|
صفة الصفوة
ذكر
المصطفين من أهل واسط
منصور بن زاذان
...
ذكر المصطفين من أهل واسط
373 - منصور بن زاذان
مولى عبد الله بن أبي عقيل الثقفي.
عن هشام بن حسان قال: كان منصور يأتي المسجد فيصلي ركعتين، ما بين
المغرب والعشاء، يختم فيهما القرآن مرتين، ويبلغ من الثالثة إلى
الطواسين وكانت عليه عمامة يجعلها كوراً كوراً يمسح بها دموعه، وإذا
ابتلت وضعها بين يديه.
قال المؤلف: قلت: هذه الرواية ليست بمحققة وإنما كان هذا الرجل يختم
القرآن في الليل والنهار مرتين، مرة بعد المغرب والعشاء ومرة بالنهار.
يدل على صحة هذا، عن هشام بن حسان قال: كنت أصلي أنا ومنصور ابن زاذان
جميعاً، وكان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر ويختم مابين المغرب
والعشاء وكان يقوم إلى عمود فيصلي فيختم القرآن، وكان يبكي ويمسح
بعمامته عينه فلا يزال يبلها كلها بدموعه ثم يلفها ويضعها بين يديه.
صالح بن عمر قال: كان الحسن يقعد مع أصحابه ولا يقوم حتى يختم منصور بن
زاذان القرآن.
شيخ من أهل واسط يكنى أبا سعيد، وكان جاراً لمنصور بن زاذان، قال: رأيت
منصوراً توضأ يوماً فلما فرغ دمعت عيناه ثم جعل يبكي حتى ارتفع صوته،
قلت: رحمك الله ما شأنك؟ فقال: وأي شيء أعظم من شأني؟ إني أريد أن أقوم
بين يدي من لا تأخذه سنة ولا نوم، فلعله أن يعرض عني! قال: فأبكاني
والله بقوله.
عمرو بن عون قال: سمعت هشيماً يقول: مكث منصور بن زاذان يصلي الفجر
بوضوء عشاء الآخرة عشرين سنة.
عن أبي عوانة قال: لو قيل لمنصور بن زاذان: إنك ميت اليوم أو غداً، ما
كان عنده مزيد.
قال هشيم: لو قيل لمنصور بن زاذان إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده
زيادة في العمل، وذلك أنه كان يخرج فيصلي الغداة في جماعة. ثم يجلس
فيسبح حتى تطلع الشمس، ثم يصلي إلى الزوال، ثم يصلي الظهر، ثم يصلي إلى
العصر، ثم يصلي العصر، ثم يجلس
ـــــــ
373 - هو: منصور بن زادان - بزاي وذال معجمة، الواسطي: أبو المغيرة
الثقفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة تسع وعشرين على الصحيح.
(2/7)
يسبح إلى
المغرب، ثم يصلي المغرب، ثم يصلي العشاء ثم ينصرف إلى بيته فيكتب عنه
في ذلك الوقت.
عن أبي حمزة قال: رأيت جنازة منصور بن زاذان ورأيت الرجال على حدة،
والنساء على حدة، واليهود على حدة، والنصارى على حدة.
قال المؤلف: أرسل منصور الحديث عن أنس، وروى عن الحسن وابن سيرين وعطاء
ونظرائهم، وكان قد تحول عن واسط فنزل المبارك على تسعة فراسخ من واسط
وتوفي في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة. وقيل سنة تسع وعشرين.
(2/8)
374 -
سيار بن دينار
وقيل: ابن وردان، أبو الحكم العنبري.
عن هشيم قال: دخلنا على سيار أبي الحكم وهو يبكي، فقلنا: ما يبكيك؟
قال: ما أبكى العابدين قبلي.
أبو جعفر الآدمي قال: قال سيار أبو الحكم: الفرح بالدنيا والحزن
بالآخرة لا يجتمعان في قلب عبد، إلا إذ سكن أحدهما القلب خرج الآخر.
حسين بن زيادة قال: بعث بعض القضاة إلى سيار بواسط فأتاه فقال له: لم
لا تجيء إلينا؟ فقال له: إن أنت أدنيتني فتنتني، وإن باعدتني غممتني،
وليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه. ثم قام.
عبد الحميد بن بيان قال: سمعت أبي يقول: خرج سيار إلى البصرة، فقام
يصلي إلى سارية في المسجد الجامع، وكان حسن الصلاة، عليه ثياب جياد.
فرآه مالك بن دينار فجلس إليه فسلم سيار، فقال له مالك: هذه الصلاة
وهذه الثياب؟ فقال له سيار: هذه ترفعني عندك أو تضعني؟ فقال: تضعك.
قال: هذا أردت. ثم قال له: يا مالك إني لأحسب ثوبيك هذين قد أنزلاك من
نفسك ما لم ينزلك من الله. فبكى مالك وقال له: أنت سيار؟ قال: نعم.
فعانقه - وفي رواية أخرى: فجاء مالك فقعد بين يديه.
قال المصنف: يسند سيار عن طارق بن شهاب، ويقال إن طارقاً من أصحابه،
وروي عن الشعبي، وأبي حازم، في نظراتهم.
ـــــــ
374 - هو: سيار أبو الحكم العنزي -بنون وزاي - وأبوه يكنى أبا سيار
واسمه وردان، وقيل: ورد، وقيل: غير ذلك، هو أخو مساور الوراق لأمه،
ثقة، وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب، من السادسة، مات سنة اثنتين
وعشرين.
(2/8)
375 -
المستسلم بن سعيد
أبو سعيد الثقفي الواسطي، ابن أخت منصور مولى يزيد بن هارون قال: مكث
المستسلم بن سعيد أربعين سنة لا يضع جنبه إلى الأرض.
قال: وسمعته يقول: لم أشرب الماء منذ خمسة وأربعين يوماً.
وفي رواية أخرى، قال يزيد بن هارون: بت عند المستسلم بن سعيد، وكان لا
يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد، وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين
عاماً، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل: ولا بالنهار.
ـــــــ
375 - هو: مستسلم بن سعيد الثقفي، الواسطي، صدوق عابد ربما وهم، من
التاسعة.
قال الشيخ شعيب: بل صدوق حشن الحديث، فقد وثقه أحمد بن حنبل، وقال
النسائي وابن معين في رواية ابن محرز عنه: ليس به بأس، وذكره ابن حبان
في الثقات وقال: ربما خالف... التحرير 3/366.
(2/9)
376 -
هشيم بن بشير بن أبي خازم
واسم أبي خازم: القاسم بن دينار. ويكنى هشيم أبا معاوية السلمي، مولى
لبني سليم.
قال أبو إسحاق الحربي: كان هشيم رجلاً كان أبوه صاحب صحناة وكواميخ،
يقال له بشير. وطلب ابنه هشيم الحديث فاشتهاه، وكان أبوه يمنعه. فكتب
الحديث حتى جالس أبا شيبة القاضي، وكان يناظر أبا شيبة في الفقه، فمرض
هشيم، فقال أبو شيبة: ما فعل ذلك الفتى الذي كان يجيء إلينا؟ قالوا:
عليل. فقال: قوموا بنا حتى نعوده. فقام أهل المجلس جميعاً يعودونه حتى
صاروا إلى منزل بشير، فدخلوا إلى هشيم فجاء رجل إلى بشير ويده في
الصحناة فقال: الحق ابنك قد جاء القاضي يعوده. فجاء بشير والقاضي في
داره. فلما خرج قال لابنه: يا بني قد كنت أمنعك من طلب الحديث فأما
اليوم فلا، صار القاضي يجيء إلى بابي، متى أملت هذا.
قال الحربي: وكان حفاظ الحديث أربعة، هشيم شيخهم، يزعمون أنه ما رئي له
إلا دفتر واحد.
عبد الله بن أحمد قال: سمعت أبي يقول: لزمت هشيماً أربع سنين، أو خمس
سنين،
ـــــــ
376 - هو: هشيم، بالتصغير، ابن بشير، بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار
السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم - بمعجمتين - الواسطي، ثقة ثبت كثير
التدليس والإرسال الخفي من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين، وقد قارب
الثمانين.
(2/9)
ما سألته
عن شيء هيبة إلا مرتين. قال لي: وكان هشيم كثير التسبيح بين الحديث،
يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته.
محمد بن حاتم المؤدب قال: قيل لهشيم، كم كنت تحفظ يا أبا معاوية؟ قال:
كنت أحفظ في مجلس مائة ولو سئلت عنها بعد شهر لأجبت.
نصر بن بسام وغيره من أصحابنا قالوا: أتينا أبا محفوظ معروفاً الكرخي
فقال لنا: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو يقول لهشيم: "يا
هشيم: جزاك الله عن أمتي خيرا"ً. قال ابن بسام: فقلت: يا أبا محفوظ أنت
رأيته؟ قال: نعم، هشيم خير مما نظن، هشيم خير مما نظن، هشيم خير مما
نظن رضي الله عن هشيم.
عمرو بن عون قال: مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة، قبل أن يموت،
عشر سنين.
قال المؤلف: سمع هشيم من عمرو بن دينار، والزهري، ويونس بن عبيد، وأيوب
السختياني، وابن عون، وخالد الحذاء، ومنصور بن زاذان، في خلق كثير.
وروى عنه: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة، وابن المبارك، ويزيد بن
هارون، في جماعة من الكبار. وانتقل عن واسط إلى بغداد فسكنها إلى إن
مات بها وكان أبوه بشير طباخ الحجاج بن يوسف كان يعمل الكواميخ
والصحناة.
ومات هشيم في يوم الأربعاء، لعشر مضين من شعبان من سنة ثلاث وثمانين
ومائة.
(2/10)
377 -
يزيد بن هارون
يكنى أبا خالد، مولى لبني سليم، وقيل أصله من بخارى.
علي بن المديني قال: ما رأيت رجلاً قط أحفظ من يزيد بن هارون.
قال أبو جعفر أحمد بن سنان: ما رأيت عالماً قط أحسن صلاة من يزيد بن
هارون يقوم كأنه أسطوانة، وكان يصلي بين المغرب والعشاء والظهر والعصر
لم يكن يفتر من صلاة الليل والنهار، هو وهشيم جميعاً معروفان بطول
الصلاة بالليل والنهار.
ـــــــ
377 - هو: يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي ثقة
متقن، عابد من التاسعة، مات سنة ست ومائتين وقد قارب التسعين.
(2/10)
عاصم بن
علي قال: كان يزيد بن هارون إذا صلى العتمة لا يزال قائماً حتى يصلي
الغداة بذلك الوضوء نيفاً وأربعين سنة.
أبو جعفر محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة قال: قال رجل ليزيد بن هارون: كم
حزبك؟ فقال: وأنام من الليل شيئاً؟ إذاً لا أنام الله عيني.
محمد بن الربيع بن الحكم قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: من طلب الرئاسة
في غير أوانها حرمه الله إياها في أوانها.
الحسن بن عرفة قال: رأيت يزيد بن هارون بواسط وهو أحسن الناس عينين، ثم
رأيته بعين واحدة، ثم رأيته وقد ذهبت عيناه فقلت: يا أبا خالد ما فعلت
العينان الجميلتان؟ فقال: ذهب بهما بكاء الأسحار.
أبو نافع ابن بنت يزيد بن هارون قال: كنت عند أحمد بن حنبل وعنده
رجلان، فقال أحدهما: يا أبا عبد الله رأيت يزيد بن هارون في المنام
فقلت له: يا أبا خالد ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وشفعني وعاتبني.
قال: قلت غفر لك وشفعك قد عرفت، ففيم عاتبك؟ قال: قال لي يا يزيد أتحدث
عن حريز بن عثمان؟ قال: قلت يا رب ما علمت إلا خيراً. قال: يا يزيد إنه
كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب.
قال: وقال الآخر: وأنا رأيت يزيد بن هارون في المنام؟ فقلت له: هل أتاك
منكر ونكير؟ قال: إي والله، وسألاني من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ قال:
قلت: ألمثلي يقال هذا وأنا أعلم الناس هذا في دار الدنيا؟ فقالا لي:
صدقت فنم نومة العروس لا بؤس عليك.
حوثرة بن محمد المقري قال: رأيت يزيد بن هارون في المنام بعد موته
بأربع ليال فقلت: ما فعل الله بك؟ تقبل مني الحسنات، وتجاوز عن
السيئات، ووهب لي التبعات. قلت: وما كان بعد ذلك؟ قال: هل يكون من
الكريم إلا الكرم؟ غفر لي ذنوبي وأدخلني الجنة. قلت: بم نلت؟ قال:
بمجالس الذكر وقول الحق وصدقي في الحديث وطول قيامي في الصلاة وصبري
على الفقر، قلت: منكر ونكير حق؟ قال: إي والله، والله الذي لا إله إلا
هو لقد أقعداني وسألاني: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فجعلت أنفض لحيتي
البيضاء من التراب. فقلت: مثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنت
في دار الدنيا ستين سنة أعلم الناس.
(2/11)
فقال
أحدهما: صدق، هو يزيد بن هارون، من نومة العروس ولا روعة عليك بعد
اليوم. قال أحدهما: أكنت تكتب عن حريز بن عثمان؟ قلت: نعم وكان ثقة في
الحديث. قال: ثقة ولكنه كان يبغض علياً، أبغضه الله تعالى.
قال المؤلف: أسند يزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وسليمان
التميمي، وعاصم الأحوال، وحميد الطويل، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن
عون، وحسين المعلم في خلق كثير. وكان مولده ثمان عشرة ومائة. وتوفي في
سنة ست ومائتين وهو ابن سبع أو ثمان وثمانين سنة.
انتهى ذكر أهل واسط
(2/12)
|