صفة الصفوة

ذكر المصطفين من أهل الكوفة من التابعين ومن بعدهم
فمن الطبقة الأولى
سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر
...
ذكر المصطفين من أهل الكوفة من التابعين ومن بعدهم
فمن الطبقة الأولى
378 - سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر
يكنى أبا أمية. رحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصل إلى المدينة، وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. فصحب أبا بكر وعثمان وعلياً.
وروى عنه الشعبي أنه قال: أنا أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنة.
عن عمران بن مسلم قال: كان سويد بن غفلة إذا قيل له أعطي فلان وولي فلان، قال: حسبي كسرتي وملحي.
عن عثمان بن عمران قال: قال سويد بن غفلة: لو استطعت أن أكون مؤذن الحي لفعلت.
عن خثيمة عن سويد بن غفلة قال: إذا أراد أن ينسى أهل النار جعل لكل واحد منهم تابوتاً من نار على قدره ثم أقفل عليهم بأقفال من نار فلا يضرب فيهم عرق إلا وفيه مسمار من نار. ثم يجعل ذلك التابوت في تابوت آخر من نار، ثم يقفل عليه بأقفال من نار ثم تضرم بينهم نار ثم يجعل ذلك في تابوت آخر من نار ثم يقفل بأقفال من نار ثم تضرم نار فلا يرى أحد منهم أن في النار غيره.
عن سويد بن غفلة قال: إن الملائكة تمشي أمام الجنازة وتقول: ما قدم؟ ويقول الناس: ما ترك؟
عن الوليد بن علي عن أبيه قال: كان سويد بن غفلة يؤمنا في شهر رمضان في القيام، وقد أتى عليه عشرون ومائة سنة.
عن عاصم قال: تزوج سويد بن غفلة وهو ابن ستة عشرة ومائة سنة، وكان يمشي، يأتي الجمعة ماشياً.
ـــــــ
378 - هو: سويد بن غفلة - بفتح المعجمة والفاء - أبو أمية الجعفي، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مسلما في حياته، ثم نزل الكوفة، ومات سنة ثمانين، وله مائة وثلاثون سنة.

(2/13)


حنش بن الحارث قال: رأيت سويد بن غفلة يمر بنا في المسجد إلى امرأة له من بني أسد وهو ابن سبع وعشرين ومائة سنة.
عن عاصم بن كليب قال: تزوج سويد بن غفلة بكراً وهو ابن ست عشرة ومائة سنة وكان يمر بنا إلى الجمعة يمشي وهو ابن ست عشرة ومائة.
قال المؤلف: أسند سويد عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وبلال وغيرهم.
قال محمد بن سعد: مات سويد ابن ثمان وعشرين ومائة سنة في إحدى أو ثنتين وثمانين.

(2/14)


379 - الأسود بن يزيد بن قيس بن عبد الله
يكنى أبا عمرو، وهو ابن أخي علقمة بن قيس وهو أكبر من علقمة.
عن منصور عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان، في كل ست ليال.
عن أبي إسحق قال: حج الأسود ثمانين من بين حج وعمرة.
عن عبد الرحمن بن تروان الأودي قال: كان الأسود بن يزيد يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يخضر جسده ويصفر: وكان علقمة يقول له: ويحك لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: إن الأمر جد، إن الأمر جد.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الأسود بن زيد. وكان يجتهد في العبادة، ويصوم حتى يصفر ويخضر. فلما احتضر بكى. فقيل له ما هذا الجزع؟ فقال: لا أجزع؟ ومن أحق بذلك مني؟ والله لو أتيت بالمغفرة من الله عز وجل لأهمني الحياء منه بما قد صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ولا يزال مستحياً منه. قال: لقد حج الأسود ثمانين حجة.
حنش بن الحارث قال: رأيت الأسود وقد ذهبت إحدى عينيه من الصوم، عمارة قال: ما كان الأسود إلا راهباً من الرهبان.
عن الحكم قال: كان الأسود يصوم الدهر.
ـــــــ
379 - هو: الأٍود بن يزيد بن قيس النخعي، أبو عمرو أو أبو عبد الرحمن مخضرم، ثقة مكثر فقيه من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين.

(2/14)


أسند الأسود عن أبي بكر وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبي موسى وسلمان وعائشة ولم يورد عن عثمان شيئاً. وتوفي بالكوفة في سنة خمس وسبعين.

(2/15)


380 - مسروق بن الأجدع بن مالك
أبو عائشة الهمداني.
سرق وهو صغير ثم وجد فسمي مسروقاً. وأسلم أبوه الأجدع. ولقي مسروقاً عمر بن الخطاب فقال له: ما اسمك؟ فقال: مسروق بن الأجدع. فقال الأجدع شيطان، أنت مسروق بن عبد الرحمن. فثبت ذلك عليه.
عن مسروق قال: بحسب المؤمن من الجهل أن يعجب بعمله، وبحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله.
عن مسروق قال: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله عز وجل.
عن إسماعيل بن أمية قال: قيل لمسروق: لو أنك قصرت عن بعض ما تصنع، أي من العبادة، فقال: والله لو أتاني آت فأخبرني أن الله لا يعذبني لاجتهدت في العبادة. قيل: وكيف ذلك؟ قال: حتى تعذرني نفسي إن دخلت جهنم لا ألومها، أما بلغك في قوله عز وجل: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم واعتقبتهم الزبانية وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني ورفعت عنهم الرحمة وأقبل كل امرئ منهم يلوم نفسه.
عن أبي إسحاق قال: حج مسروق فلم ينم إلا ساجداً على وجهه حتى رجع.
عن أنس وابن سيرين: أن امرأة مسروق قالت: كان يصلي حتى تورم قدماه، فربما جلست خلفه أبكي مما أراه يصنع بنفسه.
عن إبراهيم قال: كان مسروق يرخي الستر بينه وبين أهله ثم يقبل على صلاته ويخليهم ودنياهم.
عن مسلم وغيره، عن مسروق قال: إني أحسن ما أكون ظناً حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيز ولا درهم.
ـــــــ
380 - هو: مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه، عابد، مخضرم، من الثانية مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين.

(2/15)


عن مسلم عن مسروق قال: إن المرء لحقيق أن يكون له مجالس يخلو فيها، يتذكر ذنوبه يستغفر منها.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم مسروق بن الأجدع، فإن امرأته قالت: ما كان يوجد إلا وساقاه قد انتفختا من طول الصلاة فلما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: ما لي لا أجزع وإنما هي ساعة ولا أدري أين يسلك بي؟ بين يدي طريقان لا أدري إلى الجنة أم إلى النار؟.
عن الشعبي قال: غشي على مسروق في يوم صائف وهو صائم، فقالت له ابنته: أفطر قال: ما أردت بي؟ قالت: الرفق. قال: يا بنية إنما أطلب الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
أسند مسروق عن عمر وعلي وابن مسعود وخباب وزيد بن ثابت والمغيرة وعبد الله بن عمرو وعائشة ولم يسند عن عثمان شيئاً ولكنه قد رآه ورأى أبا بكر أيضاً، وكان علي بن المديني يقول: لا أقدم على مسروق أحداً من أصحاب ابن مسعود.
ومات مسروق بالكوفة في سنة ثلاث وستين - والسلام.

(2/16)


381 - علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي
يكنى أبا شبل، هو عم الأسود بن يزيد وخال إبراهيم التيمي.
قال أبو ظبيان: أدركت ما شاء الله من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون علقمة ويستفتونه.
عن إبراهيم عن علقمة قال: كان عبد الله يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ودله وسمته وكان علقمة يشبه بعبد الله.
قال مرة بن شراحيل: كان علقمة من الربانيين.
عن إبراهيم قال: كان علقمة يختم القرآن في كل خمس.
عن المسيب بن رافع قال: قيل لعلقمة: لو جلست فأقرأت الناس القرآن وحدثتهم قال: أكده أن توطأ عقبي وأن يقال: هذا علقمة، وكان يكون في بيته يعلف غنمه ويقت لهن.
عن مالك بن الحارث قال: قيل لعلقمة: ألا تخرج فتحدث الناس؟ قال: أخرج؟ يتبعون
ـــــــ
381 - هو: علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين.

(2/16)


عقبي ويقولون: هذا علقمة. قالوا: أفلا تدخل على السلطان فتنتفع؟ قال: إني لا أصيب من دنياهم شيئاً إلا أصابوا من ديني مثله.
ولا تؤذنوا بي أحداً وأغلقوا الباب ولا تتبعني امرأة ولا تتبعوني بنار، وإن استطعتم أن يكون آخر كلامي لا إله إلا الله.
قال المؤلف: أسند علقمة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي موسى وخباب بن الأرت وسلمان وأبي مسعود وعائشة. وتوفي بالكوفة سنة إحدى وستين، وقيل سنة اثنتين وستين، وقيل ثلاث وستين، وقيل اثنتين وسبعين، وقيل ثلاث وسبعين، وله تسعون سنة - رحمه الله.

(2/17)


382 - شقيق بن سلمة الأسدي
يكنى أبا وائل.
عن عاصم أن أبا وائل كان له خص من قصب، وكان يكون فيه هو وفرسه فإذا غزا نقضه وتصدق به وإذا رجع أنشأ بناءه.
عن عاصم قال: ما رأيت أبا وائل يلتفت في صلاة ولا في غيرها قط.
عن إبراهيم قال: ما من قرية إلا وفيها من يدفع عن أهلها به، وإني لأرجو أن يكون أبو وائل منهم.
سعيد بن صالح قال: رأيت أبا وائل يسمع النوح ويبكي.
عن الأعمش، عن أبي وائل قال: إن أهل بيت يضعون على مائدتهم رغيفاً حلالاً لأهل بيت غرباء.
عن مغيرة قال: كان إبراهيم التيمي يذكر في منزل أبي وائل، فكان أبو وائل ينتفض انتفاض الطير.
عن عاصم قال: كان أبو وائل إذا خلا يسبح، ولو جعلت له الدنيا على أن يفعل ذلك وأحد يراه لم يفعل.
عمرو بن قيس قال: كان شقيق بن سلمة يدخل المسجد يصلي ثم ينشج كما تنشج المرأة.
عن عاصم بن أبي النجود قال: كان عطاء أبي وائل ألفين فإذا خرج أمسك ما يكفي أهله
ـــــــ
382 - هو: شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة.

(2/17)


سنة وتصدق بما سوى ذلك.
عن عاصم قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول وهو ساجد: رب اغفر لي رب اعف عني، إن تعف عني تطولاً من فضلك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم لي. قال: ثم يبكي حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
قال المؤلف: أدرك أبو وائل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلقه، وسمع عن عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وعمارة وخباب وأبي موسى وأسامة بن يزيد، وحذيفة وابن عمر وأبي مسعود وسلمان وأبي الدرداء والبراء والمغيرة بن شعبة وأبي هريرة، وجرير وكعب بن عجرة وسهل بن حنيف وقيس بن أبي غرزة وابن عباس وابن الزبير وعائشة وأم سلمة.
قال سعيد بن صالح: كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة.
قال الفضل بن دكين: توفي أبو وائل في زمن الحجاج بعد الجماجم.

(2/18)


383 - زيد بن وهب الجهني
أحد بني حسل بن نصر بن مالك، يكنى أبا سليمان عبد الله بن داود قال: خبرتنا مولاة لزيد بن وهب قالت: كان زيد قد أثر الرحل بوجهه من الحج والعمرة.
قال المصنف: رحل زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيد في الطريق، وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وكبار الصحابة وتوفي بعد الجماجم.
ـــــــ
383 - هو: زيد بن وهب الجهني، أبو سليمان الكوفي، مخضرم، ثقة جليل لخم يصب من قال: في حديثه خلل، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين.
الذي قال ذلك هو يعقوب بن سفيان الفسوي، وتعقبه الذهبي في الميزان تعقبا جيدا، التحرير 1/437.

(2/18)


384 - يزيد بن شريك التميمي
وهو أبو إبراهيم.
عن ليث بن أبي سليم، عن إبراهيم التميمي عن أبيه قال: قدمت البصرة فربحت فيها عشرين ألفاً، فما أكثرت بها فرحاً، وما أريد أن أعود إليها لأني سمعت أبا ذر يقول: إن صاحب الدرهم يوم القيامة أخف من صاحب الدرهمين.
عن الأعمش، عن إبراهيم التميمي، عن أبيه أنه خرج إلى البصرة فاشترى رقيقاً بأربعة آلاف، ثم باعهم فربح أربعة آلاف. فقلت يا أبت لو أنك عدت إلى البصرة فاشتريت مثل هؤلاء
ـــــــ
384 - هو: يزيد بن شريك التميمي، وهو أبو إبراهيم، العابد المشهور انظر حلية الأولياء 4/234.

(2/18)


385 - زر بن حبيش الأسدي
يكنى أبا مريم.
عن عاصم بن أبي النجود قال: أدركت أقواماً كانوا يتخذون هذا الليل جملاً، منهم: زر، وأبو وائل.
عن سويد الكلبي أن زر بن حبيش كتب إلى عبد الملك بن مروان كتاباً يعظه فيه، فكان في آخر كتابه: ولا يطعمنك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما يظهر من صحة بدنك، فأنت أعلم بنفسك، واذكر ما تكلم به الأولون.
إذا الرجال ولدت أولادها ... وبليت من كبر أسجادها
وجعلت أسقامها تعتادها ... فذلك زروع قد دنا حصادها
فلما قرأ الكتاب بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق.
عن إسماعيل بن أبي خالد قال: افتض زر بن حبيش جارية وهو ابن عشرين ومائة سنة.
قال المؤلف: أسند زر عن عمر وعلي وابن عوف وابن مسعود وأبي بن كعب وحذيفة وصفوان بن عسال. وتوفي وهو ابن اثنتين وعشرين ومائة.
ـــــــ
385 - هو: زر بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة -مصغر، ابن حباشة - بضم المهملة بعدها موحدة ثم معجمة الأسدي، الكوفي، أبو مريم، ثقة جليل مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مائة وسبع وعشرين.

(2/19)


386 - عمرو بن شرحبيل، أبو ميسرة
عن زبيد سمعت أبا وائل يقول: ما رأيت همدانياً أحب إلي أن أكون في مسلاخه من أبي ميسرة قيل: ولا مسروق؟ قال: ولا مسروق.
عن فضيل بن غزوان، عن امرأة عمرو بن شرحبيل قالت: كان عمرو إذا آوى إلى فراشه قال: وددت أني لم أك شيئاً قط.
قال المؤلف: أسند عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وخباب بن الأرت وغيرهم. والسلام.
ـــــــ
386 - هو: عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة عابد، مخضرم مات سنة ثلاث وستين.

(2/19)


387 - عبد الله بن أبي الهذيل
يكنى أبا المغيرة.
عن أبي فروة: كنا نجالس عبد الله بن أبي الهذيل، فإذا جاء إنسان فألقى حديثاً من حديث الناس قال: يا عبد الله ليس لهذا جلسنا.
عن خالد أبي سنان قال: شكا عبد الله بن أبي الهذيل يوماً من ذنوبه، فقال له رجل: يا أبا المغيرة أو لست التقي النقي؟ فقال: اللهم إن عبدك هذا أراد أن يتقرب إلي وإني أشهدك على مقته.
عن العوام بن حوشب عن ابن أبي الهذيل قال: لقد شغلت النار من يعقل عن ذكر الجنة.
عن العوام بن حوشب قال: ما رأيت ابن أبي الهذيل إلا وكأنه مذعور.
قال المؤلف: أسند عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن مسعود، إلا أنه أرسل الحديث عنهم وسمع من عمار وخباب بن الأرت وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وجرير وابن عباس وعبد الرحمن بن أبزي.
ـــــــ
387 - هو: عبد الله بن أبي الهذيل الكوفي، أبو المغيرة، ثقة، من الثانية، مات في خلافة خالد القشري على العراق.

(2/20)


388 - مرة بن شراحيل الهمداني
ويقال له مرة الطبيب، سمي بذلك لعبادته.
حصين قال: أتينا مرة بن شراحيل الطبيب نسأل عنه فقالوا: إنه في غرفة له قد تعبد اثنتي عشرة سنة. فدخلنا عليه.
عن زبيد اليامي قال: كان مرة الهمداني يصلي في اليوم والليلة ستمائة ركعة.
عن عطاء بن السائب قال: كان مرة يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة فلما ثقل وبدن صلى أربعمائة ركعة وكنت أنظر إلى مباركه كأنها مبارك الإبل.
العلاء بن عبد الكريم الأيامي قال: كنا نأتي مرة الهمداني فيخرج إلينا فنرى أثر السجود في جبهته وكفيه وركبتيه وقدميه، فيجلس معنا هنية ثم يقوم قائماً فإنما هو ركوع وسجود.
قال المؤلف: أسند مرة عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وغيرهم.
ـــــــ
388 - هو: مرة بن شراحبيل الهمداني، يسكون الميم، أبو إسماعيل الكوفي، هو الذي يقال له: مرة الطبيب، ثقة عابد من الثانية، مات سنة ست وسبعين وقيل بعد ذلك.

(2/20)


الحارث الغنوي قال: سجد مرة الهمداني، حتى أكل التراب جبهته، فلما مات رآه رجل من أهله في منامه كأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الدري يلمع قال: فقلت له: ما هذا الذي أرى بوجهك؟ قال كسي موضع السجود، بأكل التراب له نوراً. قال: فما منزلتك في الآخرة؟ قال: خير منزلة، دار لا ينقل عنها أهلها ولا يموتون.

(2/21)


389 - عمرو بن ميمون الأودي
عن أبي إسحاق قال: كان عمرو بن ميمون إذا دخل المسجد فرئي ذكر الله عز وجل.
عن أبي إسحاق أن عمرو بن ميمون حج مائة حجة وعمرة، كذا رواه إسرائيل ورواه شعبة عن أبي إسحاق أنه حج ستين حجة وعمرة.
قال أبو المليح: قال عمرو بن ميمون ما يسرني أن أمري يوم القيامة إلى أبوي.
قال المصنف: أسند عمرو عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي أيوب وأبي مسعود عقبة بن عمرو، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة وابن العباس، وآخرين، توفي سنة أربع أو خمس وسبعين، في أول خلافة عبد الملك.
ـــــــ
389 - هو: عمرو بن ميمون الأودي، أبو عبد الله، ويقال: أبو يحي، مخضرم مشهور، ثقة عابد، نزل بالكوفة، مات سنة أربع وسبعين، وقيل بعدها.

(2/21)


390 - همام بن الحارث النخعي
عن إبراهيم، عن همام بن الحارث أنه كان يدعو: اللهم اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهراً في طاعتك، وكان لا ينام إلا هنية وهو قاعد.
عن إبراهيم قال: أصبح همام مترجلاً فقال بعض القوم: إن جمة همام لتخبركم أنه لم يتوسدها الليلة.
عن الأعمش قال: كانوا يأتون همام بن الحارث يتعلمون في هديه وسمته.
قال المؤلف: أسند همام عن عمر وابن مسعود وحذيفة وأبي مسعود وأبي الدرداء وعدي بن حاتم وجرير وعائشة. وتوفي بالكوفة في ولاية الحجاج.
ـــــــ
390 - هو: همام بن الحارث بن قيس النخعي، الكوفي، ثقة عابد، من الثانية مات سنة خمس وستين.

(2/21)


391 - ربعي بن حراش بن جحش الغطفاني
عبد الله العجلي قال: حدثني أبي قال: إن ربعي بن حراش لم يكذب كذبة قط وكان له
ـــــــ
391 - هو: ربعي بن حراش، بكسر المهملة وآخره معجمة، أبو مريم العبسي، الكوفي، ثقة عابد، مخضرم، من الثانية، مات سنة مائة وقيل غير ذلك.

(2/21)


392 - أخو ربعي بن حراش
ولم يسم لنا.
عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش قال: كنا إخوة ثلاثة، وكان أعبدنا وأصومنا وأفضلنا الأوسط منا. فغبت غيبة إلى السواد. ثم قدمت على أهلي فقالوا: أدرك أخاك فإنه في الموت. فخرجت أسعى إليه فانتهيت إليه وقد قضى وسجي بثوب، فقعدت عند رأسه أبكيه، فرفع يده فكشف الثوب عن وجهه وقال: السلام عليكم. قلت: أي أخي أحياة بعد موت؟ قال: نعم. إني لقيت ربي فلقيني بروح وريحان، ورب غير غضبان، وأنه كساني ثياباً خضراً من سندس وإستبرق، وإني وجدت الأمر أيسر مما تحسبون، ثلاثاً، وإني لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقسم أن لا أبرح حتى آتيه. فعجلوا جهازي. ثم طفئ، فكأنه أسرع من حصاة لو ألقيت في ماء.

(2/22)


393 - زياد بن حدير الأسدي
يكنى أبا المغيرة وقيل أبا عبد الرحمن.
عن حفص بن حميد قال: كان الرجل يأتي زياد بن حدير فيقول له: إني أريد رستاق كذا وكذا. فيقول له: اقطع طريقك بذكر الله، عن أبي صخرة عن زياد بن حدير قال: وددت أني في حيز من حديد معي فيه ما يصلحني لا أكلم الناس ولا يكلموني حتى ألقى الله.
روى زياد عن علي وعمر وابن مسعود.
ـــــــ
393 - هو: زياد بن حدير، بمهملة مصغر، الأسدي، وله ذكر في الصحيح ثقة عابد من الثانية.

(2/22)


394 - شريح بن الحارث بن قيس القاضي
يكنى أبا أمية ولاه عمر الكوفة.
عن ابن عون، عن إبراهيم عن شريح، قال: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا، إن الظالم ينتظر العقاب والمظلوم ينتظر النصر.
عن ابن سيرين قال: سمعت شريحاً يحلف بالله ما ترك عبد شيئاً لله فوجد فقده قال ابن سيرين: ولا أرى شريحاً حلف إلا على علم.
عن الأعمش قال: اشتكى شريح رجله فطلاها بالعسل وجلس في الشمس، فدخل عليه عواده فقالوا: كيف تجدك؟ قال: صالحاً. فقالوا: ألا أريتها الطبيب؟ فقال: قد فعلت. فقالوا: فما قال لك؟ قال: وعد خيراً.
عن إبراهيم عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه، فقال: يا أبا أمية قضيت علي بغير بينة فقال: أخبرني ابن أخت خالك عن ميسرة عن شريح أنه افتقد ابناً له، فبعث في طلبه فقال لطالبه: أين أصبته؟ فقال: كان يهارش بالكلاب، فقال: صليت؟ قال: لا. فقال للرسول: اذهب به إلى المؤدب وقال:
ترك الصلاة لأكلب يسعى لها ... طلب الهراش مع الغواة النجس
فإذا أتاك فعضه بملامة ... وعظنه موعظة الأديب الكيس
وإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا ضربت بها ثلاثاً فاحبس
واعلم بأنك ما أتيت فنفسه ... مع ما يجرعني، أعز الأنفس
عن عامر: أن ابناً لشريح قال لأبيه: بيني وبين قوم خصومة فانظر فإن كان الحق لي خاصمتهم وإن لم يكن لي الحق لم أخاصمهم، فقص قصته عليه فقال: انطلق فخاصمهم فانطلق إليهم فخاصمهم إليه فقضى على ابنه. فقال له لما رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدم إليك لم ألمك، فضحتني. فقال: والله يا بني لأنت أحب إلي من ملء الأرض مثلهم، ولكن الله هو أعز علي منك، أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم فتذهب ببعض حقهم.
عن الشعبي قال: شهدت شريحاً وجاءته امرأة تخاصم رجلاً فأرسلت عينيها وبكت
ـــــــ
394 - هو: شريح بن الحارث بن قيس الكوفي، النخعي، القاضي، أبو أمية مخضرم ثقة، وقيل: له صحبة، مات قبل الثمانين أو بعدها وله مائة وثمان سنين أو أكثر، يقال: حكم سبعين ينة.

(2/23)


فقلت: يا أبا أمية ما أظنها إلا مظلومة. فقال: يا شعبي إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون.
عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون عن شريح أنه رأى جيراناً له يجولون فقال: ما لكم؟ قالوا: فرغنا اليوم فقال: ما بهذا أمر الفارغ.
عن أبي حيان التيمي قال: أنا أبي قال: كان شريح إذا مات لأهله سنور أمر بها فألقيت في جوف داره ولم يكن لها مثقب شارع إلا في جوف داره اتقاء لأذى المسلمين.
قال أبو نعيم: خرج شريح من عند زياد فلقيه رجل فقال: كبرت سنك ورق عظمك وارتشى ابنك. قال: فرجع إليه فأخبره فقال: من قال لك؟ قال: لا أعرفه فأعفني. قال: لا أعفيك حتى تشير علي برجل. فأشار عليه بأبي بردة فولاه القضاء.
قال المؤلف: أسند شريح عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما. وتوفي سنة ست وسبعين وقيل ثمان وسبعين، وقد بلغ ماية وثمان سنين.

(2/24)


395 - شبيل بن عوف بن أبي حية
أبو الطفيل الأحمسي من بجيلة أدرك الجاهلية.
عن إسماعيل بن أبي خالد، عن شبيل بن عوف قال: ما اغبرت رجلاي في طلب دنيا قط.
قال المؤلف: شبيل عن عمر بن الخطاب وزيد بن أرقم وغيرهما.
ـــــــ
395 - هو: شبيل بن عوف بن أبي حية أبو الطفيل، الأحمس، ويقال: شبل، بغير تصغير، مخضرم، ثقة، لم تصح صحبته، شهد القادسية.

(2/24)


396 - سويد بن شعبة اليربوعي
من بني تميم وكان من الذين اختطوا الكوفة أيام عمر بن الخطاب.
عن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: دخلت على سويد بن شعبة، وكان من أصحاب الخطط الذين خط لهم عمر بن الخطاب بالكوفة فإذا هو منكب على وجهه مسجى بثوب، فلولا أن امرأته قالت: أهلي فداؤك، ما نطعمك؟ ما نسقيك؟ ما ظننت أن تحت الثوب شيئاً - فلما رآني قال: يا ابن أخي دبرت الحراقف والصلب فما من ضجعة غير ما ترى، والله ما أحب أني نقصت منه قلامة ظفر.
قال الأصمعي: الحرقفة: مجتمع رأس الورك ورأس الفخذين.

(2/24)


397 - معضد بن يزيد العجلي
يكنى أبا ذر.
عن بلال بن سعد عن معضد قال: لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وطول ليل الشتاء، ولذاذة التهجد بكتاب الله عز وجل، ما باليت أن أكون يعسوباً.
عن إبراهيم، عن همام قال: انتهيت إلى معضد وهو ساجد، فأتيته وهو يقول: اللهم اشفني من النوم باليسير. ثم مضى في صلاته.
قال المؤلف: لم يحفظ لمعضد حديث مسند، وإنما كان مشغولاً بالتعبد.
ـــــــ
397 - هو: معضد بن يزيد العجلي، يكنى أبا ذر، المتعبد المجتهد، الشهاد المستشهد، رحمه الله حلية الأولياء 4/174.

(2/25)


398 - أويس بن عامر بن جرير بن مالك القرني
وقال علقمة بن مرثد: أويس بن أنيس: وقيل أويس بن الحليس.
عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتت عليه أمداد أهل اليمن سألهم: هل فيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم.
قال: من مراد ثم قرن؟ قال: نعم. قال: كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال نعم قال: لك والدة؟ قال نعم. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، وله والدة هو بها بار لو أقسم على الله عز وجل لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" فاستغفر لي، فاستغفر له.
فقال عمر رضي الله عنه ورحمه الله: أين تريد؟ قال: الكوفة. فقال: ألا أكتب لك إلى عاملها فيستوصي بك قال: لأن أكون في غبر الناس أحب إلي.
قال: فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس: كيف تركته؟ قال: تركته رث الهيئة قليل المتاع. فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يأتي عليك أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ إلا موضع
ـــــــ
398 - هو: أويس بن عامر القرني - بفتح القاف والراء بعدها نون - سيد التابعين، روى له مسلم من كلامه، مخضرم، قتل بصفين.

(2/25)


درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله عز وجل لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل" .
فلما قدم الكوفة أتى أويساً فقال: استغفر لي. فقال: أنت أحدث عهداً بسفر صالح، فاستغفر لي، لقيت عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له. ففطن له الناس فانطلق على وجهه.
قال أسير: وكسوته برداً فكان إذا رآه إنسان عليه قال: من أين لأويس هذا البرد؟ انفرد بإخراج هذا الحديث مسلم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يحب من خلقه الأصفياء الأخفياء الأبرياء الشعثة رؤوسهم المغبرة وجوههم، الخمصة بطونهم، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإن خطبوا المتنعمات لم ينكحوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن طلعوا لم يفرح بطلعتهم، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن ماتوا لم يشهدوا " .
قالوا: يا رسول الله كيف لنا برجل منهم؟ قال: "ذاك أويس القرني" . قالوا: وما أويس القرني؟ قال: "أشهل ذو صهوبة، بعيد ما بين المنكبين معتدل القامة آدم شديد الأدمة ضارب بذقنه إلى صدره، رام ببصره إلى موضع سجوده، واضع يمينه على شماله يتلو القرآن، يبكي على نفسه، ذو طمرين لا يؤبه له متزر بإزار صوف ورداء صوف، مجهول في أهل الأرض، معروف في السماء، لو أقسم على الله لأبر قسمه، ألا وإن تحت منكبه الأيسر لمعة بيضاء، ألا وإنه إذا كان يوم القيامة قيل للعباد: ادخلوا الجنة، ويقال لأويس قف فاشفع، فيشفعه الله عز وجل في مثل ربيعة ومضر. يا عمر، يا علي إذا أنتما لقيتماه فاطلبا إليه أن يستغفر لكما يغفر الله لكما" .
قال: فمكثا يطلبانه عشر سنين لا يقدران عليه. فلما كان في آخر السنة التي هلك فيها عمر قام على أبي قبيس فنادى بأعلى صوته:
يا أهل الحجيج من اليمن أفيكم أويس؟ فقام شيخ كبير طويل اللحية فقال: إنا لا ندري ما أويس؟ ولكن ابن أخ لي يقال له أويس وهو أخمل ذكراً وأقل مالاً وأهون أمراً من أن نرفعه إليك، وإنه ليرعى إبلنا، حقير بين أظهرنا. فعمى عليه عمر كأنه لا يريده وقال: ابن أخيك هذا أبحر منا هو! قال نعم. قال: أين يصاب؟ قال: أراك عرفات.
قال: فركب عمر وعلي سراعاً إلى عرفات فإذا هو قائم يصلي إلى شجرة والإبل حوله

(2/26)


ترعى. فشدا خماريهما ثم أقبلا إليه فقالا: السلام عليك ورحمة الله فخفف أويس الصلاة ثم قال: السلام عليكما ورحمة الله. قالا: من الرجل؟ قال: راعي إبل وأجير قوم. قالا: لسنا نسألك عن الرعاية ولا عن الإجارة ما اسمك؟ قال: عبد الله. قالا: قد علمنا أن أهل السموات والأرض كلهم عبيد الله ما اسمك الذي سمتك أمك؟ قال: يا هذان ما تريدان إلي؟ قالا: وصف لنا محمد صلى الله عليه وسلم أويساً القرني فقد عرفنا الصهوبة والشهولة وأخبرنا أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء فأوضحها لنا، فإن كانت بك فأنت هو. فأوضح منكبه فإذا اللمعة فابتدراه يقبلانه وقالا: نشهد أنك أويس القرني. فاستغفر لنا يغفر الله لك. قال: ما أخص باستغفاري نفسي ولا أحداً من ولد آدم ولكنه في البر والبحر من المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. يا هذان قد شهر الله لكما حالي وعرفكما أمري فمن أنتما؟ قال علي عليه السلام: أما هذا فعمر أمير المؤمنين، وأما أنا فعلي بن أبي طالب فاستوى أويس قائماً وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، وأنت يا علي بن أبي طالب، فجزاكما الله عن هذه الأمة خيراً. قالا: وأنت فجزاك الله عن نفسك خيراً. فقال له عمر: مكانك يرحمك الله حتى أدخل مكة فآتيك بنفقة من عطائي وفضل كسوة من ثيابي، هذا المكان ميعاد بيني وبينك. قال ميعاد بيني وبينك لا أراك بعد اليوم، فعرفني ما أصنع بالنفقة وما أصنع بالكسوة؟ أما ترى علي إزاراً من صوف ورداء من صوف؟ متى تراني أخرقهما؟ أما ترى أن نعلي مخصوفتان؟ متى تراني أبليهما؟ إني قد أخذت من رعايتي أربعة دراهم متى تراني آكلها؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كؤوداً لا يجاوزها إلا ضامر مخف مهزول فأخفف رحمك الله.
فلما سمع عمر ذلك ضرب بدرته الأرض ثم نادى بأعلى صوته: ألا ليت عمر لم تلده أمه، يا ليتها كانت عاقراً لم تعالج حملها، ألا من يأخذها بما فيها ولها؟ ثم قال: يا أمير المؤمنين خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ها هنا. فولى عمر ناحية مكة وساق أويس إبله فوافى القوم بإبلهم وخلى عن الرعاية وأقبل على العبادة حتى لحق بالله عز وجل.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية منهم أويس القرني، ظن أهله أنه مجنون فبنوا له بيتاً على باب دارهم، فكانت تأتي عليه السنة والسنون لا يرون له وجهاً، وكان طعامه مما يلتقط من النوى فإذا أمسى باعه لإفطاره فإن أصاب حشفة حبسها لإفطاره.

(2/27)


فلما ولي عمر بن الخطاب قال بالموسم: أيها الناس قوموا. فقاموا. فقال: اجلسوا، إلا من كان من اليمين: فجلسوا فقال: اجلسوا إلا من كان من مراد. فجلسوا. فقال: إلا من كان من قرن. فجلسوا إلا رجلاً، وكان عم أويس القرني. فقال له عمر: أقرني أنت؟ قال: نعم، قال: أتعرف أويساً؟ قال: وما تسأل عن ذلك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما فينا أحمق ولا أجن ولا أحوج منه.
فبكى عمر ثم قال: بك لا به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يدخل الجنة بشفاعته مثل ربيعة ومضر" .
قال هرم بن حيان: فلما بلغني ذلك قدمت الكوفة فلم يكن لي هم إلا طلبه، حتى سقطت عليه جالساً على شاطئ الفرات نصف النهار، يتوضأ. فعرفته بالنعت الذي نعت لي: فإذا رجل نحيل آدم شديد الأدمة أشعث محلوق الرأس مهيب المنظر، فسلمت عليه فرد علي ونظر إلي، ومددت يدي لأصافحه فأبى أن يصافحني، فقلت: رحمك الله يا أويس وغفر لك، كيف أنت؟ وخنقتني العبرة من حبي إياه ورقتي عليه، لما رأيت من حاله، حتى بكيت وبكى.
قال: وأنت، فحياك الله يا هرم بن حيان، كيف أنت يا أخي؟ من دلك علي؟ قلت: الله. قال: لا إله إلا الله، {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} سورة الإسراء، آية 108. فقلت: ومن أين عرفت اسمي واسم أبي وما رأيتك قبل اليوم ولا رأيتني؟ قال: {نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ} ، عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك، إن المؤمنين يعرف بعضهم بعضاً ويتحابون بروح الله عز وجل، وإن لم يلتقوا، إن نأت بهم الدار وتفرقت بهم المنازل.
قلت: حدثني رحمك الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لم أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لي معه صحبة بأبي وأمي رسول الله، ولكني قد رأيت رجالاً قد رأوه ولست أحب أن أفتح على نفسي هذا الباب، أن أكون محدثاً أو قاضياً أو مفتياً، في نفسي شغل عن الناس. فقلت: أي أخي اقرأ علي آيات من كتاب الله عز وجل أسمعها منك، وأوصني بوصية أحفظها عنك، فإني أحبك في الله. فأخذ بيدي فقال: أعود بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال ربي، وأحق القول قول ربي عز وجل، وأصدق الحديث حديث ربي عز وجل، ثم قرأ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى قوله {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} فشهق شهقة فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشي عليه، ثم قال: يا هرم بن

(2/28)


حيان مات أبوك حيان ويوشك أن تموت أنت فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ومات أبوك آدم وماتت أمك حواء يا بن حيان، ومات نوح نبي الله، ومات إبراهيم خليل الله، ومات موسى نجي الله، ومات داود خليفة الرحمن، ومات محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء، ومات أبو بكر خليفة رسول الله، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
فقلت له: يرحمك الله إن عمر لم يمت. قال: بلى قد نعاه إلي ربي عز وجل، ونعى إلي نفسي، وأنا وأنت في الموتى.
ثم صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بدعوات خفاف ثم قال: هذه وصيتي إياك: كتاب الله ونعي المرسلين ونعي صالح المؤمنين، فعليك بذكر الموت ولا يفارقن قلبك طرفة عين ما بقيت، وأنذر قومك إذا رجعت إليهم وانصح للأمة جميعاً، وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تعلم، فتدخل النار، وادع لي ولنفسك.
ثم قال: اللهم إن هذا زعم أنه يحبني فيك وزارني من أجليك فعرفني وجهه في الجنة وأدخله على دارك، دار السلام، واحفظه ما دام حياً، وأرضه من الدنيا باليسير، واجعله لما أعطيته من نعمك من الشاكرين واجزه عني خيراً.
ثم قال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، لا أراك بعد اليوم إن شاء الله تعالى رحمك الله فإني أكره الشهرة، والوحدة أحب إلي لأني كثير الغم ما دمت مع هؤلاء الناس، فلا تسأل عني ولا تطلبني، واعلم أنك مني على بال وإن لم أرك وتراني، واذكرني وادع لي فإني سأدعو لك وأذكرك إن شاء الله، فانطلق أنت ها هنا حتى آخذ أنا ههنا.
فحرصت على أن أمشي معه ساعة فأبى علي ففارقته أبكي ويبكي، فجعلت أنظر إليه حتى دخل بعض السكك.
ثم سألت بعد ذلك وطلبته فلم أجد أحداً يخبرني عنه بشيء، وما أتت علي جمعة إلا وأراه في منامي مرة أو مرتين.
عن أسير بن جابر أن أويساً القرني كان إذا حدث يقع حديثه في قلوبنا موقعاً ما يقع حديث غيره.
عن أسير بن جابر قال: كان محدث بالكوفة يحدثنا، فإذا فرغ من حديثه يقول: تفرقوا. ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحد يتكلم بكلام فأحببته. ففقدته، فقلت

(2/29)


لأصحابي: هل تعرفون رجلاً كان يجالسنا؟ فقال رجل من القوم: نعم أنا أعرفه وذاك أويس القرني. قلت: وتعرف منزله؟ قال: نعم.
قال: انطلقت معه حتى جئت حجرته خرج إلي فقلت: يا أخي ما حبسك عنا؟ قال: العري. وكان أصحابه يسخرون به ويؤذونه.
قال: قلت: خذ هذا البرد فالبسه. قال لا تفعل فإنهم يؤذونني إذا رأوه.
قال: فلم أزل به حتى لبسه. فخرج عليهم فقالوا: من ترون خدع عن برد هذا. فجاء فوضعه؟ فقال: أترى؟ قال: فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة. فأخذتهم بلساني أخذاً شديداً.
قال: فقضي أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: قدم علينا أويس فقلت: أنت أخي لا تفارقني. فانملس مني فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة.
فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه فقال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا فاستغفر لي يا أويس. قال لا أفعل حتى تجعل لي عليك ألا تسخر بي فيما بعد، وألا تذكر الذي سمعته عن عمر لأحد.
قال أسير: فما لبثنا أن فشا أمره بالكوفة فانملس منهم فذهب.
عمرو بن مرة قال: لما لقي عمر أويساً وظهر عليه هرب فما رئي حتى مات.
عن الشعبي قال: مر رجل من مراد على أويس القرني فقال: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أحمد الله عز وجل. قال: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أصبح ظن أنه لا يمسي، وإن أمسى ظن أنه لا يصبح؟ فمبشر بالجنة أو مبشر بالنار.
يا أخا مراد إن الموت وذكره لم يترك لمؤمن فرحاً، وإن علمه بحقوق الله لم يترك له فضة ولا ذهباً، وإن قيامه لله بالحق لم يترك له صديقاً.
عمار بن سيف الضبي قال: لحق رجل بأويس القرني فسمعه يقول: اللهم إني أعتذر إليك اليوم من كل كبد جائعة، فإنه ليس في بيتي من الطعام إلا ما في بطني، وليس في بيتي من شيء من الرياش إلا ما على ظهري.
قال: وعلى ظهره خرقة قد تردى بها وقال: فأتاه رجل فقال له: كيف أصبحت؟ أو كيف

(2/30)


أمسيت؟ فقال: أصبحت أحب الله، وأمسيت أحمد الله، وما تسأل عن حال رجل إذا هو أصبح ظن ألا يمسي، وإذا أمسى ظن أنه لا يصبح؟ إن الموت وذكره لم يدع لمؤمن فرحاً، وإن حق الله في مال المسلم، لم يدع له من ماله فضة ولا ذهباً، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يدع للمؤمن صديقاً، نأمرهم بالمعروف فيشتمون أعراضنا، ويجدون على ذلك أعواناً من الفاسقين، حتى والله لقد رموني بالعظائم، وأيم الله لا أدع أن أقوم لله فيهم بحقه، ثم أخذ الطريق.
عن قيس بن بشر بن عمرو، عن أبيه قال: كسوت أويساً القرني ثوبين، من العري.
عن مغيرة قال: إن كان أويس القرني ليتصدق بثيابه حتى يجلس عرياناً لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة.
عن أصبغ بن زيد قال: إنما منع أويساً أن يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بره بأمه.
عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح، وكان إذا أمسى تصدق بما في بيته من الفضل من الطعام والثياب، ثم يقول: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذني به، ومن مات عرياناً فلا تؤاخذني به.
الحسن بن عمرو، قال: سمعت بشراً يقول: بلغ من عري أويس أنه جلس في قوصرة.
النضر بن إسماعيل قال: كان أويس القرني يلتقط الكسر من المزابل فيغسلها ويتصدق ببعضها ويأكل بعضها، ويقول: اللهم إني أبرأ إليك من كبد جائع.
قال هرم بن حيان لأويس القرني: أوصني قال: توسد الموت إذا نمت، واجعله نصب عينيك، وإذا قمت فادع الله أن يصلح لك قلبك ونيتك، فلن تعالج شيئاً أشد عليك منهما، بينا قلبك معك ونيتك إذا هو مدبر، وبينا هو مدبر إذا هو مقبل، ولا تنظر في صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
أبو عبد الله الناجي قال: زار هرم بن حيان أويساً، فقال له هرم: يا أويس واصلنا بالزيارة. فقال أويس: قد وصلتك بما هو انفع لك من الزيارة واللقاء: الدعاء بظهر الغيب، لأن الزيارة واللقاء قد يعرض فيهما التزين والرياء.
قلت: كان أويس مشغولاً بالعبادة عن الرواية، غير أنه قد أرسل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

(2/31)


حميد بن صالح قال: سمعت أويساً القرني يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احفظوني في أصحابي، فإن من أشراط الساعة أن يلعن آخر هذه الأمة أولها، وعند ذلك يقع المقت على الأرض وأهلها، فمن أدرك ذلك فليضع سيفه على عاتقه ثم ليلق ربه عز وجل شهيداً فإن لم يفعل فلا يلومن إلا نفسه" .
ذكر وفاة أويس القرني:
قال المصنف: قد اختلف في وقت موته.
عن عبد الله بن سالم قال: غزونا آذربيجان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعنا أويس القرني. فلما رجعنا مرض علينا فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا فإذا قبر محفور وماء مسكوب وكفن وحنوط. فغسلناه وكفناه وصلينا عليه. فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا قبره، فرحنا فإذا لا قبر ولا أثر.
قال المؤلف: وقد روي أنه عاش بعد ذلك طويلاً.
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني؟ قال: قلنا نعم، وما تريد منه؟ قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أويس القرني خير التابعين بإحسان" .
وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي عليه السلام.
عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى مناد يوم صفين، أفي القوم أويس القرني؟ فوجد في قتلى علي عليه السلام.
قال المؤلف: هذا هو الصحيح.

(2/32)


399 - عبدة بن هلال الثقفي
عن عطاء بن السائب قال: قال عبدة بن هلال الثقفي: لله علي أن لا يشهد علي ليل بنوم ولا شمس بأكل. قال: فأقسم عليه عمر بن الخطاب أن يفطر العيدين.

(2/32)


400 - الحارث بن سويد التيمي
عن إبراهيم قال: كان الرجل يأتي الحارث بن سويد فيشتمه، فإذا فرغ قال
ـــــــ
400 - هو: الحارث بن سويد التيمي، أبو عائشة، الكوفي، ثقة ثبت من الثانية، مات بعد سنة سبعين.

(2/32)


401 - أبو عبد الرحمن السلمي
واسمه عبد الله بن حبيب، أبو إسحاق السبيعي قال: أقرأ أبو عبد الرحمن السلمي القرآن في المسجد أربعين سنة.
عن شمر قال: أخذ بيدي أبو عبد الرحمن السلمي فقال: كيف قوتك على الصلاة؟ فذكرت ما شاء الله أن أذكره، فقال أبو عبد الرحمن: كنت مثلك أصلي العشاء، ثم أقوم أصلي، فأنا حين أصلي الفجر أنشط مني أول ما بدأت به.
عن أبي عبد الرحمن أنه كان يؤتى بالطعام إلى المسجد. ربما استقبلوه به في الطريق فيطعمه المساكين، فيقولون: بارك الله فيكم.
فيقول: وبارك الله فيكم. ويقول: قالت عائشة: إذا تصدقتم فردوا حتى يبقى لكم أجر ما تصدقتم.
عن عطاء بن السائب قال: دخلنا على أبي عبد الرحمن في مرضه الذي مات فيه. قال: فذهب بعض القوم يرجيه. فقال: أنا لا أرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضان؟
قال المؤلف: أسند أبو عبد الرحمن عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وغيرهم، وكان يقرئ القرآن بالكوفة من خلافة عثمان إلى إمرة الحجاج، وقدم المدائن في حياة حذيفة. وتوفي في سنة خمس ومائة وله تسعون سنة.
ـــــــ
401 - هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة - بفتح الموحدة وتشديد الياء - أبو عبد الرحمن السلمي، الكوفي، المقرئ، مشهور بكنيته، ولأبيه صحبة، ثقة ثبت، من الثانية، مات بعد السبعين.

(2/33)


402 - زاذان، أبو عمر ومولى كندة
مولى كندة.
سالم بن أبي حفصة، عن زاذان، أنه كان يبيع الثياب، فإذا عرض الثوب ناول شر الطرفين عن زبيد قال: رأيت زاذان يصلي كأنه جذع قد حفر له.
ابن نمير قال: قال زاذان: يا رب إني جائع فسقط عليه من الروزنة رغيف مثل الرحا. قال المصنف: أسند زاذان عن علي عليه السلام وابن مسعود وابن عمر وجرير وسلمان والبراء بن عازب، في آخرين، وتوفي بالكوفة أيام الحجاج بعد الجماجم.
ـــــــ
402 - هو: زاذان، أبو عمرو الكندي البزار، ويكنى أبا عبد الله أيضا، صدوق يرسل وفيه شيعية من الثانية، مات ينة اثنتين وثمانين.
قال الشيخ شعيب: بل ثقة فقد وثقه يحي بن معين، وابن سعد والعجلي، وابن شاهين، والخطيب والذهبي، وانفرد ابن فقال: كان يخطئ كثيرا، ولعل الخطأ ممن روى عنه، فقد قال ابن عدي أحاديثه لا بأس بها إن روى عنه ثقة التحرير 1/409.

(2/34)


403 - الربيع بن خثيم الثوري
يكنى أبا يزيد.
عن سعيد بن مسروق قال: قال عبد الله للربيع بن خثيم: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك.
عن أبي عبيدة قال: كان عبد الله يقول للربيع: ما رأيتك إلا ذكرت المخبتين. وكان الربيع إذا أتى عبد الله لم يكن عليه إذن حتى يفرغ كل واحد منهما من صاحبه. وكان الربيع إذا جاء إلى باب عبد الله يقول للجارية: من بالباب؟ فتقول الجارية ذاك الشيخ الأعمى.
عن حماد بن أبي سليمان قال: كان عبد الله بن مسعود إذا نظر إلى الربيع بن خثيم قال: مرحباً قال: أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك ولأوسع لك إلى جبنه. ثم يقول: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} .
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم الربيع بن خثيم.
ـــــــ
403 - هو: الربيع بن خثعم –بضم المعجمة وفتح المثلثة - ابن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد، مخضرم، من الثانية، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، مات سنة إحدى، وقيل: ثلاث وستين.

(2/34)


وكان يقول: أما بعد فأعد زادك وخذ في جهازك، وكن وصي نفسك.
وقيل له: ألا تذكر الناس؟ فقال: ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذمها إلى أن أذم الناس، إن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم.
وقيل له حين أصابه الفالج: لو تداويت. فقال: لقد عرفت أن الدواء حق ولكني ذكرت عاداً وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً كانت فيهم الأوجاع وكان لهم الأطباء، فما بقي المداوي ولا المداوى.
أبو حيان، عن أبيه قال: ما سمعت الربيع بن خثيم يذكر شيئاً من أمر الدنيا، إلا أني سمعته يقول: كم للتيم مسجد.
عن إبراهيم التيمي قال: أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عاماً ما سمع منه كلمة تعاب.
عن بكر بن ماعز قال: ما رئي الربيع متطوعاً في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة.
سفيان قال: أخبرتني سرية الربيع بن خثيم قالت: كان عمل الربيع كله سراً إن كان ليجيء الرجل وقد نشر المصحف فيغطيه بثوبه.
عن منذر، عن الربيع بن خثيم قال: كل ما لا يبتغى به وجه الله عز وجل يضمحل.
أبو حيان التيمي عن أبيه، قال: ما سمعت الربيع بن خثيم يذكر شيئاً من أمر الدنيا قط.
أحمد بن عبد الله بن مسروق، عن الربيع بن خثيم أنه سرق له فرس أعطي به عشرين ألفاً فقالوا له: ادع الله عليه. فقال: اللهم إن كان غنياً فاغفر له، وإن كان فقيراً فأغنه.
عن سعيد بن مسروق قال: أصاب الربيع بن خثيم حجر في رأسه فشجه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر له فإنه لم يتعمدني.
عن عيسى بن فروخ قال: كان الربيع بن خثيم إذا كان الليل ووجد غفلة الناس خرج إلى المقابر فيقول: يا أهل المقابر كنا وكنتم. فإذا أصبح فكأنه نشر من قبر.
عن منذر الثوري قال: كان الربيع بن خثيم يقول السرائر التي تختفي على الناس وهي لله بواد، التمسوا دواءهن التمسوا دواءهن. ثم يقول: وما دواءهن؟ دواءهن أن تتوب فلا تعود.
روى عبد الملك بن الأصبهاني، عمن حدثه عن الربيع بن خثيم أنه قال لأصحابه: تدرون

(2/35)


ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا. قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود.
عن نسير قال: بت بالربيع ذات ليلة فقام يصلي فمر بهذه الآية {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ...} الآية فمكث ليلته حتى أصبح، ما يجوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد.
حماد الأصم، عمن حدثه عن بعض أصحاب الربيع قال: ربما علمنا شعره عند المساء، وكان ذا وفرة ثم يصبح والعلامة كما هي، فتعلم أن الربيع لم يضع جنبه ليلته على فراشه.
أبو حيان قال: حدثني أبي قال: كان ربيع بعد ما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله يقولون له يا أبا يزيد لقد رخص الله لك لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي: حي على الفلاح فمن سمع منكم فليجبه ولو زحفاً، ولو حبواً.
عن محمد، عن رجل من أسلم من المبكرين إلى المسجد، قال: كان الربيع ابن خثيم إذا سجد كأنه ثوب مطروح فتجيء العصافير فتقع عليه.
عن بلال بن المنذر قال: قال رجل للربيع: قتل ابن فاطمة فاسترج ثم تلا هذه الآية: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} قال: ما تقول؟ قال: ما أقول، إلى الله إيابهم وعليه حسابهم.
عن سفيان قال: بلغنا أن أم الربيع كانت تنادي فتقول: يا بني، يا ربيع، ألا تنام، فيقول: يا أماه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام. قال: فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلاً؟ فقال: نعم يا والدة، قتلت قتيلاً. فقالت: ومن هذا القتيل يا بني نتحمل على أهله فيعفوك والله لو علموا ما تلقى من البكاء والسهر لقد رحموك. فيقول: يا والدتي هي نفسي.
مالك بن دينار قال: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبتاه ما لي أرى الناس ينامون ولا تنام؟ قال: إن جهنم لا تدعني أنام.
مالك قال: قالت ابنة الربيع بن خثيم: يا أبتاه إني أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ قال: يا بنية إن أباك يخاف البيات.

(2/36)


الربيع بن منذر قال: سمعت أبي يقول: كان عند الربيع بن حثيم رهط فجاءته ابنته فقال: يا أبتاه أذهب ألعب؟ فقال: اذهبي فقولي خيراً، غير مرة، قال: فقال القوم: أصلحك الله وما عليك أن تقول لها؟ قال: وما علي أن لا يكتب هذا في صحيفتي.
عن أبي حيان، عن أم الأسود قالت: كانت ابنة الربيع بن خثيم تأتيه فتقول: يا أبتاه ائذن لي ألعب. فيقول: يا بنية، قولي خيراً، قال فتلقنها أمها: قولي: أتحدث فيقول: إني لم أسمع الله رضي لأحد اللعب.
عن سفيان، عن رجل من بني تيم الله، عن أبيه قال: جالست الربيع بن خثيم سنين فما سألني عن شيء مما فيه الناس إلا أنه قال لي مرة: أمك حية؟ كم لكم مسجد؟
عن سعيد الحارثي قال: ضرب الربيع بن خثيم الفالج فطال وجعه فاشتهى لحم دجاج، فكف نفسه أربعين يوماً. ثم قال لامرأته: اشتهيت لحم دجاج منذ أربعين يوماً فكففت نفسي رجاء أن تكف فأبت فقالت له امرأته: سبحان الله وأي شيء هذا حتى تكف نفسك عنه؟ قد أحله لك. فأرسلت امرأته إلى السوق فاشترت له دجاجة بدرهم ودانقين فذبحتها وشوتها واختبزت له خبزاً له أصباغ، ثم جاءت بالخوان حتى وضعته بين يديه، فلما ذهب ليأكل قام سائل على الباب فقال: تصدقوا علي بارك الله فيكم، فكف عن الأكل وقال لامرأته: خذي هذا فلفيه وادفعيه إلى السائل، فقالت امرأته: سبحان الله. فقال: افعلي ما آمرك، قالت: فأنا أصنع ما هو خير له وأحب إليه من هذا. قال: وما هو؟ قالت: نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك. قال: قد أحسنت ائتيني بثمنه. قال: فجاءت بثمن الدجاجة والخبز والأصباغ فقال: ضعيه على هذا وادفعيه جميعاً إلى السائل.
عن منذر أن الربيع قال لأهله: اصنعوا لي خبيصاً. قال: وكان يكاد لا يشتهي عليهم شيئاً. قال: فصنعوه. قال: فأرسل إلى جار له مصاب، قال: فجعل يأكل ولعابه يسيل قال: فقال أهله: ما يدري هذا ما يأكل. فقال الربيع: لكن الله عز وجل يدري.
عن خوات بن عبيد الله قال: كان السائل إذا أتى الربيع بن خثيم قال: أطعموه مسكراً فإني أحب السكر.
عن سعيد بن مسروق، عن ربيع بن خثيم أنه كان يلبس قميصاً سنبلانياً أراه ثمن ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم قال: فإذا مد كمه يبلغ ظفره، وإذا أرسله بلغ ساعده، وإذا رأى بياض

(2/37)


القميص قال: أي عبيد تواضع لربك، ثم يقول: أي لحميه وأي دميه كيف تصنعان إذا سيرت الجبال ودكت الأرض دكاً وجاء ربك والملك صفاً صفاً؟!!.
عن بكر بن ماعز قال: كان بالربيع بن خثيم خبل من الفالج، فكان يسيل من فيه لعاب. قال: فمسحته يوماً. فرآني كرهت ذلك فقال: والله ما أحب أنه بأعتى الديلم على الله عز وجل.
عن حسين، يعني ابن صالح، قال: قيل للربيع بن خثيم: لو جالستنا. فقال: لو فارق قلبي ذكر الموت ساعة فسد علي.
بشر بن الحارث قال: قال الربيع بن خثيم: أنا بعصافير المسجد آنس مني بأهلي.
عن منذر قال: كان الربيع يكنس الحش بنفسه. فقيل له: إنك تكفى هذا. فقال: إني أحب أن آخذ نصيبي من المهنة.
عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود، ومعنا الربيع بن خثيم، فمررنا على حداد، فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر الربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} إلى قوله: {ثُبُوراً} فصعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله قال: ثم رابطه عبد الله إلى الظهر فلم يفق، ثم رابطه إلى العصر فلم يفق، ثم رابطه إلى المغرب فلم يفق، ثم إنه أفاق، فرجع عبد الله إلى أهله.
الأعمش قال: مر الربيع بن خثيم في الحدادين فنظر إلى كير فصعق. قال الأعمش: فمررت بالحدادين لأتشبه به فلم يكن عندي خير.
عن أبي يعلى قال: كان الربيع إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا.
حفص بن عمر قال: كان الربيع بن خثيم لا يعطي السائل أقل من رغيف، ويقول: إني لأستحي أن يرى في ميزاني أقل من رغيف.
سلام بن أبي مطيع قال: كان الربيع بن خثيم إذا أصبح قال: مرحباً بملائكة الله، اكتبوا، بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
صالح بن موسى، عن أبيه قال: قال الربيع بن خثيم لرجل لا تلفظ إلا بخير فغن العبد مسئول عن لفظه يحصى ذلك عليه كله {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} .

(2/38)


الفضيل بن عياض قال: كان الربيع بن خثيم يقول في دعائه: أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إلا إليك.
أبو سليمان قال: بينما الربيع بن خثيم جالس على باب داره إذ جاءه حجر فصك وجهه، فقال: لقد وعظت يا ربيع. فقام ودخل وأغلق الباب وما رئي في ذلك المجلس حتى مات.
حفص بن عمر قال: قال الربيع بن خثيم: إذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا هممت فاذكر علمه بك، وإذا نظرت فاذكر نظره إليك، وإذا تفكرت فاذكر اطلاعه عليك، فإنه يقول تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} .
عن نسير بن ذعلوق، عن الربيع بن خثيم أنه كان يبكي حتى تبل لحيته من دموعه، ثم يقول: أدركنا أقواماً كنا في جنوبهم لصوصا.
أسند الربيع بن خثيم عن ابن مسعود وغيره، وتوفي بالكوفة في ولاية عبيد الله بن زياد عليها.

(2/39)


404 - عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي
عن عبد الله بن ربيعة قال: كنت جالساً مع عتبة بن فرقد ومعضد العجلي وعمرو بن عتبة، فقال عتبة بن فرقد: يا عبد الله بن ربيعة ألا تعينني على ابن أخيك، يعينني على ما أنا فيه من عملي؟ قال: فقال عبد الله: يا عمرو أطع أباك. قال: فنظر عمرو إلى معضد العجلي، فقال له معضد: لا تطعهم واسجد واقترب. قال عمرو: يا أباه إنما أنا رجل أعمل في فكاك رقبتي فبكى عتبة ثم قال: يا بني إني أحبك حبين حباً لله وحب الوالد ولده، فقال عمرو: يا أبت إنك قد كنت أتيتني بمال بلغ سبعين ألفاً فإن كنت سائلي عنه فهو هذا فخذه، أو فدعني فأمضيه. قال يا بني فأمضه. فأمضاه حتى ما بقي منه درهم.
عن الأعمش قال: قال عمرو بن عتبة بن فرقد: سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين، وأنا أنتظر الثالثة؛ سألته أن يزهدني في الدنيا فما أبالي ما أقبل وما أدبر، وسألته أن يقويني على الصلاة فرزقني منها، وسألته الشهادة فأنا أرجوها.
ـــــــ
404 - هو: عمرو بن عتبة بن فرقد السلمي، الكوفي، مخضرم، استشهد في خلافة عثمان.

(2/39)


عن السدي قال: اشترى عمرو بن عتبة فرساً بأربعة آلاف درهم فعنفوه، يستغلونه، فقال: ما خطوة يخطوها، يقدمها إلى الغزو، إلا وهي أحب إلي من أربعة آلاف.
عن عبد الحميد بن لاحق، عمن ذكره، قال: كان له، يعني عمرو بن عتبة، كل يوم رغيفان يتسحر بأحدهما ويفطر بالآخر.
بشر بن الحارث قال: كان عمرو بن عتبة يصلي والحمام فوق رأسه، والسباع حوله، تحرك أذنابها.
عن شيخ من قريش قال: قال مولى لعمرو بن عتبة رآني عمرو بن عتبة وأنا مع رجل وهو يقع في آخر، فقال لي: ويلك - ولم يقلها لي قبلها ولا بعدها - نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريك القائل، وإنما نظر إلى شر ما في وعائه فأفرغها في وعائك، ولو ردت كلمة سفيه في فيه لسعد بها رادها كما شقي بها قائلها.
الحسن بن عمرو الفزاري قال: حدثني مولى عمرو بن عتبة قال: استيقظنا يوماً حاراً في ساعة حارة، فطلبنا عمرو بن عتبة فوجدناه في جبل وهو ساجد، وغمامة تظله وكنا نخرج إلى العدو فلا نتحارس، لكثرة صلاته، ورأيته ليلة يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف. فقلنا له: أما خفت الأسد؟ فقال: إني لأستحيي من الله أن أخاف شيئاً سواه.
عن عيسى بن عمرو قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلاً فيقف على القبور فيقول: يا أهل القبور، طويت الصحف، ورفعت الأعمال. ثم يبكي، ثم يصف بين قدميه حتى يصبح فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
عن علقمة قال: خرجنا ومعنا مسروق وعمرو بن عتبة ومعضد غازين، فلما بلغنا ماسبذان وأميرها عتبة بن فرقد: قال لنا ابنه عمرو بن عتبة: إنكم إن نزلتم عليه صنع لكم نزلاً ولعله أن يظلم فيه أحداً، ولكن إن شئتم قلنا في ظل هذه الشجرة وأكلنا من كسرنا ثم رحنا. ففعلنا وقطع عمرو بن عتبة جبة بيضاء فلبسها وقال: والله إن تحدر الدم على هذه حسن فرمي، فرأيت الدم يتحدر على المكان الذي وضع يده عليه فمات.
عن عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجنا في جيش فيهم علقمة ويزيد بن معاوية النخعي وعمرو بن عتبة ومعضد. قال: فخرج عمرو بن عتبة وعليه جبة جديدة بيضاء، فقال: ما أحسن الدم يتحدر على هذه.

(2/40)


فخرج فتعرض للقصر فأصابه حجر فشجه، قال فتحدر عليها الدم ثم مات منها فدفناه. ولما أصابه الحجر فشجه جعل يلمسها بيده ويقول: إنها صغيرة وإن الله ليبارك في الصغير.
عن السدي قال: حدثني ابن عم لعمرو بن عتبة قال: نزلنا في مرج حسن، فقال عمرو بن عتبة: ما أحسن هذا المرج، ما أحسن الآن لو أن منادياً ينادي: يا خيل الله اركبي فخرج رجل، وكان في أول من لقي، فأصيب ثم جيء به فدفن في هذا المرج. قال: فما كان بأسرع من أن نادى منادياً خيل الله اركبي. فخرج عمرو في سرعان الناس في أول من خرج، فأتى عتبة فأخبر بذلك فقال: علي عمراً، علي عمراً. فأرسل في طلبه فما أدرك حتى أصيب، قال: فما أراه دفن إلا في مركز رمحه وعتبة يومئذ على الناس.
هشام صاحب الدستوائي قال: لما مات عمرو بن عتبة دخل بعض أصحابه على أخته فقال: أخبرينا عنه فقالت: قام ليلة فاستفتح {حم} فأتى على هذه الآية {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ} فما جاوزها حتى أصبح.
لا يعرف لعمرو بن عتبة مسند. شغلته العبادة عن الرواية، وهذه الغزاة التي استشهد فيها هي غزاة آذربيجان، وذلك في خلافة عثمان بن عفان.

(2/41)


405 - عنبس بن عقبة الحضرمي
روى عن ابن مسعود، أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر، عن يزيد بن حيان قال: إن كان عنبس ليسجد حتى إن العصافير ليقعن على ظهره وينزلن، ما يحسبنه إلا جذم حائط.

(2/41)


406 - كردوس بن عباس الثعلبي
من غطفان. وقيل كردوس بن هانئ. وقيل ابن عمرو، ويعرف بالقاص، كان يقص على التابعين.
عبد الله بن إدريس قال: سمعت عمي يذكر، قال: كان كردوس يقول: ويقص علينا زمن الحجاج أن الجنة لا تنال إلا بعمل، اخلطوا الرغبة بالرهبة، ودوموا على صالح الأعمال، وألقوا الله بقلوب سليمة وأعمال صادقة، وكان يكثر من أن يقول من خاف أدلج من خاف أدلج.
عن أبي وائل كردوس بن عمرو، قال: فيما أنزل الله عز وجل: إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع صوته.
قال المؤلف: أسند كردوس عن ابن مسعود، وحذيفة.
ـــــــ
406 - هو: كردوس الثعلبي - بالمثلثة - واختلف في اسم أبيه، فقيل: عباس، وقيل: عمرو، وقيل: هانئ، وهو مقبول من الثالثة، وقيل هم ثلاثة.

(2/41)


407 - الفضل بن بزوان
عن النعمان بن المنذر قال: قال رجل للفضل بن بزوان: إن فلاناً يقع فيك. قال: لأغيظن من أمره، غفر الله له. قيل له: من أمره؟ قال الشيطان.

(2/42)


408 - الحارث بن قيس الجعفي
عن خيثمة، عن الحارث بن قيس الجعفي، قال: إذا كنت في أمر الآخرة فتمكث، وإذا كنت في أمر الدنيا فتوخ، وإذا هممت بخير فلا تؤخره، وإذا أتاك الشيطان وأنت تصلي فقال: إنك ترائي فزدها طولاً.
عن الاعمش قال: قال لي خيثمة لقد رؤأيت الحارث بن قيس اجتمع عنده رجلان قام وتركهما.
ـــــــ
408 - هو: الحارث بن قيس الجعفي، الكوفي، ثقة، من الثانية، قتل بصفين، وقيل: مات بعد علي.

(2/42)


409 - أبو صالح، ماهان الحنفي
واسمه عبد الرحمن بن قيس أخو طليق، كذا ذكره ابن سعد وقال البخاري: يكنى أبا سالم.
إبراهيم، مؤذن بني حنيفة، قال أمر الحجاج بماهان أن يصلب على بابه، فرأيته حين رفع على خشبته يسبح ويهلل ويكبر، ويعقد بيده حتى بلغ تسعاً وعشرين. قال: فطعنه الرجل على تلك الحال. قال: فلقد رأيته بعد شهر معقوداً بيده تسعة وعشرين قال: كنا نرى عنده الضوء بالليل شبه السراج.
عن أبي إسحاق، يعني الشيباني، قال: دنوت من ماهان لما أراد أن يصلب فقال: تنح يا بن أخي لا تسأل عن هذا المقام.
سفيان بن دينار التمار قال: سألت ماهان الحنفي: ما كانت أعمال القوم؟ قال: كانت أعمالهم قليلة، وكانت قلوبهم سليمة.
أسند ماهان عن علي وابن مسعود وحذيفة، في آخرين.
ـــــــ
409 - هو: ماهان الحنفي، أبو صالح الكوفي الأعور، ثقة عابد، قتله الحجاج سنة ثلاث وثمانين، ووقع عند النسائي: عن أبي صالح: ماهان عن علي قال: والصواب عبد الرحمن بن قيس، وأما ماهان فكنيته أبو سالم.

(2/42)


ومن الطبقة الثانية
عامر بن شراحيل الشعبي
...
ومن الطبقة الثانية:
410 - عامر بن شراحيل الشعبي
يكنى أبا عمرو، عن ابن سيرين قال: قدمت الكوفة وللشعبي حلقة عظيمة، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير.
عن أبي مجلز قال: ما رأيت أحداً أفقه من الشعبي.
عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي.
عن وادع بن الأسود، عن الشعبي قال: ما أروي شيئاً أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شعراً لا أعيده.
مكحول قال: ما لقيت أحداً أعلم بسنة ماضية من الشعبي.
ابن شبرمة قال: كنت أمشي مع الشعبي إلى أهله فقال لي: احملني أو أحملك، يعني حدثني أو أحدثك.
عن داود بن يزيد الأودي قال: قال لي الشعبي: يا أبا يزيد قم معي حتى أفيدك فمشيت معه وقلت: أي شيء تفيدني؟ قال: إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم به، فإنه علم حسن.
عن عيسى الخياط، عن الشعبي قال: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن، فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره رأيت أن سفره لم يضع.
مجالد قال: سمعت الشعبي يقول: العلم أكثر من عدد القطر، فخذ من كل شيء أحسنه.
قال المؤلف: أدرك الشعبي خلقاً كثيراً من الصحابة.
عن منصور بن عبد الرحمن، عن الشعبي قال: أدركت خمس مائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ رحمه الله: وإنما أشار بهذا إلى معاصرتهم لا إلى الأخذ عنهم.
ـــــــ
410 - هو: عامر بن شراحبيل –بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين.

(2/43)


وقال إبراهيم الحربي: لقي الشعبي أربعة وثلاثين رجلاً من الصحابة. قال الشيخ رحمه الله: ومن أعلام القوم الذين أدركهم: علي بن أبي طالب عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد وابن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، وأسامة بن زيد، وجابر بن عبد الله، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وأبو سعيد الخدري، والمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، والنعمان بن بشير.
وأدرك عائشة وأم سلمة وميمونة أمهات المؤمنين.
وتوفي بالكوفة فجاءة سنة أربع ومائة، وقيل خمس ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة، وقيل اثنتين وثمانين.

(2/44)


411 - سعيد بن جبير
مولى لبني والبة. يكنى أبا عبد الله ابن الحارثية، من بني أسد بن خزيمة.
عن عبد الله بن مسلم قال: كان سعيد بن جبير إذا قام إلى الصلاة كأنه وتد.
عن القاسم بن أبي أيوب الأعرج قال: كان سعيد بن جبير يبكي بالليل حتى عمش.
القاسم بن أبي ايوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعاً وعشرين مرة: {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} الآية.
قال يزيد بن هارون: وأنبأنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين.
عن هلال بن خباب قال: خرجت مع سعيد بن جبير في أيام مضين من رجب فأحرم من الكوفة بعمرة، ثم رجع من عمرته، ثم أحرم بالحج في النصف من ذي القعدة، وكان يخرج في كل سنة مرتين مرة للحج ومرة للعمرة.
عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير، قال: لدغتني عقرب فأقسمت علي أمي أن أسترقي، فأعطيت الراقي يدي التي لم تلدغ، وكرهت أن أحنثها.
أصبغ بن زيد الواسطي قال: كان لسعيد بن جبير ديك كان يقوم الليل بصياحه، قال: فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح، فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له
ـــــــ
411 - هو: سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين.

(2/44)


قطع الله صوته؟ قال: فما سمع له صوت بعدها. فقالت أمه: يا بني لا تدع على شيء بعدها.
عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية، والذكر طاعة الله فمن أطاع الله فقد ذكره ومن لم يطعه فليس بذاكر وإن أكثر التسبيح وتلاوة القرآن.
عن خصيف قال: رأيت سعيد بن جبير صلى ركعتين خلف المقام قبل صلاة الصبح. قال: فأتيته فصليت إلى جنبه وسألته عن آية من كتاب الله فلم يجبني. فلما صلى الصبح قال: إذا طلع الفجر فلا تتكلم إلا بذكر الله حتى تصلي الصبح.
عن يحيى بن عبد الرحمن قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} حتى يصبح.
عن معاوية بن إسحاق قال: لقيت سعيد بن جبير عند الميضأة فرأيته ثقيل اللسان؟ قال: قرأت القرآن البارحة مرتين ونصفاً.
عن حماد: أن سعيد بن جبير قرأ القرآن في ركعة في الكعبة، وقرأ في الركعة الثانية بقل هو الله أحد.
كثير بن تميم الداري قال: كنت جالساً مع سعيد بن جبير فطلع عليه ابنه عبد الله، وكان به من الفقه فقال: إني لأعلم خير حالاته قالوا: وما هو؟ قال: أن يموت فأحتسبه.
عن جعفر قال: قيل لسعيد: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح من الذنوب، فكلما ذكر ذنوبه احتقر عمله.
مقتل سعيد بن جبير:
قال المصنف: كان سعيد بن جبير فيمن خرج على الحجاج من القراء، وشهد دير الجماجم. فلما انهزم أصحاب الأشعث هرب فلحق بمكة فأخذه بعد مدة طويلة خالد بن عبد الله القسري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج.
عن أبي حصين قال: أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت: إن هذا الرجل قادم، يعني خالد بن عبد الله، ولا آمنه عليك، فأطعني واخرج فقال: والله لقد قررت حتى استحييت من الله، قلت: والله إني لأراك، كما سمتك أمك، سعيداً.

(2/45)


قال: فقدم مكة فأرسل إليه فأخذه فأخبرني يزيد بن عبد الله قال: أتينا سعيد بن جبير حين جيء به فإذا هو طيب النفس، وبنية له في حجرة، فنظرت إلى القيد فبكت فشيعناه إلى باب الجسر، فقال له الحرس: أعطنا كفلاء فإنا نخاف أن تغرق نفسك. قال يزيد: فكنت فيمن كفل به.
عن داود بن أبي هند قال: لما أخذ الحجاج سعيد بن جبير قال: ما أراني إلا مقتولاً، وسأخبركم أني كنت أنا وصاحبان لي دعونا حين وجدنا حلاوة الدعاء، ثم سألنا الشهادة فكلا صاحبي رزقها وأنا أنتظرها. فكأنه رآى أن الإجابة عند حلاوة الدعاء.
عن عمر بن سعيد قال: دعا سعيد بن جبير حين دعي ليقتل فجعل ابنه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة.
عن الحسن قال: لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: أنت الشقي ابن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت الشقي ابن كسير قال: كانت أمي أعرف باسمي منك قال: ما تقول في محمد؟ قال: تعني النبي صلى الله عليه وسلم قال: نعم.
قال: سيد ولد آدم، المصطفى، خير من بقي وخير من مضى.
قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مضى حميداً وعاش سعيداً، ومضى على منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم لم يغير ولم يبدل.
قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميداً على منهاج صاحبيه لم يغير ولم يبدل.
قال: فما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلماً، المجهز جيش العسرة الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه، زوجه النبي صلى الله عليه وسلم بوحي من السماء.
قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول من أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين.
قال: فما تقول في؟ قال: أنت أعلم بنفسك. قال: بث بعلمك قال: إذاً نسوءك ولا نسرك. قال: بث بعلمك. قال أعفني. قال: لا عفا الله عني إن أعفيتك. قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله، ترى من نفسك أموراً تريد بها الهيبة وهي التي تقحمك الهلاك،

(2/46)


وسترد غداً فتعلم. قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحداً قبلك ولا أقتلها أحداً بعدك. قال: إذاً تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك. قال: يا غلام السيف والنطع. فلما ولى ضحك. قال: قد بلغني أنك تضحك. قال: قد كان ذلك. قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: من جرأتك على الله عز وجل ومن حلم الله عنك. قال: يا غلام اقتله. فاستقبل القبلة فقال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} فصرف وجهه عن القبلة فقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قال: اضرب به الأرض. قال: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} قال: اذبح عدو الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم.
قال ابن ذكوان: إن الحجاج بن يوسف بعث إلى سعيد بن جبير فأصابه الرسول بمكة فلما سار به ثلاثة أيام رآه يصوم نهاره ويقوم ليله، فقال الرسول: والله إني لأعلم أني أذهب بك إلى من يقتلك فاذهب إلى أي طريق شئت. فقال له سعيد: إنه سيبلغ الحجاج أنك قد أخذتني فإن خليت عني خفت أن يقتلك، ولكن اذهب بي إليه قال: فذهب به فلما دخل عليه قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. فقال: بل شقي ابن كسير. فقال: أمي سمتني.
قال: شقيت. قال: الغيب يعلمه غيرك. قال له الحجاج: أما والله لأبدلنك من دنياك ناراً تلظى. قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلهاً غيرك.
ثم قال له الحجاج: ما تقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نبي مصطفى، خير الباقين وخير الماضين. قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: ثاني اثنين غذ هما في الغار أعز الله به الدين، وجمع به بعد الفرقة. قال: فما هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ قال: فاروق وخيرة الله من خلقه، أحب الله أن يعز الدين بأحد الرجلين، فكان أحقهما بالخيرة والفضيلة، قال: فما تقول في عثمان بن عفان؟ قال: مجهز جيش العسرة، والمشتري بيتاً في الجنة والمقتول ظلماً. قال: فما تقول في علي؟ قال: أولهم إسلاماً وأكثرهم هجرة، تزوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أحب بناته إليه، قال: فما تقول في معاوية؟ قال: كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فما تقول في الخلفاء منذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن؟ قال: سيجزون بأعمالهم، فمسرور ومثبور ولست عليهم بوكيل.

(2/47)


قال: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ قال: إن يكن محسناً فعند الله ثواب إحسانه وإن يكن مسيئاً فلن يعجز الله، قال: فما تقول في؟ قال: أنت بنفسك أعلم.
قال: بث في علمك. قال: إذاً أسوءك ولا أسرك. قال: بث. قال: نعم، ظهر منك جور في حد الله، وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله. قال: والله لأقطعنك قطعاً وأفرقن أعضاءك عضواً عضواً. قال: إذاً تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك، والقصاص أمامك. قال: الويل لك من الله. قال: لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، قال: اذهبوا به، فاضربوا عنقه، قال سعيد: إني أشهدك أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة، فلما ذهبوا به ليقتل تبسم فقال له الحجاج: مم ضحكت؟ قال: من جرأتك على الله عز وجل. فقال الحجاج: أضجعوه للذبح فأضجع فقال: {وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} . فقال الحجاج: اقلبوا ظهره إلى القبلة. فقرأ سعيد: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} فقال: كبوه على وجهه. فقرأ سعيد: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} : فذبح من قفاه، قال: فبلغ ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري فقال: اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثاً حتى وقع في جوفه الدود فمات.
عن خلف بن خليفة، عن أبيه، قال: شهدت مقتل سعيد بن جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله. ثم قالها الثالثة فلم يتمها.
عن يحيى بن سعيد، عن كاتب الحجاج، يقال له يعلى، قال: كنت أكتب للحجاج وأنا يومئذ غلام حديث السن، فدخلت عليه يوماً بعد ما قتل سعيد بن جبير، وهو في قبة لها أربعة أبواب، فدخلت ما يلي ظهره فسمعته يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ فخرجت رويداً، وعلمت أنه إن علم بي قتلني، فلم ينشب الحجاج بعد ذلك إلا يسيراً.
وفي رواية أخرى: عاش بعده خمسة عشر يوماً، وفي رواية: ثلاثة أيام وكان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ كلما أردت النوم أخذ برجلي.
عن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو يحتاج إلى علمه.
قال المؤلف: أسند سعيد بن جبير عن علي عليه السلام، وابن عمر، وابن عمرو، وأبي موسى وابن

(2/48)


المغفل، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة، وغيرهم. وأكثر رواياته عن ابن عباس، وقتل في سنة أربع وتسعين، وقيل سنة خمس وتسعين.
وفي مدة عمره ثلاثة أقوال: أحدها سبع وخمسون سنة، وقد رويناها آنفاً، والثاني: تسع وأربعون سنة.
قاله أبو نعيم الفضل بن دكين في جماعة، والثالث: اثنتان وأربعون سنة. قاله علي بن المديني.

(2/49)


412 - إبراهيم بن يزيد بن الأسود النخعي
يكنى أبا عمران عن الأعمش قال كان إبراهيم يتوقى الشهرة فكان لا يجلس إلى الأسطوان وكان صيرفي الحديث فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا عرضته عليه.
عن سفيان، عن أبيه، عن إبراهيم قال: سألته عن شيء فجعل يتعجب ويقول احتيج إلي، احتيج إلي.
عن منصور قال: ما سألت إبراهيم قط عن مسئلة إلا رأيت الكراهية في وجهه، ويقول: أرجو أن تكون، وعسى.
عن ميمون أبي حمزة، عن إبراهيم، أنه قال: تكلمت ولو وجدت بداً ما تكلمت، فإن زماناً أكون فيه فقيه الكوفة لزمان سوء.
عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: لقد أدركت أقواماً لو بلغني أن أحدهم توضأ على ظفره لم أعده.
عن محمد بن سوقة قال: زعموا أن إبراهيم النخعي كان يقول: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف فينا أياماً لأنا قد عرفنا أنه قد نزل به أمر صيره إلى الجنة أو النار قال: وإنكم في جنائزكم تحدثون بأحاديث دنياكم.
عن الأعمش قال: كنت عند إبراهيم وهو يقرأ في المصحف واستأذن عليه رجل فغطى المصحف وقال: لا يرى هذا أنني أقرأ فيه كل ساعة.
عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه كان يلبس الثوب المصبوغ بالزعفران أو بالعصفر، وكان من يراه لا يدري أمن القراء هو أم من الفتيان.
ـــــــ
412 - هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة، إلا أنه يرسل كثيرا، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين، وهو ابن خمسين أو نحوها.

(2/49)


عن شعيب بن الحبحاب، عن هنيدة امرأة إبراهيم النخعي: أن إبراهيم كان يصوم يوماً ويفطر يوماً.
عن الأعمش، عن إبراهيم قال: كانوا يجلسون فأطولهم سكوتاً أفضلهم في أنفسهم.
ابن عون، عن إبراهيم قال: إن كانوا ليكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، أو قال أحسن ما عنده.
عن مغيرة، عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته، وإلى هديه، وإلى سمته.
عن أبي هاشم الرماني، عن إبراهيم قال: لا يستقيم رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي.
عن منصور، عن إبراهيم قال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه.
سفيان، عن الأعمش قال: جهدنا بإبراهيم أن يستند إلى سارية فأبى علينا.
عن الأعمش قال: كان إبراهيم يتوقى الشهرة، وكان لا يجلس إلى أسطوانة. وكان يجلس مع القوم فيجيء الرجل فيوسع له فإذا اضطره المجلس إلى أسطوانة قام.
عن مغيرة قال: كنا نهاب إبراهيم كما نهاب الأمير.
عن زبيد قال: ما سألت إبراهيم عن شيء إلا عرفت منه الكراهية.
عن أبي الحصين قال: سألت إبراهيم عن شيء فقال: ما وجدت أحداً تسأله فيما بني وبينك غيري؟
أبو بكر قال: سألت الأعمش: أخبرني عن أكثر من رأيت عند إبراهيم قط قال: أربعة أو خمسة.
عن مغيرة قال: كان رجل على حال حسنة فأحدث حدثاً أو أذنب ذنباً فرفضه أصحابه ونبذوه. فبلغ إبراهيم فقال: مه تداركوه وعظوه ولا تدعوه.
عن الأعمش، عن إبراهيم قال: إني لأرى الشيء مما يعاب فما يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أبتلى به.
عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون المريض أن يجهد عند الموت.
عن منصور، عن إبراهيم أنه قال: كانوا يستحبون شدة النزع.

(2/50)


عن عمران الخياط قال: دخلنا على إبراهيم النخعي نعوده وهو يبكي فقلنا له: ما يبكيك أبا عمران؟ قال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أم بالنار.
عن شعيب بن الحبحاب قال: كنت ممن صلى على إبراهيم النخعي ليلاً ودفن في زمان الحجاج، ثم أصبحت فغدوت فقال: دفنتم ذلك الرجل الليلة؟ قلت: نعم. قال: دفنتم أفقه الناس، قلت: ومن الحسن فقال: أفقه من الحسن، ومن أهل البصرة، وأهل الكوفة، وأهل الشام، وأهل الحجاز.
وقال المؤلف: أدرك إبراهيم النخعي جماعة من الصحابة منهم: أبو سعيد الخدري، وعائشة، وعامة ما يروي عن التابعين: كعلقمة ومسروق والأسود.
وتوفي سنة خمس وتسعين. وقيل: ست وتسعين، بالكوفة، وهو ابن تسع وأربعين وقيل ابن نيف وخمسين.
ابن عون قال: مات إبراهيم وهو ما بين الخمسين إلى الستين.

(2/51)


413 - إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي
يكنى أبا أسماء الأعمش قال: كان إبراهيم التيمي إذا سجد تجيء العصافير فتنقر على ظهره كأنه جذم حائط.
الأعمش قال لإبراهيم التيمي: بلغني أنك تمكث شهراً لا تأكل شيئاً، قال: نعم وشهرين، ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب ناولنيها أهلي فأكلتها ثم لفظتها. فقلت للأعمش أصدقته؟ فقال: إبراهيم بن يزيد التيمي. يريد أنه صدق.
عن أبي حيان، عن إبراهيم التيمي قال: ما عرضت عملي على قولي إلا خشيت أن أكون مكذباً.
سفيان قال: قال التيمي: كم بينكم وبين القوم؟ أقبلت عليهم الدنيا فهربوا وأدبرت عنكم فاتبعوها.
ـــــــ
413 - هو: إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، يكنى أبا أسماء، الكوفي العابد، ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وتسعين، وله أربعون سنة.
قال الشيخ شعيب: قوله يدلس وهم منه، فإن أحدا لم يصفه بذلك، بل لم يورده هو في طبقات المدلسين قال: والأصوب أنه توفي سنة 93 التحرير 1/103.

(2/51)


العوام بن حوشب قال: ما رأيت رجلاً قط خيراً من إبراهيم التيمي رافعاً بصره إلى السماء في صلاة ولا في غيرها، وسمعته يقول: إن الرجل ليظلمني فارحمه.
عن العوام بن حوشب قال: ما رأيت إبراهيم التيمي رافعاً رأسه في الصلاة ولا في غيرها، ولا سمعته يخوض في شيء من أمر الدنيا قط.
عن بكير أو أبي بكير، عن أبي إبراهيم التيمي قال: ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} وينبغي لمن لا يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا: {إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} .
العوام بن حوشب، عن أبيه، عن إبراهيم التيمي قال: أعظم الذنب عند الله عز وجل أن يحدث العبد بما ستر الله عليه.
سفيان بن عيينة قال: قال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً. قال: قلت: فأنت في الأمنية فاعملي.
قال المؤلف: أسند إبراهيم التيمي عن أبيه، والحارث بن سويد، في آخرين. وتوفي في حبس الحجاج في سنة اثنتين وتسعين.
علي بن محمد قال: كان سبب حبس إبراهيم التيمي أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي. فجاء الذي طلبه فقال: أريد إبراهيم. فقال إبراهيم التيمي: أنا إبراهيم، فأخذه وهو يعلم أنه إبراهيم النخعي. فلم يستحل أن يدله عليه، فجاء به الحجاج فأمر بحبسه في الديماس ولم يكن لهم ظل من الشمس ولا كن من البرد، وكان كل اثنين في سلسلة. فتغير إبراهيم فجاءته أمه في الحبس فلم تعرفه حتى كلمها. فمات في السجن. فرأى الحجاج في منامه قائلاً يقول: مات في هذه الليلة رجل من أهل الجنة، فلما أصبح قال: هل مات الليلة أحد بواسط؟ قالوا نعم، إبراهيم التيمي مات في السجن فقال: حلم نزغة من نزغات الشيطان؟ فأمر به فألقي على الكناسة.

(2/52)


414 - خيثمة بن عبد الرحمن ابن أبي سبرة
واسمه يزيد بن مالك الجعفي.
عن الأعمش قال: ورث خيثمة بن عبد الرحمن مائتي ألف درهم فأنفقها على القراء والفقهاء.
الأعمش قال: كان خيثمة يصنع الخبيص والطعام الطيب ثم يدعو إبراهيم، يعني النخعي، ويدعونا معه فيقول: كلوا ما أشتهيه ما أصنعه إلا من أجلكم.
الأعمش قال: ربما دخلنا على خيثمة فيخرج السلة من تحت السرير، فيها الخبيص والفالوذج، فيقول: ما أشتهيه كلوا، أما إني ما جعلته إلا لكم. وكان موسراً، وكان يصر الدراهم، فإذا الرجل من أصحابه مخرق القميص أو الرداء أو به خلة تحينه فإذا خرج من الباب خرج هو من باب آخر حتى يلقاه فيعطيه فيقول: اشتر قميصاً اشتر رداء، اشتر حاجة كذا.
عن طلحة: قال خيثمة: كان يعجبهم أن يموت الرجل عند خير يعمله، إما حج، وإما عمرة وإما غزاة وإما صيام رمضان.
عن الأعمش قال: نفست امرأة المسيب بن رافع وهو غائب، فاشترى لها خيثمة خادماً بستمائة.
عن الحكم عن خيثمة قال: إذا طلبت شيئاً فوجدته، فاسأل الله الجنة فلعله يكون يومك الذي يستجاب فيه.
عن الأعمش، عن خيثمة قال: تقول الملائكة: يا رب عبدك المؤمن تزوي عنه الدنيا وتعرضه للبلاء؟ قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن ثوابه فإذا رأوا ثوابه قالوا: يا رب لا يضره ما أصابه في الدنيا. قال: ويقولون: عبدك الكافر تزوي عنه البلاء وتبسط له الدنيا؟ قال: فيقول للملائكة: اكشفوا لهم عن عقابه. قال: فإذا رأوا عقابه قالوا: يا رب لا ينفعه ما أصابه من الدنيا.
قال المؤلف: وقد روي هذا الكلام عن خيثمة، عن عبد الله بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن الصحيح أنه من قوله خيثمة.
ـــــــ
414 - هو: خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة – بفتح المهملة وسكون الموحدة - الجعفي الكوفي، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، مات بعد سنة ثمانين.

(2/53)


عن محمد بن خالد الضبي قال: لم نكن ندري كيف يقرأ خيثمة القرآن، حتى مرض فثقل، فجاءته امرأة فجلست بين يديه فبكت. فقال لها: ما يبكيك؟ الموت لا بد منه. فقالت له المرأة: الرجال بعدك علي حرام. فقال لها خيثمة: ما كل هذا أردت منك، إنما كنت أخاف رجلاً واحداً وهو أخي محمد بن عبد الرحمن، وهو رجل فاسق يتناول الشراب فكرهت أن يشرب في بيتي الشراب بعد إذ القرآن يتلى فيه كل ثلاث.
عن سفيان، عن رجل، عن خيثمة: أنه أوصى أن يدفن في مقبرة فقراء قومه.
قال المصنف: أدرك خيثمة علي بن أبي طالب عليه السلام. وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وعدي بن حاتم، والنعمان بن بشير، في جماعة من الصحابة. ومات قبل أبي وائل.

(2/54)


415 - عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد.
أبو جعفر النخعي، كان يدخل على عائشة.
محمد بن إسحاق قال: قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد حاجاً فاعتلت إحدى قدميه فقام يصلي حتى أصبح على قدم واحدة قال: وصلى الفجر بوضوء العشاء، قال: وقدم علينا ليث بن أبي سليم فصنع مثلها.
ـــــــ
415 - هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة من الثانية، مات سنة تسع وتسعين.

(2/54)


416 - القاسم بن مخيمرة الهمداني
كوفي الأصل ثم نزل الشام.
سعيد بن عبد الملك قال: قال القاسم بن مخيمرة: ما اجتمع على مائدتي لونان من طعام واحد، ولا أغلقت بابي ولي خلفه هم.
قال القاسم: وأتيت عمر بن عبد العزيز فقضى عني سبعين ديناراً وحملني على بغلة وفرض لي في كل سنة خمسين. فقلت: أغنني عن التجارة. فسألني عن حديث، فقلت هيبتني يا أمير المؤمنين. كأنه كره أن يحدثه به على هذا الوجه.
عن الأوزاعي، عن القاسم: أنه كره صيد الطير أيام فراخه.
روى القاسم عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأسند عن خلق من التابعين. وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
ـــــــ
416 - هو: القاسم بن مخيمرة، بالمعجمة مصغر، أبو عروة الهمداني، بالسكون الكوفي، نزيل الشام، ثقة فاضل من الثالثة، مات سنة مائة.

(2/54)


ومن الطبقة الثالثة
طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب
...
ومن الطبقة الثالثة:
417 - طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب
يكنى أبا عبد الله وقيل: أبا محمد وكان قارئ أهل الكوفة يقرؤون عليه القرآن فلما رأى كثرتهم عليه كره ذلك فمشى إلى الأعمش وقرأ عليه، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة.
سفيان قال: قال الأعمش: ما رأيت مثل طلحة، إن كنت قائماً فقعدت قطع القراءة، وإن كنت محتبياً فحللت حبوتي قطع القراءة مخافة أن يكون أملني.
ابن أبي غنية قال: حدثني شيخ عمن حدثته قالت: أرسل إلي طلحة بن مصرف: إني أريد أن أوتد في حائطك وتداً. فأرسلت إليه نعم - قالت: ودخلت خادمنا منزل طلحة تقتبس ناراً وطلحة يصلي. فقالت لها امرأته: مكانك يا فلانة حتى نشوي لأبي محمد هذا القديد على قصبتك يفطر عليه. فلما قضى صلاته قال: ما صنعت لا أذوقه حتى ترسل إلى سيدتها لحبسك إياها وشوائك على قصبتها.
عن حريش بن سليم قال: كان طلحة بن مصرف يقول في دعائه: اللهم اغفر لي رئائي وسمعتي.
عبد الصمد بن يزيد قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: بلغني عن طلحة أنه ضحك يوماً، فوثب على نفسه فقال: فيم تضحك؟ إنما يضحك من قطع الأهوال وجاز الصراط. ثم قال: آليت أن لا أفتر ضاحكاً حتى أعلم بم تقع الواقعة. فما رئي ضاحكاً حتى صار إلى الله عز وجل.
عن ليث قال: كنت أمشي مع طلحة فقال: لو علمت أنك أسن مني بليلة ما تقدمتك.
عن عبد الملك بن هانئ قال: خطب زبيد إلى طلحة ابنته. فقال: إنها قبيحة. قال: قد رضيت. قال: إن بعقبها أثراً. قال: قد رضيت.
عبد الرحمن بن عبد الملك بن الحر عن أبيه قال: ما رأيت طلحة بن مصرف في ملأ إلا رأيت له الفضل عليهم.
ـــــــ
417 - هو: طلحة بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي - بالتحتانية - الكوفي ثقة قارئ فاضل، من الخامسة، مات سنة اثنتي عشرة أو بعدها.

(2/55)


الصلت بن بسطام قال: حدثني رجل من تيم الله، وكان قد جالس الشعبي وإبراهيم، قال: ما رأيت أحداً أملك للسانه من طلحة بن مصرف.
حريش بن سليم قال: سألت زبيداً من أعجب من أدركت إليك؟ قال: ما أدركت أحداً أعجب إلي من طلحة.
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: يعجبني أخلاق طلحة بن مصرف وزيد وقد جرحتهما.
عن محمد بن فضيل، عن أبيه قال: دخلنا على طلحة بن مصرف نعوده، فقال له أبو كعب: شفاك الله فقال: أستخير الله.
عن ليث قال: حدثني طلحة في مرضه الذي مات فيه أن طاوساً كان يكره الأنين فما سمع طلحة يئن حتى مات رحمه الله.
قال المؤلف: أدرك طلحة جماعة من الصحابة، وسمع من أنس، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الزبير. وكان قد خرج مع قراء الكوفة إلى الجماجم أيام الحج، وتوفي بعد ذلك سنة اثنتي عشرة ومائة.

(2/56)


418 - زبيد بن الحارث اليامي
يكنى أبا عبد الرحمن، ويقال أبا عبد الله، الأشعث بن عبد الرحمن بن زبيد عن أبيه قال: كان زبيد قد قسم علينا الليل ثلاثا: ثلثاً عليه، وثلثاً علي، وثلثاً على أخي، فكان زبيد يقوم ثلثه ثم يضربني برجله فإذا رأى مني كسلاً قال: من يا بني فأنا أقوم عنك. ثم يجيء إلى أخي فيضربه برجله فإذا رأى منه كسلاً قال: من يا بني فأنا أقوم عنك قال: فيقوم حتى يصبح.
قال الأشج: وحدثني المحاربي عن سفيان قال: دخلنا على زبيد نعوده فقلنا: شفاك الله فقال: أستخير الله.
سفيان قال: كان زبيد إذا كانت الليلة مطيرة أخذ شعلة من النار فطاف على عجائز الحي فقال: أوكف عليكم بيت؟ أتريدون ناراً؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحي فقال: ألكم في السوق حاجة؟ أتريدون شيئاً؟
ـــــــ
418 - هو: زبيد – بموحدة - مصغر - ابن الحارث بن عبد الكريم بم عمرو بن كعب اليامي -بالتحتانية - أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين أو بعدها.

(2/56)


قال وكيع: وحدثني أبي قال: كنت جالساً مع زبيد فأتاه رجل ضرير يريد أن يسأله. فقال له زبيد: إن كنت تريد أن تسأل عن شيء فإن معي غيري.
محمد بن الحسين قال: حدثني سليمان بن أيوب عن بعض أشياخه قال: قام زبيد اليامي ذات ليلة ليتهجد قال: فعمد إلى مطهرة له قد كان يتوضأ منها فغمس يده في المطهرة. فوجد الماء بارداً شديداً كاد يجمد من شدة برده فذكر الزمهرير ويده في المطهرة. فلم يخرجها منها حتى أصبح. فجاءت الجارية وهي على تلك الحال فقالت: ما شأنك يا سيدي لم تصل الليلة كما كنت تصلي وأنت قاعد ها هنا على هذه الحال؟ قال: ويحك أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد علي برد الماء فذكرت به الزمهرير، فوالله ما شعرت بشدة برد يدي حتى وقفت علي، فانظري لا تحدثني بها أحداً ما دمت حياً. قال: فما علم بذلك أحد حتى مات.
أنبأ سفيان بن زبيد قال: يسرني أن يكون لي في كل شيء نية حتى في الأكل والنوم.
قال سعيد بن جبير: لو خيرت عبداً ألقى الله في مسلاخه اخترت زبيداً الأيامي.
المنذر أبو عبد الله من أهل الكوفة قال: قال لي محمد بن سوقة: لو رأيت طلحة وزبيداً لعلمت أن وجوههما قد أخلقها سهر الليل وطول القيام، وكانا والله ممن لا يتوسد الفراش.
قال المؤلف: أدرك زبيد اليامي جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر وأنس. وتوفي في سنة اثنتين وعشرين ومائة. وقيل: في سنة ثلاث وعشرين، في أولها.
حنبل قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات زبيد سنة اثنتين وعشرين ومائة. وكان طلحة أكبر من زبيد بعشر سنين، واستوفى زبيد عشر شنين قبل أن يموت.

(2/57)


419 - عون بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود الهذلي
مطرف بن معقل الشقري قال: سمعت عون بن عبد الله يقول: ذاكر الله في غفلة الناس، كمثل الفئة المنهزمة يحميها الرجل، لولا ذلك الرجل هزمت الفئة، ولولا من يذكر الله من غفلة الناس هلك الناس.
سفيان قال: قال عون بن عبد الله: صحبت الأغنياء فلم يكن أحد أطول غماً مني إن رأيت أحداً أحسن ثياباً مني وأطيب ريحاً مني، فصحبت الفقراء فاسترحت.
ـــــــ
419 - هو: عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد، من الرابعة، مات قبل سنة عشرين ومائة.

(2/57)


عن مسعود قال: قال عون بن عبد الله: كفى بك من الكبر أن ترى لك فضلاً على من هو دونك.
عن أبي هارون قال: كان يحدثنا وللحيته رش بالدموع.
عن المسعودي قال: قال عون بن عبد الله: ما أحسب أحداً تفرغ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه.
وقال عون: جالسوا التوابين فإنهم أرق الناس قلوباً.
مطرف بن معقل الشقري قال: حدثني عون بن عبد الله قال: الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان ترجح إحداهما بالأخرى وما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصاحبه.
المسعودي قال: قال عون بن عبد الله: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم.
عن عون قال: إن الله ليكره عبده على البلاء كما يكره أهل المريض مريضهم، وأهل الصبي صبيهم، على الدواء، ويقولون: اشرب هذا، فإن لك في عاقبته خيراً.
عن المسعودي، عن فرعون قال: كان رجل يجالس قوماً فترك مجالستهم فأتي في منامه، فقيل له: تركت مجالستهم؟ لقد غفر لهم بعدك سبعين مرة.
عن المسعودي عن عون بن عبد الله أنه كان يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويح نفسي، بأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي، ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟ ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي، ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟ أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟ أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟ أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري، أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟ أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني؟ أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟ أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟ أم كيف يشتد إعجابي بما يزايلني وينقطع عني؟ أم كيف لا يكثر بكائي ولا أدري ما يراد بي؟ أم كيف تقر عيني مع ذكر ما سلف مني؟ أم كيف تطيب نفسي مع ذكر ما هو أمامي؟ ويحي هل ضرب غفلتي أحداً سواي؟ أم هل يعمل لي غيري عن ضيعت حظي؟ ويحي كأنه قد تصرم أجلي ثم أعاد ربي

(2/58)


خلقي كما بدأني، ثم وقفني وسألني، ثم أشهدت الأمر الذي أذهلني وشغلت بنفسي من غيري، وسارت الجبال وليس لها مثل خطيئتي، وجمع الشمس والقمر وليس عليهما مثل حسابي، وانكدرت النجوم وليست تطلب بما عندي، وحشرت الوحوش ولم تعمل مثل عملي، وشاب الوليد وهو أقل ذنباً مني، ويحي ما أشد حالي وأعظم خطري، فاغفر لي واجعل طاعتك همتي ولا تعرض عني يوم تعرض، ولا تفضحني بسرائري ولا تخذلني بكثرة فضائحي، بأي عين أنظر إليك وقد علمت سرائري؟ وكيف أعتذر إليك إذا ختمت على لساني ونطقت جوارحي بكل الذي كان مني، إلهي أنا الذي ذكرت ذنوبي لم تقرعيني، أنا تائب إليك فاقبل ذلك مني، ولا تجعلني لنار جهنم وقوداً بعد توحيدي وإيماني برحتمك.
المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: ما أحد ينزل الموت حق منزلته إلا عد غداً ليس من أجله، كم من مستقبل يوماً لا يستكمله، وراج غداً لا يبلغه، لو تنظرون إلى الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
عن ابن عجلان، عن عون بن عبد الله قال: إن تمام التقوى أن تبتغي إلى ما قد علمت منها علم ما لم تعلم، وإن النقص فيما قد علمت ترك ابتغاء الزيادة فيه، وإنما يحمل الرجل على ترك ابتغاء الزيادة قلة الانتفاع بما قد علم.
عن زيد العمي، عن عون بن عبد الله قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث ويلقى بها بعضهم بعضاً: من عمل لآخرته كفاه الله عز وجل دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الناس، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
أبي المحجل الأسدي قال: قال عون بن عبد الله: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب.
عن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بدموعه. فقيل له: لم تمسح وجهك بدموعك؟ قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكاناً من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار.

(2/59)


قال المؤلف: أدرك عون بن عبد الله جماعة من الصحابة. وسمع من ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة. وجمهور روايته عن أبيه.

(2/60)


420 - أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي
ولد في ولاية عثمان، عن مغيرة قال: كنت إذا رأيت أبا إسحاق ذكرت به الصدر الأول.
أبو بكر بن عياش قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران.
العلاء بن سام العبدي قال: ضعف أبو إسحاق عن القيام فكان لا يقدر أن يقوم إلى الصلاة حتى يقام، فإذا أقاموه فاستتم قائماً قرأ ألف آية وهو قائم.
سفيان قال: كان أبو إسحاق يقوم ليل الصيف كله، وأما الشتاء فأوله وآخره، وبين ذلك هجعة.
عن سفيان قال: قال أبو إسحاق: أما أنا فإذا استيقظت لم أقلها.
قال المؤلف: أدرك أبو إسحاق خلقاً كثيراً من الصحابة، واسند عن ثلاثة وعشرين منهم، وسمع من علي بن أبي طالب وسعيد بن زيد وابن عمر، وأسامة، وابن الزبير، وانفرد بالرواية عن ثلاثة من الصحابة لم يرو عنهم غيره؛ أحدهم عبدة ابن حزن ويقال: عبيدة ويقال: بشر ويقال: نصر. والثاني: كدير الضبي، والثالث: مطر بن عكامس، فهؤلاء الثلاثة عدهم جماعة من أهل العلم في الصحابة، وأبي قوم أن يكون لهم صحبة.
وتوفي أبو إسحاق في سنة ثمان وعشرين ومائة وقيل تسع وعشرين وهو ابن ثمان أو تسع وتسعين سنة.
ـــــــ
420 - هو: عمرو بن عبد الله بن عبيد، ويقال ابن أبي شعيرة الهمداني، أبو إسحاق السبيعي، بفتح المهملة، وكسر الموحدة، ثقة مكثر، من الثالثة، اختلط بآخرة، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل قبل ذلك.
قال الشيخ شعيب: قوله اختلط بآخره ليس بجيد، فإنه لم يختلط لكنه شاخ ونسي كما قال الإمام الذهبي.

(2/60)


421 - عمرو بن مرة الجملي
من مراد.
قراد قال: سمعت شعبة يقول: ما رأيت بالكوفة شيخاً خيراً من زبيد الأيامي، وما رأيت عمرو بن مرة في صلاته إلا ظننت أنه لا ينصرف حتى يستجاب له.
سفيان قال: قلت لمعمر: من أفضل من رأيت؟ قال: ما يخيل إلي أني رأيت أحداً أفضله على عمرو بن مرة، ما رأيته قط يدعو إلا قلت: يستجاب له.
عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة قال: من طلب الآخرة أضر بالدنيا، ومن طلب الدنيا أضر بالآخرة، فأضروا بالفاني للباقي.
سعيد بن سنان قال: قال عمرو بن مرة ما أحب أني بصير، إني أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب.
عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة قال: نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكف بصري فأرجو أن يكون ذلك كفارة.
سلام بن سليم قال: كنت أقرأ على عمرو بن مرة، فكنت أسمعه كثيراً يقول: اللهم اجعلني ممن يعقل عنك.
مسعر قال: سمعت عبد الملك بن ميسرة يقول ونحن في جنازة عمرو بن مرة: إني لأحسبه خير أهل الأرض.
قال المصنف: أسند عمرو عن عبد الله بن أبي أوفى وعن خلق من كبار التابعين. وتوفي سنة ست عشرة ومائة، وقيل سنة ثمان عشرة.
ـــــــ
421 - هو: عمرو بن مرة بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم - المرادي، أبو عبد الله الكوفي، الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل قبلها.

(2/61)


422 - حبيب بن أبي ثابت الأسدي
مولى لبني كاهل - واسم أبي ثابت: قيس بن دينار.
أبو بكر بن عياش قال: رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجداً، فلو رأيته قلت ميت، يعني
ـــــــ
422 - هو: حبيب بن أبي ثابت، الإمام الحافظ فقيه الكوفة، أبو يحي القرشي الأسدي مولاهم، واسم أبيه قيس بن دينار، وقيل: قيس بن هند، ويقال: هند.

(2/61)


من طول السجود، عن كامل أبي العلاء قال: أنفق حبيب بن أبي ثابت على القراء مائة ألف.
سفيان قال: قال حبيب بن أبي ثابت ما استقرضت من أحد شيئاً أحب إلي من نفسي، أقول لها أمهلي حتى تجيء من حيث أحب.
قال المؤلف: أسند حبيب عن عمر وابن عباس وجابر وحكيم بن حزام وأنس بن مالك وابن أبي أوفى في آخرين وتوفي سنة تسع عشرة ومائة.

(2/62)


423 - مجمع بن يسار
أبو حمزة التيمي.
أبو الربيع الواسطي قال: سمعت حفص بن غياث يقول: دخل سفيان الثوري على مجمع التيمي فإذا في إزار سفيان خرق. قال: فأخذ أربعة دراهم فناول سفيان فقال: اشتر به إزاراً. فقال سفيان: لا أحتاج إليها. قال مجمع: صدقت، أنت لا تحتاج ولكني أحتاج. قال: فأخذها فاشترى بها إزاراً فكان سفيان يقول: كساني مجمع جزاه الله خيراً.
وقال سفيان: ليس شيء من عمل أرجو أن يشوبه شيء كحبي مجمعاً التيمي.
سفيان قال: خلف لنا أبو حيان التيمي وما مر من عمله شيء أوثق في نفسه من حبه مجمعاً التيمي.
أبو بكر بن عياش قال: رأيت مجمعاً التيمي في سوق الغنم فقالوا له: كيف شاتك هذه؟ قال: ما أرضاها. قال أبو بكر: ومن كان أورع من مجمع؟
سفيان قال: قال مسعر: جاء مجمع بشاة إلى السوق يبيعها فقال: يخيل إلي أن في لبنا ملوحة.
عن الأعمش، عن مجمع، أنه نزل عليه ضيف فما سأله من أين جئت؟ وما جاء بك؟ حتى خرج من عنده.
قال المؤلف: لا نعلم مجمعاً أسند شيئاً إلا أنه قد روى عن ماهان الزاهد، وروى عنه أبو حيان التيمي وسفيان الثوري، وقال أبو حاتم الرازي: دعا مجمع ربه عز وجل أن يميته قبل الفتنة. فمات من ليلته، وخرج زيد بن علي من الغد.
ـــــــ
423 - هو: مجمع بن يسار، أبو حمزة التيمي، ثقة فاضل.

(2/62)


424 - الربيع بن أبي راشد
ويكنى أبا عبد الله.
عمر بن ذر قال: كنت إذا رأيت الربيع بن أبي راشد كأنه مخمار من غير شراب.
عن خلف بن حوشب قال: كنت مع الربيع بن أبي راشد في الجبانة قرأ رجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} الآية، فقال الربيع: حال ذكر الموت بيني وبين كثير من مما أريد من التجارة، فلو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لخشيت أن يفسد علي قلبي، ولولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت.
عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبي راشد: اقرأ علي {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ} فقرأتها عليه فبكى ثم قال: والله لولا أن تكون بدعة لسحت أو قال: لهمت - في الجبال.
عمر بن ذر قال: قال الربيع بن أبي راشد، ورأى رجلاً مريضاً يتصدق بصدقة فقسمها بين جيرانه، فقال: الهدايا إمام الزيارة. فلم يلبث الرجل إلا أياماً حتى مات. فبكى عند ذلك الربيع وقال: أحسن والله بالموت وعلم أنه لا ينفعه من ماله إلا ما قدم بين يديه.
عن مالك بن مغول قال: قال الربيع بن أبي راشد: لولا ما يأمل المؤمنون من كرامة الله عز وجل لهم بعد الموت لانشقت في الدنيا مرائرهم، ولتقطعت أجوافهم.
عن سفيان قال: لم يكن بالكوفة رجل أكثر ذكراً للموت من الربيع بن أبي راشد إن كان الربيع من الموت لعلى حذر.
قال المؤلف: أسند الربيع عن منذر الثوري، وسمع من سعيد بن جبير، وفي حديثه قلة.
ـــــــ
424 - هو: الربيع بن أبي راشد، هو الحاضر الشاهد الذاكر الواجد، انظر حلية الأولياء 5/88.

(2/63)


425 - عبدة بن أبي لبابة
مولى قريش. يكنى أبا القاسم، عن الأوزاعي عن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرثاء آمنهم له.
ـــــــ
425 - هو: عبدة بن أبي لبابة الأسدي مولاهم، ويقال: ولي قريش أبو القاسم البزار، الكوفي، نزيل دمشق، ثقة من الرابعة.

(2/63)


وعن عبيدة قال: إذا ختم الرجل القرآن نهاراً صلت عليه الملائكة حتى يمسي، وإذا ختم القرآن ليلاً صلت عليه الملائكة حتى يصبح.
عقبة بن علقمة قال: سمعت الأوزاعي يقول: كان عبدة إذا كان في المسجد لم يذكر شيئاً من أمر الدنيا.
قال المؤلف: أدرك عبدة عبد الله بن عمر وسمع منه.

(2/64)


426 - محمد بن جحادة الأودي
مولى لبني أود.
عن سفيان قال: كان محمد بن جحادة من العابدين، وكان يقال إنه لا ينام من الليل إلا أيسره، قال: فرأت امرأة من جيرانه كأن حللاً فرقت على أهل مسجدهم لما انتهى الذي يفرقها إلى محمد بن جحادة دعا بسفط مختوم أخرج منه حلة صفراء. قالت: فلم يقم لها بصري فكساه إياها وقال له: هذه لك بطول السهر. قالت تلك المرأة: فوالله لقد كنت أراه بعد ذلك فأخالها عليه.
روى محمد بن جحادة عن أبي صالح وروى عنه الثوري.
ـــــــ
426 - هو: محمد بن جحادة - بضم الميم - وتخفيف المهملة - ثقة من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين.

(2/64)


ومن الطبقة الرابعة
منصور بن المعتمر السلمي
...
ومن الطبقة الرابعة:
427 - منصور بن المعتمر السلمي
يكنى أبا عتاب.
عن زائدة بن قدامة قال: صام منصور بن المعتمر أربعين سنة قام ليلها وصام نهارها، وكان الليل يبكي فتقول له أمه: يا بني أقتلت قتيلاً؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي قال: فإذا أصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرق شفتيه وخرج إلى الناس. فأخذه يوسف بن عمر عامل الكوفة يريده على القضاء فامتنع. قال: فجاءه خصمان فقعدا بين يديه فلم يسألهما ولم يكلمهما. وقيل ليوسف بن عمر: إنك لو نثرت لحمه لم يل لك قضاء فخلى عنه.
قال المؤلف: هكذا في هذه الرواية صام أربعين سنة - وفي رواية أخرى عن زائدة: صام سنة - وفي رواية: صام ستين سنة.
أبو عوانة قال: لما أجلس منصور بن المعتمر في القضاء كان يأتيه الرجل فيقص عليه، فيقول: قد فهمت ما قلت ولا أدري ما الجواب فيه فكان يفعل ذلك فذكروا ذلك لابن هبيرة، وكان هو الذي ولاه. فقال: هذا أمر لا يصلح إلا أن يعين عليه صاحبه بشهوة فتركه.
أبو بكر بن عياش قال: ربما كنت مع منصور في منزله جالساً فتصيح به أمه، وكانت فظة غليظة. فتقول: يا منصور يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى عليه؟ وهو واضح لحيته على صدره ما يرفع طرفه إليها.
حسن بن صالح قال: كان منصور في الديوان قال له إنسان: ناولني الطين أختم به. قال: أرني كتابك حتى أنظر أي شيء فيه؟.
العلاء بن سالم العبدي قال: كان منصور، يعني ابن المعتمر، يصلي في سطحه. فلما مات قال غلام لأمه: يا أماه الجذع الذي كان في سطح آل فلان ليس أراه. قالت: يا بني ليس ذاك بجذع، ذاك منصور قد مات.
أبو بشر قال: كانت جارة لمنصور بن المعتمر، وكان لها ابنتان لا تصعدان السطح إلا
ـــــــ
427 - هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب، بمثناة ثقيلة ثم موحدة، الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس من طبقة الأعمش، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

(2/65)


بعد ما ينام الناس، فقالت إحداهما ذات ليلة: يا أمتاه، ما فعلت القائمة التي كنت أراها في سطح فلان؟ فقالت: يا بنية لم تكن تلك قائمة إنما كان منصور يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع.
قال أبو الأحوص: إن منصور بن المعتمر كان إذا جاء الليل اتزر وارتدى إن كان صيفاً، وإن كان شتاء التحف فوق ثيابه ثم قام إلى محرابه كأنه خشبة منصوبة حتى يصبح.
زائدة بن قدامة قال: كان منصور بن المعتمر إذا رأيته قلت: رجل قد أصيب بمصيبة منكس الطرف، منخفض الصوت، رطب العينين، إن حركته جاءت عيناه بأربع. ولقد قالت له أمه يوماً: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ تبكي الليل عامته لا تكاد تسكت. لعلك يا بني أصبت نفساً لعلك قتلت قتيلاً. قال: فيقول: يا أماه أنا أعلم ما صنعت بنفسي.
عن سفيان قال: كانوا يقولون في ذلك الزمان: إن أطول أهل الكوفة تهجداً طلحة وزبيد وعبد الجبار بن وائل، قال الحميدي: فقلت: فمنصور؟ قال: نعم إنما كان الليل عنده مطية من المطايا متى شئت أصبته قد ارتحله.
سفيان بن عيينة، وذكر منصور بن المعتمر، فقال: قد كان عمش من البكاء.
عن الثوري قال: لو رأيت منصوراً يصلي لقلت يموت الساعة.
خلف بن تميم قال: سمعت أبي تميم بن مالك يقول: كان منصور بن المعتمر إذا صلى الغداة أظهر النشاط لأصحابه فيحدثهم ويكثر إليهم، ولعله إنما بات قائماً على أطرافه، كل ذلك ليخفي عليهم العمل.
عن أبي عمار قال: سمعت عطاء بن جبلة يقول: سألوا أم منصور بن المعتمر عن عمله، فقالت: كان ثلث الليل يقرأ، وثلثه يبكي وثلثه يدعو.
جرير قال: صام منصور وقام فكان يأكل فيرى الطعام في مجراه.
ابن عيينة قال: رأيت منصور بن المعتمر في المنام فقلت: ما فعل الله بك قال: كدت ألقى بعمل نبي.
قال سفيان: إن منصوراً أقام ستين سنة. يقوم ليلها ويصوم نهارها.
قال المؤلف: أدرك منصور بن المعتمر أنس بن مالك، وروى عنه، ورأى ابن أبي أوفى، وروى عن جماعة من التابعين، كالأعمش، وسليمان التيمي، وأيوب السختياني. وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين ومائة.

(2/66)


428 - ضرار بن مرة الشيباني
يكنى أبا سنان شهاب الدين بن عباد قال: قال أصحابنا: كان البكاؤون بالكوفة أربعة: ضرار بن مرة، وعبد الملك بن أبجر، ومحمد بن سوقة، ومطرف بن طريف. وكان ضراراً قد حفر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، فكان يأتيه فيختم فيه القرآن.
محمد بن فضيل قال: كان ضرار حفر في بيته قبراً كان يتعبد فيه.
المحاربي قال: كان ضرار بن مرة ومحمد بن سوقة إذا كان يوم الجمعة طلب كل واحد منهما صاحبه، فإذا اجتمعا جلسا يبكيان، عبد الله بن الأجلح قال: كان ضرار بن مرة يقول لنا: لا تجيئوني جماعة ولكن ليجيء الرجل وحده فإنكم إذا اجتمعتم تحدثتم، وإذا كان الرجل وحده لم يخل من أن يدرس جزأه أو يذكر ربه.
أبو سنان قال: قال إبليس: إذا استمكنت من ابن آدم ثلاثاً أصبت منه حاجتي: إذا نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه.
قال المصنف: أسند ضرار عن سعيد بن جبير وغيره.
ـــــــ
428 - هو: الباكي اليقظان ضرار بن مرة، ويكنى أبا سنان، شهاب الدين، انظر حلية الأولياء 5/105.

(2/67)


429 - محمد بن سوقة
مولى بجيلة، يكنى أبا بكر وكان سوقة بزازاً.
قال سفيان: ما بقي أحد يدفع به عن أهل الكوفة إلا ابن سوقة، كانت عنده عشرون ومائة ألف فقدمها.
قال العباس: وسمعت شهاب بن عباد قال: دخل رجل بيت محمد بن سوقة فرأى على الباب ستر مسح، فجعل ينظر إليه، ففطن ابن سوقة فقال: لعلك ترى أني ندمت، لا ما ندمت.
سفيان بن عيينة قال: نزل محمد بن المنكدر على محمد بن سوقة بالكوفة فحمله على حمار، فسألوه فقالوا: يا عبد الله أي العمل أحب إليك؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قالوا: فما بقي مما يستلذ؟ قال: الإفضال على الإخوان.
ـــــــ
429 - هو: محمد بن سوقة – بضم المهملة - الغنوي - بفتح المعجمة والنون الخفيفة - الكوفي العابد، ثقة مرض من الخامسة.

(2/67)


عن مهدي بن سابق قال: طلب ابن أخي محمد بن سوقة منه شيئاً فبكى فقال له: والله يا عم لو علمت أن مسألتي تبلغ منك هذا ما سألتك قال: ما بكيت لسؤالك إنما بكيت لأني لم أبتدئك قبل سؤالك.
عن فضيل بن عياض، عن محمد بن سوقة قال: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما لعذاب الله: أحدنا يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحاً ما علم الله أنه فرحه بشيء زاده قط في دينه، وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزناً ما علم أنه حزنه على شيء نقصه قط في دينه.
قال المؤلف: أدرك محمد بن سوقة عن أنس بن مالك، وأبا الطفيل، وعامة روايته عن كبار التابعين.

(2/68)


430 - سليمان بن مهران الأعمش الأسدي
يكنى أبا محمد مولى لبني كاهل.
عن عيسى بن يونس قال: ما رأينا في زماننا مثل الأعمش، ما رأيت الأغنياء والسلاطين في مجلس أحد أحقر منهم في مجلس الأعمش وهو محتاج إلى درهم.
وكيع قال: كان الأعمش قريباً من سبعين سنة لم يفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه قريباً من سبعين فما رأيته يقضي ركعة.
إبراهيم بن عرعرة قال: سمعت يحيى القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظاً على الصلاة في الجماعة وعلى الصف الأول. قال يحيى: وهو علامة الإسلام.
الوليد بن صالح الطائي قال: قال الأعمش: إني لأحب أن أعافى في إخواني لأنهم إن بلوا بليت معهم إما بالمواساة وفيها مؤونة، وإما بالخذلان وفيه عار.
سفيان قال: لو رأيت الأعمش لقلت: مسكين.
أبو بكر بن عياش قال: دخلت على الأعمش في مرضه الذي توفي فيه فقلت: أدعو لك طبيباً؟ فقال: ما أصنع به؟ فوالله لو كانت نفسي في يدي لطرحتها في الحش، إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحداً واذهب بي فاطرحني في لحدي.
ـــــــ
430 - هو: سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءات ورع لكنه يدلس من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين، أو ثمان وكان مولده أول سنة إحدى وستين.

(2/68)


قال المؤلف: أدرك الأعمش جماعة من الصحابة وعاصرهم، ورأى أنس بن مالك، وسمعه يقرأ، ولم يحمل عنه شيئاً مرفوعاً، وأرسل عن ابن أبي أوفى.
الفضل بن دكين ووكيع قالا: ولد الأعمش يوم قتل الحسين، وذلك يوم عاشوراء سنة ستين، وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وثمانين سنة.
وقد قال يحيى بن عيسى الرملي: ولد سنة ثمان وخمسين. وقال الهيثم بن عدي: مات سنة سبع وأربعين ومائة.

(2/69)


431 - أبو حيان بن سعيد التيمي
سمع من الشعبي وكان ثقة صالحاً.
عبد الله بن إدريس قال: ما رأيت الليل على أحد من الناس أخف منه على أبي حيان التيمي، صحبناه مرة إلى مكة، فكان إذا أظلم الليل فكأنه مثل هذه الزنابير إذا هيجت من عشها.
ـــــــ
431 - هو: أبو حيان - بتشديد التحتانية - اسمه يحيى بن سعد بن حيان - بمهملة وتحتانية - الكوفي، ثقة عابد من السادسة، مات سنة خمس وأربعين.

(2/69)


432 - معروف بن واصل التيمي
أحمد بن عبد الله بن يونس قال: كان معروف إمام مسجد بني عمرو بن سعد، وكان يختم القرآن في كل ثلاث سفراً وحضراً. أم قومه ستين سنة لم يسه في صلاة قط لأنها كانت تهمه.

(2/69)


433 - موسى بن أبي عائشة
يكنى أبا بكر، مولى آل جعدة بن هبيرة الكوفي، جرير بن عبد الحميد قال: رأيت موسى بن أبي عائشة، وإذا رأيته ذكرت الله لرؤيته وكان بين عينيه أثر السجود.
أبو بكر القرشي قال: أخبرني إسحاق بن إسماعيل قال: أخبرنا سفيان قال: أخبروني عن عمرو بن قيس قال: ما رفعت رأسي بليل قط إلا رأيت موسى بن أبي عائشة قائماً يصلي. قال القرشي وقال غير إسحاق: وكان يدعى المتهجد، من شدة تغير لونه.
قال المؤلف: رأى عمرو بن حريث، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد، وعبيد الله بن عبد الله، في آخرين، وروى عنه الثوري، وكان يثني عليه.

(2/69)


434 - خلف بن حوشب
عن عبد السلام بن حرب قال: ما رأيت أصبر على السهر من خلف بن حوشب، سافرت معه إلى مكة فما رأيته نائماً بليل حتى رجعنا إلى الكوفة.
ـــــــ
434 - هو: ذو السمت المهذب، والكلام المحبب، أبو عبد الرحمن بن خلف بن حوشب، انظر حلية الأولياء 5/85.

(2/70)


435 - كرز بن وبرة
كوفي الأصل، إلا أنه سكن جرجان، محمد بن فضيل بن غزوان عن أبيه قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا عند مصلاه حفيرة وقد ملأها تبناً وبسط عليها كساء من طول القيام، وكان يقرأ القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات.
قال: أنبأ محمد بن فضيل، عن أبيه، أو عن نفسه قال: كان كرز، إذا خرج، يأمر بالمعروف فيضربونه حتى يغشى عليه.
عن شبرمة قال: صحبنا كرزاً الحارثي فكنا إذا نزلنا إلى الأرض فإنما هو قائل ببصره هكذا، ينظر، فإذا رأى بقعة تعجبه ذهب فصلى فيها حتى يرتحل.
قال ابن شبرمة: سأل كرز بن وبرة ربه عز وجل أن يعطيه اسمه الأعظم على أن لا يسأل به شيئاً من الدنيا. فأعطاه ذلك فسأل الله عز وجل أن يقوى حتى يختم القرآن في اليوم والليلة ثلاث مرات.
خلف بن تميم قال: سمعت أبي يذكر قال: قدم علينا كرز بن وبرة الحارثي من جرجان، فانجفل إليه قراء أهل الكوفة فكنت فيمن أتاه وما سمعت منه إلا كلمتين. قال: صلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن صلاتكم تعرض عليه. وقال: اللهم اختم لنا بخير، وما رأيت في هذه الأمة أعبد من كرز، كان لا يفتر، وكان يصلي في المحمل فإذا أنزل من المحمل افتتح الصلاة.
عن صبيح مولى كرز بن وبرة قال: أخبرني أبو سليمان المكتب قال: صحبت كرزاً إلى مكة فكان إذا نزل أدرج ثيابه فألقاها في الرحل ثم تنحى للصلاة، فإذا سمع رغاء الإبل أقبل. قال: فاحتبس يوماً عن الوقت وانبث أصحابه في طلبه، فكنت فيمن طلبه، قال فأصبته في
ـــــــ
435 - هو: كرز بن وبرة الحارثي، الزاهد القدوة، أبو عبد الله الكوفي، انظر سير أعلام النبلاء 6/315.

(2/70)


وهدة يصلي في ساعة حارة، وإذا سحابة تظله، فلما رآني أقبل نحوي فقال: يا أبا سليمان لي إليك حاجة قلت: وما حاجتك؟ قال: أحب أن تكتم ما رأيت. قال: قلت: ذلك لك. قال: أوثق لي، فحلفت أن لا أخبر به أحداً حتى يموت.
محمد بن فضيل قال: سمعت أبي يقول: لم يرفع كرز بن وبرة رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة.
عمرو بن حميد قال: أخبرني رجل من أهل جرجان قال: لما مات كرز رأى رجل فيما يرى النائم كأن أهل القبور جلوس على قبورهم، وعليهم ثياب جدد، فقيل لهم: ما هذا؟ فقالوا، إن أهل القبور كسوا ثياباً جدداً لقدوم كرز عليهم.
أبو داود الحفري قال: دخلت على كرز بن وبرة بيته فإذا هو يبكي فقيل له ما يبكيك؟ قال: إن بابي لمغلق، وإن ستري لمسبل، ومنعت جزئي أن أقرأه البارحة، وما هو إلا من ذنب أذنبته.
قال المؤلف: اسند كرز عن طاوس، وعطاء، والربيع بن خيثم، والقرظي في آخرين.

(2/71)


436 - أبو يونس القوي
واسمه الحسن بن يزيد العجلي، إسماعيل بن زبان قال: إنما سمي أبو يونس العجلي القوي لقوته على العبادة، صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وصام حتى صار كالحشفة.
وقال البخاري: قال أبو عاصم: قدم علينا أبو يونس فطاف في يوم واحد سبعين طوافاً.
وسمع أبو يونس من أبي سلمة، وسعد بن جبير، ومجاهد.
ـــــــ
436 - هو: الحسن بن يزيد بن فروخ الغمري، مكي، سكن الكوفة، ثقة، من السادسة، وقيل: إن فروخا غير أبي يونس.

(2/71)


437 - عبد الملك بن سعيد بن أبجر المتطيب.
الوليد بن شجاع قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبجر، من شدة التوقي، يقول من لا يعرفه، إنه عيي وما به إلا شدة التوقي.
الوليد بن شجاع قال: حدثني أبي قال: كان ابن أبجر من شدة التوقي إنما يتكلم بالمعاريض.
ـــــــ
437 - هو: عبد الملك بن سعيد بن حيان، بالتحتانية، ابن أبجر، بموحدة وجيم، الكوفي، ثقة عابد، من السادسة.

(2/71)


438 - عمرو بن قيس الملائي
إسحاق بن خف قال: أقام عمرو بن قيس الملائي عشرين سنة صائماً ما يعلم به أهله يأخذ غداءه ويغدو إلى الحانوت فيتصدق بغذائه ويصوم، وأهله لا يدرون.
قال: وكان إذا حضرته الرقة يحول وجهه إلى الحائط ويقول لجلسائه: هذا الزكام، وإذا نظر إلى أهل السوق قال: ما أغفل هؤلاء عما أعد لهم.
مفضل بن غسان قال: قال عمرو: حديث أرقق به قلبي وأتبلغ به إلى ربي عز وجل أحب غلي من خمسين قضية من قضايا شريح.
أبو خالد الأحمر قال: سمعت عمرو بن قيس الملائي يقول: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله.
عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سليمان قال: أنبأ أبي قال: رأيت سفيان يجيء إلى عمرو بن قيس يجلس بين يديه ينظر إليه لا يكاد يصرف بصره عنه. أظنه يحتسب في ذلك.
صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: حدثني أبي عن أبيه عبد الله قال: جاءت امرأة
ـــــــ
438 - هو: عمرو بن قيس الملائي، بضم الميم وتخفيف اللام والمد - أبو عبد الله الكوفي، ثقة متقن عابد، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين.

(2/72)


إلى عمرو بن قيس بثوب فقالت: يا أبا عبد الله اشتر هذا الثوب واعلم أن غزله ضعيف. قال: فكان إذا جاءه إنسان يعرضه عليه، قال: إن صاحبته أخبرتني أنه كان في غزله ضعف حتى جاء رجل فاشتراه وقال: هذا برأناك منه.
عمر بن حفص بن غياث قال: لما احتضر عمرو بن قيس الملائي بكى، فقال أصحابه: على ما تبكي من الدنيا؟ فوالله لقد كنت تبغض العيش أيام حياتك، فقال: والله ما أبكي على الدنيا إنما أبكي خوفاً أن أحرم خوف الآخرة.
المحاربي قال: قال لي سفيان: عمرو بن قيس هو الذي أدبني، علمني قراءة القرآن وعلمني الفرائض، وكنت أطلبه في سوقه فإن لم أجده في سوقه وجدته في بيته إما يصلي وإما يقرأ في المصحف، كأنه يبادر أموراً تفوته، فإن لم أجده في بيته وجدته في بعض مساجد الكوفة في زاوية من زوايا المسجد كأنه سارق قاعداً يبكي. فإن لم أجده وجدته في المقبرة قاعداً ينوح على نفسه. فلما مات عمرو بن قيس أغلق أهل الكوفة أبوابهم وخرجوا بجنازته. فلما خرجوا إلى الجبان وبرزوا بسريره، وكان أوصى أن يصلي عليه أبو حيان التيمي، تقدم أبو حيان وكبر عليه أربعاً، وسمعوا صائحاً يصيح: قد جاء المحسن. وإذا البرية مملوءة من طير أبيض لم ير على خلقتها وحسنها. فجعل الناس يعجبون من حسنها وكثرتها. فقال أبو حيان: من أي شيء تعجبون؟ هذه الملائكة جاءت فشهدت عمراً.
عن عبد الله بن سعيد الجعفي قال: حضرنا جنازة عمرو بن قيس فحضره قوم كثير عليهم ثياب بيض، فلما صلي عليه ذهبوا فلم نرهم.
محمد بن يزيد الرفاعي قال: سمعت من لا أحصى كثرة يقول: مات عمرو بن قيس بناحية فارس، فاجتمع على جنازته ما لا يحصى، فلما دفن نظروا فلم يجدوا أحداً.
أبو خالد، وهو الأحمر، قال: لما مات عمرو بن قيس الملائي رأوا الصحراء مملوءة رجالاً عليهم ثياب بيض فلما صلي عليه ودفن لم نر في الصحراء أحداً. فبلغ ذلك أبا جعفر فقال لابن شبرمة وابن أبي ليلى: ما منعكما أن تذكرا هذا الرجل؟ فقالا: كان يسألنا أن لا نذكره لك.
قال المؤلف: سمع عمرو من عكرمة، وعطاء، والمنهال بن عمرو، وأبي إسحاق السبيعي، وابن المنكدر، في خلق كثير من التابعين، وتوفي بسجستان، ويقال بالكوفة، ويقال بالشام، ويقال ببغداد. والله أعلم.

(2/73)


439 - عطوان بن عمرو التميمي
عن سليمان بن حيان، أبو خالد الأحمر، قال: كان عطوان بن عمرو التميمي رجلاً منقطعاً، وكان يلزم الجبان بظهر الكوفة فأتاه قوم يسلمون عليه فوجدوه مغشياً عليه بين القبور، فلم يزالوا عنده حتى أفاق فاستحيا منهم فجعل يقول لهم كهيئة المعتذر: ربما غلب علي النوم، وربما أصابني الإعياء فألقى نفسي هكذا.
محمد بن السماك قال: ما رأيت أحداً أشد حذراً للموت من عطوان بن عمرو.
داود الطائي قال: سألت عطوان بن عمرو التميمي قلت: ما قصر الأمل؟ قال: ما بين تردد النفس.
قال رستم: فحدثت به الفضيل بن عياض فبكى وقال: يقول: يتنفس فيخاف أن يموت قبل أن ينقطع نفسه، لقد كان عطوان من الموت على حذر.

(2/74)


440 - قيس بن مسلم الجدلي
سفيان قال: كان قيس بن مسلم يصلي حتى السحر، ثم يجلس فيمسح البكاء ساعة بعد ساعة، وهو يقول: لأمر ما خلقنا، لئن لم نختم الآخرة بخير لنهلكن.
قال: وزار قيس بن مسلم محمد بن جحادة ذات ليلة فأتاه وهو في المسجد بعد صلاة العشاء، قال: ومحمد قائم يصلي، فقام قيس بن مسلم في الناحية الأخرى يصلي. فلم يزالا على ذلك حتى طلع الفجر. وكان قيس بن مسلم إمام مسجده. قال فرجع إلى الحي فأمهم ولم يلتقيا. ولم يعلم محمد مكانه. قال: فقال له بعض أهل المسجد: زارك أخوك قيس بن مسلم البارحة فلم تنفتل إليه. قال: ما علمت بمكانه. قال: فغدا عليه فلما رآه قيس بن مسلم مقبلاً قام إليه فاعتنقه ثم خلوا جميعاً فجعلا يبكيان، روى قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وسعيد بن جبير. ومات سنة عشرين ومائة.
ـــــــ
440 - هو: قيس بن مسلم الجدلي – بفتح الجيم - أبو عمرو الكوفي ثقة رمي بالإرجاء، مات سنة عشرين.

(2/74)


ومن الطبقة الخامسة
مسعر بن كدام بن ظهير
...
ومن الطبقة الخامسة:
441 - مسعر بن كدام بن ظهير
يكنى أبا سلمة سفيان بن عيينة قال: ما لقيت أحداً أفضله على مسعر قال سفيان الثوري: لم يكن في زماننا مثله، يعني مسعراً.
أبو خالد الأحمر قال: لم يكن في أترابه أطول صمتاً منه، يعني مسعراً، ومحمد بن مسعر قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن، فإذا فرغ من ورده لف رداءه ثم هجع هجعة خفيفة، ثم يثب كالرجل الذي قد ضل منه شيء فهو يطلبه، فإنما هو السواك والطهور، ثم يستقبل المحراب كذلك إلى الفجر، وكان يجهد على إخفاء ذلك جداً، عن أبي أسامة قال: سمعت مسعراً يقول: أشتهي أن أسمع صوت باكية حزينة.
محمد بن كناسة قال: سمعت مسعراً يقول: من أهمته نفسه تبين ذلك عليه.
سفيان قال: قال رجل لمسعر: أتحب أن يخبرك الرجل بعيوبك؟ قال: إن كان ناصحاً فنعم، وإن كان يريد أن يؤنبني فلا.
عبد الله بن المغيرة قال: سمعت مسعر بن كدام ينشد:
ألا قد فسد الدهر ... فأضحى حلوه مرا
وقد جربت من أهوى ... فقد أنكرتهم طرا
فألزم نفسك اليأس ... من الناس تعش حرا
عبد الرحمن بن صالح يقول: قال مسعر بن كدام:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار
الفيض بن الفضل العجلي قال: حدثني جار لمسعر قال: بكى مسعر فبكت أمه فقال لها مسعر: ما أبكاك يا أماه؟ فقالت: يا بني رأيتك تبكي فبكيت فقال: يا أماه لمثل ما نهجم عليه غداً فلنطل البكاء. قالت: وما ذاك؟ فانتحب فقال: القيامة وما فيها. قال: ثم غلبه البكاء فقام.
ـــــــ
441 - هو: مسعر بن كدام – بكسر أوله وتخفيف ثانيه، ابن ظهير الهلالي، أبو سلمة، الكوفي، ثقة ثبت فاضل من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين.

(2/75)


قال: وكان مسعر يقول: لولا أمي لما فارقت المسجد إلا لما لا بد منه، وكان إن دخل بكى، وإن خرج بكى، وإن صلى بكى، وإن جلس بكى.
حسين بن يحيى بن آدم، عن أبيه قال: لما حضرت مسعراً الوفاة دخل عليه سفيان الثوري فوجده جزعاً فقال له: تجزع؟ فوالله لوددت أني مت الساعة! فقال مسعر: أقعدوني. فأعاد سفيان الكلام عليه، فقال: إنك إذاً لواثق بعملك يا سفيان، لكني والله على شاهقة جبل لا أدري أين أهبط. فبكى سفيان وقال: أنت أخوف لله مني.
أحمد بن داود الحراني قال: مصعب بن المقدام يقول: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام، وسفيان الثوري آخذ بيده، وهما يطوفان، فقال الثوري: يا رسول الله مات مسعر بن كدام؟ قال: نعم، واستبشر به أهل السماء.
قال المؤلف: أسند مسعر عن أعلام التابعين، وتوفي بالكوفة سنة اثنتين، وقيل سنة خمس وخمسين ومائة.

(2/76)


442 - داود بن نصير الطائي
يكنى أبا سليمان، سمع الحديث وتفقه، ثم اشتغل بالتعبد.
أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني بعض أصحابنا قال: كان داود الطائي يجالس أبا حنيفة فقال له أبو حنيفة: يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها. قال داود: فأي شيء بقي؟ قال: بقي العمل به. قال: فنازعتني نفسي إلى العزلة والوحدة، فقلت لها: حتى تجلسي معهم فلا تجيبي في مسئلة. قال: فكان يجالسهم سنة قبل أن يعتزل. قال: فكانت المسئلة تجيء وأنا أشد شهوة للجواب فيها من العطشان إلى الماء فلا أجيب فيها. قال: فاعتزلتهم بعد.
أبو أسامة قال: جئت أنا وابن عيينة داود الطائي فقال: قد جئتماني مرة فلا تعودا إلي.
ابن عائشة قال: مر داود بمقبرة فسمع امرأة وهي تقول: يا حبي ليت شعري بأي خديك بدأ البلى؟ باليمنى أم باليسرى؟ قال: فصعق.
قال: وكان الثوري إذا ذكره قال: أبصر الطائي أمره.
محمد بن حاتم البغدادي قال: سمعت الجماني يقول: كان بدو توبة الطائي أنه دخل المقبرة فسمع امرأة عند قبر وهي تقول:
ـــــــ
442 - هو: داود بن نضير الطائي - بضم النون - أبو سليمان الطائي الكوفي ثقة فقيه زاهد، من الثامنة مات سنة ستين، وقيل: خمس وستين.

(2/76)


مقيم إلى أن يبعث الله خلقه ... لقاؤك لا يرجى وأنت قريب
تزيد بلى في كل يوم وليلة ... وتسلى كما تبلى وأنت حبيب
أحمد بن أبي الحواري قال: حدثني محمد يحيى عن داود الطائي قال: ما أخرج الله عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر.
عن بكر بن محمد قال: قال لي داود الطائي: فر من الناس كما تفر من الأسد.
محمد بن عثمان الصيرفي قال: جاء أبو الربيع الأعرج إلى داود الطائي من واسط ليسمع منه شيئاً ويراه. فأقام على بابه ثلاثة أيام لا يصل اليد. قال: وكان إذا سمع الإقامة خرج فإذا سلم الإمام وثب فدخل منزله.
قال: فصليت في مسجد آخر ثم جئت فجلست على بابه فلما جاء ليدخل الدار قلت: ضيف رحمك الله. قال: إن كنت ضيفاً فادخل، فدخلت فأقمت عنده ثلاثة أيام لا يكلمني. فلما كان بعد ثلاث قلت: رحمك الله أتيتك من واسط وإني أحببت أن تزودني شيئاً. قال: صم الدنيا واجعل فطرك الموت. قلت: زدني رحمك الله. قال: فر من الناس فرارك من الأسد، غير طاعن عليهم، ولا تارك لجماعتهم. قال: فذهبت أستزيده فوثب إلى المحراب وقال: الله أكبر.
عن أبي الربيع الأعرج قال: أتيت داود الطائي، وكان لا يخرج من منزله حتى يقول: قد قامت الصلاة فيخرج فيصلي فإذا سلم الإمام أخذ نعله ودخل منزله. فلما طال ذلك علي أدركته يوماً فقلت: يا أبا سليمان على رسلك فوقف لي فقلت له أبا سليمان أوصني قال: اتق الله، وإن كان لك والدان فبرهما. ثم قال: ويحك صم الدنيا واجعل الفطر موتك، واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم.
عبد الله بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني. قال: أقلل من معرفة الناس. قلت: زدني. قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا مع فساد الدين. قلت: زدني. قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطرت على الموت.
إسحاق بن منصور السلولي قال: دخلت أنا وصاحب لي على داود الطائي وهو على التراب، فقلت لصاحبي: هذا رجل زاهد. فقال داود: إنما الزاهد من قدر فترك، الوليد بن عقبة قال: كان يخبز لداود الطائي ستون رغيفاً يعلقها بشريط، يفطر كل ليلة على رغيفين بملح وماء. فأخذ ليلة فطره فجعل ينظر إليه. قال: ومولاة له سوداء تنظر إليه، فقامت فجاءته بشيء

(2/77)


من تمر على طبق فأفطر ثم أحيا ليلته وأصبح صائماً. فلما جاء وقت الإفطار أخذ رغيفيه وملحاً وماء.
قال الوليد بن عقبة: فحدثني جار له قال: جعلت أسمعه يعاتب نفسه ويقول: اشتهيت البارحة تمراً فأطعمتك، واشتهيت الليلة تمراً؟ لا ذاق داود تمراً ما دام في الدنيا.
عن حماد بن أبي حنيفة قال: قالت مولاة لداود الطائي: يا داود لو طبخت لك دسماً. قال: فافعلي. فطبخت له شحماً ثم جاءته به. فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟ قالت: على حالهم. قال: اذهبي به إليهم فقالت له: فديتك إنما تأكل هذا الخبز بالماء؟ قال: إني إذا أكلته كان في الحش وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخوراً.
صدقة الزاهد قال: خرجنا مع داود الطائي في جنازة بالكوفة، فقعد داود ناحية وهي تدفن فجاء الناس فقعدوا قريباً منه فتكلم فقال: من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، واعلم يا أخي أن كل ما يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم، واعلم أن أهل القبور إنما يفرحون بما يقدمون ويندمون على ما يخلفون. وأهل الدنيا يقتتلون ويتنافسون فيما عليه أهل القبور يندمون.
أبو حفص قال: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله، وكان خزازاً، وكان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق ويرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون أنه صائم.
قال الشيخ: وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق أبي حفص الفلاس أيضاً.
عن أبي عدي أن هذا جرى لداود بن أبي هند، وسنذكرها في أخبار البصريين، وهي بذاك أليق من داود الطائي.
وكان متشاغلاً بالعلم ثم انقطع إلى التعبد، ولم ينقل عنه أنه تشاغل بالمعاش، لعل بعض الرواة قال الطائي. والله أعلم.
محمد بن بشر العبدي قال: قال داود يوماً لمولاة له في الدار: أشتهي لبناً فخذي رغيفاً، فائتي به البقال فاشتري به لبناً ولا تعلمي البقال لمن هو؟ فذهبت، فجاءت به فأكل وفطن البقال بعد أنها تريد اللبن لداود، فطيبه له. فقال لها: علم البقال لمن تريدين اللبن؟ فقالت: نعم. قال: ارفعيه. فما عاد فيه.

(2/78)


قال: وجاءه فضيل يوماً فلم يفتح له، فجلس فضيل خارج الباب وهو داخل فبكى داود من داخل وفضيل من خارج، ولم يفتح له. قلت لمحمد بن بشر: كيف لم يفتح له الباب؟ قال: قد كان يفتح لهم. وكثروا عليه فغموه فحجبهم كلهم، فمن جاءه كلمه من وراء الباب، وقالت له أمه: لو اشتهيت شيئاً اتخذته لك. فقال: أجيدي يا أماه فإني أريد أن أدعو إخواناً لي. قال: فاتخذت وأجادت. قال: فقعد على الباب لا يمر سائل إلا أدخله. قال: فقدم إليهم فقالت له أمه: لو أكلت. قال: فمن أكله غيري.
قال: وإنما جد واجتهد حين ماتت أمه قسم كل شيء تركت حتى لزق بالأرض، وكانت موسرة.
إسحاق بن منصور قال: حدثني جنيد يعني الحجام قال: أتيت داود الطائي فإذا قرحة قد خرجت على لسانه فبططتها وأخرجت قليل دواء فوضعته في خرقة. فقلت: إذا كان الليل فضعه عليها. فقال: ارفع ذلك اللبد، فرفعته فإذا دينار فقال: خذه. قلت: يا أبا سليمان ليس هذا ثمن هذا، ثمن هذا دانق فوضعت الدواء في كوة وخرجت ثم غدوت بعد يومين فإذا الدواء على حاله. قلت: يا أبا سليمان سبحان الله، لم لم تعالج بهذا الدواء؟ فقال لي: إن أنت لم تأخذ الدينار لم أمسه.
إسماعيل بن زيان قال: حجم حجام داود الطائي أعطاه ديناراً لا يملك غيره.
حدثنا أبو سعيد السكري قال: احتجم داود الطائي فدفع ديناراً إلى الحجام فقيل له: هذا إسراف. فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له.
عبادة بن كليب قال: قال رجل لداود الطائي: لو أمرت بما في سقف البيت من نسج العنكبوت فينظف، فقال: أما علمت أنه كان يكره فضول النظر.
الحسن بن عيسى قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي.
عبيد الله بن محمود بن سلمة بن معبد قال: لقي داود الطائي رجلاً فسأله عن حديث، فقال: دعني إني أبادر خروج نفسي، وكان الثوري إذا ذكره قال: أبصر الطائي أمره.
أبو خالد الأحمر قال: مررت أنا وسفيان الثوري بمنزل داود الطائي فقال لي سفيان: ادخل بنا نسلم عليه. فدخلنا إليه فما احتفل بسفيان ولا انبسط إليه. فلما خرجنا قلت له: يا أبا عبد الله غاظني ما صنع بك. قال: وأي شيء صنع بي؟ قلت: لم يحفل بك ولم ينبسط إليك. قال: إن أبا سليمان لا يتهم في مودة، أما رأيت عينيه؟ هذا في شيء غير ما نحن فيه.

(2/79)


أبو عمران قال: حدثني أسود بن سالم أن داود الطائي كان يقول: سبقني العابدون وقطع بي، والهفاه.
محمد بن أشكاب قال: حدثني رجل من أهل داود الطائي قال: قلت له يوماً: ما أبا سليمان قد عرفت الرحم التي بيننا فأوصني قال: فدمعت عيناه. ثم قال يا أخي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك، إني لأقول لك هذا وما أعلم أحداً أشد تضييعاً مني لذلك. ثم قام وتركني.
أبو المهنا الطائي قال: خرج داود الطائي إلى السوق فرأى الرطب فاشتهته نفسه فجاء إلى البائع فقال له: أعطني بدرهم إلى غد. فقال له: اذهب إلى عملك. فرآه بعض من يعرفه فأخرج له صرة فيها مائة درهم وقال: اذهب فإن أخذ منك بدرهم فالمائة لك. فلحقه البائع وقال له: ارجع خذ حاجتك. فقال: لا حاجة لي فيه إنما جربت هذه النفس فلم أرها تساوي في هذه الدنيا درهماً وهي تريد الجنة غداً.
حفص بن عمر الجعفي قال: كان داود الطائي قد ورث عن أمه أربعمائة درهم، فمكت يتقوتها ثلاثين عاماً، فلما نفذت جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها حتى باع الخشب والبواري واللبن، حتى بقي في نصف سقف. وجاء صديق له فقال: يا أبا سليمان لو أعطيتني هذه فأبضعتها لك لعلنا نستفضل لك فيها شيئاً ينتفع به. فما زال به حتى دفعها إليه، ثم فكر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال: ارددها علي. فقال: ولم ذاك يا أخي؟ قال: أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيب فأخذها.
عثمان بن زفر قال: أخبرني ابن عم لداود الطائي قال: ورث داود الطائي من أبيه عشرين ديناراً فأكلها في عشرين سنة، كل سنة ديناراً منه يصل ومنه يتصدق، وورث بيتاً فكان يكون فيه لا يعمره، كلما خربت ناحية تركها وتحول إلى ناحية أخرى فخرب كله إلا زاوية منه كان يكون فيها.
محمد بن إسحاق قال: سمعت محمد بن زكريا يقول: سمعت بعض أصحابنا قال: ورث داود الطائي من مولاة له عشرين ديناراً كفته عشرين سنة.

(2/80)


عن عبد الله بن صالح قال: قال داود الطائي: يا بن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء مدة أجلك ثم سوفت بعملك كأن منفعته لغيرك.
عن قبيصة قال: حدثني صاحب لنا أن امرأة من أهل داود الطائي صنعت ثريدة بسمن ثم بعثت بها إلى داود حين إفطاره مع جارية لها، قالت الجارية: فأتيته بالقصعة فوضعتها بين يديه فسعى ليأكل منها، فجاء سائل فقام إليه فدفعها إليه وجلس معه على الباب حتى أكلها. ثم دخل فغسل القصعة ثم عمد إلى تمر كان بين يديه، قالت الجارية ظننت أنه كان أعده لعشائه، ودفعه إلي وقال: أقرئيها السلام، قالت الجارية: دفع إلى السائل ما جئناه به ودفع إلينا ما أراد أن يفطر عليه. قالت: وأظنه ما بات إلا طاوياً. قال قبيصة: فكنت أراه قد نحل جداً.
ابن زبان قال: قالت داية داود الطائي: يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز؟ قال: يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية.
عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي قال: دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه ليس في بيته إلا دن مقير يكون فيه خبز يابس ومطهرة ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدته ليس في بيته بوري ولا قليل ولا كثير.
محمد بن بشير قال: قال حماد لداود الطائي: يا أبا سليمان لقد رضيت من الدنيا باليسير. قال: أفلا أدلك على من رضي بأقل من ذلك؟ من رضي بالدنيا كلها عوضاً عن الآخرة، أبو محمد العابد قال: دخل أبو يوسف على داود الطائي فقال له: ما رأيت أحداً رضي من الدنيا بمثل ما رضيت به فقال: يا يعقوب من رضي الدنيا كلها عوضاً عن الآخرة فذاك الذي رضي بأقل مما رضيت.
الحارث بن إدريس قال: قلت لداود الطائي: أوصني؟ فقال: عسكر الموتى ينتظرونك.
إسحاق بن منصور السلولي قال: حدثتني أم سعيد بن علقمة النخعي وكانت طائية، قالت: كان بيننا وبين داود الطائي حائط قصير فكنت أسمع حسه عامة الليل لا يهدأ، قالت: وربما سمعته في جوف الليل يقول: اللهم همك عطل علي الهموم، وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك، أوثق مني وحال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب، قالت: وربما ترنم بالآية فأرى أن جميع نعيم الدنيا جمع في ترنمه.
ابن السماك قال: أوصاني أخي داود الطائي بوصية: انظر لا يراك الله حيث نهاك وأن لا يفقدك من حيث أمرك، واستحيه في قربه منك وقدرته عليك.

(2/81)


محمد بن إشكاب قال: قال داود الطائي: اليأس سبيل أعمالنا هذه، لكن القلوب تجر إلى الرجاء، عن الحماني قال: قلت لداود الطائي: ما ترى في الرمي فإني أحب أن أتعلمه؟ فقال: إن الرمي لحسن، ولكن إنما هي أيامك فانظر بما تقطعها.
أبو بكر محمد بن أبي داود قال: سمعت شيدويه يقول لداود الطائي: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط قال: إنه يقوى قال: أخاف عليه السيف. قال: إنه يقوى، قال: أخاف عليه الداء الدفين العجب.
عن أبي نعيم قال: رأيت داود الطائي تدور في وجهه نملة عرضاً وطولاً لا يفطن بها. يعني من الهم.
أبو سعيد قال: حدثني سهل بن بكار قال: قالت أخت لداود الطائي: لو تنحيت من الشمس إلى الظل. فقال: هذه خطى لا أدري كيف تكتب.
عباس الترقفي قال: سمعت معاوية بن عمرو يقول: كنا عند داود الطائي يوماً، فدخلت الشمس من الكوة فقال له بعض من حضر: لو أذنت لي سددت هذه الكوة. فقال: كانوا يكرهون فضول النظر. وكنا عنده يوماً آخر فإذا بفروه قد تخرق وخرج خمله. فقال له بعض من حضر: لو أذنت لي خيطته فقال: كانوا يكرهون فضول الكلام.
أبو سعيد السكري قال: احتجم داود الطائي فدفع إلى الحجام دينارا فقيل له: هذا إسراف فقال: لا عبادة لمن لا مروءة له.
أبو داود الطيالسي قال: حضرت داود عند الموت فما رأيت أشد نزعاً منه، أتيناه من العشي ونحن نسمع نزعه قبل أن ندخل، ثم غدونا إليه وهو في النزع فلم نبرح حتى مات.
حفص بن عمر الجعفي قال: اشتكى داود الطائي أياماً وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار فكررها مراراً في ليلته فأصبح مريضاً. فوجده قد مات ورأسه على لبنة.
قال ابن السماك، حين مات داود الطائي: يا أيها الناس إن أهل الدنيا تعجلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدة الحساب، فالرغبة متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة، والزهادة راحة لأهلها في الدنيا والآخرة، وإن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأغشى بصر قلبه بصر العيون فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر. فإنكم منه تعجبون وهو منكم يتعجب، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا عقولكم

(2/82)


وماتت من حبها قلوبكم وعشقتها أنفسكم وامتدت إليها أبصاركم استوحش الزاهد منكم لأنه كان حياً وسط موتى، يا داود ما أعجب شأنك ألزمت نفسك الصمت حتى قومتها على العدل، أهنتها وإنما تريد كرامتها وأذللتها وإنما تريد إعزازها، ووضعتها وإنما تريد تشريفها وأتعبتها وإنما تريد راحتها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وخشنت الملبس وإنما تريد لينه وجشبت المطعم وإنما تريد طيبه، وأمت نفسك قبل أن تموت، وقبرتها قبل أن تقبر، وعذبتها قبل أن تعذب، وغيبتها عن الناس كي لا تذكر، وغبت بنفسك عن الدنيا إلى الآخرة، فما أظنك إلا قد ظفرت بما طلبت. كأن سيماك في عملك وسرك ولم يكن سيماك في وجهك فقهت في دينك ثم الناس يفتون، وسمعت الأحاديث ثم تركت الناس يحدثون ويروون، وخرست عن القول وتركت الناس ينطقون، لا تحسد الأخيار ولا تعيب الأشرار ولا تقبل من السلطان عطية ولا من الأخوان هدية.
آنس ما تكون آنس ما تكون إذا كنت بالله خالياً، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس جالساً فأوحش ما تكون آنس ما يكون الناس، وآنس ما تكون أوحش ما يكون الناس جاوزت حد المسافرين في أسفارهم، وجاوزت حد المسجونين في سجونهم، فأما المسافرون فيحملون من الطعام والحلاوة ما يأكلون، فأما أنت فإنما هي خبزتك أو خبزتان في شهرك، ترمي بها في دن عندك فإذا أفطرت أخذت منه حاجتك فجعلته في مطهرتك ثم صببت عليه من الماء ما يكفيك، ثم اصطنعت به ملحاً فهذا إدامك وحلواك، فمن سمع بمثلك صبر صبرك أو عزم عزمك، وما أظنك إلا قد لحقت بالماضين، وما أظنك إلا قد فضلت الآخرين ولا أحسبك إلا قد أتعبت العابدين، وأما المسجون فيكون مع الناس محبوساً فيأنس بهم وأما أنت فسجنت نفسك في بيتك وحدك فلا محدث وجليس معك، ولا أدري أي الأمور أشد عليك، الخلوة في بيتك تمر بك الشهور والسنون أم تركك المطاعم والمشارب، لا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك؟ مطهرتك قلتك وقصعتك تورك وكل أمرك يا داود عجب. أما كنت تشتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيبه ولا من اللباس لينه؟ بلى، ولكنك زهدت فيه لما بين يديك فما أصغر ما بذلت، وما أحقر ما تركت، وما أيسر ما فعلت في جنب ما أملت، أما أنت فقد ظفرت بروح العاجل وسعدت إن شاء الله في الآجل، عزلت الشهرة عنك في حياتك لكي لا يدخلك عجبها ولا يلحقك فتنتها فلما مت

(2/83)


شهرك ربك بموتك وألبسك رداء عملك، فلو رأيت اليوم كثرة تعبك عرفت أن ربك قد أكرمك.
إسحاق بن منصور قال: لما مات داود الطائي شيع الناس جنازته. فلما دفن قام ابن السماك على قبره فقال: يا داود كنت تسهر ليلك إذ الناس نائمون، قال: وكنت تسلم إذ الناس يخوضون، وكنت تربح إذ الناس يخسرون فقال الناس جميعاً: صدقت حتى عدد فضائله كلها، فلما فرغ، قام أبو بكر النهشلي فحمد الله ثم قال: يا رب إن الناس قد قالوا ما عندهم ومبلغ ما علموا، اللهم اغفر له برحمتك ولا تكله إلى عمله.
قال المؤلف: أسند داود عن جماعة من التابعين منهم عبد الملك بن عمير، وحبيب بن أبي عمرة، والأعمش، وحميد الطويل، وإسماعيل بن أبي خالد. وتوفي في سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهدي.

(2/84)


ومن الطبقة السادسة
سفيان بن سعيد الثوري
...
ومن الطبقة السادسة:
443 - سفيان بن سعيد الثوري
عبد الله بن محمد بن أيوف المخرمي قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: أخذ العلم عن سفيان الثوري وهو ابن ثلاثين سنة.
يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب قال: سمعت أبي يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: لو لم أعلم لكان أقل لحزني.
عن محمد بن يوسف الفريابي قال: قلت لسفيان الثوري: أرى الناس يقولون سفيان الثوري، وأنت تنام الليل. فقال لي: اسكت، ملاك هذا الأمر التقوى.
يحيى بن أيوب المقابري قال: سمعت علي بن ثابت يقول: رأيت الثوري في طريق مكة فقومت كل شيء عليه، حتى نعليه: درهماً وأربعة دوانق.
يحيى بن أيوب قال: سمعت علي بن ثابت قال: لو لقيت سفيان في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت أنك ستضعهما في يده. وما رأيت سفيان في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه، عن علي بن عثام بن علي قال: سمعت أبي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: لقد خفت الله خوفاً عجباً لي، كيف لا أموت لكن لي أجل أنا بالغه، ولقد خفت الله خوفاً وددت أنه خفف عني منه ما أخاف أن يذهب عقلي.
عبد الرحمن بن عبد الله قال: قال سفيان إني لأضع يدي على رأسي من الليل إذا سمعت صيحة فأقول: قد جاءنا العذاب.
عن عبثر قال: قام سفيان يصلي قبل الزوال فمر بهذه الآية: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} فخرج ناداً فما لحقوه إلا في الحمراء فردوه.
قال السني: وقال عمرو العتابي، عن سفيان: ما من موطن من المواطن أشد علي من سكرة الموت أخاف أن يشدد علي، فاسأل التخفيف فلا أجاب فأفتتن.
ـــــــ
443 - هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رءوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين وله أربع وستون.

(2/85)


يوسف بن أسباط قال: قال لي سفيان، وقد صلينا العشاء الآخرة ناولني المطهرة فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده. ونمت فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت فإذا المطهرة بيمينه ويساره على خده، فقلت: يا أبا عبد الله هذا الفجر قد طلع. قال: لم أزل منذ ناولتني هذه المطهر أتفكر في أمر الآخرة حتى الساعة.
قال يوسف بن أسباط: كان سفيان الثوري إذا أخذ في الفكر بال الدم.
أبو يزيد محمد بن حسان قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلاً أرق من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة فما كان ينام إلا أول الليل ثم ينتفض فزعاً مرعوباً ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي: إن الجزع قد أرقني وذلك من نعمتك السابغة علي، إلهي: لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين ثم يقبل على صلاته. وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه. وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه.
إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: كنا في مجلس الثوري وهو يسأل رجلاً عما يصنع في ليله فيخبره، حتى دار على القوم فقالوا: يا أبا عبد الله قد سألتنا فأخبرناك، فأخبرنا أنت كيف تصنع في ليلك؟ فقال: لها عندي أول الليل نومة تنام ما شاءت لا أمنعها إذا استيقظت فلا أقيلها والله.
صالح بن خليفة الكوفي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إن فجار القراء اتخذوا القرآن إلى الدنيا سلماً. قالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن المكروب ونتكلم في محبوس.
علي بن حمزة ابن أخت سفيان قال: ذهبت ببول سفيان إلى الديراني وكان لا يخرج من باب الدير فأريته فقال: ليس هذا بول حنيفي. قلت: بلى والله من أفضلهم. فقال: أنا أجيء معك. فقلت لسفيان: قد جاء بنفسه. فقال: أدخله. فأدخلته فمس وجس عرقه ثم خرج. فقلت: أي شيء رأيت؟ قال: ما ظننت أن في الحنيفية مثل هذا، هذا رجل قد قطع الحزن كبده.

(2/86)


عبد الرحمن بن مهدي قال: بات سفيان عندي فلما اشتد به الأمر جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب. فرفع شيئاً من الأرض فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.
عبد الرحمن بن مهدي قال ليلة مات سفيان: توضأ تلك الليلة للصلاة ستين مرة فلما كان وجه السحر قال لي: يا ابن مهدي ضع خدي بالأرض فإني ميت يا ابن مهدي ما أشد الموت ما أشد كرب الموت. قال: فخرجت لأعلم حماد بن زيد وأصحابه فإذا هم قد استقبلوني فقالوا: آجرك الله. فقلت: من أين علمتم ذلك؟ فقالوا: إنه ما منا أحد إلا أتي البارحة في منامه فقيل له: ألا إن سفيان الثوري قد مات، رحمه الله.
عن أبي أبجر قال: لما حضرت سفيان الوفاة قال: يا ابن أبجر قد نزل ما بي ما قد ترى فانظر من يحضرني، فأتيتهم بقوم فيهم حماد بن سلمة، وكان حماد من أقربهم إلى رأسه. قال: فتنفس سفيان فقال له حماد أبشر فقد نجوت مما كنت تخاف. وتقدم على رب كريم قال: فقال: يا أبا سلمة أترى الله أن يغفر لمثلي؟ قال: إي والله الذي لا إله إلا هو: قال: فكأنما سري عنه.
عن عبد الرحمن بن مهدي قال: رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: لم يكن إلا أن وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله عز وجل فحاسبني حساباً يسيراً ثم أمر بي إلى الجنة، فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها ولا أسمع حساً ولا حركة، إذ سمعت قائلاً يقول: سفيان بن سعيد. قال: تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوماً، قلت: إي والله. فأخذتني صواني النثار من جميع الجنة.
قال المؤلف: أدرك سفيان الثوري جماعة من كبار التابعين، وروى عن الأعمش، ومنصور، ومحمد بن المنكدر، وعبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار، في خلق لا يحصون. ومسانيده أكثر من أن تعد، وكان مولده في سنة سبع وتسعين في خلافة سليمان بن عبد الملك. وتوفي في سنة إحدى وستين ومائة. وكان مستخفياً بالبصرة في خلافة المهدي. وكلامه وأخباره كثيرة وإنما اقتصرنا ها هنا على ما ذكرنا منها لأننا قد جمعناها في كتاب يزيد على ثلاثين جزءاً، فكرهنا الإعادة في التصانيف. والله الموفق.

(2/87)


444 - أسيد بن صلهب
عن الحسن بن صالح قال: قال أسيد بن صهلب: إن كنت لأدعو فتصرع لاطير حولي. قال الحسن: لولا أنه قد مات ما حدثت به عنه.

(2/88)


445، 446 - علي والحسن ابنا صالح بن حي
قال محمد بن سعد: اسم صالح: حي، وهو صالح بن صالح، والد علي والحسن توأما في بطن واحد، وكان علي تقدمه بساعة. فكان الحسن يعظمه ويقول: قال أبو محمد.
عبد الله بن هاشم الطوسي قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: كان علي والحسن - إبنا صالح بن حي - وأمهم قد جزؤوا اليل ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث. فماتت أمهما. فجزءا الليل بينهما، فكانا يقومان به حتى الصباح ثم مات علي فقام الحسن به كله.
وقد روي لنا عن محمد بن صالح العجلي عن أبيه قال: كان يختم القرآن في بيتهم كل ليلة: أمهم ثلث وعلي ثلث وحسن ثلث، فماتت أمهما فكانا يختمانه. ثم مات علي فكان حسن يختم كل ليلة.
يحيى بن آدم قال: قال الحسن بن حي: قال لي أخي علي في الليلة التي توفي فيها: أخي اسقني ماء. وكنت قائماً أصلي. فلما قضيت صلاتي أتيته بماء فقلت: يا أخي. فقال: لبيك. فقلت هذا ماء. قال: قد شربت الساعة. قلت: ومن سقاك وليس في الغرفة غيري وغيرك؟ قال: أتاني جبريل الساعة بماء فسقاني وقال لي: أنت وأخوك وأبوك من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وخرجت روحه.
عن عبد الرحمن بن مطرف قال: كان الحسن بن حي إذا أراد أن يعظ أخا له كتبه في لوح وناوله.
عبد القدوس بن بكر بن خنيس قال: كان الحسن بن صالح وأخوه علي وكان علي يفضل عليه وكانا وأمهما يتعاونون على العبادة بالليل لا ينامون وبالنهار لا يفطرون. فلما ماتت أمهما تعاونا على القيام والصيام عنهما وعن أمهما. فلما مات علي قام الحسن عن نفسه وعنهما. وكان يقال للحسن: حية الوادي، يعني أنه لا ينام بالليل. وكان يقول: إني لأستحيي من الله تعالى أن أنام تكلفاً حتى يكون النوم هو الذي يصرعني وإذا نمت ثم استيقظت ثم عدت نائماً فلا أرقد الله عيني. وكان لا يقبل من أحد شيئاً فيجيء إليه صبية وهو في المسجد فيقول: أنا جائع

(2/88)


فيعلله بشيء حتى تذهب الخادم إلى السوق فتبيع ما غزلت هي ومولاتها من الليل، ثم تشتري قطناً وتشتري شيئاً من الشعير فتجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم وترفع له ولأهله لإفطارهما. فلم يزل على ذلك حتى مات رحمه الله.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الدراني يقول: ما رأيت أحداً الخوف أظهر على وجهه والخشوع من الحسن بن حي قام ليلة حتى الصباح بعم يتساءلون بآية فيها ثم غشي عليه ثم عاد إليها فغشي عليه فلم يختمها حتى طلع الفجر.
عباد أبو عقبة قال: بعنا جارية للحسن بن صالح فقال: أخبروهم أنها تنخمت عندنا مرة دماً.
قال الحجاج: وسمعت أبا نعيم يقول: قال الحسن بن صالح: فتشنا الورع فلم نجده في شيء أقل منه في اللسان.
سليمان بن إدريس المنقري قال: اشتهى الحسن بن حي سمكاً فلما أتي به ضرب بيده إلى سرة السمكة فاضطربت يده وأمر به فرفع ولم يأكل منه شيئاً. فقيل له في ذلك فقال: إني ذكرت لما ضربت بيدي إلى بطنها أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فلم أقدر أن أذوقه.
عبد الله بن صالح قال: حدثني خلف بن تميم أن حسن بن صالح كان يصلي إلى السحر ثم يجلس فيبكي في مصلاه ويجلي علي فيبكي معه في حجرته. قال: وكانت أمهما تبكي الليل والنهار. قال: فماتت. ثم مات علي. ثم مات حسن قال: فرأيت حسناً في منامي فقلت: ما فعلت الوالدة؟ قال: بدلت بطول ذلك البكاء سرور الأبد. قلت: وعلي؟ قال: وعلي على خير. قلت: فأنت؟ فمضى وهو يقول: وهل نتكل إلا على عفوه؟.
عبيد الله بن موسى قال: كان حسن بن صالح إذا صعد إلى المنارة أشرف على المقابر فإذا نظر إلى الشمس تحوم على القبور صرخ حتى يحمل مغشياً عليه فينزل به.
قال أبو محمد: ورأيت الحسن ذات يوم شهد جنازة فلما قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارفض عرقاً. ثم قال: فغشي عليه فحمل على السرير الذي كان عليه الميت فرد إلى منزله.
إسحاق بن منصور السلولي قال: نظر حسن إلى المقابر وهو قائم يؤذن فصرخ وقطع أذانه وسقط مغشياً عليه.

(2/89)


قال: حدثني رجل من جيرانه أنه قال: كنا نسمع صراخه ونحيبه إذا صعد إلى الأذان كما نسمع صراخ أهل المصيبة. وقال: وكثيراً ما كان يغشى عليه حتى يؤذن غيره.
قال المؤلف: أسند علي وحسن عن جماعة من التابعين وحديث الحسن أكثر.
حنبل قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات علي بن صالح سنة أربع وخمسين. ومات أخوه الحسن بعده بثلاث عشرة سنة.
قال حنبل: وقال يحيى بن معين: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ولد الحسن بن صالح سنة مائة وقال مات سنة تسع وستين ومائة.

(2/90)


447 - حمزة بن عمارة الزيات
يكنى أبا عمارة مولى آل عكرمة بن ربعي التميمي. وكان يجلب الزيت من الكوفة إلى حلوان. ويجلب الجبن والجوز إلى الكوفة. وكان صاحب قرآن وسنة وفرائض.
أبو المنذر يعلى بن عقيل قال: كان الأعمش إذا رأى حمزة قد أقبل قال: هذا حبر القرآن.
جرير بن عبد الحميد قال: مر بنا حمزة الزيات فاستسقى فأتيته بماء فقال: أن ممن يحضرنا في القراءة؟ قلت نعم. قال: لا حاجة لي في مائك.
خلف بن هشام البزاز قال: قال لي سليم بن عيسى: دخلت على حمزة بن حبيب الزيات فوجدته يمرغ خديه في الأرض ويبكي. فقلت: أعيذك بالله. فقال: لماذا استعذت؟ رأيت البارحة في منامي كأن القيامة قد قامت وقد دعي بقراء القرآن، فكنت فيمت حضر فسمعت قائلاً يقول بكلام عذب: لا يدخل علي إلا من عمل بالقرآن. فرجعت القهقرى فهتف باسمي: أين حمزة بن حبيب الزيات؟ فقلت: لبيك داعي الله. فبدرني ملك فقال: قل: لبيك اللهم،
ـــــــ
447 - هو: حمزة بن حبيب الزيات، القارئ، أبو عمارة، الكوفي، التيمي مولاهم، صدوق زاهد ربما وهم، من السابعة، مات سنة ست أو ثمان وخمسين، وكان مولده سنة ثمانين.
قال الشيخ شعيب: بل ثقة، وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والعجلي وابن حبان، ويعقوب بن سفيان المعرفة: 3/180 وإنما ذمه بعضهم بسبب قراءات نقلت عنه، لكن قال شمس الدين ابن الجزري في غاية النهاية وهو ما هو في هذا الفن: كان إماما حجة ثقة ثبتا رضيا قيما بكتاب الله، بصيرا بالفرائض عارفا بالعربية، حافظا للحديث، عابدا خاشعا، زاهدا ورعا، قانتا لله، عديم النظير التحرير 1/322.

(2/90)


فقلت: لبيك، كما قال لي. فأدخلني داراً فسمعت فيها ضجيج القرآن فوقفت أرعد فسمعت قائلاً يقول: لا بأس عليك ارق واقرأ فأدرت وجهي فإذا أنا بمنبر من در أبيض، دفتاه من ياقوت أصفر، مراقيه من زبرجد أخضر فقال لي: ارق واقرأ فرقيت فقال لي: اقرأ سورة الأنعام، فقرأت وأنا لا أدري على من أقرأ. حتى بلغت الستين آية فلما بلغت {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} قال لي: يا حمزة ألست القاهر فوق عبادي؟ فقلت: بلى. قال: صدقت، اقرأ. فقرأت حتى ختمتها ثم قال لي: اقرأ فقرأت الأعراف حتى بلغت آخرها فأومأت إلى الأرض بالسجود فقال لي: حسبك ما مضى، لا تسجد يا حمزة. من أقرأك هذه القراءة؟ فقلت: سليمان. قال: صدقت من أقرأ سليمان؟ قلت: يحيى. قال: صدق يحيى على من قرأ يحيى؟ فقلت: على أبي عبد الرحمن السلمي. قال: صدق أبو عبد الرحمن السلمي، من أقرأ أبا عبد الرحمن؟ فقلت: ابن عم نبيك علي. فقال: صدق علي، فمن أقرأ علياً؟ قلت: نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ومن أقرأ نبيي؟ قال: قلت: جبريل عليه السلام. قال: ومن أقرأ جبريل؟ قال: فسكت. فقال لي: يا حمزة قل أنت. قال: فقلت: ما أجسر أن أقول. فقال: فقلت: أنت. قال: صدقت يا حمزة وحق القرآن لأكرمن أهل القرآن لا سيما إذا عملوا بالقرآن، يا حمزة القرآن كلامي وما أحب أحداً كحبي أهل القرآن. ادن يا حمزة فدنوت فضمخني بالغالية وقال: ليس أفعل بك وحدك، قد فعلت ذاك بنظرائك ممن فوقك ومن دونك. ومن أقرأ القرآن كما أقرته لم يرد بذلك غيري وما خبأت لك يا حمزة عندي أكثر فأعلم أصحابك بمكاني من حبي لأهل القرآن وفعلي بهم فهم المصطفون الأخيار، يا حمزة وعزتي وجلالي لا أعذب لساناً تلا القرآن بالنار، ولا قلباً وعاه، ولا أذناً سمعته، ولا عيناً نظرته.
فقلت: سبحانك سبحانك وأنى ترى؟ فقال: يا حمزة أين نظار المصاحف؟ فقلت: يا رب أفحفاظ هم؟ قال: لا ولكني أحفظه لهم حتى يوم القيامة فإذا لقوني رفعت لهم بكل آية درجة - أفتلومني أن أبكي وأتمرغ في التراب.
قال المؤلف: أسند حمزة عن الأعمش وحمران بن أعين، وسمع منه وكيع وتوفي بحلوان سنة ست وخمسين ومائة.
أبو مسحل قال: رأيت الكسائي في النوم كأن وجهه البدر فقلت: ما فعل الله بك؟ قال:

(2/91)


غفر لي بالقرآن. فقلت: ما فعل بحمزة الزيات؟ قال: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما يرى الكوكب الدري.

(2/92)


448 - محمد بن النضر الحارثي
يكنى أبا عبد الرحمن.
أبو أسامة قال: كان محمد بن النضر من أعبد أهل الكوفة.
الحسن بن الربيع قال: سمعت عبثراً أبا أبا أبا يزيد يقول: اختفى عندي محمد بن النضر من يعقوب بن داود في هذه العلية لعلية على باب داره أربعين ليلة. فما رأيته نائماً ليلاً ولا نهاراً.
الحسن بن الربيع قال: سمعت ابن المبارك يقول: كنت مع محمد بن النضر في سفينة فقلت: بأي شيء أستخرج منه الكلام؟ فقلت: ما تقول في الصوم في السفينة؟ فقال: إنما هي المبادرة. قال: فجاء بفتوى غيره، فتوى النخعي والشعبي.
عن أبي أسامة قال: قلت لمحمد بن النضر: كأنك تكره أن تزار؟ فقال: أجل. قلت: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
خالد بن يزيد قال: سمعت محمد بن النضر يقول: شغل الموت قلوب المتقين عن الدنيا، والله ما رجعوا منها إلى سرور بعد معرفتهم بكربه وغصصه.
المبارك قال: كان محمد بن النضر إذا ذكر الموت اضطربت مفاصله حتى تبين الرعدة فيها.
الحسن بن الربيع قال: حدثني رجل من ولد الزبير بن العوام قال: صحبت محمد بن النضر من عبادان إلى الكوفة فما سمعته يتكلم بكلمة حتى افترقنا.
جرير بن زياد الحارثي قال: كنت مسافراً مع محمد بن النضر إلى مكة، وكان إذا قيل له: الرحيل، تقدم على رأس ميلين فلا يزال يصلي حتى إذا سمع حس الإبل تقدم أيضاً فلا يزال كذلك حتى يصلي العصر ثم يركب.
أبو مريم قال: سمعت محمد بن صبيح يقول: قال محمد بن النضر الحارثي: كان يقال: الجوع يبعث على البر كما تبعث البطنة على الأِشر.
ـــــــ
448 - هو: محمد بن النضر، أبو عبد الرحمن الحارثي، الكوفي، عابد أهل زمانه بالكوفة، انظر سير أعلام النبلاء 7/463.

(2/92)


قال المصنف: كان محمد بن النضر مشغولاً بالعبادة عن الرواية وقد أرسل الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصلها.

(2/93)


449 - وراد العجلي
عمرو بن حفص بن غياث، عن أبيه قال: كنا ذات يوم عند ابن ذر وهو يتكلم فذكر رواجف القيامة وزلزالها. فوثب رجل من بني عجل، يقال له وراد، فجعل يبكي ويصرخ ويضطرب فحمل من بين القوم صريعاً: فقال ابن ذر: ما الذي قصر بنا وكلم قلبه حتى أبكاه؟ والله إن هذا يا أخا بني عجل إلا من صفاء قلبك وتراكم الذنوب على قلوبنا.
قال عمر: قال أبي: وكنت أرى وراداً هذا العجلي يأتي إلى المسجد مقنع الرأس فيعتزل ناحية فلا يزال مصلياً وباكياً وداعياً ما شاء الله من النهار ثم يخرج فيعود فيصلي الظهر، فهو كذلك بين صلاة وبكاء حتى يصلي العشاء ثم يخرج لا يكلم أحداً ولا يجلس إلى أحد، فسألت عنه رجلاً من حيه ووصفته له قلت: شاب من صفته، من هيئته. فقال: بخ يا أبا عمر، أتدري عمن تسأل؟ ذاك وراد العجلي، ذاك الذي عاهد الله ألا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين. قال أبي: وكنت إذا رأيته بعد هبته.
قال عمر: وحدثني سكين بن مسكين، رجل من بني عجل، قال: كان بيننا وبين ورادقرابة، فسألت أختاً كانت له أصغر منه فقلت: كيف كان ليله؟ قالت: يبكي عامة الليل ويصرخ. قلت: فما كان طعمه؟ قالت: قرصاً في أول الليل وقرصاً في آخره، عند السحر. قلت: فتحفظين من دعائه شيئاً؟ قالت: نعم، كان إذا كان السحر أو قريب من طلوع الفجر سجد ثم بكى ثم قال: مولاي عبدك يحب الاتصال بطاعتك فأعنه عليها بتوفيقك يا أيها المنال، مولاي عبدك يحب اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنك أيها المنان، مولاي عبدك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه يوم يفرح الفائزون.
قالت: فلا يزال على هذا ونحوه حتى يصبح.
قال: وكان قد كل من الاجتهاد جداً وتغير لونه.
قال سكين: فلما مات وراد فحمل إلى حفرته نزلوا إليه ليدفنوه في حفرته فإذا اللحد مفروش بالريحان، فأخذ بعض القوم الذين نزلوا إلى القبر من ذلك الريحان شيئاً فمكث سبعين يوماً طرياً لا يتغير. يغدو الناس ويروحون وينظرون إليه: قال: فكثر الناس من ذلك حتى خاف

(2/93)


الأمير أن يفتتن الناس، فأرسل إلى الرجل فأخذ ذلك الريحان وفرق الناس.
قال: وفقده الأمير من منزله لا يدري كيف ذهب؟

(2/94)


450 - أسيد الضبي
عبد الرحمن بن مالك بن مغول قال: بكى أسيد الضبي حتى عمي، وكان إذا عوتب على البكاء قال: الآن حين لا أهدأ وأنا أموت غداً؟ والله لأبكين ثم لأبكين ثم لأبكين، فإن أدركت بالبكاء خيراً فبمن الله وفضله علي، وإن تكن الأخرى فما بكائي في جنب ما ألقى غداً؟ قال: فكان ربما بكى حتى يتأذى به جيرانه من كثرة بكائه.

(2/94)


ومن الطبقة السابعة
بو بكر بن عياش
...
ومن الطبقة السابعة "من أهل الكوفة":
451 - أبو بكر بن عياش
مولى واصل من بن حيان الأحدب الأسدي، وقد اختلفوا في اسمه: فقيل شعبة. وقبل محمد. وقيل مطرف. والصحيح أنه لا يعرف إلا بكنيته.
رستم بن أسامة قال: حدثني إبراهيم بن رستم الخياط، عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي رجل مرة وأنا شاب. خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة، فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبداً. قال أبو بكر: فما نسيتها أبداً.
يحيى الحماني قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: أتيت زمزم فاستسقيت منها عسلاً وأتيتها فاستسقيت منها لبناً وأتيتها فاستسقيت منها ماء.
دلويه قال: سمعت علياً، يعني ابن محمد ابن أخت يعلى بن عبيد، يقول: مكث أبو بكر بن عياش عشرين سنة قد نزل الماء في إحدى عينيه ما يعلم به أهله، محمد بن الحجاج بن جعفر بن إياس بن نذير الضبي قال: كان أبو بكر بن عياش يقوم الليل في قباء صوف وسراويل وعكازة يضعها في صدره فيتكئ عليها حين كبر فيحيي ليلته.
الحسين بن إدريس قال: قال ابن عمار: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: صمت ثمانين رمضاناً.
إسحاق بن الحسين قال: كان أبو بكر بن عياش لما كبر يأخذ إفطاره ثم يغمسه في الماء في جر كان له في بيت مظلم، ثم يقول: يا ملائكتي طالب صحبتي لكما، فإن كان لكما عند الله شفاعة فاشفعا لي.
عن أبي هشام الرفاعي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول لي: غرفة قد عجزت عن الصعود إليها وما يمنعني من النزول منها إلا أني أختم القرآن كل يوم وليلة منذ ستون سنة.
ـــــــ
451 - هو: أبو بكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ، الحناط، بمهملة ونون - مشهور بكنيته - والأصح أنها اسمه، وقيل اسمه محمد، أو عبد الله أو سالم أو شعبة، أو رؤبة، أو مسلم، أو خداش، أو مطرف، أو حماد، أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب المائة، وروايته في مقدمة مسلم.

(2/95)


أحمد بن نصر قال: سمعت إبراهيم بن رستم يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: من لم يطلب العلم لم يرزق عقلاً.
يزيد بن هارون وذكر عنده أبو بكر بن عياش فقال: كان أبو بكر بن عياش خيراً فاضلاً لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة.
أبو عيسى النخعي قال: لم يفرش لأبي بكر بن عياش فراش خمسين سنة.
أحمد بن محمد بن مسروق قال: سمعت الحماني يقول: لما حضرت أبا بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال لها: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية التي في البيت قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.
إبراهيم بن أبي بكر بن عياش قال: بكيت عند أبي حين حضرته الوفاة فقال: ما يبكيك؟ أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة، يختم القرآن كل ليلة؟
الهيثم بن خارجة قال: رأيت أبا بكر بن عياش في النوم، قدامه طبق رطب مسكر. فقلت له: يا أبا بكر ألا تدعونا وقد كنت سخياً على الطعام؟ فقال لي: يا هيثم هذا طعام أهل الجنة لا يأكله أهل الدنيا. قال قلت: وبم نلت؟ قال تسألني عن هذا وقد مضت علي ست وثمانون سنة أختم في كل ليلة منها القرآن؟
أسند أبو بكر بن عياش عن الأعمش ومن في طبقته، وتوفي بالكوفة في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقد جاوز التسعين بثلاث سنين، وقيل بست.

(2/96)


452 - عبد الله بن إدريس
ابن يزيد بن عبد الرحمن أبو محمد الأودي. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي ذكر ابن إدريس فقال: كان نسيج وحده، وفي رواية أخرى عن أحمد أنه قال: رأيت عبد الله بن إدريس وعليه جبة لبود وقد أتى عليه الدهور والسنون.
الحسن بن الربيع قال: كنت عند عبد الله بن إدريس فلما قمت قال لي: سل عن سعر الأشنان. فلما مشيت ردني وقال لي: لا تسأل فإنك تكتب عني الحديث وأنا أكره أن أسأل من يسمع عني الحديث حاجة.
ـــــــ
452 - هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين، وله بضع وسبعون.

(2/96)


حماد بن المؤمل قال: حدثني شيخ على باب بعض المحدثين قال: سألت وكيعاً عن مقدمه هو ابن إدريس وحفص على هارون الرشيد فقال: كان أول من دعا به أنا. فقال لي هارون: يا وكيع إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً وسموك لي فيمن سموا، وقد رأيت أن أشركك في أمانتي فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة. فقال هارون: اللهم غفراً. خذ عهدك أيها الرجل وامض. فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقاً إنه لينبغي أن يقبل مني، ولئن كنت كاذباً فما ينبغي أن تولي القضاء كذاباً. فقال: اخرج. فخرجت.
ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك، وما سمعناه يسلم إلا سلاماً خفياً. فقال له هارون: أتدري لم دعوتك؟ قال: لا. قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضياً، وإنهم سموك لي فيمن سموا. وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة، فخذ عهدك وامض، فقال له ابن إدريس: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك فخرج.
ثم دخل حفص فقبل عهده، فأتى خادم معه ثلاثة أكياس في كل كيس خمسة آلاف فقال لي: إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لكم: قد لزمتكم في شخوصكم مؤونة فاستعينوا بهذه في سفركم.
قال وكيع: فقلت له أقرئ أمير المؤمنين السلام وقل له: قد وقعت مني بحيث يحب أمير المؤمنين وأنا مستغن عنها. وأما ابن إدريس فصاح به: مر من ها هنا. وقبلها حفص، وخرجت الرقعة إلى ابن إدريس من بيننا: عافانا الله وإياك، سألناك أن تدخل في أعمالنا فلم تفعل، ووصلناك من أموالنا لم تقبل، فإذا جاءك ابني المأمون فحدثه إن شاء الله. فقال للرسول: إذا جاءنا مع الجماعة حدثناه إن شاء الله.
ثم مضينا فلما صرنا إلى الياسرية التفت ابن إدريس إلى حفص فقال: قد علمت أنك ستبلى، والله لا أكلمك حتى تموت فما كلمه حتى مات.
أبو بكر المروزي قال: سمعت علي بن شعيب يقول: لما قدم شعيب بن حرب على يوسف بن أسباط رأى عنده شاباً يكلم يوسف ويغلظ له، أو قال: رفع صوته، فقال له شعيب: ترفع صوتك؟ فقال له يوسف: يا أبا صالح إنه ابن إدريس، إنه يدري من أين يأكل؟.

(2/97)


أحمد بن إبراهيم قال: حدثني سهل بن محمود، عن عبد الله بن إدريس قال: لو أن رجلاً انقطع إلى رجل لعرف ذلك له، فكيف بمن له السموات والأرض.
محمد بن المنذر قال: حج الرشيد ومعه الأمين والمأمون، فدخل الكوفة فقال لأبي يوسف: قل للمحدثين يأتونا يحدثونا. فلم يتخلف عنه من شيوخ الكوفة إلا اثنان: عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس.
فركب الأمين والمأمون إلى عبد الله بن إدريس فحدثهما بمائة حديث. فقال المأمون لعبد الله بن إدريس: يا عم أتأذن لي أن أعيدها عليك من حفظي؟ قال: افعل. فأعادها عليه. فعجب عبد الله. فقال المأمون: يا عم: إلى جانب مسجدك دار إن أذنت لنا اشتريناها ووسعنا بها المسجد. فقال: ما لي إلى هذا حاجة، قد أجزأ من كان قبلي وهو يجزئني فنظر إلى قرح في ذراع الشيخ، فقال: إن معنا متطببين وأدوية، أتأذن أن يجيئك من يعالجك؟ قال: لا، قد ظهر بي مثل هذا وبدأ. فأمر له بمال فأبى أن يقبله.
حسين بن عمرو العنقزي قال: لما نزل بابن إدريس الموت بكت ابنته فقال: لا تبكي فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربعة آلاف ختمة.
سمع عبد الله بن إدريس من الأعمش وأبي إسحاق الشيباني وخلق كثير، وجمع بين العلم والزهد، ومولده سنة خمس عشرة ومائة. وتوفي في سنة اثنتين وتسعين ومائة.

(2/98)


453 - وكيع بن الجراح بن مليح
يكنى أبا سفيان الرواسي عبيد الله بن ثابت الجزري قال: سمعت عباساً الدوري يقول: قال لي أحمد بن حنبل: لو رأيت وكيعاً لعلمت أنك ما رأيت مثله.
محمد بن أيوب بن المعافى قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سمعت أحمد بن حنبل ذكر يوماً وكيعاً فقال: ما رأت عيناي مثله قط، يحفظ الحديث جيداً ويذاكر بالفقه فيحسن، مع ورع واجتهاد، ولا يتكلم في أحد.
بشر بن موسى قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت رجلاً مثل وكيع في العلم والحفظ والحلم مع خشوع وورع.
ـــــــ
453 - هو: وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي –بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة مات في آخر سنة ست وأول سنة سبع وتسعين وله سبعون سنة.

(2/98)


يحيى بن أكثم قال: صحبت وكيعاً في السفر والحضر، وكان يصوم الدهر ويختم القرآن كل ليلة.
يحيى بن معين قال: ما رأيت أفضل من وكيع بن الجراح، كان يستقبل القبلة، ويحفظ حديثه، ويقوم الليل، ويسرد الصوم.
يحيى بن أيوب قال: حدثني بعض أصحاب وكيع الذين كانوا يلزمونه قالوا: كان وكيع لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن، ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر فيصلي ركعتين.
إبراهيم بن وكيع قال: كان أبي يصلي الليل فلا يبقى في دارنا أحد إلا صلى حتى إن جارية لنا سوداء لتصلي.
أحمد بن محمد قال: أخبرني بعض أصحابنا عن وكيع قال: أغلظ رجل لوكيع بن الجراح، فدخل وكيع بيتاً فعفر وجهه في التراب ثم خرج إلى الرجل فقال: زد وكيعاً بذنبه فلولاه ما سلطت عليه.
سلم بن جنادة قال: جالست وكيع بن الجراح سبع سنين فما رأيته بزق ولا رأيته مس حصاة بيده، وما رأيته جلس مجلسه فتحرك، وما رأيته إلا مستقبل القبلة، وما رأيته يحلف بالله.
الحسن بن أبي زيد قال: صاحبت وكيع بن الجراح إلى مكة فما رأيته متكئاً ولا رأيته نائماً في محمله.
علي بن خشرم قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة تجبر نقصان الصوم كما يجبر السهو نقصان الصلاة.
أسند وكيع عن الأئمة الأعلام: كإسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش، وابن عون، وابن جريج، والأوزاعي، وشعبة، وسفيان.
وحدث وكيع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وجلس بعد موت الثوري في مكانه. وصنف التصانيف الكثيرة. وكان مولده في سنة تسع وعشرين، وقيل ثمان وعشرين ومائة، وحج سنة ست وتسعين، فلما رجع توفي بفيد في محرم سنة سبع وتسعي، وهو ابن ست وستين سنة.

(2/99)


454 - حسين بن علي الجعفي
يكنى أبا عبد الله كان من العلماء العباد، وكان سفيان الثوري إذا رآه عانقه وقال: هذا راهب جعفي. وكان سفيان بن عيينة يعظمه.
وقال أحمد بن حنبل: ما رأيت بالكوفة أفضل من حسين الجعفي كان يشبه بالراهب.
محمد بن عبيد الرحبي قال: سمعت أبا بكر بن سماعة قال: كنا عند ابن أبي عمر العدني بمكة فسمعناه يقول: قدم علينا هارون قدمة إلى هذا المسجد فأخبرني الخادم الذي كان معه قال: كنت معه ومعه جعفر بن يحيى فخرجنا جميعاً حتى صرنا إلى الثنية، فقال لي: سل عن حسين بن علي الجعفي. فلقيت رجلاً فقلت: حسين ابن علي الجعفي. فقال: ها هو ذا يطلع عليك راكباً حماراً وخلفه أسود يقود أجمالاً له، فإذا هو قد طلع فقلت: هذا هو يا أمير المؤمنين. فلما حاذاه قام إليه فقبل يده، أو قال: رجله، فقال له جعفر بن يحيى: يا شيخ تدري من المسلم عليك؟ أمير المؤمنين هارون. فالتفت إليه حسين فقال له: أنت يا حسن الوجه، أنت مسئول عن هذا الخلق كلهم فقعد يبكي.
وأتانا آت ونحن عند ابن عيينة فقال لسفيان: قدم حسين بن علي الجعفي فقام إليه يتلقاه وخرجنا معه. فلما صار في الطريق إلى باب بني لقيه فضيل بن عياض فقال له: أين تريد يا أبا محمد؟ فقال: قدم حسين الجعفي فأردت لقاءه. فقال: أنا معك. فخرجا يمشيان جميعاً ونحن خلفهما. فلما صرنا في أصحاب اللواء إذا حسين راكب حماراً فتقدم إليه فضيل، فقبل رجله وتقدم سفيان فقبل يده، أو قبل سفيان رجله، وقبل فضيل يده. فقال له فضيل: بأبي رجل تعلمت القرآن على يديه، أو علمني الله القرآن على يده، ثم دخل المسجد فطاف بالكنية وجاء إلى الأسطوانة الحمراء فقعد عندها فأكب الناس عليه.
سمع حسين الجعفي من القاسم بن الوليد وزائدة وغيرهما. وتوفي في ذي القعدة سنة ثلاث ومائتين.
ـــــــ
454 - هو: حسين بن علي بن الوليد الجعفي، الكوفي، المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع ومائتين وله أربع أو خمس وثمانون سنة.

(2/100)


455 - محمد بن صبيح بن السماك
يكنى أبا العباس أحمد بن حماد قال: كان ابن السماك يقول: يا ابن آدم إنما تغدو في كسب الأرباح فاجعل نفسك فيما تكسبه فإنك لم تكسب مثلها.
أبو المغيرة بن شعيب قال: حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن السماك: إذا دخلت على هارون أمير المؤمنين فأوجز ولا تكثر عليه. قال: فلما دخل عليه وقام بين يديه قال: يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي الله تعالى مقاماً وإن لك من مقامك منصرفاً، فانظر إلى أين منصرفك، إلى الجنة أم إلى النار؟ قال: فبكى هارون حتى كاد يموت.
إبراهيم بن سلمة الشعبي قال: سمعت ابن السماك يقول: من امتطى الصبر قوي على العبادة، ومن أجمع اليأس استغنى عن الناس، ومن أهمته نفسه لم يول مرمتها غيره ومن أحب الخير وفق له، ومن كره الشر جنبه، ومن رضي الدنيا من الآخرة حظاً فقد أخطأ حظ نفسه.
عبد الله بن صالح قال: سمعت ابن السماك. وكتب إلى أخ له: أما بعد، أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك ورقيبك في علانيتك، فاجعله من بالك على حالك، وخفه بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك، واعلم أن الذنب من العاقل أعظم من الأحمق ومن العالم أعظم من الجاهل وقد أصبحنا أدلاء بزعمنا والدليل لا ينام في البحر، وقد كان عيسى صلى الله عليه وسلم يقول: حتى متى تصفون الطريق للدالجين وأنتم مقيمون في محلة المتحيرين؟ تصفون البعوض من شرابكم وتسترطون الجمال بأجمالها. أي أخي كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله جريء على الله وكم من داع إلى الله فار من الله. وكم تال لكتاب الله منسلخ من آيات الله. والسلام.
عباية بن كليب قال: سمعت ابن السماك يقول: سبعك بين لحييك تأكل به كل من مر عليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت ها هنا تنبشهم، إنما نرى أن نبشهم أخذ الخرق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتهم، إنه ينبغي لك أن يدلك على ترك القول في أخيك ثلاث خلال: أما واحدة: فلعلك أن
ـــــــ
455 - هو: محمد بن صبيح العجلي، ابن السماك الزاهد القدوة، سيد الوعاظ، أبو العباس، مولاهم الكوفي.

(2/101)


تذكره بأمر هو فيك فما ظنك بربك إذا ذكرت أخاك بأمر هو فيك؟ ولعلك تذكره بأمر، فيك أعظم منه، قذلك أشد استحكاماً لمقته إياك، ولعلك تذكره بأمر قد عافاك الله منه فهذا جزاؤه إذ عافاك. أما سمعت: ارحم أخاك واحمد الذي عافاك؟
الحسين بن عبد الرحمن قال: كان ابن السماك يقول: من أذاقته الدنيا حلاوتها لميله إليها جرعته الآخرة مرارتها لتجافيه عنها.
أبو الحسين علي بن الحسين الفقيه قال: سمعت عبد الله بن محمد بن السماك يقول: سمعت أبي يقول: إن استطعت أن تكون كرجل ذاق الموت وعاش ما بعده فسأل الرجعة فأسعف بطلبه وأعطي حاجته فهو متأهب مبادر، فافعل فإن المغبون من لم يقدم من ماله شيئاً ومن نفسه لنفسه.
أبو جعفر الربعي قال: لما حضرت ابن السماك الوفاة قال: اللهم إني وإن كنت أعصيك لقد كنت أحب فيك من يطيعك.
أسد بن السماك عن عدة من التابعين منهم: إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وروى عنه عن الأئمة حسين الجعفي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل، وهو كوفي لكنه قدم بغداد فمكث بها مدة ثم عاد إلى الكوفة فتوفي فيها سنة ثلاث وثمانين ومائة.

(2/102)


ومن الطبقة الثامنة
أبو داود الحفري
...
ومن الطبقة الثامنة "من أهل الكوفة":
456 - أبو داود الحفري
واسمه عمر بن سعد، أبو بكر المروزي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رأيت أبا داود الحفري وعليه جبة مخرقة وقد خرج القطن منها يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجح من الجوع.
الحسين بن علي الصدائي قال: جئت إلى أبي داود الحفري فدققت الباب عليه فقال: من هذا؟ فقلت: رجل من أصحاب الحديث. فقال لي: اصبر علي. فاطلعت من كوة في الباب فإذا هو متزر بمئزر وهو يغزل صوفاً يتعيش منه. فأخذ الصوف فوضعه في كوة وأخذ عليه ثوباً وأدخلني الدار إلى مسجد له فقعد معي ولم يكن في الدار سقف غير سقف رأيته على الدهليز فأملى علي حتى فني ورقي. وقال لي: ألك حاجة؟ أو تكتب شيئاً آخر؟ فما رأيت رجلاً يحدث لله عز وجل مثله.
قال ابن عبدوية: وسمعت عباساً الدوري يقول: حدثنا أبو داود الحفري، ولو رأيت أبا داود لرأيت رجلاً كأنه اطلع إلى النار فرأى ما فيها.
أسند أبو داود الحفري عن الثوري وغيره. وتوفي سنة ثلاث ومائتين.
ـــــــ
456 - هو: عمر بن سعيد بن عبيد، أبو داود الحفري –بفتح المهملة والفاء - نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومائتين.

(2/103)


457 - بهيم العجلي
يكنى أبا بكر، روى عن أبي إسحاق الفزاري.
داود بن يحيى بن يمان عن أبيه قال: قال بهيم: إنما أخاف أن تدفق علي الدنيا دفقة فتعريني.
معاوية بن عمرو قال: كان بهيم رجلاً طوالاً شديد الأدمة إذا رأيته رأيت رجلاً حزيناً.
شهاب بن عباد قال: رأيت بهيماً العجلي وكان قد بكى حتى سقطت أشفاره، وكان رطب العينين جداً. فقلت لابن أخ له، ما شأنه يمس عينيه كثيراً؟ قال: قد فسدت من كثرة من يبكي، فهي تحكه وتضرب عليه.

(2/103)


معاذ بن زياد قال: لما اتخذت عبادان سكنها قوم نساك فيهم رجل يقال له بهيم وكان رجلاً حزيناً يزفر الزفرة فتسمع زفيره.
مخول قال: جاءني بهيم يوماً فقال لي: تعلم لي رجلاً من جيرانك أو إخوانك يريد الحج ترضاه يرفقني؟ قلت: نعم. فذهبت إلى رجل من الحي له صلاح ودين فجمعت بينهما وتواطيا على المرافقة. ثم انطلق بهيم إلى أهله، فلما كان بعد أتاني الرجل فقال: يا هذا أحب أن تزوي عني صاحبك وتطلب رفيقاً غيري. فقلت: ويحك فلم؟ فوالله ما أعلم في الكوفة له نظيراً في حسن الخلق والاحتمال، ولقد ركبت معه البحر فلم أر إلا خيراً. قال: ويحك حدثت أنه طويل البكاء لا يكاد يفتر، فهذا ينغص علينا العيش سفرنا كله. قال: قلت: ويحك إنما يكون البكاء أحياناً عند التذكرة يرق القلب فيبكي الرجل، أو ما تبكي أنت أحياناً؟ قال: بلى ولكنه قد بلغني عنه أمر عظيم جداً من كثرة بكائه. قال: قلت: اصحبه فلعلك أن تنتفع به. قال: أستخير الله.
فلما كان اليوم الذي أرادا أن يخرجا فيه جيء بالإبل ووطئ لهما فجلس بهيم في ظل حائط فوضع يده تحت لحيته وجعلت دموعه تسيل على خديه، ثم على لحيته ثم على صدره حتى والله رأيت دموعه على الأرض.
قال: فقال لي صاحبي: يا مخول قد ابتدأ صاحبك، ليس هذا لي برفيق. قال: قلت: ارفق، لعله ذكر عياله ومفارقته إياهم فرق. وسمعها بهيم فقال: يا أخي والله ما هو بذاك وما هو إلا أني ذكرت بها الرحلة إلى الآخرة. قال: وعلا صوته بالنحيب.
قال: يقول لي صاحبي: والله ما هي بأول عداوتك لي وبغضك إياي، ما لي ولبهيم؟ إنما كان ينبغي أن ترافق بين بهيم وبين داود الطائي وسلام بن الأحوص، حتى يبكي بعضهم إلى بعض حتى يشتفوا أو يموتوا جميعاً.
قال: فلم أزل أرفق به وأقول: ويحك لعلها خير سفرة سافرتها.
قال: وكان طويل الحج رجلاً صالحاً إلا أنه كان رجلاً تاجراً موسراً مقبلاً على شأنه، لم يكن صاحب حزن ولا بكاء، قال: فقال لي: قد وقعت مرتي هذه ولعلها أن تكون خيرة.
قال: وكل هذا الكلام لا يعلم به بعين ولو علم بشيء منه ما صاحبه.
قال: فخرجا جميعاً حتى حجا ورجعا. ما يرى كل واحد منهما أن له أخاً غير صاحبه. فلما جئت أسلم على جاري

(2/104)


قال لي: جزاك الله يا أخي عني خيراً ما ظننت أن في هذا الخلق مثل أبي بكر، كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معدم وأنا موسر، ويتفضل علي في الخدمة وأنا شاب قوي وهو شيخ ضعيف، ويطبخ لي وأنا مفطر وهو صائم.
قال: فقلت: فكيف كان أمرك معه في الذي كنت تكرهه من طويل بكائه؟ قال: ألفت والله ذاك البكاء وسر قلبي حتى كنت أساعده عليه، حتى تأذى بنا أهل الرفقة. قال: ثم والله ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا وجعل بعضهم يقول لبعض: ما الذي جعلهم أولى بالبكاء منا والمصير واحد؟ قال: فجعلوا والله يبكون ونبكي، قال: ثم خرجت من عنده فأتيت بهيماً فسلمت عليه وقلت: كيف رأيت صاحبك؟ قال: كخير صاحب، كثير الذكر لله عز وجل طويل التلاوة للقرآن، سريع الدمعة محتمل الهفوات للرفيق، جزاك الله عني خيراً.

(2/105)


458 - عرفجة
عن خلف بن تميم قال: كان فتى من أهل الكوفة متعبد يقال له عرفجة، وكان يحيي الليل صلاة. فاستزاره بعض إخوانه ليلة فاستأذن أمه في زيارته فأذنت له، قالت العجوز: فلما كان الليل إذا أنا في منامي برجال قد وقفوا علي فقالوا: يا أم عرفجة: لم أذنت لإمامنا الليلة.
ـــــــ
458 - هو: عرفجة الكوفي، مشهور في القانتين، معروف في العابدين، انظر حلية الأولياء 10/140.

(2/105)


ذكر المصطفين من عباد الكوفة مجهولي الأسماء
459 - عابد
أبو سعيد البقال قال: رأيت رجلاً بالكوفة قد استعد للموت منذ ثلاثين سنة قال: ما لي على أحد شئ ولا لأحد عندي شيء، وما أريد أن أكلم أحداً ولا يكلمني أحد من الناس إلا بذكر الله تعالى وكان يأوي الجبان والمقابر.
أيوب بن موسى قال: سمعت شيخاً في المسجد يكنى أبا سهل الترمذي قال: سمعت سفيان الثوري يقول: رأيت شيخاً في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي لو أتاني ما أمرته بشيء ولا نهيته عن شيء ولا لي على أحد شيء ولا لأحد عندي شيء.
460 - عابدان كوفيان
عن الشعبي قال: جاء رجلان إلى شريح فقال أحدهما: اشتريت من هذا داراً فوجدت فيها عشرة آلاف درهم فقال: خذها. فقال له: إنما اشتريت الدار. فقال للبائع: فخذها أنت فقال: ولم؟ وقد بعته الدار بما فيها. فأدار الأمر بينهما فأبيا فأتى زياداً فأخبره فقال: ما كنت أرى أن أحداً هكذا بقي. وقال لشريح: ادخل بيت المال فألق في كل جراب قبضة حتى تكون للمسلمين.
461 - عابد آخر
منصور بن عمار قال: خرجت ذات ليلة فظننت أني قد أصبحت فإذا علي ليل، فقعدت عند باب صغير فإذا بصوت شاب يبكي ويقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك حيت عصيتك وما أنا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى علي، عصيتك بجهلي وخالفتك بجهدي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي، يا ويلي كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحيي من ربي عز وجل.
قال منصور: فلما سمعت كلامه قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

(2/106)


{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ} التحريم: 6 الآية، فسمعت صوتاً واضطراباً شديداً فمضيت لحاجتي. فلما أصبحت رجعت وأنا بجنازة على الباب، وعجوز تذهب وتجيء. فقلت لها: من الميت؟ فقالت: إليك عني لا تجدد علي أحزاني. فقلت: إني رجل غريب. فقالت: هذا ولدي مر بنا البارحة رجل لا جزاه الله خيراً فقرأ آية فيها ذكر النار، فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات، منصور: هكذا والله صفة الخائفين.
462 - عابد آخر
عبد الله بن عمر الكوفي قال: كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبد. قال: وكان الفضيل بالكوفة في أيامه. قال: فقدم ابن المبارك فقال له الفضيل: إن ها هنا رجلاً من المتعبدين قد خرج عن دنيا فامض بنا إليه ننظر عقله.
قال: فجاءوا إليه وهو عليل وعليه عباء وتحت رأسه قطعة لبنة، قال: فسلم ابن المبارك عليه ثم قال: يا أخي بلغنا أنه ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله ما هو أكثر منه، فما عوضك؟ قال: الرضا بما أنا فيه. فقال ابن المبارك: حسبك. وقاما على ذلك.
463 - عابد آخر
محمد بن منصور قال: كان بالكوفة رجل متعبد يأكل في يوم نصف رغيف وكان قاعداً لا يضطجع ويضع جبهته على ركبتيه من صلاة إلى صلاة لا يتطوع بشيء غير الفرائض، ولا يتكلم البتة. فقلت له: لو تطوعت فقال: افهم ما ألقيه إليك، إني لست أعصيه.

(2/107)


من عقلاء المجانين بالكوفة
نمير المجنون
...
من عقلاء المجانين بالكوفة:
464 - نمير المجنون
العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال: حدثني أبي عن ابن نمير قال: كان لي ابن أخت سمته أختي باسم أبي نمير، وكان من نساك أهل الكوفة وقد سمع سماعاً حسناً، وكان حسن الطهور حسن الصلاة، يراعي الشمس للزوال. قال: فعرض له فذهب عقله فكان لا يأويه سقف بيت: إذا كان بالنهار فهو بالجبانة وإذا كان بالليل ففي السطح قائماً على رجليه في البرد والمطر والريح، فنزل يوماً مبكراً يريد المقابر فقلت: يا نمير تنام؟ قال: لا. قلت: أي شيء العلة التي تمنعك من النوم؟ قال: هذا البلاء الذي تراه. فقلت: يا نمير أما تخاف الله عز وجل؟ قال: بلى. وقال: أليس يقال: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؟ قال: قلت له: أنت أعلم مني. قال: كلا ومضى، قال: وصعدت إليه ليلة باردة وهو قائم في السطح وأمه قائمة تبكي فقلت: يا نمير بقي منك شيء لم تنكره؟ قال: نعم. قلت ما هو؟ قال: حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: وصعدت إليه ليلة في رمضان فقلت له: يا نمير لم أفطر. قال: ولم؟ قلت: أحب أن تراك أختي تأكل معي. قال: أفعل. قال: فأصعد إلينا طعام، فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ. فلما أردت أن أقوم رحمته من أن يراني مولياً وهو في الظلمة والريح فبكيت فقال: ما يبكيك رحمك الله؟ قلت: أنزل إلى الكن والضوء وأدعك في الظلمة والبرد؟ فغضب وقال لي: إن لي رباً هو أرحم بي منك وأعلم بما يصلحني فدعه يصرفني كيف يشاء، فإني لا أتهمه في قضائه. فقلت له لئن كنت في ظلمة الليل إن جدك في ظلمة اللحد، أريد أن أعزيه وأطيب نفسه. فقال لي ما جعل روح رجل صالح مثل روح رجل متلوث. ثم قال لي: أتاني البارحة أبي وأبوك عبد الله بن نمير فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلي فيه فقال لي: يا نمير أما إنك ستأتينا يوم الجمعة شهيداً.
قال: فدعوت أمه فصعدت إلي فأخبرتها بما قال: فقالت: والله ما جربت عليه كذباً وما هذا مما كان يتكلم به وما قال إلا حقاً. قال: وقال هذه المقالة عشية الأربعاء. فجعلنا نتعجب ونقول غداً الخميس وبعد غد الجمعة، فهبه مرض غداً ومات بعد غد فأين الشهادة؟.

(2/108)


فلما كانت ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هدة فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج فبادر الدرجة فزلت قدمه فسقط منها فاندقت عنقه فحفرت له إلى جنب أبي ودفنته، وانكببت على قبر أبي فقلت: يا أبت قد أتاك نمير وجاورك. والله ما قلت هذه المقالة إلا لما كان في قلبي من الغم. ثم انصرفت فلما كان الليل رأيت أبي في النوم كأنه قد دخل علي من باب البيت فقال لي: يا بني جزاك الله خيراً لقد آنستني بنمير، اعلم أنه منذ أتيتمونا به إلى أن جئتك يزوج بالحور، والسلام.

(2/109)


ذكر المصطفيات من العابدات الكوفيات المسميات
أم حسان الكوفية
...
ذكر المصطفيات من العابدات الكوفيات
ذكر المسميات منهن والمنسوبات:
465 - أم حسان الكوفية
كان سفيان وابن المبارك وغيرهما يزورونها، عبد الله بن المبارك قال: ذكر سفيان الثوري امرأة بالكوفة يقال لها أم حسان ذات اجتهاد وعبادة. فدخلنا بيتها فلم نر فيه شيئاً غير قطعة حصير خلق فقال لها الثوري: لو كتبت رقعة إلى بعض بني أعمامك لغيروا من سوء حالك. فقالت: يا سفيان قد كنت في عيني أعظم وفي قلبي أكبر مذ ساعتك هذه، إني ما أسأل الدنيا من يقدر عليها ويملكها ويحكم فيها؛ فكيف أسأل من لا يقدر عليها ولا يقضي ولا يحكم فيها؟ يا سفيان والله ما أحب أن يأتي علي وقت وأنا متشاغلة فيه عن الله تعالى بغير الله. فأبكت سفيان، قال عبد الله: فبلغني أن سفيان تزوج بها.

(2/110)


466 - أم الأسود بن يزيد
وكيع قال: حدثنا أبي عن منصور عن إبراهيم أن أم الأسود أقعدت من رجليها فجزعت ابنة لها فقالت: اللهم إن كان خيراً فزد.

(2/110)


467 - أم مسعر بن كدام
محمد بن سعد قال: كانت لمسعر أم عابدة فكان يحمل لها لبداً ويمشي معها حتى يدخلها المسجد فيبسط لها اللبد فتقوم فتصلي ويتقدم هو إلى مقدم المسجد فيصلي ثم يقعد ويجتمع إليه من يريد فيحدثهم ثم ينصرف إليها فيحمل لبدها وينصرف معها.

(2/110)


468 - أم سفيان الثوري
قال وكيع: قالت أم سفيان الثوري لسفيان: يا بني اطلب العلم وأنا أكفيك يمغزلي، وقالت له: يا بني إذا كتبت عشرة أحرف فانظر هل ترى نفسك زيادة في مشيك وحلمك ووقارك فإن لم يزدك فاعلم أنه لا يضرك ولا ينفعك.

(2/110)


469 - أم الحسن وعلي ابني صالح بن حي
عبد الله بن هاشم قال: سمعت وكيع بن الجراح يقول: كانت أم علي والحسن ابني صالح تقوم ثلث الليل.

(2/110)


470 - أخت فضيل بن عبد الوهاب
قال محمد بن الحسين: حدثني فضيل بن عبد الوهاب قال: سمعت أختي تقول: الآخرة أقرب من الدنيا، وذلك أن الرجل يهم بطلب الدنيا فلعله أن ينشئ لذلك سفراً يكون فيه تعب بدنه وإنفاق ماله، ثم لعله أن لا ينال بغيته. والرجل يطلب الآخرة فمنتهى طلبته في حسن نيته حيث ما كان من غير أن ينشئ سفراً أو ينفق مالاً أو يتعب بدناً، ما هو إلا أن يجمع على طاعة الله فإذا هو قد أدرك ما عند الله.
قال: وسمعتها تقول: ما بيننا وبين أن نرى السرور أو ننادى بالويل والثبور إلا خروج هذه الأرواح من الأبدان، فانظروا أي عبيد تكونون حينئذ؟ قال: ثم صرخت وغشي عليها.
قال فضيل: ما رأيت أحداً قط، رجلاً ولا امرأة، أطول حزناً منها.

(2/111)


ذكر المصطفيات من العابدات الكوفيات مجهولات الأسماء
471 - عابدة
مجرز أبو القاسم الجلاب قال: حدثني سعدان قال: أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم. فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها فأقبلت عليه وهي سافرة. فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو قد ساءلك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشياً عليها. فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق.
472 - عابدة أخرى
عبد الله بن نافع قال: أتى الربيع بن خثيم في منامه فقيل: إن فلانة السوداء زوجتك في الجنة فلما أصبح سأل عنها فدل عليها فإذا هي ترعى أعنزاً لها. فقال: لأقيمن عندها فأنظر ما عملها؟ فأقام عندها ثلاثاً لا يراها تزيد على الفريضة، فإذا أمست جاءت إلى عنيزة لها فحلبت ثم شربت، ثم حلبت فسقته. فقال لها في اليوم الثالث: يا هذه لم لا تسقيني من غير هذه العنز؟ قال: يا عبد الله إنها ليست لي، قال: فلم تسقيني من هذه؟ قالت: إن هذه منحتها أشرب من لبنها واسقي من شئت. قال: يا هذه فليس لك من العمل أكثر مما أرى؟ قالت: لا، إلا أني ما أصبحت على حال قط فتمنيت أني على حال سواها، رضاً بما قسم الله لي، فقال: يا هذه علمت أني رأيت في المنام أنك زوجتي في الجنة. قالت له: أنت الربيع بن خثيم؟ قلت لعبد الله بن نافع: كيف علمت هذا؟ قال: لعلها أن تكون رأت في منامها مثل ما رأى.
473 - عابدة أخرى
محمد بن يحيى بن أبي حاتم قال: حدثني عبد الملك بن شبيب عن رجل من ولد ابن أبي ليلى قال: دخلت على امرأة وأنا أقرأ سورة هود. فقالت لي: يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود؟ والله إني لفيها منذ ستة أشهر ما فرغت من قراءتها.

(2/112)


474 - عابدة أخرى
الوضاح بن حسان الأنباري قال: حدثني رجل من أهل الكوفة قال: كانت امرأة من التيم مجتهدة في العبادة، فكانت تفطر في كل ثلاث مرة، ولا تخرج من مسجد الحي إلا لحاجة. فقال لها إبراهيم التيمي: صلاتك في بيتك أفضل من صلاتك في مسجد الحي، ففعلت فلزمت بيتها فلم تزدد إلا خيراً.
475 - عابدتان أختان
محمد بن قدامة قال: سمعت أبا بشر يقول: كانت جارة لمنصور بن المعتمر، وكان لها ابنتان لا تصعدان إلى السطح إلا بعد ما ينام الناس. فقالت إحداهما ذات ليلة: يا أمتاه ما فعلت القائمة التي كنت أراها في سطح فلان؟ فقالت: يا بنية لم تكن تلك قائمة إنما كان ذاك منصور يحيي الليل كله في ركعة لا يسجد فيها ولا يركع. فقالت: يا أمتاه: بلغ به العبادة والفرق من النار هذا؟ فما فعل؟ قالت: مات ودفنوه. قالت: يا أمتاه انطلقي فاشتري لي مدرعة أتعبد فيها فوالله لا يجمع رأس ورأس رجل أبداً رجل لا ينام عشرين سنة فرقاً من النار.
قال: فاشترت لها مدرعة من شعر فدخلت البنت الأخرى معها في العبادة فتعبدتا بعد ذلك عشرين سنة لا تنامان الليل ولا تفطران النهار.
476 - عابدة أخرى
عن سفيان أنه ذكر يوماً امرأة من أهل الكوفة كانت تتعبد، فذكر عنها فضلاً. فقلت: أي شيء تحفظ من كلامها؟ قال: قالوا إنها كانت تقول: لو نادى مناد من السماء ليمت أعظم الناس جرماً لرأيت نفسي أول نفس ذائقة للموت.
وكانت تقول: طول الأمل بطأ بي عن سبيل النجاة.
477 - عابدة أخرى
عن ابن السماك قال: أذنب غلام امرأة من قريش ذنباً فسعت إليه بالسوط فلما قربت منه رمت بالسوط وقالت: ما تركت التقوى أحداً يشفي غيظه.
478 - عابدة أخرى:
أبو بكر بن عبيد قال: حدثني محمد بن الحسين قال: أخبرنا شهاب بن عباد قال: أخبرنا

(2/113)


سويد بن عمرو الكلبي قال: كانت امرأة عابدة في غنى، فكانت لا تنام من الليل إلا يسيراً. فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بالموت وطول الرقدة في القبور للمؤمنين رقاداً.
قال أبو بكر: وزادني في هذا الحديث عن محمد بن الحسين بإسناده هذا: وكانت تصوم في شدة الحر حتى يسود لونها ويتغير وجهها. فيقال لها في ذلك، فتقول: إنما أدور على طول الري والشبع في الآخرة.
وكانت قد بكت حتى اسود مجاري دموعها من وجهها، فكان يأتيها محمد بن النضر وأصحابه فيحادثها ساعة ثم تقول: قوموا فالحديث هناك يطيب، في دار لا هم فيها ولا موت ولا تعب.

(2/114)


ذكر المصطفيات من عقلاء المجانين المتعبدات الكوفيات
ميمونة السوداء
...
ذكر المصطفيات من عقلاء المجانين المتعبدات الكوفيات
479 - ميمونة السوداء
الفضيل بن عياض قال: قال عبد الواحد بن زيد: سألت الله عز وجل ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فرأت كأن قائلاً يقول: يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء. فقلت: وأين هي؟ فقال: في آل فلان بالكوفة.
قال: فخرجت إلى الكوفة وسألت عنها فقيل: هي مجنونة بين ظهرانينا ترعى غنيمات لنا، فقلت: أريد أن أراها. قالوا: اخرج إلى الجبان، فخرجت فإذا بها قائمة تصلي، وإذا بين يديها عكاز لها وعليها جبة من صوف، عليها مكتوب: لا تباع ولا تشترى. وإذا الغنم مع الذئاب، فلا الذئاب تأكل الغنم ولا الغنم تخاف الذئاب.
فلما رأتني أوجزت في صلاتها ثم قالت: ارجع يا بن زيد ليس الموعد ها هنا إنما الموعد ثم. فقلت: رحمك الله ومن أعلمك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف؟ فقلت لها: عظيني؟ فقالت: واعجباً لواعظ يوعظ ثم قالت: يا بن زيد إنك وضعت معايير القسط على جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا بن زيد إنه بلغني أنه ما من عبد أعطي من الدنيا شيئاً فابتغى إليه ثانياً إلا سلبه الله حب الخلوة معه، وبدله بعد القرب البعد وبعد الأنس الوحشة. ثم أنشأت تقول:
يا واعظاً قام لاحتساب ... بزجر قوماً عن الذنوب
ننهى وأنت السقيم حقاً ... هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا ... عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي ... موقع صدق من القلوب
نتهى عن الغي والتمادي ... وأنت في النهي كالمريب
فقلت لها: غني أرى هذا الذئاب مع الغنم، فلا الغنم تفزع من الذئاب، ولا الذئاب تأكل الغنم، فأي شيء هذا؟ فقالت: إليك عني فإني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح بين الذئاب والغنم.

(2/115)


480 - بخة
عن يحيى بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل قال: كانت لي أخت أسن مني فاختلط عقلها فتوحشت فكانت في غرفة في أقصى سطوحنا. فمكثت بذلك بضع عشرة سنة وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الطهور وتفقد الصلوات وربما غلبت على عقلها الأيام فتحفظ ذلك حتى تقضيه.
قال: فبينما أنا نائم ذات ليلة إذا باب بيتي يدق في نصف الليل. فقلت: من هذا؟ قالت: بخة، قلت، أختي؟ قالت: أختك. قلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثرأ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أختاه خير. قالت: خير، أتيت الليلة في منامي فقيل لي: السلام عليك يا بخة. فقلت: وعليك السلام. فقيل لي: إن الله قد حفظ أباك إسماعيل لسلمة بن كهيل جدك، وحفظك لأبيك إسماعيل. فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنة، فإن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد شفعا لك إلى الله عز وجل بحب أبيك وجدك إياهما. فقلت: إن كان لا بد من أن أختار أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنة، والله واسع لا يتعاظمه شيء، إن شاء أن يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. فأذهب الله ما كان بها.
انتهى ذكر أهل الكوفة ولله الحمد.

(2/116)