترض عليِه فلان وتكلم فلان في مسألة كذا وكذا واعترض عليه
والدي إلى أن ذكر عدة مسائل، فقال له الشاشي: ما أجود ما قد حفظت أسماء
المسائل.
قال
المصنف رحمه اللّه: وكان أبو الحسن ابن الدامغاني قصر أيضاً في حق أبي
الوفاء ابن عقيل، فكتب ابن عقيل إليه ما قرأته بخطه: مكاتبة سنح بها
الخاطر لتوصل إلى أبي الحسن الدامغاني قاضي القضاة يتضمن تنبيهاً له
على خلال قد سولت له نفسه أستعمالها، فهدت من مجد منصبه ما لا يتلافاه
على طول الوقت في مستقبل عمره، لما خمره في نفوس العقلاء من ضعف رأيه
وسوء خلقه الذي لم يوفق لعلاجه، وكان مستعملاً نعمة الله تعالى في
مداواة نقائصه. ومن عذيري ممن نشأ في ظل والد مشفق عليه قد حلب الدهر
شطريه وأتلف في طلب العلم أطيبيه، أجمع أهل عصره على كمال عقله كما
اجتمع العلماء على غزارة علمه، اتفق تقدمه فى نصبه القضاء بالدولة
التركمانية والتركية المعظمة لمذهبه، وفي عصره من هو أفضل منه بفنون من
الفضل، كأبي الطيب الطبري، وأخلق بالرياسة كالماوردي، وأبي إسحاق
الفيروز أباذي، وابن الصباغ، فقدمه الزمان على أمثاله، ومن يربى عليه
في الفضل والأصل فكان أشكر الناس لنعمة اللهّ، فاصطنع من دونه من
العلماء، وأكرم من فوقه من الفقهاء حتى أراه اللّه في نفسه فوق ما
تمناه من ربه، وغشاه من السعادة ما لم يخطر بباله، حيث رأى أبا الطيب
الطبري نظير أستاده الصيمري بين يديه شاهداً، وله في مواكب الديوان
مانعاً، وتعجرف عليه أبو محمد التميمي فكان يتلافاه بجهده، ويأبى إلا
إكرامه ويغشاه في تهنئة وتعزية، حتى عرض عليه القائم الوزارة فأبى
تعديه رتبة القضاء، فلما ولى ولده سلك طريقة عجيبة خرج بها عن سمت
أبيه، فقدم أولاد السوقة، وحرم أولاد العلماء حقوقهم، وقبل شهادة أرباب
المهن، وأنتصب قائماً للفساق الذين شهد بفسقهم لباسهم الحرير والذهب،
ومنع أن يحكم إلا برأي أبىِ حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وصاح في مجلسه
بأعلى صوته انه لم يبق في الأرض مجتهد، وهولا يعلم ما تحت هذا الكلام
من الفساد، وهو إخراج عن الاجماع الذي هو آكد أدلة الشرع، وليس لنا
دليل معصوم سواه، جعله اللهّ في هذه الشريعة خلف النبوة حيث كان نبيها
خاتم الانبياء لا يخلفه نبي، فجعل اجتماع أمته بدلاً من نبوة بعد نبوة،
وقد علم أن المقدم عليه نقيب النقباء تقدم مميز، وترك النظر صفحاً،
وتعاطى أن لا يخاطب أحداً بما يقتضيه حاله من شيوخه أو علم أو نسب
الاباء فعاد ممقوتاً إلى القلوب، وأهمله من لا حاجة إليه له، أصلحه
الله لنفسه فما أغنانا عنه " .
وكتب ابن عقيل يوبخه أيضاً على تقصير في حقه من عذيري ممن خص بولاية
الأحكام وقضاء القضاة والحكم في جميع بلاد الإسلام، فكان أحق الناس
بالإنصاف، والإنصاف لا يختص بأحكام الشرع بل حقوق الناس التي توجبها
قوانين السياسة وآداب الرياسة مما يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، ويجب أن
يكون هو المعيار لمقادير الناس
لا سيما
أهل العلم الذي هو صاحب منصبهم، ونراه على استمرار عادته يعظم الأعاجم
الواردين من الخراسانية تعظيماً باللفظ وبالنهوض لهم، وينفخ فيهم
بالمدح حال حضورهم ثقة بالسماع، والحكاية عنهم، وبطل الثناء بعد خروجهم
فيحشمهم ذلك فىِ نفوس من لا يعرفهم، ويتقاعد عند علماء بلده ومشيخة دار
السلام الذين قد انكشفت له علومهم على طول الزمان، ويقصر بأولاد الموتى
منهم مع معرفته بمقادير أسلافهم والناس يتلمحون أفعاله، وأكثر من يخصهم
بالتعظيم لا يتعدون هذه المسائل الطبوليات، ليس عندهم من الروايات
والفروعيات خبر، مفلوسون من أصول الفقه والدين، لا يعتمدون إلا على
الألقاب الفارغة، وإذا لم يسلك إعطاء كل ذي حق حقه لم يطعن ذلك في
المحروم بل في الحارم، أما من جهة قصور العلم بالموازنة، أو من طرين
اعتماد الحرمان لأرباب الحقوق، وذاك البخس البحت، والظلم الصرف، وذلك
يعرض بأسباب التهمة في التعديل فيما سوى هذا القبيل، ولا وجه لقول
متمكن من منصبه: لا أبالي، فقد بالى من هو أكبر منصباً، فقال عليه
السلام: " لولا أن يقال أن محمداً نقض الكعبة لأعدتها إلى قواعد
ابراهيم " فتوقى أن يقول الذين قتلهم وكسر أصنامهم، وهذا عمر يقول: "
لولا أن يقال إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم في حاشية المصحف
" . ومن فقهه قال: في حاشية المصحف، لأن وضع الأي كأصل الأي، لا يجوز
لأحد أن يضع آية في سورة من غير قول رسول اللة صلى الله عليه وسلم
بالوحي ضعوها على رأس كذا فأنبأ بقوله في حاشية المصحف على هذا الفقه
الدقيق.
فان قال: لا أبالي بمن قال من. علماء العراق كان العتب متضاعفاً،
فيقال: قد ظهر من إعظامك الغرباء زيادة على محلهم ومقدارهم طلباً
لانتشار اسمك بالمدحة، وعلماء العراق هم بالقدح أقوم، كما أنهم بأسباب
المدح أعلم، فاطلب السلامة تسلم، والسلام.
توفي أبو الحسن الدامغاني ليلة الأحد رابع عشر محرم عن ثلاث وستين سنة
وستة أشهر ولي منها قضاء القضاة عشرين سنة وخمسة أشهر وأياماً، وصلي
عليه وراء، مقبرة الشونيزية، تقدم في الصلاة عليه ابنه أبو عبد اللهّ
محمد، وحضر النقيبان والأكابر، ودفن في داره بنهر القلائين في الموضع
الذي دفن فيه ابوه، ثم نقل أبوه إلى مشهد أبي حنيفة.
علي بن عقيل بن محمد بن عقيل، أبو الوفاء الفقيه فريد دهره وءامام
عصره. قال شيخنا أبو الفضل ابن ناصر: سألته عن مولده، فقال: ولدت في
جمادى الآخرة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، وكذا رأيته أنا بخطه، وكان
حسن الصورة، ظاهر المحاسن، حفظ القرآن، وقرأ القراآت على أبي الفتح بن
شيطا وغيره، وكان يقول: شيخي في القراءة ابن شيطا، وفي الأدب والنحو
أبو القاسم بن برهان، وفي الزهد أبو بكر الدينوري، وأبو منصور بن
زيدان، أحلى من رأيت وأعذبهم كلاماً في الزهد، وابن الشرازي، ومن
النساء الحرانية، وبنت الجنيد، وبنت الغراد المنقطعة إلى قعر بيتها لم
تصعد سطحاً قط، ولها كلام في الورع، وسيد زهاد عصره، وعين الوقت أبو
الوفاء القزويني ومن مشايخي في آداب التصوف أبو منصور ابن صاحب الزيادة
العطار شيخ زاهد مؤثر بما يفتح له فتخلق بأخلاق مقتدي الصوفية، ومن
مشايخي في الحديث التوزي، وأبو بكر بن بشران، والعشاري، والجوهري،
وغيرهم. ومن مشايخي في الشعر والترسل ابن شبل، وابن الفضل. وفي الفرائض
أبو الفضل الهمذاني وفي الوعظ أبو طاهر ابن العلاف صاحب ابن سمعون، وفي
الأصول أبو الوليد، وأبو القاسم ابن البيان، وفىِ الفقه أبو يعلى ابن
الفراء المملوء عقلاً وزهداً وورعاً، قرأت عليه حين عبرت من باب الطاق
لنهب الغز لها سنة أربع وأربعين، ولم أخل بمجالسته وخلواته التي تتسع
لحضوري والمشي معه ماشياً، وفي ركابه إلى أن توفي، وحظيت من قربه لما
لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي،
إمام الدنيا وزاهدها، وفارس المناظرة وواحدها، وكان يعلمني المناظرة،
وانتفعت بمصنفاته، وأبو نصر ابن الصباغ، وأبو عبد اللّه الدامغاني،
حضرت مجلس درسه ونظره من سنة خمسين إلى أن توفي، وقاضي القضاة الشامي
انتفعت به غاية النفع، وأبو الفضل الهمذاني، وأكبرهم سناً وأكثرهم
فضلاً أبو الطيب الطبري حظيت برؤيته ومشيت في ركابه، وكانت صحبتي له
حين انقطاعه عن التدريس والمناظرة فحظيت بالجمال والبركة.
ومن
مشايخي أبو محمد التميمي كان حسنة العالم وماشطة بغداد، ومنهم أبو بكر
الخطيب كان حافظ وقته، وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة
من العلماء وكان ذلك يحرمني علمآً نافعاً وأقبل علي أبو منصور بن يوسف
فحظيت منه بأكثر من حظوة وقدمني في الفتاوى مع حضور من هو أسن مني،
وأجلسني البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي سنة ثمان وخمسين، وقام
بكل مؤنتي وتجملي فقمت من الحلقة اتتبع حلق العلماء لتلقط الفوائد،
فأما أهل بيتي فإن بيت أبي فكلهم أرباب. أقلام وكتابة وشعر وآداب وكان
جدي محمد ابن عقيل كاتب حضرة بهاء الدولة، وهو المنشىء لرسالة عزل
الطائع وتولية القادر، ووالدي أنظر الناس، وأحسنهم جدلاً وعلماً، وبيت
أمي بيت الزهري صاحب الكلام والمدرس على مذهب أبي حنيفة، وعانيت من
الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى، ولا أزاحم فقيهاً في حلقة، ولا تطلب
نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة، وتقلبت على الدول
فما أخذتني دولة السلطان ولا عاقه عما اعتقد أنه الحق، فأوذيت من
أصحابي حتى طل الدم، وأوذيت من دولة النظام بالطلب والحبس، فيا من خسرت
الكل لأجله لا تخيب ظني فيك، وعصمني اللّه من عنفوان الشبيبة بأنواع من
العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطت ملعاباً ولاعاشرت إلا
أمثالي من طلبة العلم.
وافتى ابن عقيل ودرس، وناظر الفحول، واستفتي في الديوان في زمن القائم
في زمرة الكبار، وجمع علوم الأصول والفروع، وصنف فيها الكتب الكبار،
وكان دائم الاشتغال بالعلم حتى إني رأيت بخطه: أني لا يحل لي أن أضيع
ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة
أعمل فكري في حال رحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره،
وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده
وأنا ابن عشرين.
وكان له الخاطر العاطر والبحث عن الغوامض والدقائق، وجعل كتابه المسمى
بالفنون مناظراً لخواطره وواقعاته، ومن تأمل واقعاته فيه عرف غور
الرجل، وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة، فلما كانت سنة خمس وسبعين.
وأربعمائة جرت فيها فتن بين. الحنابلة والأشاعرة فترك الوعظ واقتصر على
التدريس، ومتعه اللّه بسمعه وبصره وجميع جوارحه.
قال المصنف: وقرأت بخطه، قال: بلغت لاثنتي عشرة سنة وأنا في سنة
الثمانين وما أرى نقصاً في الخاطر والفكر والحفظ وحلة النظر وقوة البصر
لرؤية الأهلة الخفية إلا أن القوة بالاضافة إلى قوة الشبيبة والكهولة
ضعيفة.
وكان ابن عقيل قوي الدين، حافظا للحدود، ومات ولدان له فظهر منه من
الصبر ما يتعجب منه، وكان كريماً ينفق مايجد فلم يخلف سوى كتبه وثياب
بدنه فكانت بمقدار كفنه وقضاء دينه، وكان إذ طال عمره يفقد القرناء
والاخوان.
قال المصنف رحمه اللّه: فقرأت بخطه: رأينا في أوائل أعمارنا أناساً طاب
العيش معهم كالدينوري، والقزويني وذكر من قد سبق إسمه في حياتة، ورأيت
كبار الفقهاء كأبي الطيب وابن الصباغ وأبي اسحاق، ورأيت إسماعيل والد
المزكي تصدق بسبعه وعشرين ألف دينار، ورأيت من بياض التجار كابن يوسف
وابن جردة وغيرهما، والنظام الذي سيرته بهرت العقول، وقد دخلت في عشر
التسعين وفقدت من رأيت من السادات ولم يبق إلا. أقوام كأنهم المسوخ
صوراً، فحمدت ربي إذ لم يخرجني من الدار الجامعة لأنوار المسار بل
أخرجني ولم يبق مرغوب فيه فكفاني محنة التأسف على ما يفوت، لأن التخلف
مع غير الأمثال عذاب، وانما هون فقداني للسادات نظري إلى الإعادة بعين
اليقين، وثقتي إلى وعد المبدىء لهم، فلكأني أسمع داعي البعث وقد دعا
كما. سمعت ناعيهم وقد نعى حاشى المبدىء لهم على تلك الأشكال والعلوم أن
يقنع لهم في الوجود بتلك الأيام اليسيرة المشوبة بأنواع الغصص وهو
المالك، لا واللّه لا أقنع لهم إلا بضيافة تجمعهم على مائدة تليق،
بكرمه، نعيم بلا ثبور، وبقاء بلا موت، واجتماع بلا فرقة، ولذات بغير
نغصة.
وحدثني
بعض الأشياخ أنه لما احتضر ابن عقيل بكى النساء، فقال: قد وقفت خمسين
سنة فدعوني أتهنأ بلقائه. توفي رضي اللّه عنه بكرة الجمعة ثاني
عشرجمادى الأولى من هذه السنة، وصلي عليه في جامع القصر والمنصور، وكان
الجمع يفوق الإحصاء. قال شيخنا ابن ناصر: حزرتهم بثلثمائة ألف، ودفن في
دكة الامام أحمد وقبره ظاهر فما كان في مذهبنا أحد مثله. وقال شيخنا
أبو الحسن الزعفراني: دفن في الدكة بعد الخادم مخلص.
أحمد بن أحمد بن الحسين، أبوعبدالله اليزدي ولد سنة خمس وخمسين، وسافر
في طلب القراآت البلاد البائنة، وعبر ما وراء النهر وكان إذا قرأ بكى
الناس لحسن صوته، وحدث بشيء يسير عن أبي إسحاق الشيرازي، وتوفي في هذه
السنة.
محمد بن طرخان بن بلتكين، أبو بكر التركي سمع الكثير، وكتب، وكان له
معرفة بالحديث، والأدب، وسمع الصريفيني،.وابن النقور، وابن البسري. روى
عنه أشياخنا ووثقوه. توفي في صفرهذه السنة، ودفن بالشونيزية.
محمد بن عبد الباقي، أبو عبد الله الدوري ولد سنة أربع وثلاثين
وأربعمائة، وسمع الجوهري، والعشاري، وأبا بكر بن بشران، وغيرهم. وكان
شيخاً صالحاً ثقة خيراً. وتوفي في صفر هذه السنة.
المبارك بن علي بن الحسين، أبو سعد المخرمي ولد في رجب سنة ست وأربعين
وأربعمائة، وسمع الحديث من أبي الحسين ابن المهتدي، وابن المسلمة،
وجابر بن ياسين، والصريفيني، وأبي يعلى ابن الفراء، وسمع منه شيئاً من
الفقه، ثم تفقه على صاحبه أبي جعفر الشريف، ثم على يعقوب البرزبيني،
وأفتى ودرس وجمع كتباً كثيرة ولم يسبق إلى جمع مثلها، وشهد عند أبي
الحسن الدامغاني في سنة تسع وثمانين، وناب في القضاء عن السيبىِ
والهروي، وكان حسن السيرة جميل الطريقة شديد الأقضية، وبنى مدرسة بباب
الأزج ثم عزل عن القضاء في سنة إحدى عشرة، ووكل به في الديوان على حساب
وقوف الترب، فأدى مالاً. ثم توفي في ثاني عشر محرم هذه السنة، ودفن إلى
جانب أبي بكر الخلال عند رجلي الإمام أحمد بن حنبل.
ثم دخلت
سنة أربع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في المحرم خطب للسلطانين أبي الحارث، سنجر بن
ملكشاه، وابن أخيه أبي القاسم محمود بن محمد جميعاً في موضع واحد، وسمي
كل واحد منهما شاهنشاه.
وفي أول صفر: رتب أبو الفتوح حمزة بن علي بن طلحة وكيلاً ناظراً في
المخزن، وكان قبل ذلك ينظر في حجبة الباب، فبقي في الحجبة سنة وشهراً
وأياماً، ثم نقل إلى المخزن.
وتمرد العيارون في هذا الأوان وأخذوا زواريق منحدرة من الموصل ومصعدة
إلى غيرها، وفتكوا بأهل السواد فتكات متواليات، وهجموا على العتابيين
فحفظوا أبواب المحلة، ودخلوا إلى دور عيونها فأخذوا ما فيها وما في
موازين المتعيشين، فتقدم الخليفة إلى إخراج أتراك دارية لقتالهم،
فخرجوا وحاصروهم في الأجمة خمسة عشر يوماً، ثم إن العيارين نزلوا في
سفن وانحدروا إلى شارع دار الرقيق دخلوا المحلة، وأقبلوا منها إلى
الصحارى وقصد أعيانهم دار الوزير ابن صدقة بباب العامة في ربيع. الأول
وأظهروا التوبة، وخرج فريق منهم لقطع الطريق، فقتلهم أهل السواد بأوانا
وبعثوا رؤسهم إلى بغداد.
وفي ربيع الأول: ورد القاضي أبو جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي
الكوفة والبلاد الميزيدية، وكان دبيس الملقب بسيف الدولة نفذ به إلى
الأمير إيلغازي ابن أرتق، فخطب منه ابنته فزوجه بها ونقلها إليه، فوردت
صحبة أبي جعفر الحلة.
ووقعت الخصومة بين السلطان محمود وأخيه مسعود ابني محمد، وكان مسعود هو
العاصي عليه فلتطفه محمود فلم يصلح، وقامت الحروب في ربيع الأول فانحاز
البرسقي إلى محمود، وانهزم مسعود وعسكره، واستَولى على أموالهم، وقصد
مسعود جبلاً بينه وبين موضع الوقعة اثنا عشر فرسخاً فأخفى نفسه وأنفذ
بركابي إلى المعسكر يطلب الأمان، فحضر بين يدي السلطان فقال له: يا
سلطان العالم إن من السعادة أن أخاك لم يجد مهرباً عنك، وقد نفذ يطلب
الأمان وعاطفتك أجل متوسل به إليك، فقال له: وأيان هو؟ قال: في مكان
كذا، فقال السلطان: ما نويت غير هذا، وهل إلا العفو والإحسان. واستدعى
بالبرسقي، وقال له: تمضي إلى أخي وتؤمنه وتستدعيه
وأتفق بعد
انفصال الركابي أنه ظفر يونس بن داود البلخي بمسعود فاحتال عليه، وقيل
له: إن حملته إلى أخيه فربما أعطاك ألف دينار أو أقل، وإن حملته إلى
دبيس أو إلى الموصل وصلت إلى ما شئت، فعول على ذلك فجاء البرسقي فلم
يره، فسار خلفه فلحقه على ثلاثين فرسخاً، فأخذه وعرفه أمان أخيه له
وأعاده إلى العسكر، وخرج الأعيان فاسقبلوه، ونزل عند أمه، ثم جلس
السلطان محمود فدخل إليه، ففبل الأرض بين يديه، فضمه إليه وقبل بين
عينيه وبكى كل واحد منهما، فكان هذا من محاسن أفعال محمود.
ولما بلغ عصيان مسعود. إلى سيف الدولة دبيس أخذفي أذية بغداد، وحبس مال
السلطان، وورد أهل نهر عيسى ونهر الملك مجفلين إلى بغداد بأهاليهم
ومواشيهم فزعاً من سيف الدولة، لأنه بدأ بالنهب في أطرافهم، وعبر عنان
صاحب جيشه فبدأ بالمدائن فعسكر بها، وقصد يعقوبا وحاصرها، ثم أخذها
عنوة، وسبيت الذراري، وافترشت النساء.
وكان سيف الدولة يعجبه اختلاف السلاطين ويعتقد أنه ما دام الخلاف
قائماً بينهم فأمره منتظم، كما استقام أمر والده صدقة عند اختلاف
السلاطين، فلما بلغه كسر مسعود، وخاف مجيء محمود أمر باحراق الأتبان
والغلات، وأنفذ الخليفة إليه نقيب الطالبيين أبا الحسن علي بن المعمر
فحذره وأنذره، فلم ينفع ذلك فيه، وبعث إليه السلطان بالتسكين، وأنه قد
أعفاه من وطء بساطه، فلم يهتز لذلك، وتوجه نحو بغداد في جمادى الآخرة
فضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة من الجانب الغربي، وبات أهل بغداد على
وجل شديد وتوفيت والدة نقيب الطالبين فقعد في الكرخ للعزاء بها، فمضى
إليه سيف الدولة فنثر عليه أهل الكرخ، وتهدد دار الخلافة، و قال: إنكم
استدعيتم السلطان فان أنتم صرفتموه، وإلا فعلت وفعلت، فنفذ إليه أنه لا
يمكن رد السلطان بل نسعى في الصلح فانصرف دبيس، فسمع أصوات أهل باب
الأزج يسبونه، فعاد وتقدم بالقبض عليهم فأخذ جماعة منهم وضربوا بباب
النوبي، ثم انحدر، ثم دخل السلطان محمود في رجب وتلقاه الوزير أبو علي
بن صدقة، وخرج إليه أهل باب الأزج، فنثروا عليه الدنانير وفوضت شحنكية
بغداد إلى برنقش الزكوي.
وفي شعبان هذه السنة بعث دبيس زوجته المسماة شرف خاتون بنت عميد الدولة
ابن جهير إلى السلطان. وفي صحبتها عشرون ألف دينار وثلاثة عشررأساً من
الخيل، فما وقع الرضا عنه وطولب بأكثر من هذا، فأصر على اللجاج، ولم
يبذل شيئاً آخر، فمضى السلطان إلى ناحيته فبعث يطلب الأمان مغالطة
لينهزم، فلما بعث إليه خاتم الأمان دخل البرية، فدخل السلطان الحلة
فبات بها ليلة. وفي هذه السنة: تقدم المسترشد بإراقة الخمور التي بسوق
السلطان ونقض بيتوتَهم. وفيها: رد وزير السلطان السميرمي المكوس
والضرائب، وكان السلطان محمد قد اسقطها في سنة احدى وخمسمائة. ودخل
السلطان محمود فتلقاه الوزير والموكب، وطالب بالافراج عن الأمير أبي
الحسن، فبذل له ثلثمائة ألف دينار ليسكت عن هذا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن عبد الوهاب بن هبة اللّه بن عبداللّه ابن السيبي، أبو البركات
سمع أبا الحسين بن النقور، وأبا محمد الصريفيني، وأبا القاسم ابن
البسري، وغيرهم. وحدث عنهم وروى عنه الخليفة المقتفي، وكان يعلم أولاد
المستظهر، فأنس بالمسترشد، فلما صارت الخلافة إليه وقبض على ابن الخرزي
رد إلى هذا الرجل النظر في المخزن، فولي ذلك سنة وثمانية أشهر، وكان
كثير الصدقة متعهداً لأهل العلم، وخلف مالاً حزر بمائة ألف دينار،
وأوصى بثلثي ماله، ووقف وقوفاً على مكة والمدينة. ومات عن ست وخمسين
سنة وثلاثة أشهر، وصلى عليه بالمقصورة في جامع القصر الوزير أبو علي بن
صدقة، وأرباب الدولة، ودفن عند جده أبي الحسن القاضي بباب حرب.
أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبدون، أبو سعد المقرىء سمع. أبا محمد
التميمي، وأبا الفضل بن خيرون، وأبا الحسين ابن الطيوري، وكان ستيراً
صالحاً، يصلي في المسجد المعروف بالوراقين، وتوفي في ربيع الآخر، ودفن
بباب حرب، أحمد بن محمد بن علي البخاري، أبو المعالي ولد سنة ثلاثين،
وسمع أبا طالب بن غيلان، والجوهري وغيرهما، وسماعه صحيح، وكان مستوراً.
وتوفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
أحمد بن الخطاب، ابن صوفان، أبو بكر الحنبلي
سمع أبا
بكر الخياط، وأبا علي ابن البناء، وقرأ عليه القراآت، وكان صالحاً
مستوراً، يقرىء القرآن، ويؤم الناس، وتوفي في ذي القعدة، ودفن بمقبرة
باب حرب.
أحمد بن محمد بن أحمد، أبو الحسن الضبي المحاملي العطار كان يبيع
العطر، وكان مستوراً، سمع أبا الحسين ابن الابنوسي، وأبا الحسين
الملطي، وأبا محمد الجوهري، روى عنه أبو المعمر الأنصاري، وتوفي في ذي
القعدة من هذه السنة، ودفن بباب الأزج.
سعد اللّه بن علي بن الحسين بن أيوب، أبو محمد بن أبي الحسين روى عن
القاضي أبي يعلى، وأبي الحسين ابن المهتدي، وأبي جعفر ابن المسلمة،
وابن النقور في آخرين، وكان ستيراً صالحاً، صحيح السماع، حسن الطريقة.
توفي في رجب ودفن بالشونيزي.
عبيد الله بن نصر بن السري، الزاغوني، أبو محمد المؤدب والد شيخنا أبي
الحسن سمعِ آبا محمد الصريفيني، وابن المهتدي، وابن المسلمة، وابن
المأمون، وخلقاً كثيراَ وكان من حفاظ القرآن وأهل الثقة والصيانة
والصلاح، وجاوز الثمانين. وتوفي يوم الإثنين عاشرصفر، ودفن بمقبرة باب
حرب.
عبد الرحمن بن صمد بن شاتيل، أبو البركات الدباس سمع القاضي أبا يعلى،
وأبا بكر الخياط، وأبا جعفر ابن المسلمة، وابن المهتدي وابن النقور،
والصريفيني وغيرهم. وكان مستوراً من أهل القرآن والحديث، وسماعه صحيح.
وتوفي في ليلة الإثنين سابع ذي القعدة ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن بن عمد الملك بن طلحة، أبو نصر ابن
القشيري قرأَ على أبيه، فلما توفي سع من أبي المعالي الجويني وغيرهما،
وسمع الحديث من جماعة، وكان له الخاطر الحسن والشعر المليح، وورد إلى
بغداد، ونصر مذهب الأشعري، وتعصب له أبو سعد الصوفي عصبية زائدة في
الحد إلى أن وقعت الفتنة بينه وبين الحنابلة، وآل الأمر إلى أن اجتمعوا
في الديوان فأظهروا الصلح مع الشريف أبي جعفر، وحبس الشريف أبو جعفر في
دار الخلافة، ونفذ إلى نظام الملك وسئل أن يتقدم إلى ابن القشيري
بالخروج من بغداد لإطفاء الفتنة، فأمره لذلك، فلما وصل إليه أكرمه
وأمره بالرجوع إلى وطنه.
قال ابن عقيل: كان النظام قد نفذ ابن القشيري إلى بغداد فتلقاه
الحنابلة بالسب، وكان له عرض فأنف من هذا فأخذه النظام إليه، ونفذ لهم
البكري، وكان ممن لا خلاق له، وأخذ يسب الحنابلة ويستخف بهم. توفي أبو
نصر ابن القشيري في جمادى الآخر ة من هذه السنة بنيسابور، وأقيم له
العزاء في رباط شيخ الشيوخ.
عبد العزيز بن علي بن عمر، أبو حامد الدينوري كان أحد أرباب الأموال
الكثيرة، وعرف بفعل الخير والإحسان إلى الفقراء، وكانت له حشمة، وتقدم
عند الخليفة وجاه عند التجار، سمع أبا محمد المجوهرى، روى عنه أبو
المعمر الأنصاري. وتوفي في هذه السنة بهمذان.
محمد بن محمد بن علي بن الفضاء، أبو الفتح الخزيمي دخل بغداد سنة تسع
وخمسمائة، فحدث عن أبي القاسم القشيري وجماعة من نظرائه ووعظ، وكان
مليح الإيراد، حلو المنطق، ورأيت من مجالسه أشياء قد علقت عنه فيها
كلمات، ولكن أكثرها ليس بشيء، فيها أحاديث موضوعة، وهذيانات فارغة يطول
ذكرها. فكان مما قال: إنه روى في الحديث المعروف أن رسول اللّه صلى
الله عليه وسلم تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضاً فقال: الحقي بأهلك فزاد
فيه: فهبط جبريل، وقال: العلي الأعلى يقرئك. السلام ويقول لك بنقطة
واحدة من العيب ترد عقد النكاح ونحن بعيوب كثير، لا نفسخ عقد الإيمان
مع أمتك لك نسوة تمسكهن لإجلك أمسك هذه لأجلي.
قال المصنف: وهذا كذب فاحش على اللهّ تعالى وعلى جبريل، فإنه لم يوح
إليه شيء من هذا، ولا عوتب في فراقها، فالعجب من نفاق مثل هذا الكاذب
في بغداد ولكن على السفساف والجهال. وكذلك مجالس أبي الفتوح الغزالي،
ومجالس ابن العبادي فيها العجائب والمنقولات المتخرصة والمعاني التي لا
توافق الشريعة، وهذه المحنة تعم أكثر القصاص، بل كلهم لبعدهم عن معرفة
الصحيح، ثم لاختيارهم ما ينفق على العوام كيف ما اتفق.
أحتضر الخزيمي بالري فأدركه حين نزعه قلق شديد، قيل له: ما هذا
الانزعاج العظيم؟ فقال: الورود على اللّه شديد، فلما توفي دفن بالري
عند قبر إبراهيم الخواص.
ثم دخلت
سنة خمس عشرة و خمسمائة
فمن الحوادث فيها
أن
السلطان محموداً خرج من بغداد متصيداً، فورد الخبر إليه بوفاة جدته أم
أبيه، فعاد عن متصيده وجلس للعزاء بها في حجرة من دار المملكة هو
وخواصه، وجلس وزيره أبو طالب علي بن أحمد وكافة أرباب الدولة وأعيان
العسكر في صحن الدار، وحضر عندهم الوزير أبو علي بن صدقة والموكب في
الأيام الثلاثة بثياب العزاء، ونصب كرسي للوعظ، فتكلم عليه أبو سعد
إسماعيل بن أحمد، وأبو الفتوح أحمد بن محمد الغزالي إلى الطوسيان، وجاء
ابن صدقة في اليوم الرابع ومعه الموكب لإقامة السلطان من العزاء وإفاضة
الخلع عليه، ففعل ذلك وعزم السلطان محمود على الخروج من بغداد فقيل له:
من دار الخلافة ينبغي أن تقيم في هذا الصيف عندنا، وكان ذلك من خوف سيف
الدولة، فقال: ان معي هذه العساكر، فقيل له: إنا لا نترك غاية فيما
يعود إلى الإقامة، واستقر أن يزيحوا العلة في نفقة أربعة أشهر، ففرغت
خزائن الوكلاء، واستقر أن يؤخذ من دور الحريم ودكاكينه ومساكنه أجرة
شهر، فكتبت بذلك الجرائد، ورتب لذلك الكتاب والمشرف والجهبذ، وجبي من
ذلك مبلغ وافر في مدة ثلاثة أيام، فكثرت الشكايات، فنودي برفع ذلك
وإعادة ما جبي على أربابه، والتفت إلى الاستقراض من ذوي الاموال.
وفي صفر: وجد مقتولاً بالمختارة، فجاء أصحاب الشحنة فكبسوا المحلة
وطلبوا الحامي، فهرب فجاء نائب الشحنة إلى باب العامة بالعدد الكثيرة
والسلاح الظاهر، وتوكل بدار ابن صدقة الوزير ووكل به عشرة، وبدار ابن
طلحة صاحب المخزن، وبدار حاجب الباب ابن الصاحب، وقال: أنا أطالبكم
بجناية المقتول.
وفي ربيع الآخر: أعيدت المطالبة بما ينسب إلى حق البيعة، وتزايد الأمر
في ذلك وكثر الأذى.
وفي يوم الجمعة ثامن ربيع الأول: استدعي علي بن طراد النقيب بحاجب من
الديوان، فلما حضر قرأ عليه الوزير ابن صدقة توقيعاً مضمونه: قد استغني
عن خدمتك، فمضى وأغلق بابه وكانت ابنته متصلة بالأمير أبي عبد اللهّ بن
المستظهر وهو المقتفي، فكان الوزير ابن صدقة يتقرب منه ولا يباسطه في
دار الخلافة، فلما كان يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول انحدر الوزير
أبوطالب السمري متفرجاً، فلما حاذى باب الازج عبر إليه علي بن طراد
وذكر له الحال فوعده ثم خاطبه في حقه فرضي عنه، وأعيد إلى النقابة في
ثاني ربيع الآخر.
وفي عشية يوم الثلاثاء خامس ربيع الأول أنقض كوكب، وصارت منه أعمدة عند
انقضاضه وسمع عند ذلك صوت هزة عظيمة كالزلزلة.
وفي ليلة النصف من ربيع الأول خلع في دار السلطان على القاضي. أبي سعد
الهروي، وركب إلى داره بقراح ابن رزين، ومعه كافة الأمراء، ونفذ أمره
في القضاء بجميع الممالك سوى العراق مراعاة لقاضي القضاة أبي القاسم
الزينبي لما يعلم من ميل المسترشد إليه، وخرج الهروي في هذا الشهر إلى
سنجر برسالة من المسترشد ومن السلطان محمود وأصحب تشريفات وحملاناً،
وصار في تجمل كثير.
وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الأولى: صرف كاتب ديوان الزمام عنه، وهو
شمس الدولة أبو الحسن علي بن هبة اللّه ابن الزوال، ووقع بذلك بالنظر
في ديوان الزمام مضافاً إلى ديوان الانشاء.
وفي عتمة يوم الأحد رابع جمادى الآخرة: وقع الحريق في دار المملكة،
فاحترقت الدار التي استجدها بهروز الخادم، وكان السبب أن جارية كانت
تختصب بالحناء في الليل، وقد أسندت الشمعة إلى خيش، فعلقت به النار،
فما تجاسرت أن تنطق فاحترقت الدار، وكان السلطان نائماً على السطح فنزل
وهرب إلى سفينة، ووقف وسط دجلة، وقيل: إنه مضى إلى دار برنقش الزكوي،
وذهب من الفرش والآلات والأواني واللؤلؤ والجوهر ما يزيد على قيمة ألف
ألف دينار، وغسل غسالون التراب فظفروا بالذهب والحلى سبائك، ولم يسلم
من الدار شيء ولا خشبة واحدة، وعاد السلطان إلى دار المملكة، وتقدم
ببناء دار له على المسناة المستجدة وأن تعمل آزاجاً استظهاراً، وأعرض
عن الدار التي احترقت، وقال: إن أبي لم يتمتع بها ولا امتد بقاؤه بعد
انتقاله إليها، وقد ذهبت أموالنا فيها فلا أريد عمارتها، ومضى الوزير
ابن صدقة إليه مهنئاً بسلامة نفسه.
ثم وصل
الخبر من أصفهان بعد يومين بحريق جامع أصفهان، وأن ذلك كان في الليلة
السابعة والعشرين من ربيع الآخر قبل حريق الدار السلطانية بثمانية
أيام، وهذا جامع كبير أنفقت الأموال في العمارة له، وكان فيه من
المصاحف الثمينة نحو خمسمائة مصحف، من جملتها مصحف ذكر أنه بخط أبيّ بن
كعب، واحترقت فيه أخشاب اعترم عليها زائد على ألف ألف دينار، وورد من
أصفهان بعد ذلك القاضي أبو القاسم إسماعيل بن أبي العلاء صاعد بن محمد
البخاري، ويعرف بابن الدانشمنذه مدرس الحنفيين، وجلس في دار السلطان
للوعظ في رمضان، وحضر السلطان وكافة أوليائه ثم اجتمع الشافعيون في دار
الخلافة شاكين من هذا الوعظ، وذكروا أنه تسمح بذكر أصحابهم وغض منهم.
وقتل العيارون مسلحياً بالمختارة، فشكا الشحنة سعد الدولة إلى الديوان
ما يتم منهم، واستأذن في أخذ المتشبهين فأذن له فأخذ من كان مستوراً
وغير مستور، فغلقت المساجد مع صلاة المغرب ولم يصل بها أحد العشاء.
وتصيد السلطان في شعبان، ثم قدم فمضى إليه القاضي الزينبي وابن
الأنباري واقبال ونظر والأماثل، فحلف السلطان بمحضر منهم للخليفة على
الطاعة والمناصحة ثم أنفذ السلطان في عشية ذلك اليوم هدية إلى الخليفة.
فلما كان يوم الاثنين رابع عشرين شعبان جلس المسترشد في الدار الشاطئية
المجاورة للمثمنة، وهي من الدور البديعة التي أنشأها المقتدي وتممها
المسترشد، فجلس في قبة على سدة وعليه الثوب المصمت الأسود، والعمامة
الرصافية وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم، وبين يديه القضيب،
وحضر الدار وزيره أبو علي بن صدقة ورتب الأمور وأقام في كل باب حاجباً
بمنطقة ومعه عشرون غلاماً من الدار، وانفرد حاجب المخزن ابن طلحة في
مكان ومعه التشريف، وجلس الوزير في كم الحيرتي، واستدعى له أرباب
المناصب، وحضر متقدمو العلماء وأتى وزير السلطان أبو الحسن علي بن أحمد
السميرمي والمستوفي وخواص دولتهم، ثم وقف الوزير أبو علي بن صدقة عن
يسار السدة والوزير. أبو طالب عن يمينه، ثم أقبل السلطان محمود، ويده
في يد أخيه مسعود وكان قد نفذ إليه الزبزب مع اقبال أو نظر،، فلما صعد
منه قدم مركوبه عند المثمنة فركب إلى باب الدركاه ثم مشى من هناك، فلما
قرب استقبله الوزيران ومن معهما وحجبوه إلى بين يدي الخليفة، فلما
قاربوا كشفت الستارة لهما ووقف السلطان في الموضع الذي كان وزيره
قائماً فيه وأخوه مما يليه فخدما ثلاث دفعات، ووقفا والوزير ابن صاعد
يذكر له عن الخليفة أنسه به وتقربه وحسن اعتقاده فيه، ثم أمر الخليفة
بإفاضة الخلع عليه فحمل إلى مجنب البهو ومعه أخوه وبرنقش وريحان، وتولى
إفاضة ذلك عليه صاحب المخزن وإقبال ونظر، وفي الساعة التي كان مشتغلاً
فيها بلبس الخلع كان الوزيران قائمين بين يدي الخليفة يحضران الأمراء
أميراً أميراً فيخدم ويعرف خدمته فيقبل الأرض وينصرف، ثم عاد السلطان
وأخوه فمثلا بين يدي الخليفة وعلى محمود الخلع السبعة والطوق والتاج
والسواران فخدما وأمر الخليفة بكرسي فجلس عليه السلطان، ووعظه الخليفة
وتلا عليه قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال
ذرة شراً يره " ، وأمره بالإحسان إلى الرعية، ثم أذن للوزير أبي طالب
في تفسير ذلك عليه، ففسره وأعاد عنه أنه قال: وفقني اللهّ لقبول أوامر
مولانا أمير المؤمنين وارتسامها، فالسعادات معها متيسرة. وهي بالخيرات
مبشرة، وسلم الخليفة إلى الوزيرين سيفين وأمرهما أن يقلدا بهما
السلطان، فلما فعلا قال له: اقمع بهما الكفار والملحدين.
وعقد الخليفة بيده لوائين حملا معه، وخدم، ثم خرج فقدم إليه في صحن
الدار فرس من مراكب الخليفة بمركب حديد صيني وقيد بين يديه أربعة أفراس
بمراكب ذهب، وأذن الخليفة بعد ذلك لأرباب الدولة وأهل العلم والأشراف
والعدول، وعرفه الوزير رجلاً رجلاً منهم، والخليفة ملتفت إليه مصغ إلى
أدعيتهم، معط لكل واحد ما يصلح من النظر إليه ومن خطابه، ثم صعد ابن
صدقة في اليوم الذي يلي هذا اليوم في الزبزب إلى السلطان، فتعرف خبره
عن الخليفة، وأفاض عليه الملابس التي كانت على الخليفة وقت جلوسه،
وانحدر الوزير إلى دار الوزير أبي طالب فخلع عليه، وأطال مقامه عنده
وخلوا في مهمات تجارياها.
وفي هذه
السنة: وقعت أمطار عظيمة، ودامت واتصلت بجميع العراق، وأهلكت ما على
رؤوس النخل وفي الشجر من الأرطاب والأعناب والفواكه، وما كان في
الصحارى من الغلات، فلما كان انتصاف الليل من ليلة السبت وهي ليلة
الحادي والعشرين من كانون الثاني سقط الثلج ببغداد ودام سقوطه إلى وقت
الظهر من الغد فامتلأت به الشوارع والدروب، وقام نحو ذراع وعمل منه
الأحداث صور السباع والفيلة، وعم سقوطه من بين تكريت إلى البطيحة، ونزل
على الحاج بالكوفة.
وقد ذكرنا في كتابنا هذا أن الثلج وقع في سنين كثيرة في أيام الرشيد
والمقتدر والمعتمد والطائع والمطيعِ والقادر والقائم، وما سمع بمثل هذا
الواقع في هذه السنة، فإنه بقي خمسة عشر يوماً ما ذاب، وهلك شجر الأترج
والنارنج والليمون، ولم تهلك البقول والخضر، ولم يعهد سقوط الثلج
بالبصرة إلا في هذه السنة.
أنبأنا أبو عبداللّه ابن الحراني، قال: لما نزل الوفر ببغداد في سنة
خمس عشرة، قال بعض شعراء الوقت:
يا صدور الزمان ليسى بوفر ... ما رأيناه في نواحي العراق
إنما عم ظلمكم سائر الخل ... ق فشابت ذوائب الآفاق
ونفذ من دار الخلافة بالقاضي أبي منصور إبراهيم بن سالم الهيتي نائب
الزينبي برسالة من الخليفة ومن السلطان، وكتب من الديوان إلى إيلغازي
بسلامته من غزاة غزاها، ويأمرانه بإبعاد دبيس وفسخ النكاح بينه وبين
ابنته، وقد كان لها زوِج قبل دبيس سلجوقي، وكان قد دخل بها فقبض
السلطان عليه واعتقله فورد بغداد شاكياً من أيلغازي ومحتجاً عليه بأن
نكاحه ثابت، فروسل بالهيتي فقال له: إن النكاح فاسد، فقال ايلغازي: إن
النكاح الذي فسخه عامي لا ينفذ فسخه، فأجاب بجواب أرضاه عاجلاً وحلف
على طاعة الخليفة والسلطان.
وأما سيف الدولة فإنه كاتب الخليفة كتباً يستميل بها قلبه، ويذكرطاعته،
فروسل في جواب كتابه بمكتوب يسلك معه فيه الملاطفة، فدخل الحلة وأخرج
أهلها فازدحموا على المعابر، فغرق منهم نحو خمسمائة، ودخل أخوه النيل،
وأخرج شحنة السلطان منها، وكان السلطان ببغداد فحثه الخليفة على دبيس،
فندب السلطان الأمراء لقصد دبيس فلما قصدوه أحرق من دار أبيه، وخرج من
الحلة إلى النيل، فأخذ منها من الميرة، ودخل الأزير وهو نهر سنداد الذي
يقول فيه الأسود بن يعفر.
والقصر ذي الشرفات من سنداد
فلما وصل العسكر الحلة وجدوها فارغة فقصدوا الأزير، فحاصره فراسله
برنقش أن يحذر مخالفة السلطان وينفذ أخاه منصوراً إلى الخدمة، فأجاب
وخرج دبيس وعسكره ووقف بإزاء عسكر برنقش فتحالفا وتعاهدا في حق منصور
ونفذ به إليه، وعاد العسكر إلى بغداد ومعهم منصور، فحمله برنقش إلى
خدمة السلطان، فأكرمه وبعثه مع برنقش إلى خدمة الخليفة.
ودخلت العرب من نبهان فيد فكسّروا أبوابها وأخذوا ما كان لأهلها، فتوجع
الناس لهم وعلموا أن خراب حصنهم سبب لانقطاع منفعة الناس من الحجيجِ،
فعمل موفق الخادم، الخاتوني لهم أبواباً من حديد وحملها على اثني عشر
جملاً وأنفذ الصناع لتنقية العين والمصنع، وكانت العرب طموهما واغترم
على ذلك مالاً كثيراً، وتولى ذلك نقيب مشهد أمير المؤمنين علي رضي الله
عنه، وأعيدت المكوس والمواصير. وألزم الباعة أن يرفعوا إلى السلطان
ثلثي ما يأخذونه من الدلالة في كل ما يباع، وفرض على كل نول من
السقلاطون ثمانية أقساط وحبة، ثم قيل للباعة: زنوا خمسة آلاف شكراً
للسلطان فقد تقدم بإزالة المكس.
ومرض وزير السلطان محمود فعاده السلطان وهنأه بالعافية فعمل له وليمة
بلغت خمسين ألف دينار وكان فيها الأغاني والملاهي.
وفي رجب: أخذ القاضي أبوعبد اللهّ ابن الرطبي شواء من الأعاجم فشهره
فمضى وشكا إلى العجم، فأقبل العجم في خمسة غلمان أتراك فأخذوه وسحبوه
إلى دار السلطان، وجرت فتنة، وغلقت أبواب الحديد، ورجمهم العامة فعادوا
على العامة بالدبابيس، فانهزموا وحملوه، فلما شرح الحال لوزير السلطان
أعيد مكرماً، وطولب أهل الذمة بلبس الغيار، فانتهى الأمر إلى أن سلموا
إلى الخليفة أربعة آلاف، وإلى السلطان عشرين ألف دينار، وأحضر الجالوت
فضمنها وجمعها.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن بن أحمد بن الحسن بن علي، أبوعلي الحداد الأصفهاني
ولد سنة
تسع عشرة وأربعمائة وسمع أبا نعيم وغيره، انتهى إليه الإقراء والحديث
بأصبهان.
وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة، عن ست وتسعين.
خاتون السفرية كانت حظية ملكشاه، فولدت لة محمداً وسنجر، وكانت تتدين
وتبعث حمال السبيل إلى طريق مكة، ولما حصلت في الملك بحثت عن أهلها
وأمها وأخواتها حتى عرفت مكانهم، ثم بذلت الأموال لمن يأتيها بهم، فلما
وصلوا إليها ودخلت أمها، وكانت قد فارقت أمها منذ أربعين سنة، فجلست
البنت بين جوار يقاربنها في الشبه حتى تنظر هل تعرفها أم لا؟ فلما سمعت
الأم كلامها نهضت إليها فقبلتها وأسلمت الأم، فلما توفيت خاتون قعد لها
السلطان محمود في العزاء على ما سبق ذكره.
وهذه المرأة تذكر في نوادر التاريخ، لأنهم قالوا: لا يعلم امرأة في
الإسلام ولدت خليفتين أو ملكين سوى ولادة بنت العباس، لأنها ولدت لعبد
الملك الوليد وسليمان ووليا الخلافة، وشاهفرند ولدت للوليد بن عبد
الملك يزيد وإبراهيم، وكلاهما ولي الخلافة، والخيزران ولدت الهادي
والرشيد، وهذه ولدت محمداً وسنجر، وكلاهما ولي السلطنة، وكان عظيماً في
ملكه.
عبد الرزاق بن عبداللّه بن علي، ابن إسحاق الطوسي ابن أخي نظام الملك.
كان قد تفقه على الجويني وأفتى وناظر، ثم وزر لسنجر، فترك طريقة
الفقهاء واشتغل بالجند وتدبير الممالك، وتوفي في هذه السنة.
عبد الوهاب بن حمزة، أبوسعد الفقيه الحنبلي العدل سمع ابن النقور، وا
لصريفيني وغيرهما، وتفقه على الشيخ أبي الخطاب وأفتى، وشهد عند أبي
الحسن الدامغاني، وكان مرضي الطريقة حميد السيرة من أهل السنة، توفي في
شعبان، ودفن بباب حرب.
علي بن يلدرك الكاتب، أبو الثناءالزكي كان شاعراً ذكياً ظريفاً مترسلاً
وله شعر مطبوع. وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن بباب حرب.
قال المصنف: نقلت من خط أبي الوفاء بن عقيل، قال: حدثني الرئيس. أبو
الثناء بن يلدرك وهو ممن خبرته بالصدق أنه كان بسوق نهر معلى، وبين
يديه رجل على رأسه قفص زجاج، وذاك الرجل مضطرب المشي يظهر منه عدم
المعرفة بالحمل، قال: فما زلت أترقب منه سقطة لما رأيت من اضطراب مشيه،
فما لبث أن زلق زلقة طاح منها القفص فتكسر جميع ما كان فيه، فبهت الرجل
ثم أخذ عند الإفاقة من البكاء يقول: هذا والله جميع بضاعتي، والله لقد
أصابني بمكة مصيبة عظيمة توفي على هذه ما دخل قلبي مثل هذه، واجتمع
حوله جماعة يرثون له ويبكون عليه وقالوا: ما الذي أصابك بمكة؟ فقال:
دخلت قبة زمزم وتجردت للاغتسال وكان في يدي دملج فيه ثمانون مثقالاً
فخلعته واغتسلت ولبست وخرجت. فاتال رجل من الجماعة، هذا دملجك له معي
سنين، فدهش الناس من إسراع جبر مصيبته.
علي بن المدير، الزاهد كان يسكن دار البطيخ من الجانب الغربي، وله مسجد
معروف اليوم به، وله بيت إلى جانبه، وكان يتعبد، فتوفي في ربيع الآخر
من هذه السنة، وصلى عليه بجامع القصر، وكان يوماً مشهوداً، وحمل ودفن
في البيت الذي إلى جانب مسجده.
محمد بن علي بن عبيد الله الدنف، أبوبكر المقرىء ولد سنة اثنتين
وأربعين وأربعمائة، وسمع ابن المسلمه، وابن المهتدي، والصريفيني وابن
النقور، ونظراءهم. وتفقه على الشريف أبي جعفر، وكان من الزهاد الأخيار،
ومن أهل السنة، وانتفع به خلق كثير، وحدث بشيء يسير.
وتوفي في شوال، ودفن بباب حرب.
محمد بن محمد بن عبد العزيز بن العباس بن محمد بن عبدالله بن أحمد بن
محمد بن عبيد الله بن المهتدي، أبوعلي العدل الخطيب ولد في جمادى
الأولى سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وسمع ابن غيلات، والقزويني،
والجوهري، والطبري، ونظراءهم، وحدث عنهم وهو آخر من حدث عن العتيقي
وأبي منصور ابن السواق وأبي القاسم بن شاهين، وكان ثقة عدلاً ديناً
صالحاً، وشهد عند أبي عبدالله الدامغاني، وهو آخر من بقي من شهود
القائم بأمر الله، وكان من ظراف البغداديين ومحاسن الهاشميين، ومات عن
ثلاث وثمانين سنة.
وتَوفي يوم الجمعة خامس عشرين شوال، وحضر قاضي القضاة الزينبي
والنقيبان والأعيان، ودفن بباب حرب.
محمد بن محمد بن الجزري، أبو البركات البيع سمع البرمكي والجوهري، وكان
سماعه صحيحاً. وتوفي في ليلة الأحد خامس عشرين ذي القعدة، ودفن بباب
حرب.
نزهة المعروفة بأم السادة، أم ولد المسترشد
توفيت
وحملت إلى الرصافة، وخرج معها عميد الدولة بن صدقة والجماعة بالنيل.
هزار سب بن عوض بن الحسن الهروي، أبو الخير سمع من ابن النظر، وطراد،
وأقرانهما الكثير، وكتب الكثير، وأفاد الطلبة من الغرباء والحاضرين،
وكان ثقة من أهل السنه، خيراً واخترمته المنية قبل أوان الرواية وتوفي
في ربيع الأول من هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة ست عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في عشية يوم الأحد خامس عشر المحرم استدعى الوزير
أبو طالب علي بن أحمد السميرمي، وخاطبه في معنى دبيس فإن في قربه من
مدينة السلام خطراً على أهلها، وإنا نؤثر مقام آقسنقر البرسقي عندنا
لأنا لا نشك في نصحه، فوافق السلطان محمود على ذلك، وكوتب البرسقي
لينحدر، وأرسل في ذلك سديد الدولة أبو عبدالله ابن الأنباري، فأقبل إلى
بغداد فخرج وزير السلطان فتلقاه، ونصبت له الخيم بتولي فراشي الخليفة
الخواص.
وفي يوم الأربعاء حادي عشر المحرم: قصد برنقش دار الخلافة ومعه منصور
أخو دبيس، وأنزل عند باب النوبي فقبل الأرض وجلس عند حاجب الباب ليطالع
بخاله، ثم مضى برنقش إلى الديوان، وقال: إن السلطان يخاطب في الرضا عن
منصور ويشفع في ذلك، فنزل الجواب عرف حضور منصور بالشفاعة المغيثية
معتذراً مما جرى من الوهلات، وتقدم من الإسا آت وما دام مع الرايات
المغيثية فهو مخصوص بالعناية مشمول بالرعاية.
وفي هذه السنة: زاد الماء حتى خيف على بغداد من الغرق، وتقدم إلى
القاضي أبي العباس ابن الرطبي بالخروج الى القورج ومشاهدة ما يحتاج
إليه، وهذا القورج أي غرق الناس منه في سنة ست وستين تولى عمارته
نوشتكين خادم أبي نصر بن جهير وكتب اسمه عليه وضرب عليه خيمه ولم
يفارقه حتى أحكمه، وغرم عليه ألوف دنانيرمن مال نفسه، وسأله محمد
الوكيل أن يأخذ منه ثلاثة آلاف دينار ويشاركه في الثواب فلم يفعل،
وقال: إخراج المال عندي أهون، وحاجتي إلى اللّه تعالى أكثر من حاجتي
إلى المال.
وفي يوم الأربعاء رابع عشر صفر: مضى الوزير أبو علي بن صدقة ومعه موكب
الخليفة إلى القورج، واجتمع بالوزير أبي طالب، ووقفا على ظهور مراكبهما
ساعة ثم إنصرفا، فما استقر الناس في منازلهم حتى جاء مطر عظيم أجمع
الأشياخ أنهم لم يروا مثله في أعمارهم ووقع برد عظيم معه ولم يبق
بالبلد دار إلا ودخل الماء من حيطانها وأبوابها وخرج من آبار الناس.
وفي هذا الوقت: ورد الحاج شاكرين لطريقهم واصفين نعمة الله تعالى بكثرة
الماء والعشب ورخص السعر، وكانت الكسوة نفذت على يدي القاضي، أبي الفتح
ابن البيضاوي، وأقام بالمدينة لعمارة ما تشعث من مسجدها.
وفي عشية سلخ صفر: تقدم السلطان بالاستظهار على منصور بن صدقة، ونفذ
إلى مكان فوثق عليه.
وفي يوم
الأربعاء غرة ربيع الأول: خرج السلطان محمود من بغداد وكان مقامه بها
سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوماً، ثم نودي في يوم الجمعة ثالث ربيع
الأول بإسقاط المكوس والضرائب وما وضع على الباعة من قبل السلطان، ثم
استدعي البرسقي إلى باب الحجرة، وفووض في أمر دبيس، فقابل ذلك بالسمع
والطاعة، فخلع عليه وتوجه إلى صرصر، واقترح أن يخرج معه ابن صدقة،
قاعتذر الخليفة بأن مهام الخدمة منوطة به، وأخرج عوضه أبو عبد الله
محمد بن عبد الكريم ابن الأنباري سديد الدولة، ونودي في الحريم أنه متى
أقام جندي ولم يخرج للقتال فقد برئت منه الذمة، وعبر دبيس ونفذ إلى
البرسقي يقول له: قد أغنيتك عن العبور وصرت معك على أرض واحدة، وظفر
الأتراك بثلاثين رجلاً من السوادية يريدون أن يفجروا نهراً فقتلهم
الأتراك، ثم تصاف العسكران يوم الخميس سلخ ربيع الأول فأجلت الوقعة عن
هزيمة البرسقي، فقد كان في خمسة آلاف فارس نصفهم لابس، وكان عسكر دبيس
في خمسة آلاف فارس بأسلحة ناقصة، وعدد مقصرة إلا أن رجالته كانت كثيرة،
وكان سبب هزيمة البرسقي أنه رأى في الميسرة خللاً، فأمر بحط خيمته
لتنصب عندهم ليشجعهم بذلك وكان ذلك ضلة من الرأي، لأنهم لما رأوا
الخيمة قد حطت أشفقوا فانهزموا، وكان الحر شديداً فهلكت البراذين
والهمالج عطشاً وترقب الناس من دبيس بعد هذا ما يؤذي فلم يفعل، وأحسن
السيرة فيما يرجع إلى أعمال الوكلاء، وراسل الخليفة بالتلطف، وتقررت
قواعد الصلح واستقر إنفاذ قاضي القضاة الزينبي ليحلف سيف الدولة على
المستقر فعله بعد الصلاح، فاستعفى فأعفي ونص على أبي العباس ابن الرطبي
فخرج مع ناصح الدولة أبي عبداللّه الحسين ابن جهير وتبعهما إقبال
الخادم، وعادوا إلى الحلة، فقصدوا وقت دخولهم دار الوزير ابن صدقة
ليوهموه خلاف ما هم عليه من تقرر الأحوال على عزله، فلم يخف عليه ولا
على الناس، وعرف إن التقريرات استقرت بينهم عليه وانزعج وكان كل واحد
من دبيس وابن صدقة معلناً بعداوة الآخر، فبكر ابن صدقة إلى الديوان على
عادته، وجلس في الموكب، وكان يوم الخميس، وخرج جواب ما أنهى ثم استدعى
إلى مكان وكل به فيه، ونهبت داره التي كان يسكنها بباب العامة ودور
حواشيه وأتباعه، وقبض على حواشيه وعلى عز الدولة أبي المكارم ابن
المطلب، ثم أفرج عنه ورد إليه ديوان الزمام بعد ذلك.
وفي غداة يوم الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى: استدعي بأمر
الخليفة علي بن طراد إلى باب، الحجرة، وأخرجت له خلع من ملابس الخاص،
ووقع له بنيابة الوزارة، وكان نسخة التوقيع: محلك يا نقيب النقباء من
شريف الآباء وموضعك الحالي بالاختصاص والاختيار ما يقتضيه إخلاصك
المحمود اختياره، الزاكية آثاره توجب التعويل عليك في تنفيذ المهام،
والرجوع إلى استصوابك في النيابة التي يحسن بها القيام، وجماعة
الأولياء والأتباع مأمورون بمتابعتك وامتثال ما تصرفهم عليه من الخدم
في إبدائك وإعادتك، فاحفظ نظام الدين، وتقدم إلى من جرت عادته بملازمة
الخدمة وسائر الأعوان، وتوفر على مراعاة كالأحوال بانشراح صدر وفراغ
بال، فإن الإنعام لك شامل، وبنيل آمالك كافل إن شاء اللّه.
ثم تقدم الخليفة بعد مدة من عزل الوزير بإطلاقه إلى دار يمن، وجمع بينه
وبين أهله وولده وفعل معه الجميل.
ثم قدم أقضى القضاة أبو سعد الهروي من العسكر بهدايا من سنجر ومال،
وأخبر أن السلطان محمود قد استوزر عثمان بن نظام الملك، وقد عول، عثمان
على القاضي الهروي بأن يخاطب الخليفة في أن يستوزر أخاه أبا نصر أحمد
بن نظام الملك، وأنه لا يستقيم له وزارة وابن صدقة بدار الخلافة، وقال:
أنا أتقدم إلى من يحاسبه على ما نظر للسلطان فيه من الأعمال ويحاققه.
وإن أراد المسالمة فالدنيا بين يديه، فليتخير أي موضع أحب فليقم فيه،
فتخير ابن صدقة حديثة الفرات ليكون عند سليمان بن مهارش، فأجيب وأخرج
وحقر فوقع عليه يونس الحرمي، وجرت له معه قصص وضمانات حتى وصل الحديثة،
ورأى في البرية رجلاً فاستراب به، ففتش فإذا معه كتاب من دبيس إلى يونس
يحثه على خدمة الوزير أبي علي وكتاب باطن يضمن له إن سلمه إليه ستة
آلاف دينار عيناً وقرية يستغلها كل سنة ألفي دينار.
واستدعي
أبو نصر أحمد بن نظام الملك في نصف رمضان من داره بنقيب النقباء علي بن
طراد وابن طلحة صاحب المخزن، ودخل إلى الخليفة وحده، وخرج مسروراً،
وأفردت له دار ابن جهير بباب العامة، وخلع عليه في شوال، وخرج إلى
الديوان وقرىء عهده وكان علي بن طراد بين يديه يأمر وينهى، وأمر
بملازمة مجلسه.
فأما حديث دبيس فقد ذكرنا ما تجدد بينه وبين الخليفة من الطمأنينة
وأسباب الصلح، فلما كان ثاني رمضان بعث طائفة من أصحابه فاستاقوا مواشي
نهر الملك، وكانت فيما قيل تزيد على مائة ألف رأس، فبعث الخليفة إليه
عفيفاً الخادم يقبح له ما فعل، فلما وصل إليه أخرج دبيس ما في نفسه وما
عومل به من الأمور الممضة منها أنهم ضمنوا له هلاك ابن صدقة عدوه،
فأخرجوه من الضيق إلى السعة، وأجلسوا ابن النظام في الوزارة شيئاً
فشيئاً ورياء، ومنها أنه خاطبهم في إخراج البرسقي من بغداد فلم يفعلوا،
ومنها أنهم وعدوه في حق أخيه منصور أنهم يخاطبوا في إصلاح حاله وخلاصه
من اعتقاله، وأنه كتب إليه من العسكر أن انحراف دار الخلافة هو الموجب
لإخذه، ولو أرادوا إخراجه لشفعوا فيه فهم عفيف بمجادلته، فلم يصغ دبيس
إليه، وقال له: قد أَجلتكم خمسة أيام فإن بلغتم ما أريده وإلا جئت
محارباً، وتهدد وتوعد فبادر عفيف بالرحيل وأتت رجالة الحلة، فنهبوا نهر
الملك، وافترشوا النساء في رمضان، وأكلوا وشربوا، فجاء عفيف فحكى
للخليفة ماجرى.
وفي ذي الحجة: أخرج المسترشد السرادق، ونودي النفير فأمير المؤمنين
خارج إلى القتال عنكم يا مسلمين.
وغلا السعر، فبلغ ثلاثة أرطال بقيراط، وأمر المسترشد أن يتعامل الناس
بالدراهم عشرة بدينار والقراضة اثني عشر بدينار.
وخرج الخليفة يوم الجمعة الرابع والعشرين من ذي الحجة من داره وعبر إلى
السرادق ومعه الخلق.
قال المصنف: ولنذكر مبتدأ أمر هذا دبيس كما نفعل في ابتداء أمور الدول،
وذلك أن أول من نبغ من بيته مزيد، فجعل إليه أبو محمد المهلبي وزير معز
الدولة أبي الحسين بن بويه حماية سورا وسادها، فوقع الاختلاف بين بني
بويه، وكان يحمي تارة ويغير أخرى، وبعث به فخر الملك أبو غالب إلى بني
خفاجة سنة القرعاء، فأخذ الثار منهم ومات، فقام مقامه ابنه أبو الآعز
دبيس، وكان عائناً قل أن يعجب بشيء إلا هلك، حتى إنه نظر إلى ابنه
بدران، فاستحسنه فمات، وكان يبغض ابن ابنه صدقة، وهو أبو دبيس هذا،
فعوتب في هذا، فقال: رأيت في المنام كأنه قد بلغ أعنان السماء وفي يده
فأس وهو يقلع الكواكب ويرمي بها إلى الأرض ووقع بعدها ولا شك أنه يبلغ
المنزلة الزائدة وينفق في الفتن ويهلك أهل بيته، وتوفي أبو الأعز وخلف
ثمانين ألف دينار، فولي مكانه ابنه منصور، ثم مات، فولي ابنه صدقة،
فأقام بخدمة السلطان ملكشاه، ويؤدي إليه المال ويقصد بابه كل قليل،
فلما قتل النظام استفحل أمره وأظهر الخلاف
وعلم أن
حلته لا تدفع عنه فبنى على تل بالبطيحة، وعول على قصده، إن دهمه عدو أو
أمر وأن يفتح البثوق ويعتصم بالمياه وأخذ على ابن أبي الخير موثقاً على
معاضدته، ثم ابتاع من عربه مكاناً هو على أيام من الكوفة، فأنفق عليه
أربعين ألف دينار، وهو منزل يتعذر السلوك إليه وعمر الحلة، وجعل عليها
سوراً وخندقاً، وأنشأ بساتين وجعل الناس يستجيرون به، فأعطاه المستظهر
دار عفيف بدرب فيروز، فغرم عليها بضعة عشر ألف دينار وتقدم الخليفة
بمخاطبته بملك العرب، وكان قد عصى السلطان بركيارق، وخطب لمحمد، فلما
ولي محمد صار له بذلك جاه عند محمد وقرر مع أخيه بركيارق أن لا يعرض
لصدقة، وأقطعه الخليفة الأنبار، ودمما، والفلوجة، وخلع عليه خلعاً لم
تخلع على أمير قبله، فأعطاه السلطان واسطاً، وأذن له في أخذ البصرة
وصار يدل على السلطان الإدلال الذي لا يحتمله، وإذا وقع إليه رد
التوقيع أو أطال مقام الرسول على مواعيد لا ينجزها، وأوحش أصحاب
السلطان أيضاً وعادى البرسقي، وكان يظهر بالحلة من سب الصحابة ما لا
يقف عند حد، فأخذ العميد ثقة الملوك أبو جعفر فتاوى فيما يجب على من سب
الصحابة، وكتب المحاضر فيما يجري في بلد ابن مزيد من ترك الصلوات،
وأنهم لا يعرفون الجمعة والجماعات ويتظاهرون بالمحرمات، فأجاب الفقهاء
بأنه لا يجوز الإغضاء عنهم، وإن من قاتلهم فله أجر عظيم، وقصد العميد
باب السلطان وقال: إن حال ابن مزيد قد عظمت، وقد قلت فكرته في أصحابك،
وقد استبد بالأموال، وأهمل الحقوق ولو نفذت بعض أصحابك ملكته، ووصلت
إلى أموال كثيرة عظيمة، وطهرت الأرض من أدناسه فإنه لا يسمع ببلده آذان
ولا قرآن وهذه المحاضر باعتقاده والفتاوى بما يجب عليه وهذا سرخاب قد
لجأ إليه وهو على رأيه في بدعته التي هي مذهب الباطنية، وكان قد اتفقا
على قلب الدولة وإظهار مذهب الباطنية، وكان السلطان قد تغير على سرخاب،
فهرب منه إلى الحلة فتلقاه بالإكرام فراسله السلطان وطالبه بتسليمه،
فقال: لا أفعل ولا أسلم من لجأ إلي، ثم قال لأولاده وأصحابه بهذا الرجل
الذي قد لجأ إلينا تخرب بيوتنا وتبلغ الأعداء منا المراد، وكان كما
قال، فإن السلطان قصده فاستشار أولاده، فقال دبيس: هذا الصواب أن تسلم
إلى مائة ألف دينار وتأذن لي في الدخول إلى الاصطبلات، فأختار منها
ثلثمائة فرس وتجرد معي ثلثمائة فارس فإني أقصد باب السلطان وأعتذر عنك
وأزيل ما قد ثبت في نفسه منك، وأخدمه بالمال والخيل، وأقرر معه أن لا
يتعرض بأرضك، فقال بعض الخواص: الصواب أن لا تصانع من تغيرت فيك نيته،
وإنما ترد بهذه الأموال كمن يقصدنا، فقال صدقة: هذا هو الرأي، فجمع
عشرين ألفاً من الفرسان، وثلاثين ألفاً من الرجالة، وجرت الوقعه على ما
سبق في كتابنا في حوادث تلك السنة، وذكرنا أن الخليفة بعث إلى صدقة
ليصلح ما بينه وبين السلطان فأذعن ثم بدا له، وقد ذكرنا مقتله.
ثم نشأ له دبيس هذا ففعل القبائح، ولقي الناس منه فنون الأذى، وبشؤمه
بطل الحج في هذه السنه لأنه كان قد وقعت وقعة بينه وبين أصحابه وأهل
واسط، فأسر فيها مهلهل الكردي، وقتل فيها جماعة، ونفد المسترشد إليه
يحذره من إراقة الدماء، ويأمره بالاقتصار على ما كان لجده من البلاد،
ويشعره بخروجه إليه إن لم يكف، فزاد في طغيانه وتواعد وأرعد، وأقبلت
طلائعه فانزعج أهل بغداد، فلما كانت بكرة الثلاثاء ثالث شوال صلب
البرسقي تسعة أنفس، ذكر أنهم من أهل حلب والشام، وأن دبيس بن صدقة
أرسلهم لقتل البرسقي في تاسع ذي القعدة وضرب الخليفة سرادقه عند رقة
ابن دحروج، ونصب هناك الجسر، ثم بعث القاضي أبو بكر الشهرزوري إلى
دبيس، ينذره، وكان من جملة الكلام: " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً "
فاحتد وغضب، وكانت فرسانه تزيد على ثمانية آلاف، ورجالته عشرة آلاف،
فأمر القاضي أبا بكر بمشاهدة العسكر فصلى المسترشد يوم الجمعة رابع
عشرين ذي الحجة ونزل راكباً من باب الغربة مما يلي المثمنة، وعبر في
الزبزب وعليه القباء والعمامة وبردة النبي صلى الله عليه وسلم على
كتفيه، والطرحة على رأسه، وبيده القضيب، ومعه وزيره أحمد بن نظام الملك
والنقيبان وقاضي القضاة الزينبي، وجماعة الهاشميين والشهود والقضاة
والناس، فنزل بالمخيم وأقام به إلى أن انقضى الشهر، أعني ذا الحجة.
وفي هذه
السنة: وصل أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي ووعظ ببغداد وصار له قبول،
وورد بعده أبو الفتوح الاسفرائيني ونزل برباط أبي سعد الصوفي، وتكلم
بمذهب الأشعري، ثم سلم إليه رباط الأرجوانيِة والدة المقتدي، وورد
الشريف أبو القاسم علي بن يعلى العلوي، ونزل برباط أبي سعد أيضاً،
وتكلم على الناس، وأظهر السنة فحصل له نفاق عند أهل السنة، وكان يورد
الأحاديث بالأسانيد.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبوعلي الباقرحي ولد سنة
سبع وثلاثين وأربعمائة، وسمع أبا القاسم التنوخي، وأبا بكر بن بشران،
والقزويني، وابن شيطا، والبرمكي، والجوهري وغيرهم، وكان رجلاً مستوراً
من أولاد المحدثين، فهو محدث وأبوه وجده وأبو جده وجد جده.
وتوفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد اللّه بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث، أبو محمد السمرقندي أخو شيخنا
أبي القاسم، ولد بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ونشأ ببغداد فسمع
الكثير من الصريفيني، وابن النقور وغيرهما، وسمع ببيت المقدس،
وبنيسابور، بلخ، وبسرخس، وبمرو، وبإسفرائين، وبالكوفة، وبالبصرة، وغير
ذلك من البلاد، صحب أباه والخطيب وجمع وألف، وكان صحيح النقل كثير
الضبط، ذا فهم ومعرفة.
أنبأنا أبو زرعة بن محمد بن طاهر، عن أبيه، قال: سمعت أبا إسحاق
المقدسي يقول: لما دخل أبو محمد السمرقندي بيت المقدس قصد أبا عثمان بن
الورقاء، فطلب جزءاً فوعده به ونسي أن يخرجه فتقاضاه فوعده مراراً،
فقال له: أيها الشيخ لا تنظر إلى بعين الصبوة فإن اللّه قد، رزقني من
هذا الشأن ما لم يرزق أبا زرعة الرازي، فقال الشيخ: الحمدلله، ثم رجع
إليه يطلب الجزء، فقال الشيخ: أيها الشاب إني طلبت،البارحة الأجزاء فلم
أجد فيها جزءاً يصلح لأبي زرعة الرازي، فخجل وقام.
توفي أبومحمد يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الآخر من هذه السنة.
عبد القادر بن محمد بن عبد القادر ابن محمد بن يوسف أبو طالب بن أبي
بكر بن أبي القاسم الأصفهاني الأصل. ولد سنة ست وثلاثين وأربعمائة،
وسمع البرمكي، والجوهري، والعشاري، وابن المذهب وغيرهم، وسمع الكثير
وحدث بالكثير سنين، وكان الغاية في التحري وإتباع الصدق والثقة، وكان
صالحاً كثير التلاوة للقرآن كثير الصلاة، وهو آخر من حدث عن أبي القاسم
الأزجي، وتوفي يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة، ودفن بباب حرب.
علي بن أحمد، أبو طالب السميرمي
وسميرم
قوية بأصبهان. كان وزيرالسلطان محمود، وكان مجاهراً بالظلم والفسق،
وبنى ببغداد داراً على دجلة فأخرب المحلة المعروفة بالتوثة، ونقل
آلاتها إلى عمارة داره فاستغاث إليه أهل التوثة فحبسهم ولم يخرجهم إلا
بغرم، وهو الذي أعاد المكوس بعد عشرين سنين من زمان إزالتها، وكان
يقول: لقد سننت على أهل بغداد السنن الجائرة، فكل ظالم يتبع أفعالي،
وما أسلم في الدنيا، وقد فرشت حصيراً في جهنم، وقد إستحييت من كثرة
التعدي على الناس وظلمي من لا ناصر له، وقال هذا في الليلة التي قتل في
صباحها، وكان سرادقه قد ضرب بظاهر البلد، وركب في بكرة ذلك اليوم،
وقال: قد عزمت على الركوب والإلمام بالحمام، والعود عاجلاً المسير في
الوقت الذي اختاره المنجمون، فعاد ودخل الحمام ثم خرج وبين يديه من
العدد ما لا يحصى من حملة السلاح والصمصامات والسيوف ولم يمكنه سلوك
الجادة التي تلي دجلة لزيادة الماء هناك فقصد سوق المدرسه التي وقفها
خمارتكين التتشي واجتّاز في المنفذ العتَيق الذي فيه حظائر الشوك، فلما
خرج أصحابه بأجمعهم منه وبرز عنق بغلته ويداها وثب رجل من دكة في السوق
فضربه بسكين فوقعت في البغلة، ثم هرب إلى دار على دجلة فأمر بطلبه
فتبعه الغلمان وأصحاب السلاح فخلا منهم المكان، فظهر رجل آخر كان
متوارياً فضربه بسكين في خاصرته ثم جذبه عن البغلة إلى الأرض وجرحه عدة
جراحات، فعاد أصحاب الوزير فبرز لهم اثنان لم يريا قبل ذلك فحملا عليهم
مع الذي تولى جراحته فانهزم ذلك الجمع من بين يدي هؤلاء الثلاثة ولم
يبق من له قدرة على تخليصه، ولحلاوة الروح قام الوزير،وقد اشتغلوا عنه
بالحملات على أصحابه فأراد الارتقاء إلى بعض درج الغرف التي هناك
فعاوده الذي جرحه فجره برجله وجعل يكرر الضرب في مقاتله والوزير
يستعطفه، ويقول له: أنا شيخ، فلم يقلع، وبرك على صدره وجعل يكبر، ويقول
بأعلى صوته: الله أكبر أنا مسلم أنا موحد، هذا وأصحاب الوزير يضربونه
على رأسه وظهره بسيوفهم ويرشقونه بسهامهم، وذلك كله لا يؤلمه، وسقط حين
استرخت قوته فوجدوه لم يسقط حتى ذبحه كما يذبح الغنم، وقتل مع الوزير
رجلان من أصحابه، وحملت جثة الوزير على بارية أخذت من الطريق إلى دار
أخيه النصير، وحز رأس الذي تولى قتله، وقتل الأربعة الذين توله قتله
وحز رأس القاتل خاصة، فحمل إلى المعسكر وجيء بالضارب الأول فقتل في
المكان وألقيت رممهم بدجلة، وكانت زوجة هذا الوزير قد خرجت في بكرة
اليوم الذي قتل فيه راكبة بغلة تساوي ثلثمائة دينار بمركب لا يعرف
قيمته وبين يديها خمس عشرة جنيبهَ بالمراكب الثقال المذهبة ومعها نحو
مائة جارية مزينات بالجواهر والذهب وتحتهن الهماليج بمراكب الذهب
والفضة وبين أيديهم الخدم والغلمان والنفاطون بالشموع والمشاعل، فلما
استقرت بالخييم المملوءة بالفرش والأموال والحمال جاء! خبر قتل زوجها،
فرجعت مع جواريها وهن حواسر حواف، فأشبه الأمر قول أبي العتاهية.
رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح
ولقول أبي العتاهية هذا قصة، وهو أن الخيزران قدمت على المهدي وهو
بماسبذان في مائة قبة ملبسة وشياً وديباجاً فمات فعادت إلى بغداد وعلى
القباب المسوح السود مغشاة بها، فقال أبو العتاهية:
رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده ... ر له يوم نطوح
لتموتن ولو عم ... ر ت ما عمر نوح
فعلى نفسك نح لا ... بد إن كنت تنوح
وكان قتل السميرمي يوم الثلاثاء سلخ صفر، وكانت مدة وزارته ثلاث سنين
وعشرة أشهر وعشرين يوماً.
علي بن محمد بن فنين، أبوالحسن البزاز سمع أبا بكر الخياط، وأبا الحسين
بن المهتدي، وأبا الحسين، ابن المسلمة، وغيرهم. وحدث عنهم وقرأ بالقرا
آت، وكان سماعه صحيحاً. وتوفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، ودفن بباب
حرب.
علي بن محمد المداري أبو الحسن سمع القاضي أبا يعلى وابن المهتدي وابن
المسلمة وغيرهم. وحدَّث عنهم، وقرأ بالقرا آت، وكان سماعه صحيحاً،
وتوفي ليلة الأحد خامس ذي الحجة، ودفن بباب حرب.
القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، أبو محمد البصري الحريري صاحب
المقامات
كان يسكن
محلة بني حرام بالبصرة، ولد في حدود سنة ست وأربعين وأربعمائة، وسمع
الحديث، وقرأ الأدب واللغة، وفاق أهل زمانه بالذكاء والفطنة والفصاحة
وحسن العبارة، وأنشأ المقامات التي من تأملها عرف قدر منشئها.
وتوفي في هذه! السنة بالبصرة.
محمد بن علي بن منصور بن عبد الملك، أبو منصور القزويني قرأ القرآن على
أبي بكر الخياط وغيره، وكان يقرىء الناس، وسمع أباه، وأبا طالب بن
غيلان، وأبا إسحاق البرمكي، وأبا الطيب الطبري، وأبا الحسن الماوردي،
والجوهري وغيرهم، وكان صالحاً خيراً له معرفة باللغة والعربية. وتوفي
في شوال هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة سبع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه رحل المسترشد في المحرم وكان إقبال الأمير
الحاجب، ونظر صاحب العسكر فنزل بقرية تعرف بالحديثة من نهر ملك،
فاستقبله البرسقي وجماعة من الأمراء الذين معه، ودخلوا عليه وحلفوا على
المناصحة والمبالغة في الحرب، وقرأ أبو الفرج محمد بن عمر الأهوازي على
المسترشد جزء الحسن بن عرفة وهو سائر، وكان قد ذكر أن جماعة من
الباطنيهَ وصلوا بغداد في زي الأتراك يقصدون الفتك، فتقدم أن يبعد كل
مستعرب من الأتراك عن السرادق، وأمر بأن تحمل الأعلام الخاصة وهي أربعة
آربعة من الخدم، وكذلك الشمسة ولا يدنو من المسترشد غير الخدم
والمماليك، وسار المسترشد وعسكره يوم الأحد رابع المحرم إلى النيل فلما
تقاربوا رتب سنقر البرسقي بنفسه العسكر صفوفاً، وكانوا نحو الفرسخ
عرضاً، وجعل بين كل صفين محالاً للخيل، ووقف موكب الخليفة من ورائهم
حيث يراهم ويرونه، ورتب دبيس عسكره صفاً واحدأً وجعل له ميمنة وميسرة
وقلباً، وجعلِ الرجالة بين يدي الفرسان بالتراس الكبار، ووقف في القلب
من وراء الرجالة وقد منى عسكره ووعدهم نهب بغداد، فلما تراءى الجمعان
بادرت رجالة دبيس فحملت وصاحوا: يا أكلة الخبز الحواري والكعك الأبيض،
اليوم نعلمكم الطعان والضرب بالسيف، وكان دبيس قد استصحب معه البغايا
والمخانيث بالملاهي والزمور والدفوف يحرضون العسكر ولم يسمع في عسكر
الخليفة إلا القرآن والتسبيح والتكبير والدعاء والبكاء.
وفي هذه الليلة اجتمع أهل بغداد على الدعاء في المساجد وختام الختمات
والإبتهال في النصر فحمل عنتر بن أبي العسكر الكردي على صف الخليفة
فتراجعوا وتأخروا، وكان الخليفة، ووزيره من وراء الصف خلف نهر عتيق،
فلما رأى هزيمة الرجالة قال الخليفة لوزيره أحمد: يا نظام الدين ما
ترى؟ قال: نصعد العتيق يا أمير المؤمنين، فصعد الخليفة والمهد والإعلام
وجرد الخليفة سيفه وسأل الله تعالى النصر، وقال جماعة من عسكر دبيس: إن
عنتراً غدر فلم يصدق، قالوا: فلما رأوا المهد والعلم والموكب قد صعد
على العتيق تيقن غدر عنتر فحمل زنكي مع جماعة كانوا قد كمنوا في عسكر
دبيس فكسروهم وأسروا عنتر بن أبي العسكر، ووقعت الهزيمة وهرب دبيس ومن
معه من خواصه إلى الفرات، فعبر بفرسه وسلاحه وقد أدركته الخيل ففاتهم،
وذكر أن امرأة عجوزاً كانت على الفرات قالت لدبيس دبير جئت فقال دبير
من لم يجىء، وقتل الرجالة وأسر خلق كثير من عسكر دبيس،وكان الواحد منهم
إذا قدم ليقتل قال: فداك يا دبيس ثم يمد عنقه، ولم يقتل من عسكر
الخليفة سوى عشرين فارساً، وعاد الخليفة منصوراً فدخل بغداد يوم
عاشوراء، وكانت غيبته من خروجه. ستة عشر يوماً، ولما عاد الخليفة من
حرب دبيس ثار العوام ببغداد فقصدوا مشهد مقابر قريش ونهبوا ما فيه
وقلعوا شبائكه وأخذوا ما فيه من الودائع والذخائر، وجاء العلويون يشكون
هذا الحال إلى الديوان فأنهى ذلك، فخرج توقيع الخليفة بعد أن أطلق في
النهب بإنكار ما جرى وتقدم إلى نظر الخادم بالركوب إلى المشهد وتأديب
الجناة، ففعل ذلك ورد بعض ما أخذ فظهر في النهب كتب فيها سب الصحابة
وأشياء قبيحة.
وفي محرم هذه السنة: نقضت دار علي بن أفلح وكان المسترشد قد أكرمه
ولقبه جمال الملك، فظهر أنه عين لدبيس فتقدم بنقض داره فهرب، وسنذكر
حاله عند وفاته في زمان المقتفي إن شاء اللّه تعالى.
وفي صفر:
عزم الخليفة على عمل السور فأشير عليه بالجباية من العقار، وتقدم من
الديوان إلى ابن الرطبي فأحضر أبو الفرج قاضي باب الأزج، وأمر أن يجبي
العقار لبناء السور، وابتدىء بأصحاب الدكاكين فعَلق الناس لذلك فجمع من
ذلك مال كثير ثم أعيد على الناس، فكثر الدعاء للخليفه وأنفق عليه من
ماله، وكان قد كتب للقاضي أبو العباس ابن الرطبي إلى المسترشد قصة يقول
فيها: الخادم أدام الله ظل المواقف المقدسة طالع بما يعتقد إن أداه أدى
حق النعمه عليه، وإن كتمه كان مقصراً في تأدية ما يجب عليه وعالماً أن
اللّه يسأله عنه، فلو فرض في وقته قضاء شخص يقول له يا أحمد بن سلامة
قد خدمت الحلم منذ الصبى حتى أنتهيت إلى سن الشيوخ، وطول العمر في خدمة
العلم نعمة مقرونة بنعمة وخدمت إمام العصر خدمة زال عنها الارتياب عنده
فيما تنهيه، وعرفت بحكم مخالطتك لابناء الزمان أن الناصح قليل والمشفق
نادر، وهو أدام الله أيامه بنجوة عما تتحدث به الرعيهَ لاتصل إليه
حقائق الأحوال إلاّ من جانب مخصوص، فما عذرك عند اللهّ في كتمانك ولست
ممن يراد وأمثالك إلاّ لقَول الحق وإيراد صدق لا لعمارة ولا لمجمع مال،
فلم يجد لنفسه جواباً يقوم عذره عنده فكيف عند اللهّ تعالى، وهذا الوقت
الذي قد تجدد فيه من يتوهم أنه على شيء في خدمة وإثارة مال من جباية
يغرر بنفسه مع الله لَعالى وبمجد مولانا وأولى الأوقات باستمالة القلوب
وإذاعة الصدقات وإعمال الصالحات هذا الوقت وحق اللهّ يا مولانا إن الذي
تتحدث به الناس فيما بينهم من أن أحدهم كان يعود من معيشته ويأوي الى
منزلة فيدعو بالنصر والحفظ للدولة قد صاروا يجتمعون في المساجد
والأماكن شاكين مما قد التمس منهم، ويقولون كنا نسمع أن في البلد
الفلاني مصادرة فنعجب ونحن الآن في كنف الإمامة المعظمة نشاهد ونرى،
والناس بين محسن الظن ومسيء، والمحسن يقول: مايجوز أن يطلع أمير
المؤمنين على ما يجري فيقر عليه، والمسيء الظن يقول: الفاعل لهذا أقل
أن يقدم عليه إلا عن علم ورضا، وقد كاد كل ذي ولاء وشفقَة يضل ويتبلد،
وفي يومنا هذا حضر عند الخادم شيخ فقيه يعرف بإسماعيل الأرموي والخادم
يِذكر الدرس، فقال:
ليبك على الإسلام من كان باكيا
وحكى أن له دويرات بالجعفرية أجرتها دينار قد طولب بسبعة دنانير، فيا
مولانا اللّه في الدين والدولهّ اللذين بهما الاعتصام، فما هذا الأمر
مما يهمل، وكيف يجوز أن يشاع عنا هذا الفعل الذي لا مساغ له في الشرع
ويجعل الخلق شهوداً وما يخلو في اعداء الدولة من يكون له مكاتب ومخبر
يرفع هذا إليهم، فما يبلع الأعداء في القدح إلى مثل هذا وما المال
ولماذا يراد إلا لانجاد الأنصار والأولياء، وهل تنصرف الحقوق المشروعة
إلا في مثل هذا، وليس إلا عزمة من العزمات الشريفة يصلح بها ضمائر
الناس ويؤمر بإعادة ما أخذ من الضعفاء، وإن كان ما أخذ من الأغنياء
باقياً أعيد، وإن مست حاجة إليه عوملوا فيه، وكتب قرضاً على الخزائن
المعمورة وجعل ذلك مضاهياً لما جرت به العوائد الشريفة عند النهضات
التي سبقت واقترن بها النظر في تقديم الصدقات، وختام الختمات والخادم
وإن أطال فإنه يعد ما ذكره ذمراً بالعرض لكثرة ما على قلبه منه والأمر
أعلى.
وكان الابتداء بعمارة السور يوم السبت النصف من صفر، وكان كل أسبوع
تعمل أهل محلة ويخرجون بالطبول والجنكات، وعزم الخليفة على ختان أولاده
وأولاد إخوته، وكانوا إثني عشر، فأذن للناس أن يعلقوا ببغداد فعلقت،
وعمل الناس القباب، وعملت خاتون قبة بباب النوبى، وعلقت عليها من
الثياب الديباج والجواهر ما أدهش الناس، وعملت قبة في درب الدواب على
باب السيد العلوي، وعليها غرائب الحلى والحلل ونصب عليها ستران من
الديباج الرومي، ومقدار كل واحد منهما عشرين ذراعاً في عشرين، وعلى
أحدهما اسم المتقي للّه، وعلى الآخر المعتز باللّه، وأظهر الناس
مخبآتهم من الثياب والجوهر سبعة أيام بلياليهن.
ثم وصل
الخبر بأن دبيساً حين هرب مضى إلى غزية، فأضافوه وسألهم أن يحالفوه،
فقالوا: ما يمكننا معاداة الملوك ونحن بطريق مكة وأنت بعيد النسب منا
وبنو المنتفق أقرب إليك نسباً، فمضى إليهم وحالفوه وقصد البصره في ربيع
الأول وكبس مشهد طلحة والزبير فنهب ما هناك، وقتل خلقاً كثيراً، وعزم
على قطع النخل فصانعه أصحابها عن كل رأس شيئاً معلوماً.
ووصل الخبر أن السلطان محمود قبض على وزيره شمس الدين عثمان بن نظام
الملك، وتركه في القلعة لأن سنجر كان أمره بابعاده فحبسه، فقال أبو نصر
المستوفي للسلطان: متى مضى هذا إلى سنجر لم نأمنه والصواب قتله ها هنا
وإنفاذ رأسه، فبعث السلطان من ذبحه، وأرسل السلطان محمود إلى الخليفة
ليعزل أخا عثمان، وهو أحمد بن نظام الملك، فبلغ ذلك أحمد فانقطع في
داره وبعث إلى الخليفة يسأله أن يعفى من الحضور بالديوان لئلا يعزل من
هناك، فأجابه ولم يؤذ بشيء.
وناب أبو القاسم ابن طراد في الوزارة ثم بعث إلى عميد الدولة ابن صدقة
وهو بالحديثة فاستحضر فأقام بالحريم الطاهري أياماً، ثم نفذ له الزبزب
وجميع أرباب الدولة ومع سديد الدولة خط الخليفة، فقرأه عليه وهو: " أجب
يا جلال الدين داعي التوفيق مع من حضر من الأصحاب لتعود في هذه الساعة
إلى مستقر عزك مكرماً " ، فأقبل معهم من الحريم الطاهري، وجلس في
الوزارة يوم الإثنين سادس ربيع الآخر.
وفي جمادى الآخرة: وصل ابن الباقرحي ومعه كتب من سنجر ومحمود بتسليم
النظامية إليه ليدرس فيها، فمنعه الفقهاء فألزمهم الديوان متابعته.
وفي آخر شعبان: وصل أسعد الميهني بأخذ المدرسة والنظر فيها، وفي
نواحيها، وإزالة ابن الباقرحي عنها، ففعل واتفق الميهني والوزير أحمد
بن النظام على أن دخل المدرسة قليل لا يمكن إجراء الأمر على النظام
المتقدم، وأنهم يقنعون ببعض االمتفقهة ويقطعون من بقي، فاختل بذلك أمر
المدرس فدرس يوماً واحداً، وامتنع الفقهاء من الحضور، وترك التدريس ثم
مضى إلى المعسكر ليصلح حاله فأقام خواجا أحمد أبا الفتح بن برهان ليدرس
نائباً إلى أن يأتي أسعد الميهني، فألقى الدرس يوماً، فأحضره الوزير
ابن صدقة، وأسمعه المكروه، وقال: كيف أقدمت على مكان قد رتب فيه مدرس؟
ثم ألزمه بيته وتقدم إلى قاضي القضاة فصرفه عن الشهادة، وأمر أبا منصور
ابن الرزاز بالنيابة في المدرسة.
واشتد الغلاء فبلغت كارة الدقيق الخشكار ستة دنانير ونصف.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو سعد الصيرفي أخو أبي الحسين سمع من
جماعة ولا نعرف فيه إلا الخير، توفي في هذه السنة.
عبيد اللّه بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن
مهرة، أبو نعيم بن مهرة، أبو نعيم بن أبي علي الحداد ولد سنة ثلاث
وستين وأربعمائة، وسمع بنيسابور وبهراة وبأصبهان وبغداد وغيرها الكثير،
ورحل في الطلب، وعني بالجمع للحديث، وقرأ الأدب، وحصل من الكتب ما لم
يحصله غيره، وكان أديباً حميد الطريقة غزير الدمعة.
عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل، أبو زيد العلوي من أولاد الحسن بن
علي بن أبي طالب من أهل أبهر، بلد عند زنجان، رحل إلى البلاد وسمع
الحديث ثمن جماعة، وكان يميل إلى طريقة التصوف وبغلب في السماع والوجد
على زعمه، توفي في شوال هذه السنة، وصلي عليه بباب الطاق، ودفن في قبر
قد حفره لنفسه في حياته.
عثمان بن نظام الملك وزير السلطان محمود، كان قد طلبه سنجر فقبض عليه
السلطان وحبسه، فقال أبو نصر المستوفي: متى مضى هذا إلى سنجر لم تأمنه
والصواب قتله وإنفاذ رأسه، فبعث السلطان إليه عنتر الخادم، فلص أتاه
وعرفه مما جاء فيه قال: أمهلني حتى أصلي ركعتين، فقام واغتسل وصلى
ركعتين وصبر لقضاء الله، وأخذ السيف من السياف فنظر فيه ثم قال: سيفي
أمضى من هذا فاضرب به ولا تعذبني، فقتله بسيفه وبعث برأسه، فلما كان
بعد قليل فعل بأبي نصر المستوفي مثل ذلك.
عثمان بن علي بن المعمر بن أبي عمامة البقال، أبو المعالي أخو أبي سعد
الواعظ سمع من ابن غيلان وغيره، وقال شيخنا عبد الوهاب: جهدنا به أن
نقرأ عليه فأبى، وقال: اشهدوا أني كذاب، وكان شاعراً خبيث اللسان،
ويقال: إنه كان قليل الدين يخل بالصلوات. مات في ربيع الآخر من هذه
السنة.
محمد بن
أحمد بن محمد بن المهتدي، أبو الغنائم الخطيب العدل سمع القزويني،
والبرمكي، والجوهري، والتنوخي، والمحضاري، والطبري، وغيرهم، وكان شيخاً
ذا هيئة جميلة وصلاح ظاهر، وسماعه صحيح، وكان شيخنا عبد الوهاب يثني
عليه ويصفه بالصدق والصلاح، وعاش مائة وثلاثين سنة وكسراً، مُمتَعاً
بجميع جوارحه، وكتب المستظهر في حقه هو شيخ الأسرة.
توفي يوم الأحد ثاني عشر ربيع الأول، ودفن بباب حرب قريباً من بشر
الحافي.
محمد بن أحمد بن عمر القزاز، أبو غالب الحريري، ابن الطيوري أخو أبي
القاسم شيخنا، وخال شيخنا عبد الوهاب الأنماطي سمعِ أبا الحسن زوج
الحرة، والعشاري، وأبا الطيب الطبري، حدث وكان سماعه صحيحاً، وكان
خيراً صالحاً، روى عنه شيخنا عبد الوهاب.
توفي ليلة الجمعة سابع عشر صفر، ودفن بباب حرب عند أبيه.
محمد بن علي بن محمد، أبو جعفر من أهل همذان، يلقب بمقدم الحاج، حج
كثيراً، وكان يقرأ القرآن بصوت طيب ختم في مسجد سيدنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم ختمة، في كل سنة في ليلة واحدة قائماً في الروضة، وسمع
الحديث.
وتوفي في محرم هذه السنة بهمذان وهو ابن ست وستين سنة.
محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق بن محمد، أبو الحسن الزعفراني الجَلاب ولد
سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة، وسمع القاضي أبا يعلى، وأبا الحسين ابن
المهتدي، وابن المسلمة، والصريفيني وغيرهم، وتفقه على أبي إسحاق، ورحل
في طلب العلم والحديث، وسمع بالبصرة وخوزستان وأصبهان والشام ومصر،
وكان سماعه صحيحاً، وكان ثقة له فهم جيد، وكتب تصانيف الخطيب وسمعها
منه. وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشرين صفر، ودفن بالوردية.
المبارك بن محمد بن الحسن، أبو العز الواسطي سمع وحدث ووعظ، إلا أنه
كان يحكى عنه تخليط في وعظه وتفسيره للقرآن، توفي في رجب هذه السنة،
رحمه اللّه وإيانا وسائر المسلمين.
ثم دخلت سنه ثماني عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وردت الأخبار بأن الباطنية ظهروا بآمد وكثروا
فنفر عليهم أهل البلد، فقتلوا منهم سبعمائة رجل.
وردت شحنكية بغداد إلى سعد الدولة برنقش الزكوي، وتقدم إلى البرسقي
بالعود إلى الموصل، وسلم منصور بن صدقة إلى سعد الدولة ليوصله إلى دار
الخلافة، فوصل سعد الدولة وسلم منصور إلى دار الخلافة،، ووصل الخبر
بوصول دبيس ملتجئاً إلى الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه، وأنهما على قصد
بغداد، فتقدم الخليفة إلى ابن صدقة بالتأهب لمحاربتهما وجمع الجيوش،
وتقدم إلى برنقش الزكوي بالتأهب أيضاً، واستجاش الأجناد من كل جانب،
فلم يزالوا يتأهبون إلى أن خرجت هذه السنة.
وفي ربيع الأول: وقع جرف وأمراض وعمت من بغداد إلى البصرة.
وفي جمادى الأولى: تكاملت عمارة المثمنة، وشرع المسترشد في أخذ الدور
المشرفة على دجلة إلى مقابل مشرعة الرباط ليبني ذلك كله مسناة واحدة،
ونقض الدار التي بنى في المشرعة، وذكر أن المسترشد تزوج ببنت سنجر،
وأنه يريد أن يبني هذا المكان.
وفي رجب: تقدم إلى نظر وابن الأنباري، فمضيا إلى سنجر لأستحضار ابنته
زوجة المسترشد، وكان المتولي للعقد والخطاب في ذلك القاضي الهروي.
وفي شعبان: وصلت كتب إلى الديوان، بأن قافلة واردة من دمشق فيها باطنية
قد انتدبوا لقتل أعيان الدولة مثل الوزير، ونظر فقبض على جماعة منهم
وصلب بعضهم في البلد، إثنان عند عقد المأمونية واثنان بسوق الثلاثاء
وواحد بعقد الجديد، وغرق جماعة، ونودي أي متشبه من الشاميين وجد ببغداد
أخذ وقتل وأخذ في الجملة ابن أيوب قاضي عكبرا، ونهبت داره، وقيل أنه
وجد عنده مدارج من كتب الباطنية، وأخذ آخر كان يعينهم بالمال، وأخذ رجل
من الكرخ.
وفي شوال: قبض على ناصح الدولة أبي عبدالله بن جهير أستاذ الدار، وقبض
ماله ووكل به داره، وذكر أنه قرر عليه أربعون ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن أحمد بن سلم، أبو العباس بن أبي الفتوح الخراساني
من أهل
أصبهان، سمع بها من أبي عثمان سعيد بن أبي سعيد العيار الصوفي، وأبي
عمر عبد الوهاب بن أبي عبد الله بن مندة، وبمكة من سعد الزنجاني وغيره،
وحج خمس حجات وجاور بمكة سنين، وكان واعظاً متصوفاً، ووعظ ببغداد فنفق
عليهم. وتوفي بأصبهان في ربيع الآخر من هذه السنة، وكانت ولادته سنة ست
وأربعين.
أحمد بن علي بن تركان، أبو الفتح، ابن الحمامي لأن أباه كان حمامياً،
وكان على مذهب أحمد بن حنبل.، وصحب أبا الوفاء ابن عقيل، وكان بارعاً
في الفقه وأصوله، شديد الذكاء والفطنة، فنقم عليه أصحابنا أشياء لم
تحتملها أخلاقهم الخشنة فانتقل وتفقه على الشاشي والغزالي، ووجد أصحاب
الشافعي على أوفى ما يريده من الإكرام، ثم ترقى وجعلوه مدرساً للنظامية
فوليها نحو شهر، وشهد عند الزينبي.
وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر جمادى الأولى، ودفن بباب أبرز.
إبراهيم بن سمقايا، أبو إسحاق الزاهد كان من أعيان الصالحين، توفي في
ربيع الأول من هذه السنة.
عبد اللّه بن محمد بن علي بن محمد، أبو جعفر الدَّامغَاني سمع
الصريفيني، وابن المسلمة، وابن النقور، وشهد عند أبيه قاضي القضاة أبي
عبد الله وجعل قاضياً على ربع الكرخ من قبل أخيه قاضي القضاة، أبي
الحسن، ثم ترك ذلك وخلع الطيلسان وولي حجابة باب النوبي ثم عزل، وكان
دمث الأخلاق عتيداَّ بالرياسة.
وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني جمادى الأولى، ودفن بالشونيزية عند قبر ابن
أخيه أبي الفتح السامري.
عبيد اللّه بن عبد الملك بن أحمد الشهرزوري، أبو غالب البقال المقرىء
سمع من ابن المذهب، والجوهري وغيرهما، وحدث، وسماعه صحيح، وكان شيخاً
فيه سلامة.
قاسم بن أبي هاشم أمير مكة، توفي في العشر الأوسط من صفر، وخلفه ابنه
أبو فليتة فأحسن السياسة، وأسقط المكس.
محمد بن علي بن سعدون، أبو ياسر سمع ابن المسلمة، وأبا القاسم الدجاجي،
وحدث، وتوفي بالمارستان.
محمد بن الحسن بن كردي، أبو السعادات المعدل، ثم القاضي ببعقوبا سمع
ابن المسلمة، والصريفيني، وحدث، وشهد عند القاضي أَبي عبد الله
الدامغاني، وكان كثير الصدقة مشهوداً له بالخير، وبلغ ثمانين سنة.
وتوفي ليلة السبت غرة رمضان، ودفن بباب حرب.
المبارك بن جعفر بن مسلم، أبو الكرم الهاشمي سمع الحديث الكثير من أبي
محمد التميمي، وطراد وغيرهما، وكتب الكثير، وتفقه على أبي القاسم يوسف
بن محمد الزنجاني، وعلى شيخنا أبي الحسن الزاغوني، وكان صالحاً خيراً،
وهو أول من لقنني القرآن وأنا طفل. وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة عن
أربعين سنة، ودفن بباب حرب.
ثم دخلت
سنة تسع عشرة وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه لما التجأ دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل بن محمد
بن ملكشاه وحسن له أن يطلب السلطنة والخطبة، وقصد بغداد، وتقدم الخليفة
بالاستعداد لمحاربتهما، وأمر بفتح باب من ميدان خالص في سور الدار
مقابل الحلبة، وسماه باب النصر، وجعل عليه باباً من حديد، وبرز في يوم
الجمعة خامس صفر وخرج سحرة يوم الإثنين ثامن صفر من باب النصر بالسواد
وعليه البردة وبيده القضيب وعليه الطرحة والشمسة على رأسه، وبين يديه
أبو علي بن صدقة وزيره ونقيب النقباء أبو الفاسم، وقاضي القضاة وإقبال
الخادم، وأرباب الدولة يمشون في ركابه إلى أن وصلوا باب الحلبة، ثم ركب
الجماعة إلى أن وصلوا إلى صحن الشماسية، فلما قربوا من السرادق ترجلوا
كلهما ومشوا بين يديه إلى السرادق، ورحل يوم التاسع من صفر فنزل
بالخالص ونزل طغرل ودبيس براذان، فلما عرفا خروج الخليفة عدلا عن طريق
خراسان ونزلا برباط جلولاء، فخرج الوزير أبوعلي بن صدقة في عسكر كثير
إلى الدسكرة، وتوجه الملك طغرل إلى الهارونية ورحل الخليفة فنزل
الدسكرة فدبر الملك ودبيس أن يعبرا ديالى وتامرا ويكبسوا بغداد ليلاً
ويقطعوا الجسر بالنهروان ويحفظ دبيس المعابر ويشتغل طغرل بنهب بغداد،
فعبرا تامرا فنزل طغرل بين ديالى وتامرا وعبر دبيس ديالى على أن يتبعه
الملك، فمرض الملك تلك الليلة وتوالى مجيء المطر وزاد الماء في ديالى
والخليفة نازل بالدسكرة لا يعلم بمكر دبيس فقصد دبيس مشرعة النهروان في
مائتي فارس جريدة، فنزل هناك وقد تعب
وجاء
المطر عليهم طول ليلتهم وليس معهم خيمة ولازاد ولاعليف، فوصلت جمال قد
نفذت من بغداد إلى الخليفة عليها الزاد والثياب فأخذها دبيس ففرقها على
عسكره، فاكتسوا وشبعوا وغنموا.
وبلغ الخبر إلى بغداد بمجيء دبيس فانزعج الناس ودخلوا تحت السلاح،
والتجأ النساء والمشايخ إلى المساجد وأعلنوا بالدعاء والاستغاثة إلى
اللّه تعالى، وتأدى الخبر إلى الخليفة وأرجف في عسكره بأن دبيساً قد
دخل بغداد وملكها، فرحل مجدا إلى نهروان، فلم يشعر دبيس إلا برايات
الخليفة قد طلعت، فلما رآها قبل الأرض في مكانه، وقال: أنا العبد
المطرود ما إن يعفى عن العبد المذنب فلم يجبه أحد، فعاود القول
والتضرع، فرق له الخليفة، وهم بالعفو عنه أو مصالحته فصرفه الوزير ابن
صدقة عن هذا الرأي، وبعث الخليفة نظر الخادم إلى بغداد بتطييب قلوب
الناس ونادى في البلد بخروج العسكر بطلب دبيس والإسراع معِ الوزير أبي
علي بن صدقة، ودخل الخليفة داره، وكانت غيبته خمسة وعشرين يوماً، ومضى
دبيس والملك إلى سنجر فاستجارا له هذا من أخيه، وهذا من أمير المؤمنين
فأجارهما ولبسا عليه، فقالا: قد طردنا الخليفة، وقال: هذه البلاد لي،
فقبض سنجر على دبيس واعتقله في قلعة يتقرب بذلك إلى المسترشد، وخرج سعد
الدولة برنقش الزكوي في تاسع رجب إلى السلطان، واجتمع به خالياً، وأكثر
الشكوى من الخليفة، وحقق في نفسه أن الخليفة يطلب الملك، وأنه خرج من
داره مرتين، وكسر من قصده وإن لم يدبر الأمر في حسم ذلك اتسع الخرق
وصعب الأمر، وسيتضح لك حقيقة ذلك إذا أردت دخول بغداد والذي يحمله على
ذلك وزيره أبو علي بن صدقة، وقد كاتب أمراء الأطراف وجميع العرب
والأكراد فحصل في نفس السلطان من ذلك ما دعاه إلى دخول بغداد.
وفي هذه الأيام دخل أبوالعباس ابن الرطبي يعلم الأمراء بدار الخليفة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
آقسنقر البرسقي صاحب الموصل، قتله الباطنية في مقصورة الجامع.
هلال بن عبد الرحمن بن سريج ابن عمر بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن
سليمان بن بلال بن رباح مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، كنيته أبوسعيد
جال في بلاد الجبلِ وخراسان، ووصل إلى سمرقند، وجال في ماوراء النهر،
ودخل بغداد، وكان شيخاً جهوري الصوت بالقرآن، حسن النغمة.
وتوفي في هذه السنة بسمرقند.
هبة الله بن محمد بن علي، أبو البركات ابن البخاري ولد سنة أربع
وثلاثين، وسمع من ابن غيلان، وابن المذهب، والجوهري، والعشاري،
والتنوخي، وحدث عنهم، وكان سماعه صحيحأ، وشهد عند أبي الحسن الدامغاني،
وتوفي يوم الإثنين ثاني عشرين رجب، ودفن بمقبرة باب حرب.
ثم دخلت
سنة عشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها
أنه لما
قاتل المسترشد طغرل بن محمد فرح بذلك محمود وكاتب الخليفة، قال: قد
علمت ما فعلت لأجلي وأنا خادمك وصائر إليك وتراسلا بالأيمان والعهود
على إنهما يتفقان على سنجر، ويمضيان إلى قتاله، ويكون محمود في السلطنة
وحده فلما علم سنجر، بذلك بعث إلى محمود، يقول له: أنت يميني والخليفة
قد عزم على أن يمكر بي وبك، فإذا اتفقتما علي فرغ مني وعاد إليك فلا
تلتفت إليه وأنت تعلم أنه ليس لي ولد وذكر، وإنك ضربت معي مصافاً،
وظفرت بك، فلم أسىء إليك، وقتلت من كان سبباً لقتالنا، وأعدتك إلى
السلطنة، وجعلتك ولي عهدي، وزوجتك ابنتي، فلما مضت إلى اللّه تعالى
زوجتك الآخرى، ورأي فيك رأي الوالد فاللّه الله أن تعول على ما قال لك،
ويجب بعد هذا أن تمضي إلى بغداد ومعك العساكر فتقبض على وزير الخليفة
ابن صدقة وتقتل الأكراد الذين قد دونهم وتأخذ النزل الذي قد عمله وجميع
آلة السفر، وتقول: أنا سيفك وخادمك وأنت تعود إلى دارك على ما جرت به
عادة آبائك، وأنا لا أحوجك إلى تعسف فإن فعل وإلاّ أخذته بالشدة وإلاّ
لم يبق لك ولا لي معه حكم، ونفذ إليه رجلاً، وقال هذا يكون وزيرك، فلما
وصل الرجل والرسالة انثنى عزمه عما كان عول عليه والتفت إلى قول عمه،
وكتب صاحب الخبر إلى الخليفة. بذلك فنفذ الخليفة إليه سديد الدولة ابن
الأنباري يقول له: تقنع أن تتأخر في هذه السنة عن بغداد لقلة الميز
والناس في عقب الغلاء، فقال: لابد لي من المجيء، واتفق أنه خرج شحنة
بغداد برنقش الخادم إلى السلطان محمود يشكو من استيلاء الخليفة على ما
ذكرنا فى السنة قبلها فأوغر صدره على دخول بغداد وحقق فى نفسه أن
الخليفة مع خروجه ومباشرته الحرب بنفسه لا يقعد ولا يمكن أحداً. من
دخول بغداد من أصحاب السلطان من شحنة وعميد، فتوجه السلطان إلى بغداد،
فلما سمع الخليفة نفذ إليه رسولاً وكتاباً إلى وزيره يأمر برد السلطان
عن التوجه، فأبى وأجاب بجواب ثقل سماعه على الخليفة، فشرع الخليفة في
عمل المضارب واعتداد السلاح وجمع العساكر، ونودي ببغداد يوم السبت عاشر
ذي القعدة بعبور الناس إلى الجانب الغربي، وتقدم بإخراج سرادقه إلى
ظاهر الحلبة، وانزعج الناس وعبروا إلى الجانب الغربي فكثر الزحام على
المعابر والسفن، وبلغ أجرة الدار بالجانب الغربي ستة دنانير وخمسة،
وتأذوا غاية التأذي، فلما اطمأن الناس وسكنوا بدار الخليفة من القتال،
وقال: أخلي البلد عليه، وأخرج وأحقن دماء المسلمين، فنودي بالعبور إلى
الجانب الشرقي فعبروا وحمل سرادق الخليفة إلى الجانب الغربي، فضرب تحت
الرقة وتواتر مجىء الأمطار ودام الرعد والبرق ثلاثة أيام، وكادت الدور
تغرق، وانهدم بعضها وعبرت الرايات والأعلام. ثم خرج المسترشد من داره
رابع عشرين في القعدة من باب الغربة وعبر في الزبزب، وصعد إلى مضاربه،
فلما عرف السلطان ذلك بعث برنقش الزكوي،. وأسعد الطغرائي فدخلا بغداد
ومضيا إلى السرادق فجلسا على بابه زماناً إلى أن أذن لهما، وقد جلس
لهما الخليفة على سريره فقبلا الأرض، وأديا رسالة السلطان وامتعاضه من
انزعاج أمير المؤمنين، ثم خشنا في آخر الرسالة، وقال الخليفة: أنا أقول
له يجب أن تتأخر في هذه السنة عن العراق فلا تقبل ما بيني وبينك إلاّ
السيف، ثم قال لبرنقش: أنت كنت السبب في مجيئه، وأنت فسدت قبله، ثم هم
بقتله فمنعه الوزير وقال: هو رسول، وكتب الجواب وبعثه معهما فخرجا إلى
السلطان وهو بقر ميسين، وقد توجه إلى المرج فأوصلا التاب إليه وعرفا
الجواب وأخبراه بما شاهداه من خروج الخليفة عن داره وكونه في مضاربه
بالجانب الغربي فامتلأ غيظاً واستشاط وأمر بالرحيل إلى بغداد.
وفي عاشر ذي الحجة: وهو يوم النحر أمر أمير المؤمنين بنصب خيمة كبيرة
وبين
يديها
خيمة أخرى ومد شقتين من شقاق السرادق من غير دهليز، ونصبوا في صدر
الخيمة منبراً عالياً، وحضر خواص الخليفة ووزيره والنقباء وأرباب
المناصب والأشراف والهاشميون والطالبيون، وخلق من الوجوه، وأقبل
الخليفة ومعه ولده الراشد وهو ولي عهده، فوقف إلى جانب المنبر، وصلى
بالناس صلاة العيد، وكان المكبرون خطباء الجوامع ابن الغريق وابن
المهتدي وابن التريكي وغيرهم، فلما فرغ من الصلاة صعد المنبر، ووقف ولي
العهد دونه بيده سيف مشهور فابتدأ فقال: اللّه أكبر ما سحت الأنواء،
وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت على الأرض السماء، اللّه أكبر ما همع
سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب وسر قادم باياب، اللّه أكبر. مانبت نجم
وأزهر، وأينع غصن، وأثمر، وطلع فجر وأسفر وأضاء هلال وأقمر، سبحان الذي
جل عن الأشباه والنظير، وعجز عن تكييف ذاته الفكر والضمير لا تدركه
الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، الحمد للّه ناصر أوليائه
وخاذل أعدائه الذي لا يخلو من علمه مكان ولا يشغله شأن عن شأن، أحمده
على تزايد نعمه، وأسأله الزيادة من بره وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا
اللّه وحده لا شريك له، شهادة أجعلها لنفسي الوقاء، وأعدها ذخراً ليوم
اللقاء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه والكفر ممتد الرواق وقد ضرب
بجرانه في الافاق، فشمر فيه عن ساق وقوم أهل الزيغ والنفاق، صلى اللهّ
عليه وعلى آله الأخيار وأهل بيته الأطهار، وعلى عمه وصنو أبيه العباس
في الشرف الشامخ والمجد الباذخ جد أمير المؤمنين أبي الخفاء الراشدين،
وعلى أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين وسلم، صلاة يزكيهم بها يوم الدين،
وتجعلهم في جواره أعلى عليين.
عباد اللّه قد وضح السبيل لطالبيه ونطق الدليل للراغب فيه واستظهر الحق
لظهور معانيه، فما للنفوس راغبة عن رشادها مشمرة عن فسادها مفرطة في
إصدارها وإيرادها، جاهلة بمعادها أوهي عصية عن استعدادها، هيهات هيهات
كم اخترمت المنية قبلكم، وساقت إلى الأرماس من كان أشد منكم ومثلكم،
سلبتهم أرواحهم وقطعتهم افراحهم ولم تخف جيوشهم ولا سلاحهم طالما أفنت
أمماً واستزلت قدماً، وأمطرت عليهم من الفناء ديماً، ورمتهم من البلاء
أسهماً. وحرمتهم من الامال مغنماً، وحملتهم من الأثقال مغرماً، ولم
تراع فيهم محرماً ذلوا بعد أن عزوا في دنياهم، وسادوا وجروا الجيوش
إلىِ الأعداء وقادوا فعاد طلقهم مأسوراً وقائدهم بالشقاوة مقهوراً، قد
عدموا نوراً وسروراَ فيا أسفاً لهم ضيعوا زمناً وما اكتسبوا حسناً، كيف
بهم إذا نشرت الأمم وأعيدت إلى الحياة الرمم، ونزك بذي الذنوب الألم،
وظهر من أهل التقصير الأسف والندم، ذلك يوم لا يرحم فيه من شكا، ولا
يعذر من بكى، ولا يجد الظالم لنفسه مسلكاً يوم يشتد فيه الفراق ويتزايد
فيه القلقَ، وتثقل على أهلها الأوزار، وتلفح وجوه العصاة النار، وتذهل
المرضعات، وتعظم التبعات، وتظهر الآبات، وتكاشف البليات، ولا يقال فيه
من ندم، ولا ينجو من عذاب اللهّ إلا من رحم، واعلموا عباد اللهّ أن
يومكم هذا يوم شرفه اللهّ بتشريفه القديم، وابتلى فيه خليله إبراهيم
بذبح ولده اسماعيل، وفداه بذبح عظيم، وسن فيه النحر وجعله شعاراً للسنة
إلى آخر الدهر: " لن ينال اللّه لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى
منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا اللّه على ما هداكم وبشر المحسنين "
البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، والجذع من الضأن، والثنى من المعز عن
واحد " فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرها
لكم لعكم تشكرون " .
ثم جلس بين الخطبتين، ثم قام إلى الثانية فحمد اللهّ وكبر، وصلى على
النبي صلى الله عليه وسلم يمينَاَ وشمالاَ ثم قال: اللهم أصلحني وأصلح
لي ذريتي وأعني على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني لما أهلتني
له، وانصرني على ما استخلفتني. فيه، واحفظني فيما اسرعيتني ولا تخلني
من خفايا لطفك التي عودتني " رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل
الأحاديث فاطر السموات والأرض انت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلماً
وألحقني بالصالحين " " إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى
وينهى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون " .
قال
المصنف رحمه الله: نقلت هذه الخطبة من خط أبي عبد اللهّ محمد بن عبد
اللّه بن العباس الحراني الشاهد، وقد أجاز لي رواية ما يروى عنه، قال:
حضرت هذه الخطبة مع قاضي القضاة أبي القاسم الزينبي، وجماعة العدول،
وكان خطباء الجوامع قياماً تحت المنبروهم المكبرون في أثناء الخطبة.
قال: فلما أنهى الخطبة وتخفز للنزول بادره الشريف أبو المظفر أحمد بن
علي بن عبد العزيز الهاشمي فأنشده:
عليك سلام اللهّ ياخير من علا ... على منبر قد حف أعلامه النصر
وأفضل من أم الأنام وعمهمِ ... بسيرته الحسنى وكان له الأمر
وأشرف أهل الأرض شرقاً ومغرباً ... ومن جده من أجله نزل القطر
لقّد شرفت أسماعنا منك خطبة ... وموعظة فضل يلين لها الصخر
ملأت بها كل القلوب مهابة ... فقد رجفت من خوف تخويفها مصر
سما لفظها فضلاً على كل قائل ... وجل علاها أن يلم بها حصر
أشدت بها سامي المنابر رفعة ... تقاصر عن إدراكها الأنجم الزهر
وزدت بها عدنان مجداً مؤثلاً ... فأضحى لها بين الأنام بك الفخر
وسدت بني العباس حتى لقد غدا ... يباهي بك السجاد والعالم الحبر
فلله عصر أنت فيه إمامه وللهّ ... ولله دين أنت فيه لنا الصدر
بقيت على الاسلام والملك كلما ... تقادم عصر أنت فيه أتى عصر
وأصجت بالعيد السعيد مهنأ ... يشرفنا فيه صلاتك والنحر
ونزل فنحر بدنه بيده، ثم دخل السرادق ووقع البكاء على الناس ودعوا له
بالتوفيق والنصر، وأمر بجمع السفن كلها فعبر بها إلى الجانب الغربي،
وانقطع عبور الناس باالكلية.
وأما السلطان فإنه بلغ إلى حلوان، فبعث من هنالك الأمير زنكي إلى واسط،
فأزاح عنها عفيف الخادم فهرب حتى لحق بالخليفة، وأمر الخليفة بسد أبواب
داره جميعها سوى باب النوبي، ورسم لحاجب الباب القعود عليه لحفظ الدار،
ولم يبق من أصحاب الخليفة وحواشيه في الجانب الشرقي سواه.
وأقبل السلطان في يوم الثلاثاء ثامن عشر ذي الحجة إلى بغداد، فنزل
بالشماسسِة ودخل بعض عسكره إلى بغداد فنزلوا في دور الناس وانبثوا في
الحريم وغيره، وأمر الخليفة بنقل الحرم والجواري إلى الحريم الطاهري من
الجانب الغربي ونقل بعض رحله إلى دار العميد التي بقصر المأمون، ولم
يزل السلطان يبعث الرسل إلى الخليفة ويتلطف به وبدعوه إلى الصلح والعود
إلى داره، وهو لا يجيب، ثم وقف عسكر السلطان بالجانب الشرقي والعامة
بالجانب الغربي يسبون الأتراك، ويقولون: يا باطنية يا ملاحدة عصيتم
أمير المؤمنين فعقودكم باطلة، وأنكحتكم فاسدة تم تراموا بالنشاب.
قال المصنف رحمه اللهّ: وفي هذه السنة حملت إلى أبي القاسم علي بن يعلى
العلوي وأنا صغير السن فلقنني كلمات من الوعظ، وألبسني قميصاً من
الفوط، ثم جلس لوداع أهل بغداد عند السور مستنداً إلى الرباط الذي في
آخر الحلبة، ورقاني إلى المنبر فأوردت الكلمات وحزر الجمع يومئذ فكانوا
نحو، خمسين ألفآَ، وكان يورد الأحاديث بأسانيدها، وينصر أهل السنة،
ويقول: أنا علوي بلخي ما أنا علوي كرخي، وسمعت منه الحديث وأجاز لي
جميع مسموعاته ومجموعاته، وأنشدنا يوم وداعه، وذكر أنها لأبي القاسم
الجميل النيسابوري، وأنه سمعها منه:
سروري من الدهر لقياكم ... ودار سلامي مغناكمُ
وأنتم مدى أملي ما أعيش ... وما طاب عيشي لولاكم
جنابكمُ الرحب مرعى الكرامٍ ... فلا صوّح الدهر مرعاكم
كأن بأيديكمُ جنة ... وناراً فأرجو وأخشاكم
فحياكم اللهّ كم حسرة ... أراني فراق صحياكم
حشا البين يوم ارتحلتم حشاي ... بنار الهموم وحاشاكم
فياليت شعرىِ ومن لي ... بأن أعيش إلى يوم ألقاكمُ
إذا إزدحمت في فؤادي الهموم ... أعلل قلبي بذكراكم
تود جفوني لو أنها ... مناخ لبعض مطاياكم
وأستنشق الريح من أرضكم ... لعلي أحظى برياكم
فلا تنسوا
العهد ما بيننا ... فلسنا مدى الدهر ننساكم
فها أنتم أولياء النعيم ... وها أنا بالرق مولاكم
وخرج العلوي من بغداد في ربيع الآخر من هذه السنة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن محمد، أبو الفتوح الغزالي الطوسي أخو أبي حامد، كان
متصوفاً متزهداً في أول أمره، ثم وعظ فكان متفوهاً وقبله العوام. وجلس
في بغداد في التاجية ورباط بهروز، وجلس في دار السلطان محمود فأعطاه
ألف دينار، فلما خرج رأى فرس الوزير في دهليز الدار بمركب ذهب وقلائد
وطوق فركبه ومضى فأخبر الوزير، فقال: لا يتبعه أحد ولا يعاد إلي الفرس،
وخرج يوماً إلى ناعورة فسمعها تئن، فرمى طيلسانه عليها، وكان له نكت
لطيفة إلاّ أن الغالب على كلامه التخليط ورواية الاحاديث الموضوعة
والحكايات الفارغة والمعاني الفاسدة، وقد علق عنه. كثير من ذلك، وقد
رأينا من كلامه الذىِ علق عنه وعليه خطه إقرارا بأنه كلامه.
فمن ذلك أنه قال: قال موسى رب أرني أنظر إليك، قيل له: لن تراني، فقال:
هذا شأنك تصطفي آدم ثم تسود وجهه وتخرجه من الجنة، وتدعوني إلى الطور
ثم تشمت بي الأعداء، هذا عملك بالأخيار، كيف تصنع بالأعداء.
وقال: نزل إسرافيل بمفاتيح الكنوز على رسول اللة صلى الله عليه وسلم
وجبريل جالس عنده فاصفر وجه جبريل، فقال رسول اللهّ صلى الله عليه
وسلم: يا اسرافيل، هل نقص مما عنده شيئاً، قال: لا، قال: ما لا ينقص
الواهب ما أريده.
وقال: دخل يهودىِ إلى الشيخ أبى سعيد، فقال - أريد أن أسلم، فقال له:
لا ترد، فقال الناس: يا شيخ تمنعه من الإسلام، فقال له: تريد ولا بد،
قال: نعم، قال: برئت من نفسك وما لك، قال: نعم قال: هذا الاسلام عندي
احملوه الآن إلى الشيخ أبي حامد حتى يعلمه لا - لا المنافقين يعني لا
إله الا اللهّ قال أحمد الغزالي: الذي يقول لا إله إلا اللة غير مقبول
ظنوا أن قول لا إله إلاّ اللّه منشور ولايته أفنسوا عزله.
وحكى عنه القاضىِ أبو يعلى أنه صعد المنبر يوماً، فقال: معاشر المسلمين
كنت دائماً أدعوكم إلى الله فأنا اليوم أحذركم منه، واللة ما شدت
الزنانير إلا من حبه، ولا أديت الجزية إلا في عشقه. وأنبأنا محمد بن
ناصر الحافظ، عن محمد بن طاهر المقدسي قال: كان أحمد الغزالي آية من
آيات اللّه تعالى في الكذب، توصل إلى الدنيا بالوعظ، سمعته يوماً
بهمذان يقول: رأيت إبليس في وسط هذا الرباط يسجد لي فقال له: ويحك، إنه
اللة عز وجل أمره بالسجود لآدم فأبى. فقال: واللهّ لقد سجد لي أكثر من
سبعين مرة. فعلمت أنه لا يرجع إلى دين ومعتقد. قال: وكان يزعم أنه يرى
رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم عياناً في يقظته لا في نومه، وكان يذكر
على المنبر أنه كلما أشكل عليه أمر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسأله على ذلك المشكل فدلِّه على الصواب.
قال: وسمعته يوماً يحكي عن بعض المشايخ، فلما نزل سألته عنها فقال: أنا
وضعتها في الوقت. قال: وله من هذه الجهالات والحماقات ما لا يحصى.
قال مؤلف الكتاب: وكان أحمد الغزالي يتعصب لابليس ويعذره، حتى قال
يوماً: لم يدر ذاك المسكين أن أظافر القضاء اذا حكت أدمت وقسي القدر
اذا رمت أصمت ثم انشد.
وكنا وليلى في صعود من الهوى ... فلما توافينا ثبت وزلت
وقال: التقى موسى وابليس عند عقبة الطور، فقال: يا ابليس لم لم تسجد
لآدم. فقال كلاماً كنت لأسجد لبشر يا موسى ادعيت التوحيد وأنا موحد، ثم
التفت إلى غيره وأنت قلت أرني فنظرت إلى الجبل فانا أصدق منك في
التوحيد، قال: أسجد للغير ما سجدت من لم يتعلم التوحيد من ابليس فهو
زنديق، يا موسى كلما ازداد محبة لغيري ازددت له عشقاً.
قال المصنف: لقد عجبت من هذا الهذيان الذي قد صار عن جاهل بالحال، فإنه
لو كان إبليس غار، لله محبة ما حرض الناس على المعاصي، ولقد أدهشني
نفاق هذا الهذيان في بغداد وهي دار العلم، ولقد حضر مجلسه يوسف
الهمذاني، فقال: مدد كلام هذا شيطاني لا رباني ذهب دينه والدنيا لا
تبقى له.
وشاع عن
أحمد الغزالى أنه كان يقول بالشاهد، و ينظر إلى المردان ويجالسهم، حتى
حدثني أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في حق مملوك له تركي، فقرأ
الرقعة ثم صاح باسمه، فقام إليه وصعد المنبر فقبل بين عينيه، وقال: هذا
جواب الرقعة.
توفي أبو الفتوح في هذه السنه.
بهرام بن بهرام، أبو شجاع البيِّع سمع الجوهري، والتنوخي، وكان سماعه
صحيحاً، وكان كريماً، بنى مدرسة لأصحاب أحمد بباب الأزج عند باب
كلواذيَ، ودفن فيها، ووقف قطعة من أملاكه على الفقهاء وسبل الخبر.
وكانت وفاته يوم الجمعة سادس عشر محرم.
صاعد بن سيار بن محمد بن عبد اللة بن إبراهيم، أبوالعلاء الإسحاقي من
أهل هراة، سمع الحديث الكثير، وكان حافظاً متقناً. روى عنه أشياخنا.
وتوفي بغورج، وغورج قرية على باب هراة.
ثم دخلت
سنة احدى وعشرين خمسمائة
فمن الحوادث فيها أن جماعة من عسكر السلطان محمود جاءوا ليدخلوا إلى
دار الخلافة من باب النوبي فمنعتهم خاتون، فجاءوا إلى باب الغربة يوم
الأربعاء رابع المحرم، ومعهم جماعة من الساسة والرعاع، وأخذوا مطارق
الحدادين وكسروا باب الغربة، ودخلوا إلى التاج ونهبوا دار الخلافة مما
يلي الشط، فخرج الجواري حاسرات يلطمن، فدخلن دار خاتون.
قال المصنف: فرأيتهن وأنا صبي يستشفعن وقد جئن صارخات، وجزن على باب
المخزن فدخلن دار خاتون، وضج الناس كأن الدنيا تزلزلت، فأخبر الخليفة
بالحال فخرج من السرادق، وأبو علي بن. صدقهْ بين يديه وقدموا السفن في
دفعة واحدة، ودخل العسكر في السلاح وترسوا في وجوههم وألبسوا الملاحين
السلاح، ورماة النشاب من ورائهم، ورمى العيارون أنفسهم في الماء،
فعبروا وعسكر السلطان مشغولون بالنهب، قد دخل منهم دار الخلافة نحو ألف
في السلاح، فلما رأوا عسكر الخليفة قد عبر وقع عليهم الذلة فانهزموا،
ووقع فيهم السيف، واختفوا في السراديب، فدخل عسكر الخليفة فأسروا جماعة
وقتلوا جماعة من الامراء، ونهب العوام دور أصحاب السلطان ودخلوا، دار
وزيره، ودار العزيز بن نصر المستوفي، ودار أبي البركات الطبيب، وكانت
عنده ودائع، فأخذ من داره ما قيمته ثلثمائة ألف دينار، ودخلوا
رباط
بهروز وتعرضوا للمتصوفة، وهرب أصحاب السلطان وقتل منهم عدة وافرة في
الدروب والمضايق، وبقي الخليفة والوزير بالجانب الغربي حتى نقلت الحرم
والرحل الذي كانوا أودعوه في الحريم الطاهري ودار العميد، ثم عبر
الخليفة إلى داره يوم السبت سابع المحرم ومعه العساكر، وحفروا الخنادق
ليلاً عند أبواب الحروب والمسالك، ورتب على أبواب المحال من يحرسها من
ورود أصحاب السلطان، فبقي القتال على هذا أياماً، وجاء من عسكر السلطان
خلق كثير فخرج إليهم الوزير والنقيب والعسكر، فغدر أبو الفتح ابن ورام
في جماعة معه وانتقلوا إلى العسكر السلطاني، فلما كان يوم عاشوراء
انقطع القتال وترددت الرسل ولان الأمر، وقال السلطان: أريد أن تبعث لي
من يحلفنىِ، وأنفذ بعد ذلك وزيري ليستوثق لي،. فمال الخليفة الى الصلح،
فبعث قاضي القضاة الزينبي، وإسماعيل الصوفي ونيفاً وثلاثين شاهداً من
المعدلين، فاحتبسهم ستة أيام، فقال الناس: قد قبض عليهم، ويئس الناس من
الصلاح، وحفرت الخنادق، وسدت العقود، وسلم كل قطر من بغداد إلى شحنة،
وأجفل أهل الجانب الغربي خوفاً لكونهم سبوا السلطان وشتموه، وكانوا
يقولون: يا باطني لما لم تقدر على غزو الروم جئت تغزو الخليفة
والمسلمين، ودخل برنقش الزكوي على السلطان فأغراه بالناس فنفر السلطان،
وقال: أنت تريد أن أنهب المسلمين وأغير القبلة، ثم تقدم من وقته إلى
الوزير، وقال: أحضر الجماعة، فأحضروا وقت المغرب فصلى قاضي القضاة
بالسلطان المغرب وسلم عليه، فأذن له في الجلوس، وقرأ عليه مكتوب
الخليفة فقام قائماً وقبل الأرض وقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين، ولم
يخالف في شيء مما اقترح عليه وحلف، فعادوا بطيبة القلب وأصبح الناس
مطمئنين، وفتحت العقود، وطمت الخنادق، ودخل أصحاب السلطان إلى البلد
وهم يقولون: نحن منذ ثلاثة أيام ما أكلنا الخبز، ولو لم يقع الصلح متنا
جوعاً، وكان الخبز في معسكرهم كل منا بدانق ولم يوجد، وكانوا يسلقون
الطعام في الماء ثم يأكلونه، وكان السعر في الحريم رخيصاً، فما رئي
سلطان قط حاصر بلداً فكان هو المحاصر إلأ هذا، وظهر من السلطان حلم
وافر عن العوام.
وحكى أبو المكارم بن رميضاء السقلاطوني، قال: رأيت أبا سعد بن أبي
عمامة في المنام حين اختصم المسترشد بالله ومحمود وعليه ثياب بياض،
فسلمت عليه وقلت له من أين أقبلت؟ قال: من عند الإمام. أحمد بن حنبل
وها هو ورائي، فالتفت فرأيت.
أحمد بن حنبل ومعه جماعة من أصحابه، فقلت: إلى أين تقصدون؟ قالوا: إلى
أمير المسترشد بالله لندعو له بالنصر، فصحبتهم وانتهينا إلى الحربية
إلى مسجد ابن القزويني، فقال الامام أحمد بن حنبل: ندخل نأخذ الشيخ
معنا، فدخل باب المسجد، وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا
الصوت من صدر المسجد: وعليك السلام يا أبا عبد الله، الإمام قد نصر،
قال: فانتبهت مرعوبأ وكان كما قال الشيخ.
ثم إن أصحاب السلطان طلبوا ما نهب من دورهم، فتقمم الخليفة إلى حاجب
الباب وكان ابن الصاحب أن يأخذ العوام الذين نهبوا دور الاتراك، فقبض
على عالم كثير لايحصى، واسترد ما أمكن، وأشهد عليهم أنه متى ظهر مع أحد
شيء من النهب أبيح دمه ثم نفذ الخليفة إقبالاً، وابن الأنباري، وابن
الصاحب وفي صحبتهم خيل وبغال وجوشن وتخوت ثياب، ثم أسرج الزبزب للوزير
وجلس فيه وحجاب الديوان معه، وركب أرباب الدولة في السفن حول الزبزب،
ونزل العوام في السفن وعلى الشط، وكان يوماً عظيماً، فدخل إلى السلطان
وأدى الرسالة، فقام السلطان وقبل الأرض، ثم أذن للوزير في الانكفاء،
فنهض فركب في الزبزب إلى أن وصل إلى دار وزير السلطان فصعد، فقعد عنده
زماناً يتحادثان، ثم خرج فرحاً، وتمكن أصحاب السلطان من بغداد ونودي من
قبل السلطان أنه قد فتح دار ضرب، فمن لم يقبل ديناره أبيح دمه، فسمع ،
الوزير بذلك فضمن للسلطان كل شهر ألف دينار، وأزال دار الضرب، ثم أعيد
حق البيع، وكثر الانبساط، وجاء وزير السلطان إلى الخليفة في رابع صفر،
فدخل إليه فأكرمه كرامة لم يكرم بها وزير قط، ثم خلع عليه وخلا هو وزير
الخليفة فتحادثا طويلاً.
ومرض السلطان في المدائن وغشي عليه، ووقع من على الفرس، وكان مريضاً
مرضاً
شديداً، فبعث له الخليفة أدوية وهدايا، وبعث عشرة آلاف رطل خبز وعشرة
أرؤس من البقر وتمراً كثيراً تصدق عنه، ثم ركب في حادي عشر صفر، ثم
انتكس وأرجف عليه، وكان الخليفة قد هيأ له الخلع ليجيء إليه فيخلع
عليه، فمنعه المرض، وأشار عليه الطبيب بالخروج من بغداد، فبعث الخليفة
الخلع مع الوزير ابن صدقة فخلعها عليه وهو مطروح على جانبه، وانصرف ثم
رحل السلطان في ثاني عشر ربيع الآخر، وأقام في المرج أياماً، ورحل يطلب
همذان، وفوض شحنكية بغداد إلى زنكي.
وجلس ابن سلمان يدرس في النظامية، ورخصت الأسعار ببغداد، ثم وصل الخبر
من همذان في جمادى الآخرة بأن السلطان قبض على العزيز وصادره واعتقله،
وعلى الوزير فصادره واعتقله، وكان السبب أن الوزير تكلم على العزيز،
وأن يرنقش تكلم على الوزير، وقال للسلطان: هذا أخذ الأموال من الخليفة
واتفق هو ووزيره وتحالفا على أن يرحلا بك من بغداد ولا تبلغ غرضاً، فكل
ما جرى عليك منه.
ثم بعث السلطان إلى أنوشروان وهو مقّيم بالحريم الطاهري فاستوزر، فلم
يكن. له ما يتجهز به حتى بعث له. الوزير جلال الدين من عند الخليفة
الخيم والخيل وما يحتاج إليه، فرحل في مستهل رمضان إلى أصبهان، فأقام
في الوزارة عشرة أشهر، ثم استعفى وعاد إلى بغداد.
وفي اليوم الثالث من رمضان: وصل بهروز الخادم الملقب مجاهد الدين إلى
بغداد وقد فوض السلطان إليه بغداد والحلة، وفوضت ولاية الموصل وما يجري
مجراها إلى زنكي، فخرج إليها، وأرسل الخليفة علي بن طراد إلى سنجر
لإبعاد دبيس من حضرته ومعه خلع فلبسها وأكرمه وأعطاه كوسات وأعلاماً
وبوقات، وأذن له في ضرب الطبل على بابه ثلاث صلوات، وأعطاه طوقاً
وفرسين وسيفين محلاة ولوائين، وبعث معه ابن صاعد خطيب نيسابور.
وجاء الخبربأن سنجر قتل من الباطنية اثني عشرألفاً.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن أبا الفتوح الاسفرائيني، وكان لا يعرف
الحديث إنما هو في ذلك على عادة القصاص، سئل عن قول النبي صلى الله
عليه وسلم: " ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات " فقال: هذا ليس بصحيح.
والحديث في الصحيح. وقال: يوماً على المنبر: قيل لرسول الله صلى الله
عليه وسلم كيف أصبحت؟ قال: أعمى بين عميان، ضالاً بين ضلال.
فنقل ذلك إلى الوزير ابن صدقة فاستحضره فأقر وأخذ يتأول بتأويلات باردة
فاسدة، فقال الوزير للفقهاء: ما تقولون؟ فقال ابن سلمان مدرس
النظامية:. لو قال هذا الشافعي ما قبلنا منه ويجب على هذا اُن يجدد
إسلامه وتوبته. فمنع من الجلوس بعد أن استقر أن يجلس ويشد الزنار
ويتوب، ثم يرحل من بغداد، فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده،
فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب الناس
فافتتن به خلق كثير.
وزادت الفتن في بغداد، وتعرض أصحاب أبي الفتوح بمسجد ابن جردة فرجموا
ورجم معهم أبو الفتوح، وكان اذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف المجذبة
تحفظه، ثم اجتاز بسوق الثلاثاء فرجم ورميت عليه الميتات. ومع هذا يقول:
ليس هذا الذي نتلوه كلام الله إنما هو عبارة ومجاز، والكلام الحقيقي
قائم بالنفس. فينفر أهل السنة كلما سمعوا هذا، فلما كان اليوم الذي دفن
فيه أبو الحسن ابن الفاعوس انقلبت بغداد لموته، وغلقت الأسواق، وكان
الحنابلة يصيحون على عادتهم هذا يوم سني حنبلي لا قشيري ولا أشعري،
ويصرخون بسبب أبى الفتوح، فمنعه المسترشد من الجلوس، وأمر أن لا يقيم
ببغداد، وكان ابن صدقة يميل إلى مذهب أهل السنة فنصرهم.
فلما أن كان يوم الأحد العشرين من شوال: ظهر عند إنسان وراق كراسة قد
اشتراها في جملة كاغد بذل من عنده فيها مكتوب القرآن، وقد كتب بين كل
سطرين من القرآن سطر من الشعر على وزن أواخر لآيات، ففتش على كاتبها،
فاذا به رجل معلم يقال له: ابن الأديب، فكبس بيته، فوجدوا فيه كراريس
على هذا المعنى، فحمل إلى الديوان فسئل عن ذلك فأقر، وكان من أصحاب أبي
الفتوح، فحمل على حمار، وشهر في البلد ونودي عليه، وهمت العامة بإحراقه
فانتعش أهل السنة، ثم أذن لأبي الفتوح فجلس، وظهر عبد القادر فجلس في
الحلبة فتشبث به أهل السنة وانتصروا بحسن اعتقاد الناس به.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن
أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن أحمد بن عبد اللّه بن محمود أبى عيسى بن
المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور، أبو السعادات
المتوكلي سمع أبا الغنائم ابن المأمون، وأبا جعفر ابن المسلمة، والخميب
وغيرهم، وكان سماعه صحيحاً، وسمعت منه الحديث، وكتب لي إجازة بخطه،
فذكر فيها نسبة الذي ذكرته.
وتوفي ليلة الخميس سابع عشرين رمضان متردياً من سطح داره بالتوثة، ودفن
بمقبرة باب الدير، وبلغ ثمانين سنة.
عبد الجبار بن إبراهيم بن عبد الوهاب بن محممد بن إسحاق بن محمد بن
يحيى، ابن مندة، أبو نصر الأصبهاني سمعت منه الحديث في سنة عشرين، وروى
عن جماعة. وتوفي في هذه السنة.
علي بن عبد الواحد بن احمد بن العباس، أبوالحسن الدينوري سمع أبا الحسن
القزويني، وأبا محمد الخلال، والجوهري وغيرهم، وسمعت عليه الحديث.
وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة.
علي بن المبارك أبو الحسن المقرىء الزاهد، ابن الفاعوس كان من أصحاب
الشريف أبي جعفر، وكان زاهداً يقرأ يوم الجمعة على الناس أحاديث قد
جمعها بغير أسانيد.
حدثني أبو الحكم الفقيه، قال: كان يجيء ساقي الماء إلى حلقته فيأخذ منه
الكوز ويشرب لئلا يظن أنه صائم.
وتوفي ليلة السبت تاسع عشر شوال، وأنقلبت بغداد بموته، وغلقت الأسواق
وكان الجمع يفوق الاحصاء، واستغاث العوام بذكر السنة ولعن أهل البدعة
ودفن بقبر أحمد.
فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن فضلويه الرازي كانت واعظة متعبدة لها
رباط تجتمع فيه الزاهدات، سمعت أبا جعفر ابن المسلمة، وأبا بكر الخطيب
وغيرهما، وسمعت منها بقراءة شيخنا أبي الفضل ناصر، كتاب ذم الغيبة
لإبراهيم الحربي، ومن مجالس ابن سمعون روايتها عن ابن النقور عنه،
ومسند الشافعي وغير ذلك.
وتوفيت في ربيع الاول من هذه السنة.
محمد بن الحسين بن بندار، أبوالعز القلانسي المصري ولد سنة خمس وثلاثين
وأربعمائة، وقرأ بالقراآت، وسمع الحديث من المهتدي، وابن المأمون، وابن
المسلمة، وغيرهم. وعمر فرحل الناس إليه من الاقطار للقراآت، نسبه شيخنا
عبد الوهاب الأنماطي إلى الرفض، وأساء الثناء عليه.
وقال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: ألحق سماعه في جزء. وتوفى فى شوال هذه
السنة، ودفن بواسط.
محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد، أبو الحسن بن أبي الفضل
الهمذانى الفرضي من أصحاب التارخ من أولاد المحدثين والائمة، وذكر
شيخنا عبد الوهاب ما يوجب الطعن فيه.
وتوفي فجاءة ليلة السبت سادس شوال هذه السنة،، ودفن إلى جنب أبيه عند
قبر أبي العباس بن سريج.
دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه وصل علي بن طراد من عند سنجر ومعه رسول من عند
سنجر وسأل أمير المؤمنين أن يؤذن له فيخطب على المنبر يوم الجمعة في
جوامع بغداد فأذن له وخلع عليه، وخطب على المنابر كل جمعة في جامع.
وفي هذه أعني السنة: توفي ابن صدقة الوزير وناب نقيب النقباء. وفيها
مضى محمود إلى سنجر إليه دبيساً، وقال له: تعزل زنكي عن الموصل والشام
وتسلم البلاد إلى دبيس، وتسأل الحنليفة أن يرضى عنه فأخذه ورحل.
وفي صفر: ظهرت ريح شديدة مع غيمِ كثير ومطر، واحمر الجو ما بين الظهر
إلى العصر، وانزعج الناس، واحتملت الريح رملاَ أحمر ملأت به البراري
والسطوح.
قال شيخنا ابن الزاغوني: وتقدم إلى نقيب النقباء ليخرج إلى سنجر فرفع
إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار ليعفى. وتقدم إلى شيخ الشيوخ فرفع خمسة
عشر ألف دينار ليعفى.
وفي ربيع الأول: رتب أبو طاهر ابن الكرخي في قضاء واسط. وفي جمادى
الآخرة: رتب المنبجي في مدرسة خاتون المستظهرية رتبه موفق الخادم، وخرج
بهروز لعمارة بثق النهروان ورتب الآلات.
وفي هذا الشهر: ظهر الخبر بتوجه دبيس إلى بغداد في عسكر عظيم، فانزعج
أهل بغداد، وكوتب محمود فقيل له: إنك إن لم تمنعه من المجيء وإلا
احتجنا أن نخرج إليه وينتقض العهد الذي بيننا وبينك، فذكر أنه سيصل إلى
بغداد، وتطاولت للوزارة جماعة منهم عز الدولة بن المطلب وابن
الأنباريَ، وناصح الدولة ابن المسلمة، وأحمد بن النظام، فمنعوا من
الخطاب في ذلك وأجلس للنيابة في الديوان نقيب النقباء.
وفي رمضان: خلع على عز الدولة دراعة وعمامة بغير ذؤابة، وفرس ومركب،
وجلس للهناء.
وفي شوال:
وصل الخبر بأن السلطان محمود عزل أنوشروان من الوزارة، وكان هو قد سأل
ذلك، وأخذ منه الدواة التي أعطاه والبغلة وصادر أهل همذان فأخذ منهم
سبعين ألف دينار.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
الحسن بن علي بن صدقة الوزير وزر للمسترشد، وكان ذا رأي، ومدح المسترشد
فقال:
وجدت الورى كالماء طعماً ورقة ... وإن أمير المؤمنين زلاله
ولولا طريق الدين والشرع والتقى ... لقلت من الإعظام جل جلاله
توفي في ليلة الأحد من هذه السنة.
الحسين بن علي بن أبى القاسم، أبوعلي اللامشي من أهل سمرقند، روى
الحديث وتفقه، وكان يضرب به المثل في النظر، وكان خيراً ديناً على طريق
السلف، مطرحاً للتكلف أماراً بالمعروف، بعث رسولا من خاقان ملك ما وراء
النهر إلى دار الخلافة، فقيل له: لوحججت فقد وصلت بغداد، فقال: لا أجعل
الحج تبعا ًلرسالتهم، فرجع إلى سمرقند. وتوفي في رمضان هذه السنة، وهو
ابن احدى وثمانين سنة.
محمد بن أسعد بن الفرج بن أحمد بن علي، أبو نصر الشيباني الحلواني سمع
أبا الحسين ابن الغريق، وأبا الغنائم ابن المأمون، وأبا جعفر ابن
المسلمة، وغيرهم. وكان ثقة يسكن نهر القلائين. وتوفي في رمضان من هذه
السنة.
موسى بن أحمد بن محمد، أبو القاسم السامري كان يذكر أنه من أولاد أبي
ذر الغفاري، وكان قد سمع الحديث، الكثير وقرأ بالروايات، وتفقه على
شيخنا أبي الحسن ابن الزاغوني، وناظر ورأيته يتكلم كلاماً حسناً.
وتوفي في رابع رجب، ودفن بمقبرة أحمد بن حنبل.
ثم دخلت
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أنه دخل السلطان محمود إلى بغداد يوم تاسع عشر محرم، وأقام دبيس في بعض
الطريق واجتهد في أن يمكن دبيس. من الدخول أو أن يرضى عنه، ونفذ إلى
زنكي ليسلم البلاد إلى دبيس فامتنع.
وفي صفر: تقدم السلطان بالختم على أموال مدرسة الإمام أبي حنيفة،
ومطالبة وكلائه بالحساب، ووكل بقاضي القضاة الزينبي لأجل ذلك، وكان قد
قيل له أن دخل المكان نحو ثمانين ألف دينار وما ينفق عليه عشرة.
وفي هذا الشهر: درس أسعد الميهني بجامع القصر، لأن الوزير أحمد منعه من
النظامية.
وفي الأحد سلخ ربيع الآخر: خلع المسترشد على نقيب النقباء أبي القاسم
بن طراد واستوزره وضمن زنكي أن ينفذ للسلطان مائة ألف دينار وخيلاً
وثياياً على أن لا يغير عليه ساكناً، واستقر على الخليفة مثل ذلك على
أن لا يولى دبيس، فباع الخليفة عقاراً بالحريم وقرى وما زال يصحح. ثم
أن دبيسا دخل بغداد بعد جلوس الوزير في الوزارة ثلاثة أيام، ودخل دار
السلطان وركب في الميدان وقعد في دجلة في سفينة السلطان وراءه الناس،
وجاء زنكي فالقى نفسه بين يدي السلطان وحمل معه هدايا فائقة فاكرمه
يخلع عليه بعد ثلاثة أيام واعاده إلى الموصل، ونفذ الخليفة إلى السلطان
خلعاً كان قد أعدها له، مع الوزير أبي القاسم الزينبي يوم الجمعة ثالث
جمادي الآخرة، وكان الوزير في الزبزب والموكب في سفن والناس على دجلة،
وفي السفن يدعون للخليفة السلطان ويلعنون دبيساً.
وكان سنجر قد سلم دبيساً إلى ابنته امرأة محمود، فكانت هي التي تمانع
عنه.
ورحل السلطان من العراق يطلب همذان يوم السبت رابع جمادى الآخرة وسلمت
الحلة إلى بهروز والشحنكية أيضا.
واتفق أنه
ماتت بنت سنجر التي كانت تدافع عن دبيس ومرض محمود فأخذ دبيس ولداً
صغيراً لمحمود فلم يعلم به حتى قرب من بغداد فدون الخليفة العساكر وخرج
بهروز من الحلة هارباً فقصدها دبيس فدخلها في رمضان، وبعث بهروز كاتبه
يعلم السلطان بمجيء دبيس فوصلوا وهناك نظر الخادم قد بعث الى السلطان
ليقيمه من العزاء ويخلع عليه، فلما سمع نظر بذلك دخل على السلطان وعظم
الامر وقال له،: منعت أمير المؤمنين ان يدون وسلطت عليه عدوه وكيف يكون
الحال؟ فبعث السلطان فاحضر قزل والأحمد يكي، وقال: أنتما ضمنتما دبيساً
فلا أعرفه إلا منكما، فضمن الأحمد يكي ذلك على نفسه، ورحل يطلب العراق،
فبعث دبيس إلى الخليفة: إنك إن رضيت عني رددت أضعاف ما نفذ من الأموال،
وأكون المملوك، فقال الناس: هذا لا يؤمن، وباتوا تحت السلاح طول رمضان.
هذا ودبيس يجمع الأموال ويبيع الغلة وقسط علر، القرى حتى. إنه حصل علر
ما قيل، خمسمائة ألف دينار، وأنه قد دون عثرة آلاف فارس بعد أن وصل في
ثلثمائة، ثم إن الأحمد يكي وصل إلى بغداد يوم الخميس تاسع عشر شوال،
ودخل إلى الخليفة وأعطاه يده فقبلها، ثم خرج فعبر قاصداً إلى الحلة.
ووصل الخبر بأن السلطان قد وصل إلى حلوان، وجاءت العساكر وضاق الوقت
على الحاج فأمر عليهم أمير سار بهم في ثمانية عشر يوماً فلقوا شدة،
فلما سمع دبيس هذه الأخبار بعث إلى السلطان برسالة وخمسة وخمسين مهرا
عربية. قد انتقاها، ونفذ ثلاثة بغال عليها صناديق مال، وذكر بعض أصحاب
دبيس أنه قد أعد للسلطان أن أصلح نوبته مع الخليفة ثلاثمائة حصان له
وللخليفة مثقلة بالذهب، ومائتي ألف دينار، وإن لم يرض عنه دخل البرية،
وأنه قد أعد الجمال والروايا والدقيق، فبلغه أن السلطان غير راض عنه في
هذه النوبة فأخذ الصبي وخرج من الحلة لا يدري أين مقصده.
وفي شعبان خلع على نور الدولة أبي الحسن علي بن طراد، وعقدت له النقابة
على الناقباء، ثم خرج الوزير لاستقبال السلطان يوم الجمعة رابع ذي
القعدة فلقيه بما يسره، وأعطاه فرسه ومركبه وكانت قيمتها ثلاثين ألف
دينار، ثم مرض السلطان.
ووصل الخبر أن دبيساً دخل البصرة وأخذ منها أموالاً كثيرة وجميع دخل
السلطان والخليفة فبعث السلطان إليه عشرة آلاف فارس ومتقدمهم قزل، فلما
علم دبيس جاء إلى نواحي الكوفة ثم قصد البرية وانقطع خبره.
وفي هذه السنة: خنق رجل يقال له ابن ناصر نفسه بحبل شده في السقف.
وفيها: قتل من كان يرمى بمذهب الباطنية في دمشق، وكان عددهم ستة آلاف.
وفيها: وصل الإفرنج إلى باب دمشق فنفذ بعبد الوهاب الواعظ من دمشق ومعه
جماعة من التجار وهموا بكسر المنبر فوعدوا بأن ينفذ إلى السلطان ذلك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أسعد بن أبى نصر الميهني، أبوالفتح تفقه على أبي المظفر السمعاني
وغيره، وبرع في الفقه، وفاق في النظر، وتقدم عند العوام والسلاطين،
وحصل له مال في، ودخل بغداد، وفوض إليه التدريس في النظامية، وعلق بها
جماعة. تعليقة الخلاف، وأدركه الموت بهمذان في هذه السنة، فحكى بعض من
كان يخدمه من الفقهاء قال: كنا معه في بيت وقد دنت وفاته، فقال لنا:
اخرجوا، فخرجنا فوقفنا على الباب وتسمعت فسمعته يلطم وجهه ويردد هذه
الكلمات، ويقول: واحسرتا على ما فرطت في جنب الله وجعل يبكي ويلطم وجهه
ويردد هذد الكلمات حتى مات.
حمزة بن هبة الله، أبو الغنائم بن أبي البركات بن أبي الحسن حمزة بن
هبة الله بن محمد بن الحسن بن داود بن علي بن عيسى بن محمد بن القاسم
بن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الغنائم بن
أبي البركات بن أبي الحسن. من أهل نيسابور، ولد سنة تسع وعشرين
وأربعمائة، وسمع الكثير، وحدث، بالكثير، وضم إلى شرف النسب شرف التقوى،
زيدي المذهب. توفي في محرم هذه السنة.
منصور بن هبة اللّه بن محمد، أبو الفوارس الموصلي الفقيه الحنفي. كان
من العدول، ثم ولي القضاء بنواح من سواد بغداد وكان من المجودين في
النظر ومعرفة المذهب، وردت إليه الحسبة بالجانب الغربي. وتوقي في صفر
هذه السنة، ودفن بالخيزارانية.
أبو المكارم بن المطلب، عز الدولة كان أستاذ دار الخليفة. فتوفي يوم
الجمعة تاسع رجب هذه السنة.
دخلت سنة اربع وعشرين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها
أنه في
خامس المحرم ولي ابن النرسي الحسبة، وعزل أبو عبد اللهّ ابن الرطبي،
وظهرت منه زلات كثيرة، وطولب بخمسمائة دينار.
قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر: وكانت زلزلة عظيمة هائلة في ليلة الجمعة،
السادس عشر من ربيع الأول سنة أربع وعشرين، وكان ذلك في آخر شباط، وكنت
في المسجد بين العشائين فماجت الأرض مراراً كثيرة. من اليمين عن القبلة
إلى الشمال، فلو دامت هلك الناس، ووقعت دور كثيرة ومساكن في الجانب
الشرقي والغربي، ثم حدث موت محمود وفتن وحروب.
ووردت الأخبار في العشر الأخير من جمادى الاولى أنه ارتفع سحاب عظيم
ببلد الموصل فأمطر مطراً كثيراً.
وفي هذه السنة: أمر بهدم تاج الخليفة على دجلة لانه أشرف على الوقوع،
فلما نقض. في أعلاه في الركن الشمالي مصحف جامع قد جعل في غلاف من ساج
ولبس بصحائف الرصاص في رق بخط كوفي فلم يعلم لذلك معنى أن يكون للتبرك
به، ثم أعيد بناء التاج في تمام السنة.
ووصل الخبر بكسر الإفرنج من دمشق، وأنه قتل في تلك الوقعة عشر آلاف نفس
ولم يفلت منهم سوى أربعين نفراً. ووصل الخبر بأن خليفة مصر الآمر بأمر
اللّه قتل فوثب عليه غلام له أرمني، فملك القاهرة وفرق على من تبعه من
العسكر مالاً عظيماً، وأراد أن يتأمر على العسكر فخالفوه ومضوا إلى ابن
الأفضل الذي كان خليفة قبل المقتول فعاهدوه، وخرج فقصد القاهرة ققتلوا
الغلام الذي في القاهرة، ونهبت ثلاثة أيام وملك ابن الافضل.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن أبي القاسم بن رضوان، صهر ابن يوسف سمع القاضي أبا يعلى،
والجوهري، وكان سماعه صحيحاً، وكان رجلاً صالحاً كثير الصدقة، وتوفي
سحرة يوم الأحد غرة جمادى الآخر ة، وصلى عليه بجامع القصر فحضر القضاة
والفقهاء والشهود وأرباب المناصب والخلق الكثير، ودفن بباب حرب.
إبراهيم بن عثمان بن محمد بن محمد، أبو إسحاق الغزي من أهل غزة بلدة
بفلسطين، وبها ولد الشافعي، ولد في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، وكان
أحد فضلاء الدهر ومن يضرب به المثل في صناعة الشعر، وكان له خاطر.
مستحسن وشعر مليح، ومن أشعاره قوله في قصيدة يصف فيها الأتراك:
في فتنة من جيوش الترك ما تركت ... للرعد كراتهم صوتاً ولا صيتاً
قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة ... حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
إنما هذه الدنيا متاع ... والسفيه الغويُ من يصطفيها
ما مضى فات والمؤمل غيب ... ولك الساعة التي أنت فيها
وله من قصيدة:
ليت الذي بالعشق دونك خصَّني ... ياظالمي قسم المحبة بيننا.
ألقى الهزبر فلا أخاف وثوبه ... ويروعني نظر الغزال إذا رنا
وله:
وقالوا بع فؤادك حين تهوى ... لعلك تشتري قلبا جديدا
إذا كان القديم هو المصافي ... وخان فكيف ائتمن الجديدا
وترك قول الشعر وغسل كثيراً منه، وقال:
قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب البواعث والدواعي مغلق
خلت البلاد فلا كريم يرتجى ... منه النوال ولا مليح يعشق
ومن العجائب انه لا يشترى ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق
خرج الغزي من مرو إلى بلخ، فتوفي في الطريق فحمل إلى بلخ فدفن بها،
وكان يقول: اني لأرجو أن يعفو اللهّ عني ويرحمني لأني شيخ مسن قد جاوزت
السبعين، ولأني من بلد الامام الشافعي. وكان موته في هذه السنة حقق
الله رجاءه.
الآمر باللّه خليفة مصر هجم عليه عشرة غلمان، من غلمان الأفضل الذي كان
من قبله فقتلوه في ثاني ذي القعدة من هذه السنة.
الحسين بن محمد بن عبد الوهاب، أبو عبد اللّه البارع الحسين بن محمد بن
عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن الحسين عبيد اللّه بن القاسم بن سليمان
بن وهب أبو عبد اللّه النحويَ الشاعر المعروف بالبارع أخو أبي الكرم
المبارك بن فاخر النحوي لأمه: ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وقرأ
القرآن بالقراآت على أبي بكر الخياط، وأبي علي ابن البناء، وغيرهما
وأقرأ، وصنف له شيخنا أبو محمد المقرىء كتاباً يتضمن الخلاف بما قرأه،
وسمع الحديث من القاضي أبي يعلى ابن الفراء، وابن المسلمة، وأبي بكر
الخياط، وغيرهم. وحدث عنهم.
قال
المصنف: وسمعت منه الحديث، وكتب لي اجازة، وكان فاضلاً عارفاً باللغة
والأدب، وله شعر مليح: أنبأنا أبوعبد الله الحسين بن محمد بن عبد
الوهاب البارع أنه قال:
ردي علي الكرى ثم اهجري سكني ... فقد قنعت بطيف منك في الوسن
لا تحسبي النوم مذ أوحشت أطلبه ... الا رَجاءَ خيال منك يؤنسني
علمت بالهجر جنبي هَجْر َمضجعِه ... وبالفراق فؤادي صحبة الحزن
تركتني والهوى فرداً أغالبه ... ونام ليلك عَن هَم يؤرقني
سلمت مما عناني فاستهنت به ... لا يعرف الشجو إلآ كل ذي شجن
شتان بين خلي مطلق وشج ... في ربقة الحب كالمصفود في قرن
اللّه فىِ كبدي الحرى عليك وفي ... قلبي المعنى بما كلفته الضمن
أمسيت يشهد باد من ضنا جسدي ... بداخل من جوى في القلب مكتمن
إن كان يوجب ضري رحمتي فرضا ... بسوء حالي وخلي للضنا بدني
ياهم نفسي في قرب وفي بعد ... وضن قلبي في حل وفي ظعن
لو قيل لي نل من الدنيا مناك لما ... جعلت غيرك لي حظاً من الزمن
منحتك القلب لا أبغي به ثمناً ... إلا رضاك ووا فقري إلى الثمن
ذكر الأحباب والوطنا ... والصبا والإلف والسكنا
فبكى شجواً وحق له ... مدنف بالشوق حلف ضنا
أبعدت مرمى به طرحت ... من خراسان به اليمنا
خلست من بين أضلعه ... بالنوى قلباً به ضمنا
من لمشتاق يميله ... ذات سجع ميلت فننا
لم تعرض بالحنين بمن ... مسعد؟ إلا وقلت أنا
لك يا ورقاء أسوة من ... لم تذيقي طرفه الوسنا
بك أنسى قبل أنسك بي ... فتعالي نبد ما كمنا
نتشاكى ما نجن اذا ... نحت شجواً صحت واحزنا
أنا لا أنت البعيد هوى ... أنا لا أنت الغريب هنا
أنا فرد يا حمام وها ... أنت والإلف القرين ثنا
اسرحا رأد النهار معا ... واسكنا جنح الدجى غصنا
وابكيا يا جارتَيّ لما ... لعبت أيدي الفراق بنا
كم ترى أشكو البعاد وكم ... أندب الأطلال والزمنا
أين قلبي ما صنعت به ... ما أرى صحري له سكنا
حان يوم النفر وهو معي ... فأبى أن يصحب البدنا
أبه حادي الرفاق حدا ... ام له داعي الفراق عنا
لست يا اللّه أتهم في ... شأنه الا ثلاث منا
خلسته لا أبرئها ... عين ريم الخيف حين رنا
رفعت سجف القباب فلا ال ... فرض أدينا ولا السننا
رشقتنما عن حواجبها ... بسهام تنفذ الجننا
كم أخي نسك وذي ورع ... جاء يبغي الحج فافتتنا
انصفوا يا موحشين لنا ... ليس هذا منكمُ حسنا
نخن وفد اللّه عندكم ... مالكم جيرانه ولنا
توفي البارع الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ودفن بباب
حرب، وكان قد ضر في آخر عمره، وكان شيخنا ابن ناصريقول: فيه تساهل
وضعف.
سهل بن محمود بن محمد بن إسماعيل، أبو المعالي البَّراني
والبرانية
من قرى بخارى، سمع الحديث الكثير وحدث وتفقه، خرج إلى مكة فأغارت العرب
على الحاج فبقي هو ورفقاؤه حفاة عراة، ثم تنقلوا إلى مكة، وقد فاتت
الرفقة فجاور مكة، ثم خرجِ إلى اليمن فركب البحر ثم مضى إلى كرمان ثم
خراسان. وكان إماماً فاضلاً مناظراَ واعظاً متشاغلاً بالتعبد. وتوفي
ببخارى في هذه السنة.
عباد بن حميد بن طاهر بن عبد اللّه الحسنابادي الأصفهاني سمع من جماعة،
وروى لنا الحديث، وتوفي بعد العشرين والخمسمائة.
محمد بن سعدون بن مرجا العبدري القرشي، أبو عامر الحافظ أصله من برقة
من بلاد المغرب، ودخل إلى بغداد في سنة أربع وثمانين وأربعمائة، فسمع
من طراد، وابن النظر، ومالك البانياسي، والحميدي، ونظرائهم، حتى سمع من
مشايخنا أبا بكر بن عبد الباقي، وابن السمر قندي، وكان يذهب مذهب داود.
وكانت له معرفة بالحديث حسنة وفهم جيد، وكان متعففاً في فقره، ومرض
يومين. وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة، ودفن في مقبرة غلام الخلال.
هبة اللّه بن القاسم بن عطاء بن محمد، أبو سعد المهرواني كان، حافظاً
لكتاب اللهّ عز وجل، نبيلاً من بيت العلم والورع والزها والحديث، وكانت
سيرته مرضية، انزوى في آخر عمره وترك مخالطة الناس وأقبل على العبادة.
وتوفي في جمادى الاولى من هذه السنة.
ثم دخلت
سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها.
أن دبيس بن صدقة ضل في طريقه فقبض عليه بحلة حسان بن مكتوم الكلبي من
أعمال دمشق وانقطع أصحابه فلم يكن له منجى من العرب. فحمل إلى دمشق
فحمله أميرها ابن طغتكين وباعه من زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل والشام
بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه فظن أنه سيهلكه، فلما حصل في قبضته
أكرمه وخوله المال والسلاح وقدمه على نفسه.
فلما ورد الخبر بذلك خلع على الرسول واخرج ابن الانباري إلى جانب دمشق
ليتوصل في أخذه وحمله إلى دار الخلافة، فلما وصل إلى الرحبة قبض عليه
أمير الرحبة بتقدم زنكي إليه، وحمل إلى قلعة الموصل.
ووصل الخبر في ربيع الأول أن مسعوداً أخا محمود قد انفصل عن سنجر وجاء
يطلب السلطنة، وقد اجتمع اليه جماعة من الأمراء والعساكر فاختلط أمر
محمود وعزم أن يرحل إِليه، فبعث الى المسترشد يستأذنه، فأجابه: إنك
تعلم ما بيني وبينك من العهد واليمين وإني لا أخرج ولا أدون عسكراً،
وإذا خرجت عاد العدو وملك الحلة وربما تجدد منه ما تعلم. فقال له: متى
رحلت عن العراق وجدت له حركة وخفت على نفسك وعلى المسلمين وتجدد لي أمر
مع أخي فلم أقدرعلى المجيء فقد نزلت عن اليمين التي بيننا، فمهما رأيت
من المصلحة فافعله.
فخلع عليه الخلع السنية، وخرج ثم أرسل مسعود بما يطيب القلب فالتقيا
وتحالفا واعتنقا، وحمل مسعود الغاشية بين يديه، وبعث وزير محمود من
الآلات ما قوم مائة وخمسين ألف دينار، وأعطاه السلطان العساكر والأجناد
ورحل.
وتوفي ولد المسترشد بالجدري، وكان ابن احدى وعشرين سنة فقعدوا للعزاء
به يومين، وقطع ضرب الطبل لأجله. وفي رجب: أعيد الغيار على أهل الذمة.
وتوفي السلطان محمود، فأقاموا مكانه ابنه داود، وأقيمت له الخطبة ببلاد
الجبل وآذربيجان، وكان أحمد بكى أتابكه، والوزير أبو القاسم الملقب
قوام الدين وزيره، وقصد حرب عمه مسعود وتقدم، بقطع الجسر من رأس نهر
عيسى ونصبه بباب الغربة يوم الآحد ثالث عشرين ذي القعدة فكثرت الأراجيف
لنقله، وصار مستنزهاً مليحاً يجتمع الناس بعد العصر تحت الرقة كما
كانوا يجتمعون في الرحبة.
وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شوال: أحضر كثير بن شماليق، وأبو
المعالي بن شافع، وأبو المظفر ابن الصباغ وقد شهدوا شهادة زور
اعتمدوها، وأخذوا عليها رشوة كبيرة في دار مرهونة بكتاب دين ورهن،
واعتمد الراهن وهي امرأة أقرت بها بعد ذلك لابنتها تقصد بذلك إخراجها
عن الرهن فأقروا على ذلك، فلما ثبت أنهم شهدوا بالزور في القضية،
أخرجوا إلى باب النوبي مع حاجب الباب وابن النرسي المحتسب وأقيموا على
الدكة، ودرروا ثلاثتهم وحضر ذلك الخاص والعام، وأعيدوا إلى حجرة حاجب
الباب.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن علي بن محمد، أبو السعود ابن المحلي البزاز
ولد سنة
ثلاث وخمسين وأربعمائة، وسمع أبا الحسين بن المهتدي، وأبا جعفر بن
المسلمة، وابن النقور، والخطيب، وغيرهم. وحدث عنهم، وكان سماعه صحيحاً،
وكان شيخاً صالحاً ذا هيبة وستر، سمعت منه الحديث، ورأيته يذكر بجامع
المنصورفي يوم عرفة.
وتوفي الاثنين ثامن ربيع الأول، ودفن بمقبرة جامع المنصور.
أحمد بن محمد بن عبد القاهر، أبو نصر الطوسي سمع المهتدي، وابن
المسلمة، وابن النقور، وكان سماعه صحيحاً، وتفقه على أبي إسحاق، وكان
شيخاً لطيفاً عليه نور.
قال المصنف: وسمعت منه الحديث، وأجاز لي جميع رواياته. وأنشدني أشعاراً
حسنة، فمنها أنه أنشدني:
على كل حال فاجعل الحزم عدة ... تقدمه بين النوائب والدهر
فان نلت خيراً نلته بعزيمة ... وإن قصرت عنك الخطوب فعن عذر
وأنشدني:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وقمت اشكو إلى مولاي ما أجد
وقلت ياعدتي في كل نائبة ... ومن عليه لكشف الضر أعتمد
وقد مددت، يدي بالذل صاغرة ... اليك يا خير من مدت اليه يد
فلا تردنها يارب خائبة ... فبحر جودك يروي كل من يرد
وكان أبو نصر الطوسي يصلي بمسجد في درب الشاكرية من نهر معلى، ويروي
الحديث، ثم سافر إلى الموصل. فتوفي بها يوم السبت لحادي عشرين ربيع
الاول من هذه السنة.
الحسن بن سلمان بن عبد الله ابن الفتى، أبو علي الفقيه ورد بغداد ودرس
بالنظامية ووعظ فىِ جامع القصر، وكان له علم بالأدب ولم يكن قائمأ
بشروط الوعظ، فكان يقول: أنا في الوعظ مبتدى، وأنا في الفقه منتهى. غير
أنه أنشأ خطباً كان يذكرها في مجالس الوعظ ينظم فيها مذهب الأشعري،
فنفقت على أهل بغداد، ومال على أصحاب الحديث والحنابلة فاستلب عاجلاً.
فتوفىِ في شوال هذه السنة، وغسله القاضي أبو العباس ابن الرطبي وصلي
عليه في جامع القصر، ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق.
حماد بن مسلم، الرحبي الدباس سمع الحديث من أبي الفضل وغيره إلاّ أنه
كان على طريقة التصوف، يدعي المعرفة والمكاشفة وعلوم الباطن، وكان
عارياً من علوم الشريعة، ولم ينفق إلا على الجهال، وكان ابن عقيل ينفر
الناس عنه حتى إنه بلغه أنه يعطي كل من يشكو إليه الحصى لوزة وزبيبة
ليأكلها فيبرأ، فبعث إليه ابن عقيل إن عدت إلى مل هذا ضربت عنقك، وكان
يقول: ابن عقيل عدوي وكان الناس ينذرون له النذور فيقبل الأموال،
ويفرقها على أصحابه، ثم كره قبول النذر لقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم. " إن النذر يستخرج من البخيل " ، فصار يأكل بالمنامات، كان يجيء
الرجل فيقول قد رأيت في المنام أعط حماداً كذا، فاجتمع له. أصحاب ينفق
عليهم ما يفتح له. ومات فىِ رمضان من هذه السنة ودفن بالشونيزية.
علي بن المستظهر، الأمير، أبو الحسن توفي في رجب هذه السنة، وحمل في
الزبزب، وقعدوا للعزاء به.
محمد بن أحمد بن الفضل الماهياني وما هيان قرية من قرى مرو، تفقه بمرو
على أبي الفضل التميمي، ثم مضى إلى نيسابور فأقام مدة عند أبى المعالي
الجويني، وتفقه عليه، وسمع بها الحديث منه، ومز أبى صالح المؤذن، ومن
أبي بكر الثسيرازي، وأبي الحسن الواحدىِ، ثم سافر إلى بغداد، فأقام عند
أبي سعد المتّولي يتفقه عليه، وسمع بها أبا نصر الزينبي وغيره، وتوفي
في رجب هذه السنة، وقد قارب التسعين، ودفن بقريته ماهيان.
محمد بن الحسن بن علي بن الحسن، أبو غالب الماوردي ولد سنة خمسين
وأربعمائة بالبصرة، وسمع الحديث الكثير بالبصرة وبغداد وأصبهان وكتب
بخطه الكثير،، وكان يورق للناس، وكان شيخاً صالحاً وسمعت عليه الحديث،
وتوفي في رمضان هذه السنة، ودفن على باب مسجد الجنائز بقرب قبر معروف
على الطريق، ورئي في المنام فقال: غفر الله لي ببركات حديث رسول اللة
صلى الله عليه وسلم وأعطاني جميع ما أملته.
محمد بن الحسين بن محدمد بن علي، أبو تمام بن أي طالب الزينبي بيته
معروف، ولد سنة ست وأربعين، وسمع من القاضيين ابن المهتدي، وابن الفراء
وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة، وصلى عليه في جامع الخليفة ابن عمه
على بن طراد، ودفن في تربة أبي الحسن القزويني بالحربية.
محمد بن
عمر بن عبد العزيز بن طاهر، أبو بكر الحنفي المقرىء، كاك من أهل بخارى
سافر البلاد فسمع بنيسابور وبخارى وسمرقند وهمذان، وبغداد، وأقام بها
مدة، ثم عاد إلى ما وراء النهر، وسكن سمرقند ثم عاد إلى الحجاز وحدث
بالحرمين وغيرهما، وكان أديباً فاضلاً صالحاً مكثراً من الحديث. وتوفي
بالأجفر في محرم هذه السنة.
محمود ابن محمد، بن ملكشاه توفي يوم الخميس خامس عشر شوال من هذه
السنة، وجلس الناس للعزاء به ثلاثة أيام.
هبة اللّه بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحصين، أبو
القاسم الشيباني الكاتب ولد سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وبكر به أبوه
وباخيه أبي غالب عبد الواحد، فأسمعهما من أبي علي ابن المذهب، وأبي
طالب بن غيلان، والتنوخي وغيرهم، وعمر حتى صار سيد أهل عصره، فرحل إليه
الطلبة وازدحموا عليه، وكان ثقة صحيح السماع، وسمعت منه مسند الإمام
أحمد جميعه، والغيلانيات جميعها، وأجزاء المزكي، وهو آخر من حدث بذاك،
وسمعت منه غير ذلك بقراءة شيخنا ابن ناصر، وكنت. ممن كتبها عنه، وتوفي
بين الظهر والعصر في يوم الاربعاء رابع عشر شوال، وترك إلى يوم الجمعة،
وأشرف على غسله شيخنا أبو الفضل بن ناصروصلى عليه أيضاً بوصية منه في
جامع القصر، ثم حمل إلى جامع المنصور فصلى عليه شيخنا عبد الوهاب ابن
المبارك الانماطي، ودفن يومئذ بباب حرب عند بشر الحافىِ.
ثم دخلت
سنة ست وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه كان قد جرى فىِ أواخر السنة الماضية كلام يتعلق
بدار الضرب وشكا العمال أنهم يخسرون، فنهض ابن حريقا وكذبهم، وقال: بل
يربحون كثيراً، وعرض هذا الكلام على صاحب المخزن ابن طلحة فأراه عن ذلك
ومنعه من الكلام فيه، فبلغ الخبر إلى المسترشد فأمر بحسابهم، فاذا
ربحهم كثير، فظهر أن صاحب المخزن يعاونهم، وذكر أنه كان يأخذ منهم كل
شهر سبعين ديناراً فثبت ذلك عليه، فأمر المسشرشد بنقل النظر في ذلك إلى
الديوان فانكسر صاحب المخزن بذلك كسرة عظيمة، وكان تمام ذلك في أول
المحرم هذه السنة فصار صاحب المخزن يجلس ساعة في المخزن بعد أن كان
يكون فيه معظم النهار، ولا يحضر باب الحجرة لما ظهرمن ذلك عليه.
وخرج التوقيع إلى شرف الدين الوزير بأنك المعتمد عليه، والأمر ما تأمر
به وأنت المختص بالثقة، فقوي جأشه بذلك.
وفي المحرم: تقدم الخليفة بحراسة الغلات وأوجب ذلك الغلاء، فصار الشعير
باثني عشر ديناراً.
ووصل مسعود بن محمود إلى بغداد في عشرة آلاف، وورد قراجا الساقي ومعه
سلجوق شاه بن محمد، وكلاهما يطلب السلطنة، وانحدر زنكي بن آقسنقر
الموصلي لينضم إلى مسعود، فلما بلغ تكريت خلف قراجا الملك سلجوق شاه في
عدد يسير وأمرهم بمدافعة مسعود إلى أن يعود، وأسرى في يوم وليلة إلى
تكريت فواقع زنكي فهزمه وأسر جماعة من أصحابه وعاد بهم، ثم دخل السفراء
بينهم فوقع الإتفاق واجتمع مسعود وسلجوق وقراجا، وأحلفهم المسترشد على
التوافق والطاعة والاجتماع، وكان قراجا يتحكم على مسعود وسلجوق جميعاً.
وأرجف الناس بمجيء سنجر، فعمل السور، وجبي العقار، وظهر على كتاب كتبه
الغزنوي إلى وزير سنجر فأهين، وخرجوا متوجهين لحرب السلطان سنجر بعد أن
أفرد العراق جميعه للوكلاء ووقع الإتفاق واستظهر بالأيمان وألزم
المسترشد قراجا بالخروج فكرهه ولم يجد بداً من الموافقة، فإنه تهدد
وتوعد حتى قيل له: إن الذي تخاف من سنجر في الآجل نحن نعجله لك الآن.
وبعث سنجر يقول: أنا العبد، فما أردت مني فعلت، فلم يقبل منه وسار
الجماعة وخرج المسترشد بعدهم بأيام من باب النصر في سادس جمادى الآخرة
والكل مشاة بين يديه إلى أن خرج من، عقد السور، ثم تقدم بأن يركب
الوزير وحده إلى أن خرجوا من عقد السور، فركبوا وضج الناس بالدعاء،
وباتوا يختمون الختمات ويدعون.
ثم رحل في
ثاني رجب، وقطعت خطبة سنجر في ثالث رجب وسارعلى تثبط إلى خانقين، فأقام
بها، وورد سنجر إلى همذان فكانت الواقعة قريباً من الدينور، وكان مع
سنجر مائة ألف وستون ألفاً، وكان مع قراجا ومسعود ثلاثون ألفاً فأحصي
القتلى، فكانوا أربعين ألفاً، فقتل قراجا وأجلس طغرل بن محمد على سرير
الملك، وعاد سنجر إلى بلاده وكاتب دبيساً وزنكي بقصد بغداد وفتحها،
فتوجها إليها من الموصل بالعدة التامة في سبعة آلاف فارس، فبلغ
المسترشد اختلاط بغداد وكسرة العسكر، فخرج من السرادق بيده سيف مجذوب،
وسكن العسكر وخاف على نفسه وعلى الخزانة وعاد من خانقين وزنكي ودبيس قد
شارفا بغداد من غربيها، فعبر الخليفة إلى الجانب الغربي في ألفي فارس
وضعف عنهما فطلب المقاربة فاشتطا وكرست ميسرته فكشف الطرحة ولبس البردة
وجذب السيف وحمل العسكر فانهزما وقتلت من القوم مقتلة عظيمة، وطلب زنكي
تكريت ودبيس الفرات.
وفي هذه السنة: كانت الوقعة بين طغرل بن محمد وبين داود بن محمود
وآقسنقر الأحمد يكي، وكان الظفر فيها لطغرل بهمذان.
وفيها: وزر أنوشروان بن خالد للمسترشد، بعث إليه صاحب المخزن ابن طلحة
يقول له: إن أمير المؤمنين قد عول عليك في الوزارة، فينبغي أن تسارع
إلى ذلك، فأخذ يعتذر ويقول قد عرف حالي، وأني لما وزرت للسلطان محمود
طلبت الإقالة وقد رضيت من الدنيا بمكاني هذا، فقبل عني الأرض، وسل لي
الإعفاء، فلم يعف، فأجاب فعرضت عليه دار ابن صدقة فامتنع، وقال: كان له
علي حق، وذلك أنه كان يصله كل سنة بمال كثير فاقتصرعلى دار ابن ودعة
فعمرت، وعاد دبيس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، وجمع جميعاً وكانت الحلة
وأعمالها في يد اقبال المسترشدي، وأمد بعسكر بغداد فهزم دبيس وحصل في
أجمة فيها ماء وقصب ثلاثة أيام لا يطعم حتى أخرجه جماس على ظهره وخلصه،
ووصل الملك داود والأحمد يكي إلى بغداد، ووصل ولد منصور بن سيف الدولة
يوم السبت ثالث عشرين شعبان في خمسين فارساً، فلم يعلم به أحد حتى نزل،
وقبل عتبة باب النوبي وتمور علي الصخرة ، وقال: أنا فلان بن فلان جئت
إلى أمير المؤمنين فإما أن يلحقني بأبي فأستريح، وإما أن يعفو عني،
فأنهى ذلك فعفى عنه، وأعطي داراً وإصطبلاً ودنانير.
وفي يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان: قبض الخليفة على الوزير شرف الدين،
وقبض معه على الحسين بن محمد ابن الوزان كاتب الزمام، ووكلِ بالوزير
بباب الغربة وأخذ من بيته خمساً وسبعين قطعة فضة سوى المراكب، ونيفاً
وثلاثين قطعة ذهب سوى المراكب، ووجد في داره البدنة الحب التي أخذها
دبيس من الأمير أبي الحسن لما أسره ومعضدة قيمتها مائة ألف دينار، ونقل
من الرحل والأثاث ثلاثة أيام، ونحو خمسمائة رأس من خيل وإبل وبغال سوى
ما ظهر من المال.
وفي آخر ذي القعدة: أخرج الوزير من الحبس وأخذ خطه بثلاثين ألفاً.
قال شيخنا أبو الحسن: وأحضر نازح خادم خاتون المستظهرية فقيل له: أنت
حافظ خاتون، وقد قذفت بابن المهير، فصفع وأخذت خيله وقريته، وقتل ابن
المهير، وأظهر أنه هرب وأظهر أمرهما خدم، فكوتب سنجر بذلك وحل المسترشد
إقطاعها وأقام معها في دارها من يحفظها إلى أن يأتي جواب سنجر، وأخذ
إصطبل خيلها فبيع وعمر آدر وتألمت من ذلك وكتبت إلى سنجر، فقيل إنه كتب
إليها يعلمها بما يريد أن يفتك بالدولة، فبعث المسترشد فأخذ الكتاب
منها وهيجه ذلك على الخروج إلى القتال.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر المستوفي، العزيز قبض عليه الأنسابازي
وزير طغرل، وسلم إلى بهروز الخادم فحمله إلى قلعة تكريت فقتل فيها هذه
السنة، وكان من رؤساء الأعاجم.
أحمد بن عبيد الله، ابن كادش العكبري، ويكنى أبا العز أحمد بن عبيد
الله بن محمد بن أحمد بن حمدان بن عمر بن عيسى بن إبراهيم بن سعد بن
عتبة بن فرقد السلمي صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ويعرف بابن
كادش العكبري ويكنى أبا العز: قال المصنف نقلت هذا النسب من خطه، سمع
أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي، وكان آخر من روى عنه، وأبا الطيب
الطبري، والعشاري والجوهري وغيرهم، وكان مكثراً ويفهم الحديث، وأجاز لي
جميع مسموعاته، قد أثنى عليه جماعة منهم أبو محمد ابن الخشاب.
وقد
أنبأنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: سمعت إبراهيم بن سليمان الورديسي،
يقول: سمعت أبا العز ابن كادش يقول: وضعت أنا حديثاً على رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأقر عندي بذلك.
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر سيىء الرأي فيه. وقال شيخنا عبد الوهاب:
ما كان إلا مخلصاً.
توفي في جمادى الأولى من هذه السنة.
الحسين بن إبراهيم الدينوري، أبوعبد الله سمع طراداً والتميمي وغيرهما،
وحدث وكان سماعه صحيحاً. وتوفي في يوم الأحد تاسع رمضان، ودفن بباب
حرب.
عبيد اللّه بن المظفر ابن رئيس الرؤساء توفي في هذه السنة، وكان أديباً
فاضلاً.
محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن الفراء، أبو الحسين بن أبي يعلى
ولد في شعبان سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، وسمع أباه، والخطيب، وأبى
الغنائم ابن المأمون، وأبا الحسين ابن المهتدي، وابن النقور وغيرهم،
وتفقه وناظر، وكان متشحداً في السنة، وكان يبيت في داره بباب الحراتب
وحده فعلم بعض من كان يخدمه ويتردد إليه بأن له مالاً، فدخلوا عليه
ليلاً فأخذوا المال وقتلوه في ليلة الجمعة عاشرمحرم هذه السنة، وقدر
الله أنهم وقعوا كلهم وقتلوا.
ثم دخلت
سنة سبع وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه دخل مسعود بن محمود في صفر، فمضى الوزير في
الموكب إلى داره ليهنئه ثم خطب له بالسلطنة، ومن بعده لداود ابن أخيه،
ونثرت الدنانير بجامع القصر حين الخطبة وخلع عليهما وعلى الأمير آقسنقر
الأحمد يكي بباب الحجرة، وعادوا في السفن وذلك في خامس ربيع الأول.
وفي آخر ذلك اليوم، خرج رحل المسترشد إلى الرملة، وخرج في صبيحة
الأثنين سادس الشهر في شبارة مصعدا إلى مشرعة التستريين، وكان على صدر
السفينة يرنقش البازدار قائماً بيده سيف مشهور وآقسنقر الأحمد يكي
قائماً بين يديه، وفي الشبارة صاحب المخزن ونظر ومرتجى الخادم وركب من
هناك إلى المضارب، ومشى الملكان بين يديه مسافة يسيرة، ثَم أمرهما
بالركوب فسيرهما إلى آذربيجان بعد أن خلع عليهما، وعاد هو وضم إِليهما
نظر الخادم ومعه خيمة سوداء ومهد ولواء لحرب طغرل فلقوه وهزموه واستقر
مسعود بهمذان، وقتل آقسنقر الأحمد يكي، وظهر أنه قتله بإطنية، واتهم
مسعود بقتله، وضربت الطبول ببغداد للبشارة.
وفي صفر: خلم على القاضيين ابن الكرجي، وابن يعيش، وولي ابن الكرجي
القضاء والحسبة بنهر معلى، وولي ابن يعيش القضاء بباب الأزج، وسلم إليه
النظر في الوقوف والتركات والترب.
وجمع دبيس جمعاً بواسط، وانضم إليه الواسطيون، وابن أبي الخير، وبختيار
وشاق، فنفذ إليه البازدار وإقبال الخادم فهزموه وأسر بختيار.
وعزم المسترشد على المسير إلى الموصل، فعبرت الكوسات والأعلام من
الجانب الشرقي إلى الغربي يوم السبت ثاني عشر شعبان، ونودي بالجانب
الشرقي من تخلف من الجند بعد يومنا هذا ولم يعبرأبيح دمه.
ونزل أمير المؤمنين في الدار الزكوية التي على الصراة، ثم رحل عنها إلى
الرملة ثم إلى المزرفة ومعه نيف وثلاثون أميراً واثنا عشر ألف فارس،
ونفذ إلى بهروز يقول له تنزل عن القلعة وتسلمها وتسلم الأموال وتدخل
تحت الطاعة حتى نسلم إليك البلاد فأجاب بالطاعة وقال: أنا رجل كبير
عاجز عن الخدمة بل أنا أنفذ الإقامة وأنفذ مالاً برسم الخدمة ففعل
وأعفي، ثم وصل المسترشد إلى الموصل في العشرين من رمضان فحاصرها ثمانين
يوماً وكان القتال كل يوم، ووصل إليه أبو الهيج الكردي المقيم بالجبل
ومعه عساكر كثيرة، ثم إن زنكي كاتب الخليفة بأني أعطيك الأموال وارحل
عنا، فلم يجبه ثم رحل، وقيل: كان السبب في رحيله أنه بلغه أن مسعوداً
غدر وقتل الأحمد يكي وخلع على دبيس. وتقدم الخليفة بنقض بستان العميد
بقصر عيسى وأخذ آجره السور.
وتوفي
شيخنا أبو الحسن ابن الزاغوني، وكانت له حلقة في جامع المنصور يناظر
فيها قبل الصلاة ثم يعظ بعدها، وكان يجلس يوم السبت عند قبر معروف وفي
باب البصرة وبمسجد ابن الفاعوس، فأخذ أماكنه أبو علي بن الراذاني، ولم
أعطها أنا لصغر سني، فحضرت بين يدي الوزير أنوشروان، وأوردت فصلاً من
المواعظ فأذن لي في الجلوس في جامع المنصور، فتكلمت فيه فحضر مجلسي أول
يوم جماعة أصحابنا من الفقهاء منهم عبد الواحد بن شنيف، وأبوعلي ابن
القاضي، وأبو بكربن عيسى، وابن قسامي وغيرهم، ثم تكلمت في مسجد عند قبر
معروف وفي باب البصرة وبنهر معلى، واتصلت المجالس وكثر الزحام، وقوي
اشتغالي بفنون العلوم، وسمعت من أبي بكر الدينوري الفقه، وعلى أبي
منصور الجواليقي اللغة، وتتبعت مشايخ الحديث، وانقطعت مجالس أبي علي
ابن الراذاني، واتصلت مجالسي لكثرة اشتغالي، بالعلم.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن سلامة، أبو العباس ابن الرطبي الكرخي أحمد بن سلامة، بن عبيد
الله بن مخلد بن إبراهيم، أبو العباس ابن الرطبي الكرخي: من كرخ جدان،
تفقه على أبي اسحاق الشيرازي، وأبى نصر ابن الصباغ، ثم خرج إلى أصبهان
فتفقه علي محمد بن ثابت الخجندي، وسمع الحديث من أبي القاسم ابن
البسري، وأبي نصر الزينبي، وغيرهما وولى القضاء بالحريم والحسبة أيضاً
وكان له قرب إلى خدمة الخليفة، وكان يؤدب أولاده، وتوفي ليلة الإثنين
مستهل رجب من هذه السنة، وصلى عليه بجامع القصر، ودفن عند قبر الشيخ
أبي اسحاق بباب أبرز، وقال رفيقنا موسى بن غريب بن شبابة التبريزي،
وكان صاحب القاضي أبي العباس: دخلت عليه وهو في الموت وهو يأمر بتجهيزه
وتكفينه وموضع دفنه وما على قلبه من مزعج كأنه ينتقل من دار إلى دار.
أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله ابن البناء، أبوغالب ولد سنة خمس
وأربعين وأربعمائة، وسمع أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن حسنون، وأبا
يعلى القاضي، وأبا الحسين ابن المهتدي، وأبا الغنائم ابن المأمون،
وغيرهم، وسمعت منه الحديث، وكان ثقة.
وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة، وقيل في صفر.
أسعد بن صاعد بن إسماعيل، أبو المعالي الحنفي خطيب جامع نيسابور، سمع
أباه، وجده، وأبا بكر الشيرازي وغيرهم، وكان من بيت العلم والقضاء
والخطابة والتدريس والتذاكير، واشتغل بالعلم حتى أربى على أقرانه،
وكانت إليه الخطابة والتذاكير والتدريس ببلده وكان مقبولاً عند
السلاطين، ورد بغداد فسمع من شيخنا أبي القاسم بن الحصين.
وتوفي في ذي القعحة من هذه السنة بنيسابور.
الحسن بن محمد بن ابراهيم أبن أحمد، بن علي، أبونصر اليونارتي ويونارت
قرية من قرى أصبهان ، ولد سنة ست وستين وأربعمائة، ورحل وسمع وجمع وكتب
وخرج التاريخ، وكان مليح الخط حسن القراءة، وتوفي في شوال هذه السنة
بأصبهان.
علي بن عبيد الله بن نصر بن السري الزاغوني، أبوالحسن قرأ القرآن
بالقرا آت، وسمع الحديث الكثير من الصريفيني، وابن النقور، وابن
المأمون، وغيرهم. وقرأ من كتب اللغة والنحو، وتفقه على يعقوب
البرزباني، وكان متفنناً في علوم، مصنفاً في الأصول والفروع، وأنشا
الخطب والوعظ، ووعظ، وصحبته زماناً فسمعت منه الحديث وعلقت عنه من
الفقه والوعظ، وتوفي في يوم الأحد سابع محرم هذه السنة وصلي عليه بجامع
المنصور وجامع القصر، ودفن بباب حرب، وكان جمع جنازته يفوق الإحصاء.
علي بن يعلى بن عوض، أبو القاسم العلوي الهروي سمع من أبي عامر الأزدي
جامع الترمذي، وسمع كثيراً من الحديث ووعظ، وكان له القبول بنيسابور
وغيرها،، وورد بغداد فوعظ، وسمع فيها مسند الإمام أحمد على شيخنا أبي
القاسم بن الحصين، وكان يورد الأحاديث بأسانيدها ويظهر السنة، فحصل له
ببغداد مال، وحملت إليه وأنا صغير السن وحفظني مجلساً من الوعظ، فتكلمت
بين يديه يوم ودع الناس عند سور بغداد، ثم خرج وورد مرو. فتوفي بمرو
الروذفي هذه السنة، ودفن بها.
محمد بن أحمد بن يحيى، أبوعبد اللّه العثماني الديباجي من أولاد محمد
بن عبدالله بن عمرو بن عثمان بن عفان، أصل أبي عبد الله العثماني من
مكة، وهو من أهل نابلس، ويقال له: القدسي، وسمع الحديث وتفقه، وكان
غالياً في مذهب الأشعري، وكان يعظ بجامع القصر، وأنشد يوماً في مجلسه:
ع جفوني
يحق لي أن أنوحا ... لم تدع لي الذنوب قلباً صحيحاً
أخلقت بهجتي أكف المعاصي ... ونعاني المشيب نعياً فصيحاً
كلما قلت قد برا جرح قلبي ... عاد قلبي من الذنوب جريحا
إنما الفوز والنعيم لعبد ... جاء في الحشر آمنا مستريحا
توفي العثماني يوم الأحد سابع عشرين صفر من هذه السنة، ودفن في
الوردية.
محمد بن أحمد بن عبيد الله بن الحسين بن دحروج أبو بكر سمع أبا الحسين
ابن النقور والصريفيني، وحدث وروى عنه أشياخنا.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
محمد بن أحمد بن محمد بن صاعد، أبو سعيد النيسابوري الصاعدي ولد سنة
أربع وأربعين وأربعمائة، وسمع عبد الغافر بن محمد، وأبا القاسم
القشيري، وأبا حفص عمر بن أحمد بن مسرور، وغيرهم. وقدم بغداد في سنة
ثلاث وخمسمائة، حدث فسمع منه شيخنا عبد الوهاب، وشيخنا ابن ناصر، وخلق
كثير، وكان رئيس بلدته وقاضيها، وكانت له دنيا واسعة ومنزلة عظيمة عند
الخواص والعوام. وتوفي بنيسابور يوم السبت ثاني عشر ذي الحجة من هذه
السنة.
محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبد الله، أبو بكر المزرفي ولم
يكن من المزرفة وإنما كان انتقل إلى المزرفة أيام الفتنة، فأقام بها
مدة، فلما رجع قيل له المزرفي، ولد أبو بكر في سلخ سنة تسع وثمانين
وأربعمائة، قرأ القرآن بالقرا آت، وسمع الحديث الكثير من إبن المهتدي،
وابن الصريفيني، وأقرأ وروى وتفرد بعلم الفرائض، وسمعت منه الحديث،
وكان ثقة ثبتاً عالماً حسن العقيدة. وتوفي يوم السبت من محرم هذه
السنة، ودفن بمقبرة باب حرب، وقيل إنه مات في سجوده.
محمد بن محمد، أبو خازم بن أبي يعلى ابن الفراء محمد بن محمد بن الحسين
بن محمد بن أحمد بن خلف، أبو خازم بن أبي يعلى ابن الفراء ولد سنة تسع
وخمسين وأربعمائة، وسمع من ابن المسلمة، وابن المأمون، وجابر بن ياسين،
وغيرهم، وكان من الفقهاء الزاهدين ومن الأخيار الصالحين.
توفي يوم الإثنين تاسع عشر صفر ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل في سنة
أربع وثلاثين إلى مقبرة باب حرب، فدفن عند أبيه.
ثم دخلت
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه في المحرم قتل رجل يقال له علي الحمامي زوجته
لأمر اتهمها به وهرب.
وخلع على إقبال الخادم خلع الملوك، ولقب ملك العرب سيف الدولة، فركب
بالخلع فحضر الديوان فقرىء عليه منشور ونثر عليه دنانير.
ووقع الاتفاق مع زنكي بن آقسنقر، ووصلت رسله بالحمل والهدايا.
وعزل أنوشروان بن خالد عن الوزارة من غير أن يؤذي بسبب بل نزل في سفينة
بعد العتمة وصعد إلى داره بالحريم، وأعيد إليها أبو القاسم بن طراد.
وقبض على نظر الخادم وحبس في سرداب واستصفيت أمواله.
وفي ربيع الأول من هذه السنة: خلع على الوزير ابن طراد خلع الوزارة
وزيد في مركب الفرس طوقاً وأعطى ثلاثة عشر عملاً كوسات وأعماماً ومهداً
وركب إلى الديوان.
وفي جمادى الأولى: بعث القاضي الهيتي رسولاً إلى زنكي إلى الموصل، وعاد
في جمادى الآخرة وبين يديه فرس ومركب ذهب خلعه عليه زنكي.
وقدم رسول سنجر فخلع عليه وهيئت خلع لسنجر بمائة ألف ونيف وعشرين ألف
دينار، فرحل بها ابن الأنباري مع رسول سنجر في جمادى الأخرة، ثم بعث
المسترشد إلى بهروز الخادم إلى القلعة يقول له: أنت مقيم ومعك الأموال،
فينبغي أن تعطينا منها شيئاً نفرقه على العسكر، فأبى، فبعث إليه عسكراً
فحاصره ووقع القتال أول شعبان، ثم صانع بإنفاذ مال.
وفي هذه الأيام حبس محمود المولد في ممطورة، واتهم بأنه يكتب ملطفات.
وقدم البقش السلاحي طالباً للخدمة مع المسترشد، وهو من أكابر الأتراك،
وخلغ الخليفة على جميع الأمراء ثم عرض العسكر يوم عيد الفطر ونودي:
لايختلط بالعساكر أحد من العوام، ومن ركب بغلاً أو حماراً في هذا اليوم
أبيح دمه فما تجاسر أحد أن يفعل ذلك، وخرج الوزير شرف الدين وصاحب
المخزن وقاضي القضاة ونققيب النقباء وأرباب الدولة في زي لم ير مثله من
الخيل المجفجفة، والعسكر اللابس والعدة الحسنة، وكل أمير يقبل في
أصحابه بخلعة الخليفة فكان العسكر خمسة عشر ألف فارس سوى من كان غائباً
عن البلد، ولم ير عيد خرج فيه أرباب المناصب إلا هذا.
وفي حادي
عشر شوال: وقع حريق في خان السلسلة الذي عند باب دار الخليفة، فتلف مال
لا يحصى، وسببه أن الخاني طبخ فعلقت النار بشيء وهو لا يعلم، فلما علم
ظن أنه لا يقدر على إطفائه فلم يفتح الباب لأحد فاستوعب النار الكل.
وفي هذه السنة: عاد طغرل إلى همذان، ومالت العساكر إليه، وتوطد له
الملك وانحل أمر أخيه مسعود، وكان السبب أن الخليفة بعث بخلع إلى
خوارزمشاه فأشار دبيس على طغرل فقال: الصواب أن تأخذ هذه الخلع وتظهر
أن الخليفة قد نفذها لنا فلا يبقى مع مسعود أحد، وبعث الخليفة: إلى
مسعود يستحثه على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زي التركمان، وخاطر
إلى أن دخل بغداد في نحو ثلاثين فارساً، فبعث إليه التحف الكثيرة،
ووجدت ملطفات مع قوم إلى طغرل فاستكشف الوزير الحال، فإذا هي جواب
مكتوب قد كتبه طغرل إلى الأمراء الذين مع الخليفة، وقد نفذ لهم خاتمه،
فلما وقف على ذلك الخليفة قبض على أحد الأمراء فهرب البقية إلى السلطان
مسعود ورموا أنفسهم بين يديه، وقالوا: نحن عبيدك، فإذا خذلتنا قتلنا
الخليفة، فبعث الخليفة يطلبهم فقال: قد اجتمعوا بي فلا أسلمهم، فقال
أمير المؤمنين: إنما أفعل هذا لأجلك اوأنصبك نوبة بعد نوبة. ووقع
الإختلاف بينهما واختلط العسكر ومدوا أيديهم إلى أذى المسلمين، وتعذر
المشي في الحال، فبعث إليه الخليفة يقول له: تنصرف إلى بعض الجهات
وتأخذ العسكر الذين صاروا إليك، فرحل يوم الإثنين رابع عشرين ذي الحجة
والقلوب غير طيبة، فأقام بدار الغربة. وتواترت الأخبار بتوجه طغرل إلى
العراق، فلما كان يوم السبت سلخ ذي الحجة نفذ الخليفة إلى مسعود الخلع
والطوق والتاج وتخوت ثياب وتحف بثلاثين ألف دينار، وصحبها النقيبان
ومرتجى الخادم، فلما وصلت الخلع إليه أقام ولم يرحل.
وفي هذا الشهر: نقضت دار خواجا بزرك على شاطىء دجلة في مشرعة درب زاخل،
ونقلت آلتها إلى دار الخليفة.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن إبراهيم، أبو الوفاء الفيروزأبادي وفيروزأباد أحد بلاد فارس،
سمع الحديث من أبى طاهر الباقلاوي، وأبي الحسن الهكاري، وخدم المشايخ
المتصوفين، وسكن رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور، وكانت أخلاقه
لطيفة، وكلامه مستحلى، كان يحفظ من سير الصالحين وأخبارهم وأشعارهم
الكثير، وكان على طرائقهم في سماع الغناء والرقص وغير ذلك وكان يقول
لشيخنا عبد الوهاب: إني لأدعو لك وقت السماع، وكان شيخنا يتعجب، ويقول:
أليس هذا يعتقد أن ذلك وقت إجابة.
توفي أبو الوفاء ليلة الإثنين حادي عشر صفر هذه السنة، وصلى عليه من
الغد بجامع المنصور خلق كثير، منهم أرباب الدولة، وقاضي القضاة. ودفن
على باب الرباط، وعمل له يوم السبت ثالث عشر صفر دعوة عظيمة أنفق فيها
مال بين المنصور والرباط على عادة الصوفية إذا مات لهم ميت، فاجتمع من
المتصوفة والجند والعوام خلق كثير.
الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون، أبو علي الفارقي من أهل ميارفارقين،
ولد بها في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، وتفقه بها على أبي عبد الله
محمد بن بيان الكازروني، وكان صاحب المحاملي، فلما توفي الكازروني قصد
أبا إسحاق الشيرازي في سنة ست وخمسين، فتفقه عليه، قال: فنزلت في خان
حذاء مسجد أبي اسحاق بباب المراتب، وكان يسكنه أصحاب الشيخ ومن يتفقه
عليه، فإذا كثرنا كنا حوالي العشرين، وإذا قل عددنا كنا حوالي العشرة،
وكان الشيخ أبو إسحاق يذكر التعليقة في أربع سنين فيصير المتفقه في هذه
الأربعِ سنين فيها مستغنياً عن الجلوس بين يدي أحد، وكان يذكر درساً
بالغداء ودرساً بالعشي، فلما كانت سنة ستين عبرت إلى الجانب الغربي إلى
الشيخ أبي نصر بن الصباغ قرأت عليه الشامل، ثم عدت إلى الشيخ أبي إسحاق
فلازمته إلى حين وفاته.
سمع أبو علي الحديث من أبي الغنائم ابن المأمون، وأبي جعفر ابن
المسلمة، وأبي إسحاق، وولي القضاء بواسط وأعمالها وسكنها إلى حين
وفاته، وكان زاهداً ورعاً مهيباً، لا يحابي أحداً في الحكومات، وكان
يتشاغل بإعادة العلم مع كبره، وكان في آخره عمره يقول لأصحابه إذا
حضروا الدرس: كررت البارحة الربع الفلاني من المهذب، وكررت بارحة
الأولى الربع الفلاني من الشامل، وكانت حواسه صحاحاً وعقله كاملاً.
وتوفي بواسط في محرم هذه السنة، وهو ابن ست وتسعين.
عبداللّه
بن محمد بن أحمد بن ا!سين، أبو محمد بن أبي بكر الشاشي ولد سنة إحدى
وثمانين وأربعمائة، وسمع أبا عبد الله بن طلحة النعالي وغيره، وتفقه
على أبيه وناظر وأفتى، وكان فاضلاً ظريف الشمائل مليح المحاورة حسن
العبارة، وحضرت مجلس وعظه، وكان ينشىء الكلام المطابق المجانس ويقوله
في المجلس، سمعته يقول في مجلس وعظه: أين القدود العالية والخدود
الوردية، امتلأت بها العالية والوردية. وهذا اسم مقبرتين في نهر معلى.
وحضر يوماً آخر النهار في التاجية للوعظ، وكان في السماء غيم فارتجل في
الطريق أبياتاً وأنشدها في آخر المجلس، وهي:
قضية أعجب بها قضيه ... جلوسنا الليلة في التاجيه
والجو في حلته الفضيه ... صقا لها قعقعة رعديه
أعلامها شعشعة برقية ... تنثر من أردانها العطرية
ذائب در ينشر البرية ... والشمس تبدو تارة جلية
ثم تراها مرة خفية ... كأنها جارية حييه
حتى إذا كانت لنا العشية ... نضت لباس الغيم بالكليه
وأسفرت في الجهة الغربيه ... صفراء في ملحفة ورسيه
كرامة أعرفها شاشيه
ومن أشعاره:
الدمع دماً يسيل من أجفاني ... إن عشت مع البكاء ما أجفاني
سجّني شجني وهمتي سجاني ... والعاذل بالملام قد شجاني
والذكر لهم يزيد في أشجاني ... والنوح مع الحمام قد أشجاني
ضاقت ببعاد مهجتي أعطاني ... والبين يد الهموم قد أعطاني
توفي أبو محمد ثاني المحرم وصلي عليه بجامع مع القصر، ودفن عند قبر
أبيه في تربة الشيخ أبي إسحاق.
عبد اللّه بن المبارك بن الحسن العكبري، أبو محمد المقرىء، ابن نبال
سمع أبا نصر الزينبي، وأبا الغنائم بن أبي عثمان، وعاصماً وغيرهم، وحدث
وتفقه على أبي الوفاء بن عقيل، وأبي سعد البرداني، وكان صحيح السماع من
أهل السنة، وباع ملكاً له واشترى كتاب الفنون وكتاب الفصول لابن عقيل،
ووقفهما على المسلمين.
وتوفي ليلة الثلاثاء الثاني والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بباب حرب.
عبد الخالق بن عبد الواسع، أبو الفتوح ابن أبي رفاعة الأنصاري عبد
الخالق بن عبد الواسع، بن عبد الهادي بن عبد الله، أبو الفتوح ابن أبي
رفاعة الأنصاري: جمع وحدث وكان جواداً، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، روى
عنه أشياخنا وتوفي في شعبان هذه السنة.
عبد الواحد بن شنيف، أبو الفرج تفقه على أبي علي البرداني، وكان
مناظراً مجوداً وأميناً من قبل القضاة ومشرفاً على خزانة السلطان ،
وكانت له فطنة عظيمة وشجاعة وقوة قلب.
حدثني أبو الحسن بن عربية قال: كان تحت يده مال لصبي، وكان قد قبض
المال وللصبي فهم وفطنة فكتب الصبي جملة التركة عنده وأثبت ما يأخذه من
الشيخ، فلما مرض الشيخ أحضر الصبي، وقال له: أي شيء لك عندي؟ فقال:
والله مالي عندك شيء لأن تركتي وصلت إلي بحساب محسوب، وأخرج سبعين
ديناراً، وقال: خذ هذه لك فإني كنت أشترىِ لك بشيء من مالك، وأعود
فأبيعه فحصل لك هذا المال.
وحدثني أبو الحسن قال: توفي رجل حشوي بدار القز، وكان أبو العباس
الرطبي يتولى التركات، فكتب إليه الشيخ عبد الواحد: تتولى تركة فلان،
فحضر وأعطى زوجته حقها وأعطى الباقي ذوي أرحامه، وكتب بذلك، فكتب ابن
الرطبي مع مكتوبه إليه إلى المسترشد يخبره بما صنع، وأنه ورث ذوي
الأرحام، فكتب المسترشد: نعم ما فعل إذ عمل بمذهبه، وإنما الذنب لمن
استعمل في هذا حنبلياً، وقد علم مذهبه في ذلك . وتوفي عبد الواحد في
شعبان هذه السنة، وخلف مالاً كثيراً.
محمد بن أحمد بن علي القطان، ابن الحلاج قرأ القرا آت، وحدث عن أبي
الغنائم ابن أبي عثمان، وكان خيراً زاهداً، كثير العبادة، دائم
التلاوة، حسن الخلق، يسكن التوثة من الجانب الغربي، وكان الناس يزورونه
ويتبركون به، كنت أزوره كل سبت وأنا صبي، فيدعو لي ويقرأ على صدري.
وتوفي ليلة الإثنين العشرين من جمادى الأخرة ، وصلى عليه شيخنا عبد
الوهاب الحافظ، ودفن بالشونيزية، وكان جمعه متوفراً.
محمد بن عبد الله بن أحمد، أبو نصر الأرغياني
ولد سنة
أربع وخمسين وأربعمائة، سمع أبا الحسن الواحدي، وأبا بكر بن خلف، وأبا
علي بن نبهان، وأبا المعالي الجويني، وعليه تفقه، وكان متنسكاً ورعاً،
كثير العبادة، وتوفي بنيسابور في هذه السنة.
محمد بن علي بن عبد الواحد الشافعي، أبورشيد من أهل طبرستان، ولد سنة
سبع وثلاثين وأربعمائة، وحجِ وأقام بمكة مدة، وجمع الحديث، وحدث بشيء
يسير، وكان زاهداً منقطعاً مشتغلاً بنفسه وكان قد ركب البحر، فلما وصل
إلى بعض الجزائر خرج من السفينة وودع أصحابه، وقال: أريد أن أقيم ها
هنا، فسألوه أن لا يقيم فلم يفعل، فتركوه وذهبوا في البحر فهاجت ريح
فردتهم إليه، فسألوه أن يمضي معهم فما أجاب، فمضوا فهبت الريح مرة أخرى
فردتهم إليه كذلك عدة نوب، ويسألونه فيأبى. فاجتمع التجار إليه وقالوا:
تسعى في إتلاف نفوسنا وأموالنا فإنا كلما دفعنا ومضينا ردتنا الريحِ
إليك فاصحبنا في دربند فإذا رجعنا فأقم هاهنا، فأجابهم وأقام معهم في
دربند أياماً ورجع إلى الجزيرة، وأقام بها سنتين، وكان في الجزيرة عين
ماء فكان يشرب منها ويتوضأ، ثم رجع إلى آمل فسكنها إلى أن توفي بها في
جمادى الأولى من هذه السنة، وقبره بآمل معروف يتبرك به.
قال بعض أصحابه: ذهبت إلى الجزيرة التي كان انقطع فيها فرأيت ثعباناً
يبتلع ابن آدم كما هو، فزرت موضع سجوده ورجعت.
هبة اللّه بن عبد الله بن أحمد عبد اللّه، أبوالقاسم الواسطي الشروطي
من أهل الكرخ، ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، سمع أبا الغنائم بن
المأمون، وأبا الحسين بن المهتدي، وأبا جعفر ابن المسلمة، وأبا بكر
الخطيب، وكان ثقة صالحاً فاضلاً عالماً مكثراً مقبلاًعلى ما يعنيه.
توفي في ذي الحجة من هذه السنة.
أم المسترشد باللّه توفيت وقت العتمة ليلة الإثنين تاسع عشر شوال هذه
السنة، وأخرجت ليلاً فدفنت في الرصافة ومن العجائب أنه نفذ تلك الليلة
إلى أبي القاسم بن السياف في معنى حاجة لأجل الميتة فنفذ معهم ابناً له
صغيراً ليعطيهم حاجتهم، فدخلوا ومعهم نقاط فوقع من النفط في أعدال قطن
فاحترقت، وحصل الصبي في الخزانة وحده، وأحاطت به النار فلم يجد محيصاً
فاحترق.
ثم دخلت
سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها قد ذكرنا أن أمير المؤمنين قال للسلطان مسعود إرحل
عنا بأصحابك، وأنه أقام على دار الغربة متلوماً فنفذ إليه الجاولي شحنة
بغداد مصانعاً له على الخروج، وأمر إن هو دافع أن يحط خيمه، ثم بعث
إليه الخلع في سلخ ذي الحجة، ثم أحس منه أنه قد باطن الأتراك واطلع منه
سوء نية، فأخرج أمير المؤمنين سرادقه، وضربه عند رؤوس الحيطان، وأخرج
أرباب الدولة خيمهم، فوصل الخبر بأن طغرل مات يوم الأربعاء ثالث
المحرم، ورحل مسعود جريدة فتلاحقه العسكر، وأعاد الخليفة سرادقه فوصل
مسعود إلى همذان واختلف عليه العسكر وانفرد عنه قزل وسنقر وغيرهما،
وأسرى إليهم ففرق شملهم، فورث منهم إلى بغداد جماعة، وأخبروا بسوء
ضميره منهم البازدار وقزل وسنقر، وخرج أنوشروان في أصحابه وأهله إلى
خراسان لوزارة السلطان مسعود فالتقى به الأمراء الداوودية فأخذوا جميع
ما معه.
وفي خامس عشر المحرم: لقي القاضي الهيتي في طريق مشهد أبي حنيفة، فأخذت
ثيابه ونعليه وطيلسانه، ووقع من البلغة فوهنت يده، وقيل: إنه ضرب
بالسيف مرات فلم يعمل فيه، بل تقطع كتاب كان في كمه، وقيل: إن الذي فعل
ذلك جماعة من العسكر الخارجين، وقيل: بل حكَم على زنكي فحقد عليه ففعل
به ذلك.
وفي آخر المحرم: وصل ابن رنكي، وخرج الموكب فاستقبله ومعهم قاضي القضاة
والنقيبان، ودخل من باب الحلبة في موكب عظيم، ونزل فقبل العتبة، وقال:
أنا وأبي عبيدهذه الدولة، وما زالت العبيد تجني والموالي تصفح ونحن
بحكم الخدمة في أي شيء صرفنا تصرفنا، وبذل أن يسلم مفاتيح الموصل
وغيرها إلى الخليفة وأن يأتي أي وقت أمر، وبذل الأموال، وقيل: إنه قال:
هذه والدتي وجماعة من النساء رهائن على ذلك، فبعث إليه الإقامة، وأنزل
في الجانب الغربي في دار ابن الحاذوري الملاح.
وفي غرة صفر: وصل رسول دبيس يقول: أنا الخاطىء المقر بذنبه، فمهما تقدم
إلي امتثلته، فمات رسوله فمضى إلى مسعود.
ووصل سديد
الدولة ابن الأنباري من عند سنجر، وكان قد تلقى لما مضى من أربعة
فراسخ، فلما أراد ابن الأنباري أن يخلع على سنجر وعلى أولاد أخيه، قال:
ما أريد أن يكون الخلع إلا في يوم واحد وتبدأ بالاصحاب، وأكون أنا في
الأخير وضرب نوبتية عظيمة خارج البلد، وضرب فيها تخت المملكة، وجلس
وخلع على الأمراء والملوك، ثم صعد ابن الأنباري على التخت فأدى إليه
رسالة الخليفة وسلم إليه المكتوب وهو في خريطة، فقام قائماً ونزل وقبل
الأرض وأعاد فصعد وترك الخريطة على ركبته، وألبس الخلع والتاج والطوق،
ثم نزل سديد الدولة فقدم الفرس بالمركب وهو منعل بالذهب، وقدم مركب
أمير المؤمنين بالسيور الفرس الذي يركبه، فنزل سنجر وقبل حافر الفرس،
وعاد فصعد وجرى ذكر طغرل فقال: أنا أعلم أنه أعقل من مسعود وأصلح لأمير
المؤمنين، ولكني قد وليته ولا أرضى لنفسي أن أتغير، ثم جواب الكتاب،
وقال: أنا العبد المملوك.
وفي ربيع الأول: وصلت هدايا من بكبه من البصرة فيها القنا، وناب الفيل،
وآبنوس، وميس وفي قفصين، طاووسان ذكران وانثيان .
وفي ربيع الآخر: خلع على اثنين وعشرين أميراً من السلاحية، ثم تواترت
الأخبار بتغير مسعود التغير الكلي، وجمع العساكر وأن قصده بغداد فبعث
الخليفة إلى بكبه فوعد بالمجيء، وصل دبيس إلى حلوان ومعه عسكر قد
تقدمهم مسعود في المقدمة، وجمع مسعود العساكر وأقطعهم البلاد والعراق
وعزم على المجيء إلى بغداد وتجهز، فلما سمع الخليفة ذلك بعث مقدمته إلى
المرج، وهم الجاولي شحنة بغداد وكجبه وأرغش، وجماعة من السلاحية في
ألفين وخمسمائة فارس، وقال: تقيمون هناك وتحفظوق الطريق إلى أن أصل
إليكم، وبعث إلى زنكي وكان على باب دمشق قد حاصرها لما قتل تاج الملوك
وولي أخوه وكان صغيراً فطمع فيهم زنكي، فبعثوا إلى الخليفة حملاً
كثيراً، وخطاً بخمسين ألف دينار، وقالوا: ادفع عنا زنكي ونحن نحمل هذ!
في كل عام، فبعث إليه تنح عنهم واخطب للصبي وتعال معه إلى العراق حتى
أخطب له ونتساعد على مسعود، فقال: السمع والطاعة، وخطب للصبي.
وأما حديث مسعود: فإن عمه سنجر بعث بخادم يقول له: هؤلاء الأمراء الذين
معك، وهم: البازدار، وا بن برسق، وقزل، ويرنقش ما يتركونك تبلغ غرضاً
لأنهم عليك لا معك، وهم الذين أفسدوا أمر أخيك طغرل، فإذا وقفت على
المكتوب فابعث إلى رؤوسهم، فأطلعهم على المكاتبة، وقال: لو أردت بكم
سوءاً لفعلت، فقبلوا الأرض، وقالوا الآن علمنا أنك صافي القلب لنا،
فابعث دبيساً في المقدمة فلما انفصلوا عنه قالوا ما وراء هذا خير فيجب
أن نمضي إلى أمير المؤمنين فإن له في رقابنا عهداً، وهذا عقد به الغدر،
فكتبوا إلى أمير المؤمنين إنا قد انفصلنا عن مسعود، ونحن في بلاد ابن
برسق، فإن كان لك نية في الخروج فاخرج فنحن في يديك، وإلا فاخطب لبعض
أولاد السلاطين، ونفذ به حتى نكون معه فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه
فأنا صائر إليكم وتجهز للخروج وبعث سديد الدولة إليهم يطيب قلوبهم
ويعدهم بالإقطاع ويخبرهم أنه في أثره، فلما سمع مسعود بذلك رحل في
جريدة ليكبسهم فانهزموا من بين يديه يطلبون العراق، فأخذ أموالهم ونهب
البلاد وسبقهم سديد الدولة إلى بغداد مخبراً بالحال، فاعتد بالإقامة
والتحف والأموال ليتلقاهم.
ووقعت زلزلة شديدة ثلاث مرات ببغداد في جمادى الآخرة وقت الضحى حتى
تحركت الجدران.
فلما كان يوم السبت حادي عشر رجب تقدم أمير المؤمنين إلى أصحابه
بالخروج، وأخر نوبتيته فضربها عند الثريا وأخرج أصحاب المراتب خيمهم
وانزعج أهل بغداد. وعاد دبيس إلى مسعود فأخبره بخروج المقدمة وبما
الناس عليه، فبعث معه خمسة آلاف فارس لينكبسوا على المقدمة فأتوا على
غفلة فأخذوا خيلهم وأموالهم فأقبلوا عراة ودخلوا بغداد يوم الخميس سادس
عشر رجب، فعرج بهم إلى دار السلطان وحملت لهم الفروش والأواني
والإقامة، وبكر الأمراء الكبار فجاؤا في دجلة إلى بيت النوبة فأكرموا
وخلع عليهم الخلع السنية، وأطلق لهم ثمانون ألف دينار والبرك التام،
ووعد بإعادة ما مضى منهم.
وفي هذا
اليوم: قطعت خطبة مسعود، وخطب لسنجر، وداود واستفتي الفقهاء فيما يقابل
به مسعود على أفعاله فأفتوا بعزله وقتاله فلما كان يوم الأحد أخرج
الكوس والعلم والرحل، فلما كان يوم الإثنين خرج أمير المؤمنين من باب
البشرى، وركب في الماء ونزل الناس بالسفن وأحاط بالسفينة التي فيها
أمير المؤمنين الأمراء والخدم بالسيوف المجذبة، وكان في سفينة البازدار
على صدر السفينة بيده سيف مجذوب وقزل بين يديه بسيف مجذوب والجاولي
وإقبال والخواص، وصعد عند الدكة فركب ومشى الناس كلهم بين يديه إلى أن
دخل السرادق، وكان قريباً من فرسخ لأنه كان عند رؤوس الحيطان، وكان
العوام يضجون بالدعاء ويؤبون منه، فإذا همَّ الغلمان بمنعهم نهاهم أمير
المؤمنين عن المنع، ثم رحل يوم الخميس ثامن شعبان في سبعة آلاف فارس،
وكان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس، وكان أصحاب الأطراف
يكاتبون أمير المؤمنين ويبذلون له طاعتهم فتريث في طريقه فاستصلح مسعود
أكثرهم حتى صار في نحو خمسة عشرألفاً، وتسلل جماعة من أصحاب المسترشد
فبقي في نحو من خمسة ألاف، ونفذ إليه زنكي نجدة فلم تلحق، وأرسل داود
بن محمود وهو بأذربيجان رسلاً يشير بالميل إلى دينور ليوافي داود وابن
محمد الخدمه، فلم يفعل المسترشد.
وضرب المصاف يوم الإثنين عاشر رمضان، فلما التقى الجمعان هرب جميع
العسكر الذين كانوا مع المسترشد، وكان ميمنته البازدار، وقزل، ونور
الدولة شحنة همذان، فحملوا على عسكر مسعود فهزمهم ثلات فراسخ، ثم عادوا
فرأوا الميسرة قد غدرت، فأخذ كل واحد منهم طريقاً وأسر المسترشد
وأصحابه وأخذ ما كان معه من الأموال، وكانت صناديق المال على سبعين
بغلاً أربعة ألاف ألف دينار، وكان الرحل على خمسة آلاف جمل وأربعمائة
بغل، وكان معه عشرة آلاف عمامة وبركان وعشرة آلاف قباء وجبة ودراعة،
وعشرة آلاف قلنسوة مذهبة، وثلاثة آلاف ثوب رومي وممزوج ومعنبر ودبيقي
ومضى من الناس ما قدروه بعشرة آلاف دينار سوى الخيل والأثاث، ونادى
مسعود في عسكره المال لكم والدم لي فمن قتل أقدته، ولم يقتل بين الصفين
سوى خمسة أنفس غلطاً، ونادى من أقام بعد الوقعة من أصحاب الخليفة ضربت
عنقه، فهرب الناس فأخذوا بين الجبال أخذتهم التركمان والأكراد، ومنهم
من أفلت عرياناً، فوصلوا إلى بغداد وقد تشققت أرجلهم من الجبال
والصخور، وبقي الخليفة في الأسر، فأما وزيره ابن طراد وصاحب مخزنه ابن
طلحة، وقاضي القضاة الزينبي ونقيب الطالبيين وابن الأنباري فإنه بعث
بهم إلى القلعة وبعث ببكبه شحنة إلى بغداد ومعه كتاب الخليفة إلى أستاذ
الدار، يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والحمد لله رب
العالمين ليعتمد الحسن بن جهير مراعاة الرعية والاشتمال عليهم وحمايتهم
وكف الأذى عنهم، فقد ظهرمن الولد غياث الدنيا والدين متع الله به في
الخدمة ما صدق به الخدمة فليجتمع، وكاتب الزمام وكاتب المخزن على إخراج
العمال إلى نواحي الخاص لحراستها فقد نذب من الجناب الغياثي هذا شحنة
لذلك وليهتم بكسوة الكعبة فنحن في أثر هذا المكتوب إن شاء الله.
فلما كان يوم عيد الفطر نفر أهل بغداد ووثبوا على الخطيب وكسروا المنبر
والشباك ومنعوا من الخطبة، وخرجوا إلى الأسواق يحثون على رؤوسهم التراب
ويبكون ويصرخون، فاقتتل أصحاب الشحنة والعوام، وخرج النساء حاسرات
يندبن في الأسواق وتحت التاج، وكان الشحنة قد عزم أن يجوز في الأسواق،
فاجتمع العوام على رجمه وهاشوا فاقتتل أصحاب الشحنة العوام، فقتل من
العوام مائة وثلاثة وخمسون، وهرب أبو الكرم الوالي، وحاجب الباب إلى
دار خاتون، ورمى أصحاب الشحنة الأبواب الحديد التي على السور، وفتحوا
فيه فتحات، وأشرفت بغداد على النهب، فنادى الشحنة: لا ينزل أحد في دار
أحد ولا يؤخذ من أحد شيء، وإنما جئنا لنصلح، وإن السلطان سائر إلى
العراق بين يدي أمير المؤمنين وعلى كتفه الغاشية، فسكن الناس وطلب
السلطان من أمير المؤمنين نظر الخادم فأنفذ فأطلقه وبعثه إليه، واختلف
الأراجيف، فقوم يقولون: إن السلطان ينتظر جواب عمه سنجر، وقوم يقولون:
يصل عن قليل، وقوم يقولون: إن داود قد عزم على قتال مسعود واستنقاذ
الخليفة منه فسار مسعود إلى داود إلى باب مراغة وأخذ الخليفة معه.
وزلزلت
بغداد مراراً لا أحصيها، وكان مبتدأ الزلازل يوم الخميس حادي عشر شوال،
فزلزلت يومئذ ست مرات ودامت كل يوم خمس مرات أو ست مرات إلى ليلة
الجمعة سابع عشرين شوال، ثم ارتجت يوم الثلاثاء النصف من الليل حتى
تفرقعت السقوف، وانتثرت الحيطان، وكنت في ذلك الزمان صبياً، وكان نومي
ثقيلاً لا أنتبه إلا بعد الإنتباه الكثير فارتج السقف تحتي وكنت نائماً
في السطح رجة شديدة حتى انتبهت منزعجاً، ولم تزل الأرض تميد من نصف
الليل إلى الفجر والناس يستغيثون.
ثم أن الشحنة والعميد عطلا دار الضرب وعملا دار ضرب عندهم بسوق العميد
ودار الشحنة، وقبضوا على ابن طوق عامل الجاولي ونفذوا إلى ابن الحاجب
ضامن العقار، فقالوا: تجبي العقار وتسلمه إلينا، وقبضوا على ابن الصائغ
متولي التركات الحشرية، وقالوا: نريد ما حصل عندك من التركات، وعوقوا
قرى ولي العهد وختموا على غلاتها. فأفتك ذلك منهم بستمائة دينارحتى
أطلقوها، وجاء تمر كثير للخليفة فبيع فأخذ العميد والشحنة الثمن،
وتفاقم الأمر واستسلم الناس وانقطع خبر العسكر.
فلما كان يوم الثلاَثاء مستهل ذي القعدة وصل خمسمائة وعشرون ركابياً
معهم خط أمير المؤمنين إلى ولي العهد بوصول رسول سنجر إلى مسعود يقول
فيه: ساعة وقوف الولد العزيز غياث الدنيا والدين مسعود على هذا المكتوب
يدخل على أمير المؤمنين أعز اللّه أنصاره ويقبل الأرض بين يديه ويقف
ويسأله العفو عنه والصفح عن جرمه وإقدامه ويتنصل غاية التنصل، فإنه قد
ظهرت عندنا من الآثار السمائية والآرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها
دون المشاهد من الرياح العواصف والبروق الخواطف وتزلزل الأرض ودوام ذلك
عشرين يوماً، وتشويش العساكر وانقلاب البلدان، ولقد خفت على نفسي من
جانب الله تعالى وظهور آياته وجانب المخلوقين والعساكر وتغيرهم علي،
وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع، وكسر المنابر، ومنع الخطباء ما
لاطاقة لي بحملها، فاللهّ اللّه تتلافى أمرك وتحقن دم المسلمين، وتعيد
أمير المؤمنين إلى مستقر عزه، وتسلم إليه دبيساً ليرى فيه رأيه، فإنه
هو الذي أحوج أمير المؤمنين إلى هذا وأحوجنا أيضا نحن إلى مثل هذا،
وعجل ولا تتأخر وتعمل له البرك وتنصب له السرادق وتضرب له التخت وتحمل
له الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء كما جرت عادتنا وعادة ابائنا في
خدمة هذا البيت.
فلما وقف على هذا المكتوب نفذ بالوزير شرف الدين أنوشروان ومعه نظر،
فاستأذنا له فأذن له فدخل وقبل الأرض بين يديه ووقف معتذراً متنصلاً
يسأل العفو والصفح عن جرمه، وأمير المؤمنين مطرق ساعة، ثم رفع رأسه
فقال: قد عفي عن ذنبك فاسكن إلى ذلك وطب نفساً، وكان قدضرب له السرادق
فضرب له فيه سدة عالية ليجلس عليها، فقدم له فرساً لم يكن عند مسعود من
خيل أمير المؤمنين اللاتي أخذت سواه، وأقسم إنني لم يصل عندي من خيل
أمير المؤمنين سواه، وسأله الركوب إلى السرادق الذي قد ضرب له، فنهض
وركب وسار وبين الموضعين نصف فرسخ ومسعود بين يديه على كتفه الغاشية
يحملها ويده في يازكة اللجام، وجميع الأمراء يمشون بين يديه إلى أن دخل
السرداق وجلس على التخت الذي ضرب له، ووقف السلطان بين يديه والأمراء
زمناً طويلاً، ثم إنه تقدم بالجلوس فأبى، ثم سأل أمير المؤمنين أن
يشفعه في دبيس فأجابه إلى ذلك، فجاءوا به مكتوفاً بين أربعة أمراء
اثنان من جانب واثنان من جانب واثنان من جانب ويداه مكتوفتان، ومع أحد
الموكلين سيف مجذوب، وبيد الآخر شقة بيضاء فرموا به بين يدي السرير،
وألقى السيف والشقة البيضاء عليه، وقالوا: كذا أمرنا أن نفعل به.
فقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا هو السبب الموجب لما جرى بيننا، فإذا
زال السبب زال الخلاف، وهو الآن بين يديك فمهما تأمر يفعل به. وهو
يتضرع ويبكي بين يدي السرير، ويقول: العفو عند المقدرة، وأنا أقل من
هذه الحال، فعفا عنه، وقال: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم "
وتقدم بحل يديه وسأل دبيس السلطان أن ينعم عليه أمير المؤمنين بتقبيل
يده فأخذها وقبلها وأمرها على صدره ووجهه ونحره، وقال: يا أمير
المؤمنين بقرابتك من رسول الله إلاما عفوت عني وتركتني أعيش في الدنيا
عيشاً هنيئاً فإن الذل والخوف منك قد أخذ مني بالحظ الأوفر، فأجابه إلى
ذلك.
وأما بكبه
الشحنة فإنه أقام رجالاً لنقض سور بغداد، وقال: قد ورد منشور بذلك
فنقضت مواضع كثيرة، وكلف أهل الجانب الغربي الإجتماع على نقضه، وقال:
أنتم عمرتموه بفرح فانقضوه كذلك، وضربت لهم الدبادب وجعلوه طريقاً لهم،
وأعادوا الباب الحديد الذي أخذ من جامع المنصور إلى مكانه.
فلما أهل هلال في القعدة وصل رسول سنجر يستحث مسعوداً على إعادة
الخليفة إلى بغداد ووصل معه عسكر عظيم ووصل إلى سبعة عشر من الباطنية،
فذكر بعض الناس أنه ما علم أنهم معه، والظاهر خلاف ذلك وأنهم دبروا في
قتله وأفردوا خيمة من خيمهم، فخرج السلطان ومعه العسكر ليلقى الرسول
فهجمت الباطنية على أمير المؤمنين فضربوه بالسكاكين إلى أن قتلوه
وقتلوا معه جماعة من أصحابه، منهم أبو عبد اللّه بن سكينة، وذلك في يوم
الخميس سابع عشر ذي القعدة فركب العسكر وأحاط بالسرادق، وخرج القوم وقد
فرغوا فقتلوا، وقيل إنهم أحرقوا، وجلس السلطان للعزاء ووقع النحيب
والبكاء، وكان ذلك على باب مراغة، وغطي بسندسه إلى أن دفن بمراغة.
ووصل الخبر إلى بغداد ليلة السبت سادس عشرين من الشهر فاحترس الراشد
وقبض على جماعة من أهله وأخوته، فوقع البكاء والنحيب وأغلق البلد،
وكشطت البواري التي على باب النوبي، ونقض بعض دكة حاجب الباب، وأحضر
الناس طول الليلة للمبايعة، وبات أستاذ الدار ابن جهير وصاحب الديوان
أبو الرضا وحاجب الباب ابن الحاجب في صحن السلام، وكان الانزعاج في
الدار طول الليل، فلما أصبحوا وقع البكاء والنحيب في البلد، وخرج
الرجال حفاة مخرقين الثياب والنساء منشرات الشعور يلطمن، وينظمن
الأشعار التي من عادتهن قول مثلها في أحيان اللطم، وأشعار النساء
البغداديات اللاتي ينظمنها في وقت اللطم طريفة المعنى، وإن كانت على
غير صواب اللفظ، وكان مما لطمن به أن قلن:
يا صاحب القضيب ونور الخاتم ... صار الحريم بعد قتلك مأتم
اهتزت الدنيا ومن عليها ... بعد النبي ومن ولي عليها
قد صاحت البومة على السرادق ... يا سيدي ذا كان في السوابق
ترى تراك العين في حريمك ... والطرحة السودا على كريمك
وقعد الناس للعزاء في الديوان ثلاثة أيام، وتولى ذلك ناصح الدولة ابن
جهير وأبو الرضا صاحب الديوان، وحاجب الباب ابن الصاحب.
فلما كان في اليوم الثالث تقدم إلى الناس أن يعبروا بباب المسنية
ويلبسوا ثياب الهناء ويحضروا البيعة بباب الحجرة، فحضروا يوم الإثنين
سابع عشرين ذي القعدة.
باب ذكر خلافة الراشد بالله
واسمه منصور، ويكنى أبا جعفر بن المسترشد، عهد إليه أبوه، وقيل إنه هم
بخلعه فلم يقدر ذلك، وكان ببغداد حين قتل المسترشد بباب مراغة فكتب
السلطان مسعود إلى الشحنة الذي من قبله ببغداد واسمه بكبه أن يبايع
الراشد، فجاء أصحابه كالعميد والضامن، وجرت مراسلات ليدخل إلى الدار
فاستقر أن يقوم من وراء الشباك مما يلي الشط، وجلس الراشد في المثمنة
التي بناها المقتدي في الشباك الذي يلي الشط، وبايعه الشحنة من خارج
الشباك، وذلك يوم الإثنين سابع عشرين من هذا الشهر بعد الظهر، وحضر
الخلق من العلماء والقضاة والشهود والجند وغيرهم وظهر للناس، وكان أبيض
جسيماً يشوبه حمرة مستحسناً، وكان يومئذ بين يديه أولاده وأخوته، وسكن
الناس ونودي في الناس أن لا يظلم أحد أحداً، وأن يؤمر بالمعروف وينهى
عن المنكر، ومن كانت له مظلمة فليشكها إلى الديوان النبوي، وفتح باب
المخزن الذي سد، وسكن الناس إلا أن النقض في السور واستيفاء الارتفاع
من البلدان والتصرف القبيح من غير معترض.
فلما كان يوم الأربعاء تاسع عشرين من ذي القعدة نادى أصحاب الشحنة أن
يدعى الناس من المظالم إليهم فارتابت قلوب الناس لذلك، وانزعجوا في
ثاني ذي الحجة، وأقيمت الدعوة والخطبة بالجوامع، ومضى إلى كل جامع حاجب
وخادم. وأتراك، وأقاموا الخطبة للراشد، ونثرت الدنانير وجلس ابن المطلب
وابن الهاروني في المخزن ينظران نيابة، وجلس أبو الرضا بن صدقة في
الديوان نيابة، وكان حاجب الباب ابن الصاحب في الباب لم يتغير.
فلما كان
يوم الإثنين خامس ذي الحجة حضر الناس ببيت النوبة، وجلس الراشد وسلم
إلى حاجب الباب إنهاء فأخذه ونهض قائماً فقرأه، وكان فيه: بسم الرحمن
الرحيم لما أجل الله محل أنبيائه وجعله نائباً عنه في أرضه آمراً في
سمائه وارتضاه خليفة على عباده وعاملاً بالحق في بلاده تقدم بتصفح ما
كان يجري على أيدي النواب في الأيام المسترشدية سقاها اللّه رحمة
مستهلة السحاب وما عساه كان يتم من أفعالهم الذميمة فوقف من ذلك على
سهم المطالبة بغير حق فاقتضى رأيه الشريف التقدم برفع المطالبة عنهم،
وأبرز كل ما وجد وأوعز برده على أربابه ليحظى الإمام الشهيد بزلفى
ثوابه، وليعلم الخاصة والعامة من رأى أمير المؤمنين إيثاره رضا الله
سبحانه.
وأخرج من باب الحجرة أكياس فيها حجج الناس ووثائقهم وما كتب عليهم وما
أخذ منهم فأعيد على أربابه، وشهد الشهود على كل منهم أنه قد أبرأ أمير
المؤمنين مما يستحقه في ذمته، وتقدموا إلى خازن المخزن بإخراج ما عنده
من الوثائق، فانصرف الناس يدعون لأمير المؤمنين ويترحمون على الماضي،
وكان المتولي لقراءة الكتب وتسليمها إلى أربابها كثير بن شماليق.
ثم حضر الناس يوم الخميس وجرت الحال كذلك، وحضر يومئذ القاضي ابن كردي
قاضي بعقوبا فتظلم، وكانت له هناك وثائق وقال: ما ظلمني إلا ابن
الهاروني، وأن أمير المؤمنين لم يأخذ مني شيئاً، فكتب صاحب الخبر بذلك،
فخرج الإنهاء بعزله، وقال الراشد: هذا القاضي قد كذب وفسق فإن المسترشد
كان يأمر ابن الهاروني.
فلما كان يوم الجمعة تاسع ذي الحجة صلي على المسترشد في بيت النوبة،
ونودي في بغداد بالصلاة عليه، فحضر الناس فلم يسعهم المكان، وأم الناس
الراشد، وخرج الناس في العيد على العادة وتكاثر البكاء على المسترشد
عند رؤية الأعلام والموكب.
وفي يوم الإثنين حادي عشر ذي الحجة: قلد ابن جهير الوكالة وصاحب
المخزن، وجعل ابنه أستاذ الدار.
ووصل يوم الإثنين ابن أخت دبيس في جمع، ودخل على الخليفة مبايعاً
ومعزياً، وقعد ابن النرسي في المخزن يفرق على الناس الذهب عوضاً عن
مشاهراتهم من الطعام، لأنه لم يكن في الخزائن طعام، وفي هذه الأيام مضى
إلى زيارة علي ومشهد الحسين رضي الله عنهما خلق لا يحصون وظهر التشيع.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر، أبو المظفر بن أبي بكر الفقيه
الشاشي تفقه على أبيه، وسمع واخترمته المنية قبل زمان الرواية.
وتوفي في رجب هذه السنة، ودفن في داره برحبة الجامع.
إسماعيل بن عبد الملك بن علي، أبو القاسم الحاكمي سمع بنيسابور من أبي
حامد الأزهري، وأبى صالح المؤذن وغيرهما وتفقه على أبي المعالي
الجويني، وبرع في الفقة، وكان ورعاً، وكان رفيق أبي حامد الغزالي، وكان
أكبر سناً من الغزالي، وكان الغزالي يكرمه ويخدمه.
وتوفي بطرسوس في هذه السنة، فدفن إلى جانب الغزالي.
ثابت بن منصور بن المبارك، أبو العز الكيلي سمع الكثير وكتب الكثير،
وروى عن أبي محمد التميمي، وأبي الغنائم بن أبي عثمان، وعاصم. ووقف
كتبه قبل موته. وتوفي في هذه السنة، وقيل في السنة التي قبلها.
دبيس بن صدقة بن منصور بن ديس بن علي بن مزيد، أبو الأغر الأسدي كان
أبوه يحفظ الذمام، فلما ولي المسترشد مضى إليه الأمير أبو الحسن ظناً
أنه على طريقة أبيه فأسلمه وجرت له وقائع مع المسترشد بالله، وكان ينهب
القرى ويزعج البلاد، وقد سبق ذكر أفعاله، فلما قتل المسترشد عزم دبيس
على الهرب ووجد له ملطفة قد بعثها إلى زنكي يقول له: لا تجىء واحتفظ
نفسك، فبعث إليه السلطان غلاماً أرمنياً من سلاحيته، فوقف على رأسه وهو
ينكت الأرض بإصبعه فما أحس به حتى ضربه ضربة أبان بها رأسه، وقيل: بل
قتل بين يدي السلطان، وذلك في حادي عشرين ذي الحجة، وكان بين قتل
المسترشد وقتله ثمانية وعشرون يوماً.
طغرل بن محمد بن ملك شاه توفي بباب همذان يوم الأربعاء ثالث محرم هذه
السنة.
علي بن الحسن بن الدرزيجاني
كان شديد
الورع كثير التعبد، وجرت مسألة المستحيل هل يدخل تحت القدرة، فقال:
يدخل، فأنكره شيخنا أبو الحسن الزاغوني عليه، وجرت بينهما ملاعنات،
وبلغ الأمر إلى الديوان وكان لقلة علمه يظن أن المستحيل يتصور، وأن
القدر يعجز عنه، والعجب ممن يدخل نفسه في شيء ليس من شغله.
توفي يوم الأحد حادي عشر ربيع الآخر، وصلي عليه في جامع المنصور، وتبعه
خلق كثير إلى مقبرة باب حرب، فدفن هناك.
الفضل أبو منصور المسترشد باللّه أمير المؤمنين كان له همة عالية
وشجاعة وإقدام، وكان يباشر الحروب، وقد ذكرنا حروبه وما يدل على شجاعته
وما آل أمره إليه من هجوم الباطنية عليه وقتلهم إياه في يوم الخميس
سابع عشر ذي القعده على باب مراغة، وهناك دفن، ووصل الخبر إلى بغداد
ليلة السبت سادس عشرين هذا الشهر فقعد له للعزاء به ثلاثة أيام، وكان
عمره خمسة وأربعين سنة وشهوراً، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وثمانية
أشهر وأياماً.
محمد بن محمد بن يوسف، أبو نصر القاساني من أهل مرو، وقاسان بالسين
المهملة قرية من قرى مرو، ولد سنة أربع وخمسين وأربعمائة، وسمع الحديث
من جماعهَ وتفقه وأفتى وحدث، وكان غزير الفضل عفيفاً ورعاً، ورد بغداد
حاجاً بعد الخمسمائة. وتوفي في محرم هذه السنة.
ثم دخلت
سنة ثلاثين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها أن الراشد خلع على بكبه الشحنة خلعه تامة وعلى العميد
وذلك يوم السبت غرة المحرم ووصل الخبر بقتل دبيس فتعجب من تقارب موت
المسترشد وقتل دبيس، وتفكروا في أن قتل المسترشد كان سبب قتله، لأنهم
إنما كانوا يتركونه ليكون في وجه المسترشد.
وفي ثامن عشر المحرم وصل عفيف بجند، ووصل يرنقش الزكوي بجند، وقال
لأميرالمؤمنين: اعلم أنه قد جاء في أمور صعبة منها أنه مطالب بخط كتبه
المسترشد لمسعود ليتخلص بمبلغ هو سبعمائة ألف دينار، ومطالب لأولاده
صاحب المخزن بثلاتمائة ألف، ومقسط على أهل بغداد خمسمائة ألف، وذلك من
الأمور الصعبة. فلما سمع الراشد بذلك استشار أرباب الدولة فأشاروا عليه
بالتجنيد، فكتب الخليفة إلى يرنقش: أما الأموال المضمونة فإنما كانت
لإعادة الخليفة إلى داره سالماً وذلك لم يكن، وأنا مطالب بالثأر، وأما
مال البيعة فلعمري إلا أنه ينبغي أن تعاد إلى أملاكي وإقطاعي حتى
لِتصور ذلك، وأما ما تطلبونه من العامة فلا سبيل إليه وما بيننا إلا
السيف.
ثم أحضر الشحنة وخلع عليه وأعطاه ثلاثهَ آلاف دينار، وقال: دون بهذه
عسكرا وجمع العساكر وبعث إلى يرنقش يقول له: قد علمنا في أي أمر جئت،
وقد كنا تركنا البلد مع الشحنة والعميد ولم نعارضهما فلما جئت أنت بهذه
الأمور الصعبة فما بيننا وبينك إلا الممانعة، وانزعج أهل بغداد وباتوا
تحت السلاح وحفظ أهل البلد، ونقل الناس إلى دار الخليفة ودار خاتون،
وقيل للخليفة: أنهم قد عزموا على كبر البلد وقت الصلاة فركب العسكر،
وحفظ الناس البلد، وقطع الجسر وحمل إلى باب الغربة وجرىَ في أطراف
البلد قتال شديد ثم أصبح العسكر قد انقشعوا عن البلد، وأصبح الناس
يتشاغلون بعمارة السور.
وفي مستهل صفر: وصل زنكي ويرنقش البازدار وإقبال وإياز صاحب محمود
وعليهم ثياب العزاء، وحسنوا للراشد الخروج فأجابهم، واستوزر أبا الرضا
ابن صدقة واجتمعوا على حرب مسعود، وجاء داود بن محمود بن محمد وأقام
بالمزرفة.
فلما كان يوم الثلاثاء رابع صفر دخل داود دار المملكة، وأظهر العدل
فبعث الراشد أرباب الدولة إليه ومعهم هدية، فقام ثلاث مرات يقبل الأرض.
ووصل صدقة بن دبيس في ثاني عشر صفر، وقبل الأرض بازاء التاج، وقال: أنا
العبد ابن العبد قد جئت طائعاً لأمير المؤمنين، وكان ابن خمس عشرة سنة.
فلما كان
يوم الجمعة رابع عشر صفر: قطعت خطبة مسعود وخطب لداود، وقبض على إقبال
الخادم ونهب ماله وانزعج العسكر لأجله ونفذ زنكي، وقال: هذا جاء في
صحبتي وبقولي ولا بد من الإفراج عنه. ووافقه على ذلك البازدار، وغضب
كجبه فمضى إلى زنكي فرتب مكانه غيره واستشعر كله وخافوا، وجاء أصحاب
البازدار فخربوا عقد السور وأشرف البلد على النهب وغلا السعر، وجاء
زنكي فضرب بإزاء التاج، وسأل في إقبال سؤالاً تحته إلزام، فأطلق فخرج
يوم الاثنين من باب العامة وعلى رأسه قلنسوة كبيرة سوداء وعليه فروة في
زي المكارية ة فمضى إلى زنكي فوقعت الصيحة في الدار، وأخذ أستاذ الدار
والبوابون ووكل بهم، وقيل: كيف جرى هذا.
وكان السلطان مسعود قد أفرج عن أرباب الدولة، وهم: الوزير علي بن طراد،
وابن طلحة، وقاضي القضاة، ونقيب الطالبيين أبو الحسن بن المعمر، وسديد
الدولة ابن الأنباري، فأما النقيب فتوفي حين حط من القلعة، وأما قاضي
القضاة فانحدر إلى يغداد، فدخل على غفلة وأقام الباقون حتى ورعوا مع
مسعود الى العراق.
وكان قبض الراشد على أستاذ داره أبي عبد الله بن جهير، وقيل إنه وجدت
له مكاتبات إلى دبيس، فقوي استشعار الناس وخافوا من الراشد.
وفي يوم الخميس ثاني عشر ربيع الأول مضى الموكب إلى زنكي، وعاد سوى
الوزير وصاحب الديوان، فمن الناس من يقول: قبض عليهما، ومنهم من يقول:
إنه خلا بهما وعنفهما، وقال: ما هذا الرأي؟ فقال أبو الرضا ما يقبل مني
والآن فقد استجرت بك فما لي رأي في العود، فقال اجلس فأنت آمن على نفسك
ومالك، ثم نفذ زنكي إلى الراشد يقول: أريد المال الذي أخذ من إقبال،
وهو دخل الحلة، وذاك مال السلطان ونحن نحتاج إلى نفقة، وتردد القول في
ذلك ثم نفذ الراشد الى ابن صدقة: كل ما أشير به يفعل ضده، وقد كان هذا
الخادم إقبال بإزاء جميع العسكر وأشرت أن لا يقبض عليه، فما قبل وأنا
لا أوثر أن تتغير الدولة وينسب إلي فان هذا الملعون ابن الهاروني قصده
إساءة السمعة وهلاك المسلمين وهوالسبب في جميع ما جرى. فقبض على ابن
الهاروني يوم الخميس ثامن عشر ربيع الاول، وجاء رسول زنكي فلقي الخليفة
وشكا، مما جرى من ابن الهاروني وتأثيراته في المكوس والمواصير، وقال:
الخادم يسأل أن يسلم إليه ليتقرب الى اللّه بدمه، فقال له: ندبر في
ذلك، ثم تقدم في بكرة الأحد حادي عشرين الشهر إلى أبي الكرم الوالي
باقتله، فقتل في الرحبة وصلب على خشبة قصيرة ومثل به العوام، فلما جن
الليل أخذه أهله وعفوا أثره، وظهرت له من الأموال والأثاث وأواني الذهب
والفضة أمر عظيم، ووصل إلى الخليفة من ماله مائتا ألف وكانت له ودائع
عند القضاة والتجار.
وفي ثاني ربيع الاخر: قطعت جميع أموال الوكلاء، وكان السبب أن زنكي طلب
من الخليفة مالاً يجهز به العسكر ليحدرهم إلى واسط، فقال الخليفة:
البلاد معكم وليس معي معيء فأقطعوا البلاد، ثم استقر أن يدفع إلى زنكي
ثلاثين ألفاً مصانعة عن البلاد ويرد إليهم.
وفي سادس
عشر هذا الشهر: بات الحرس تحت التاج يحفظونه استشعاراً من زنكي، ثم إن
زنكي أشار على ابن صدقة أن يكون وزير داود، فأجاب فخلع عليه وولي أبو
العباس بن بختيار المانداني قضاء واسط، واستوثق زنكي باليمين من
الراشد، ثم جاء فعاهده وقبل يده وبعث الخليفة إلى أبي الرضا بن صدقة،
فأشار عليه بالعود فجاء ففوض الأمور كلها إليه، ثم تقدم إلى السلطان
داود خمسمائة والأمراء إلى قتال مسعود، وهم: ألبقش، وزنكي، والبازدار،
وبكبه، فساروا فوصلهم الخبر أن مسعوداً رحل يطلب العراق، فبعث الراشد
فرد الامراء والسلطان وضرب نوبتيته واستحلفهم، وقال: أريد أن أخرج
معكَم، وكان ذلك في يوم الثلاثاء ثاني عشرين شعبان، فلما كان يوم
الأربعاء سلخ شعبان خرج الراشد فركب في الماء وصعد مما يلي باب
المراتب، وسار الناس بين يديه حتى نزل السرادق ثم جدد اليمين على
الأمراء؟ فلما كان بعد يومين أشار عليه زنكي بأن يضرب عند جامع السلطان
على دجلة ففعل فلما كان عشية الأحد رابع رمضان جاء جاسوس لزنكي ، فقال:
قد عزم القوم على الكبسة، فرحل هو وأصحابه والخليفة، وضِربوا داخل
السور، وخرج هو في الليل جريدة سبعة آلاف ليضرب عليهم، فرحلوا عن ذلك
المنزل وأصبح الناس على الخوف وتسلح العامة وعملوا في السور، وكان
الأمراء ينقلون اللبن. على الخيل منهم البازدار وبكبه وهما نقضاه،
وجاءت ملطافات إلى جميع الأمراء من مسعود فأحضروها جميعاً وجحد ذلك
شحنة بغداد، وكتب جوابها إلى مسعود فأخذه زنكي فغرقة.
وفي يوم الخميس ثامن رمضان: أخرجوا من دار الخليفة مصراعين حديداً،
فحملت على العجل إلى هناك ونصبت على باب الظفرية في السور، فلما كان
عشية الأحد حادي عشرين رمضان مضى من أصحاب مسعود جماعة فنزلوا قريباً
من المزرفة، فعبر إليهم زنكي فهربوا.
فلما كان يوم الاربعاء جاء عسكر كثير إلى باب السور، فخرج إليهم رجالة
وخيل. ووقع القتال وجاء جماعة من الامراء من عند مسعود إلى الخليفة
يستأمنون فقبلهم وخلع عليهم، وكان زنكي لا يستخدمهم، ويقول: استريحوا
من تعبكَم حتى ينقضي هذا البيكار.
وفي عشرين رمضان: وصل رسول من عند مسعود يطلب الصلح، يقول: أنا الخادم،
فقرئت الرسالة على الأمراء فأبوا إلا المحاربة، وكثر العيارون وأخذوا
المال قهراً، وجلسوا في المحال يأخذون من البزازين.
وبكر الناس لصلاة العيد مستهل شوال إلى جامع القصر، ولم يخرج موكب كما
جرت العادة بل عيدوا داخل السور موضع المخيم بلى أن الطبول ضربت كما
جرت العادة داخل الدار وعلى باب الدار ليلة العيد، وعيد كل انسان في
مخيمه، وعيد الخليفه على باب السراق، وكان الخطيب ابن التريكَي، ونفذ
إلى كل أمير ما يخصه من المأكوك من غير أن يمدوا سماطاً.
ووصلَ في هذا اليوم أصحاب مسعود إلى الرصافة فدخلوها ودخلوا الجامع
فكسروا ابوابه ونهبوا ما كان فيه من رحل المجاورين وكسروا شبابيك الترب
وبالغوا في الفساد.
وفي يوم السبت ثاني شوال: وقع بين أهل باب الأزج والمأمونية وقتل منهم
ثلاثة، ثم كثر فساد العيارين ففتكوا وقتلوا حتى في الظفرية، ودخلوا إلى
دكاكين البزازين يطالبونهم بالذهب ويتهددونهم بالقتل فرتب شحنه بغداد،
ونصبت شحنات بالمحال، ورتب على كل محلة شحنة، وأقيم له نزل على أهل
المحلة فضجوا وقالوا: ما برحنا من العيارين.
وفي يوم الاثنين رابع شوال: جاء مسعود في خمسة آلاف فارس على غفلة،
وخرج الناس للقتال. وفي ثاني عشر شوال: صلب اثنان في درب الدواب من
العيارين بسبب أنهما جبيا الدرب. وفي ثامن عشره: سد على باب السور الذي
على باب السلطان بآجر وطين، وكان السبب أن العسكر خرجوا يطاردون فغدر
منهم جماعة ومضوا إلى مسعود.
وفي تاسع عشره: قبض على ابن كسبرة، وأخذ أخذة هائلة، ووكل به، وكبس
بيته وأثبت جميع ما فيه، فلما كانت ليلة الأربعاء أخرج وقت ضرب الطبل،
ونصبت له خشبة في الرحبة، وأخذ مع امرأة مسلمة كان يتهم بها وكانت
مستحسنة، فجيء بحلة من قصب وجعلت المرأة فيها وضربها النفاط بالنار
فاحترقت الحلة، وخرجت المرأة هاربة عريانة، فعفي عنها وقد نالها بعض
الحريق، وقدم هو ليقتل وقيل للقاتل: اعرض عليه الاسلام، فقال: أخشى أن
أقتل بعد ذلك، فأسلم فآمنوه.
وجاء
ركابي لزنكي فأخذه العيارون فقتلوه فشكا ذلك زنكي، وقال: أريد أن أكبس
الشارع والحريم على العيارين فأطلق في ذلك فنهب الشارع والحريم وأخذ ما
قيمته خمسمائة ألف دينار من الابريسم والثياب والذهب والفضة والمصاغ،
وكان فيه ودائع أهل حنيفة والرصافة والمحال والقرى.
وفي غرة ذي القعدة: أحضر الغزنوي فنصب له منبر فتكلم عند السرادق وكان
السبب ضيق صدر وجده أمير المؤمنين، واستغاث الناس ليطلقوا في الخروج،
فقيل لهم ينبغي أن تصرفوا نفقاتكم إلى الجهاد بين يدي أمير المؤمنين،
ونفذ مسعود عسكرا إلى واسط فأخذها والنعمانية فنهبها وضرب بقاع جازر،
فمضى البازدار فجلس بإزائه ونفذ الراشد العساكر، ومضى سيف الدولة يطلب
الحلة، ونودي لا يبقى ببغداد من العسكر أحد، فرحل الناس وخرج الراشد
فضرب بصرصر واستشعر بعض العسكر من بعض، فخشي زنكي من ألبقش والبازدار
فعاد إلى ورائه، فرجعِ أكثر العسكر منهزمين، ودخل الراشد بغداد وقيل إن
السلطان مسعوداً كاتب زنكي سراَ وحلف أنه يقاره على بلاده وعلى الشام
جميعه، وكاتب الامراء، وقال: من منكم قبض على زنكي وقتله أعطيته بلاده
فعرف زنكي ذلك فأشارعلى الراشد أن يرحل صحبته.
وفي ثاني في القعدة: قبض على أستاذ الدار ابن جهير، وعلى صاحب المخزن،
وعلى خليفة الدويتي وعلى ابن وفيه الناظر في نفقة المخزن، وخلع على
منكوبرس، ثم جلس أبو الفتوح بباب السرادق، فاستغاث إليه الحاج فأجيبوا
بمثل ما قيل لهم قبل ذلك.
فلما كانت ليلة السبت رابع عشر ذي القعدة خرج الخليفة من باب البشرى
وسار ليلاً وزنكي قائم ينتظره فدخل دار يرنقش، ولم ينم الناس وأصبحوا
على خوف شديد، فأخرجت خاتون أصحابها فحفظت باب النوبي، وظهر أبو الكرم
الوالي وحاجب الباب، فسكنوا الناس، وخرج أبو الكرم ، يطلب الخليفة فأخذ
وحمل إلى مسعود، فأطلقه وسلم إليه البلد.
ورحل الراشد يوم السبت حين طلعت عليه الشمس ولم يصحبه شيء من آلة السفر
لأنه لما بات في دار يرنقش أصبحوا، فقال لهم: اليوم مقام فاقضوا
أشغالكم، فعبر ريحان الخادم ليحمل له طعاماً، وعبر ابن الملقب ليفصلى
له ثياباً واهتم السفارون والمكارية بما يصلحهم، فرحل على غفلة فهموا
بالعبور ولم يقدروا.
ودخل مسعود إلى بغداد يوم الأحد خامس عشر الشهر ونهبت دواب الجند وكان
الخليفة قد سلم الدار ومفاتيحها إلى خاتون، ووصل صافي الخادم فقال إن
الخليفة لم يفعل صواباً بذهابه، وإن السلطان له على نية صالحة، وسكن
الناس ولم ينقطع ضرب الطبل، وإيقاد المنار، وكان أصحاب خاتون يقصدون
باب النوبي للخدمة، ولما دخل السلطان بغداد أظهر العدل وشحن المحال
ومنع النزل والنهب، واستمال قلوب الناس، وجمع القضاة والشهود عند
السلطان مسعود وقدحوا في الراشد وتولى ذلك الزينبي، وقيل: لم يقدحوا
فيه إنما أخرج السلطان خطه، وكان قد كتب مع بكبه : إنني متى جندت أو
خرجت فقد خلعت نفسي من الأمر، فشهد الشهود أن هذا خط الخليفة، والأول
أظهر.
واحكم الوزير علي بن طراد النوبة، وأحضر الفقهاء والقضاة وخوفهم وهددهم
إن لم يخلعوه، وكتب محضر فيه أن أبا جعفر بن المسترشد بدا منِ أفعاله
وقبح سيرته وسفكه الدماء المعصومة وفعل ما لا يجوز معه أن يكون إماماً،
وشهد بذلك ابن الكرجي، والهيتي، وا بن البيضاويَ، ونقيب الطالبيين، وا
بن الرزاز، وابن شافع، وروح ابن الحديثىِ، وقالو!: ان ابن البيضاوي شهد
مكرهاً، وحكم ابن الكرجي قاضي البلد بخلعه يوم الاثنين سادس عشر الشهر
بحكم الحاكم وولى المقتفى.
باب ذكر خلافة المقتفي بالله
واسمه محمد بن المستظهر باللّه، ويكنى أبا عبد اللّه، وولي من أولاد
المستظهر المسترشد والمقتفي وهماع أخوان، وكذلك السفاح والمنصور أخوان،
والهادي والرشيد أخوان، والواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان، وأما
ثلاثة أخوة فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد والمنتصر والمعتز
والمعتمد بنو المتوكل، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد، والراضي
والمتقي والمطيع بنو المقتدر، فأما أربعة أخوة فلم يكن إلا الوليد
وسليمان ويزيد وهشام بنو عبد الملك.
ولد
المقتفي في ربيع الاول سنة تسع وثمانين وأمه أم ولد اسمها نسيم، وكانت
جارية صفراء يقال لها: ست السادة، وكان يضرب بها المثل في الكرم، وسمع
الحديث من مؤدبه أبي الفرج عبد الوهاب بن هبة اللّه بن السيبي.
وحدثنا الوزير أبو الفضل يحيى بن هبيرة، قال: بويع المقتفي بعد أن خلع
القاهر الراشد ووزر له علي بن طراد، ثم أبو نصر المظفر بن علي بن جهير،
ثم أبو القاسم علي بن صدقة بن علي بن صدقة، ثم أبو المظفر يحيى بن محمد
بن هبيرة، وكان قاضي القضاة في زمانه أبو القاسم الزينبي، ثم أبو الحسن
الدامغاني، وكانت بيعة المقتفي العامة يوم الاربعاء ثامن عشر ذي
القعدة، وجمع القضاة والشهود بعد ذلك فأطلعوهم على شيء من المنكر
ونسبوه إلى الراشد، وخطب يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة للمقتفي
ومسعود ولم ينثركما جرت العادة وإنما لقب المقتفي لسبب، فإنه وجد بخط
أبي الفرج بن الحسين الحداد، قال: حكى بعض من أتق به أن المقتفي رأى في
منامه قبل أن يلي بستة أيام رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يقول
له: سيصل هذا الأمر إليك فاقتف بي فتلقب المقتفي لأمر اللّه.
ثم إن السلطان مسعوداً بعد أن أظهر العدل ونادى بإزالة النزل من دور
الناس ونهى عن النهب بعث فأخذ جميع ما كان في دار الخلافة من خيل وبغال
وأثاث وذهب وفضة وزلالي وستور وسرادق وحصر ومساند، وطالب الناس بالخراج
والبرات، ولم يترك في اصطبل الخاص سوى أربعة أرؤس من الخيل، وثلاثة من
البغال برسم الماء، فقيل إنهم أخفوا ذلك ليحسبوا مما تقرر على الخليفة
وكان قد تقرر عليه مائة وعشرين ألف دينار، وقيل بل بايعوا على أن لا
يكون عنده خيل ولا آلة سفر وأخذوا جواري خادمات وغلمان، وكان ابن
الداريح ينوب عن العميد، فضمن أطيان سلاحية الخليفة بمائة ألف دينار،
فأخذت أموالهم ومضت خاتون إلى السلطان تستعطفه، فاجتازت بالسوق وبين
يديها القراء والأتراك، وكان عندها جهات الراشد وأولاده، فعادت وقد
تحرر جميع ما كان للخليفة من بلاده.
وفي خامس ذي الحجة قدم ابن دبيس فتلقي من عند صرصر بكأس من عند السلطان
فشربه وهو يبكي ويرتعد، فبعث إليه فرس ومركب ودخل إلى السلطان وخر
سالماً، وفي تلك الليلة جاءت أصحاب السلطان إلى صاحب المخزن يطالبونه
بما استقر عليهم فأدخلهم إلى دار الخلافة، ودخل إلى حجر المسترشد
والراشد وأظهر نساءهما وسراريهما وأمرهن بالكلام، وإظهار ما عندهن من
المال وقال لأصحاب السلطان: خوفوهن، وأمر بكشف وجوههن، فأخذوا تلك
الليلة ما قدروا عليه من حلى ومصاغ ثم إن السلطان ركب سفينة ودخل على
أمير المؤمنين المقتفي في تاسع ذي الحجة فبايعه، وقلد الوزير شرف الدين
ديوان الخليفة، وكان قد قرر عليه مائة ألف وعشرين ألف دينار.
وفي يوم الجمعة حادي عشرين ذي الحجة وصلت الأخبار بآن الراشد دخل إلى
الموصل.
وفي رابع عشر الشهر أذن المقتفي في بيع عقاره وتوفية السلطان ما استقر
عليه من الآموال، ورفع المصادرة عن الناس، وكانت قد كثرت فلم يتجاسر
أحد يشتري، وتقلد صاحب المخزن وزارة خاتون ومضى إلى خدمتها، وقلد
الطاهر أبو عبد اللّه أحمد بن علي بن المعمر نقابة الطالبيين مكان
أبيه. ونهب عسكر زنكي في طريقهم بأوانا.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن هبة الله بن الحسين، أبو الفضل الاسكاف المقرىء ويعرف بابن
العالمة بنت الداري. ولد سنة ثمان وخمسين، وتلقن القرآن على الشيخ أبي
منصور الخياط، وقرأ بالقراآت على أبي الوفاء بن القواس، وغيره. وسمع
أبا الحسين ابن النقور، والصريفيني وغيرهما، وسمعت منه الحديث، وكان
ثقة أميناً. وتوفي في شوال هذه السنة.
جوهرة بنت عبد الله بن عبد الكريم بن هوزان القشيري سمعت جدنا وحدثت،
وتوفيت في هذه السنة.
علي بن أحمد، أبو الحسن الموحد، ابن البقشلان علي بن أحمد بن الحسن بن
عبد الباقي، أبو الحسن الموحد المعروف بابن البقشلان: كذا رأيته بخط
شيخنا ابن ناصر الحافظ، وقال غيره: البقشلام بالميم، قال أبو زكريا بن
كامل: انما قيل له ابن البقشلام لأن أباء وجده مضيا إلى قرية يقال لها
شلام، فبات بها وكانت كثيرة البق فكان طول الليل يقول: بق شلام، ورجع
إلى بغداد يحكي ذلك ويذكره فبقي عليه الاسم.
ولد أبو
الحسن في شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة، وسمع من القضاة أبي الحسين
بن المهتدي، وأبي يعلى بن الفراء، وهناد النسقي، ومن أبي جعفر ابن
المسلمة، وأبي الحسين ابن النقور، وأبي بكر بن سياووس، وغيرهم، وحدثنا
عنهم، وكان سماعه صحيحاً، وظاهره الثقة.
قال شيخنا أبو الفضل ابن ناصر: كان في خدمة السلطان، وكان يظلم جماعة
من أهل السواد وغيرهم، وكان في أيام الفتن مع أهل البدع، ولم يكن من
أهل السنة ولا العارفين بالحديث، فلا يحتج بروايته. وتوفي ليلة السبت
خامس رمضان، ودفن بباب أبرز عند الظفرية.
علي بن الخضر بن أسا، أبو محمد الفرضي سمع اباالقاسم ابن البسري وأبا
الحسين ابن النقور وكان سماعة صحيحاً وحدث وقرأ الفرائض على أبي حكيم
الخبري وأبي الفضل الهمذاني. وكان قيماً بعلم الفرائض والحساب.وتوفي
يوم الاربعاء ثالث ربيع الاول، ودفن بباب أبرز.
محمد بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن سعدويه، أبو الحسن، الأصفهاني ولد
سنة ست وأربعين وأربعمائة، سمع الكثير وحدث وكان حسن السيرة ثقة ثبتاً.
ذكره شيخنا أبو الفضل ابن ناصر، وأثنى عليه.
محمد بن حمويه بن محمد بن حمويه، أبو عبد اللهّ الجويني وجوين من نواحي
نيسابور، روى الحديث وكان صدوقاً، وكان من المشهورين بالعلم والزهد،
وله كرامات، ودخل إلى بعض البلدان، فلما أراد الخروج ودعهم ببيتين
فقال:
لئن كان لي من بعد عود إليكم ... قضيت لبانات الفؤاد لديكم
وإن تكن الأخرى وفي الغيب عبرة ... وحال قضاء فالسلام عليكم
توفي في هذه السنة، ودفن في بعض قرى جوين.
محمد بن أحمد بن أفريغون، أبو بكر الأفراني النسفي وأفران من قرى نخشب.
ورد إلى بغداد حاجاً، ثم عاد إلى بلده سمع الحديث ببلده وحدث وكان
فقيهاً صالحاً فتوفي يوم الاربعاء سادس عشرين شوال.
محمد بن موهوب، أبو نصر الفرضي الحاسب الضرير كان على غاية في علمه.
محمد بن عبد اللّه، أبو بكر العامري، ابن الجنازة محمد بن عبد اللّه بن
أحمد بن حبيب، أبو بكر العامري المعروف بابن الجنازة: سمع ببغداد أبا
محمد التميمي، وأبا الفوارس طراد، وأبا الخطاب بن النظر وأبا عبد اللّه
بن طلحة، وسمع بنيسابور من جماعة وببلخ وهراة، ودخل مرو، وجال في
خرسان، وشرح كتاب الشهاب وكانت له معرفة بالحديث والفقه، وكان يتدين
ويعظ ويتكلم على طريقة التصوف والمعرفة من غير تكلف الوعاظ، فكم من يوم
صعد المنبر وفي يده مروحة يتروح بها وليس عنده أحد يقرأ كما تفعل
القصاص، وقرأت عليه كثيراً من الحديث والتفسير، وكان نعم المؤدب، يأمر
بالإخلاص وحسن القصد، وكان ينشد:
كيف احتيالي وهذا في الهوى حالي ... والشوق أملك بي من عذل عذالى
وكيف أسلو وفي حبي له شغل ... يحول بين مهماتي وأشغالي
وبنى رباطاً بقراح ظفر، فاجتمع جماعة من المتزهدين فلما احتضر قال له
أصحابه: أوصنا، فقال: أوصيكم بثلاث: بتقوى اللهّ ومراقبته في الخلوة،
واحذروا مصرعي هذا عشت إحدى وستين سنة، وما كأني رأيت الدنيا. ثم قال
لبعض أصحابه: انظر هل ترى جبيني يعرق؟ قال نعم فقال: الحمد لله هذه
علامة المؤمن. يريد بذلك قول رسول اللة صلى الله عليه وسلم: المؤمن
يموت بعرق الجبين ثم بسط يده عند الموت، وقال:
ها قد مددت يدي إليك فردها ... بالفضل لا بشماتة الأعداء
وهذا البيت لأبي نصر القشيري تمثل به شيخنا هذا، وقال: أرى المشايخ بين
أيديهم أطباق وهم ينتظرونني، ثم مات ليلة الأربعاء منتصف رمضان هذه
السنة، و دفن في رباطه وجاء الغرق في سنة أربع وخمسين فهدم تلك المحلة
والرباط وعفي أثر القبر.
محمد بن الفضل، أبو عبد اللّه الصاعدي الفرا وي محمد بن الفضل بن احمد
بن محمد بن أبي العباس، أبو عبد اللّه الصاعدي الفرا وي:
من أهل
نيسابور، وأبوه من أهل ثغر فراوة، سكن نيسابور فولد محمد بها على سبيل
التقدير في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، سمع صحيح البخاري من أبي عثمان
سعيد بن أبي سعيد العيار، وسمع صحيح مسلم من أبي الحسين عبد الغافر
الفارسي، وسمع بنيسابور من أبي عثمان الصابوني، وأبي بكر البيهقي، وأبي
القاسم القسيري، وأبي المعالي الجويني وغيرهم، وورد بغداد حاجاً فسمعِ
بها من أبي نصر الزينبي وعاصم، وسمع بالمدينة وغيرها من البلدان، وكان
فقيهاَ مفتياً مناظراً محدثاً واعظاً ظريفاً حسن المعاشرة طلق الوجه
كثير التبسم جواداً، يخدم الغرباء بنفسه مع كبر السن وأملى أكثرمن ألف
مجلس وما ترك الإملاء إلى حين وفاته.
وقال عبد الرشيد بن علي الطبري: الفراوي ألف راوي.
وحدثني أبو محمد ابن الشاطر التاجر: أن ذلك كان مكتوباً على خاتمه
الفراوي ألف راوي، وحمل في رمضان هذه السنة إلى قبر مسلم بن الحجاج
بنصر أباذفتمم عليه قراءة الصحيح عند قبر المصنف، فلما فرغ من القراءة
بكى وأبكى الحاضرين، وقال: لعل هذا الكتاب لا يقرأ علي بعد هذا. فتوفي
في شوال هذه السنة، وما قرىء عليه الكتاب بعد ذلك، وكان قد قرأ عليه
الكتاب صاحبه عبد الرزاق بن أبي نصر الطبسي سبع عشرة مرة ودفن عند قبر
محمد بن اسحاق ابن خزيمة.
المظفر بن الحسين، بن علي بن ابى نزار المردوسي، أبو الفتح بن أبي عبد
الله ولد سنة ست وخمسين وأربعمائة، وكان أحد الحجاب ثم ترك ما كان فيه
وغير لباسه ولبس الفوط وتزهد، وقد سمع أبا القاسم بن البسري، وأبا
منصور بن عبد العزيز وغيرها.
ثم دخلت
سنة احدى وثلاثين و خمسمائة
فمن الحوادث فيها أنه ورد أبو البركات ابن مسلمة وزير السلطان مسعود
فقبض على أبي الفتوح بن طلحة، وقرر عليه مائة ألف دينار يحصلها من ماله
ومن الناس ومن دار الخلافة، فبعث إليه المقتفي فقال: ما رأينا أعجب من
أمرك أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى وعاد أصحابه
عراة، وولي الراشد ففعل ما فعل ثم رحل وأخذ ما بقي من الاموال ولم يبق
في الدار سوى الأثاث فأخذته جميعه وتصرفت في دار الضرب ودار الذهب،
وأخذت التركات والجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال. وما بقي إلا أن
نخرج من الدار ونسلمها، فإني عاهدت اللهّ تعالى أن لا آخذا من المسلمين
حبة واحدة ظلماً، فلما سمع هذه الرسالة أسقط ستين وطالب بأربعين، وأما
ما قرر من أموال الناس فأنكره السلطان ولم يكن منه، وأما ما كان من دار
الخلافة فتلاشى ولم يتم، وقام صاحب المخزن من خاصه بعشرة آلاف دينار
جبيت من الناس وتقدم السلطان بجباية العقار فلقي الناس من ذلك شدة وخرج
رجل صالح، يقال له ابن الكواز فلقي السلطان بالميدان، وقال له: أنت
المطالب بما يجري على الناس فما يكون جوابك فانظر بين يديك، ولا تكن
كمن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فأسقط ذلك. وقبض على أبي
الكرم الوالي الهاشمي، فوقف جماعة من العيارين بالرحبه، فأخذوا ثياب
الناس وقت السحر.
وورد الخبر بموت الفجاءة في همذان وأصفهان فماضت منهم ألوف حتى أغلقت
الدور، ثم أعيدت الجباية من العقار وضوعفت، ثم قطعت الجبايات، ووقعت
مصادرات لأهل الأموال حتى إنهم أخذوا بادخر الجوهري على رأس جمال
ليصادر.
ووصل يمن العراق الخادم إلى بغداد رسبولاً من السلطان سنجر فأمر
السلطان مسعوداً بمبايعة المقتفي عنه، فدخل إليه في رجب فبايعه عن عمه
سنجر، وتمت البيعة المقتفية في خراسان، وخرج هذا الخادم إلى الموصل
فأخذ بيعة زنكي وأهل الشام، ودفع الراشد عن زنكي فتوجه نحو آذربيجان.
وفي
شعبان: عقد للمقتفي على فاطمة بنت محمد بن ملكشاه أخت مسعود وحضر
والأكابر وتولى العقد وزير الخليفة، ووزير السلطان ونثرت الحبوب
والجواهر وتماثيل الكافور والعنبر، وتوجه السلطان مسعود إلى الجبل وخلف
نائبه بالعراق ألبقش الكبير السلاحي، فورد سلجوق شاه بن محمد إلى واسط
والحلة وطمع في العراق فطرده ألبقش وكان مستضعفاً، واجتمع جماعة من
الأمراء والملك داود وعساكر آذربيجان فواقعوا السلطان مسعوداً وجرت
حروب عظيمة، ثم قصد مسعود آذربيجان وقصد داود همذان، ووصلها الراشد يوم
الوقعة، وتقررت القواعد أن الخليفة يكتب لزنكي عشرة بلاد ولا يعين
الراشد، ونفذت الخطوط التي كتبت في حق الراشد به يوجب الخلع إلى
الموصل، وأحضر هناك القضاة والشهود فقرىء عليهم المكتوب الذي أنفذ من
بغدادا، وفيه شهادة الشهود والقضاة، وأحضر قاضي القضاة وثبت الكتاب
عنده، وخلع الراشد بالموصل وخطب للمقتفي ومسعود، وقطعت خطبة الراشد
وداود، فلما سمع الراشد بذلك نفذ إلى زنكي يقول له: غدرت، فقال: ما لي
بمسعود طاقة فالمصلحة أن تمضي إلى داود، فمضى في نفر قليل وتخلى عنه
وزيره ابن صدقة ودخل الموصل ولم يبق معه صاحب عمامة سوى أبي الفتوح
الواعظ، وكان قد نفذ مسعود ألفي فارس للقبض عليه ففاتهم ومضى إلى
مراغة، فدخل إلى قبر أبيه وحثا التراب على رأسه، فحمل إليه أهل البلد
الأموال، وكان يوماً مشهوداً، وقوي داود وضرب المصاف مع مسعود فقتل من
اصحاب مسعود خلق كثير.
وفي يوم السبت ثاني عشرين ربيع الأول: جلس ابن الخجندي مدرساً في
النظامية.
وفي يوم الاثنين رابع عشرين من الشهر: قبض على صاحب المخزن ووكل به في
دار السلطان على بقية ما استقر عليِه من المال، ومات رجل فأخذ ماله
اصحاب التركات فعاد أصحاب السلطان وأخذوا ماله من المخزن، وأخذت تركات
الحشرية من الخليفة، وأخذوا الحفارين والغسالين وكتبوا عليهم، وأشهدوا
أن لا يكتموهم شيئاً فصاروا لا يقدرون على قبر ميت إلا برقعة من
العميد، ولم يبق للخليفة إلا العقار الخاص، وأعيد صاحب المخزن بعد أن
كفل به جماعة وكتبوا خطوطهم بالضمان الوزير وسديد الدولة.
وفي يوم الاثنين تَاسع ربيع الآخر: جلس أبو النجيب في دار رئيس الرؤساء
بالقصر للتدريس وجعلت الدار مدرسة وحضر عنده جماعة من الفقهاء والقضاة.
وفي يوم الجمعة ثالث عشره: بنيت دكة في جامع القصر للقاضي أبي يعلى بن
الفراء في الموضع الذي كان يجلس فيه، ثم نقضت في يوم الخميس ثامن عشره،
ومنع من كان يجلس ونودي بالجلوس في النظامية يوم الاثنين ثالث عشرين
الشهر فاجتمع خلق عظيم، فحضر وزير السلطان فقعد والمستوفي والشحنة ونظر
وسليد الدولة وجماعة الفقهاء والقضاة وحضرت يومئذ فكان لا يحسن يعظ ولا
ندار في ذلك. وفي هذه السنة: فشا الموت في الناس حتى كان يموت في اليوم
مائة نفس. وفي خامس عشر جمادى الأولى: جاء العيارون ليلاً إلى سفينة قد
ملئت رجالاً وأموالاً كثيرة لتنحدر إلى واسط، فحلوا رباطها من تحت
التاج، وأحدروها وأخذوا ما فيها، وكان السلطان في بغداد. وفي هذا
الشهر: أعيدت بلاد الخليفة ومعاملاتها إليه والتركات، واستقر عن ذلك
عشرة آلاف دينار.
وفي رابع عشرين هذا الشهر: أشهر أربع نسوة في الاسواق على بقر السائقين
مسودات الوجوه لأنهن شربن المسكر في الشط مع رجال. وفي يوم السبت حادي
عشر جمادى الآخرة: عاد السلطان إلى بغداد بعد أن كان قد خرج، وكان
السبب مكاتبة وردت من الموصل إلى دار الخلافة، فأنفذت إليه فاستعادوه،
وحكي أنه كان في المكاتبة ان عسكر الموصل والخليفة قد تحركوا للمجيء.
وفي شعبان: ضربت الطبول على باب النوبي وجلس حاجب الباب والقاضي ابن
كردي وقرأوا منشوراً يشتمل معناه على الخطبة للمقتفي ولمسعود، والخلع
على قاضي القضاة واقبال وانحدارهم الى بغداد، وأن قاضي القضاة جمع
الجموع في: الموصل وحكم بالكتب التي وصلت إليه، وان الراشد لما علم
بهذا ذهب نحو مراغة.
وفي هذا الشهر: عادت الجبايات مرة خامسة على الناس بعنف وشدة ظلم، وقبض
الشحنة على أبي الكرم الوالي إلى رباط أبي النجيب، فتاب وحلق شعره ولبس
خرقة التصوف استقالة من الظلم، ثم خلع عليه وأعيد إلى شغله.
وعملت
عملة عظيمة بباب الأزج أخذ فيها شيء بألوف دنانير، وكانت خبازة تخبز
لأولئك القوم، فحدثت ابنها بمالهم الكثير فحدث ذلك الرجل رفقة له من
العيارين، فجاءوا في الليل فنقلوا ما في الدار فقالت صاحبة الدار
لأمها: لما خرجوا نحمد اللهّ إذ لم يدخلوا العرضى فإن فيه الحبوب
والأمتعة، فسمعوا فعادوا ودخلوا وأخذوا ذلك، وقالوا: لا تتهموا أحداً
نحن الحماة بالموضع الفلاني، فسمع الجيران ومضوا فأخذ الشحنة أقواماً
من أولئك فصلبهم على جذوع، ثم أخذ منهم أموالاً وحطهم في عافية.
وفي ليلة الثلاثين: لم ير الهلال، وكانت السماء مصحية فأصبح الناس
صائمين لتمام ثلاثين يوماً، فلما كانت ليلة إحدى وثلاثين لم ير الهلال
أيضاً وكانت السماء جلية صاحية، ومثل هذا لا يعرف فيما مر من التواريخ.
ومن العجائب أن ثلاثة من العيارين وقفوا في طريق الظفرية ليَلاً، فمر
بهم أبو العز الحمامي فأخذوا ثيابه ثم تطلبوا وأخذ منهم اثنان، فلما
كان بعد يومين جاء الثالث هارباً من الرجالة، فدخل الحمام الذي فيه أبو
العز الذي أخذت ثيابه فخلع الثياب على الفرند وهي قميصان وخيشية فرآها
الحمامي فعرفها فدخل إليه، وقال له: من أين لك هذه الثياب؟ فأقر أنه
أخذها منه تلك الليلة، فنفذ إلى المستخدمين فأخذوه ولم يجدوا كتافاً
ففتشوا جيبه لعلهم يجدون شيئاً من الذهب، فوجدوا حبلاً مهيأ للكتاف
فكتفوه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر
أحمد بن بركة بن يحيى البقال سمع أبا القاسم بن اليسري وعاصماً وغيرها،
وكان سماعه صحيحاً، وحدث. وتوفي ليلة الأربعاء تاسع عشر شعبان ودفن
بالوردية،.
أحمد بن محمد بن ثابت بن الحسن بن علي، أبو سعد الخجندي ولد سنة ثلاث
وأربعين، وهو ولد الامام أبي بكر الخجندي، من أهل أصبهان ، تفقه. على
والده، وولي التدريس بالنظامية نوباً عدة، وصرف، وسمع أبا القاسم علي
بن عبد الرحمن بن عليك وغيره. وتوفي ببلده في غرة شعبان هذه السنة.
عبدالملك بن علي بن عبد الملك بن محمد بن يوسف، أبو الفضل سمع الحديث
الكثير من عاصم وأبي نصر الزينبي وغيرهما، وكان عليه نور. توفي في ذي
الحجة.
محمد بن أحمد بن علي، أبو الحسن ابن الأبرادي تعبد وتفقه، وصحب أبا
الحسن ابن الفاعوس، ووقف دار له بالبدرية فجعلها مدرسة لأصحاب أحمد بن
حنبل. توفي ليلة الخميس ثاني عشرين رمضان، ودفن بباب أبرز.
محمد بن أحمد بن الحسن الجوهري البروجردي، أبو بكر سمع الحديث الكثير،
ورحل إلى بغداد، وكانت له دنيا واسعة. وتوفي في هذه السنة ببروجرد وكان
رئيسها والمقدم بها.
محمد بن علي بن حريث أبوطالب، ابن الكوفية الخفاف سمع أبا نصر الزينبي،
وحدث بشيء يسير وتوفي في رجب.
نصر بن الحسين بن الحسن المقرىء، أبو القاسم، ابن الحبار سمع طراداً،
وابن النظر، وغيرها. وقرأ بالقراآت، وروى، وأقرأ، وقرأت عليه القرآن .
وتوفي في هذه السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
هبة اللّه بن أحمد بن عمر الحريري، أبو القاسم، ابن الطبر ولد يوم
الخميس وهو يوم عاشوراء سنة خمس وثلاثين وأربعمائة بالتستريين، وسمع
الحديث من أبي الحسن ابن زوج الحرة، وأبي طالب العشاري، والبرمكي، وابن
المأمون، والصريفيني وغيرهم. وقرأ القرآن بالقرا آت على أبي بكر الخياط
وغيره، وحدث وأقرأ، وكان صحيح السماع قوي التدين ثبتَاً، كثير الذكر
دائم التلاوة، وهو آخر من حدث عن ابن زوج الحرة أبي الحسن، فحدث عن أبي
الحسن هذا أبو بكر الخطيب، وأبو القاسم هذا وبين وفاتهما ثمان وسبعون
سنة، وسمعت عليه الحديث الكثير وقرأت عليه، وكانت قوته حسنة، وكنت أجيء
إليه في الحر فيقول: نصعد إلى سطح المسجد فيسبقني في الدرجة، ومتع
بسمعه وبصره وجوارحه إلى أن توفي يوم الخميس ثاني جمادى الأولى من هذه
السنة عن ست وتسعين سنة وأشهر، وكان شيخنا عبد الوهاب ابن أخته، ودفن
بالشونيزية في تربة شيخنا عبد الوهاب الأنماطي، وهو الذي أم الناس في
الصلاة عليه.
ثم دخلت
سنة أثنتين وثلاثين وخمسمائة
فمن الحوادث فيها
أنه جيء
بأحد عشر عياراً فصلبوا في الأسواق وصلب رجل صوفي من رباط البسطامي،
لكم صبياً فمات. وجاء الخبر بفتح الروم بزاعة، فقتلوا الذكور وسبوا
النساء والصبيان، وجاء الناس يستنفرون، ومنع الخطبة والخطباء ببغداد
وقلعوا طوابيقَ الجوامع، وجرت محن ونفذ السلطان مسعود إلى البقش كاساً
ليشربها فامتنع خمسة أشهر ثم عزم على شربها، فتقدم إلى الولاة بالمحال
والأسواق أن يشعلوا الشمع والقناديل والسرج في جيع المحال ليلاً
ونهاراً ثلاثة أيام فتقدم إلى الولاة بذلك، وظهرت القينات والمعازف
والنساء عليهن الثياب الملونات والمخانيث إلى إن شرب الكأس، ووصل مسعود
إلى بغداد في مستهل جمادي الأولى، وقبض على ألبقش السلاحي، والي
العراق، وولي بهروز الخادم العراق، وعقد للسلطان على سفرى بنت دبيس بن
صدقة، وكان السبب أنه كان أولاد دبيس في ضيق لأن السلطان أقطع أموالهم،
فجاءت بنت دبيس وكانت أمها بنت عميد الدولة ابن جهير، وكانت في غاية
الحسن فدخلت على خاتون زوجة. المستظهر تستشفع بها إلى مسعود ليعيد
عليها بعض ما أخذ منها وتشكو الضر فوصفت ذلك لمسعود، فقال مسعود:
أحضريها عندك حتى أحضر القضاة وأتزوجها، ففعلت فتزوجها، وتقدم إلى
الوزير بأن تعلق بغداد سبعة أيام وذلك في سادس عشر جمادى الأولىِ، فظهر
بالتعاليق فساد عظيم بضرب الطبول والزمور والحكايات، وشرت الخمر
ظاهراً.
وفي جمادى الآخرة: قتل الشحنة صبياً مستوراً من المختارة، فأمر السلطان
بصلب الشحنة فصلب وحطه العوام فقطعوه. وفي رمضان: وصف للسلطان مسعود
ابنة عمه قاورت بالحسن، فخطبها وتزوجها وعلق البلاد ثلاثة أيام. وكان
الراشد قد جمع العساكر الكثيرة وقوي أمره، فدخلوا عليه الباطنية
فقتلوه.
ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر
أحمد بن محمد بن أحمد، أبو بكر بن أبي الفتح الدينوري شيخنا سمع الحديث
من أبي محمد التميمي وأبي محمد السراج وغيرهما، وتفقه على أبي الحطاب
الكلوذاني، وبرع في المناظرة، وكان أسعد الميهني يقول : ما اعترض أبو
بكر الدينوري على دليل أحد إلاّ ثلم منه ثلمة، سمعت عليه درسه مدة،
وحدثنا شيخنا أبو بكر قال: كنا نتفقه على شيخنا أبي الخطاب فكنت في
بدايتي أجلس في آخر الحلقة والناس منها على مراتبهم. فجرى بيني وبين
رجل كان يجلس قريباً من الشيخ بيني وبينه رجلان أو ثلاثة كلام، فلما
كان اليوم الثاني جلست في مجلسي كعادتي في آخر الحلقة، فجاء ذلك الرجل
فجلس إلى جانبي فقال له الشيخ: لما تركت مكانك؟ فقال: أنا مثل هذا
فأجلس معه يرزي علي فو اللّه ما مضى إلأ قليل حتى تقدمت في الفقه وقويت
معرفتي به وصرت أجلس إلى جانب الشيخ وبيني وبين ذلك الرجل رجلان.
وأنشدني شيخنا أبوبكر لنفسه:
تمنيت أن تسمى فقيهاً مناظراً ... بغير عناء فالجنون فنون
فليس اكتساب المال دون مشقة ... تلقيتها فالعلم كيف يكون
سمعت عليه الدرس مدة، وتوفي في جمادى هذه السنة، ودفن قريباً من قبر
أحمد عند رجلي أبي منصور الخياط.
أحمد بن محمد عبد الملك بن عبد القاهر، أبو نصر الأسدي سمع أبا الفرج
المخبري، وأبا بكر الخطيب وغيرهما، وحدَّث. وتوفي في ربيع الأخر.
أحمد بن ظفر بن أحمد، أبو بكر المغازلي سمع أبا الغنائم بن المامون،
وأبا محمد الصريفيني، وأبا بكر الخياط، وأبا علي بن البناء وغيرهم.
سمعت منه، وكان ثقة، وتوفي في رمضان هذه السنة.
أحمد بن عمر بن عبد اللّه، أبو نصر الأصبهاني رحل في طلب العلم
والحديث، وسمع من خلق كثير وكتب الكثير وكان ثقة ديناً.
إبراهيم بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن حمدان، أبو تمام الصيمري
البروجردي ولد سنة أربعين وأربعمائة ببروجرد، وسمع بها من يوسف
الهمداني وبمكة من أبي معشر الطبري، وببغداد من الشيخ أبي اسحاق
الشيرازي، وكان رئيس بروجرد. وتوفي بها في هذه السنة.
إسماعيل بن أحمد بن عبد المللك النيسابوري، أبو سعد بن أبي صالح المؤذن
ولد سنة
اثنتين وخمسين، وتفقه على أبي المظفر السمعاني، وأبي المعالي الجويني،
وبرع في الفقه، وكانت له قدم عند الملوك والسلاطين، وكان كثير السماع،
خرج له أبوه صالح بن صالح مائة حديث عن مائة شيخ، وكتب لي إجازة بجميع
مسموعاته، وتوفي ليلة عيد الفطر من هذه السنة، ودفن يوم العيد.
بدر بن الشيخي مولى أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي وعتيقه، سمع
أبا الحسين ابن المهتدي، وابن المسلمة، وابن النقور، وابن المأمون
وغيرهم. وحدثنا عنهم، وكان سماعه صحيحاً. توفي يوم السبت رابع عشرين
رمضان عن ثمانين سنة، ودفن بباب حرب عند مولاه.
ألبقش السلاحي كان أميرأ كبيراً قبض عليه السلطان، وحمله إلى قلعة
تكريت، ثم أمر بعد قليل بقتله فغرق نفسه فأخرج من الماء فقطع رأسه وحمل
إليه.
زبيده بركيارق زوجة السلطان، توفيت بهمذان.
عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازان، أبو المظفر القشيري آخر من بقي من
أولاد أبي القاسم القشيري، ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة، أباه، وأبا
بكر البيهقي، ويوسف المهرواني، وغيرهم. روى عنه شيخنا عبد الوهاب
الأنماطي، ولي منه إجازة. وتوفي في هذه السنة.
عمر بن محمد بن عمويه، أبوالحفص السهروردي عم آبي النجيب الواعظ. سمع
طراداً، والتميمي وعاصماً وغيرهم، وحدث ببغداد، وكان متقدم الصوفية في
الرباط المعروف بسعادة الخادم، ورأيته ولم أسمع منه. وتوفي في ربيع
الاول من هذه السنة، ودفن بالشونيزية عند قبر رويم.
علي بن علي بن عبيد اللّه، أبو منصور ابن سكينة علي بن علي، بن عبيد
اللّه، أبو منصور صاحب محمد الوكيل ويعرف بابن سكينة.
ولد سنة تسع وأربعين، وكان أمين الحاكم تحت يده أموال الأيتام، وكان
يلقب أمين الأمناء سمع أبا محمد الصريفيني، وابن السراج، وابن العلاف
وغيرهم. وحدث، وكان سماعه صحيحاً، وسمعت منه، وسمعته يقول: من منع ماله
الفقراء سلط اللّه عليه الأمراء.
توفي ليلة السبت سادس في القعدة عن ثلاث وثمانين سنة ودفن بالشونيزية.
محمد بن إبراهيم بن محمد إبراهيم بن أحمد، أبو غالب الصيقلي الدامغاني
ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ورحل في طلب الحديث، فسمع الكثير وكان
متقدم الصوفية، وكان ثقة. ذكره شيخنا أبو الفضل بن ناصر، فقال: هوصالح
ثبت أهل السنة. توفي في هذه السنة بكرمان.
محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر، أبو الحسن الكرجي ولد سنة ثمان
وخمسين وأربعمائة وسمع بالكرج وبهمذان وبأصبهان وبغداد، وكان محدثاً
فقيهاً شاعراً أديباً على مذهب الشافعي إلا أنه كان لا يقنت في الفجر،
وكان يقول إمامنا الشافعي: قال إذا صح عندكم الحديث فاتركوا قولي وخذوا
بالحديث، وقد صح عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القنوت في صلاة
الصبح. وصنف في المذهب والتفسير، وكان حسن المعاشرة ظاهر الكياسة ومن
شعره:
تناءت داره عني ولكن ... خيال جماله في القلب ساكن
إذا امتلأ الفؤاد به فماذا ... يضر إذا خلت منه المساكن
توفي في هذه السنة.
محمد بن فرجيَّة، أبو المواهب المقرىء كان مليح الأداء للقراآت، وسمع
الحديث، وأقرأ الناس. وتوفي في صفرهذه السنة.
منصور بن المسترشد، الراشد أمير المؤمنين قد ذكرنا أنه استخلف بعد أبيه
وأنه لما قصد السلطان مسعود بغداد خرج إلى ناحية الموصل وأنه خلع وولي
المقتفي وخرج الراشد من الموصل إلى بلاد آذربيجان، ثم مضى إلى أصفهان،
وقوي ثم مرض مرضاً شديداً. وفي سبب موته ثلاثة أقواق، أحدها أنه سقي
السم ثلاث مرات، والثاني: أنه قتله قوم من الفراشين الذين كانوا في
خدمته، والثالث: أنه قتله الباطنية وقتلوا بعده. وكان موته في سابع
عشرين رمضان، وبلغ الخبر فقعدوا له في العزاء يوماً واحداً.
وقد ذكر
أبو بكر الصولي أن الناس يقولون: كل سادس يقوم بأمر الناس منذ أول
الاسلام لا بد وأن يخلع، وأنا تأملت هذا فرأيته عجيباً انعقد الأمر
لنبينا صلى الله عليه وسلم ثم قام بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي
والحسن فخلع، ثم معاوية ويزيد ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك وابن
الزبير فخلع وقتل، ثم الوليد وسليمان وعمر ويزيد وهشام والوليد بن يزيد
فخلع، ثم لم ينتظم لبني أمية أمرهم فتولى السفاح والمنصور والمهدي
والهادي والرشيد والأمين فخلع وقتل، ثم المعتز والمهتدي والمعتمد
والمعتضد والمكتفي والمقتدر فخلع ثم المامون والمعتصم والواثق والمتوكل
والمنتصر والمستعين فخلع وقتل، ثم القاهر والرضي والمتقي والمستكفي
والمطيع والطائع، فخلع ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد
والراشد فخلع وقتل.
أنوشروان بن خالد بن محمد القاساني الضني من أهل قرية ضن، وهي قرى
قاسان، أبو نصر. وزر للسلطان محمد والمسترشَد باللّه، وكان عاقلاً
مهيبماً عظيم الخلقة، دخلت عليه فرأيت من هيبته ما أدهشني، وهو كان
السبب في جمع المقامات التي انشأها محمد الحريري، فان أبا القاسم عبد
اللّه بن أبي محمد الحريري حكى أن والده جالساً في مسجده ببني حرام
إحدى محال البصرة فدخل المسجد شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر، رث
الحالة، فصيح اللهجة حسن العبارة فسألوه من أين الشب قال: من سروج،
وكنيتي أبو زيد فعمل والدي المقامة الحرامية بعد قيامه من ذلك المجلس،
واشتهر هذا فبلغ أنوشر ان بن خالد وطلعِ بتلك المقامة، فاشار عليه بأن
يضم إليها غيرها فاتمها خمسين، وكان أنوشرون كريماَ، سأله رجل خيمة فلم
تكن عنده فبعث إليه مائة دينار، وقال: اشتر بها خيمة، فكتب إليه الرجل:
لله در ابن خالد رجلا ... احيا لنا الجود بعدماذ هبا
سألته خيمة الوذ بها ... فجاد لي بل بخيمة ذهبا
وكتب إليه ابو محمد الحريري صاحب المقامات:
ألا ليت شعري والتمنّي تعلّة ... وإن كان فيه راحة لأخي الكرب
أتدرون اني مذ تناءت دياركم ... وشط افتراقي عن جنابكم الرحب
أكابد شوقا ما يزال اواره ... يقلبني باللّيل جنبا على جنب
وأذكر اِيام التلاقي فأنثني ... لتذكارها بادي الاسا طائر اللب
ولي حنة في كل وقت إليكم ... ولا حنة الصَادي الى البارد العذب
فو الله لو أني كتمت هواكم ... لما كان مكتوماً بشرق ولاغرب
ومما شجا قلبي المعنى وشفه ... رضاكم باهمال الاجابة عن كتبي
وقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة ... فقد صرت أخشاها ومالي من ذنب
ولما سرى الوفد العراقي نحوكم ... وأعوزني المسرى إليكم مع الركب
جعلت كتابي نائبي عن ضرورة ... ومن لم يجد ماء تيمم بالترب
ونفذت أيضاً بضعة من جوارحي ... لتنبئكم عن شرح حالي وتستنبي
ولست أرى إذكاركم بعد خبركم بمكرمة حسبي اهتزازكمُ حسبي
توفي أنو شروان في رمضان هذه السنة، ودفن في داره بالحريم الطاهري، ثم
نقل بعد ذلك إلى الكوفة فدفن بمشهد علي عليه السلام وكان يميل الى
التشيع.
ثم دخلت
سنة ثلاث و ثلاثين و خمسمائة
فمن الحوداث فيها: أنه طردت الكتاب اليهود والنصارى من الديوان
والمخزن، ثم أعيدوا في الشهر أيضاً، وفرغ بهروز من المصلحة التي تصدى
لحفرها، وهي نهر دجيل، وولي القضاء أبو يعلى بن الفراء قضاء باب الأزج
في صفر. وكانت زلزلة بجنزة أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفاً، فأهلكتهم،
وكانت الزلزلة عشرة فراسخ في مثلها.
قال المصنف: وسمعت شيخنا ابن ناصر يقول: قد جاء الخبر أنه خسف بجنزة
وصار مكان البلد ماء أسود، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون
على أهاليهم. ووصل رسول من ابن قاورت ملك كرمان إلى السلطان مسعود يخطب
خاتون زوجة المستظهر ومعه التحف، فجاء وزير مسعود إلى دارها فاستأذنها
فأذنت، فحضر القضاة دارالسلطان ووقع الملاك على مائة ألف دينار، ونثرت
الدراهم والدنانير، وذلك في ثامن عشر صفر، وسيرت إليه فكانت وفاتها
هنالك.
وفي ربيع
الأول: أزيلت المواصير والمكوس، ونقشت الالواح بذلك، واستوزر السلطان
رجلاً من رؤساء الري يقال له: محمد الخازن، فأظهر العدل، ورفع المكوس
والضرائب، وكان حسن السيرة فدخل عليه رجلان يقال لأحدهما ابن عمارة.
والآخر ابن أبي قيراط يطلبان ضمان المكوس التي أزيلت بمائة ألف دينار،
فرفع أمرهما إلى السلطان، فشهرا في البلد مسودين الوجوه وحبسا، فلم
يتمكن اعداؤه مما يريدون منه فأوحشوا بينه وبين قرا سنقر صاحب
آذربيجان، فأقبل قراسنقر في العساكر العظيمة، وقال: إما حمل رأسه إليّ
أو الحرب، فخوفوا السلطان من حادثة لا تتلافي الفسخ، ففسح لهم في قتله
على كره شديد فاقتله تتر الحاجب بيده من شدة حنقه، وحمل رأسه إلى
قراسنقر.
وفي هذه السنة: قدم المغربي الواعظ، وكان يتكلم في الأعزية فأشير عليه
بعقد مجلس الوعظ فوعظ، وكان ينشد بتطريب، وينشد بالسجوع ، فنفق على
الناس نفاقً كثيراً فتأثر الغزنوي بذلك، ومنعه من الجلوس فتعصب له
أقوام فأطلق في الجلوس واركب فرس وزير السلطان فطيف به في الاسواق،
وأبيح له الجلوس أين شاء وقرر له الجلوس في دار السلطان، فيقال ان
الغزنوي احتال حتى لم يقع ذلك.
ذكر من توفي في هذه السنة من الاكابر،
أحمد بن عبد الباقي بن منازل، أبو المكارم الشيباني ولد سنة ستين، وسمع
ابن النقور، وابن أبي عثمان، وعاصماً. وكان شيخاً صالحاً مستوراً،
وسماعه صحيح، وحدث وتوفي في صفر هذه السنة، ودفن بباب حرب.
زاهر بن طاهر بن محمد، أبو القاسم بن أبي عبد الرحمن بن أبي بكر
الشحامي ولد سنة ست وأربعين وأربعمائة، ورحل في طلب الحديث وعمر، وكان
مكثراً متيقظاً صحيح السماع، وكان يستملي على شيوخ نيسابور، وسمع منه
الكثير بأصبهان والري وهمذان والحجاز وبغداد وغيرها، وأجاز لي جميع
مسموعاته، وأملى في جامع نيسابور قريباً من ألف مجلس، وكان صبوراً على
القراءة عليه، وكان يكرم الغرباء الواردين عليه ويمرضهم ويداويهم
ويعيرهم الكتب، وحكى أبو سعد السمعاني أنه كان يخل بالصلاة قال: وسئل
عن هذا، فقال: لي عذر وأنا أجمع بين الصلوات،ومن الجائز أن يكون به
مرض، والمريض يجوز له الجمع بين الصلوات، فمن قلة فقه القادح رأى هذا
الأمر المحتمل قدحاً.
توفي زاهر في ربيع الآخر من هذه السنة بنيسابور، ودفن في مقبرة يحيى بن
يحيى.
عبد الله بن أحمد، أبو القاسم بن أبي الحسين عبد الله بن أحمد بن عبد
القادر بن محمد بن يوسف، أبو القاسم بن أبي الحسين أخو شيخنا عبد
الخالق. ولد سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، وسمع من ابن المهتدي، وابن
المسلمة وابن المأمون، وابن النقور، والصريفيني ، وغيرهم. وكان خيراً
صالحاً، وجاور بمكة سنين وسكن بغداد في الحربية. وتوفي في رجب هذه
السنة، ودفن بمقبرة باب حرب.
عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي بن جعفر أبو القاسم خطيب أصبهان ،
ولد في ربيع الاخر من سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، قدم علينا من سنة
عشرين وخمسمائة. وروى لنا عن أبي الطيب عبد الرزاق بن عمر بن سمة وتوفي
في هذه السنة.
عبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم بن محمد، أبو محمد الأسدي من أهل
بخارى، ولي القضاء بها، وهو من بيت العلم والحديث، من أولاد الأئمة،
وكان وافراً وقوراً سخياً محمود السيرة، ورد بغداد فسمع بها من جماعة
منهم أبو طالب بن يوسف، وقد سمع ببلده وبالكوفة، وأملى ببخارى. وتوفي
في هذه السنة.
علي بن أفلح، أبوالقاسم الكاتب
كان فيه
فضل حسن، وله شعر مليح إلاّ أنه كان متجرئاً كثير الهجو، وكان قد خلع
عليه المستر شد باللّه ولقبه جمال الملك، واعطاه أربعة آدر في درب
الشاكرية، وكان هو قد اشترى دورا إلى جانبها، فهدم الكل وأنشأ داراً
كبيرة، وأعطاه الخليفة خمسمائة دينار، وأطلق له مائة جذع ومائتي ألف
آجرة، وأجرى له ادرارا في كل سنة، فظهر أنه يكاتب دبيساً، وسبب ظهور
ذلك أنه كان في المسجد الذي يحاذي دار السماك رجل يقال له مكي يصلي
بالناس ويقرىء القرآن، فكان إذا جاء رسول دبيس أقام عند ذلك الامام بزي
الفقراء فاطلع على ذلك بواب ابن افلح، واتفق أن ابن أفلح غضب على بوابه
فضربه فاستشفع بالناس عليه، فلم يرده، فمضى وأطلع صاحب الشرطة على ذلك
فمضى فكبس المسجد وأخذ الجاسوس، وهرب ابن افلح وإمام المسجد، وأمر
المسترشد بنقض داره، وكان قد غرم عليها عشرين، ألف دينار، وكان طولها
ستين ذراعاً في أربعين، وقد اجريت بالذهب وعملت فيها الصور وفيها
الحمام العجيب فيه بيت مستراح فيه بيشون، ألت فركه الانسان يمينَاً خرج
الماء حاراً، وإن فركه شمالاً خرج بارداً، وكان على أبواب الدار مكتوب:
إن عجب الزوار من ظاهري ... فباطني لو علموا أعجب
شيدني من كفه مزنة ... يحمل منها العارض الصبب
ودبجت روضة أخلاقه ... في رياضا نورها مذهب
صدر كسا صدري من نوره ... شمساًعلى الأيام لاتغرب
وكان على الطراز مكتوب:
ومن المروءة للفتى ... ما عاش دار فاخره
فاقنع من الدنيا بها ... واعمل لدار الآخره
هاتيك وافية بما ... وعدت وهذي ساحره
وكان على الحيري مكتوب:
وناد كأن جنان الخلود ... أعارته من حسنها رونقا
وأعطته من حادثات الزما ... ن أن لا تلم به موثقا
فأضحى يتيه على كل، ما ... بنى مغرباً كان او مشرقا
تظل الوفود به عكفاً ... وتمسي الضيوف له طرقا
بقيت له يا جمال الملو ... ك والفضل مهما أردت البقا
وسالمه فيك ريب الزمان ... ووقيت منه الذي يتقا
قال المصنف رحمه اللّه: وقد رأيت أنا هذه الدار بعد أن نقضوها، ثم ظهر
أن ابن أفلح مضى إلى تكريت فاستجار ببهروز الخادم، ثم آل الأمر إلى أن
عفي عنه.
ومن شعره المستحسن قوله:
دع الهوى لأناس يعرفون به ... قد مارسوا الحب حتى لان أصبعه
بلوت نفسك فيما لست تخبره ... والشيء صعب على من لايجر به
افن اصطباراً وان لم تستطع جلداً ... فرب مدرك أمرٍ عز مطلبه
أحني الضلوع على قلب يحيرني ... في كل يوم ويعييني تقلبه
تناوح الريح من نجد يهيجه ... ولامع البرق من نعمان يطربه
وله في أخرى:
منع الشوق جفوني أن تناما ... وأذاب القلب وجداً وغراما
يا نداماي على كاظمة ... هل ترومون وقد بنت مراما
أنا مذ فارقتكمُ ذو ندم ... فتراكم يا نداماي نداما
يا خليلي قفا ثم اسألا ... عن غزال نبه الشوق وناما
وقفا نسأل رسماً عافياً ... أين من كان به قدماً أقاما
وله في أخرى:
هذه الخيف وهاتيك منى ... فترفق ايها الحادي بنا
واحبس الركب علينا ساعة ... نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف اعددنا الأسى ... ولذا الدمن دموعي تقتنا
زمنا كانوا وكنا جيرة ... يا اعاد الله ذاك الزمنا
بيننا يوم أثيلات النقا ... كان عن غير تراض بيننا
ومن رسائله أنه كتب إلى أبي الحسن ابن التلميذ كتاباً يقول فيه: أطال
اللّه بقاء سيدنا طول اشتياقي إليه، وأدام تمكينه دوام ثنائي عليه،
وحرس نعمته حراسة ضميره للأسرار، وكبت أعداءه كبت صبري يوم تناءت به
الدار عن سلامة انتقلت بعده من جسمي إلى ودي وعافية، كان يوم بينه بها
آخرعهدي، وأنا أحمد اللّه العلي على ما يسوء ويسر، وأديم الصلاة على
رسوله وآله المححجلين الغر، وبعد: فاني أذكر عهد التزاور ذكر الهائم
الولوع، وأحن إلى عصر التجاور حنين الهائم إلى الشروع:
وإنىِ وحقك منذ أرتحلت ... نهاري حنين وليلي أنين
وما كنت أعرف قبل امرأً ... بجسم مقيم وقلب يبين
وكيف السلو إلى سلوتي ... وحزني وفي وصبري خؤون
وعجيب أن لا أكون كذلك، وقدأخذت حسن الوفاء عنه، واكتسبت خلوص الصفاء
منه، وطريف أن لا أهيم به شغفاً، وأجرى على مفارقته أسفاً، وقد فتنتني
منه دماثة تلك الأخلاق، والشمائل التي شغلني كلفي بها عن كل شاغل، فما
لي دأب منذ سارت به الركائب سوى تذكر محاسنه التي تأدبت بجزيل آدابها
ولا شغل منذ دعا البين فاجابه غير التفكير في فضائله التي تشبثت بفواضل
أهدابها والابتهاج بوصف مشاهدته من خلائفه الزهر، والافتخار بمودته على
أبناء الدهر، وإن كان ما ينتهي إليه استطاعتي من الثناء عليه قد تناقله
قبلي الرواة، وغنى طرباً بذكره الحداة فانني جئت مثنيا على خلاله
الرضية ما نسوه، وذاكراً من أفعاله المرضية كل صالح لم يذكروه. فأجابه
بجواب كتبت منه كلمات مستحسنة، وهي: كتَبت إلى حضرة سيدنا مد اللّه في
عمره امتداد أملي فيه، وأدام علوه دوام بره لمعتفيه، وحرس نعماه حراسة
الأدب بناديه ، وكبت أعداءه كبت الجدب نبت أياديه، على سلامة سلمت
بتأميل إيابه، وعافية عفت لولا قراءة كتابه:
واني وحقك مذ بنت عن ... ك قلبي حزين ودمعي هتون
واخلف ظني صبر معين ... وشاهد شكواي دمع معين
وللّه ايامنا الخاليا ... ت لورد سالف دهر حنين
واني لأرعى عهود الصفاء ... ويكلؤها لك سر مصون
واحفظ ودك عن قادح ... وود الاكارم علق ثمين
ولم لا ونحن كمثل اليدين ... وانت بفضلك منها اليمين
اذا قلت أسلوك قال الغر ... ام هيهات ذلك مالايكون
وهل في سلو له مطمع ... وصبري خؤون وودي أمين
محمد بن حمزة، أبو المناقب الحسيني العلوي محمد بن حمزة بن اسماعيل بن
الحسن بن علي بن الحسين، أبو المناقب الحسيني العلوي: من أهل همذان،
رحل إلى البلاد، وكتب الحديث الكثير فسمع وجمع، وكان يروي عن جده علي
بن الحسين الحسيني أشعاراً منها:
وما لك من دنياك إلا بليغة ... تزجى بها يوماً وتقضي بها ليلاً
وما دونها مماجمعت فانه ... لزيد وعمرو اولاختهما ليلى
محمد بن شجاع بن أبي بكر بن علي بن ابراهيم اللفتواني، ابو بكر ولفتوان
قرية من قرى أصبهان ، ولد سنة سبع وستين وأربعمائة، وسمع أبا عمرو بن
مندة، وأبا محمد التميمي، وطراداً لما قدم أصبهان ، وورد بغداد بعد
العشرين وخمسمائة فسمع من مشايخها، وكان شيخاً صالحاً فقيراً ثقة
متعبداً، حدثنا عنه أشياخنا. وتوفي بأصبهان في جمادى الاخرة من هذه
السنة. |