|
صفة الصفوة
ذكر
المصطفين من أهل البصرة من التابعين ومن بعدهم
من الطبقة الأولى
الأحنف بن قيس
...
ذكر المصطفين من أهل البصرة من التابعين
ومن بعدهم
فمن الطبقة الأولى:
481 - الأحنف بن قيس
يكنى أبا بحر وإنما عرف بالأحنف لأنه ولد أحنف.
عن الحسن، عن الأحنف قال: بينا أنا أطوف بالبيت إذ لقيني رجل من بني
سليم فقال: أبشرك؟ فقلت: بلى. قال: أتذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله
عليه وسلم إلى قومك بني سعد أدعوهم إلى الإسلام، فقلت أنت: ما قال إلا
خيراً ولا أسمع إلا حسناً؟ فإني رجعت وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم
بمقالتك فقال: "اللهم اغفر لأحنف" . قال: فما أنا لشيء أرجى مني لها.
قال أبو معاوية بن هشام لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف بن قيس ما
بلغ؟ قال: إن شئت حدثتك ألفاً وإن شئت حذفت لك الحديث حذفاً. قال:
احذفه لي حذفاً. قال: فإن شئت فثلاثاً، وغن شئت فاثنتين، وإن شئت
فواحدة. قال: ما الثلاث؟ قال: كان لا يشره ولا يحسد ولا يمنع حقاً.
قال: فما الاثنتان؟ قال: كان موقفاً للخير، معصوماً من الشر. قال: فما
الواحدة؟ قال: كان أشد الناس على نفسه سلطاناً.
عن الحسن قال: كانوا يتكلمون عند معاوية والأحنف ساكت.
فقالوا: ما لك لا تتكلم يا أبا بحر؟ قال: أخشى الله إن كذبت وأخشاكم إن
صدقت.
عن سليمان التيمي قال: قال الأحنف بن قيس: ما ذكرت أحداً بسوء بعد أن
يقوم من عندي.
عن سلمة بن منصور، عن مولى لهم كان يصحب الأحنف بن قيس، قال: كنت أصحبه
فكان عامة صلاته بالليل الدعاء. وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه
ثم يقول: حس. ثم يقول: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك
على ما صنعت يوم كذا؟
ـــــــ
481 - هو: الأحنف بن قيس بن معاوية بن معين، الأمير الكبير، العالم
النبيل، أبو بحر، التميمي، أحد من يضرب بحلمه وسؤدده المثل، اسمه:
ضحاك، وقيل: صخر، وشهر بالأحنف لحنف في رجليه، وهو العوج والميل، كان
سيد تميم، أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ووفد على عمر، سير
أعلام النبلاء 5/119.
(2/117)
عن الحسن
قال: قال الأحنف بن قيس: والله ما سمعت كلمة إلا طأطأت لها رأسي لما هو
أعظم منها.
الغلابي قال: حدثني رجل من بني تميم قال: قال الأحنف بن قيس: لا مروءة
لكذوب، ولا راحة لحسود، ولا حيلة لبخيل، ولا سؤدد لسيئ الخلق، ولا إخاء
لملول.
عن مغيرة قال: اشتكى ابن أخي الأحنف إلى الأحنف بن قيس وجع ضرسه فقال
له الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة ما ذكرتها لأحد.
قبيصة قال: قيل للأحنف بن قيس: ألا تأتي الأمراء؟ قال: فأخرج جرة
مكسورة فكبها فإذا كسر. فقال: من كان يجزئه مثل هذا ما يصنع بإتيانهم؟
وقال محمد بن سعد: كان الأحنف صديقاً لمصعب بن الزبير، فوفد عليه
الكوفة ومصعب وإليها يومئذ، فتوفي الأحنف عنده فرئي مصعب في جنازته
يمشي بغير رداء.
أسند الأحنف عن عمر وعلي وأبي ذر وغيرهم.
(2/118)
482 -
أبو عثمان النهدي
واسمه: عبد الرحمن بن مل.
معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: إني لأحسب أبا عثمان كان لا يصيب ذنباً.
كان ليلة قائماً ونهاره صائماً. وإن كان ليصلي حتى يغشى عليه.
حماد بن سلمة عن ثابت قال: كان أبو عثمان إذا دعا ودعونا يقول: والله
لقد استجاب الله عز وجل، قال الله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
غافر: 60.
أدرك أبو عثمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يلقه. وأسند عن
عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي موسى وسلمان أسامة وأبي هريرة في آخرين.
وكان من ساكني الكوفة فلما قتل الحسين عليه السلام تحول إلى البصرة
وقال: لا أسكن بلداً قتل فيه ابن بنت رسول الله، وتوفي بالبصرة في أول
ولاية الحجاج العراق وهو ابن ثلاثين ومائة سنة.
حماد بن سلمة، عن حميد، عن أبي عثمان قال: بلغت نحواً من ثلاثين ومائة
سنة ما من شيء إلا قد عرفت النقص فيه إلا أملي كما هو.
ـــــــ
482 - هو: عبد الرحمن بن مل - بلام ثقيلة والميم مثلثة -أبو عثمان
النهدي - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته مخضرم، من كبار
الثانية، ثقة ثبت عابد، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها، وعاش مائة
وثلاثين سنة، وقيل أكثر.
(2/118)
483 -
حجير بن الربيع العدوي
روى عن عمر بن الخطاب عبد الرحمن عن هلال بن حق قال: كان حجير بن
الربيع يصلي حتى ما يأتي فراشه إلا زحفاً، وما يعدونه من أعبدهم.
ـــــــ
483 - هو: حجير، بالتصغير، ابن الربيع البصري العدوي، يقال: هو أبو
السوار –بتشديد الواو - ثقة من الثالثة.
قال الشيخ شعيب: بل صدوق كما قال الذهبي وهو مقل لم يوثقه سوى ابن حبان
والعجلي، وهما ما تعرف بالتوثيق، له في مسلم حديث واحد متابعة "الحياء
خير كله" التحرير 1/255.
(2/119)
484 -
عامر بن عبد الله
وهو الذي يقال له ابن عبد قيس.
يكنى أبا عمرو. وقيل أبا عبد الله، من بني تميم.
جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: بلغنا أن كعباً رأى عامر بن عبد
قيس فقال: من هذا؟ فقالوا: هذا عامر. فقال: هذا راهب هذه الأمة.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين، منهم: عامر
بن عبد الله، إن كان ليصلي فيتمثل إبليس في صورة حية فيدخل تحت قميصه
حتى يخرج من جيبه فما يمسه. قيل له: ألا تنحى الحية عنك؟ فقال: إني
لأستحيي من الله عز وجل أن أخاف سواه. فقيل له: إن الجنة لتدرك بدون ما
تصنع، وإن النار لتتقى بدون ما تصنع. فقال: والله لأجتهدن. ثم والله
لأجتهدن، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن دخلت النار فبعد جهدي.
فلما احتضر بكى فقيل له: أتجزع من الموت وتبكي؟ فقال: ما لي لا أبكي
ومن أحق بذلك مني؟ والله ما أبكي جزعاً من الموت ولا حرصاً على دنياكم،
ولكني أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء.
وكان يقول: اللهم في الدنيا الهموم والأحزان، وفي الآخرة العذاب
والحساب، فأين الروح والفرح.
ـــــــ
484 - هو: عامر بن عبد قيس، القدوة الولي، الزاهد أبو عبد الله، ويقال:
أبو عمرو التميمي العنبري، البصري، قال العجلي: كان ثقة من عباد
التابعين قارئ، انظر سير أعلام النبلاء 5/66.
(2/119)
عن عبد
الله بن غالب بن عامر بن يساف. قال: سمعت المعلى بن زياد يقول: كان
عامر بن عبد الله قد فرض على نفسه في كل يوم ألف ركعة وكان إذا صلى
العصر جلس وقد انتفخت ساقاه من طول القيام فيقول: يا نفس، بهذا أمرت
ولهذا خلقت، يوشك أن يذهب العناء. وكان يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل
سوء فوعزة ربك لأزحفن بك زحوف البعير ولئن استطعت أن لا يمس الأرض من
زهمك لأفعلن. ثم يتلوى كما تتلوى الحية على المقلى. ثم يقوم فينادي:
اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي.
روى ابن وهب وغيره، يزيد بعضهم على بعض في الحديث، أن عامر بن عبد قيس
كان من أفضل العابدين. ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة يقوم عند طلوع
الشمس فلا يزال قائماً إلى العصر. ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه
فيقول: يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء والله لأعملن بك
عملاً، لا يأخذ الفراش منك نصيباً.
قال: وهبط وادياً يقال له وادي السباع وفي الوادي عابد حبشي يقال له
حممة. فانفرد عامر في ناحية يصليان، لا هذا ينصرف إلى هذا، ولا هذا
ينصرف إلى هذا، أربعين يوماً وأربعين ليلة. إذا جاء وقت الفريضة صليا
ثم أقبلا يتطوعان. ثم انصرف عامر بعد أربعين يوماً إلى حممة فقال: من
أنت يرحمك الله؟ فقال: دعني وهمي. قال: أقسمت عليك. قال: أنا حممة. قال
عامر: لئن كنت أنت حممة الذي ذكر لي لأنت أعبد من في الأرض، فأخبرني عن
أفضل خصلة. قال: إني لمقصر ولولا مواقيت الصلاة تقطع علي القيام
والسجود لأحببت أن أجعل عمري راكعاً، ووجهي مفترشاً حتى ألقاه، ولكن
الفرائض لا تدعني أفعل ذلك فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عامر بن عبد
قيس. قال: إن كنت عامراً الذي ذكر لي فأنت أعبد الناس. فأخبرني بأفضل
خصلة قال: إني لمقصر ولكن واحدة عظمت هيبة الله في صدري حتى ما أهاب
شيئاً غيره، واكتنفه السباع فأتاه منها فوثب عليه من خلفه فوضع يديه
على منكبيه وعامر يتلو هذه الآية {ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ
النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} هود: 103 فلما رأى السبع أنه لا
يكترث له ذهب. فقال حممة: وبالله يا عامر ما هالك ما رأيت؟ قال: إني
لأستحيي من الله عز وجل أن أهاب شيئاً غيره.
قال حممة: لولا أن الله تعالى ابتلانا بالبطن فإذا أكلنا لا بد لنا من
الحدث ما رآني ربي إلا راكعاً أو ساجداً.
(2/120)
وكان يصلي
في اليوم والليلة ثمان مائة ركعة. وكان يقول: إني لمقصر في العبادة
وكان يعاتب نفسه.
المعلى بن إياد القردوسي، عن عامر بن عبد قيس أنه مر بقافلة قد حبسهم
الأسد من بين أيديهم على طريقهم، فلما جاء عامر نزل عن دابته فقالوا:
يا أبا عبد الله إنا نخاف عليك من الأسد. فقال: إنما هو كل من كلاب
الله عز وجل، إن شاء أن يسلطه سلطه وإن شاء أن يكفه كفه. فمشى إليه حتى
أخذ بيديه أذني الأسد فنحاه على الطريق وجازت القافلة. وقال إني
لأستحيي من ربي تبارك وتعالى أن يرى في قلبي أني أخاف من غيره.
محمد بن فضيل بن غزوان قال: أنبأ أبي قال: كان عامر بن عبد قيس يقول:
ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، وكان
إذا جاء النهار قال: أذهب حر النار النوم فما ينام حتى يمسي، وإذا جاء
الليل قال: من خاف أدلج، وعند الصباح يحمد القوم السرى.
سهيل أخو حزم قال: بلغني عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول: أحببت الله
عز وجل حباً سهل علي كل مصيبة ورضاني كل قضية، فما أبالي مع حبي إياه
ما أصبحت عليه وما أمسيت.
سعيد بن ميمون قال: قيل لامرأة عامر بن عبد قيس، يعني خادمته، كيف كانت
عبادة عامر؟ قالت: ما صنعت له طعاماً قط بالنهار، فأكله إلا بالليل،
ولا فرشت له فراشاً بالليل فاضطجع عليه إلا بالنهار.
عن الحسن قال: بعث معاوية إلى عبد الله بن عامر أن انظر إلى عامر بن
عبد قيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وأمهر عنه من بيت
المال.
قال: فأرسل إليه: إن أمير المؤمنين قد كتب إلي أن أحسن إذنك وأكرمك.
قال: يقول فلان أحوج مني إلى ذلك، يعني رجلاً كان أطال الاختلاف إليهم
ولا يؤذن له. وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت وأمهر عنك من بيت
المال. قال: أنا في الخطبة دائب. قال: إلى من؟ قال: إلى من يقبل الفلقة
والتمرة.
قال: ثم أقبل إلى جلسائه وقال: إني سائلكم فأخبروني: هل منكم من أحد
إلا له من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا. قال: هل منكم من أحد إلا لأهله
من قلبه شعبة؟ قالوا:
(2/121)
اللهم لا.
قال: هل منكم من أحد إلا لولده من من قلبه شعبة؟ قالوا: اللهم لا. قال:
فوالذي نفسي بيده لأن تختلف الأسنة في جوانحي أحب إلي من أن أكون هكذا،
أما والله لأجعلن الهم هماً واحداً. قال الحسن: وفعل.
عبد الله بن عياش، مولى بني جشم، عن أبيه، عن شيخ قد سماه، وكان قد
أدرك سبب تسيير عامر بن عبد الله، قال: مر برجل من أعوان السلطان وهو
يجر ذمياً والذمي يستغيث. فأقبل على الذمي فقال: أديت جزيتك؟ قال: نعم.
فأقبل عليه فقال: ما تريد منه؟ قال: أذهب به يكسح دار الأمير. قال:
فأقبل على الذمي فقال: تطيب نفسك له بهذا؟ قال: يشغلني عن صنعتي. قال:
دعه. قال: لا أدعه. قال له: دعه، قال: لا أدعه. قال: فوضع كساءه فقال:
لا يخفر دمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا حي. قال: ثم خلصه منه. قال
فتراقى ذلك حتى كان سبب تسييره.
مالك بن دينار قال: قالت المرأة التي نزل عليها عامر بن عبد الله: مالي
أرى الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: إن ذكر جهنم لا يدعني أن أنام.
عن قتادة قال: سأل عامر بن عبد قيس ربه عز وجل أن يهون عليه الطهور في
الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخار. وسأل ربه أن ينزع شهوة النساء من
قلبه فكان لا يبالي ذكراً لقي أم أنثى؟ وسأل ربه أن يحول بين الشيطان
وبين قلبه في الصلاة، فلم يقدر على ذلك. وقيل له: هذه الأجمة نخاف عليك
منها الأسد. فقال: إني لأستحيي من ربي أن أخشى غيره.
عن المعلى قال: قال عامر بن عبد قيس: أربع آيات من كتاب الله تعالى إذا
ذكرتهن لا أبالي على ما أصبحت وأمسيت {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ
مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ
مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر: 12] {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا
كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 17] و {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ
عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق: 7] {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].
عن مالك بن دينار: عن عامر بن عبد قيس أنه كان يقول: إن أشد أهل الجنة
فرحاً في الجنة أطولهم حزناً في الدنيا.
أبو مسكين الغداني قال: قال عامر بن عبد قيس: من خاف الله أخاف الله
منه كل شيء ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.
(2/122)
عن أبي
المتوكل الناجي قال: قال عامر بن عبد قيس: يا أبا المتوكل؟ قلت: لبيك.
قال: عليك بما يرغبك في الآخرة ويزهدك في الدنيا ويقربك إلى لاله عز
وجل. قلت: ما هو؟ فقالك تقصر عن الدنيا همك وتشحذ إلى الآخرة نيتك،
وتصدق ذلك بفعلك، فإذا كنت كذلك لم يكن شيء أحب إليك من الموت، ولا شيء
أبغض إليك من الحياة. فقلت: يا أبا عبد الله كنت لا أحسبك تحسن مثل
هذا. فقال: كم من شيء كنت أحسنه وددت أني لا أحسنه وما يغني عني ما
أحسن من الخير إذا لم أعمل به.
عن بلال بن سعد أن عامراً كان يشترط على رفقائه أن ينفق عليهم بقدر
طاقته.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: خرج عامر من
البصرة إلى الشام ومعه شكوة فيها ماء يتوضأ منه للصلاة ويشرب منه لبناً
إذا شاء.
يزيد بن نعامة قال: كان عامر بن عبد قيس إذا أصبح قال: اللهم غدا الناس
إلى أسواقهم وأصبح لكل امرئ منهم حاجة وحاجتي إليك يا رب أن تغفر لي.
عن العلاء بن سالم قال: حدثني من صحب عامر بن عبد قيس أربعة أشهر قال:
فما رأيته نام بليل ولا نهار حتى فارقته، وكان له رغيفان قد جعل عليهما
ودكاً فيتسحر بواحد ويفطر بآخر. وكان إذا أصبح علمنا القرآن حتى إذا
أمكنته الصلاة قام يصلي، فلا يزال يصلي حتى يصلي العصر. قال: ثم يعلمنا
القرآن حتى يمسي فإذا صلى المغرب فهي ليلته حتى يصبح.
عن الحسن قال: كان عامر بن عبد قيس إذا صلى الصبح تنحى في ناحية المسجد
فقال: من أقرئه؟ قال: فيأتيه قوم فيقرئهم، حتى إذا طلعت الشمس وأمكنته
الصلاة قام يصلي إلى أن ينتصف النهار ثم يرجع إلى منزله فيقيل، ثم يرجع
إلى المسجد إذا زالت الشمس فيصلي حتى يصلي الظهر، ثم يصلي إلى العصر
فإذا صلى العصر تنحى في ناحية المسجد ثم يقول: من أقرئه؟ قال: فيأتيه
قوم فيقرئهم حتى إذا غربت الشمس صلى المغرب ثم يصلي حتى يصلي العشاء
الآخرة ثم يرجع إلى منزله فيتناول أحد رغيفيه فيأكل ثم يهجع هجعة
خفيفة، ثم يقول. فإذا أسحر تناول رغيفه الآخر فأكله ثم شرب عليه شربة
من ماء ثم يخرج إلى المسجد.
قال خلف: وحدثني بعض أصحابنا قال: كان منصور بن زاذان يفعل هذا كله
ويفضل بخصلة: لا يبيت كل ليلة حتى يبل عمامته بدموعه ثم يضعها.
عن أبي العلاء بن عبد الله بن الشخير قال: أخبرني ابن أخي عامر بن عبد
قيس أن
(2/123)
عامراً
كان يأخذ عطاءه فيجعله في طرف ردائه فلا يلقى أحداً من المساكين يسأله
إلا أعطاه. فإذا دخل إلى أهله رمى به إليهم فيعدونها فيجدونها كما
أعطيها.
عمارة بن عبد الله العنبري، وابنه، وثابت أبو الفضل، قالوا: ما رأينا
عامر بن عبد قيس متطوعاً في مسجدهم قط.
قال وكان آخر من يدخل المسجد، وأول من يخرج منه.
عبد الله بن الشخير قال: كنا نأتي عامر بن عبد الله وهو يصلي في مسجده
فإذا رآنا تجوز في صلاته ثم انصرف فقال لنا: ما تريدون؟ وكان يكره أن
يرونه يصلي.
عن سحيم مولى بني تميم، قال: جلست إلى عامر بن عبد الله وه يصلي فتجوز
في صلاته ثم أقبل علي فقال: أرحني بحاجتك فإني أبادر؟ قلت: وما تبادر؟
قال: ملك الموت رحمك الله؟ قال: فقمت عنه وقام إلى صلاته.
عن أبي عبدة العنبري قال: لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض
أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل
هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا له: هل أخذت منه شيئاً؟
فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به فعرفوا أن للرجل شأناً:
فقالوا: من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم
ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى
أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس.
أدرك عامر الصدر الأول، وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكنه
اشتغل بالعبادة عن الرواية.
(2/124)
485 -
أبو العالية الرياحي
واسمه الرفيع. أعتقته امرأة من بني رياح. قال أبو العالية: دخلت المسجد
معها فوافقها الإمام على المنبر فقبضت على يدي فقالت: اللهم أدخره عندك
ذخيرة، اشهدوا يا أهل المسجد أنه سائبة لله. ثم ذهبت فما تراءينا بعد.
عن عاصم قال: كان أبو العالية إذا جلس غليه أكثر من أربعة قام.
ـــــــ
485 - هو: أبو العالية الرياحي –بكسر الراء والتحتانية - اسمه رفيع -
بالتصغير - ابن مهران، ثقة كثير الإرسال من الثانية مات سنة تسعين،
وقيل ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك.
(2/124)
عن ابن
أنس، عن أبي العالية قال: كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام، فأول ما
أتفقده من أمره صلاته، فإن وجدته يقيمها ويتمها أقمت وسمعت منه، وإن
وجدته يضيعها رجعت ولم أسمع منه وقلت: هو لغير الصلاة أضيع.
عن عثمان، عن أبي العالية قال: قال لي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم
لا تعمل لغير الله فيكلك الله عز وجل إلى من عملت له.
خالد بن دينار قال: سمعت أبا العالية قال: كنا نعد من أعظم الذنوب أن
يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه.
سيار بن سلامة قال: دخلت على أبي العالية في مرضه الذي مات فيه فقال:
إن أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل.
أسند أبو العالية عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي
موسى، وأبي هريرة، وابن عباس، في جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، إلا
أنه أرسل الحديث عن بعض هؤلاء وتوفي في شوال سنة تسعين.
أبو خلدة قال: مات أبو العالية في شوال يوم الاثنين سنة تسعين.
(2/125)
486 -
عبد الله بن شقيق البصري
أبو عبد الرحمن سمع من عائشة رضي الله عنها وقال: جاورت أبا هريرة سنة.
وقد روى عن عمر، عن الجريري قال: كان عبد الله بن شقيق مجاب الدعوى،
كانت تمر به السحابة فيقول: اللهم لا تجوز كذا وكذا حتى تمطر. فلا تجوز
ذلك الموضع حتى تمطر.
ـــــــ
486 - هو: عبد الله بن شقيق العقيلي - بالضم - بصري، ثقة فيه نصب من
الثالثة، مات سنة ثمان ومائة.
(2/125)
487 -
الفضيل بن زيد الرقاشي
غزا سبع غزوات في خلافة عمر، وكان من عباد البصرة.
عن عاصم الأحوال، عن فضيل بن زيد الرقاشي، وكان غزا مع عمر سبع غزوات
قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا
تقطع النهار بكيت وكيت فإنه
ـــــــ
487 - هو: حارس الأوقات، وغارس الأقوات، بالتنصل من الحوبات أبو حسان
الفضيل بن زيد الرقاشي، من متقدمي التابعين وعباد أهل البصرة، غزا في
أيام عمر بن الخطاب غزوات، انظر حلية الأولياء 3/122.
(2/125)
488 -
هرم بن حيان العبدي
كان عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قتادة، عن هرم بن حيان قال: ما رأيت كالنار نام هاربها، ولا كالجنة نام
طالبها.
عدي بن أبي عمارة قال: قال هرم بن حيان: ما آثر الدنيا على الآخرة حكيم
ولا عصى الله كريم.
وعن الأصمعي، عن صالح المري قال: قال هرم بن حيان: صاحب الكلام على
إحدى المنزلتين: إن قصر فيه حصر، وإن أغرق فيه أثم.
ابن شوذب قال: قال هرم بن حيان: لو قيل لي إنك من أهل النار لم أترك
العمل لئلا تلومني نفسي فتقول: لم فعلت؟ لم ضيعت؟ وفي رواية أخرى: تقول
لي ألا صنعت؟ ألا فعلت؟.
عن الحسن قال: خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز، فجعلت
أعناق رواحلهما تتخالجان الشجر. فقال هرم لابن عامر أتحب أنك شجرة من
هذه الشجر؟ فقال ابن عامر: لا والله، لما أرجو من ربي عز وجل. فقال
هرم: لكني والله لوددت أني شجرة من هذه الشجر أكلتني هذه الراحلة ثم
قذفتني بعراً ولم أكابد الحساب، يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى
إما إلى الجنة وإما إلى النار، قال الحسن: وكان هرم أفقه الرجلين
وأعلمهما بالله عز وجل.
مطر الوراق قال: بات هرم بن حيان العبدي عند حممة صاحب رسول الله صلى
الله عليه وسلم. قال: فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح. فلما أصبح
قال له هرم: يا حممة ما أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور
فيخرج من فيها.
قال: وبات حممة عند هرم بن حيان فبات ليلته يبكي حتى أصبح فسأله حين
أصبح: ما الذي أبكاك؟ قال: ذكرت ليلة صبيحتها تناثر نجوم السماء
فأبكاني ذاك. قال: وكانا يصطحبان
ـــــــ
488 - هو: هرم بن حيان العبدي، ويقال: الأزدي، البصري، أحد العابدين،
ولي بعض الحروب في أيام عمر وعثمان ببلاد فارس، انظر سير أعلام النبلاء
5/90.
(2/126)
أحياناً
بالنهار فيأتيان سوق الريحان فيسألان الله الجنة ويدعوان ثم يأتيان
الحدادين فيعوذان من النار ثم يتفرقان إلى منازلهما.
عن أبي نضرة أن عمر رضي الله عنه بعث هرم بن حيان على الخيل، فغضب رجل
فأمر به فوجئت عنقه. ثم أقبل على أصحابه فقال: لا جزاكم الله خيراً ما
نصحتموني حين قلت ولا كففتموني عن غضبي، والله لا ألي لكم عملاً. ثم
كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بالرعية فابعث إلي عملك.
عن الحسن قال: مات هرم بن حيان في يوم صائف شديد الحر. فما نفضوا
أيديهم عن قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره فلم تكن أطول منه
ولا أقصر، فرشته حتى روته ثم انصرفت.
عن قتادة قال: أمطر قبر هرم بن حيان من يومه، وأنبت العشب من يومه.
قلت: لا يحفظ لهرم مسند أصلاً.
(2/127)
489 -
صلة بن أشيم العدوي
يكنى أبا الصهباء. ثابت البناني قال: كان صلة بن أشيم يخرج إلى الجبان
فيتعبد فيها فكان يمر عليه شباب يلهون ويلعبون. فيقول لهم: أخبروني عن
قوم أرادوا سفراً فحادوا النهار عن الطريق وباتوا بالليل، متى يقطعون
سفرهم؟ قال: فكان كذلك يمر بهم فيعظهم. فيمر بهم ذات يوم فقال لهم هذه
المقالة. فقال شاب منهم: يا قوم إنه والله ما يعني بهم غيرنا، نحن
بالنهار نلهو وبالليل ننام. ثم اتبع صلة فلم يزل يختلف معه إلى الجبان
ويتعبد معه حتى مات.
حماد بن زيد قال: حدثنا ثابت أن صلة وأصحابه مر بهم فتى يجر ثوبه فهم
أصحاب صلة أن يأخذوه بألسنتهم أخذاً شديداً فقال صلة: دعوني أكفكم
أمره. فقال: يا ابن أخي إن لي إليك حاجة. قال: وما حاجتك؟ قال أن ترفع
إزارك. قال: نعم ونعمى عين. فرفع إزاره. فقال صلة لأصحابه: هذا كان
أمثل مما أردتم، لو شتمتموه لشتمكم.
حماد بن سلمة قال: أنبأ ثابت أن أخاً لصلة بن أشيم مات فجاء رجل وهو
يطعم. فقال: يا أبا الصهباء إن أخاك مات، فقال: هلم فكل قد نعي لنا،
ادن فكل. فقالك والله ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه؟ قال: يقول الله عز
وجل: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} الزمر: 30.
ـــــــ
489 - هو: أبو الصهباء صلة بن أشيم العدوي، المنتصح بكتاب الله المتحبب
إلى عباد الله، كان عند النوازل محتسبا صابرا، وفي الخنادس منتصبا
ذاكرا حلية الأولياء 2/270.
(2/127)
عن معاذة
قالت: كان أبو الصهباء يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفاً.
حماد بن جعفر بن زيد أن أباه أخبره قال: خرجنا في غزاة إلى كابل، وفي
الجيش صلة بن أشيم فنزل الناس عند العتمة. فقلت: لأرمقن عمله فأنظر ما
يذكر الناس من عبادته. فصلى العتمة ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس حتى قلت
هدأت العيون، وثب فدخل غيضة قريباً منه ودخلت في أثره فتوضأ ثم قام
يصلي.
قال: وجاء أسد حتى دنا منه. قال فصعدت في شجرة. قال: فتراه التفت؟ أو
عده جرذاً. حتى سجد فقلت: الآن يفترسه فجلس ثم سلم فقال: أيها السبع
اطلب الرزق من مكان آخر. فولى وإن له لزئيراً تصدع الجبال منه. فما زال
كذلك.
فلما كان عند الصبح جلس فحمد الله عز وجل بمحامد لم أسمع بمثلها إلا ما
شاء الله. ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ
أن يسلك الجنة؟ ثم رجع فأصبح كأنه بات على الحشايا وأصبحت وبي من
الفترة شيء الله به عليم.
قال: فلما دنوا من أرض العدو قال الأمير: لا يشذن أحد من العسكر. قال
فذهبت بغلته بثقلها فأخذ يصلي. فقالوا له: إن الناس قد ذهبوا فمضى ثم
قال: دعوني أصلي ركعتين. فقالوا: الناس قد ذهبوا. قال إنهما خفيفتان.
قال: فدعا ثم قال: اللهم إني أقسم عليك أن ترد بغلتي وثقلها. قال:
فجاءت حتى قامت بين يديه. قال: فلما لقينا العدو وحمل هو وهشام بن عامر
فصنعا بهم طعناً وضرباً وقتلاً.
فكسر ذلك العدو فقالوا: رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟
فأعطوا المسلمين حاجتهم.
عن أبي السليل: أن صلة بن أشيم حدثه قال: كنت أسير على دابة لي إذ جعت
جوعاً شديداً فلم أجد أحداً يبيعني طعاماً وجعلت أتحرج أن أصيب من أحد
من الطريق شيئاً. فبينما أنا أسير حسبت أنه قال: أدعو ربي عز وجل
وأستطعمه. إذ سمعت وجبة من خلفي فالتفت فإذا أنا بمنديل أبيض فنزلت عن
دابتي فأخذت الثوب فإذا فيه دوخلة ملأى رطباً. قال: فأخذته وركبت دابتي
فأكلت منه حتى شبعت وأدركني المساء فنزلت إلى راهب في دير له فحدثته
الحديث. قال: فاستطعمني من الرطب فأطعمته رطباً: ثم إني مررت على ذلك
الراهب فإذا نخلات حسان حمال فقال: إنهن لمن رطباتك التي أطعمتني. وجاء
بالثوب إلى أهله فكانت امرأته تريه الناس.
(2/128)
عن رجل من
بني عدي قال: لما أهديت معاذة إلى صلة أدخله ابن أخيه الحمام ثم أدخله
بيتاً مطيباً فقام يصلي فقامت فصلت. فلم يزالا يصليان حتى برق الفجر.
قال: فأتيته فقلت: أي عم أهديت إليك ابنة عمك الليلة فقمت تصلي
وتركتها؟ فقال: أدخلتني أمس بيتاً أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً
أذكرتني به الجنة، فما زالت فكرتي فيهما حتى أصبحت.
عن جعفر بن زيد العبدي أن صلة بن أشيم قال لمعاذة: ليكن شعارك الموت
فإنك لا تبالين على يسر أصبحت من الدنيا أم على عسر.
عن الحسن قال: مات أخ لنا فصلينا عليه. فلما وضع في قبره ومد عليه
الثوب جاء صلة بن أشيم فأخذ بناحية الثوب ثم نادى: يا فلان ابن فلان:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
قال: فبكى وأبكى الناس.
عن ابن عون قال: قال رجل لصلة بن أشيم: ادع الله عز وجل لي قال: رغبك
الله عز وجل فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا يسكن
إلا إليه ولا يعول في الدين إلا عليه.
عن ثابت البناني: أن صلة بن أشيم كان في مغزى له ومعه ابن له فقال: أي
بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فحمل فقاتل حتى قتل رحمه الله. ثم تقدم
فقتل. فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: مرحباً، إن كنتن
جئتن لتهنئنني فمرحباً بكم وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن.
لقي صلة بن أشيم جماعة من الصحابة، وأسند عن ابن عباس وغيره. وقتل
شهيداً في أول إمرة الحجاج على العراق.
(2/129)
490 -
أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي
ويقال عمران بن تيم.
يوسف بن عطية عن أبيه قال: دخل أبي على أبي رجاء العطاردي فقال: حدثني
أبو رجاء قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونحن على ماء لنا وكان لنا
صنم مدور. فحملناه على قتب وانتقلنا
ـــــــ
490 - هو: عمران بن ملحان – بكسر الميم وسكون اللام بعدها مهملة -
ويقال: ابن تيم، أبو رجاء العطاردي، مشهور بكنيته وقيل غير ذلك في اسم
أبيه، مخضرم، ثقة، معمر، مات سنة خمس ومائة، وله مائة وعشرون سنة.
(2/129)
من ذلك
الماء إلى غيره. فمررنا برملة. فانسل الحجر فوقع في الرمل فغاب فيه.
فلما رجعنا فقذفنا الحجر فرجعنا في طلبه فإذا هو في رمل قد غاب فيه
فاستخرجناه. كان ذلك أول إسلامي فقلت: إن آلهاً لم يمتنع من تراب يغيب
فيه لإله سوء، وإن العنز لتمنع حياءها بذنبها. فرجعنا إلى المدينة وقد
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عمارة المغولي قال: سمعت أبا رجاء يقول: كنا نعمد إلى الرمل فنجمعه
ونحلب عليه فنعبده، وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زماناً ثم
نلقيه.
الجعد أبو عثمان اليشكري قال: سألت أبا رجاء العطاردي قلت: يا أبا رجاء
أرأيت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كانوا يخافون
على أنفسهم النفاق! قال: أما أني أدركت بحمد الله عز وجل منهم صدراً
حسناً. قال أبو عثمان، وكان أدرك عمر بن الخطاب فقال: نعم شديداً نعم
شديداً.
أبو الأشهب قال: كان أبو رجاء يختم بنا في رمضان كل عشرة أيام.
ابن عون قال: سمعت أبا رجاء يقول: ما آسى على شيء أخلفه بعدي إلا أني
كنت أعفر وجهي كل يوم وليلة خمس مرار لربي عز وجل.
أسند أبو رجاء عن عمر وابن عباس، وأم قومه أربعين سنة. وتوفي في خلافة
ابن عبد العزيز.
(2/130)
491 -
إياس بن قتادة التميمي
ابن أخت الأحنف بن قيس عن سلمة بن علقمة قال: اعتم إياس بن قتادة وهو
يريد بشر بن مروان، فنظر في المرآة فإذا بشيبة في ذقنه فقال: افليها يا
جارية. ففلتها فإذا هي بشيبة أخرى. فقال: انظروا من بالباب من قومي
فأدخلوه فأدخلوا عليه فقال: يا بني تميم إني قد كنت وهبت لكم شبيبتي
فهبوا لي شيبتي، ألا أراني حمير الحاجات وهذا الموت يقرب مني. ثم قال:
انقضى العمامة فاعتزل يؤذن لقومه ويعبد ربه ولم يغش سلطاناً حتى مات.
أسند أياس عن قيس بن عباد، وعن أبي بن كعب، وتشاغل بالتعبد عن الرواية.
ـــــــ
491 - هو: المستقبل آثامه، المتدارك أيامه، المستأنس بوحدته، المعتبر
بشيبته، إياس بن قتادة التميمي، انظر حلية الأولياء 3/131.
(2/130)
من الطبقة الثانية
مطرف بن عبد الله بن الشخير
...
ومن الطبقة الثانية "من أهل البصرة":
492 - مطرف بن عبد الله بن الشخير
يكنى أبا عبد الله. سليمان بن المغيرة قال: كان مطرف بن عبد الله إذا
دخل بيته سبحت معه آنية بيته.
ثابت قال: قال مطرف: لو أخرج قلبي في يدي هذه اليسار، وجيء بالخير فجعل
في هذه اليمنى ما استطعت أن أولج قلبي منه شيئاً حتى يكون الله يضعه.
غيلان قال: كان مطرف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل ويغشى
السلطان غير أنك كنت إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرة عين.
عن ثابت البناني قال: كان مطرف يسكن البادية فإذا كان يوم الجمعة يركب
فيجيء إلى الجمعة، قال فمر بمقابر فنعس فرأى أهل القبور على أفواه
القبور، فقالوا: هذا يذهب إلى الجمعة. قال: وتعرفون يوم الجمعة من
غيره؟ قالوا: نعم، ونعرف ما يقول الطير في جو السماء. قال: ما يقول؟
قالوا: يقول سلام سلام ليوم صالح.
عن ثابت البناني. قال: قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا
تصاغرت إلي نفسي، عن ثابت، عن مطرف قال: لأن يسألني ربي عز وجل يوم
القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من أن يقول: لم فعلت.
عن ثابت عن مطرف بن عبد الله أنه كان يقول: يا إخوتاه اجتهدوا في العمل
فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة الله وعفوه كاهنت لنا درجات في الجنة،
وإن يكن الأمر شديداً كما نخاف ونحاذر لم نقل: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا
نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فاطر: 37، نقول قد
عملنا فلم ينفعنا ذلك.
عن خلف بن الوليد عن رجل من بني نهشل. قال: قال مطرف بن عبد الله وهو
بعرفة: اللهم لا ترد الجميع، من أجلي.
ـــــــ
492 - هو: مطرف بن عبد الله بن الشخير – بكسر الشين المعجمة وتشديد
المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم راء - العامري الحرشي -
بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة، أبو عبد الله البعدي، ثقة عابد فاضل، من
الثانية مات سنة خمس وتسعين.
(2/131)
ثابت قال:
مات عبد الله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن
فغضبوا وقالوا: يموت عبد الله ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدهناً؟ قال:
فأستكين لها وقد وعدني ربي تبارك عليها ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي
من الدنيا كلها؟ قال الله عز وجل: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ
مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ،
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُهْتَدُونَ} البقرة فأستكين لها بعد هذا؟
قال ثابت: وقال مطرف: ما من شيء أعطي به في الآخرة قدر كوز من ماء إلا
وددت أنه أخذ مني في الدنيا.
غيلان قال: سمعت مطرفاً يقول: إني وجدت ابن آدم كالشيء الملقى بين يدي
الله تعالى وبين الشيطان، فإن أراد الله أن ينعشه اجتره إليه؛ وإن أراد
به غير ذلك خلى بينه وبين عدوه.
المعلى بن زياد قال: كان إخوان مطرف بن عبد الله عنده، فخاضوا في ذكر
الجنة فقال مطرف: لا أدري ما تقولون؟ حال ذكر النار بيني وبين الجنة.
عن ثابت، عن مطرف، أنه أقبل من مبداه فجعل يسير بالليل فأضاء له سوطه.
عن أبي العلاء، عن مطرف أنه قال: ما أوتي عبد بعد الإيمان أفضل من
العقل وكان مطرف يقول: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم
فاطلبوا نعيماً لا موت فيه.
عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال مطرف بن عبد الله: لو علمت متى
أجلي لخشيت علي ذهاب عقلي، ولكن الله من على عباده بالغفلة عن الموت،
ولولا الغفلة ما تهنأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق.
عن الأعمش قال: قال لي مطرف بن عبد الله: وجدت الغفلة التي ألقاها الله
عز وجل في قلوب الصديقين من خلقه رحمة رحمهم بها، ولو ألقى في قلوبهم
الخوف على قدر معرفتهم به ما هنأهم العيش.
عن أبي العلاء، عن أخيه يعني مطرفاً، قال: إذا استوت سريرة العبد
وعلانيته قال الله عز وجل هذا عبدي حقاً.
محمد بن واسع قال: كان مطرف يقول: اللهم ارض عنا، فإن لم ترض عنا فاعف
عنا، فإن المولى قد يعفو عن عبده وهو عنه غير راض.
(2/132)
عن سكين
بن عبد العزيز، عن أبيه عن مطرف قال: إذا دخلتم على المريض فإن استطعتم
أن يدعو لكم، فإنه قد حرك.
سفيان قال: قال مطرف: إن أقبح ما طلب به الدنيا عمل الآخرة.
عن حميد بن هلال قال: كان بين مطرف وبين رجل من قومه شيء، فكذب على
مطرف. فقال له مطرف: إن كنت كاذباً فعجل الله حتفك. فمات الرجل مكانه
قال: فاستعدي أهله زياداً على مطرف، فقال لهم زياد: هل ضربه؟ هل مسه
بيده؟ فقالوا: لا. فقال: دعوة رجل صالح وافقت قدراً. فلم يجعل لهم
شيئاً.
أبو بكر السهمي قال: حدثني شيخ لنا يكنى أبا بكر أن مطرف بن الشخير قال
لبعض إخوانه: يا فلان إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني فيها ولكن اكتبها في
رقعة ثم ادفعها إلي فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال. وقال الشاعر:
لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موت ولكن ذا ... أشد من ذاك لذل السؤال
وقال أيضاً:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضاً وإن نال الغنى بسؤال
وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال
فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلاً ... فابذله للمتكرم المفضل
عن غيلان قال: كان مطرف يقول: كأن القلوب ليست منا وكأن الحديث يعنى به
غيرنا.
أسند مطرف عن عثمان بن عفان، وعلي، وأبي بن كعب، وأبي ذر، وأبيه عبد
الله بن الشخير، في آخرين. وتوفي في ولاية الحجاج العراق بعد الطاعون
الجارف. وكان الطاعون سنة سبع وثمانين في خلافة الوليد بن عبد الملك.
وكان مطرف أكبر من الحسن البصري بعشرين سنة.
(2/133)
493 -
صفوان بن محرز المازني
من بني تميم عن الحسن عن صفوان بن محرز قال: إذا أكلت رغيفاً أشد به
صلبي، وشربت كوز ماء فعلى الدنيا وأهلها العفاء.
ـــــــ
493 - هو: صفوان بن محرز بن زياد المازني، أو الباهلي، ثقة عابد من
الرابعة، مات سنة أربع وسبعين.
(2/133)
المعلى بن
زياد القردوسي قال: كان لصفوان بن محرز سرب يبكي فيه، وكان يقول: قد
أرى مكان الشهادة لو تشايعني نفسي.
عن الحسن قال: لقيت أقواماً كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما
حرم الله عليكم، ولقد لقيت أقواماً كانوا من حسناتهم أشفق أن لا تقبل
منهم من سيآتكم. ولقد صحبت أقواماً كان أحدهم يأكل على الأرض وينام على
الأرض، منهم صفوان بن محرز المازني.
وكان يقول: إذا أويت إلى أهلي وأصبت رغيفاً أكلته فجزى الله الدنيا عن
أهلها شراً. والله ما زاد على رغيف حتى فارق الدنيا، يظل صائماً ويفطر
على رغيف ويشرب عليه من الماء حتى يتروى ثم يقوم فيصلى حتى يصبح، فإذا
صلى الفجر أخذ المصحف فوضعه في حجره يقرأ حتى يترجل النهار، ثم يقوم
فيصلي حتى ينتصف النهار، فإذا انتصف النهار رمى بنفسه على الأرض فنام
إلى الظهر فكانت تلك نومته حتى فارق الدنيا. فإذا صلى الظهر قام فصلى
إلى العصر، فإذا صلى العصر وضع المصحف في حجره فلا يزال يقرأ حتى تصفر
الشمس.
عن الحسن قال: كان لصفوان بن محرز سرب لا يخرج منه إلا للصلاة.
غيلان بن جرير قال: كانوا يجتمعون، صفوان وإخوانه، فيتحدثون فلا يرون
تلك الرقة. فيقولون: يا صفوان حدث أصحابك. قال فيقول: الحمد لله فيرق
القوم وتسيل دموعهم، كأنها أفواه المزاد.
ثابت البناني قال: أخذ عبيد الله بن زياد ابن أخ لصفوان بن محرز فحبسه
في السجن. فلم يدع صفوان شريفاً بالبصرة يرجو منفعته إلا تحمل به عليه.
فلم ير لحاجته نجاحاً. فبات في مصلاه حزيناً. قال: فهوم من الليل فإذا
آت قد أتاه في منامه فقال: يا صفوان قم فاطلب حاجتك من جهتها. قال:
فانتبه فزعاً فقام فتوضأ ثم صلى ثم دعا. فأرق ابن زياد فقال: علي بابن
أخي صفوان بن محرز. فجاء بالحرس وجيء بالنيران ففتحت تلك الأبواب
الحديد في جوف الليل، فقال: ابن أخي صفوان أخرجوه فإني منعت من النوم
منذ الليلة، فأخرج فأتي به ابن زياد فقال: انطلق بلا كفيل ولا شيء. فما
شعر صفوان حتى ضرب عليه ابن أخيه بابه. قال صفوان: من هذا؟ قال: أنا
فلان. قال: أي ساعة هذه الساعة؟ فحدثه الحديث.
(2/134)
أسند
صفوان عن ابن عمر، وأبي موسى، وعمران بن حصين، وحكيم بن حزام، في
آخرين. وتوفي بالبصرة في ولاية بشر بن مروان.
(2/135)
494 -
أبو الحلال العتكي
اسمه زرارة بن ربيعة، من الأزد. عبيد الله بن ثور قال: حدثتني أمي عن
عمتها العيناء بنت أبي الحلال قالت: كان أبو الحلال فوق غرفة فيأتي بعض
أبوابها فيشرف على شق من ناحية الحي فينادي: يا فلان يا فلان. ثم يقبل
على الشق الآخر فينادي: يا فلان يا فلان. ثم يقبل على الشق الآخر فيقول
مثله، حتى يأتي على كل الأركان الأربعة. قالت: ثم يقول: {هَلْ تُحِسُّ
مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} مريم ثم يقبل على
الصلاة.
ومات يوم مات وهو ابن عشرين ومائة سنة. وكان يقول: اللهم لا تسلبني
القرآن.
وسمع أبو الحلال من عثمان بن عفان رضي الله عنه.
(2/135)
495 -
زرارة بن أوفى الحرشي
من بني الحريش بن كعب، يكنى أبا حاجب. بهز بن حكيم قال: صلى بنا زرارة
بن أوفى في مسجد بني قشير فقرأ {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}
المدثر: 8 فخر ميتاً فحمل إلى داره فكنت فيمن حمله إلى داره.
قال: وكان يقص في داره. وقدم الحجاج وهو يقص في داره.
أبو جناب القصار قال: صلى بنا زرارة بن أوفى الفجر فلما بلغ {فَإِذَا
نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} شهق شهقة فمات. رحمه الله.
أسند زرارة عن جماعة من الصحابة منهم: أبو هريرة، وعمران بن حصين، وابن
عباس. وتوفي فجاءة سنة ثلاث وتسعين من خلافة الوليد بن عبد الملك.
ـــــــ
495 - هو: زرارة -بضم أوله - ابن أوفى العامري، الحرشي - بمهملة وراء
مفتوحتين، ثم معجمة، أبو حاجب، البصري قاضيها ثقة عابد، من الثالثة،
مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين.
(2/135)
496 -
أبو السوار حسان بن حريث العدوي
من بني عدي بن زيد مناة.
عن أبي التياح قال: سمعت أبا السوار يقول: وقرأ هذه الآية: {وَكُلَّ
إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ
ـــــــ
496 - هو: أبو السوار العدوي، بالقلب زوار، وفي الوجه خوار، وبالوصل
فخار، وبالنفس ضرار، انظر حلية الأولياء 2/283.
(2/135)
497 -
خليد بن عبد الله العصري
وعصر بطن من عبد قيس. محمد بن واسع قال: كان خليد العصري يصوم الدهر.
عن قتادة أن خليداً العصري قال: يا إخوتاه هل منكم من أحد لا يحب أن
يلقى حبيبه ألا فأحبوا ربكم وسيروا إليه سيراً كريماً.
عن قتادة عن خليد قال: المؤمن لا تلقاه إلا في ثلاث خلال مسجد يعمره،
أو بيت يستره، أو حاجة لا بأس بها.
عن محمد بن واسع قال: قال خليد العصري: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له
مستعداً. وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً، وكلنا قد أيقن
بالنار وما نرى لها خائفاً فعلى ما تعرجون، وما عسيتم تنظرون؟ الموت؟
فهو أول وارد عليكم من الله بخير أو بشر. فيا إخواتاه سيروا إلى ربكم
سيراً جميلاً.
ـــــــ
497 - هو: الذاكر الفكري، خليد بن عبد الله العصري، كان لمحبوبه ذاكرا،
وإلى مشاهدته ساهرا، انظر حلية الأولياء 2/263.
(2/136)
498 -
مسمون بن سياه
عن كهمس بن عبد الله قال: سمعت ميمون ين سياه - وكان أكبر من الحسن -
يقول: تذاكروا عندي رجلاً من هؤلاء السلاطين فوقعوا فيه ولم أذكر منه
خيراً ولا شراً فانقلبت إلى
ـــــــ
498 - هو: ميمون بن سياه – بكسر
المهملة بعدها تحتانية - البصري أبو بحر، صدوق عابد يخطئ، من الرابعة.
قال الشيخ شعيب: بل ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد فقد ضعفه يحيى
بن معين، وأبو داود، وابن حيان ويعقوب بن سفيان.... التحرير 3/445.
(2/136)
499 -
يزيد بن عبد الله بن الشخير
أخو مطرف. يكنى أبا العلاء. عن بديل بن ميسرة قال: كان مطرف يقول: لأن
أعافى فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر.
وكان أبو العلاء يقول: اللهم أي ذلك كان خيراً لي فعجل لي.
قال أبو صالح العقيلي: كان يزيد يقرأ في المصحف حتى يغشى عليه. قال:
كان يزيد أكبر من الحسن البصري بعشر سنين، وكان مطرف أكبر من يزيد بعشر
سنين، وقد حدث يزيد عن أبيه وغيره. وتوفي بالبصرة سنة إحدى عشرة ومائة.
ـــــــ
499 - هو: يزيد بن عبد بن الشخير –بكسر المعجمة وتشديد المعجمة - أبو
العلاء البصري، ثقة من الثانية، مات سنة إحدى عشرة ومائة، أو قبلها،
وكان مولده في خلافة عمر، فوهم من زعم أن له رؤية.
(2/137)
500 -
الحسن بن أبي الحسن البصري
يكنى أبا سعيد. وكان أبوه من أهل بيسان فسبي فهو مولى الأنصار ولد في
خلافة عمر وحنكه عمر بيده، وكانت أمه تخدم أم سلمة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم، فربما غابت فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به إلى أن تجيء أمه
فيدر عليه ثديها فيشربه. فكانوا يقولون: فصاحته من بركة ذلك.
إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: ما رأيت أطول حزناً من الحسن، وما رأيته
إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.
ـــــــ
500 - هو: الحسن بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه: يسار بالتحتانية
والمهملة، الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرا
ويدلس، قال البزار: كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول:
حدثنا وخطبنا...... هو رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومائة وقد
قارب التسعين.
(2/137)
501 -
أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي
عن عمرو بن دينار قال: أخبرني عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: لو نزل
أهل البصرة
ـــــــ
501 - هو: جابر بن زيد – أبو الشعثاء الأزدي ثم الجوفي - بفتح الجيم
وسكون الواو بعدها فاء - البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه من الثالثة،
مات سنة ثلاث وتسعين وقيل ثلاث ومائة.
(2/139)
عند قول
جابر بن زيد لأوسعهم عما في كتاب الله عز وجل علماً. وقال عمرو: وما
رأيت أحداً أعلم من أبي الشعثاء.
عن صالح الدهان، عن جابر بن زيد قال: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة
تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن.
فرأيت الحج أفضل من ذلك كله.
عن صالح الدهان أ، جابر بن زيد كان لا يماكس في ثلاث: في الكراء إلى
مكة، وفي الرقبة يشتريها للعتق، وفي الأضحية. وكان لا يماكس في كل شيء
يتقرب به إلى الله عز وجل.
عن ابن سيرين قال: كان أبو الشعثاء مسلماً عند الدينار والدرهم.
عن مطر الوراق، عن جابر بن زيد قال: لأن أتصدق بدرهم على يتيم أو مسكين
أحب إلي من حجة بعد حجة الإسلام.
وأسند أبو الشعثاء عن ابن عمر وابن عباس. وتوفي سنة ثلاث ومائة.
(2/140)
502 -
أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي
عن أيوب، عن أبي قلابة قال: أي رجل أعظم أجراً من رجل ينفق على عيال له
صغار يعفهم الله به ويغنيهم.
عن صالح بن رستم قال: قال أبو قلابة: إذا أحدث الله عز وجل لك علماً
فأحدث له عبادة ولا يكن همك ما يحدث به الناس. قال: وقال لي: الزم سوقك
فإن الغنى من العافية.
حميد الطويل، عن أبي قلابة قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له
العذر جهدك، فإن لم تجد له عذراً فقل في نفسك: لعل لأخي عذراً لا
أعلمه.
عثمان بن الهيثم قال: كان رجل بالبصرة من بني سعد، وكان قائداً من قواد
عبيد الله بن زياد فسقط على السطح فانكسرت رجلاه. فدخل عليه أبو قلابة
يعوده فقال له: أرجو أن تكون لك خيرة. فقال له: يا أبا قلابة وأي خير
في كسر رجلي جميعاً؟ فقال: ما ستر الله عليك أكثر.
ـــــــ
502 - هو: عبد الله بن زيد بن عمرو الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل
كثير الإرسال، قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة، مات بالشام هاربا
من القضاء سنة أربع ومائة وقيل: بعدها.
(2/140)
فلما كان
بعد ثلاث ورد عليه كتاب ابن زياد أن يخرج فيقاتل الحسين. فقال للرسول:
قد أصابني ما ترى فما كان إلا سبعاً حتى وافى الخبر بقتل الحسين. فقال
الرجل: رحم الله أبا قلابة لقد صدق، إنه كان خيرة لي.
عن أيوب قال: مرض أبو قلابة بالشام، فأتاه عمر بن عبد العزيز يعوده
فقال: يا أبا قلابة تشدد لا تشمت بنا المنافقون.
أسند أبو قلابة عن أنس وغيره من الصحابة. ومات بالشام سنة أربع أو خمس
ومائة.
(2/141)
503 -
مسلم بن يسار
يكنى أبا عبد الله. مولى طلحة بن عبيد الله التيمي. كذا قال ابن سعد.
وقال البخاري ومسلم بن الحجاج هو مولى بني أمية. وقال أبو بكر الخطيب:
مولى عثمان بن عفان.
ميمون بن جابان قال: ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتاً في صلاته قط، خفيفة
ولا طويلة. لقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدته وإنه لفي
المسجد في صلاة فما التفت.
عبد الجبار بن النضر السلمي قال: حدثني رجل من آل محمد بن سيرين قال:
رأيت مسلم بن يسار رفع رأسه من السجود في المسجد الجامع فنظرت إلى موضع
سجوده كأنه قد صب فيه الماء من كثرة دموعه.
جعفر بن حيان قال: ذكر لمسلم بن يسار قلة التفاته في الصلاة فقال: وما
يدريكم أين قلبي؟.
عن ابن شوذب قال: كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في
بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم.
عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: كان مسلم إذا دخل
المنزل سكت أهل البيت فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا.
ابن عون قال: رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا
على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب ولا يتروح على رجل.
ـــــــ
503 - هو: مسلم بن يسار البصري، نزيل مكة، أبو عبد الله الفقيه ويقال
له: مسلم سكرة، ومسلم المصبح، ثقة عابد من الرابعة مات سنة مائة أو
بعدها بقليل.
(2/141)
عن حبيب
بن الشهيد أن مسلم بن يسار كان قائماً يصلي فوقع حريق إلى جنبه فما شعر
به حتى طفئت النار.
عبد الحميد بن عبد الله بن مسلم بن يسار قال: حدثني أبي قال: رأيت
مسلماً وهو ساجد، وهو يقول في سجوده: متى ألقاك وأنت عني راض؟ ويذهب في
الدعاء ثم يقول: متى ألقاك وأنت عني راض.
عن ابن عون قال: كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة.
ابن المبارك قال: قال مسلم بن يسار لأصحابه يوم التروية: هل لكم في
الحج؟ فقالوا خرف الشيخ. وعلى ذلك لنطيعه. قال: من أراد ذلك فليخرج
فخرجوا إلى الجبان برواحلهم فقال: خلوا أزمتها. فأصبحوا وهم ينظرون إلى
جبال تهامة.
سليمان بن المغيرة قال: جاء مسلم بن يسار إلى دجلة وهي تقذف بالزبد،
فمشى على الماء ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون شيئاً؟.
لقي مسلم بن يسار جماعة من الصحابة. وتوفي في سنة مائة أو إحدى ومائة
في خلافة عمر بن عبد العزيز.
مالك بن دينار قال: رأيت أبا عبد الله مسلم بن يسار في منامي بعد موته
بسنة؛ فسلمت عليه فلم يرد السلام فقلت: ما يمنعك أن ترد علي السلام؟
فقال: أنا ميت فكيف أرد عليك السلام؟ قال: قلت له فماذا لقيت بعد
الموت؟ قال: فدمعت عينا مالك عند ذلك وقال: لقيت والله أهوالاً عظاماً
شداداً. قال فقلت: فما كان بعد ذلك؟ قال: وما تراه يكون من الكريم؟ قبل
منا الحسنات وعفا لنا عن السيئات وضمن عنا التبعات.
قال: ثم شهق مالك شهقة خر مغشياً عليه. قال: فلبث بعد ذلك أياماً
مريضاً من غشيته ثم مات فيرون أنه انصدع قلبه فمات رحمه الله.
(2/142)
504 -
محمد بن سيرين
يكنى أبا بكر، مولى أنس بن مالك. كاتبه أنس. وقال ابن عائشة: كان سيرين
من أهل جرجرايا وكان يعمل قدور النحاس، فجاء إلى عين التمر يعمل بها
فسباه خالد بن الوليد.
ـــــــ
504 - هو: محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري ثقة
عابد كبير القدر كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة عشر
ومائة.
(2/142)
عن عبيد
الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك قال: هذه مكاتبة سيرين عندنا: هذا ما
كاتب عليه أنس بن مالك فتاه شيرون على كذا وكذا ألفاً، وعلى غلامين
يعملان عليه.
بكار بن محمد قال: حدثني أبي أن أم محمد بن سيرين صفية مولاة أبي بكر
بن أبي قحافة طيبها ثلاث من أزواج رسول الله ودعوته لها، وحضر إملاكها
ثمانية عشر بدرياً منهم أبي بن كعب يدعو، وهم يؤمنون.
قال بكار: وأنبأ ابن عون قال: كان محمد بن سيرين إذا حدث كأنه يتقي
شيئاً، كأنه يحذر شيئاً.
جرير بن حازم قال: سمعت محمد بن سيرين يحدث رجلاً فقال: ما رأيت الرجل
الأسود، ثم قال: أستغفر الله ما أراني إلا قد اغتبت الرجل.
عن ابن عون قال: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره محمد بأحسن
ما يعلم.
طوق بن وهب قال: دخلت على محمد بن سيرين وقد اشتكيت. فقال: كأني أراك
شاكياً. قلت: أجل. قال: اذهب إلى فلان الطبيب فاستوصفه، ثم قال: اذهب
إلى فلان فإنه أطب منه. ثم قال: أستغفر الله أراني قد اغتبته.
عاصم الأحول قال: سمعت مورقاً العجلي يقول: ما رأيت رجلاً أفقه في ورعه
ولا أورع في فقهه من محمد ابن سيرين.
قال: وقال أبو قلابة: اصرفوه حيث شئتم فلتجدنه أشدكم ورعاً وأملككم
لنفسه.
عن أيوب قال: قال أبو قلابة: وأينا يطيق ما يطيق محمد بن سيرين؟ يركب
مثل حد السنان.
أبو عوانة قال: رأيت محمد بن سيرين يمر في السوق فيكبر الناس.
قال خلف: كان محمد بن سيرين قد أعطي هدياً وسمتاً وخشوعاً فكان الناس
إذا رأوه ذكروا الله.
بسطام بن مسلم قال: كان محمد بن سيرين إذا مشى معه رجل قام وقال: ألك
حاجة؟ فإن كان له حاجة قضاها. فإن عاد يمشي معه قام فقال له: ألك
حاجة؟.
عن عاصم قال: لم يكن ابن سيرين يترك أحداً يمشي معه.
حماد عن حبيب عن ابن سيرين قال: إذا أراد الله عز وجل بعبد خيراً جعل
له واعظاً من قلبه يأمره وينهاه.
(2/143)
ابن عون
قال: سمعت محمداً يقول في شيء راجعته فيه: إني لم أقل لك ليس به بأس،
إنما قلت لك لا أعلم به بأساً.
الأشعث قال: كان محمد بن سيرين إذا سئل عن شيء من الفقه، الحلال
والحرام، تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان.
عن هشام قال: أوصى أنس بن مالك أن يغسله محمد بن سيرين. فقيل له في
ذلك، وكان محبوساً. فقال: أنا محبوس. قالوا: قد استأذن الأمير فأذن لك
في ذلك. قال: فإن الأمير لم يحبسني إنما حبسني الذي له الحق. فأذن له
صاحب الحق فخرج فغسله.
عن رجاء بن أبي سلمة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: أما ابن سيرين فإنه
لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما.
عن هشام، عن ابن سيرين أنه اشترى بيعاً فأشرف فيه على ثمانين ألفاً
فعرض في قلبه منه شيء فتركه. قال هشام: والله ما هو بربا.
عن السري بن يحيى قال: لقد ترك ابن سيرين ربح أربعين ألفاً في شيء
دخله.
قال سري: فسمعت سليمان التيمي يقول: لقد تركه في شيء ما يختلف فيه أحد
من العلماء.
سعيد بن عامر قال: سمعت هشام بن حسان يقول: ترك محمد بن سيرين أربعين
ألف درهم في شيء ما ترون به اليوم بأساً.
هشام بن حسان يذكره قال: كان ابن سيرين إذا دعي إلى وليمة أو إلى عرس
يدخل منزله فيقول: اسقوني شربة سويق. فيقال له: يا أبا بكر أنت تذهب
إلى الوليمة أو العرس تشرب سويقاً؟ فيقول: إني أكره أن أحمل حد جوعي
على طعام الناس.
عن ابن شوذب قال: كان ابن سيرين يصوم يوماً ويفطر يوماً.
وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدى ولا يتعشى، ثم يتسحر ويصبح صائماً.
موسى بن المغيرة قال: رأيت محمد بن سيرين يدخل السوق نصف النهار يكبر
ويسبح ويذكر الهل عز وجل. فقال له رجل: يا أبا بكر في هذه الساعة؟ قال:
إنها ساعة غفلة.
روى هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين قالت: كان محمد إذا دخل على أمه
لم يكلمها بلسانه كله تخشعاً لها.
(2/144)
عن ابن
عون قال: دخل رجل على محمد وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟ يشتكي
شيئاً؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون إذا كان عند أمه.
عن الربيع، عن ابن سيرين قال: ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم
وتكتم خيره.
عن ابن عون قال: أرسل ابن هبيرة إلى ابن سيرين فأتاه فقال له: كيف تركت
أهل مصرك؟ قال تركتهم والظلم فيهم فاش.
قال ابن عون: كان محمد يرى أنها شهادة يسأل عنها فكره أن يكتمها.
عن جعفر بن مرزوق قال: بعث ابن هبيرة إلى ابن سيرين والحسن والشعبي،
قال: فدخلوا عليه فقال لابن سيرين: يا أبا بكر ماذا رأيت منذ قربت من
بابنا؟ قال رأيت ظلماً فاشياً. قال: فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت
إليه ابن سيرين فقال ابن سيرين: إنك لست تسأل إنما أسأل أنا. فأرسل إلى
الحسن بأربعة آلاف، وإلى ابن سيرين بثلاث آلاف، وإلى الشعبي بألفين.
فأما ابن سيرين فلم يأخذها.
عن جعفر بن أبي الصلت قال: قلت لمحمد بن سيرين: ما منعك أن تقبل من ابن
هبيرة؟ قال: فقال لي: يا أبا عبد الله، أو يا هذا، إنما أعطاني على خير
كان يظنه بي، ولئن كنت كما ظن بي فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما
ظن فبالحري أن لا يجوز لي أن أقبل.
عن ابن عون قال: كان لابن سيرين منازل لا يكريها إلا من أهل الذمة.
فقيل له في ذلك فقال: إذا جاء رأس الشهر رعته وأكره أن أروع مسلماً.
عن عبيد الله بن السري قال: قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حمل
به علي الدين ما هو. قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مفلس.
فحدثت به أبا سليمان الداراني فقال: قلت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون،
وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى؟.
عن عاصم الأحول قال: كان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم،
سبحان الله وبحمده.
عن هشام بن حسان قال: ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو
يصلي.
عن أنس بن سيرين قال: كان لمحمد بن سيرين سبعة أوراد يقرؤها بالليل،
فإذا فاته منها شيء قرأه من النهار.
(2/145)
عن هشام
قال: كان ابن سيرين يحيي الليل في رمضان.
عن دهير قال: كان ابن سيرين إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على حدته.
مهدي قال: كنا نجلس إلى محمد فيحدثنا ونحدثه ويكثر غلينا ونكثر إليه
فإذا ذكر الموت تغير لونه واصفر وأنكرناه وكأنه ليس بالذي كان.
عن ابن عون أن محمد بن سيرين كان إذا نام وجه نفسه.
أبي قال: كان الرجل إذا سال ابن سيرين عن الرؤيا قال: اتق الله عز وجل
في اليقظة ولا يضرك ما رأيت في المنام، بشر بن عمر قال: حدثتنا أم
عباد، امرأة هشام بن حسان، قالت: نزلنا مع محمد ابن سيرين في الدار،
فكنا نسمع بكاءه بالليل وضحكه بالنهار.
الصقر، يعني ابن حبيب، قال: مر ابن سيرين برآس قد خرج رأساً فغشي عليه.
عن حبيب بن الشهيد قال: كنت أنا وأيوب السختياني عند عمر بن دينار فحلف
ما رأى أحداً أفضل من طاوس. فقال أيوب: لو رأى ابن سيرين لم يحلف.
أسند محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وأبي سعيد،
وعمران ابن حصين، وجندب. وأنس، وأبي هريرة، وأبي بكرة في آخرين.
قال علي بن المديني: لم يحفظ عن زيد بن ثابت شيئاً إلا أنه سمع كلامه.
وتوفي فس سنة عشر ومائة بعد الحسن بمائة يوم، وهو ابن نيف وثمانين سنة.
(2/146)
505 -
بكر بن عبد الله المزني
عن كنانة بن جبل قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك
فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو
أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني، وإذا رأيت
إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم
تقصيراً فقل: هذا ذنب أحدثته.
عن صالح المري قال: وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير، وبكر بن عبد الله
المزني بعرفة فقال مطرف: اللهم لا تردهم اليوم من أجلي. وقال بكر: ما
أشرفه من مقام وأرجاء لأجله لولا أني فيهم.
عن معاوية بن عبد الكريم، عن بكر بن عبد الله قال: كان الرجل من بني
إسرائيل إذا بلغ
ـــــــ
505 - هو: بكر بن عبد الله المزني، أبو عبد الله البصري، ثقة ثبت جليل،
من الثالثة، مات سنة ست ومائة.
(2/146)
المبلغ
فمشى في الناس تظله غمامة. قال: فمر رجل قد أظلته غمامة على رجل فأعظمه
لما رآه لما آتاه الله عز وجل. قال: فاحتقره صاحب الغمامة، أو قال كلمة
نحوها، فأمرت أن تتحول من رأسه إلى رأس الذي عظم أمر الله عز وجل.
عن حميد قال: كان بكر مجاب الدعوة.
عن إبراهيم بن عيسى قال: قال بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن
آدم؟ خلي بينك وبين المحراب والماء. كلما شئت دخلت على الله عز وجل ليس
بينك وبينه ترجمان.
عن حصين عن بكر بن عبد الله المزني قال: لا يكون العبد تقياً حتى يكون
تقي الطمع، تقي الغضب.
المفضل بن غسان عن أبيه قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيتم الرجل
موكلاً بعيوب الناس ناسياً لعيبه فاعلموا أنه قد مكر به.
مسمع بن عاصم قال: حدثني رجل من آل عاصم الجحدري قال: رأيت عاصماً
الجحدري بعد موته بسنتين فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى. فقلت: أين أنت؟
قال: أنا والله في روضة من رياض الجنة أنا وتفر من أصحابي نجتمع كل
ليلة جمعة وصبيحتها إلى بكر بن عبد الله المزني فنتلاقى في أخباركم،
قال: قلت أجسامكم أم أرواحكم؟ قال: هيهات بليت الأجسام وإنما تتلاقى
الأرواح.
أسند بكر عن ابن عمر، وجابر، وأنس، وعبد الله بن مغفل، ومعقل بن يسار،
وغيرهم. وتوفي في سنة ثمان، ويقال: سنة ست ومائة.
(2/147)
506 -
مورق بن المشمرج العجلي
يكنى أبا المعتمر.
عن هشام عن مورق قال: ما تكلمت بشيء من الغضب فندمت عليه في الرضا.
عن حفصة بنت سيرين قالت: كان مورق العجلي يأتينا. فسألته عن أهله وولده
فقال: هم والله متوافرون. فقلت: رحمك الله لم تقول هذا؟ قال: إني والله
أخشى أن يحبسوني على هلكة.
وكان يقول: ما في الأرض نفس في موتها لي أجر إلا وددت أنها قد ماتت.
ـــــــ
506 - هو: مورق - بتشديد الراء - ابن مشمرج –بضم أوله وفتح المعجمة
وسكون الميم وكسر الراء بعدها جيم - ابن عبد الله العجلي أبو المعتمر
البصري، ثقة عابد، من كبار الثالثة، مات بعد المائة.
(2/147)
المعلى بن
زياد قال: قال مورق العجلي: ما من أمر يبلغني أحب إلي من موت أحب أهلي
إلي.
عن قتادة أن مورقاً قال: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا مثل رجل في البحر
على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب، لعل الله عز وجل أن ينجيه.
المعلى بن زياد القردوسي قال: قال مورق العجلي: أمر أنا في طلبه منذ
عشرين سنة هم أقدر عليه ولست بتارك طلبه أبداً، قالوا: وما هو يا أبا
المعتمر؟ قال: الصمت عما لا يعنيني.
عن جميل بن مرة قال: مستنا حاجة شديدة، وكان مورق العجلي يأتينا بالصرة
فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم. ثم يمضي غير بعيد فيقول: إن احتجتم إليها
فأنفقوها.
جعفر قال: أنبأنا بعض أصحابنا قال: كان مورق يتجر فيصيب المال فلا يأتي
عليه جمعة وعنده منه شيء، يلقى الأخ فيعطيه أربعمائة، خمسمائة، ثلثمائة
فيقول: ضعها عندك حتى نحتاج إليها. قال: ثم يلقاه بعد ذلك فيقول الأخ:
لا حاجة لي فيها. فيقول: إنا والله ما نحن بآخذيها أبداً فشأنك بها.
عن عاصم أن مورقاً العجلي كان يجد نفقته تحت رأسه.
أسند مورق عن أبي ذر وسلمان وغيرهما وتوفي في ولاية عمر بن هبيرة على
العراق.
(2/148)
507 -
غزوان بن غزوان الرقاشي
وقيل غزوان بن زيد عن الحسن قال: قال غزوان بن زيد الرقاشي: لله علي أن
لا يراني الله ضاحكاً حتى أعلم أي الدارين داري؟.
قال الحسن: فعزم غزوان أن يفعل، فوالله ما رئي ضاحكاً حتى لحق بالله عز
وجل.
عثمان بن عبد الحميد الرقاشي قال: سمعت مشايخنا يذكرون أن غزوان لم
يضحك منذ أربعين سنة. وكان غزوان يغزو فإذا أقبلت الرفاق راجعين
تستقبلهم أمه فتقول لهم: أما تعرفون غزوان؟ فيقولون: ويحك يا عجوز ذاك
سيد القوم.
عبد الواحد بن زيد قال: كان أصحاب غزوان يقولون له: ما يمنعك من مجالسة
إخوانك؟ فيبكي عند ذلك ويقول: إني أصبت راحة قلبي في مجالسة من لديه
حاجتي.
عن هارون بن رئاب أن غزوان كان في بعض مغازيهم فتكشفت جارية فنظر إليها
غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت وقال: إنك للحاظة إلى ما يضرك.
(2/148)
508 -
مذعور
قال: قال مطرف بن عبد الله: إن كان من هذه الأمة أحد ممتحن القلب فإن
مذعوراً ممتحن القلب.
قال سليمان: وأنبأ قتادة قال: قال مطرف إن كان مذعور ليزورنا فيفرح به
أهلنا.
قال سليمان وأنبأ غيلان بن جرير، قال: قال مطرف ما تحب اثنان في الله
إلا كان أشدهما حباً لصاحبه أفضلهما، وأنا لمذعور أشد حباً وهو أفضل
مني، فكيف هذا قال: فلما أمر بالرهط أن يخرجوا إلى الشام أمر مذعور
فيهم. قال فلقيني وأخذ بلجام دابتي فجعلت كلما أردت أن أنصرف يحبسني.
فقلت: إن المكان بعيد. فجعل يحبسني فقلت: أنشدك الله إلا تركتني فلم
تحبسني؟ فلما ناشدته قال كليمة يخفيها جهده مني: اللهم فيك، فعرفت أنه
أشد حباً لي مني له.
(2/149)
509 -
العلاء بن زياد بن مطر العدوي
عن أوفى بن دلهم قال: كان للعلاء بن زياد مال ورقيق فأعتق بعضهم وباع
بعضهم وأمسك غلاماً أو اثنين يأكل غلتهما فتعبد فكان يأكل كل يوم
رغيفين، وترك مجالسة الناس فلم يكن يجالس أحداً، يصلي في جماعة ثم يرجع
إلى أهله ويجمع ثم يرجع إلى أهله، ويشيع الجنازة ويعود المرضى، ثم يرجع
إلى أهله فطفئ فبلغ ذلك إخوانه فاجتمعوا فأتاه أنس بن مالك والحسن
والناس وقالوا: رحمك الله أهلكت نفسك لا يسعك هذا. فكلموه وهو ساكت،
حتى إذا فرغوا من كلامهم قال: إنما أتذلل لله عز وجل لعله يرحمني.
عن حميد بن هلال قال: دخلت مع الحسن على العلاء بن زياد العدوي نعوده
وقد سله الحزن، وكانت له أخت يقال لها شادة تندف تحته القطن غدوة
وعشية. فقال له الحسن: كيف أنت يا علاء؟ فقال: واحزناه على الحزن. فقال
الحسن: قوموا، فإلى هذا والله انتهى استقلال الحزن.
هشام بن زياد، أخو العلاء بن زياد، قال: كان العلاء بن زياد يحيي كل
ليلة جمعو. قال: وجد ليلة فترة فقال لامرأته أسماء: إني أجد فترة فإذا
مضى كذا وكذا، فأيقظيني. قالت:
ـــــــ
509 - هو: العلاء بن زياد بن مطر العدوي، أبو نصر البصري، أحد العباد،
ثقة، من الرابعة، مات سنة أربع وتسعين.
(2/149)
نعم.
فأتاه آت في منامه فأخذ بناصيته فقال: يا بن زياد قم فاذكر الله عز وجل
يذكرك. قال: فقام فما زالت تلك الشعرات التي أخذ بها منه قائمة حتى
مات.
قتادة، عن العلاء بن زياد قال: إنما نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار،
فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا.
عن قتادة قال: حدثنا العلاء بن زياد أن رجلاً كان يرائي بعمله فجعل
يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ فجعل لا يأتي على أحد إلا سبه ولعنه. ثم
رزقه الله تعالى يقيناً بعد ذلك فخفض من صوته وجل صلاته فيما بينه وبين
ربه عز وجل، فجعل لا يأتي بعد ذلك على أحد إلا دعا له بخير.
عن قتادة قال: كان العلاء بن زياد يقول: لينزل أحدكم نفسه أنه قد حضره
الموت فاستقال ربه عز وجل فأقاله فليعمل بطاعة الله عز وجل.
عن قتادة قال: كان زياد بن مطر العدوي قد بكى حتى عمي، وبكى ابنه
العلاء بن زياد بعده حتى عشي بصره، وكان إذا أراد أن يتكلم أو يقرأ
أجهشه البكاء.
جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يسأل هشام بن حسان العدوي عن هذا الحديث،
فحدثناه يومئذ قال: تجهز رجل من أهل الشام وهو يريد الحج فنام فأتاه آت
في منامه فقال له: ائت العراق، ثم ائت البصرة، ثم ائت بني عدي فأت
العلاء بن زياد فإنه رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة. قال
فقال: رؤيا ليست بشيء. قال: حتى إذا كانت الليلة الثانية رقد فأتاه آت
فقال: ألا فأتي العراق؟ ثم تأتي البصرة ثم تأتي بني عدي فتلقى العلاء
بن زياد؟ رجل ربعة أقصم الثنية بسام فبشره بالجنة، قال: فأصبح فأعد
جهازه إلى العراق فلما خرج من البيوت إذا الذي أتاه في منامه يسير بين
يديه يراه ما سار فإذا نزل فقده فلم يزل يراه حتى دخل الكوفة ثم فقده،
قال: فتجهز من الكوفة فخرج فرآه يسير بين يديه حتى قدم البصرة فأتى بني
عدي فوقف على باب العلاء فسلم، قال هشام: فخرجت إليه فقال لي: أنت
العلاء بن زياد؟ قلت: لا، إنزل رحمك الله فتضع رحلك ومتاعك، قال: لا.
أين العلاء بن زياد؟ قال: قلت: هو في المسجد. قال: وكان العلاء يجلس في
المسجد يدعو بدعوات ويتحدث، قال هشام: فأتيت العلاء فخفف من حديثه وصلى
ركعتين ثم جاء فلما رآه العلاء تبسم فبدت ثنيته فقال: هذا والله صاحبي.
قال: فقال العلاء: هلا حططت رحل الرجل؟ ألا أنزلته؟ قلت: قد قلت له
فأبى. فقال
(2/150)
العلاء:
انزل رحمك الله. قال: فقال أخلني. قال لدخل العلاء منزله وقال: يا
أسماء تحولي إلى البيت الآخر. قال: فتحولت ودخل الرجل فبشره برؤياه ثم
خرج فركب وقام العلاء فأغلق بابه فبكى ثلاثة أيام، أو قال سبعة أيام،
لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً ولا يفتح بابه.
قال هشام: فسمعته يقول في خلال بكائه: أنا أنا؟ قال: فكنا نهابه أن
نفتح بابه، وخشيت أن يموت. فأتيت الحسن فذكرت ذلك له وقلت: لا أراه إلا
ميتاً لا يأكل ولا يشرب باكياً، فجاء الحسن حتى ضرب عليه بابه وقال:
افتح يا أخي. قال: فلما سمع كلام الحسن قام ففتح بابه وبه من الضر شيء
الله به عليم. فكلمه الحسن ثم قال: رحمك الله ومن أهل الجنة إن شاء
الله. أفقاتل نفسك أنت؟.
قال هشام: حدثنا العلاء، أخي، لي وللحسن بالرؤيا وقال: لا تحدثوا بها
ما كنت حياً.
أسند العلاء عن عمران بن حصين وأبي هريرة، وأرسل عن معاذ بن جبل وأبي
ذر وعبادة بن الصامت وتوفي في ولاية الحجاج على العراق.
(2/151)
510 -
معاوية بن قرة بن إياس
يكنى أبا إياس عن تمام بن نجيح، عن معاوية بن قرة قال: أدركت سبعين
رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو خرجوا فيكم اليوم ما
عرفوا شيئاً مما أنتم عليه إلا الأذان.
روح قال: أنبأ الحجاج بن الأسود أن معاوية بن قرة قال: من يدلني على
بكاء بالليل بسام بالنهار.
عون بن موسى قال: حدثنا معاوية بن قرة قال: كنا عند الحسن فتذاكرنا أي
العمل أفضل؟ فكلهم اتفقوا على قيام الليل فقلت أنا: ترك المحارم فانتبه
لها الحسن فقال: تم الأمر، تم الأمر.
عن عبد الله بن ميمون البصري قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن الله عز
وجل يرزق العبد رزق شهر في يوم واحد فإن أصلحه أصلح الله على يديه وعاش
هو وعياله بقية شهرهم بخير، وإن هو أفسده أفسد الله تعالى على يديه
وعاش هو وعياله بقية شهرهم بشر.
مسلم قال: لقيني معاوية بن قرة وأنا جاء من الكلأ فقال لي: ما صنعت؟
فقلت: اشتريت
ـــــــ
510 - هو: معاوية بن قرة بن إياس بن هلال المزني، أبو إياس البصري، ثقة
من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة، وهو ابن ست وسبعين سنة.
(2/151)
لأهلي كذا
وكذا. قال: وأصبت من حلال؟ قلت: نعم. قال: لأن أغدو فيما غدوت به أحب
إلي من أن أقوم الليل وأصوم النهار.
عن خليد بن دعلج قال: سمعت معاوية بن قرة يقول: إن القوم ليحجون
ويعتمرون ويجاهدون ويصلون ويصومون، وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر
عقولهم.
أسند معاوية عن أبيه، وعن أنس بن مالك: ومعقل بن يسار، وابن عباس.
(2/152)
511 -
أبو الجوزاء أوس بن خالد الربعي
هشام قال: حدثني أبي عن أبي الجوزاء قال: صحبت ابن عباس ثنتي عشرة سنة
ما بقي من القرآن آية إلا سألته عنها. وفي رواية: جاورت ابن عباس ثنتي
عشرة سنة في داره.
سليمان الربعي قال: كان أبو الجوزاء يواصل في الصوم بين سبعة أيام ثم
يقبض على ذراع الشاب فيكاد يحطمها.
أسند أبو الجوزاء عن ابن عباس وعائشة وغيرهما. وخرج مع ابن الأشعث فقتل
أيام الجماجم في ثلاث وثمانين.
ـــــــ
511 - هو: أوس بن عبد الله الربعي –بفتح الموحدة - أبو الجوزاء بالجيم
والزاي، بصري، يرسل كثيرا، ثقة من الثالثة مات سنة ثلاث وثمانين.
(2/152)
512 -
طلق بن حبيب العنزي
عن الحجاج بن زيد قال: كان طلق بن حبيب يقول: إني لأحب أن أقوم لله حتى
أشتكي ظهري. فيقوم فيبتدئ بالقرآن حتى يبلغ "الحجر" ثم يركع.
روى طلق عن ابن عباس وجابر بن عبد الله.
ـــــــ
512 - هو: طلق بن حبيب العنزي - بفتح المهملة والنون - بصري صدوق عابد
رمي بالإرجاء، من الثالثة، مات بعد التسعين.
(2/152)
الطبقة الثالثة
قتادة بن دعامة السدوسي
...
ومن الطبقة الثالثة من أهل البصرة:
513 - قتادة بن دعامة السدوسي
يكنى أبا الخطاب.
معمر قال: سمعت قتادة يقول: ما سمعت أذناي شيئاً قط إلا وعاه قلبي.
سلام بن أبي مطيع، عن قتادة أنه كان يختم القرآن في كل سبع ليال مرة،
فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
عن مطر، عن قتادة قال: من يتق الله يكن الله معه، ومن يكن الله عز وجل
معه فمعه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا
يضل.
سعيد بن بشير، عن قتادة قال: إن في الجنة كوى إلى النار فيطلع أهل
الجنة من تلك الكوى إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء؟ وإنما دخلنا
الجنة بفضل تأديبكم! فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا
ننتهي.
شهاب بن خراش، عن قتادة قال: باب من العلم، يحفظه الرجل يطلب به صلاح
نفسه وصلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل.
أسند قتادة عن أنس وعبد الله بن سرجس وحنظلة الكاتب وأبي الطفيل في
آخرين. وكان يرسل الحديث عن الشعبي ومجاهد وسعيد بن جبير والنخعي وأبي
قلابة ولم يسمع منهم. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة.
ـــــــ
513 - هو: قتادة بن دعامة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال:
ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة.
(2/153)
514 -
حميد بن هلال العدوي
يكنى أبا نصر عن قتادة قال: كان حميد بن هلال من العلماء الفقهاء، ولم
يكن يذاكر ولا يسأل؛ إنما كان يعتذر في مكان.
موسى بن إسماعيل قال: سمعت أبا هلال يقول: سمعت قتادة يقول: ما كان
بالمصرين أعلم من حميد ما أستثني الحسن ولا محمداً.
ـــــــ
514 - هو: حميد بن هلال العدوي، أبو نصر البصري، ثقة عالم، توقف فيه
ابن سيرين لدخوله في عمل السلطان، من الثالثة.
(2/153)
عن الجلد
بن أيوب عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل إذا دخل الجنة فصور
صورة أهل الجنة وألبس لباسهم وحلي حلاهم ورأى أزواجه وخدمه ومساكنه في
الجنة يأخذه سوار فرح، لو كان ينبغي أن يموت لمات فرحاً. فيقال له:
أرأيت سوار فرحتك هذه؟ فإنها قائمة لك أبداً.
(2/154)
ثابت بم مسلم البناني
...
515 - ثابت بن مسلم البناني
يكنى أبا محمد عن بكر بن عبد الله قال: من سره أن ينظر إلى أعبد رجل
أدركناه في زمانه فلينظر إلى ثابت البناني، فما أدركنا الذي هو أعبد
منه، تراه في يوم معمعاني بعيد ما بين الطرفين يظل صائماً ويراوح ما
بين جبينه وقدمه.
عمرو بن محمد بن أبي رزين قال: قال ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين
سنة وتنعمت بها عشرين سنة.
سلام بن مسكين قال: أنبأ ثابت قال: ما دعا الله عز وجل المؤمن بدعوة
إلا وكل بحاجته جبرائيل عليه السلام فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب
أن أسمع صوت عبدي المؤمن، وإن الفاجر يدعو الله عز وجل فيوكل جبرائيل
بحاجته فيقول: يا جبرائيل أعجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت
عبدي الفاجر.
جعفر قال: أنبأ ثابت البناني عن رجل من العباد أنه قال يوماً لإخوانه:
إني لأعلم متى يذكرني ربي عز وجل. قال: ففزعوا من ذلك فقالوا: تعلم حين
يذكرك ربك؟ قال: نعم. قالوا: متى؟ قال: إذا ذكرته ذكرني. قال: وإني
لأعلم حين يستجيب لي ربي عز وجل. قال: فعجبوا من قوله، قالوا: تعلم حين
يستجيب لك ربك؟ قال: نعم. قالوا: وكيف تعلم ذلك؟ قال: إذا وجل قلبي
واقشعر جلدي وفاضت عيني وفتح لي في الدعاء فثم أعلم أن قد استجيب لي.
سهل بن أسلم قال: كان ثابت البناني يصلي كل ليلة ثلاث مائة ركعة، فإذا
أصبح ضمرت قدماه فيأخذهما بيده فيعصرهما ثم يقول: مضى العابدون وقطع بي
والهفاه.
ـــــــ
515 - هو: ثابت بن أسلم، الإمام القدوة شيخ الإسلام، أبو محمد البناني
مولاهم البصري، وأبناؤه هم بنو سعد بن لؤي بن غالب، ويقال: هو بنو سعد
بن ضبيعة بن نزار ولد في خلافة معاوية، سير أعلام النبلاء 6/52، وهو
ثقة عابد من الرابعة مات سنة بضع وعشرين وله ست وثمانون.
(2/154)
عن شعبة
قال: كان ثابت البناني يقرأ القرآن في كل يوم وليلة ويصوم الدهر.
جعفر بن سليمان قال: حدثنا ثابت البناني قال: كان رجل من العباد يقول:
إذا أنا نمت ثم استيقظت ثم أردت أن أعود إلى النوم فلا أنام الله عيني
إذاً. قال جعفر: كنا نراه يعني نفسه.
حميد قال: كنا نأتي أنس بن مالك ومعنا ثابت، فكلما مر بمسجد صلى فيه
فكنا نأتي أنساً فيقول: أين ثابت؟ أين ثابت؟ إن ثابتاً دويبة أحبها.
قال عبد الله: وحدثني أبي قال: بلغني أن أنساً قال لثابت: ما أشبه عينك
بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما زال يبكي حتى عمشت عيناه.
جعفر بن سليمان قال: اشتكى ثابت البناني عينه فقال له الطبيب: اضمن لي
خصلة تبرأ عينك قال: وما هي؟ قال: لا تبك قال: وما خير في عين لا تبكي؟
حماد بن زيد قال: رأيت ثابتاً البناني يبكي حتى تختلف أضلاعه.
عن هشام قال: ما رأيت قط أصبر على طول المقام والسهر من ثابت البناني،
صحبناه مرة إلى مكة فكنا إن نزلنا ليلاً فهو قائم يصلي وإلا فمتى شئت
أن تراه أو تحس به مستيقظاً ونحن نسير إما باكياً وإما تالياً.
مبارك بن فضالة قال: كان ثابت البناني يقوم الليل ويصوم النهار.
وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل.
جعفر قال: سمعت ثابتاً يقول: ما تركت في المسجد الجامع سارية إلا وقد
ختمت القرآن عندها وبكيت عندها.
جعفر قال: أخبرنا محمد بن ثابت البناني قال: ذهبت ألقن أبي وهو في
الموت فقلت: يا أبت قل لا إله إلا الله فقال: يا بني خل عني فإني في
وردي السادس أو السابع.
شبان بن جسر عن أبيه قال: أنا، والله الذي لا إله إلا هو، أدخلت ثابتاً
البناني لحده ومعي حميد الطويل أو رجل غيره، شك محمد، قال: فلما سوينا
عليه اللبن سقطت لبنة فإذا أنا به يصلي في قبره. فقلت للذي معي: ألا
ترى؟ قال: اسكت فلما سوينا عليه وفرغنا أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان
عمل ثابت؟ قالت: وما رأيتم؟ فأخبرناها. قالت: كان يقوم الليل خمسين سنة
فإذا كان السحر قال في دعائه: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من خلقك الصلاة
في قبره فأعطنيها. فما كان الله عز وجل ليرد ذلك الدعاء.
(2/155)
إبراهيم
بن الضمة المهلبي قال: حدثني الذين كانوا يمرون بالجص بالأسحار قالوا:
كنا إذا مررنا بجنبات قبر ثابت سمعنا قراءة القرآن.
أسند ثابت عن ابن عمرو وابن الزبير وشداد وأنس في آخرين. وتوفي في
ولاية خالد بن عبد الله على العراق.
(2/156)
516 -
إياس بن معاوية بن قرة المزني
يكنى أبا واثلة. كان قاضياً على البصرة غزير العقل والدين.
داود بن أبي هند قال: قال إياس بن معاوية: كل رجل لا يعرف عيبه فهو
أحمق. قالوا: يا أبا واثلة ما عيبك؟ قال: كثرة الكلام.
عن أبي إسحاق بن حفص بن نوح قال: قيل لإياس بن معاوية: فيك أربع خصال:
دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وتعجيل بالقضاء. قال: أما الدمامة
فالأمر فيها إلى غيري، وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ؟ قالوا:
بصواب. قال: فالإكثار من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفي أفيعجبكم ما
ترون مني؟ قالوا: نعم. قال: فإني أحق أن أعجب بنفسي وأما قولكم إنك
تعجل بالقضاء فكم هذه؟ وأشار بيده خمسة فقالوا: خمسة. فقال: أعجلتم ألا
قلتم واحداً واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة؟ قالوا: ما نعد شيئاً قد
عرفناه. قال: فما أحبس شيئاً قد تبين لي فيه الحكم.
سمع إياس من أبيه وأنس بن مالك وابن المسيب وغيرهم.
ـــــــ
516 - هو: إياس بن معاوية بن قرة بن إياس المزني، أبو واثلة البصري،
القاضي المشهور بالذكاء، ثقة، من الخامسة مات سنة اثنتين وعشرين ومائة.
(2/156)
517 -
أبو عمران عبد الملك.
ابن حبيب الجوني. جعفر بن سليمان الضيعي قال: سمعت أبا عمران الجوني
يقول في قصصه: لا يغرنكم م نربكم عز وجل طول النسيئة وحسن الطلب فإن
أخذه أليم شديد، حتى متى تبقى وجوه أولياء الله بين أطباق التراب؟
وإنما هم محتبسون ببقية آجالكم أيتها الأمة حتى يبعثهم الله عز وجل إلى
جنته وثوابه.
ـــــــ
517 - هو: عبد الملك بن حبيب الأزدي، أو الكندي، أبو عمران الجوني
مشهور بكنيته، ثقة من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين وقيل بعدها.
(2/156)
518 -
بديل بن ميسرة العقيلي
مالك بن ضيغم قال: سمعت بشر بن منصور يقول: بكى بديل العقيلي حتى قرحت
مآقيه. فكان يعاتب في ذلك فيقول: إنما أبكي خوفاً من طول العطش يوم
القيامة.
السري بن يحيى عن بديل العقيلي قال: من أراد بعلمه وجه الله عز وجل
أقبل الله عليه بوجهه وأقبل بقلوب العباد إليه ومن عمل لغير الله عز
وجل أقبل الله عنه وجهه وصرف قلوب العباد عنه.
عن الوليد بن هشام عن بديل العقيلي قال: الصيام معقل العابدين.
سيار قال: قال مهيد بن ميمون: رأيت ليلة مات بديل العقيلي قائلاً يقول:
ألا إن بديلاً أصبح من سكان الجنة.
أسند بديل عن أنس وغيره، وتوفي سنة ثلاثين ومائة.
ـــــــ
518 - هو: بديل - مصغر - العقيلي - بضم العين - ابن ميسرة البصري، ثقة،
من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين، أو ثلاثين.
(2/157)
519 -
أبو ريحانة عبد الله بن مطر
روى عن ابن عمر وسفينة عن فروة الأعمى مولى سعد بن أبي أمية المقري
قال: ركب أبو ريحانة البحر وكان يخيط فيه بإبرة معه فسقطت إبرته في
البحر فقال: عزمت عليك يا رب إلا رددت علي إبرتي. فظهرت حتى أخذها.
قال: واشتد عليهم البحر ذات يوم وهاج فقال: اسكن أيها البحر فإنما أنت
عبد حبشي. فسكت حتى صار كالزيت.
ـــــــ
519 - هو: عبد الله بن مطر، أبو ريحانة البصري، مشهور بكنيته، صدوق
تغير بآخرة، من الثالثة، ويقال: اسمه زياد.
(2/158)
520 -
محمد بن واسع بن جابر
يكنى أبا عبد الله شبابة قال: أخبرني موسى بن بشار قال: صحبت محمد بن
واسع من مكة إلى البصرة فكان يصلي الليل أجمع، يصلي في المحمل جالساً
يومئ برأسه إيماء وكان يأمر الحادي يكون خلفه ويرفع صوته حتى لا يفطن
له وكان ربما عرس من لاليل فينزل فيصلي فإذا أصبح أيقظ أصحابه.
عبد الملك بن قريب قال: حدثني نسيب لهشام القردوسي قال: قال رجل: دخلنا
على محمد بن واسع فقالت علجة في داره فذكرت كلمات بالأعجمية معناها:
هذا رجل إذا جاء الليل لو كان قتل أهل الدنيا ما زاد.
عبد الواحد بن زيد قال: شهدت حوشباً جاء إلى مالك بن دينار فقال: يا
أبا يحيى رأيت البارحة كأن منادياً يقول: يا أيها الناس، الرحيل
الرحيل. فما رأيت أحداً يرتحل إلا محمد بن واسع. قال: فصاح لمالك صيحة
وخر مغشياً عليه.
قال مضر: كان الحسن يسمي محمد بن واسع زين القرآن.
مخلد قال: كان محمد بن واسع مع قتيبة بن مسلم في جيش، وكان صاحب
خراسان، وكانت الترك خرجت إليهم فبعث إلى المسجد ينظر من فيه؟ فقيل له
ليس فيه إلا محمد بن واسع رافعاً إصبعه، فقال قتيبة: إصبعه تلك أحب إلي
من ثلاثين ألف عنان.
ـــــــ
520 - هو: محمدج بن واسع بن جابر الأخنس الأزدي، أبو بكر أو أبو عبد
الله البصري، ثقة عابد كثير المناقب، من الخامسة مات سنة ثلاث وعشرين
ومائة.
(2/158)
جعفر قال:
كنت إذا وجدت من قلبي قسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع نظرة، وكنت إذا
رأيت وجه محمد بن واسع حسبت أن وجهه وجه ثكلى.
علي بن بزيع الهلالي قال: قال مطر الوراق: ما اشتهيت أن أبكي قط حتى
أشتفي إلا نظرت إلى وجه محمد ابن واسع، وكنت إذا نظرت إلى وجهه كأنه
ثكل عشرة من الحزن.
عن ابن شوذب قال: كان إذا قيل: من أفشل أهل البصرة؟ قالوا: محمد بن
واسع، ولم يكن يرى كثير عبادة وكان يلبس قميصاً وساجاً وكان له علية
فإذا كان الليل دخل ثم أغلقها عليه.
عن يونس قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم
أن تدنوا مني، من نتن ريحي.
الحارث بن نبهان قال: سمعت ابن واسع يقول: واصحاباه، ذهب أصحابي. فقلت:
يرحمك الله أليس قد نشأ شباب يصومون النهار ويقومون الليل ويجاهدون في
سبيل الله عز وجل؟ قال: بلى ولكن أخ، وتفل، أفسدهم العجب.
عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: رأيت في يد محمد بن واسع قرحة فكأنه
رأى ما شق علي منها فقال: تدري ما لله علي في هذه القرحة من نعمة؟ قال:
فسكت. فقال: حيث لم يجعلها على حدقتي ولا على طرف لساني ولا على طرف
ذكري. قال: فهانت علي قرحته.
عن ابن شوذب قال: قسم أمير البصرة على أهل البصرة، فبعث إلى مالك بن
دينار فقبل وأتاه محمد بن واسع فقال: يا مالك قبلت جوائز السلطان قال:
فقال: يا أبا بكر سل جلسائي، فقالوا: يا أبا بكر اشتري بها رقاباً
فأعتقهم، فقال له محمد بن واسع: أنشدك الله أقلبك الساعة له على ما كان
قبل أن يجيزك؟ قال: اللهم لا، قال: ترى أي شيئ دخل عليك؟ فقال مالك
لجلسائه: إنما مالك حمار، إنما يعبد الله مثل محمد بن واسع.
عن ليث بن أبي سليم عن محمد بن واسع قال: إذا أقبل العبد بقلبه إلى
الله عز وجل أقبل الله عز وجل إليه بقلوب المؤمنين.
سليمان التيمي: ما أحد أحب إلي أن ألقى الله عز وجل بمثل صحيفته إلا
محمد بن واسع.
حماد بن زيد قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده في مرضه فجاء يحيى
البكاء يستأذن فقالوا: يحيى البكاء فقال: إن شر أيامكم يوم نسبتم إلي
البكاء.
(2/159)
عمران بن
خالد قال: سمعت محمد بن واسع يقول: إن كان الرجل ليبكي عشرين سنة
وامرأته معه لا تعلم.
إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض قال: قال مالك بن دينار:
إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافاً فيقنع به فقال محمد بن واسع: أغبط
والله عندي من ذلك أن يصبح جائعاً ويمسي جائعاً وهو عن الله عز وجل
راض.
محمد بن عبد الله الزراد قال: رأى محمد بن واسع ابناً له وهو يخطر
بيده. فقال: ويحك تعال، تدري من أنت؟ أمك اشتريتها بمائتي درهم، وأبوك
فلا أكثر الله في المسلمين مثله تمشي هذه المشية؟.
محمد بن مهزم قال: كان محمد بن واسع يصوم الدهر ويخفي ذلك.
حيان بن يسار قال: قال محمد بن واسع: اللهم إن كان أخلق وجهي كثرة
ذنوبي فهبني لمن أحببت من خلقك.
ابن سلام قال: قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: صاحب
إذا اعوججت قومني، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها وقوت من
الدنيا ليس لأحد فيه منة ولا لله عز وجل فيه تبعة.
زياد بن الربيع، عن أبيه قال: رأيت محمد بن واسع بسوق مرو يعرض حماراً
له على البيع. فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لك ما بعته.
قاسم الخواص قال: قال محمد بن واسع لرجل: أبكاك قط سابق علم الله عز
وجل فيك.
أبو عامر قال: حدثني صاحب لنا قال: لما ثقل محمد بن واسع كثر الناس
عليه في العيادة. قال: فدخلت فإذا قوم قيام وآخرون قعود. فأقبل علي
فقال: أخبرني ما يغني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غداً وألقيت في
النار؟ ثم تلا هذه الآية: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ
فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} .
يونس بن عبيد قال: دخلنا على محمد بن واسع نعوده فقال: ما يغني عني ما
يقول الناس إذا أخذ بيدي ورجلي فألقيت في النار؟.
عن حزم قال: قال محمد بن واسع وهو في الموت: يا إخوتاه تدرون أي يذهب
بي؟ يذهب بي - والله الذي لا إله إلا هو - إلى النار أو يعفو عني.
(2/160)
محمد بن
عبد الله، مولى الثقفيين، قال: دخلنا على محمد بن واسع وهو يقضي. فقال:
يا إخوتي يا إخوتاه هبوني وإياكم سألنا الله الرجعة فأعطاكموها
ومنعنيها فلا تخسروا أنفسكم.
أسند محمد بن واسع عن أنس بن مالك، وروى عن جماعة من كبار التابعين
كالحسن وابن سيرين. وتوفي بعد الحسن بعشر سنين كأنه مات سنة عشرين
ومائة.
(2/161)
521 -
فرقد بن يعقوب السبخي
يكنى أبا يعقوب. الهيثم بن معاوية قال: حدثني شيخ لي قال: اجتمع عباد
من أهل الكوفة فقالوا: تحدروا بنا إلى البصرة فننظر إلى عبادتهم. فقال
بعضهم لبعض: اغدوا بنا إلى فرقد السبخي فدخلوا عليه فحدثهم ساعة ثم
قالوا: يا أبا يعقوب، الغداء. قال: إنما طولت حديثي لتجوعوا فتأكلوا ما
عندي أنزلوا تلك القفة فأخرجوا منها كسر خبز شعير أسود فقالوا له: ملح
يا أبا يعقوب. فقال: قد طرحنا في العجين ملحاً مرة لم تعنوني أن أطلب
لكم؟.
عن جعفر بن سليمان قال: قال فرقد السبخي: إن ملوك بني إسرائيل كانوا
يقتلون قراءهم على الدين وإن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا فدعوهم
والدنيا.
جعفر قال: سمعت فرقداً السبخي يقول: قرأت في التوراة: من أصبح حزيناً
على الدنيا أصبح ساخطاً على ربه عز وجل، ومن جالس غنياً فتضعضع له ذهب
ثلثا دينه، ومن أصابته مصيبة فشكا إلى الناس فإنما يشكو ربه عز وجل.
عن عبد الواحد بن زيد قال: سمعت فرقداً السبخي يقول: ما انتهيت من نومي
إلا خفت أن أكون قد مسخت.
جعفر قال: سمعت فرقداً السبخي يقول: اتخذوا الدنيا ظئراً واتخذوا
الآخرة أماً. ألم تروا إلى الصبي يلقي نفسه على الظئر فإذا ترعرع وعرف
والدته ترك ظئره وألقى نفسه على والدته؟ وإن الآخرة والدتكم يوشك أن
تجركم.
عن ابن شوذب قال: سمعت فرقداً يقول: إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل،
ألم تروا
ـــــــ
521 - هو: فرقد بن يعقوب السبخي –بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة -
أبو يعقوب البصري، صدوق عابد لكنه لين الحديث كثير الخطأ من الخامسة
مات سنة إحدى وثلاثين.
قال الشيخ شعيب: بل ضعيف فقد ضعفه أيوب السختياني، ويحيى بن سعيد
القطان وعلي بن المديني، والبخاري، والنسائي وأبو حاتم..... التحرير
3/155.
(2/161)
إلى
الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين تقيين؟
وأنتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل.
أسند فرقد عن أنس بن مالك وسمع من جماعة من كبار التابعين: كسعيد بن
جبير ومرة وإبراهيم النخعي وأبي الشعثاء. وشغله التعبد عن حفظ الحديث
فلذلك يعرض النقلة عن حديثه ومات في أيام الطاعون بالبصرة سنة إحدى
وثلاثين ومائة.
(2/162)
522 -
مالك بن دينار
يكنى أبا يحيى مولى لامرأة بني سامة بن لؤي. كان يكتب المصاحف.
جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ما تنعم المتنعمون بمثل ذكر الله
تعالى.
قال: وسمعته يقول: يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ فإن
القرآن ربيع لامؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض، وقد ينزل الغيث من السماء
إلى الأرض فيصيب الحش فيكون فيه الحبة فلا يمنعها نتن موضعها أن تهتز
وتخضر وتحسن، فيا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم؟ أين أصحاب
سورة أين أصحاب سورتين؟ ماذا عملتم فيهما؟.
قال: وسمعته يقول: يا هؤلاء، جهالكم كثير لولا ذلك للبست المسوح، يا
هؤلاء لا تجعلوا بطونكم جرباً للشيطان يوعي فيها إبليس ما شاء.
يوسف بن عطية الصفار، عن مالك بن دينار قال: من دخل بيتي فأخذ منه
شيئاً فهو له حلال، أما أنا فلا أحتاج إلى قفل ولا إلى مفتاح.
وكان يأخذ الحصاة من المسجد ويقول: لوددت أن هذه أجزأتني في الدنيا ما
عشت، لا أزيد على مصها من الطعام ولا الشراب.
وكان يقول: لو صلح لي أن آكل الرماد لأكلته، ولو صلح لي أن أعمد إلى
بوري فأقطعه بقطعتين فأتزر بقطعة وأرتدي بقطعة لفعلت.
جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: لقد هممت أن آمر إذا مت أن أغل
فأدفع إلى ربي مغلولاً كما يدفع الآبق إلى مولاه.
ـــــــ
522 - هو: مالك بن دينار البصري، الزاهد، أبو يحيى، صدوق عابد من
الخامسة، مات سنة ثلاثين أو نحوها.
قال الشيخ شعيب: بل ثقة، وثقه النسائي، وابن سعد والدارقطني ولا نعرف
فيه جرحا إلا قول الأزدي "تعرف وتنكر" وهو شبه لا شيء.
(2/162)
جعفر قال:
سمعت مالك بن دينار يقول: ينطلق أحدكم فيتزوج ديباجة الحرم، يعني أجمل
الناس، أو ينطلق إلى جارية قد سمنها أبوها كأنها زبدة، فيتزوجها فتأخذ
بقلبه فيقول لها: أي شيء تريدين؟ فتقول: خمار خز، وأي شيء تريدين؟
فتقول كذا وكذا.
قال مالك: فتمرط والله دين ذلك القارئ ويدع أن يتزوجها يتيمة ضعيفة
فيكسوها فيؤجر ويدهنها فيؤجر.
قال: وسمعت مالكاً يقول: كان حبر من أحبار بني إسرائيل قال: فرأى بعض
بنيه يوماً غمز النساء، فقال: مهلاً يا بني. قال: فسقط من سريره،
فانقطع نخاعه فأسقطت امرأته وقتل بنوه في الجيش، وأوحى الله تعالى إلى
نبيهم أن أخبر فلاناً الحبر أني لا أخرج من صلبك صديقاً أبداً ما كان
غضبك لي إلا أن قلت: مهلاً يا بني مهلاً.
رياح بن عمرو القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: ما من أعمال البر
شيء إلا دونه عقبة فإن صبر صاحبها أفضت به إلى روح، وإن جزع رجع.
عثمان بن إبراهيم قال: سمعت مالك بن دينار يقول لرجل من أصحابه: إني
لأشتهي رغيفاً بلبن رائب. قال: فانطلق فجاء به قال: فجعله على الرغيف.
فجعل مالك يقلبه وينظر إليه ثم قال: اشتهيتك منذ أربعين سنة فغلبتك حتى
كان اليوم، وتريد أن تغلبني؟ إليك عني وأبى أن يأكله.
مسلم قال: قال مالك بن دينار: منذ عرفت الناس لم أفرح بمدحهم. ولم أكره
مذمتهم. قيل: ولم ذاك؟ قال: لأن حامدهم مفرط وذامهم مفرط.
سلام بن أبي مطيع قال: دخلنا على مالك بن دينار ليلاً وهو في بيت بغير
سراج وفي يده رغيف يكدمه. فقلنا له: أبا يحيى ألا سراج؟ ألا شيء تضع
عليه خبزك؟ فقال: دعوني فوالله إني لنادم على ما مضى.
أبو حفص عمر بن أحمد قال: قال مالك بن دينار: مثل قراء هذا الزمان كمثل
رجل نصب فخاً ونصب فيه برة فجاء عصفور فقال: ما غيبك في التراب؟ قال:
التواضع. قال: لأي شيء انحنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه
البرة المنصوبة فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فقال: نعم الجار أنت. فلما
كان عند المغرب دنا العصفور ليأخذها فخنقه الفخ. فقال العصفور: إن كان
العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم.
(2/163)
جعفر بن
سليمان قال: مر والي البصرة بمالك بن دينار يرفل فصاح به مالك: أقل من
مشيتك هذه فهم خدمه به. فقال: دعوه، ما أراك تعرفني. فقال له مالك: ومن
أعرف بك مني، أما أولك فنطفة مذرة وأما آخرك فجيفة قذرة، ثم أنت بين
ذلك تحمل العذرة. فنكس الوالي رأسه ومشى.
عن جعفر بن سليمان، عن مالك بن دينار أنه كان يرى يوم التروية بالبصرة
ويوم عرفة بعرفات.
عون بن الحكم عن أبيه عن مالك بن دينار قال: قدمت من سفر لي فلما صرت
بالجسر قام العشار فقال لا يخرجن من السفينة ولا يقوم أحد من مكانه.
فأخذت ثوبي فوضعته على عنقي ثم وثبت فإذا أنا على الأرض. فقال لي: ما
أخرجك؟ قلت: ليس معي شيء. قال: اذهب. فقلت في نفسي: هكذا أمر الآخرة.
محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالك بن دينار
يقول: عجباً لمن يعلم أن الموت مصيره والقبر مورده كيف تقر بالدنيا
عينه؟ وكيف يطيب فيها عيشه؟ قال: ثم يبكي مالك حتى يسقط مغشياً عليه.
أبو سمير عن مالك قال: إن لكل شيء لقاحاً وإن الحزن لقاح العمل الصالح،
إنه لا يصبر أحد على هذا الأمر إلا بحزن، فوالله ما اجتمعا في قلب عبد
قط: حزن بالآخرة وفرح بالدنيا، إن أحدهما ليطرد صاحبه.
عن جعفر بن سليمان قال: قال مالك بن دينار: إذا ذكر الصالحون فأف لي
وتف.
سعيد بن عصام قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كان الأبرار يتواصون
بثلاث: بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة.
أبو الحسن البصري قال: دخل مالك بن دينار على رجل محبوس قد أخذ بخراج
خرج عليه وقيد. فقال: يا أبا يحيى أما ترى ما أنا فيه من هذه القيود؟
فرفع مالك رأسه فإذا سلة قال: لمن هذه السلة؟ قال: لي. قال: فمر بها
فلتنزل، فأنزلت فوضعت بين يديه فإذا دجاج وأخبصة فقال: هذه وضعت القيود
في رجلك لا هم وقام عنه.
قال: وكان مالك بن دينار يطوف بالبصرة في الأسواق فينظر إلى أشياء
يشتهيها فيرجع فيقول لنفسه: أبشري فوالله ما حرمتك ما رأيت إلا لكرامتك
علي.
(2/164)
جعفر قال:
سمعت مالك بن دينار يقول: إن البدن إذا سقم لا ينجع فيه طعام ولا شراب
ولا نوم ولا راحة، وكذلك القلب إذا علق حب الدنيا لم ينجع فيه المواعظ.
وسمعته يقول: بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر
ما تحزن للآخرة فكذلك يخرج هم الدنيا من قلبك.
عن جعفر بن سليمان قال: جاء محمد بن واسع إلى مالك بن دينار فقال: يا
أبا يحيى إن كنت من أهل الجنة فطوبى لك. فقال: ينبغي لنا إذا ذكرنا
الجنة أن نخزى.
عبد العزيز بن سلمان العابد قال: انطلقت أنا وعبد الواحد بن زيد إلى
مالك بن دينار فوجدناه قد قام من مجلسه فدخل منزله وأغلق عليه باب
الحجرة فجلسنا ننتظره ليخرج أو لنسمع له حركة فنستأذن عليه. فجعل يترنم
بشيء لم نفهمه. ثم بكى حتى جعلنا نأوي له من شدة بكائه. ثم جعل يشهق
وتنفس حتى غشي عليه.
قال: فقال لي عبد الواحد: انطلق ليس لنا مع هذا اليوم عمل، هذا رجل
مشغول بنفسه.
الحارث بن سعيد قال: كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ: {إِذَا
زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} الزلزلة فجعل مالك ينتفض وأهل
المجلس يبكون ويصرخون حتى انتهى إلى هذه الآية: {فَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرّاً يَرَهُ} الزلزلة قال: فجعل مالك، والله، يبكي ويشهق حتى غشي
عليه فحمل بين القوم صريعاً.
عبد الله بن مرزوق قال: بلغني أن مالك بن دينار دخل المقابر ذات يوم
فإذا رجل يدفن، فجاء حتى وقف على القبر فجعل ينظر إلى الرجل وهو يدفن
فجعل يقول: مالك، غداً هكذا يصير وليس له شيء يتوسده في قبره. فلم يزل
يقول: غداً مالك هكذا يصير، حتى خر مغشياً عليه في جوف القبر فحملوه
فانطلقوا به إلى منزله مغشياً عليه.
مسمع بن عاصم قال: قال مالك بن دينار، ورأى إنساناً يضحك، فقال: ما أحب
أن قلبي فرغ لمثل هذا وأن لي ما حوت البصرة من الأموال والعقد.
عبد الله العبدي قال: حدثنا جعفر عن مالك قال: إن في بعض الكتب أن الله
عز وجل يقول: إن أهون ما أنا صانع بالعالم إذا أحب الدنيا أن أخرج
حلاوة ذكري من قلبه.
(2/165)
عبد الملك
بن قريب قال: حدثني رجل صالح من أهل البصرة قال: وقع حريق في بيت مالك
بن دينار فأخذ المصحف وأخذ القطيفة فأخرجهما. فقيل له: يا أبا يحيى،
البيت. فقال: ما فيه إلا السندانة ما أبالي أن يحترق.
قال الدورقي، وذكر عبد الله بن المبارك، قال: وقع حريق بالبصرة فأخذ
مالك بن دينار بطرف كسائه وقال هلك أصحاب الأثقال.
مجالد بن عبيد الله قال: حدثني عمر عن مالك بن دينار أنه كان يقول: إن
الله عز وجل إذا أحب عبداً انتقصه من دنياه وكف عنه ضيعته، ويقول: لا
تبرح من بين يدي قال: فهو متفرغ لخدمة ربه عز وجل، وإذا أبغض عبداً دفع
في نحره شيئاً من الدنيا ويقول: اعزب من بين يدي فلا أراك بين يدي
فتراه معلق القلب بأرض كذا وبتجارة كذا.
الحسين بن زياد قال: سمعت منيعاً يقول: مر تاجر بعشار فحبسوا عليه
سفينته فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له، قال: فقام مالك فمشى إلى
العشار فلما رأوه قالوا: يا أبا يحيى ألا تبعث إلينا حاجتك؟ قال: حاجتي
أن تخلوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كوز
يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم قالوا: ادع الله لنا يا أبا
يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم، كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم؟ أترى
يستجاب لواحد ولا يستجاب لألف؟.
محمد بن عبد الله، عن أبي قدامة الحارث بن عبيد قال: سمعت مالكاً يقول:
لو أن القوم كلفوا الصحف لأقلوا المنطق.
السري بن يحيى، عن مالك بن دينار قال: والله لو وقف ملك بباب المسجد
وقال: يخرج شر من في المسجد، لبادرتكم إليه.
رياح بن عمرو القيسي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: دخل علي جابر بن
زيد وأنا أكتب فقال: يا مالك ما لك عمل إلا هذا؟ تنقل كتاب الله عز وجل
من ورقة إلى ورقة؟ هذا والله الكسب الحلال.
جعفر بن سليمان قال: سمعت المغيرة بن حبيب أبا صالح ختن مالك بن دينار
يقول: قلت لنفي: يموت مالك بن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما
عمله؟ قال: فصليت معه العشاء الآخر ثم جئت فلبست قطيفة في أطول ما يكون
من الليل. قال: وجاءه مالك فدخل
(2/166)
فقرب
رغيفه فأكل ثم قام إلى الصلاة فاستفتح، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: يا رب
إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. قال:
فوالله ما زال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو قائم على تلك
الحال يقدم رجلاً ويؤخر رجلاً ويقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين
فحرم شيبة مالك بن دينار على النار. فما زال كذلك حتى طلع الفجر. فقلت
في نفسي: والله لئن خرج مالك بن دينار فرآني لا تبلني عنده بالة أبداً.
فجئت إلى المنزل وتركته.
جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يقول: كفى بالمرء خيانة أن
يكون أميناً للخونة، وكفى بالمرء شراً أن لا يكون صالحاً ويقع
بالصالحين.
سلم الخواص قال: قال مالك بن دينار: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم
يذوقوا أطيب شيء فيها. قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله عز وجل.
قطر بن حماد بن واقد قال: أنبأ أبي قال: سمعت مالك بن دينار يقول:
قولوا لمن لم يكن صادقاً لا يتعنى.
جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب
كما أن البيت إذا لم يسكن خرب.
جعفر قال: سمعت مالكاً يقول: اتقوا السحارة، اتقوا السحارة، فإنها تسحر
قلوب العلماء.
قال: وسمعته يقول: لو أعلم أن قلبي يصلح على كناسة لذهبت حتى أجلس
عليها.
وسمعته يقول: وددت أن الله عز وجل أذن لي يوم القيامة إذا وقفت بين
يديه أن أسجد سجدة فأعلم أنه قد رضي عني، ثم يقول لي: يا مالك كن
تراباً.
وسمعته يقول: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما
تزل القطرة عن الصفا.
وسمعته يقول: إنك إذا طلبت العلم لتعمل به كسرك العلم وإذا طلبته لغير
العمل به لم يزدك إلا فخراً.
قال: وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك: أنتم تستبطئون
وإنما أستبطئ الحجارة، إن لم تمطر حجارة فنحن بخير.
جعفر قال: أنبأ مالك بن دينار قال: لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة
أيام أسأله:
(2/167)
يا أبا
سعيد ما تأمرني، فلا يجيبني. قال: فقلت يا أبا سعيد أتيتك ثلاثة أيام
أسألك وأنت معلمي فلا تجيبني، فوالله لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي
وأشرب من أفواه الأنهار وآكل من بقل البرية حتى يحكم الله عز وجل بين
عباده. قال: فأرسل الحسن عينيه باكياً ثم قال: يا مالك ومن يطيق ما
تطيق، ولكنا والله ما نطيق هذا.
قال جعفر: وكنت عند مالك بن دينار فجاء هشام بن حسان، وكان يأتيه هشام
ابن حسان وسعيد بن أبي عروبة وحوشب يطلبون قلوبهم، فجاء هشام فقال: أين
أبو يحيى؟ قلنا: عند البقال. قال: قوموا بنا إليه. قال: فحانت منه نظرة
إلى هشام فقال: يا هشام إني أعطي هذا البقال كل شهر درهماً ودانقين
فآخذ منه كل شهر ستين رغيفاً كل ليلة رغيفين فإذا أصبتهما سخناً فهو
أدمهما، يا هشام إني قرأت في زبور داود: إلهي رأيت همومي وأنت من فوق
العلى، فانظر ما همومك يا هشام.
عن السري بن يحيى عن مالك بن دينار قال: أخذ السبع صبياً لامرأة فتصدقت
بلقمة. فألقاه، فنوديت: لقمة بلقمة.
جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: إن الله جعل الدنيا دار مفر
والآخرة دار مقر فخذوا لمقركم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج
منها أبدانكم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، ففي الدنيا
حييتم ولغيرها خلقتم؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه
من عرفه ومثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل يحذرها
ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم.
الحارث بن نبهان قال: قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة. قال:
فكانت عنده فجئت يوماً فجلست في مجلسه. فلما قضاه قال لي: يا حارث تعال
خذ الركوة، فقد شغلت علي قلبي. فقلت: يا أبا يحيى إنما اشتريتها لك
تتوضأ فيها وتشرب. فقال: يا حارث إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان
فقال لي: يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت علي قلبي.
جعفر قال: قلنا لمالك بن دينار، ألا تدعو قارئاً؟ قال: إن الثكلى لا
تحتاج إلى نائحة. فقلنا له ألا تستقي؟ فقال: أنتم تستبطئون المطر لكني
أستبطئ الحجارة.
جعفر قال: رأيت مالك بن دينار يتقنع بعباء، أو قال بكساء، ثم يقول: إله
مالك، قد علمت
(2/168)
ساكن
الجنة من ساكن النار فأي الدارين دار مالك وأي الرجلين مالك؟ ثم يبكي،
وسمعته يقول: لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا
نائم، ولو وجدت أعواناً لفرقتهم ينادون في منار الدنيا كلها يا أيها
الناس النار النار.
وسمعته يقول: لو كان لأحد أن يتمنى لتمنيت أن يكون لي في الآخرة خص من
قصب فأروى من الماء وأنجو من النار.
وسمعته يقول للمغيرة بن حبيب، وكان ختنه: يا مغيرة كل أخ وجليس وصاحب
لا تستفيد منه في دينك خيراً فانبذ عنك صحبته.
وسمعته يقول: يا إخوتاه بحق أقول لكم: لولا البول ما خرجت من المسجد.
وسمعته يقول: إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قص عليك
بيته: رأيت حصيرة للصلاة، ومصحفه ومطهرته في جانب البيت، ترى أثر
الآخرة.
وسمعته يقول: إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البر، وإن الفجار تغلي
قلوبهم بأعمال الفجور، والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم
الله.
وسمعته يقول: إن الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى
الآخرة.
وسمعته يقول: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.
وسمعته يقول: إن لله تعالى عقوبات فتعاهدوهن من أنفسكم في القلوب
والأبدان وضنك في المعيشة ووهن في العبادة وسخطة في الرزق.
جعفر عن مالك بن دينار قال: خرج سليمان بن داود عليه السلام في موكبه
فمر ببلبل على غصن شوك يصفر ويضرب بذنبه فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: فإنه يقول: قد أصبت اليوم نصف تمرة فعلى الدنيا
العفاء.
فضيل بن عياض قال: رأى مالك بن دينار رجلاً يسيء صلاته فقال: ما أرحمني
لعياله. فقيل له: يسيء هذا صلاته وترحم عياله؟ قال: إنه كبيرهم ومنه
يتعلمون.
الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: قال رجل لمالك بن دينار:
يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك.
الحسين بن علي الحلواني قال: دخل اللصوص إلى بيت مالك بن دينار فلم
يجدوا في البيت شيئاً فأرادوا الخروج من داره فقال مالك: ما عليكم لو
صليتم ركعتين.
(2/169)
حزم
القطيعي قال: دخلنا على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه وهو يكيد
بنفسه فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب
البقاء في الدنيا لبطن ولا لفرج.
أبو عيسى قال: دخلنا على مالك بن دينار عند الموت فجعل يقول: لمثل هذا
اليوم كان دؤوب أبي يحيى.
عمارة بن زاذان قال: أن مالك بن دينار لما حضره الموت قال: لولا أني
أكره أن أصنع شيئاً لم يصنعه أحد كان قبلي لأوصيت أهلي إذا أنا مت أن
يقيدوني وأن يجمعوا يدي إلى عنقي فينطلقوا بي على تلك الحال حتى أدفن
كما يصنع بالعبد الآبق.
وقال غير أحمد بن محمد: فإذا سألني ربي تعالى أي رب لم أرض لك نفسي
طرفة عين قط.
حصين بن القاسم قال: قلت لعبد الواحد بن زيد ما كان سبب موت مالك بن
دينار؟ قال: أنا كنت سببه، سألته عن رؤيا رأى فيها مسلم بن يسار فقصها
علي فانتفضت فجعل يشهق ويضطرب حتى ظننت أن كبده قد تقطعت في جوفه ثم
هدأ فحملناه إلى بيته فلم يزل مريضاً يعوده إخوانه حتى مات منها. فهذا
كان سبب موته.
أسند مالك بن دينار عن أنس بن مالك وعن جماعة من كبار التابعين: كالحسن
وابن سيرين والقاسم بن محمد وسالم بن عبيد الله.
وتوفي قبل الطاعون بيسير. وكان الطاعون سنة إحدى وثلاثون ومائة.
(2/170)
523 -
هارون بن رئاب
يكنى أبا الحسن بن عيينة قال: كان هارون بن رئاب يخفي الزهد، وكان يلبس
الصوف تحت ثيابه.
سفيان بن عيينة قال: رأيت هارون بن رئاب وكأن النور على وجهه.
عن ابن شوذب قال: كنت إذا رأيت هارون بن رئاب فكأنما أقلع عن البكاء.
أسند هارون عن أنس وغيره.
ـــــــ
523 - هو: هارون بن رئاب – بكسر الراء وتحتانية مهموزة ثم موحدة،
التميمي، أبو بكر أو أبو الحسن، ثقة عابد من السادسة، اختلف في سماعه
من أنس.
(2/170)
524 -
يزيد بن أبان الرقاشي
عن أشعث بن سوار قال: دخلت على يزيد الرقاشي فقال: دخلت على يزيد
الرقاشي فقال: يا أشعث تعال نبكي على الماء البارد في يوم الظمأ.
قال: وجعل يقول: سبقني العابدون وقطع بي والهفاه. وقد صام اثنتين
وأربعين سنة.
عن هشام قال: قال لي ثابت البناني: ما رأيت أحداً أصبر على طول القيام
والسهر من يزيد بن أبان.
عن عبد الخالق بن موسى اللقيطي قال: جوع يزيد نفسه لله عز وجل ستين
عاماً حتى ذبل جسمه ونهك بدنه وتغير لونه. وكان يقول: غلبني بطني فما
أقدر له على حيلة.
عن أبي إسحاق الخميسي قال: كان يقول في قصصه: ويحك يا يزيد من يترضى
عنك ربك؟ ومن يصوم لك أو يصلي لك؟ ثم يقول: يا معشر من القبر بيته
والموت موعده ألا تبكون؟ قال: فبكى حتى سقطت أشفار عينيه.
زهير السلولي قال: كان يزيد الرقاشي قد بكى حتى تناثرت أشفاره وأحرقت
الدموع مجاريها من وجهه.
سلمة بن سعيد قال: قالوا ليزيد الرقاشي: أما تسأم من كثرة البكاء؟ فبكى
وقال: والله لوددت أن أبكي بعد الدموع الدماء وبعد الدماء الصديد.
وكان يقول: ابك يا يزيد على نفسك قبل حين البكاء. يا يزيد من يصلي لك
بعدك؟ أو من يصوم؟ يا يزيد من يضرع لك إلى ربك بعدك ومن يدعو؟
وكان يقول: يا إخوتاه ابكوا فإن لم تجدوا بكاء فارحموا كل بكاء.
أبو محمد علي بن الحسن قال: قيل لابن يزيد الرقاشي: أكان أبوك يتمثل من
الشعر شيئاً؟ قال: كان يتمثل:
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل
أسند يزيد عن أنس بن مالك، وروى عن الحسن وغيره إلا أن التعبد شغله عن
حفظ الحديث فأعرضت النقلة عما يروي.
ـــــــ
524 - هو: يزيد بن أبان الرقاشي - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبو عمرو
البصري، القاص -بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل
العشرين.
(2/171)
525 -
الأسود بن كلثوم
عن حميد بن هلال قال: كان منا رجل يقال له الأسود بن كلثوم.
وكان إذا مشى لا يجاوز بصره قدميه، فكان يمر بالنسوة، وفي الجدر يومئذ
قصر، ولعل إحداهن أن تكون واضعة ثوبها أو خمارها، فإذا رأينه راعهن. ثم
يقلن: كلا إنه الأسود بن كلثوم.
فلما قرب غازياً قال: إن نفسي هذه تزعم في الرخاء أنها تحب لقاءك، فإن
كانت صادقة فارزقها ذلك، وإن كانت كارهة فاحملها عليه وإن كرهت، وأطعم
لحمي سباعاً وطيراً.
فانطلق في خيل فدخلوا حائط فنذر بهم العدو فجاءوا فأخذوا بثلمة الحائط،
فنزل الأسود عن فرسه فضربها حتى عادت فخرج وأتى الماء فتوضأ ثم صلى.
قال: يقول العجم: هكذا استسلام العرب إذا استسلموا ثم تقدم فقاتل حتى
قتل. قال: فمر عظم الجيش بعد ذلك بذلك الحائط فقيل لأخيه لو دخلت فنظرت
ما بقي من عظام أخيك ولحمه قال: لا، دعا أخي بدعاء فاستجيب له فلست
أعرض في شيء من ذلك.
ـــــــ
525 - هو: المستشهد الملثوم، الأسود بن كلثوم، خلت دعوته فعجلت كرامته،
انظر حلية الأولياء 2/288.
(2/172)
الطبقة الرابعة
أيوب بن أبي تميمة السختياني
...
ومن الطبقة الرابعة:
526 - أيوب بن أبي تميمة السختياني
يكنى أبا بكر، مولى لعنزة، واسم أبي تميمة كيسان.
حماد بن زيد قال: قال أيوب: عن قوماً يريدون أن يرتفعوا فيأبى الله إلا
أن يضعهم وآخرين يريدون أن يتواضعوا ويأبى الله إلا أن يرفعهم.
قال: وكان النساك يومئذ يشمرون ثيابهم وكان أيوب لا يفعل.
حماد بن زيد قال: كنت أمشي مع أيوب فيأخذ في طرق - إني لأعجب له كيف
يهتدي لها - فراراً من الناس أن يقال هذا أيوب.
ميمون الغزال قال: كنا عند الحسن فجاء أيوب فسلم عليه فلما مضى، وكان
حيث لا يسمع، قال الحسن: هذا سيد الفتيان.
وفي رواية أخرى: قال الحسن: أيوب سيد شباب أهل البصرة.
حجاج قال: سمعت شعبة يقول: ربما ذهبت مع أيوب في الحاجة أمشي معه فلا
يدعني، فيخرج ههنا وههنا لكي لا يفطن له.
وقال شعبة: قال أيوب: ذكرت وما أحب أن أذكر.
الحميدي قال: لقي سفيان بن عيينة ستة وثمانين من التابعين، وكان يقول:
ما رأيت مثل أيوب.
سلام بن أبي مطيع قال: كان أيوب يقوم الليل يخفي ذلك فإذا كان قبيل
الصبح رفع صوته كأنه إنما قام تلك الساعة.
عن وهيب بن خالد قال: قال أيوب السختياني: إذا ذكر الصالحون كنت منهم
بمعزل.
بشر بن منصور قال: كنا عند أيوب فلغطنا وتكلمنا. فقال لنا أيوب: كفوا،
لو أردت أن أخبركم بكل شيء تكلمت به اليوم لفعلت.
ـــــــ
526 - هو: أيوب بن أبي تميمة: كيسان السختياني، بفتح المهملة بعدها
معجمة ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون، أبو بكر البصري، ثقة ثبت
حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة
وله خمس وستون.
(2/173)
عن معمر
قال: كان في قميص أيوب بعض التذييل فقيل له، فقال: الشهرة اليوم في
التشمير.
صالح بن أبي الأخضر قال: قلت لأيوب: أوصني، قال: أقل الكلام.
عبد الله بن بشر قال: إن الرجل ربما جلس إلى أيوب السختياني فيكون لما
يرى منه أشد اتباعاً منه لو سمع حديثه.
حماد بن زيد قال: لو رأيتم أيوب ثم استسقاكم شربة من ماء على النسك لما
سقيتموه، له شعر وافر وشارب وافر وقميص جيد هروي يشم الأرض، وقلنسوة
جيدة وطيلسان جيد ورداء عدني.
حماد بن زيد قال: سمعت أيوب يقول: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
عبيد الله بن شميط قال: سمعت أيوب السختياني يقول: لا ينبل الرجل حتى
تكون فيه خصلتان: بالعفة عما في أيدي الناس والتجاوز عما يكون منهم.
عن المبارك بن إسماعيل قال: آذى رجل أيوب السختياني وأصحابه أذى
شديداً. فلما تفرقوا قال أيوب: إني لأرحمه أنا نفارقه وخلقه معه.
حماد قال: رأيت أيوب لا ينصرف عن سوقه إلا معه شيء يحمله لعياله حتى
رأيت قارورة الدهن بيده يحملها. فقلت له في ذلك فقال: إني سمعت الحسن
يقول: إن المؤمن أخذ عن الله عز وجل أدباً حسناً فإذا أوسع عليه أوسع
وإذا أمسك عنه أمسك.
حماد بن زيد قال: ما رأيت رجلاً قط أشد تبسماً في وجوه الرجال من أيوب.
إسحاق بن محمد قال: سمعت مالك بن أنس يقول: كنا ندخل على أيوب
السختياني فإذا ذكرنا له حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى
نرحمه.
عن هشام بن حسان قال: حج أيوب السختياني أربعين حجة.
عبد الواحد بن زيد قال: كنت مع أيوب على جراء فعطشت عطشاً شديداً حتى
رأى ذلك في وجهي فقال: ما الذي أرى بك؟ قلت: العطش، قد خفت على نفسي:
قال تستر علي؟ قلت: نعم. فاستحلفني فحلفت له أن لا أخبر عنه ما دام
حياً. قال: فغمز برجله على حراء فنبع الماء فشربت حتى رويت وحملت معي
من الماء. قال: فما حدثت به أحداً حتى مات.
(2/174)
عن أبي
بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب يقول: والله ما صدق عبد إلا سره أن لا
يشعر بمكانه.
عن سلام بن أبي مطيع قال: قال رجل من أهل الأهواء لأيوب: ألا أكلمك
بكلمة؟ قال: لا، ولا نصف كلمة.
عن هشام بن حسان عن أيوب السختياني قال: ما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً
إلا زاد من الله عز وجل بعداً.
محمد بن عمر الباهلي قال: سمعت ابن عيينة يقول: قال أيوب: إنه ليبلغني
موت الرجل من أهل السنة فكأنما يسقط عضو من أعضائي.
حماد بن زيد قال: كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق فيلتفت فيمتخط ويقول:
ما أشد الزكام.
الحسن بن عمرو قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: دخل بديل على أيوب
السختياني، أظنه قال: يعوده وقد مد على فراشه سبنية حمراء يدفع بها
الرثاء، فقال له بديل: ما هذا؟ فقال أيوب: هذا خير من هذا الصوف الذي
عليك.
يحيى العبدي قال: سمعت حماد بن زيد يقول: كان أيوب يطلب العلم حتى مات.
أسند أيوب عن أنس بن مالك وعمرو بن سلمة الجرمي وروى عن أبي عثمان
النهدي وأبي رجاء العطاردي وأبي العالية والحسن وابن سيرين وأبي قلابة.
وتوفي في الطاعون بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائة.
حنبل قال: سمعت سليمان بن حرب يقول: مات أيوب وهو ابن ثلاث وستين.
(2/175)
527 -
يحيى بن سليم
أبو مسلم البكاء. ويقال يحيى بن مسلم.
عن معاذ بن زياد قال: كان يحيى بن مسلم البكاء قد اعتم بعمامة فأدارها
على حلقه وجعل لها طرفين. فكان يبكي حتى يبل هذا الطرف ثم يبكي حتى يبل
الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي وينتحب حتى يبل العمامة بأسرها ثم
يبكي وينتحب حتى يبل أردانه.
ـــــــ
527 - هو: يحيى بن مسلم، أو ابن سليم، مصغر، وهو ابن أبي خليد البصري
المعروف بيحيى البكاء - بتشديد الكاف - الحداني -بضم المهملة وتشديد
الدال - مولاهم، ضعيف من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة.
(2/175)
528 -
سليمان بن طرخان التيمي
يكنى أبا المعتمر. محمد بن سعد قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: ليس
سليمان بتيمي ولكنه مري ومنزله في التيم فنسب إليهم. وكان من العباد
المجتهدين يصلي الغداة بوضوء العشاء الآخرة.
وكان هو وابنه المعتمر يدوران بالليل في المساجد فيصليان مرة في هذا
المسجد ومرة في هذا حتى يصبحا.
حنبل قال: أنبأنا علي يعني ابن المديني قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد،
وذكرنا التيمي، فقال: ما جلست إلى رجل أخوف لله منه.
محمد بن عبد الأعلى قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي يقول: لولا أنك
من أهلي ما حدثتك عن أبي بهذا، مكث أبي أربعين سنة يصوم يوماً ويفطر
يوماً ويصلي الصبح بوضوء العشاء وربما أحدث الوضوء من غير نوم.
الهيثم أبو علي المفلوج قال: صلى سليمان التيمي الغداة بوضوء العتمة
أربعين سنة.
حماد بن سلمة قال: ما أتينا سليمان التيمي في ساعة يطاع الله عز وجل
فيها إلا وجدناه مطيعاً فإن كان في ساعة صلاة وجدناه مصلياً، فإن لم
تكن ساعة صلاة وجدناه إما متوضئاً أو عائداً مريضاً أو مشيعاً لجنازة
أو قاعداً يسبح في المسجد. قال: فكنا نرى أنه لا يحسن أن يعصي الله عز
وجل.
قال السراج: وسمعت سوار بن عبد الله يقول: سمعت المعتمر يقول: مات صاحب
لي كان يطلب الحديث فجزعت عليه فرآى أبي جزعي عليه فقال: يا معتمر كان
صاحبك هذا على السنة؟ قلت: نعم. قال: فلا تجزع عليه ولا تحزن عليه.
أسود بن سالم قال: سمعت معتمر بن سليمان التيمي قال: سقط بيت لنا كان
أبي يكون فيه فضرب فسطاطاً فكان فيه حتى مات. فقيل له: لو بنيته. فقال:
الأمر أعجل من ذاك، غداً الموت.
عن يحيى بن سعيد القطان قال: مكث سليمان التيمي في قبة لبود ثلاثين سنة
أو نحواً من ثلاثين.
ـــــــ
528 - هو: سليمان بن طرفان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التيم
فنسب إليهم، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين وهو ابن سبع
وتسعين.
(2/176)
محمد بن
عبد الله الأنصاري قال: كان التيمي عامة زمانه يصلي العشاء والصبح
بوضوء واحد وليس وقت صلاة إلا وهو يصلي، وكان يسبح بعد العصر إلى
المغرب، ويصوم الدهر.
أبو علي البصري عن معمر، مؤذن التيمي، قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي
العشاء الآخرة وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}
الملك: 1 قال: فلما أتى على هذه الآية: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً
سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} الملك: 27 جعل يرددها حتى خف أهل
المسجد وانصرفوا. قال: فخرجت وتركته.
قال: وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه. قال: فتسمعت فإذا هو لم يجزها
وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ
كَفَرُوا} .
الفضيل بن عياض قال: قيل لسليمان التيمي أنت أنت من مثلك؟ قال: لا
تقولوا هكذا لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل؟ سمعت الله تعالى يقول:
{وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}
الزمر.
عن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان بين سليمان التيمي وبين رجل شيء
فنازعه، فتناول الرجل سليمان فغمز بطنه فجفت يد الرجل.
الأصمعي عن معتمر عن أبيه قال: إن الرجل ليذنب الذنب فيصبح وعليه
مذلته.
ضمرة قال: السري بن يحيى حدثناه قال: قدح سليمان التيمي عينه قال:
فنهاه الطبيب أن يمس ماء قال: فمس فرجه قال: وكان يرى الوضوء من مس
الفرج. قال: فنزع القطنة عن عينه وتوضأ وأعاد القطنة على حالها. قال:
فجاء الطبيب فنظر فلم ير شيئاً ينكر. قال: انظر هل ترى شيئاً؟ قال: ما
أرى شيئاً أنكره. قال: فإني قد توضأت. قال: فإن الله قد رزقك العافية.
سوار بن عبد الله قال: سمعت المعتمر يقول: قال لي أبي حين حضره الموت:
يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله عز وجل وأنا حسن الظن به.
عن رقبة قال: رأيت رب العزة في المنام فقال: وعزتي لأكرمن مثوى سليمان،
يعني التيمي.
وبلغنا من طريق آخر عن رقبة أنه قال: رأيت رب العزة تبارك وتعالى في
النوم فقال: يا رقبة وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي فإنه صلى
أربعين سنة على ظهر العتمة،
(2/177)
قال: فجئت
إلى سليمان فحدثته فقال: أنت رأيت هذا؟ قلت: نعم، قال: لأحدثنك بمائة
حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما جئتني به من البشارة. قال:
فلما كان بعد مديدة مات فرأيته مات في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي وأدناني وقربني وغلفني بيده وقال: هكذا أفعل بأبناء ثلاث
وثمانين.
أسند سليمان التيمي عن أنس بن مالك وعن أبي مالك النهدي وأبي مجلز
والحسن وابن سيرين وأبي العالية في آخرين وتوفي بالبصرة سنة ثلاث
وأربعين ومائة.
(2/178)
529 -
داود بن أبي هند
يكنى أبا بكر، مولى لآل الأعلم القشيريين وكان يفتي في زمان الحسن.
واسم أبي هند: دينار.
عن عمرو بن علي قال: سمعت ابن أبي عدي يقول: صام داود أربعين سنة لا
يعلم به أهله. وكان خزازاً يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدق به في
الطريق ويرجع عشياً فيفطر معهم.
سفيان قال: سمعت داود بن أبي هند يقول: أصابني يعني الطاعون فأغمي علي
فكأن اثنين أتياني فغمز أحدهما عكدة لساني وغمز الآخر أخمص قدمي فقال:
أي شيء تجد؟ فقال: تسبيحاً وتكبيراً وشيئاً من خطو إلى المسجد وشيئاً
من قراءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن حينئذ، وكنت أذهب في الحاجة
فأقول: لو ذكرت الله حتى آتي حاجتي فعوفيت فأقبلت على القرآن فتعلمته.
أسند داود عن أنس بن مالك، وروى عن كبار التابعين كسعيد بن المسيب وابي
عثمان النهدي وأبي العالية والحسن وغيرهم، وتوفي في سنة تسع وثلاثين
ومائة.
ـــــــ
529 - هو: داود بن أبي هند القشيري مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد
البصري، ثقة متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة مات سنة أربعين وقيل
قبلها.
(2/178)
530 -
عاصم بن سليمان الأحول
يكنى أبا عبد الرحمن مولى لبني تميم كان قاضياً بالمدائن في خلافة أبي
جعفر، وكان على الحسبة في المكاييل والموازين بالكوفة.
ـــــــ
530 - هو: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصري، ثقة لم يتكلم
فيه إلا ابن القطان فكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين
(2/178)
531 -
يونس بن عبيد
يكنى أبا عبد الله. مولى لعبد القيس.
رسته قال: سمعت زهيراً يقول: كان يونس بن عبيد خزازاً فجاء رجل يطلب
ثوباً فقال لغلامه: انشر الرزمة. فنشر الغلام الرزمة وضرب بيده عليها
وقال: صلى الله على محمد. ارفعه ارفعه، وأبى أن يبيعه مخافة أن يكون
مدحه.
مؤمل بن إسماعيل قال: جاء رجل من أهل الشام إلى سوق الخزازين فقال
مطرف: بأربعمائة. فقال يونس بن عبيد: عندنا بمائتين. فنادى مند بالصلاة
فانطلق يونس إلى بني قشير ليصلي بهم.
فجاء وقد باع ابن أخيه المطرف من الشامي بأربعمائة. فقال يونس: ما هذه
الدراهم؟ قال: ذلك المطرف بعناه من هذا الرجل. قال يونس: يا عبد الله
المطرف الذي عرضت عليك بمائتي درهم، فإن شئت فخذه وخذ مائتين، وإن شئت
فدعه. قال: من أنت؟ قال: رجل من المسلمين. قال: بل أسألك بالله من أنت
وما اسمك؟ قال: يونس بن عبيد. قال: فوالله إنا لنكون في نحر العدو فإذا
اشتد الأمر علينا قلنا: اللهم رب يونس فرج عنا. أو شبيه هذا. فقال
يونس: سبحان الله سبحان الله.
بشر بن المفضل قال: جاءت امرأة بمطرف خز إلى يونس بن عبيد فألقته إليه
تعرضه عليه في السوق. فنظر إليه فقال لها: بكم؟ قالت: بستين درهماً.
قال: فألقاه إلى جار له: كيف تراه بعشرين ومائة؟ قال: أرى ذلك ثمنه أو
نحواً من ثمنه. قال: فقال لها: اذهبي فاستأمري أهلك في بيعه بخمس
وعشرين ومائة. قالت: قد أمروني أن أبيعه بستين. قال: ارجعي إليهم
فاستأمريهم.
ـــــــ
531 - هو: يونس بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، أبو عبيد البصري،
ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين.
(2/179)
أسماء بن
عبيد قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ليس شيء أعز من شيئين: درهم طيب
ورجل يعمل على سنة.
قال: وسمعت يونس يقول: إنما هما درهمان، درهم أمسكت عنه حتى طال لك
فأخذته، ودرهم وجب لله وجل عليك فيه حق فأديته.
جعفر بن برقان قال: بلغني عن يونس بن عبيد فضل وصلاح فكتبت إليه: يا
أخي بلغني عنك فضل وصلاح فأحببت أن أكتب إليك، فاكتب إلي بما أنت عليه.
فكتب إلي: أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه، وأخبرك أني
عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها وأن تكره لهم ما تكره لها فإذا
هي من ذلك بعيد ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكرهم إلا من خير فوجدت
الصوم في اليوم الحار الشديد الحر بالهواجر بالبصرة أيسر عليها من ترك
ذكرهم، هذا أمري - يا أخي - والسلام.
عن سلام بن أبي مطيع أو غيره قال: ما كان يونس بأكثرهم صلاة ولا صوماً
ولكن لا والله ما حضر حق من حقوق الله عز وجل إلا وهو متهيئ له.
إسحاق بن إبراهيم قال: نظر يونس بن عبيد إلى قدميه عند موته فبكى فقيل
له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: قدماي لم تغبرا في سبيل الله عز
وجل.
قال غسان: وحدثنا سعيد بن عامر عن يونس بن عبيد قال: إنك تكاد تعرف ورع
الرجل في كلامه إذا تكلم.
مبارك بن فضالة عن يونس بن عبيد قال: لا تجد شيئاً من البر واحداً
يتبعه البر كله غير اللسان فإنك تجد الرجل يكثر الصيام ويفطر على
الحرام، ويقوم الليل ويشهد بالزور، وذكر شيئاً نحو هذا، ولكن لا تجده
لا يتكلم إلا بحق فيخالف ذلك علمه أبداً.
غسان بن المفضل قال: حدثني بعض أصحابنا من البصريين قال: جاء رجل إلى
يونس بن عبيد فشكا إليه ضيقاً من حاله ومعاشه واغتماماً منه بذلك فقال
له يونس: أيسرك ببصرك هذا الذي تبصر به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فسمعك
الذي تسمع به يسرك به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فؤادك الذي تعقل به يسرك
به مائة ألف؟ قال: لا. قال: فيداك يسرك بهما مائة ألف؟ قال: لا.
فرجلاك؟ قال: فذكره نعم الله عز وجل عليه. فأقبل عليه يونس فقال: أرى
لك مئين ألوفاً وأنت تشكو الحاجة.
(2/180)
عن حماد
بن زيد قال: شكا رجل إلى يونس بن عبيد وجعاً يجده في بطنه فقال له
يونس: يا عبد الله هذه دار لا توافقك، فالتمس داراً توافقك.
عن جسر قال: دخلت على يونس بن عبيد فقال: منذ دخلت علينا قد مضى من
آجالنا.
أمية بن بسطام قال: جاءت يونس بن عبيد امرأة بجبة خز فقالت له: اشترها
فقال: بكم تبيعينها؟ قالت: بخمس مائة. قال: هي خير من ذلك. قالت:
بستمائة. قال: هي خير من ذلك. فلم يزل يقول: هي خير من ذلك حتى بلغت
ألفاً وقد بذلتها بخمس مائة.
قال أمية: وكان يونس بن عبيد يشتري الابرسيم من البصرة فيبعث به إلى
وكيله بالسوس. فكان وكيله يبعث إليه بالخز.
فإن كتب وكيله إليه: أن المتاع عندهم زائد لم يشتر منهم أبداً حتى
يخبرهم أن وكيله كتب إليه أن المتاع عندهم زائد.
أمية قال: كان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع أرسل وكيله بالسوس أن أعلم
من تشتري منه أن المتاع يطلب. وكلاماً ذا معناه.
أحمد بن سعيد الدارمي قال: سمعت النضر بن شميل وسعيد بن عامر يقولان:
غلا الحرير. وقال أحدهما: بالخز في موضع كان إذا غلا هناك غلا بالبصرة.
وكان يونس بن عبيد خزازاً علم بذلك فاشترى من رجل متاعاً بثلاثين ألفاً
فلما كان بعد ذلك قال لصاحبه: هل كنت قد علمت أن المتاع قد غلا بأرض
كذا وكذا؟ قال: لا ولو علمت لم أبع قال: هلم هلم إلى مالي وخذ مالك.
ورد عليه الثلاثين ألفاً.
عبيد الله بن سلام الباهلي قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: لو أصبت
درهماً حلالاً من تجارة لاشتريت به براً ثم صيرته سويقاً ثم سقيته
المرضى.
ضمرة عن ابن شوذب قال: اجتمع يونس بن عبيد وعبد الله بن عون فتذاكروا
الحلال. فكلاهما يقول ما أرى في بيتي درهماً حلالاً.
سليمان بن المغيرة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما أعلم شيئاً أقل طيب
ينفقه صاحبه في حق، أو أخ يسكن إليه في الإسلام وما يزدادان إلا قلة.
عن هشام بن حسان قال: ما رأيت أحداً يطلب بالعلم وجه الله عز وجل إلا
يونس بن عبيد.
(2/181)
عن ضمرة
عن ابن شوذب قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: خصلتان إذا صلحتا من العبد
صلح ما سواهما من أمره: صلاته ولسانه.
حماد بن زيد قال: مرض يونس بن عبيد فقال أيوب السخيتاني: ما في العيش
بعدك من خير.
سكن الحرشي قال: جاءني يونس بن عبيد بشاة فقال: بعها وابرأ من أنها
تقلب العلف وتنزع الوتد ولا تبرأ بعد ما تبيع بل قل لمن تبيع.
حماد بن سلمة قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما أهم رجلاً كسبه إلا أهمه
أين يضعه.
قال ابن عائشةك وثنا سعيد بن عامر قال: قال يونس بن عبيد: ما لي تضيع
لي الدجاجة فأجد لها وتفوتني الصلاة فلا أجد لها.
منصور بن بشر قال: سمعت يونس بن عبيد يقول: ما من الناس أحد يكون لسانه
منه على بال إلا رأيت ذلك صلاحاً في سائر عمله.
عن معاذ بن الأعلم عن يونس ابن عبيد قال: ما شبهت الدنيا إلا كرجل نائم
في منامه ما يكره وما يحب، فبينما هو كذلك إذا انتبه.
بشر بن الحارث قال: قال يونس بن عبيد: إني لأعرف مائة خصلة من البر ما
في منها واحدة.
حماد بن زيد قال: قال لنا يونس بن عبيد: احفظوا عني ثلاثاً مت أو عشت:
لا يدخلن أحدكم على سلطان يعظه، ولا يخل بامرأة شابة وإن أقرأها
القرآن، ولا يمكن سمعه من ذي هوى.
أسند يونس بن عبيد عن أنس بن مالك وروى كثيراً عن الحسن وابن سيرين
وعطاء وعكرمة ونظرائهم، وتوفي في سنة تسع وثلاثين ومائة. قيل سنة أربع
وثلاثين.
(2/182)
532 -
عبد الله بن عون بن أرطبان
يكنى أبا عون مولى عبد الله بن ذرة المزني.
بكار قال: ما رأيت ابن عون بمازح أحداً ولا يماري أحداً. وكان مشغولاً
بنفسه. وكان
ـــــــ
532 - هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل من
أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين على
الصحيح.
(2/182)
إذا صلى
الغداة مكث مستقبلاً القبلة في مجلسه يذكر الله عز وجل فإذا طلعت الشمس
صلى ثم أقبل على أصحابه وما رأيته شاتماً أحداً قط عبداً ولا أمة ولا
دجاجة ولا شاة ولا رأيت أحداً أملك للسانه منه، وكان يصوم يوماً ويفطر
يوماً حتى مات.
وكان إذا توضأ لا يعينه أحد وكان طيب الريح لين الكسوة وكان إذا خلا في
منزله إنما هو صامت لا يزيد على الحمد لله ربنا وما رأيته دخل حماماً
قط وكان إن وصل إنساناً بشيء وصله سراً، وإن صنع شيئاً صنعه سراً يكره
أن يطلع عليه أحد وكان له سبع يقرؤه كل ليلة فإذا لم يقرأه بالليلة
أتمه بالنهار وكان لا يحفي شاربه وكان يأخذه أخذاً وسطاً.
سعيد بن عامر قال: لم تر بعينيك كوفياً ولا بصرياً مثل ابن عون يحيى
القطان قال: ما ساد ابن عون الناس أن كان أتركهم للدنيا ولكن ابن عون
إنما ساد الناس بحفظ لسانه.
معاذ بن معاذ قال: حدثني غير واحد من أصحاب يونس بن عبيد قال: إني
لأعرف رجلاً منذ عشرين سنة يتمنى أن يسلم له يوم من أيام ابن عون فلا
يقدر عليه، وليس ذلك أن يسكت رجل يوماً لا يتكلم، ولكن يتكلم فيسلم كنا
يسلم ابن عون.
بكار بن محمد قال: صحبت ابن عون دهراً من الدهر حتى مات وأوصى إلى أبي،
فما سمعته حالفاً على يمين برة ولا فاجرة حتى فرق بيننا الموت.
ابن مهدي قال: ما كان بالعراق أحد أعلم بالسنة من ابن عون.
أبو بكر بن أصرم قال: قيل لابن المبارك ابن عون بما ارتفع؟ قال:
بالاستقامة.
عن خارجة، يعني ابن مصعب، قال: صحبت عبد الله يعني ابن عون أربعاً
وعشرين سنة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة.
محمد بن إسحاق الثقفي قال: سمعت محمد بن عبيد الله المنادي يقول: سمعت
روحاً يعني اب عبادة يقول: ما رأيت رجلاً أعبد من ابن عون.
بكار بن محمد قال: كان ابن عون لا يغضب وإذا أغضبه الرجل قال: بارك
الله فيك.
الأصمعي عن ابن عون قال: لو أن رجلاً انقطع إلى هؤلاء الملوك في الدنيا
لانتفع فكيف بمن ينقطع إلى من له السموات والأرض وما بينهما وما تحت
الثرى؟.
أبو مالك بشر بن الحسن قال: نازع ابن عون رجل فقال: لولا أن يكتب علي
لقلت.
(2/183)
حماد بن
زيد عن ابن عون قال: كانت له حوانيت يكريها. فكان لا يكريها من
المسلمين. فقيل له في ذلك فقال: إن لهذا إذا جاء رأس الشهر روعة وإني
أكره أن أروع المسلم.
هشام بن حسان قال: حدثني من لم تر عيناي مثله فقلت في نفسي اليوم
يستبين فضل الحسن وابن سيرين. قال: فأشار بيده إلى ابن عون وهو جالس.
قال الربالي: فذكرته للخليل بن شبان فقال: سمعت عمر بن حبيب يقول:
عثمان البتي يقول: ما رأت عيناي مثل ابن عون.
محمد بن عمر بن حرب قال: قال لنا بعض أصحابنا عن ابن عون أن نادته أمه
فأجابها فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.
قرة بن خالد قال: كنا نعجب من ورع ابن سيرين فأنساناه ابن عون.
أبو عاصم قال: سألت ابن عون فقلت: حدثني بهذا الحديث إن خف عليك. فقال:
لا تقل: إن خف. فقلت له: لمه؟ قال: أكره أن أحدثك ولا يخف علي فيكون
على خلاف ما سألت.
أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ابن عون،
فقال: كان لا يكري دوره من المسلمين. قلت: لأي علة؟ قال: لئلا يروعهم.
قال: وكان لابن عون جمل يستقي الماء فإذا غلام ابن عون قد ضرب الجمل
فذهب بعينه فجاء الغلام وقد أرعب وظن أنهم قد شكوه. فلما رآه قد أرعب
قال: اذهب فأنت حر لوجه الله عز وجل.
أشعث بن سعيد قال: قال ابن عون: لن يصيب العبد حقيقة الرضا حتى يكون
رضاه عند الفقر كرضاه عند الغنى، كيف تستقضي الله في أمرك ثم تسخط إن
رأيت قضاءه مخالفاً لهواك ولعل ما هويت من ذلك لو وفق لك فيه هلكك،
وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا.
محمد بن عيسى قال: قدم ابن المبارك قدمة فقيل له: إلى أين تريد؟ قال:
إلى البصرة. قيل له: من بقي؟ قال: ابن عون آخذ من أخلاقه، آخذ من
آدابه.
أدرك ابن عون أنس بن مالك وصحبه ويقال إنه أسند عنه وروى عن الحسن وابن
سيرين وأبي رجاء العطاردي والقاسم بن محمد ومجاهد ونافع في آخرين.
(2/184)
محمد بن
سعد قال: أخبرنا بكار قال: كان ابن عون في مرضه أصبر من أنت راء، ما
رأيته يشكو شيئاً من علته حتى مات، ومات في رجب سنة إحدى وخمسين ومائة.
(2/185)
533 -
هشام بن حسان
أبو عبد الله القردوسي من الأزد.
حماد بن زيد قال: حدثتني فارسية كانت تكون مع هشام في الدار قالت: أي
ذنب عمل هذا، من قتل هذا؟ الليل كله يبكي.
روى هشام عن عطاء وغيره وقال: جاورت الحسين عشر سنين، وتوفي في أول يوم
من صفر سنة ثمان وأربعين ومائة. وقيل سنة سبع وأربعين ومائة.
ـــــــ
533 - هو: هشام بن حسان الأزدي القردوسي - بالقاف وضم الدال - أبو عبد
الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن
وعطاء مقال لأنه قيل كان يرسل عنهما، من السادسة مات سنة سبع - أو ثمان
- وأربعين.
(2/185)
534 -
عمران بن مسلم القصير
أبو معاوية الغلابي قال: حدثني رجل قال: كان عمران القصير يقول
لجلسائه: ألا حر كريم يصبر أياماً قلائل؟
عبد الله بن مغيث بن سعدان اليشكري قال: حدثتني أمينة بنت عمران من
أبيها، وكان قد عاهد الله أن لا ينام بليل أبداً إلا مستغلباً، قالت:
قال إني حببت إلي طاعة الله تعالى طول الحياة ولولا الركوع والسجود
وقراءة القرآن ما باليت أن لا أعيش في الدنيا فواقاً. قالت: فلم يزل
مجهوداً على ذلك حتى مات رحمه الله.
قالت: فرأيته في منامي فقلت: يا أبت إنه لا عهد لي بك منذ فارقتنا قال:
يا بنية وكيف تعهدين من فارق الحياة وصار إلى ضيق القبور وظلمتها؟
قالت: فقلت: يا أبت كيف حالك منذ فارقتنا؟ قال: خير حال بؤئنا المنال
ومهدت لنا المضاجع ونحن ها هنا يغدى ويراح برزقنا من الجنة. قالت:
فقلت: فما الذي بلغك هذا؟ قال: الصبر الصالح وكثرة التلاوة لكتاب الله
تعالى.
ذكر هذه الحكاية أبو نعيم في ترجمة عمران القصير، وقد ذكرها ابن أبي
الدنيا في كتاب المنامات عن عمران ابن زيد.
ـــــــ
534 - هو: عمران بن مسلم المقري - بكسر الميم وسكون النون - أبو بكر
القصير، البصري، صدوق ربما وهم، قيل: هو الذي روى عن عبد الله بن
دينار، بل هو غيره، وهو مكي من السادسة.
(2/185)
535 -
كهمس بن الحسن القيسي
يكنى أبا عبيد الله. الهيثم بن معاوية عن شيخ من أصحابه قال: كان كهمس
يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة فإذا مل قال لنفسه: قومي يا مأوى كل
سوء فوالله ما رضيتك لله ساعة قط.
عبد الملك بن قريب قال: كان كهمس يعمل في الجص كل يوم بدانقين، فإذا
أمسى اشترى به فاكهة فأتى بها إلى أمه.
يحيى بن كثير صاحب البصري قال: اشترى كهمس دقيقاً بدرهم فأكل منه، فلما
طال عليه كاله فإذا هو كما وضعه فجعل بعد لا يأخذ منه شيئاً إلا نقص
حتى فني.
موسى بن هلال العبدي قال: قال لي كهمس بمكة: كان لي جار يشتري هذا
التمر والرطب ويسأل لي عن الحوائط فمذ مات تركت التمر.
أحمد بن الفتح قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: خرج يوماً كهمس ومعه
دينار فسقط منه وطلبه فوجده. قال: فتركه وقال: لعل هذا الدينار غير ذاك
الدينار، وأكل ذات يوم سمكاً فأخذ من حائط جاره طيناً فغسل به يده
فقال: أنا اليوم منذ أربعين سنة أبكي على ذاك الطين لم أخذته بغير
علمه؟.
عمارة بن زازان قال: قال لي كهمس بن الحسن: يا أبا سلمة أذنبت ذنباً
وأنا أبكي عليه أربعين سنة. قلت وما هو يا أبا عبد الله؟ قال: زارني أخ
لي فاشتريت له سمكاً بدانق فلما أكل قمت إلى حائط جار لي فأخذت منه
قطعة طين فغسل بها يده، فأنا أبكي عليه منذ أربعين سنة.
أبو عطاء الرملي قال: كان كهمس يقول في جوف الليل: أتراك معذبي وأنت
قرة عيني يا حبيب قلباه؟.
أحمد بن الفتح قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: كان كهمس يصلي حتى يغشى
عليه.
ـــــــ
535 - هو: كهمس بن الحسن التميمي، أبو الحسن البصري، ثقة من الخامسة،
مات سنة تسع وأربعين.
(2/186)
عن إسحاق
بن إبراهيم قال: دخلنا على كهمس العابد فقرب إلينا إحدى عشرة بسرة
حمراء وقال: هذا الجهد من أخيكم والله المستعان.
أسند كهمس عن خلق كثير من التابعين منهم: عبد الله بن شقيق العقيلي
وعبد الله بن بريدة ومحمد بن عمر ومصعب بن ثابت. وكان مشغولاً بخدمة
أمه مع تعبده، فلما ماتت خرج إلى مكة فأقام إلى أن مات هناك.
(2/187)
536 -
حبيب أبو محمد الفارسي
كان مجاب الدعوى حضر مجلس الحسن فتأثر بموعظته فخرج عما كان يملك.
يونس بن محمد قال: سمعت مشيخة يقولون: وكان الحسن يجلس في مجلسه الذي
يذكر فيه في كل يوم، وكان حبيب أبو محمد يجلس في مجلسه الذي يأتيه فيه
أهل الدنيا والتجار وهو غافل عما فيه الحسن لا يلتفت إلى شيء من
مقالته. إلى أن التفت إليه يوماً فذكره الحسن بالجنة وخوفه من النار
فانصرف من عنده فلم يزل في تبديد ماله حتى لم يبق له شيء ثم جعل بعد
يستقرض على الله.
قال يونس: وجاء رجل إلى أبي محمد فشكا إليه ديناً عليه فقال: اذهب
فاستقرض وأنا أضمن. فأتى رجلاً فأقرضه خمس مائة درهم وضمنها أبو محمد.
ثم جاء الرجل فقال: يا أبا محمد دراهمي، فقد أضر بي حبسها. فقال: نعم
غداً. فتوضأ أبو محمد ودخل المسجد ودعا الله تعالى. وجاء الرجل فقال
له: اذهب فإن وجدت في المسجد شيئاً فخذه. فذهب فإذا في المسجد صروة
فيها خمس مائة درهم فذهب فوجدها تزيد على خمس مائة فرجع إليه فقال: يا
أبا محمد تلك الدراهم تزيد. فقال اذهب فهي لك، من وزنها وزنها راجحة.
جعفر بن سليمان قال: سمعت حبيباً يقول: أتانا سائل وقد عجنت عمرة وذهبت
تجيء بنار تخبزه فقلت للسائل: خذ العجين فاحتمله.
فجاءت عمرة فقالت: أين العجين؟ فقلت: ذهبوا به يخبزونه. قال: فلما
أكثرت علي أخبرتها فقالت: سبحان الله لا بد لنا من شيء نأكله قال: فإذا
رجل قد جاء بجفنة عظيمة مملوءة خبزاً ولحماً. فقالت عمرة: ما أسرع ما
ردوه عليك قد خبزوه وجعلوا معه لحماً.
ـــــــ
536 - هو: حبيب أبو محمد الفارسي، من ساكني البصرة، كان صاحب كرامات،
مجاب الدعوات، حاية الأولياء 6/161.
(2/187)
جعفر قال:
كان حبيب أبو محمد رقيقاً من أكثر الناس بكاء. فبكى ذات ليلة كثيراً
فقالت عمرة بالفارسية: لم تبكي يا أبا محمد؟ فقال لها حبيب: دعيني فإني
أريد أن أسلك طريقاً لم أسلكه قبل.
قال: وسمعت حبيباً يقول والله إن الشيطان ليلعب بالقراء كما يلعب
الصبيان بالجوز. ولو أن الله دعاني يوم القيامة فقال: يا حبيب فقلت:
لبيك، فقال: جئني بصلاة يوم أو صوم يوم أو ركعة أو سجدة أو تسبيحة
اتقيت عليها من إبليس أن يكون طعن فيها طعنة فأفسدها، ما استطعت.
وسمعت حبيباً يقول: لا تقعدوا فراغاً فإن الموت يليكم.
جميل أبو علي قال: قال حبيب: إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه
ذنوبه.
خلف بن الوليد قال: اشترى حبيب الفارسي نفسه من ربه أربع مرات بأربعين
ألف درهم. أخرج بدرة فقال: يا رب اشتريت منك نفسي بهذه. ثم أخرج بدرة
أخرى فقال: إلهي إن كنت قبلت تلك فهذه شكر لها. ثم أخرج الثالثة فقال:
إلهي إن كنت لم تقبل الأولى والثانية فاقبل هذه. ثم أخرج الرابعة فقال:
إلهي إن كنت قبلت الثالثة فهذه شكر لها.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: كان حبيب أبو
محمد يأخذ متاعاً من التجار يتصدق به فأخذ مرة فلم يجد شيئاً يعطيهم
فقال: يا رب كأنه، أي ينكسر وجهي عندهم فدخل فإذا هو بجوالق من شعر
كأنه نصب من أرض البيت إلى قريب السقف مملوءاً دراهم فقال: يا رب ليس
أريد هذا، فأخذ حاجته وترك البقية.
مسلم بن إبراهيم قال: إن رجلاً أتى حبيباً فقال: إن لي عليك ثلاثمئة
درهم قال: من أين؟ قال: لي عليك ثلاثمئة درهم. قال حبيب: اذهب إلى غد.
فلما كان من الليل توضأ وصلى وقال: اللهم إن كان صادقاً فأد إليه وإن
كان كاذباً فابتله في بدنه. قال: فجيء بالرجل من غد قد حمل وقد ضرب شقه
الفالج. فقال: ما لك؟ قال: أنا الذي جئتك بالأمس، لم يكن لي عليك شيء
وإنما قلت يستحيي من الناس فيعطيني. فقال له: تعود؟ قال: اللهم إن كان
صادقاً فألبسه العافية. فقام الرجل على الأرض كأن لم يكن به شيء.
عن السري بن يحيى قال: اشترى أبو محمد حبيب طعاماً في مجاعة أصابت
الناس فقسمه على المساكين ثم خاط أكيسة فجعلها تحت فراشه ثم دعا الله
فجاء أصحاب الطعام يتقاضونه فأخرج تلك الأكيسة فإذا هي مملوءة دراهم
فوزنها فإذا هي حقوقهم فدفعها إليهم.
(2/188)
عن السري
بن يحيى قال: كان حبيب أبو محمد يرى يوم التروية بالبصرة ويرى يوم عرفة
بعرفات.
عن حماد قال: شهدت حبيباً الفارسي يوماً فجاءته امرأة فقالت: يا أبا
محمد. كأنها طلبت منه شيئاً. فقال لها: كم لك من العيال؟ فقالت: كذا
وكذا. فقام حبيب أبو محمد إلى وضوئه فتوضأ ثم جاء إلى مصلاه فصلى بخضوع
وسكون. فلما فرغ قال: يا رب إن الناس يحسنون ظنهم بي وذاك من سترك علي
فلا تخلف ظنهم بي، ثم رفع حصيره فإذا بخمسين درهماً فأعطاه إياها. ثم
قال: يا حماد اكتم ما رأيت حياتي.
عبد الواحد بن زيد قال: كنا عند مالك بن دينار ومعنا محمد بن واسع
وحبيب أبو محمد. فجاء رجل فكلم مالكاً فأغلظ في قسمة قسمها وقال:
وضعتها في غير حقها وتتبعت بها أهل مجلسك ومن يغشاك لتكثر غاشيتك وتصرف
وجوه الناس إليك. قال: فبكى مالك وقال: والله ما أردت هذا. قال: بلى
والله لقد أردت هذا. فجعل مالك يبكي والرجل يغلظ له. فلما كثر ذلك
عليهم رفع حبيب يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إن هذا قد شغلنا عن ذكرك
فأرحنا منه كيف شئت. قال: فسقط والله الرجل على وجهه ميتاً فحمل إلى
أهله على سرير، وكان يقال: إن أبا محمد مستجاب الدعوة.
أبو قرة محمد بن ثابت قال: قال حبيب أبو محمد: لا قرة عين لمن لم تقر
عينه بك، ولا فرح لمن لم يفرح بك. وعزتك إنك لتعلم أني أحبك.
عبيد الله بن محمد التيمي قال: أصحابنا قالوا: كان حبيب أبو محمد يخلو
في بيته ويقول: من لم تقر عينه بك فلا قرت، ومن لم يأنس بك فلا أنس.
إسماعيل بن زكريا. وكان جاراً لحبيب أبي محمد، قال: كنت إذا أمسيت سمعت
بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه. فأتيت أهله فقلت: ما شأنه يبكي إذا أمسى
ويبكي إذا أصبح. قال: فقالت لي: يخاف والله إذا أمسى أن لا يصبح، وإذا
أصبح أن لا يمسي.
أبو زكريا قال: قالت امرأة حبيب أبي محمد كان يقول: إن مت اليوم فأرسلي
إلى فلان يغسلني وافعلي كذا واصنعي كذا. فقيل لامرأته أرأى رؤيا؟ قالت:
هذا يقوله كل يوم.
عن عبد الواحد بن زيد أن حبيباً أبا محمد جزع جزعاً شديداً عند الموت
فجعل يقول بالفارسية: أريد أن أسافر سفراً ما سافرته قط، أريد أن أسلك
طريقاً ما سلكته قط، أريد أن
(2/189)
أزور سيدي
ومولاي وما رأيته قط، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قط، أريد
أن أدخل تحت التراب فأبقى تحته إلى يوم القيامة.
ثم أوقف بين يدي الله فأخاف أن يقول لي: يا حبيب هات تسبيحة واحدة
سبحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء. فماذا أقول وليس لي
حيلة أقول: يا رب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي.
قال عبد الواحد: هذا عبد الله ستين سنة مشتغلاً به ولم يشتغل من الدنيا
بشيء قط فأي شيء حالنا؟ واغوثاه بالله.
أحمد بن عبد الله قال: كان حبيب مشغولاً بالتعبد ولا نعرف له حديثاً
مسنداً. قال: وقد قيل أنه أسند عن الحسن وابن سيرين وهو وهم من قائله،
فإن حبيباً الذي أسند عنهما حبيب المعلم ويحفظ له حكاية عن الفرزدق.
(2/190)
537 -
عبد الواحد بن زيد
حاتم بن سليمان قال: شهدت عبد الواحد بن زيد في جنازة حوشب فلما دفن
قال: رحمك الله يا أبا بشر فلقد كنت حذراً من مثل هذا اليوم رحمك الله
يا أبا بشر فلقد كنت من الموت جزعاً أما والله لئن استطعت لأعملن رجلي
بعد مصرعك هذا. قال: ثم شمر بعد واجتهد.
الحارث بن عبيد قال: كان عبد الواحد بن زيد يجلس إلى جنبي عند مالك بن
دينار فكنت لا أفهم كثيراً من موعظة مالك لكثرة بكاء عبد الواحد.
زيد بن عمر قال: شهدت مجلس عبد الواحد بن زيد بعد العصر فكنت أنظر إلى
منكبيه ترتعد ودموعه تتحدر على لحيته وهو ساكت والناس يبكون فقال: ألا
ستتحيون من طول ما لا تستحيون؟ وفي القوم فتى فغشي عليه فما أفاق حتى
غربت الشمس. فأفاق هو يقول: ما لي ما لي؟ كأنه يعمي على الناس أمره. ثم
خرج فتوضأ.
مسمع بن عاصم قال: شهدت عبد الواحد ذات يوم وهو يعظ. قال: فمات يومئذ
في ذلك المجلس أربعة أنفس قبل أن يقوم. قال مسمع: فأنا شهدت جنازة
بعضهم.
ـــــــ
537 - هو: عبد الواحد بن زيد البصري الزاهد، شيخ الصوفية وواعظهم، قال
البخاري: عبد الواحد صاحب الحسن تركوه، وقال الجوزجاني: سيئ المذهب،
ليس من معادن الصدق، ميزان الإعتدال 4/424.
(2/190)
مالك بن
ضيغم قال: سمعت بكر بن مصاد يقول: عبد الواحد بن زيد يقول: إخوتاه ألا
تبكون شوقاً إلى الله عز وجل؟ ألا إنه من بكي شوقاً إلى سيده لم يحرمه
النظر إليه، يا إخوتاه ألا تبكون خوفاً من النار؟ ألا إنه من بكى خوفاً
من النار أعاذه الله منها. يا إخوتاه ألا تبكون؟ بلى فابكوا على الماء
البارد أيام الدنيا لعله يسقيكموه في حظائر العرش مع خير الندماء
والأصحاب من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
قال: ثم جعل يبكي حتى غشي عليه.
حصين بن القاسم الوزان يقول: لو قسم بث عبد الواحد بن زيد على أهل
البصرة لوسعهم فإذا أقبل سواد الليل فطرت إليه كأنه فرس رهان مضمر
متحزم. ثم يقوم إلى محرابه كأنه رجل مخاطب.
حبان الأسود قال: حدثني عبد الواحد بن زيد قال: أصابتني علة في ساقي
فكنت أتحامل عليها للصلاة. قال: فقمت عليها من الليل فأجهدت وجعاً
فجلست ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه فنمت فبينما أنا كذلك
إذا بجارية تفوق الدمى حسناً تخطر بين جوار مزينات حتى وقفت علي وهن
خلفها. فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا تهجنه فأقبلن نحوي فاحتملنني عن الأرض
وأنا أنظر إليهن في منامي. ثم قالت لغيرهن من الجواري اللائي معها:
افرشنه ومهدنه ووطئن له ووسدنه. قال: ففرشن تحتي سبع حشايا لم أر لهن
في الدنيا مثلاً ووضعن تحت رأسي مرافق خضراً حساناً. ثم قالت للائي
حملنني: اجعلنه على الفرش رويداً لا تهجنه. قال: فجعلت على تلك الفرش
وأنا أنظر إليها وما تأمر به من شأني. ثم قالت: احففنه بالريحان قال:
فأتي بياسمين فحفت به الفرش. ثم قامت إلي فوضعت يدها على علتي التي كنت
أجد في ساقي فمسحت ذلك المكان بيدها ثم قالت: قم شفاك الله إلى صلاتك
غير مضرور. وقال: فاستيقظت والله كأني قد أنشطت من عقال فما اشتكيت تلك
العلة ليلتي تلك ولا ذهبت حلاوة منطقها من قلبي: قم شفاك الله إلى
صلاتك غير مضرور.
أحمد بن أبي الحواري قال: قال لي أبو سليمان الداراني: أصاب عبد الواحد
بن زيد الفالج فسأل الله أن يطلقه في وقت الوضوء. فإذا أراد أن يتوضأ
انطلق وإذا رجع إلى سريره عاد عليه الفالج.
محمد بن عبد الله الخزاعي قال: صلى عبد الواحد بن زيد الغداة بوضوء
العتمة أربعين سنة.
(2/191)
قال أبو
سليمان الداراني: ذكر لي عن عبد الواحد بن زيد قال: نمت عن وردي ليلة
فإذا أنا بجارية لم أر أحسن وجهً منها عليها ثياب حرير خضر وفي رجليها
نعلان والنعلان يسبحان والزمامان يقدسان، وهي تقول: يا ابن زيد جد في
طلبي فإني في طلبك ثم جعلت تقول:
من يشتريني ومن يكن سكني ... يأمن في ربحه من الغبن
فقلت: يا جارية ما ثمنك؟ فأنشأت تقول:
تودد الله مع محبته ... وطول فكر يشاب بالحزن
فقلت: لمن أنت يا جارية؟ فقالت:
لمالك لا يرد لي ثمناً ... من خاطب قد أتاه بالثمن
فانتبه وآلى على نفسه أن لا ينام الليل.
أسند عبد الواحد عن الحسن البصري وأسلم الكوفي.
(2/192)
538 -
عطاء السليمي
أبو عبد الله بن أبي عبيدة قال: سمعت عفيرة تقول: لم يرفع عطاء رأسه
إلى السماء ولم يضحك أربعين حجة. فرفع رأسه مرة ففتق في بطنه فتق.
بشر بن منصور قالف: كنت أوقد بين يدي عطاء السليمي في غداة باردة. فقلت
له: يا عطاء أيسرك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار ولا
تبعث إلى الحساب؟ فقال لي: إي ورب الكعبة قال: والله مع ذلك لو أمرت به
لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً قبل أن أصل إليها.
نعيم بن مورع قال: كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد
وبكى بكاء شديداً فقيل له فقيل له في ذلك فقال: إني أريد أن أقدم على
أمر عظيم، إني أريد أن أقوم بين يدي الله تعالى.
عن صالح المري قال: كان عطاء السليمي قد أضر بنفسه حتى ضعف قال: قلت
له: إنك قد أضررت بنفسك وأنا متكلف لك شيئاً فلا ترد كرامتي، قال:
افعل؛ قال: فاشتريت له سويقاً
ـــــــ
538 - هو: عطاء السليمي، قتل مع ابن الأشعث، قال الذهبي: لا يدرى من
عطاء هذا الذي ذكره البخاري أنه قتل مع الأشعث ولم يسند شيئا، قال ابن
عدي: هذا يعد من زهاد البصرة، وله كلام دقيق في الزهد ميزان الاعتدال
5/98.
(2/192)
من أجود
ما وجدت وسمناً فجعلت له شريبة ولينتها وحليتها وأرسلتها مع ابني
وكوزاً من ماء وقلت له لا تبرح حتى يشربها. فرجع فقال: قد شربها. فلما
كان من الغد جعلت له نحوها ثم سرحت بها مع ابني فرجع بها لم يشربها.
قال فأتيته فلمته فقلت: سبحان الله رددت علي كرامتي؟ إن هذا مما يعينك
ويقويك على الصلاة وعلى ذكر الله. قال: فلما رآني قد وجدت من ذلك قال:
يا أبا بشر لا يسوءك الله قد شربتها أول ما بعثت بها فلما كان الغد
راودت نفسي على أن تسيغها فما قدرت على ذلك، إذا أردت أن أشربها ذكرت
هذه الآية: {يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ
الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ
عَذَابٌ غَلِيظٌ} إبراهيم فبكى صالح عند هذا وقال: قلت لنفسي: ألا
أراني في واد وأنت في آخر؟.
العلاء بن محمد قال: دخلت على عطاء السليمي وقد غشي عليه فقلت لامرأته
أم جعفر: ما شأن عطاء؟ فقالت: سجرت جارتنا التنور فنظر إليه فخر مغشياً
عليه.
إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثتني عفيرة العابدة وكانت قد ذهب
بصرها من العبادة قالت: كان عطاء إذا بكى بكى ثلاثة أيام وثلاث ليال.
قالت عفيرة: وحدثني إبراهيم المحلمي قال: أتيت عطاء السليمي فلم أجده
في بيته. قال: فنظرت فإذا هو في ناحية الحجرة جالس وإذا حوله بلل، قال:
فظننت أنه أثر وضوء توضأه. فقالت: لي عجوز معه في الدار: أثر دموعه.
سوار أبو عبيدة قال: قالت لي امرأة عطاء السليمي: عاتب عطاء في كثرة
البكاء، فعاتبته فقال لي: يا سوار كيف تعاتبني في شيء ليس هو إلي؟ إني
إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه تمثلت لي نفسي
بهم فكيف لنفس تغل يدها إلى عنقها وتسحب في النار؟ ألا تصيح فتبكي؟
وكيف لنفس تعذب ألا تبكي؟ ويحك يا سوار وما أقل غناء البكاء عن أهله إن
لم يرحمهم الله.
بشر بن منصور قال: قلت لعطاء السليمي: يا عطاء لماذا الحزن؟ قال: ويحك
الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي،
وربي لا أدري ما يصنع
(2/193)
بي، ثم
تنفس فغشي عليه. فترك خمس صلوات. فلما أفاق أخبرته فقال: ويحك إذا ذهب
عقلي تخاف علي شيئاً؟ ثم تنفس فغشي عليه فترك صلاتين.
العلاء بن محمد البصري قال: شهدت عطاء السليمي خرج في جنازة فغشي عليه
أربع مرات حتى صلي عليه كل ذلك يغشى عليه ثم يفيق فإذا نظر إلى الجنازة
خر مغشياً عليه.
بشر بن منصور قال: كنت أسمع عطاء السليمي كل عشية بعد العصر يقول: غداً
عطاء في القبر.
عن إبراهيم بن أدهم قال: كان عطاء يمس جسده بالليل خوفاً من ذنوبه
مخافه أن يكون قد مسخ.
معاوية الكندي قال: كان عطاء عند حجام والمحاجم على عنقه فمر صبي معه
شعلة نار فأصابت النار الريح فسمع ذلك منها فخر مغشياً عليه فحمل إلى
منزله ما يعقل.
عبد الخالق قال: قال رجل لعطاء يوماً: ما هذا الذي تصنع بنفسك؟ قتلت
نفساً؟ أي شيء صنعت؟ قال: اصطدت حماماً لجار لي منذ أربعين سنة، قال:
ثم قال: أما إني قد تصدقت بثمنه. كأنه لم يعرفه صاحبه.
عبد الخالق بن عبد الله العبدي قال: كان عطاء إذا جن عليه الليل خرج
إلى المقابر فوقف على أهل القبور ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه.
ثم يبكي ويقول: يا أهل القبور عاينتم ما عملتم فواعملاه. فلا يزال كذلك
حتى يصبح.
عن حماد بن زيد قال: رجعنا من جنازة فدخلنا على عطاء السليمي فلما رآنا
كأنه خائف أن يدخله شيء أي لكثرتنا. فقال: اللهم لا تمقتنا أو اللهم لا
تمقتني.
ثم قال: سمعت جعفر بن زيد يقول: مر رجل بمجلس فأثنوا عليه خيراً. فلما
جاوزهم قام وقال: اللهم إن كان هؤلاء لا يعرفونني فأنت تعرفني.
علي بن بكار قال: مكث عطاء السليمي أربعين سنة على فراشه لا يقوم من
الخوف ولا يخرج.
أبو جعفر بن الطباع قال: سمعت مخلداً يقول: ما رأيت أحداً كان أفضل من
عطاء السليمي، ولقد كانت الفاكهة تمر لا يعلم سعرها ولا يعرفها.
(2/194)
عن أبي
جعفر السائح قال: كان عطاء السليمي يقول: التمسوا لي هذه الأحاديث في
الرخص عسى الله أن يروح عني بعض ما أنا فيه من الغم.
محمد بن معاوية الأزرق قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قيل لعطاء السليمي
ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن أبكي حتى لا أقدر على أن أبكي. قال: وكان يبكي
الليل والنهار وكانت دموعه الدهر سائلة على وجهه.
أبو يزيد الهدادي قال: انصرفت ذات يوم من الجمعة فإذا عطاء السليمي
وعمر بن درهم يمشيان، وكان عطاء قد بكى حتى عمش، وكان عمر قد صلى حتى
دبر، فقال عمر لعطاء: حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يكف؟
قال: فصاح عطاء صيحة خر مغشياً عليه فأنشج موضحة واجتمع الناس وعقد عمر
عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب. ثم أفاق فحمل.
سوار أبو عبيدة قال: انقطع عطاء السليمي قبل موته بثلاثين سنة.
قال: وما رأيت عطاء إلا وعيناه تفيضان. قال: وما كنت أشبه عطاء إذا
رأيته إلا بالمرأة الثكلى. قال: وكأن عطاء لم يكن من أهل الدنيا.
عن صالح المري قال: كان عطاء السليمي لا يكاد يدعو إنما يدعو بعض
أصحابه ويؤمن هو، قال: فحبس بعض أصحابه. فقيل له: ألك حاجة؟ قال: دعوة
من عطاء أن يفرج الله عني، قال صالح: فأتيته فقلت: يا أبا محمد أما تحب
أن يفرج الله عنك؟ قال: بلى والله إني لأحب ذلك، قلت: فإن جليسك فلاناً
قد حبس فادع الله أن يفرج عنه. فرفع يديه وبكى وقال: إلهي قد تعلم
حاجتنا قبل أن نسألكها قاقضها لنا، قال صالح: والله ما برحنا من البيت
حتى دخل الرجل.
صالح المري قال: قلت لعطاء السليمي ما تشتهي؟ فبكى وقال: أشتهي والله
يا أبا بشر أن أكون رماداً لا تجتمع منه سفة أبداً في الدنيا ولا في
الآخرة. قال صالح: فأبكاني والله وعلمت أنه إنما أراد النجاة من عسر
الحساب.
بشر بن منصور قال: كان عطاء السليمي يقول: رب ارحم في الدنيا عربتي،
وفي القبر وحدتي وطول مقامي غداً بين يديك.
(2/195)
أدرك عطاء
السليمي أيام أنس بن مالك. ولقي الحسن ومالك بن دينار وخلقاً من تلك
الطبقة، وشغلته العبادة عن الرواية.
صالح بن بشير المري قال: لما مات عطاء السليمي حزنت عليه حزناً شديداً
فرأيته في منامي فقلت: يا أبا محمد ألست في زمرة الموتى؟ قال: بلى،
قلت: فماذا صرت إليه بعد الموت؟ قال: صرت والله إلى خير كثير ورب غفور
شكور. قال: فقلت أما والله لقد كنت طويل الحزن في دار الدنيا. فتبسم
فقال: أما والله يا أبا بشر لقد أعقبني ذلك راحة طويلة وفرحاً دائماً.
قلت: ففي أي الدرجات أنت؟ قال: أنا مع الذين أنعم الله عليهم من
النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
(2/196)
539 -
أبو جهير مسعود الضرير
صالح المري، وساق الحديث للحراز قال: قال مالك بن دينار. اغد علي يا
أبا صالح إلى الجبان فإني قد وعدت نفراً من إخواني بأبي جهير مسعود
الضرير نسلم عليه.
قال صالح المري: وكان أبو جهير هذا رجلاً قد انقطع إلى زاوية يتعبد
فيها ولم يكن يدخل البصرة إلا يوم الجمعة في وقت الصلاة ثم يرجع من
ساعته.
قال فغدوت لموعد مالك إلى الجبان فانتهيت إلى مالك وقد سبقني وإذا معه
محمد بن واسع. وإذا ثابت البناني وحبيب فلما رأيتهم قد اجتمعوا قلت:
هذا والله يوم سرور. قال: فانطلقنا نريد أبا جهير.
قال: فكان مالك إذا مر بموضع نظيف قال: يا ثابت صل ههنا لعله أن يشهد
لك غداً. فكان ثابت يصلي، قال: ثم انطلقنا حتى أتينا موضعه فسألنا عنه
فقالوا: الآن يخرج إلى الصلاة. فانتظرناه قال: فخرج علينا رجل إن شئت
قلت قد نشر من قبره. قال: فوثب رجل فأخذ بيده حتى أقامه عند باب المسجد
ثم أمهل يسيراً ثم دخل المسجد فصلى ما شاء ثم أقام الصلاة فصلينا معه.
فلما قضى صلاته جلس كهيئة المهموم فتوامر القوم في السلام عليه. فتقدم
محمد بن واسع فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت لا أعرف صوتك؟
قال: أنا من أهل البصرة. قال: ما اسمك يرحمك الله؟ قال: أنا محمد بن
واسع. قال: مرحباً بك وأهلاً، أنت الذي
(2/196)
يقول
هؤلاء القوم - وأومأ بيده إلى البصرة - إنك أفضلهم، لله أنت إن قمت
بشكر ذلك. اجلس فجلس.
فقام ثابت البناني فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت يرحمك الله؟
قال: أنا ثابت البناني. قال: مرحباً بك يا ثابت البناني، أنت الذي يزعم
أهل هذه القرية أنك من أطولهم صلاة؟ اجلس فقد كنت أتمناك على ربي.
قال: فقام إليه حبيب أبو محمد فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت
رحمك الله؟ قال أنا حبيب أبو محمد. قال: مرحباً بك يا أبا محمد أنت
الذي يزعم هؤلاء القوم أنك لم تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فهلا سألته أن
يخفي لك ذلك؟ اجلس يرحمك الله.
قال: وأخذ بيده فأجلسه إلى جنبه: قال: فقام إليه مالك بن دينار فسلم
عليه فرد عليه السلام وقال: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا مالك بن
دينار. قال: بخ بخ أبو يحيى، إن كنت كما يقولون، أنت الذي يزعم هؤلاء
القوم أنك أزهدهم؟ اجلس فالآن تمت أمنيتي على ربي في عاجل الدنيا.
قال صالح: فمت إليه لأسلم عليه فأقبل علي القوم فقال: انظروا كيف
تكونون غداً بين يدي الله في مجمع القيامة. قال: فسلمت عليه فرد علي
وقال: من أنت يرحمك الله؟ قلت أنا صالح المري، قال: أنت الفتى القارئ،
أنت أبو بشر؟ قلت: نعم، قال: اقرأ يا صالح فابتدأت فقرأت فما استتممت
الاستعاذة حتى خر مغشياً عليه. ثم أفاق إفاقة فقال عد في قراءتك يا
صالح، فعدت فقرأت: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ
فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} الفرقان قال: فصاح صيحة ثم انكب
لوجهه وانكشف بعض جسده فجعل يخور كما يخور الثور ثم هدأ فدنونا منه
ننظر فإذا هو قد خرجت نفسه كأنه خشبة.
قال: فخرجنا فسألنا: هل له أحد؟ قالوا: عجوز تخدمه تأتيه الأيام فبعثنا
إليها فجاءت فقالت: ما له؟ قرئ عليه القرآن فمات قالت: حق له والله، من
ذا الذي قرأ عليه؟ لعله صالح القارئ؟ قلنا: نعم وما يدريك من صالح؟
قالت: لا أعرفه غير أني كثيراً ما كنت أسمعه يقول: إن قرأ علي صالح
قتلني. قلنا: فهو الذي قرأ عليه قالت: هو الذي قتل حبيبي فهيأناه
ودفناه. رحمه الله.
(2/197)
540 -
عبد الله بن غالب الحداني
المغيرة بن حبيب قال: قال عبد الله بن غالب الحداني لما برز للعدو: على
ما آسى من الدنيا فوالله ما فيها للبيب جذل، والله لولا محبتي لمباشرة
السهر بصفحة وجهي وافتراش الجبهة لك يا سيدي والمراوحة بين الأعضاء في
ظلم الليل رجاء ثوابك وحلول رضوانك لقد كنت متمنياً لفراق الدنيا
وأهلها.
قال: ثم كسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فحمل من المعركة وإن
به لرمقاً فمات دون العسكر، فلما دفن أصابوا من قبره رائحة المسك، قال:
فرآه رجل من إخوانه في منامه فقال: يا أبا فراس ما صنعت؟ قال: خير
الصنيع قال: إلى ما صرت؟ قال: إلى الجنة. قال: ثم قال: بحسن اليقين
وطول التهجد وظمأ الهواجر. قال: فما هذه الرائحة الطيبة التي توجد من
قبرك؟ قال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. قال: قلت أوصني. قال: اكسب لنفسك
خيراً لا تخرج عنك الليالي والأيام عطلاً.
عن مالك بن دينار قال: نزلت في قبر عبد الله بن غالب فأخذت من ترابه
فإذا هو مسك. وقال: فتن الناس به فبعث إلى قبره فسوي.
ـــــــ
540 - هو: عبد الله بن غالب الحداني - بمهملتين مضمومة ثم مشدودة -
الأزدي البصري، العابد، صدوق قليل الحديث، من الثالثة، قتل مع ابن
الأشعث سنة ثلاث وثمانين.
قال الشيخ شعيب: بل ثقة عابد، وثقه النسائي، والعجلي، وابن حبان وابن
خلفون وابن عبد البر التحرير 2/251.
(2/198)
541 -
أشعث الحداني
حزم قال: قال لنا أشعث الحداني: انطلقوا إلى حبيب أبي محمد نسلم عليه،
قال: وذاك عند ارتفاع النهار. فانطلقنا معه فسلم فخرج حبيب أبو محمد
فأخذ في البكاء فما زالوا يبكون حتى حضرت الظهر. قال: فصلينا. فأخذوا
في البكاء فما زالوا يبكون حتى حضرت العصر. فما زالوا يبكون حتى حضرت
المغرب. ثم أدنينا حماره فركب فقال لنا: إن ناساً ينهون عن هذا
فأطيعهم؟ قلنا: أنت أعلم. قال: إذاً والله لا أطيعهم.
ـــــــ
541 - هو: أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني - بمهملتين مضمومة ثم
مشدودة - الأزدي البصري، يكنى أبا عبد الله، وقد ينسب إلى جده وهو
الخملي - بضم المهملة وسكون الميم - صدوق من الخامسة.
(2/198)
542 -
الحجاج بن فرافصة
عن سفيان: قال: بت عند الحجاج بن فرافصة اثنتي عشرة ليلة ما رأيته أكل
ولا شرب ولا نام.
عن سفيان الثوري قال: بت عند الحجاج بن الفرافصة إحدى وعشرين يوماً فما
أكل ولا شرب ولا نام. هكذا في حديث أبي نعيم أحد وعشرين. وفي رواية
أخرى إحدى عشرة ليلة.
إبراهيم بن فراسة يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: بت عند الحجاج بن
فرافصة إحدى عشرة ليلة فلا أكل ولا شرب ولا نام.
أبو موسى الأنصاري قال: سمعت النضر بن شميل يقول: مكث الحجاج بن
الفرافصة أربعة عشر يوماً لا يشرب ماء.
قال أبو موسى: قد سمع النضر منه ورآه.
عن ابن شوذب قال: رأيت الحجاج بن فرافصة واقفاً في السوق عند أصحاب
الفاكهة فقلت: ما تصنع ههنا؟ قال: انظر إلى هذه المقطوعة الممنوعة.
أسند الحجاج عن أنس وغيره.
ـــــــ
542 - هو: الحجاج بن فرافصة - بضم الفاء الأولى وكسر الثانية بعدها صاد
مهملة - الباهلي، البصري صدوق عابد تيم من السادسة.
(2/199)
543 -
حسان بن أبي سنان
محمد بن عبد الله الزراد قال: خرج حسان إلى العيد فقيل له لما رجع: يا
أبا عبد الله ما رأينا عيداً أكثر نساءً منه. فقال: ما تلقتني امرأة
حتى رجعت.
غسان بن المفضل قال: أنبأ شيخ لنا يقال له أبو حكيم قال: خرج حسان يوم
العيد فلما رجع قالت له امرأته: كم امرأة حسنة قد نظرت إليها اليوم؟
فلما أكثرت قال: ويحك ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت
إليك.
عبد الله قال: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب
السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قبلك. قال: فاشتراه من رجل، فلم يأت
عليه إلا القليل فإذا اشترى ربح ثلاثين ألفاً.
ـــــــ
543 - هو: حسان بن أبي سنان البصري، صدوق عابد، من السادسة.
(2/199)
قال فأتى
صاحب السكر فقال: يا هذا إن غلامي كان كتب إلي ولم أعلمك فأقلني فيما
اشتريت منك - قال الآخر: قد أعلمتني الآن وطيبته لك. قال: فرجع فلم
يحتمل قلبه. قال: فأتاه فقال: يا هذا إني لم آت الأمر من وجهه فأحب أن
تسترد هذا البيع. قال: فما زال به حتى رد عليه.
عبد المؤمن بن عباد قال: لقي حسان بن أبي سنان رجل به رهق وكان مع حسان
رجل قال: فسأله حسان مساءلة لطيفة، فقال له الرجل: تساءل هذا مثل هذه
المساءلة حتى يظن في نفسه أي شيء؟ قال: وما يدريك لعله تكون في هذا
خصلة يحبها الله وفيك خصلة يبغضها الله عز وجل قال: فقال يا أبا عبد
الله وما هذه الخصلة التي فيه يحبها الله عز وجل؟ وما الخصلة التي في
يبغضها الله عز وجل؟
قال: لعله أن يكون حين رآك حدثته نفسه أنك خير منه ولعلك حين رأيته
حدثتك نفسك أنك خير منه.
عن جعفر بن سليمان أن رجلاً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام
فقال: "لو أن حساناً دعا أن يتحول جبل لحول".
الوليد بن بشار قال: جاءت امرأة فسألت حسان بن أبي سنان.
فقال لشريكه هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى. فذهب شريكه يزن لها
درهمين فوزن لها مائتين، فقالوا: يا أبا عبد الله كنت ترضي بهذا كذا
وكذا من سائل. فقال: إني ذهبت في شيء لم تذهبوا فيه، إني رأيت بها بقية
من الشباب وخشيت أن تحملها الحاجة على بعض ما أكره.
قال مهدي بن ميمون: رأيت حسان بن أبي سنان، أحسبه قال في مرضه، فقيل
له: كيف تجدك؟ قال: بخير عن نجوت من النار. فقيل له: فما تشتهي؟ قال:
ليلة بعيدة ما بين الطرفين أحيي ما بين طرفيها.
أبو يحيى الزراد قال: كنت أسمع حسان بن أبي إسحاق يتمثل كثيراً:
لا صحة المرء في الدنيا تؤخره
ولا يقدم يوماً موته الوجع
قال ابن شوذب: كان حسان بن أبي سنان رجلاً من تجار أهل البصرة له شريك
بالبصرة وهو مقيم بالأهواز يجهز على شريكه بالبصرة ثم يجتمعان على رأس
كل سنة يتحاسبان ثم يقتسمان الربح. فكان يأخذ قوته من ربحه ويتصدق بما
بقي، وكان صاحبه يبني الدور ويتخذ
(2/200)
الأرضين.
قال: فقدم حسان البصرة قدمة ففرق ما أراد أن يفرق فذكر له أهل بيت لم
تكن حاجتهم ظهرت. فقال: أما تخبرونا؟ فاستقرض لهم ثلاث مائة درهم فبعث
بها إليهم.
موسى بن هلال قال: حدثني رجل كان جليساً لنا وكانت امرأة حسان مولاة له
قال: حدثتني امرأة حسان بن أبي سنان قالت: كان يجيء فيدخل معي في
فراشي، قالت: ثم يخادعني كما تخادع المرأة صبيها فإذا علم أني قد نمت
سل نفسه فخرج ثم يقوم فيصلي، قالت: فقلت له يا أبا عبد الله: كم تعذب
نفسك؟ أرفق بنفسك، فقال: اسكتي ويحك فيوشك أن أرقد رقدة لا أقوم منها
زماناً.
عبد الله بن عيسى قال: أخبرني أبي قال: كان حسان بن أبي سنان يحضر مسجد
مالك بن دينار فإذا تكلم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يديه ولا يسمع
له صوت.
عن عبد الجبار بن النضر السلمي قال: مر حسان بن أبي سنان بغرفة فقال:
متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك
بصوم سنة فصامها.
عمارة بن زاذان قال: كان حسان يفتح باب حانوتة فيضع الدواة وينشر
حسابه، ويرخي ستره، ثم يصلي، فإذا أحس بإنسان قد جاء يقبل على الحساب
يريه أنه كان في الحساب.
قال أبو داود: وثنا سلام بن أبي مطيع قال: كان حسان بن أبي سنان يقول:
لولا المساكين ما اتجرت.
يحيى بن سطام الأصفر التميمي - وكان جاراً لحسان بن أبي سنان قال: وكان
حسان يصوم الدهر، ويفطر على قرص ويتسحر بآخر، فنحل وسقم جسمه جداً حتى
صار كهيئة الخيال. فلما مات فأدخل مغتسله ليغسل، كشف الثوب عنه فإذا هو
كهيئة الخيط الأسود قال: وأصحابه حوله يبكون.
قال حريث: فحدثني يحيى بن مسلم البكاء وإبراهيم بن محمد القيسي قال:
لما نظرنا إلى حسان وما قد أبلاه الدؤوب أكبرنا ذلك جداً واستدمع أهل
البيت وعلت أصواتهم. ثم هدؤوا. فإنا لكذلك إذ سمعنا قائلاً يقول من
ناحية البيت:
تجوع للإله لكي يراه ... نحيل الجسم من طول الصيام
قال: فوالله ما رأيناه في البيت إلا باكياً.
قال حريث: كانوا يرون أن بعض الجن بكاه.
كان حسان كثير الرواية عن الحسن وثابت البناني. ويقال: أنه أسند عن
أنس، غير أنه اشتغل بالعبادة عن الرواية.
(2/201)
544 -
شميط بن عجلان
أبو عبد الله، ويقال أبو همام.
عن سيار قال: أنبأ عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: بادروا
بالصحة السقم وبالفراغ الشغل، وبادروا بالحياة الموت.
وسمعته يقول لي: بئس العبد عبد خلق للعاقبة فصدته العاجلة عن العاقبة
فزالت عنه العاجلة وشقي في العاقبة.
وسمعته يقول: أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك؟ لا بقليل تقنع ولا
بكثير تشبع، كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته؟ العجب العجب
كل العجب لمصدق بدار الحق وهو يسعى لدار الغرور.
وسمعته يقول: إن الله عز وجل جعل قوة المؤمن في قلبه ولم يجعلها في
أعضائه. ألا ترون أن الشيخ يكون ضعيفاً يصوم الهواجر ويقوم الليل
والشاب يعجز عن ذلك.
وسمعته يقول: يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ
الدنيا فضمها إلى صدره وحملها على رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة
ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا لو ير في
الدنيا ذخيرة ما فعل هذا. فرغبوا في الدنيا وجمعوها.
وسمعته يقول: من رضي بالفسق فهو من أهله، ومن رضي أن يعصى الله عز وجل
لم يرفع له عمل.
أبو معاوية الغلابي قال: حدثني رجل قال: قالت امرأة شميط: يا أبا همام
إنا نعمل الشيء فيبرد فنشتهي أن تأكل منه معنا فلا تجيء حتى يفسد
ويبرد. فقال: والله إن أبغض ساعاتي إلي الساعة التي آكل فيها.
جعفر قال: سمعت شميطاً يقول: رأس مال المؤمن دينه حيثما زال معه لا
يخلفه في الرجال ولا يأمن عليه الرجال.
جعفر بن سليمان قال: سمعت شميطاً يقول: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال
بضيق الدنيا ولا بسعتها.
ـــــــ
544 - هو: شميط بن عجلان، الومق الولهان، الواعظ اليقظان، أبو همام،
وقيل: أبو عبيد الله، انظر حلية الأولياء 3/149.
(2/202)
إبراهيم
بن عبد الملك قال: قال شميط بن عجلان: إن الله عز وجل وسم الدنيا
بالوحشة ليكون أنس المطيعين به.
عبيد الله بن شميط بن عجلان، عن أبيه أنه كان يقول في مواعظه: إذا
أصبحت آمناً في سربك معافى في بدنك، عندك قوت يومك فعلى الدنيا العفاء
وعلى من يحزن عليها، إن المؤمن يقول لنفسه: إنما هي ثلاثة أيام فقد مضى
أمس بما فيه وغداً أمل لعلك لا تدركيه، إنما هو يومك هذا فإن كنت من
أهل غد برزق غد إن دون غد يوماً وليلة تخترم فيه أنفس كثيرة فلعلك
المخترم فيه.
كفى كل يوم همه ثم حملت على قلبك الضعيف هم السنين والدهور والأزمنة
وهم الغلاء والرخص وهم الشتاء قبل أن تجيء وهم الصيف قبل أن يجيء،
فماذا أبقيت من قلبك الضعيف للآخرة؟ ما تطلب الجنة بهذا، متى تهرب من
النار؟ كل يوم ينقص من أجلك ثم لا تحزن.
أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع،
فكيف لا يستبين للعالم جهله، وقد عجز عن شكر ما هو فيه، وهو مفتن في
طلب الزيادة؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا
تنقطع عنها رغبته فالعجب كل العجب لمن صدق بدار الحيوان كيف يسعى لدار
الغرور.
وكان يقول: إن أولياء الله آثروا رضا ربهم تعالى على هوى أنفسه،
فأرغموا أنفسهم كثيراً في رضا ربهم فأفلحوا والله وأنجحوا، وإن المنافق
عبد هواه وعبد بطنه وعبد فرجه وعبد جلده، عبد الدنيا وعبد أهل الدنيا.
وكان يقول: الناس رجلان، فمتزود من الدنيا ومتنعم فيها فانظر أي
الرجلين أنت. إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا فلأي شيء تحبه؟ أن
تطيع الله عز وجل وتحسن عبادته وتتقرب إليه بالأعمال الصالحة؟ فطوبى
لك، أم لتأكل وتشرب وتلهو تلعب وتجمع الدنيا وتثمرها وتنعم زوجتك
وولدك؟ فلبئس ما أردت له البقاء.
وكان يقول إذا وصف المؤمنين: أتاهم عن الله تبارك وتعالى أمر وقذهم عن
الباطل فأسهروا الأعين وأجاعوا البطون وأظمأوا الأكباد وأنفقوا الأموال
واهتضموا التالد والطارف في طلب ما يقربهم إلى الله عز وجل وفي طلب
النجاة مما خوفهم به.
(2/203)
وكان
يقول: إن المؤمن اتخذ كتاب الله عز وجل مرآة فمرة ينظر إلى ما نعت الله
عز وجل به المؤمنين، ومرة ينظر إلى ما نعت الله عز وجل به المغترين،
ومرة ينظر إلى الجنة وما وعد الله عز وجل فيها، ومرة ينظر إلى النار
وما أعد الله عز وجل فيها. تلقاه حزيناً كالسهم المرمى به شوقاً إلى ما
شوقه الله عز وجل إليه وهرباً مما خوفه الله عز وجل منه.
وكان يقول: بلغنا أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام، يا داود
ألا ترى إلى المنافق كيف يخدعني وأنا أخدعه؟ يسبحني ويوقر بلسانه وقلبه
مني بعيد، يا داود قل للملأ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا في
أضبانهم. ليضعوها ثم ليدعوني أستجب لهم.
وكان يقول: اللهم اجعل القليل من الدنيا يكفينا كما يكفي الكثير أهله،
اللهم ارفع رغبتنا إليك واقطع رجاءنا ممن سواك، اللهم اجعل طاعتك ألذ
عندنا من الطعام عند الجوع، ومن الشراب عند الظمأ، اللهم اجعل غفلة
الناس لنا ذكراً ومرح الناس لنا شكراً، اللهم إذا تنعم المتنعمون
بالدنيا فاجعلنا نتنعم بذكرك.
وكان يقول: بالدراهم والدنانير أزمة المنافقين تقودهم إلى السوءات.
وكان يقول: تلقى أحدهم عنده فضول يغلق بابه دون جاره وذوي رحمه، ثم
يخرج على القوم يحدثهم بما أكل وشرب ولعل جاره الفقير وذا رحمه المحتاج
يكون في القوم يسمع ما يقول، ويحك ما كفاك أن غلقت بابك دونه فلم تواسه
ولم تذكره حتى قعدت فأخبرته بما أكلت وشربت؟ فإذا أنت قد جمعت إساءة
بعد إساءة.
وكان يقول: إن المؤمن أبصر الدنيا فأنزلها فإن هي أقبلت عليه قال: لا
مرحباً ولا أهلاً والله ما أراك جئت بخير وما فيك من خير إلا أن تطلب
بك الجنة، ويفتدى بك من النار، فإن هي أدبرت عنه قال: عليك العفاء وعلى
من يتبعك، الحمد لله الذي خار لي وصرف عني فتنتك وشغلك.
وكان يقول إذا وصف أهل الدنيا: حيارى سكارى فارسهم يركض ركضاً وراجلهم
يسعى سعياً، لا غنيهم يشبع، ولا فقيرهم يقنع.
وكان يقول إذا وصف المقبل على الدنيا: دائب البطنة قليل الفطنة إنما
همه بطنه وفرجه وجلده، حتى أصبح فآكل وأشر وألهو وألعب، متى أمسى
فأنام، جيفة بالليل بطال بالنهار ويحك ألهذا خلقت؟ أم بهذا أمرت؟ أم
بهذا تطلب الجنة وتهرب من النار؟.
(2/204)
وكان
يقول: إن العافية سترت البر والفاجر، فإذا جاءت البلايا استبان عندها
الرجلان فجاءت البلايا إلى المؤمن فأذهبت ماله وخادمه ودابته حتى جاع
بعد الشبع ومشى بعد الركوب وخدم نفسه بعد أن كان مخدوماً فصبر ورضي
بقضاء الله عز وجل، وقال: هذا نظر من الله عز وجل لي، هذا أهون لحسابي
غداً. وجاءت البلايا إلى الفاجر فأذهبت ماله وخادمه ودابته فجزع وهلع
وقال: والله ما لي بهذا طاقة، والله لقد عودت نفسي عادة ما لي عنها صبر
من الحلو والحامض والحار والبارد ولين العيش، فإن هو أصابه من الحلال
وإلا طلبه من الحرام والظلم ليعود إليه ذلك العيش.
وكان يقول: إنسانان معذبان في الدنيا: غني أعطي دنيا فهو بها مشغول،
وفقير زويت عنه فهو يتبعها نفسه فنفسه تقطع عليها حسرات.
وكان يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه
حتى خرج من الدنيا، فهذا المقرب. ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة
ثم راجع توبة، فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل
فيه حتى خرج من الدنيا، فهذا صاحب شمال.
أبو عمر الضرير قال: أنبأنا عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول:
أيها المغتر بطول صحته أما رأيت ميتاً قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول
المهلة أما رأيت مأخوذاً قط من غير عدة، أبالصحة تغترون؟ أم بطول
العافية تمرحون؟ أم بالموت تأمنون؟ أم على ملك تجترئون؟ إن ملك الموت
إذا جاء لم يمنعه منك ثروة مالك ولا كثرة احتشادك. أما علمت أن ساعة
الموت ذات كرب شديد وغصص وندامة على التفريط؟ ثم يقول: رحم الله عبداً
عمل لساعة الموت. رحم الله عبداً عمل لما بعد الموت، رحم الله عبداً
نظر لنفسه قبل نزول الموت.
أسند شميط عن جماعة من التابعين.
(2/205)
545 -
خويل بن محمد الأزدي
عن الهيثم بن عدي قال: سمعت خويل بن محمد، وكان عابداً يقول: كأن
خويلاً قد وقف للحساب فقيل له: يا خويل قد عمرناك ستين سنة، فما صنعت
فيها فجمع نوم سنة مع قائلة النهار فإذا قطعة من عمري نوم وجمعت ساعات
أكلي فإذا قطعة من عمري قد ذهبت في الأكل وجمعت ساعات وضوئي فإذا قطعة
من عمري قد ذهبت فيه، ثم نظر في صلاتي فإذا صلاتي منقوصة وصوم مخرق.
فما هو إلا عفو الله أو الهلكة.
(2/205)
الطبقة الخامسة
هشام بن أبي عبد الله
...
ومن الطبقة الخامسة من أهل البصرة:
546 - هشام بن أبي عبد الله
واسمه سنبر الدستوائي مولى لبني سدوس.
سعيد بن عامر قال: كان هشام بن أبي عبد الله قد أظلم بصره من طول
البكاء، وكنت تراه ينظر إليك فلا يعرفك إلا أن تكلمه.
شاذ بن فياض قال: بكى هشام الدستوائي حتى فسدت عينه فكانت مفتوحة وهو
لا يكاد يبصر بها.
محمد بن حفص التيمي قال: كان هشام إذا فقد السراج من بيته تململ على
فراشه. وكانت امرأته تأتيه بالسراج فقالت له في ذلك فقال: إذا فقدت
السراج ذكرت ظلمة القبر.
عبد الصمد قال: مات هشام بن عبد الله سنة ثنتين وخمسين.
زيد بن الحباب قال: دخلت على هشام الدستوائي سنة ثلاث وخمسين يعني
ومائة ومات بعد ذلك بأيام.
ـــــــ
546 - هو: هشام بن أبي عبد الله: سنبر - بمهملة ثم نون موحدة - وزن
جعفر، أبو بكر البصري الدستوائي، بفتح الدال وسكون السين المهملتين
وفتح المثناة ثم مد -ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة
أربع وخمسين وله ثمان وسبعون سنة.
(2/206)
547 -
شعبة بن الحجاج بن ورد
من الأزد: مولى للأشاقر عتاقة. يكنى أبا بسطام، وهو أكبر من الثوري
بعشر سنين.
عمرو بن علي الفلاس قال: سمعت أبا بحر البكراوي يقول: ما رأيت أعبد من
شعبة، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه ليس بينهما لحم.
قال عمرو بن هارون: كان شعبة يصوم الدهر كله لا يرى عليه.
وكان سفيان الثوري يصوم ثلاثة من الشهر ترى عليه.
ـــــــ
547 - هو: شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي،
ثم البصري، ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في
الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا من
السابعة مات سنة ستين.
(2/206)
أبو قطن
قال: ما رأيت شعبة ركع قط إلا ظننت أنه قد نسي، ولا قعد بين السجدتين
إلا ظننت أنه قد نسي.
مسلم بن إبراهيم قال: ما دخلت على شعبة في وقت صلاة قط إلا رأيته يصلي.
سليمان بن حرب قال: لو نظرت إلى ثياب شعبة لم تكن تساوي عشرة دراهم:
إزاره وقميصه ورداءه، وكان كثير الصدقة.
أبو قطن قال: كانت ثياب شعبة لونها لون التراب، وكان كثير الصلاة، كثير
الصيام سخي النفس.
أبو حميد عبد الله بن محمد المصيصي قال: سمعت حجاجاً يقول: ركب شعبة
حماراً له فلقيه سليمان بن المغيرة فشكا إليه شعبة، والله ما أملك إلا
هذا الحمار. ثم نزل عنه ودفعه إليه.
قراد أبو نوح قال: رأى شعبة علي قميصاً فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت
بثمانية دراهم. قال لي: ألا اشتريت قميصاً بأربعة دراهم وتصدقت بأربعة.
رأى شعبة الحسن وابن سيرين، وسمع من قتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالد
الحذاء وخلق كثير من التابعين. وتوفي بالبصرة في أول سنة ستين ومائة،
وهو ابن سبع وسبعين سنة.
(2/207)
548 -
صالح بن بشير أبو بشر المرئي
كان مملوكاً لامرأة من بني مرة بن الحارث من بني عبد القيس فأعتقته.
قال عبد الرحمن بن مهدي: كنت أذكر صالحاً المري لسفيان فيقول القصص
القصص، كأنه يكرهه. فكان إذا كانت له حاجة بكر فيها. فبكر يوماً وبكرت
معه فجعلت طريقنا على مسجد صالح المري فقلت: يا أبا عبد الله ندخل
فنصلي في هذا المسجد. فدخل فصلينا وكان يوم مجلس صالح، فلما صلوا ازدحم
الناس فبقينا لا نقدر أن نقوم، وتكلم صالح فرأيت سفيان يبكي بكاءً
شديداً، فلما فرغ وقام قلت له: يا أبا عبد الله كيف رأيت هذا الرجل؟
فقال: ليس هذا بقاص هذا نذير قوم.
عفان بن مسلم قال: كنا نأتي مجلس صالح المري نحضره وهو يقص، وكان إذا
أخذ في
ـــــــ
548 - هو: صالح بن بشير بن وادع المري -بضم الميم وتشديد الراء - أبو
بشر البصري، القاص الزاهد، ضعيف من السابعة، مات سنة اثنتين وسبعين
وقيل بعدها.
(2/207)
قصصه كأنه
رجل مذعور يفزعك أمره، من حزنه وكثرة بكائه كأنه ثكلى، وكان شديد الخوف
من الله كثير البكاء.
أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: سمعت صالحاً المري يقول: للبكاء دواع:
الفكرة في الذنوب فإن أجابت على تلك القلوب وإلا نقلتها إلى الموقف
وتلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت على ذلك وإلا فاعرض عليها التقلب في
أطباق النيران. قال: ثم صاح وغشي عليه وتصايح الناس من نواحي المسجد.
الأصمعي قال: شهدت صالحاً المري عزى رجلاً على ابنه فقال: لئن كانت
مصيبتك لم تحدث لك موعظة في نفسك فمصيبتك بابنك جلل في مصيبتك في نفسك،
فإياها فابك.
أسند صالح عن الحسن وابن سيرين وثابت وقتادة وبكر بن عبد الله في خلق
كثير من التابعين. وتوفي سنة ست وسبعين ومائة.
(2/208)
549 -
الربيع بن عبد الرحمن
ويعرف بالربيع بن برة.
محمد بن سنان قال: سمعت الربيع بن برة يقول: ابن آدم إنما أنت جثة
منتنة طيب نسيمك ما ركب فيك من روح الحياة فلو قد نزع منك روحك ألقيت
جثة ملقاة وجيفة منتنة وجسداً خاوياً. قد جيف بعد طيب رائحة واستوحش
منه بعد الأنس بقربه أي الخليفة منك أعجب إذ كنت تعلم أن هذا مصيرك وأن
التراب مقيلك ثم أنت بعد هذا الطول جهلك تقر بالدنياعيناً. أسمعته
يقول: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} "سبأ" أما والله
ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظم ثوابهما عنده لأوليائه فمن أعظم منك
غفلة أو من أطول في القيامة منك حسرة إذ كنت ترغب عما رغب لك فيه مولاك
وأنت تقرأ في الليل والنهار {نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} .
عباد بن الوليد القرشي قال: قال الربيع بن برة: عجبت للخلائق كيف ذهلوا
عن أمر حق تراه عيونهم وتشهد عليه معاقد قلوبهم إيماناً وتصديقاً بما
جاء به المرسلون؟ ثم ها هم في غفلة عنه سكارى يلعبون.
ـــــــ
549 - هو: الربيع بن برة، عن الحسن، قال العقيلي: قدري داعية، ولا مسند
عنده، ميزان الاعتدال 3/61 ط. دار الكتب العلمية.
(2/208)
ثم يقول:
وأيم الله ما تلك الغفلة إلا رحمة من الله لهم ونعمة من الله عليهم.
ولولا ذلك لألفي المؤمنون طائشة عقولهم طائرة أفئدتهم منخلقة علوبهم لا
ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبداً.
داود بن المحبر عن أبيه قال: مر بنا الربيع بن برة ونحن نسوي نعشاً
لميت فقال: من هذا الغريب الذي بين أظهركم؟ قلنا ليس بغريب بل هو قريب
حبيب. قال: فبكى وقال: من أغرب من الميت بين الأحياء؟ قال: فبكى القوم
جميعاً.
عن محمد بن سلام قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول: رضيت لنفسك،
وأنت الحول القلب، أن تعيش عيش البهائم، نهارك هائم وليلك نائم والأمر
أمامك جد.
محمد بن سلام الجمحي قال: كان الربيع بن برة يقول: نصب المتقون الوعيد
من الله أمامهم فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق فهم والله في الدنيا
منغصون، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك فمتى سمت أبصار القلوب
إلى ثواب الأعمال تشوقت القلوب وارتاحت إلى حلول ذلك، فهم والله إلى
الآخرة متطلعون بين وعيد هائل ووعد حق صادق لا ينفكون من خوف وعيد إلا
رجعوا إلى شوق موعود. فهم كذلك وعلى ذلك في الموت جعلت لهم الراحة. ثم
بكى.
عاصم الخلقاني قال: قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عباداً أخمصوا له
البطون عن مطاعم الحرام، وغضوا له الجفون عن مناظر الآثام، وأهملوا له
العيون لما اختلط عليهم الظلام رجاء أن ينير لهم قلوبهم إذا تضمنتهم
الأرض بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون وإلى الآخرة متطلعون، نفذت
أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب الله
فازدادوا لله بذلك جداً واجتهاداً عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت
عليه آمالهم فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غدا
ًبطلعة ملك الموت عليهم. قال: ثم يبكي حتى يبل لحيته بالدموع.
محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول في كلامه:
قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال فنحن في الدنيا حيارى لا ننتبه من
رقدة إلا أعقبتنا في أثرها غفلة، فيا إخوتاه نشدتكم بالله هل تعلمون
مؤمناً بالله أغر ولنقمته أقل حذراً من قوم هجمت بهم العبر على مصارع
النادمين فطاشت عقولهم وضلت حلومهم مما رأوا العبر
(2/209)
والأمثال،
ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة؟ فبالله لتبلغن من طاعة الله
ورضاه أو لتنكرن به ماتعرفون من حسن بلائه وتواتر نعمائه - إن تحسن
أيها المرء يحسن إليك وإن تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع فقد بين وحذر
وأعذر فما للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً.
زعم بعض نقلة الحديث أن الربيع بن برة أسند عن الحسن، وذكر له حديثاً.
وإنما الربيع المذكور في ذلك الحديث هو الربيع بن صبيح، وأما ابن برة
فلا نعلم له مسنداً.
(2/210)
550 -
الحجاج العابد
محمد بن صالح التميمي قال: قال أبو عبد الله مؤذن مسجد بني جدار:
جاورني شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وأقمت كأنه في نقرة قفاي. فإذا صليت
صلى ثم لبس نعليه فدخل منزله. فكنت أتمنى أن يكلمني أو يسألني حاجة.
فقال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله عندك مصحف تعيرني أقرأ فيه؟ فأخرجت
إليه مصحفاً فدفعته إليه فضمه إلى صدره ثم قال: ليكونن اليوم لي ولك
شأن.
ففقدته ذلك اليوم فلم أره يخرج. فأقمت المغرب فلم يخرج. وأقمت العشاء
الآخرة فلم يخرج. فساء ظني فلما صليت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي
هو فيها فإذا فيها دلو ومطهرة وإذا على بابه ستر فدفعت الباب فإذا به
ميت والمصحف في حجرة. فأخذت المصحف من حجرة واستعنت بقوم على حمله حتى
وضعناه على سريره.
وبقيت ليلتي أفكر من أكلم حتى أكفنه فأذنت الفجر بوقت ودخلت المسجد
لأركع، فإذا بضوء في القبلة فدنوت منه فإذا كفن ملفوف في القبلة فأخذته
وحمدت الله عز وجل وأدخلته البيت وخرجت فأقمت الصلاة فلام سلمت إذا عن
يميني ثابت البناني ومالك بن دينار وحبيب الفارسي وصالح المري، فقلت
لهم يا إخواني ما غدا بكم؟ قالوا: مات في جوارك الليلة أحد؟ قلت: مات
شاب كان يصلي معي الصلوات. فقالوا لي: أرناه. فلما دخلوا عليه كشف مالك
بن دينار الثوب عن وجهه قبل موضع سجوده ثم قال: بأبي أنت يا حجاج إذا
عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره حتى لا تعرف، خذوا في غسله. وإذا
مع كل واحد منهم كفن، فقال كل واحد منهم: أنا أكفنه، فلما طال ذلك منهم
قلت لهم: إني فكرت في أمره
(2/210)
هذه
الليلة فقلت: من أكلم حتى يكفنه. فأتيت المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع
فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه؟ فقالوا: يكفن في ذلك الكفن فكفناه
وأخرجناه، فما كدنا نرفع جنازته، من كثرة من حضره من الجمع.
(2/211)
551 -
ضيغم بن مالك
أبو مالك العابد. أبو أيوب مولى ضيغم بن مالك قال: قال لي ضيغم ليلة:
لو أعلم أن رضاه أن أقرض لحمي لدعوت بالمقراض فقرضته.
قال: قال سيار رأيت ضيغماً صلى نهاره أجمع وليله حتى بقي راكعاً لا
يقدر أن يسجد فرأيته رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قرة عيني، ثم خر
ساجداً فسمعته يقول وهو ساجد: إلهي كيف عزفت قلوب الخليقة عنك؟ قال:
وربما أصابته الفترة فإذا وجد ذلك اغتسل ثم دخل بيتاً فأغلق بابه وقال:
إلهي إليك جئت. قال: فيعود إلى ما كان من الركوع والسجود.
قال: وسمعت سيار بن حاتم يقولك كان ورد ضيغم كل يوم أربعمائة ركعة.
عبيد الله بن عمر قال: أتيت صاحباً لي يقال له عمران بن مسلم فأراني
موضعين مبتلين في مسجده أحدهما بحذاء الآخر فقلت: ما هذا؟ قال: هذا
والله من دموع ضيغم البارحة بين المغرب والعشاء وهو راكع.
أزهر بن مروان الرقاشي قال: رأيت ضيغماً العابد وكنت إذا رأيته رأيت
رجلاً لا يشبه الناس من الخشوع والضر وطول الحزن.
قال القرشي: وحدثني شيخ يكنى بأبي يعقوب عن سعيد البكاء قال: قال رجل
لأم ضيغم: ما أطول حزن ضيغم. فبكت وقالت: لمثل ما ندب إليه فليحزن، ذهب
الحسن وأصحابه بالحزن وهل رأيت يا بني محزوناً.
محمد بن الحسين قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: قالت أمه، يعني ضيغماً،
ذات يوم: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: كيف فرحك بالقدوم على الله؟
قال: فحدثني غير واحد من أهله أنه صاح صيحة لم يسمعوه صاح مثلها قط
وسقط مغشياً عليه، فجلست العجوز تبكي عند رأسه وتقول: بأبي أنت ما
نستطيع أن نذكر بين يديك شيئاً من أمر ربك.
ـــــــ
551 - هو: ضيغم بن مالك، العالم الزاهد الرباني، أبو بكر الراسبي
البصري، أخذ عن التابعين، توفي ضيغم سنة ثمانين ومائة، سير أعلام
النبلاء 7/630.
(2/211)
قال:
وقالت له يوماً: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟ قال: نعم
يا أماه. قالت: ولم يا بني؟ قال: رجاء خير ما عند الله قال: فبكت
العجوز وبكى فتسامع أهل الدار فجلسوا يبكون لبكائهم.
قال: وقالت له يوماً آخر: ضيغم! قال: لبيك يا أماه. قالت: تحب الموت؟
قال: لا أماه. قالت: لم يا بني؟ قال: لكثرة تفريطي وغفلتي عن نفسي،
قال: فبكت العجوز وبكى ضيغم واجتمع أهل الدار وجعلوا يبكون، وكانت أمه
عربية كأنها من أهل البادية.
مالك بن ضيغم قال: حدثني الحكم بن نوح قال: بكى أبوك ليلة من أول الليل
إلى آخره لم يسجد فيها سجدة ولم يركع فيها ركعة ونحن معه في البحر،
فلما أصبحنا قلنا: يا مالك لقد طالت ليلتك لا مصلياً ولا داعياً، قال:
فبكى ثم قال: لو يعلم الخلائق ما يستقبلون غداً ما لذوا بعيش أبداً،
والله إني لما رأيت الليل وهوله وشدة سواده ذكرت به الموقف وشدة الأمر
هناك، وكل امرئ يومئذ تهمه نفسه: {لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ
وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً} قال: ثم شهق ولم
يزل يضطرب ما شاء الله.
مالك بن ضيغم قال: حدثتني خالتي حبابة بنت ميمون العتكية قالت: رأيت
أباك ضيغماً نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز وقد برد له حتى صبه ثم
اكتاز من الحب ماء حاراً فشرب فقلت له بعد ذلك: بأبي أنت قد رأيت الذي
صنعت فمم ذاك؟ قال: حانت مني مرة نظرة إلى امرأة فجعلت على نفسي أن لا
تذوق الماء البارد أيام الدنيا. فقلت: أنغص عليها الحياة.
محمد بن مالك بن ضيغم قال: حدثني مولانا أيوب قال: قال لي أبو مالك
يوماً: يا أبا أيوب احذر نفسك على نفسك فإني رأيت هموم المؤمنين في
الدنيا لا تنقضي، وأيم الله لئن لم تأت الآخرة المؤمن بالسرور لقد
اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة. قال قلت: بأبي أنت وكيف
لا تأتيه الآخرة بالسرور وهو ينصب لله في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا
أبا أيوب فكيف بالقبول وكيف بالسلامة؟ ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد
أصلح شأنه، قد أصلح قربانه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم
القيامة ثم يضرب به وجهه.
يحبى بن بسطام قال: قلت لجار ضيغم: هل سمعت أبا مالك يذكر من الشعر
شيئاً؟ قال: ما سمعته يذكر إلا بيتاً واحداً. قلت: ما هو؟ قال:
(2/212)
قد يخزن
الورع التقي لسانه ... حذر الكلام وإنه لمفوه
سعيد الوراق قال: حدثني ابن ثعلبة، وكان من العابدين، قال: رأيت ضيغماً
في منامي بعد موته فقال لي: يا ابن ثعلبة أما صليت علي؟ قال: فذكرت علة
كانت، فقال: أما لو كنت صليت علي لقد كنت ربحت رأسك.
(2/213)
552 -
حماد بن سلمة
يكنى أبا سلمة مولى لبني تميم، وهو ابن أخت حميد الطويل.
عبد الرحمن بن مهدي قال: لو قيل لحماد بن سلمة إنك تموت غداً ما قدر أن
يزيد في العمل شيئاً.
مقاتل بن صالح الخراساني قال: دخلت على حماد بن سلمة فإذا ليس في البيت
إلا حصير، وهو جالس عليه، ومصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه، ومطهرة
يتوضأ منها، فبينما أنا عنده جالس إذ دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي
فانظري من هذا؟ فقالت: رسول محمد بن سليمان. قال: قولي له يدخل وحده.
فدخل فناوله كتاباً فإذا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة. أما بعد فصبحك الله بما صبح به
أولياءه وأهل طاعته: وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام.
قال: يا صبية هلمي الدواة. ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب: أما بعد وأنت
فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنا أدركنا العلماء وهم لا
يأتون أحداً فإن كانت وقعت مسألة فإتنا واسألنا عما بدا لك وإن أتيتني
فلا تأتني إلا وحدك ولا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك، ولا أنصح نفسي
والسلام.
فبينا أنا عنده دق داق الباب فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟
فقالت: محمد بن سليمان. قال: قولي له ليدخل وحده، فدخل فسلم ثم جلس بين
يديه فقال: ما لي إذا نظرت إليك امتلأت رعباً فقال حماد: سمعت ثابتاً
البناني يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: "إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله عز وجل هابه كل
ـــــــ
552 - هو: حماد بن سلمة بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة عابد أثبت
الناس في ثابت وتغير حفظه بآخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين.
(2/213)
شيء، وإذا
أراد أن يكتنز به الكنوز هاب من كل شيء" 1 فقال: أربعون ألف درهم
تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه؟ قال: قال ارددها على من ظلمته بها.
قال: والله ما أعطيتك إلا ما ورثته. قال: لا حاجة لي فيها ازوها عني
زوى الله عنك أوزارك. قال: فتقسمها. قال: فلعلي إن عدلت في قسمتها أن
يقول بعض من لم يرزق منها لم يعدل، ازوها عني زوى الله عنك أوزارك.
موسى بن إسماعيل قال: لو قلت لكم إني رأيت حماد بن سلمة ضاحكاً قط
صدقتكم كان مشغولاً بنفسه، إما أن يحدث وإما أن يقرأ وإما أن يسبح،
وإما أن يصلي. كان قد قسم النهار على هذه الأعمال.
سوار بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: كنت آتي حماد بن سلمة في سوقه
فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين شد جونته فلم يبع شيئاً. فكنت أظن أن ذلك
يقوته. فإذا وجد قوته لم يزد عليه شيئاً.
يونس بن محمد قال: مات حماد بن سلمة في المسجد وهو يصلي.
أسند حماد بن سلمة عن خلق لا يحصون من التابعين. وتوفي في سنة ثمان
وستين ومائة.
أبو عبد الله التميمي عن أبيه قال: رأيت حماد بن سلمة في النوم فقلت:
ما فعل بك ربك؟ قال: خيراً. قلت: وماذا؟ قال: قيل لي طال ما كددت نفسك
فاليوم أطيل راحتك وراحة المتعوبين في الدنيا، بخ بخ ماذا أعددت لهم.
ـــــــ
1 ذكره العلامة الهندي في كنز العمال وعزاه لابن عساكر وابن النجار كنز
العمال 46131.
(2/214)
553 -
الحسن بن أبي جعفر
أبو سعيد الجفري. واسم أبي جعفر عجلان.
أبو عمران التمار قال: غدوت يوماً قبل الفجر إلى مسجد الجفري فإذا باب
المسجد مغلق وإذا حسن جالس يدعو، وإذا ضجة في المسجد وجماعة يؤمنون على
دعائه وحسن يدعو. قال: فجلست على باب المسجد حتى فرغ من دعائه فقام
فأذن وفتح باب المسجد فلم أر في
ـــــــ
553 - هو: الحسن بن أبي جعفر الجفري -بضم الجيم وسكون الفاء - البصري،
ضعيف الحديث مع عبادته وفضله، من السابعة مات سنة سبع وستين.
(2/214)
المسجد
أحداً، فلما أصبح وتفرق عنه الناس قلت له: يا أبا سعيد إني والله رأيت
عجباً. قال: ما رأيت؟ فأخبرته بالذي رأيت وسمعت. فقال: أولئك جن من أهل
نصيبين يجيئون فيشهدون معي ختم القرآن كل ليلة جمعة ثم ينصرفون.
أسند الجفري عن أبي الزبير وثابت البناني وغيرهما. وتوفي سنة ستين وقيل
سنة سبع وستين ومائة.
(2/215)
554 -
شداد المجذوم
عن مخلد بن الحسين قال: كان بالبصرة رجل يقال له شداد، أصابه الجذام
فتقطع فدخل عليه عواده من أصحاب الحسن فقال: كيف تجدك؟ قال: بخير: أما
إنه ما فاتني جزئي بالليل، وقد سقطت وما بي إلا أني لا أقدر أن أحضر
صلاة الجماعة.
ـــــــ
554 - هو: شداد المجذوم، مشهور ومذكور في الراضين من العباد، انظر حلية
الأولياء 10/153.
(2/215)
الطبقة السادسة
حماد بن زيد بن درهم
...
ومن الطبقة السادسة من أهل البصرة:
555 - حماد بن زيد بن درهم
يكنى أبا إسماعيل.
عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأيت أحداً أعرف بالسنة من حماد بن زيد.
أمية بن بسطام قال: سمعت يزيد بن زريع يقول يوم مات حماد بن زيد: مات
اليوم سيد المسلمين.
أسند حماد بن زيد عن خلق كثير من التابعين، وتوفي لعشر ليال خلون من
رمضان سنة تسع وسبعين ومائة وهو ابن إحدى وثمانين سنة.
ـــــــ
555 - هو: حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري ثقة
ثبت فقيه، قيل إنه كان ضريرا ولعله طرأ عليه، لأنه صح أنه كان يكتب، من
كبار الثامنة مات سنة تسع وسبعين وله إحدى وثمانون سنة.
(2/216)
556 -
يزيد بن زريع
أبو معاوية العيشي، من بني عائش وهم من ولد بكر بن وائل.
أبو بكر المروزي قال: سمعت عبد الوهاب يقول: سمعت أبا سليمان الأشقر،
وكفاك بأبي سليمان، يقول: تنزه يزيد بن زريع عن خمس مائة ألف من ميراث
أبيه فلم يأخذه.
وقال المروزي: وسمعت أمية بن بسطام ابن عم يزيد بن زريع يقول: كان يزيد
يعمل الخوص، وكان يكون في هذا البيت، وأشار إلى بيت لطيف في المسجد،
وسمعت أبا الخطاب يذكر أن زريعاً كان والياً.
قال أحمد بن حنبل: يزيد بن زريع كان يعمل الخوص وكان أبوه زريع والي
البصرة، ولم يكن يأكل من ماله شيئاً وما أتقنه وما أحفظه، وصدوق متقن.
سمع يزيد من أيوب ومن ابن عروبة وغيرهما. وتوفي بالبصرة سنة اثنتين
وثمانين وقيل سنة سبع وسبعين ومائة.
ـــــــ
556 - هو: يزيد بن زريع -بتقديم الزاي - مصغر - البصري، أبو معاوية ثقة
ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين.
(2/216)
557 -
يحيى بن سعيد القطان
يكنى أبا سعيد.
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: حدثني يحيى القطان: وما
رأت عيناي مثله.
سفيان قال: قال علي: كان يحيى يختم القرآن في يوم وليلة ما بين المغرب
والعشاء.
يحيى بن معين قال: أقام يحيى بن سعيد عشرين سنة يختم القرآن في كل ليلة
ولم يفته الزوال في المسجد أربعين سنة، وما رئي يطلب جماعة قط.
عمرو بن علي قال: قلت ليحيى في مرضه الذي مات فيه، يعاقبك الله. فقال:
أحبه إلي أحبه إلى الله عز وجل.
علي بن عبد الله قال: كنا عند يحيى بن سعيد فقال لرجل: اقرأ. فقرأ {حم}
الدخان فلما أخذ في القراءة نظرت إلى يحيى بن سعيد يتغير فلما بلغ:
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} الدخان صعق يحيى
وغشي عليه وارتفع صدره من الأرض وتقوص وانقلب فأصاب الباب فقار ظهره
وسال الدم وصرخ النساء. فخرجنا فوقفنا بالباب حتى أفاق بعد كذا وكذا.
ثم دخلنا عليه فإذا هو نائم على فراشه وهو يقول: {إِنَّ يَوْمَ
الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} قال علي: فما زالت به تلك القرحة
حتى مات رحمه الله.
أسند يحيى بن سعيد عن كبار الأئمة كالأعمش وابن جريج والثوري ومالك
وغيرهم. وتوفي بالبصرة سنة ثمان وتسعين ومائة.
علي بن المديني قال: سنح لي ليلة خالد بن الحارث فقلت له: ما فعل بك
ربك؟ قال: غفر لي، إن الأمر شديد. قلت: فما فعل يحيى بن سعيد القطان؟
قال: نراه كما ترون، الكوكب الدري في أفق السماء.
ـــــــ
557 - هو: يحيى بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة
وسكون الواو ثم معجمة - التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن
حافظ إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين وله ثمان
وسبعون.
(2/217)
558 -
رياح بن عمرو القيسي
يكنى أبا المعاصر.
يحيى بن راشد قال: حدثني محمد بن الحرب بن عبد ربه القيسي، وكان ذا
قرابة لرياح، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي وأدخل عليه البيت وهو
يبكي وآتيه في الجبان وهو يبكي، فقلت له يوماً: أنت دهرك في مأتم، فبكى
ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا.
معاذ بن عون الضرير قال: كنت أكون قريباً من الجبان فكان يمر بي رياح
القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء وهو
يقول: إلى كم يا ليل يا نهار تحطان من أجلي وأنا غافل عم يراد بي؟ إنا
لله إن الله. فهو كذلك حتى يغيب عن وجهه.
علي بن الحسين بن أبي مريم قال: قال رياح القيسي: لي نيف وأرعون ذنباً
قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.
عن محمد بن يحيى قال: قال رياح القيسي، كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع
الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبداً.
مالك بن ضيغم قال: جاء رياح القيسي يسال عن أبي بعد العصر فقلنا هو
نائم. فقال: أنوم في هذه الساعة؟ أهذا وقت نوم؟ ثم ولى منصرفاً.
فأتبعناه رسولاً فقلنا: قل له ألا نوقظه لك؟ قال: فأبطأ علينا الرسول.
ثم جاء وقد غربت الشمس فقلنا: أبطأ جداً. فهل قلت له؟ قال: هو كان أشغل
من أن يفهم عني شيئاً، أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول:
قلت: نوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء. وقلت: هذا
وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟ تسألين عما لا يعنيك وتتكلمين
بما لا يعنيك، أما إن لله علي عهداً لا أنقضه أبداً. ألا أوسدك الأرض
لنوم حولاً إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل، سوءة لك سوءة لك، أما
تستحيين؟ كم توبخين وعن غيك لا تنتهين.
ـــــــ
558 - هو: رباح بن عمرو القيسي، رجل سوء قاله أبو داود، قال الذهبي:
قلت: هو من زهاد المبتدعة بالكوفة، روى عن مالك بن دينار، وعنه روح بن
عبد المؤمن، قال أبو زرعة: صدوق، قال عبيد الآجري: سألت أبا داود عنه
فقال: هو وأبو حبيب وحيان الجريري ورابعة رابعتهم في الزندقة ميزان
الاعتدال 3/91 ترجمة 2817.
(2/218)
قال وجعل
يبكي وهو لا يشعر بمكاني، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته.
محمد بن عبد الله قال: صليت مع رياح القيسي الظهر، فصليت إلى جانبه
فجعلت دموعه تقع على البواري مثل الوكف: طق طق. قال وكان رياح ربما أخذ
حفنة من تراب ثم يضعها على البوري ويسجد عليها. وربما وجد رياح في بعض
السكك، وقد غشي عليه فيحمل إلى أهله مغشياً عليه.
محمد بن مسعر قال: كان لرياح القيسي غل من حديد قد اتخذه وكان إذا جنه
الليل وضعه في عنقه وجعل يتضرع ويبكي حتى يصبح.
عثمان قال: أخبرتني مخة وكانت إحدى العوابد قالت: رأيت رياح بن عمرو
القيسي ليلة خلف المقام فذهبت فقمت خلفه حتى أزحفت ثم اضطجعت وهو قائم،
وأنا أنظر إليه، فقلت بصوت حزين: سبقني العابدون وبقيت وحدي، والهف
نفساه، فإذا رياح قد شهق وانكب على وجهه مغشياً عليه. فامتلأ فمه
رملاً، فما زال كذلك حتى أصبحنا ثم أفاق.
الحارث بن سعيد قال: أخذ بيدي رياح فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على
مر الساعات ونحن على هذه الحال. قال وخرجت معه إلى المقابر، فلما نظر
إلى القبور صرخ ثم خر مغشياً عليه، قال: فجلست والله عند رأسه أبكي
فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى بك. قال: لنفسك فابك. ثم قال:
وانفساه، وانفساه، ثم غشي عليه.
قال: فرحمته والله مما نزل به فلم أزل عند رأسه حتى أفاق فوثب وهو
يقول: {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} {تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ
خَاسِرَةٌ} النازعات.
ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله فدخل وأصفق
بابه ورجعت إلى أهلي ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى مات.
أسند رياح عن حسان بن أبي سنان وغيره.
(2/219)
559 -
عتبة الغلام وهو عتبة بن أبان بن صمعة
وإنما سمي بالغلام لجده واجتهاده لصغر سنه. وكان يفتل الشريط.
سوار أبو عبيدة قال: بكى عتبة الغلام في مجلس عبد الواحد بن زيد تسع
سنين لا يفتر
ـــــــ
559 - هو: عتبة الغلام الزاهد، الخاشع، الخائف، عتبة بن أبان البصري،
كان يشبه في حزنه بالحسن البصري انظر أعلام النبلاء 7/51.
(2/219)
بكاء من
حين يبتدئ عبد الواحد في الموعظة إلى أن يقوم لا يكاد يسكت عتبة. فقيل
لعبد الواحد إنا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة. قال: فأصنع ماذا؟ يبكي
عتبة على نفسه وأنهاه أنا، لبئس واعظ قوم أنا.
سليم الحنيف قال: رمقت عتبة ذات ليلة بساحل البحر فما زاد ليلته تلك
حتى أصبح على هذه الكلمات وهو قائم يقول: إن تعذبني فإني لك محب وإن
ترحمني فإني لك محب، فلم يزل يرددها ويبكي حتى طلع الفجر.
أبو توبة قال: كان عتبة الغلام يأكل خبزاً وملحاً ويقول: العرس في
الدار الأخرى.
عبد الله بن الفرج العابد قال: كان عتبة يعجن دقيقه ويجففه في الشمس ثم
يأكله ويقول: كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الأخرى الشواء والطعام
الطيب.
سلمة الفراء قال: كان عتبة الغلام من نساك أهل البصرة وكان من أصحاب
الفلق. وكان قد قوت لنفسه ستين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحر بأخرى،
وكان يصوم الدهر ويأتي السواحل والجبابين.
عن مخلد بن الحسين قال: كان عتبة يجالسنا فقال لنا يوماً: إنه لا
يعجبني رجل لا يكون في يده حرفة. فقلنا: ما نراك تحترف. فقال: بلى رأس
مالي طسوج أشتري به خوصاً أعمله وأبيعه بثلاثة طساسيج فطسوج رأس مالي
وقيراط خبزي.
أبو عمر الضرير قال: سمعت رياحاً القيسي يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن
كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر لها أنا. يا رياح إن
لي موقفاً تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول.
مسلمة بن عرفجة العنبري قال: سمعت عنبسة الخواص يقول: كان عتبة الغلام
يزورني فربما بات عندي. قال ذات ليلة فبكى من السحر بكاءاً شديداً فلما
أصبح قلت له: قد فزعت قلبي الليلة ببكائك. فمم ذاك يا أخي؟ قال: يا
عنبسة إني والله ذكرت يوم العرض على الله.
ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت أنظر إلى عينيه تتقلبان قد اشتدت حمرتهما.
قال: ثم أزبد وجعل يخور فناديته: عتبة عتبة! فأجابني بصوت خفي: قطع ذكر
يوم العرض على الله أوصال المحبين.
قال: ثم جعل يحشرج بالبكاء ويردد حشرجة الموت ويقول: تراك مولاي تعذب
محبيك وأنت الحي الكريم؟ قال: فلم يزل يرددها حتى والله أبكاني.
(2/220)
داود بن
المحبر قال: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول: ربما سهرت مفكراً في طول حزن
عتبة، وقد كلمته ليرفق بنفسه فبكى وقال: إنما أبكي تقصيري.
الخليل بن عمرو البكري قال: سمعت مهدي بن ميمون يقول: خرجت في بعض
الليالي إلى الجبان فإذا عتبة الغلام، فقال لي جئت؟ قد دعوت الله أن
يجيء بك. قلت: أطعمنا رطباً. قال: فدعا فإذا دوخلة رطب بين أيدينا
فأكلنا منه.
زيدان قال: قال عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين
سنة.
عبد الله بن مبشر قال: دعا عتبة الغلام ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار
الدنيا: دعا الله أن يمن عليه بصوت حزين، ودمع غزير، وغذاء من غير
تكلف.
قال: فكان إذا قرأ بكى وأبكى، وكانت دموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى
منزله فيصيب قوته لا يدري من أين يأتيه.
الحسن بن دعامة قال: رأيت عتبة الغلام إذا استحسن الطير دعاه فيجيء حتى
يسقط على فخذه فيمسه ثم يسيبه فيطير.
عن عبد الواحد بن زيد قال: انطلقت أنا وعتبة الغلام في حاجة حتى إذا
كنا برحبة القصابين جعلت أنظر إلى عتبة يعرق عرقاً شديداً حتى رشح وذلك
في يوم شات شديد البرد فقلت: عتبة ترشح عرقاً في مثل هذا اليوم الشديد
البرد؟ فسكت ولم يخبرني فقلت: بالذي بيني وبينك، ولم أزل به، فقال:
ذكرت ذنباً أذنبته في هذا الموضع.
إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: سألت يوسف بن عطية فقلت له: ما كان
لباس عتبة؟ قال: كان يلبس كساءين يأتزر بواحد ويرتدي بآخر، إذا رأيته
قلت بعض الأكرة.
قال إبراهيم: كان عتبة عربياً شريفاً من عوذ.
قال إبراهيم: وحدثني مضر قال: قال رجل لعبد الواحد بن زيد، تعلم أحداً
يمشي في الطريق مشتغلاً بنفسه؟ قال: ما أعرف إلا رجلاً واحداً الساعة
يدخل عليكم. فدخل عتبة. قال: وطريقه على السوق فقال له: يا عتبة من
تلقاك في الطريق؟ قال: ما رأيت أحداً.
قال عبد الواحد: وكان عتبة يسجد السجدة الطويلة على الحصا يوم الجمعة
فما أراه يعقل بحره.
أحمد بن زهير المروزي قال: ركب عتبة في زورق مع قوم فأراد الملاح أن
يعدل ببعضهم
(2/221)
السفينة
فلم يجد أحداً منهم أحقر في عينيه من عتبة: فضرب جنبه فقال: استو فقال
عتبة: الحمد لله الذي لم ير فيهم أحقر في عينه مني.
أبو عبد الله الشحام قال: كان عتبة يبيت عندي. فقلت له: ما كانت
عبادته؟ قال: كان يستقبل القبلة فلا يزال في فكر وبكاء حتى يصبح، وربما
جاءني مساء فيقول: أخرج إلي شربة من ماء وتمرات أفطر عليها فيكون لك
مثل أجري.
عبد الخالق العبدي قال: كان لعتبة بيت يتعبد فيه فلما خرج إلى الشام
أقفله وقال: لا تفتحوه إلى أن يبلغكم موتي، فلما بلغهم قتله فتحوه
فأصابوا فيه قبراً محفوراً وغلاً حديداً.
اشتغل عتبة بالعبادة عن الرواية وقتل شهيداً في بعض الغزوات.
قدامة بن أيوب، وكان من أصحاب عتبة، قال: رأيت عتبة الغلام في المنام
فقلت: ما صنع الله بك؟ قال: يا قدامة دخلت الجنة بتلك الدعوات المكتوبة
في بيتك، فلما أصبحت أتيت إلى بيتي فإذا خط عتبة في الحائط مكتوب: يا
هادي المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر
العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين، مع الذين
أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين رب
العالمين.
(2/222)
560 -
بشر بن منصور السليمي
العباس بن الوليد قال: أتينا بشر بن منصور بعد العصر فخرج إلينا وكأنه
متغير. فقلت له: يا أبا محمد لعلنا شغلناك عن شيء؟ فرد رداً ضعيفاً ثم
قال: ما أكتمكم، أو كلمة نحوها، كنت أقرأ في المصحف فشغلتموني. ثم قال:
ما أكاد ألقى أحداً فأربح عليه شيئاً.
غسان بن المفضل قال: كان بشر بن منصور من الذين إذا رؤوا ذكر الله وإذا
رأيت وجهه ذكرت الآخرة، رجل منبسط ليس بمتماوت ذكي فقيه، وكان بشر
رجلاً من العرب وعلم بنيه عمل الخوص.
أسيد بن جعفر ابن أخي بشر بن منصور قال: ما رأيت عمي بشر بن منصور ما
فاتته التكبيرة الأولى قط ولا رأيته قام في مسجدنا سائل قط فلم يعط
شيئاً إلا أعطاه.
ـــــــ
560 - هو: بشر بن منصور السليمي -بفتح المهملة وبعد اللام تحتانية -
أبو محمد الأزدي البصري، صدوق عابد زاهد من الثامنة، مات سنة ثمانين.
(2/222)
زهير
السجستاني قال: سمعت بشر بن منصور يقول: ما جلست إلى أحد ولا جلس إلي
فقمت من عنده أو قام من عندي إلا علمت أني لو لم أقعد إليه أو يقعد إلي
كان خيراً لي.
عبد الخالق أبو همام الزهراني قال: قال بشر بن منصور لرجل: أقلل من
معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون، فإن كان شيء، يعني فضيحة في
القيامة، كان من يعرفك قليلاً.
قال علي بن المديني: بلغني عن عبد الرحمن بن مهدي قال: قال بشر بن
منصور: إني لأذكر الشيء من أمر الدنيا ألهي به نفسي عن ذكر الآخرة أخاف
على عقلي.
عن ابن عيينة قال: قال رجل لبشر بن منصور: عظني، قال: عسكر الموتى
ينتظرونك.
عبيس بن مرحوم قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال قالت: رأيت رابعة في
المنام فقلت: ما فعل ضيغم: قالت: يزور الله عز وجل متى شاء. فقلت: ما
فعل بشر بن منصور؟ قالت: بخ بخ أعطي والله فوق ما كان يأمل.
أسند بشر عن الثوري وغيره.
(2/223)
561 -
عبد العزيز بن سلمان
ويكنى أبا محمد.
أبو طارق التبان قال: كان عبد العزيز بن سلمان إذا ذكر القيامة والموت
صرخ كما تصرخ الثكلى ويصرخ الخائفون من جوانب المسجد. قال: وربما رفع
الميت والميتان من جوانب مجلسه.
مسمع بن عاصم قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان
الأعرج على ساحل من بعض السواحل فبكى حتى خشيت أن يموت، ثم بكى عبد
العزيز لبكائه. ثم بكى سلمان لبكائهما. وبكيت والله لبكائهم لا أدري ما
أبكاهم.
فلما كان بعد سألت عبد العزيز فقلت: أبا محمد ما الذين أبكاك ليلتك؟
قال: إني نظرت والله إلى أمواج البحر تموج فذكرت أطباق النيران
وزفراتها فذاك الذي أبكاني. ثم سألت كلاباً وسلمان فقالا لي نحواً من
ذلك.
قال مسمع: ما كان في القوم شر مني، ما كان بكائي إلا لبكائهم رحمة لما
يصنعون بأنفسهم.
ـــــــ
561 - هو: عبد العزيز بن سلمان، الواله الهيمان، الخوف أضناه، والرجاء
أسلاه، حلية الأولياء 6/262.
(2/223)
عن محمد
بن عبد العزيز بن سلمان قال: كان أبي إذا قام من الليل ليتهجد سمعت في
الدار جلبة شديدة واستسقاء للماء الكثير. قال فنرى أن الجن كانوا
يستيقظون للتهجد فيصلون معه.
محمد بن عبد العزيز سلمان العابد البصري قال: سمعت دهثماً، وكان من
العابدين، يقول: اليوم الذي كنت لا آتي فيه عبد العزيز كنت مغبوناً
فأبطأت عليه ذات يوم ثم أتيته فقال: ما الذي أبطأ بك؟ قلت: خير. قال:
على حال. قلت: شغلنا العيال، كنت ألتمس لهم شيئاً. قال: فوجدته لهم؟
قلت: لا. قال: هلم فلندع، قال: فدعا وأمنت ودعوت وأمن. ثم نهضنا لنقوم
فإذا والله الدنانير والدراهم تتناثر في حجورنا. فقال: دونكها ومضى ولم
يلتفت إلي.
قال: فأخذتها فإذا مائة دينار ومائة درهم. قال محمد: فقلت له: ما صنعت
بها؟ قال: احتبست قوت عيالي جمعة حتى لا يشغلني عن عبادته وشكره وخدمته
فكر في شيء من عرض الدنيا، ثم أمضيتها والله في سبيل الله.
قال محمد: يحق والله أن يرزقوا بغير حساب.
أحمد بن أبي الحواري قال: أنبأنا عبد العزيز بن عمير قال: قيل لعبد
العزيز الراسبي، وكانت رابعة تسميه سيد العابدين، ما بقي مما تلذ به؟
قال: سردان أخلو به فيه.
محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثتني أمي قالت: قال أبوك: ما
للعابدين وما للنوم؟ لا نوم والله في دار الدنيا إلا نوم غالب. قال:
فكان والله لا يكاد ينام إلا مغلوباً.
محمد بن الحسين قال: حدثني محمد بن عبد العزيز بن سلمان قال: حدثني
واقد الصفار قال: دعا عبد العزيز بن سلمان يوماً لمقعد كان في مجلسه
وأمن إخوانه، قال: فوالله ما انصرف المقعد إلى أهله إلا ماشياً على
رجليه.
(2/224)
562 -
مطهر السعدي
عبد العزيز بن سلمان العابد، وكان يرى الآيات والأعاجيب.
قال: حدثني مطهر السعدي، وكان قد بكى شوقاً إلى الله تعالى ستين عاماً،
قال: أريت كأني على ضفة نهر يجري بالمسك الأذفر، حافتاه شجر لؤلؤ
وقضبان الذهب، فإذا أنا بجوار مزينات يقلن بصوت واحد: سبحان المسبح بكل
لسان، سبحانه، سبحان الموجود بكل مكان، سبحانه، سبحان الدائم في كل
الأزمان، سبحانه.
(2/224)
قال:
فقلت: من أنتن؟ فقلن: خلق من خلق الرحمن سبحانه فقلت: ما تصنعن ههنا
فقلن:
ذرانا إله الناس رب محمد ... لقوم على الأطراف بالليل قوم
يناجون رب العالمين إلههم ... فتسري هموم الدنيا والناس نوم
قال: فقلت: بخ بخ لهؤلاء، من هؤلاء؟ لقد أقر الله أعينكم بكن، فقلن: أو
ما تعرفهم؟ قلت: لا والله ما أعرفهم. قلن: بلى هؤلاء المتهجدون أصحاب
القرآن والسهر.
(2/225)
563 -
كلاب بن جري
حكيم بن جعفر قال: كان مسمع يحدثني بحالات كلاب بن جري فأسمع شيئاً ما
كنت أرى أن يكون في هذه الأمة مثله، من شدة الخوف وطرب الشوق، فقلت له:
يا أبا سيار فكيف كان ليله؟ قال: شهدته ليلة في بعض السواحل وهو يصرخ
من أول الليل إلى آخره. فلما كان بعد ذلك قلت له: رحمك الله لقد أويت
لك من طول ما كنت فيه ليلتك. قال: فبكى ثم قال: يا أبا سيار فبمن
أستغيث إذاً؟ قال: فأبكاني والله.
(2/225)
564 -
عبد الله بن ثعلبة الحنفي
محمد بن علي الهاشمي قال: قال عبد الله بن ثعلبة الله يحفظك بأحراسه
فإذا أصبحت غدوت على معاصيه خلافاً له؟ فإذا أمسيت أعاد حراسه عليك لا
يمنعه ما كان منك.
يوسف بن أبي عبد الله قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول: تضحك؟ ولعل
أكفانك قد خرجت من عند القصار.
عن حامد بن عمرو البكراوي قال: سمعت عبد الله بن ثعلبة يقول لسفيان بن
عيينة: يا أبا محمد واحزناً على الحزن. فقال سفيان: هل حزنت قط لعلم
الله فيك، فقال عبد الله: آه آه تركتني لا أفرح أبداً.
أبو الحسن البصري قال: أنا أبو عروة، وكان جاراً لعبد الله بن ثعلبة
الحنفي حتى انمحق خداه من الدموع، وكان يقول:
لكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد
ـــــــ
564 - هو: التائه الكلفي، عبد الله بن ثعلبة الحنفي، هيمه الحب وتيمه
القرب، انظر حلية الأولياء 6/264.
(2/225)
565 -
ناشرة بن سعيد الحنفي
مسمع بن عاصم قال: انطلقت أنا وعبد العزيز بن سلمان إلى ناشرة بن سعيد
الحنفي؛ وكان قد بكى حتى أظلمت عيناه، فاستأذنا عليه فأذن لنا فدخلنا
فسلم عليه عبد العزيز، فقال له ناشرة: أبو محمد؟ قال: نعم. قال: ما جاء
بك؟ قال: نبكي معك على ما تقدم من سالف الذنوب. قال: فشهق شهقة خر
مغشياً عليه، وجلس عبد العزيز يبكي عند رأسه.
قال: وتنادى أهله فجعلوا يبكون حوله وهو صريع بينهم. فلما رأيت البكاء
قد كثر انسللت فخرجت.
(2/226)
الطبقة السابعة
عبد الرحمن مهدي
...
ومن الطبقة السابعة من أهل البصرة:
566 - عبد الرحمن بن مهدي
يكنى أبا سعيد العنبري.
ويقال: هو مولى للأزد. ولد في سنة خمس وثلاثين ومائة.
علي بن المديني قال: كان عبد الرحمن بن مهدي يختم في كل ليلتين، وكان
ورده في كل ليلة نصف القرآن.
هارون بن سفيان قال: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري يقول: أملي علي
عبد الرحمن بن مهدي عشرين ألف حديث حفظاً.
عبد الرحمن بن عمر قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان يقال إذا
لقي الرجل من فوقه في العلم: كان يوم غنيمة، وإذا لقي من هو مثله دارسه
وتعلم منه، وإذا لقي من هو دونه تواضع له وعلمه. ولا يكون إماماً في
العلم في العلم من يحدث بكل ما سمع ولا يكون إماماً في العلم من يحدث
عن كل أحد، ولا يكون إماماً في العلم من يحدث بالشاذ من العلم والحفظ
والإتقان.
قال: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لولا أني أكره أن يعصى الله تمنيت
أن لا يبقى في هذا المصر أحد إلا وقع في واغتابني، فأي شيء أهنأ من
حسنة يجدها الرجل في صحيفته يوم القيامة لم يعملها ولم يعلم بها.
وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول، وأراد أن يبيع أرضاً له فقال الدلال:
أعطيت بالجريب خمسين ومائتي دينار ولكن نظر إلى أرض خراب ونخل بادية
العروق، فلولا كانت مسمدة رجوت أن أبيع الجريب بفضل خمسين ديناراً وهذا
كثير أربعة آلاف دينار؟ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {لا يَسْتَوِي
الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ
فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} المائدة: 100 لا ولا كذا.
أظنه قال: ولا مائة ألف.
ـــــــ
566 - هو: عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري
ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، قال ابن المديني: ما رايت أعلم
منه، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين وهو ابن ثلاث وسبعين.
(2/227)
قال عبد
الرحمن بم عمر: وحدثني يحيى بن عبد الرحمن بن مهري أن أباه كان يحيى
الليل كله.
قال عبد الرحمن بن عمر: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: والله لا تجد
فقد شيء تركته ابتغاء وجه الله، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا مالاً
كثيراً فدخل قلبي من ذلك شيء فتركته لله وخرجت منه فما خرجت من الدنيا
حتى رد الله علي ذلك المال عامة إلي وإلى ولدي، زوج أخي ثلاث بنات من
بني وزوجت ابنتي من ابنه، ومات أخي فورثه أبي، ومات أبي فورثنه أنا،
فرجع ذلك كله إلي وإلى ولدي في الدنيا.
أسند عبد الرحمن عن الأئمة كمالك بن أنس والثوري وشعبة والحمادين، وقد
أدرك جماعة من التابعين منهم: جرير بن حازم، والمثنى بن سعيد، وصالح بن
درهم. وتوفي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن
ثلاث وستين سنة.
(2/228)
567 -
عفان بن مسلم أبو عثمان الصفار
جمع بين العلم والتقى.
صالح بن أحمد بن عبد الله العجلي قال: ثنا أبي قال: عفان بن مسلم بصري
ثقة ثبت، صاحب سنة، جعل له عشرة آلاف دينار على أن يقف عن تعديل رجل
ولا يقول: عدل ولا غير عدل. فأبى وقال: لا أبطل حقاً من الحقوق.
حنبل بن إسحاق قال: سمعت عفان يقول: دعاني إسحاق بن إبراهيم فقرأ علي
الكتاب الذي كتب به المأمون وإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول:
القرآن كذا وكذا. فإن قال ذلك فأقرأه على أمره وإن لم يجبك فاقطع عنه
الذي يجري عليه وكان يجري عليه خمسمائة درهم كل شهر.
قال عفان: فقال لي: ما تقول؟ فقرأت {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}
الإخلاص: 1 حتى ختمتها وقلت: مخلوق هذا؟ فقال: إن أمير المؤمنين يقول
إن لم تجبه يقطع عنك ما يجرى عليك فقلت يقول الله تعالى: {وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات فسكت عني، فانصرفت.
ـــــــ
567 - هو: عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار، البصري
ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، وربما
وهم، وقال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة، ومات بعدها بيسير،
من كبار العاشرة.
(2/228)
أسند عفان
عن جماعة من الأئمة كشعبة والحمادين. وتوفي ببغداد في سنة عشرين
ومائتين، وقيل تسع عشرة، وله خمس وثمانون سنة.
(2/229)
568 -
زهير بن نعيم الباني
يكنى أبا عبد الرحمن.
أحمد بن عصام قال: قال زهير بن نعيم: عن هذا الأمر لا يتم إلا بشيئين:
الصبر واليقين، فإن كان يقين ولم يكن معه صبر لم يتم، وإن كان صبر ولم
يكن معه يقين لم يتم، وقد ضرب لهما أبو الدرداء مثلاً فقال: مثل اليقين
والصبر مثل فدادين يحفران الأرض فإذا جلس واحد جلس الآخر.
قال أحمد بن عصام: وسمعت خالي عبد العزيز بن يوسف يقول: أردت الخروج من
البصرة فبدأت بيحيى بن سعيد فودعته ثم ودعت عبد الرحمن بن مهدي، ثم
ودعت زهيراً فقلت: هل من حاجة؟ فقال: نعم إلا أنها مهمة. قال: ففرحت.
فقال: إتق الله، فوالله لأن يتقيه عبد أحب غلي من أن تتحول هذه السواري
كلها ذهباً.
عبد الرحمن بن عمر قال: انتهى إلينا يوماً رجل من هؤلاء الخبثاء
القدرية فقال له: يا أبا عبد الرحمن بلغني انك رجل زنديق. فقال له
زهير: أما زنديق فلا، ولكني رجل سوء.
عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: سمعت زهير بن نعيم الباني يقول:
لوددت أن جسدي قرض بالمقاريض وأن هذا الخلق أطاع الله.
عبد الله بن عبد الغفار الكرماني قال: دخلت على زهير بن نعيم الباني
وقد سقط من سطح، وقد تهشم وجهه، وهو مكفوف فقلت: يا أبا عبد الرحمن كيف
خبرك قال: هو ذا تراني كيف أنا وهي الدنيا فليجهد جهدها.
محمد بن يونس بن موسى قال: سمعت زهير بن نعيم الباني. وقال له رجل: يا
أبا عبد الرحمن توصي بشيء؟ قال: نعم إحذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة.
ـــــــ
568 - هو: زهير بن نعيم البابي -بموحدتين - السلولي، أبو عبد الرحمن
السجستاني، نزيل البصرة عابد من كبار العاشرة مات بعد المائتين.
قال الشيخ شعيب: لم يذكر مرتبته، وليس له رواية في الكتب الستة وإنما
روى له أبو داود في كتاب الشمائل عن سلام بن أبي مطيع قوله: الجهمية
كفار لا يصلى خلفهم ويغلب على الظن أنه إلى الضعف أقرب، التحرير 1/421.
(2/229)
569 -
أبو عبد الله الحربي الزاهد
إبراهيم بن شبيب بن شيبة قال: كنا نتجالس في الجمعة فأتى رجل عليه ثوب
واحد ملتحف به فجلس إلينا فألقى مسألة فما زلنا نتكلم في الفقه حتى
انصرفنا. ثم جاءنا في الجمعة المقبلة فأحببناه وسألناه عن منزله فقال:
أنزل الحربية فسألناه عن كنيته فقال: أبو عبد الله. فرغبنا في مجالسته
ورأينا مجلسنا مجلس فقه.
فمكثنا بذلك زماناً ثم انقطع عنا فقال بعضنا لبعض: ما حالنا؟ قد كان
مجلسنا عامراً بأبي عبد الله وقد صار موحشاً فوعد بعضنا بعضاً إذا
أصبحنا أن نأتي الحربية فنسأل عنه. فأتينا الحربية وكنا عدداً فجعلنا
نستحي أن نسأل عن أبي عبد الله فنظرنا إلى صبيان قد انصرفوا من الكتاب
فقلنا: أبو عبد الله. فقالوا: لعلكم تعنون الصياد؟ قلنا نعم. قالوا هذا
وقته الآن يجيء. فقعدنا ننتظره فإذا هو قد أقبل مؤتزراً بخرقة وعلى
كتفه خرقة ومعه أطيار مذبحة وأطيار أحياء. فلما رآنا تبسم إلينا
وقال:ما جاء بكم؟ فقلنا: فقدناك وقد كنت غمرت مجلسنا فما غيبك عنا؟
قال: إذاً أصدقكم.
كان لنا جار كنت أستعير منه كل يوم ذاك الثوب الذي كنت آتيكم فيه وكان
غريباً فخرج إلى وطنه فلم يكن لي ثوب آتيكم فيه هل لكم أن تدخلوا
المنزل فتأكلوا مما رزق الله عز وجل؟ فقال بعضنا لبعض: ادخلوا منزله
فجاء إلى الباب فسلم ثم صبر قليلاً ثم دخل فأذن لنا فدخلنا فإذا هو قد
أتى بقطع من البواري فبسطها لنا فقعدنا فدخل إلى المرأة فسلم إليها
الأطيار المذبحة وأخذ الأطيار الأحياء ثم قال: أنا آتيكم إن شاء الله
عن قريب فأتى السوق فباعها واشترى خبزاً فجاء وقد صنعت المرأة ذلك
الطير وهيأته فقدم إلينا خبزاً ولحم طير فأكلنا فجعل يقوم فيأتينا
بالملح والماء فكلما قام قال بعضنا لبعض: رأيتم مثل هذا؟ ألا تغيرون
أمره وأنتم سادة أهل البصرة؟ فقال أحدهم: علي خمسمائة. وقال الآخر: علي
ثلثمائة. وقال هذا وقال هذا، وضمن بعضهم أن يأخذ له غيره. فبلغ الذي
جمعوا في الحساب خمسة آلاف درهم فقالوا: قوموا بنا نذهب فنأتيه بهذا
ونسأله أن يغير بعض ما هو فيه.
فقمنا فانصرفنا على حالنا ركباناً فمررنا بالمربد فإذا محمد بن سليمان
أمير البصرة قاعد في منظرة له فقال: يا غلام ائتني بإبراهيم بن شبيب بن
شيبة من بين القوم. فجئت فدخلت عليه فسألني عن قصتنا ومن أين أقبلنا
فصدقته الحديث. فقال: أنا أسبقكم إلى بره،
(2/230)
يا غلام
ائتني ببدرة دراهم فجاء بها فقال: ائتني بغلام فراش فجاء فقال: احمل
هذه البدرة مع هذا الرجل حتى تدفعها إلى من أمرنا.
ففرحت ثم قمت مسرعاً فلما أتيت الباب سلمت فاجابني أبو عبد الله ثم خرج
إلي. فلما رأى الفراش والبدرة على عنقه كأني سفيت في وجهه الرماد وأقبل
علي بغير الوجه الأول فقال: ما لي ولك يا هذا؟ أتريد أن تفتنني؟ فقلت:
يا عبد الله اقعد حتى أخبرك أنه من القصة كذا وكذا، وهو الذي تعلم أحد
الجبارين، يعني محمد بن سليمان، ولو كان أمري أن أضعها حيث أرى لرجعت
إليه فأخبرته إني قد وضعتها. فالله الله في نفسك. فازداد علي غيظاً
وقام فدخل منزله وأصفق الباب في وجهي، فجعلت أقدم وأؤخر ما أدري ما
أقول للأمير. ثم لم أجد بداً من الصدق فجئت فأخبرته الخبر فقال: حروري
والله، يا غلام علي بالسيف. فجاء بالسيف فقال له: خذ بيد هذا الغلام
حتى يذهب بك إلى هذا الرجل فإذا أخرجه إليك فاضرب عنقه وائتني برأسه،
قال إبراهيم: فقلت أصلح الله الأمير، الله الله، فوالله لقد رأينا
رجلاً ما هو من الخوارج ولكني أذهب فآتيك به وما أريد بذلك إلا افتداء
منه. قال فضمننيه فمضيت حتى أتيت الباب فسلمت فإذا المرأة تحن وتبكي،
ثم فتحت الباب وتوارت فأذنت لي فدخلت فقالت: ما شأنكم وشأن أبي عبد
الله؟ فقلت: ما حاله؟ قالت: دخل فمال إلى الركى فنزع منها ماء فتوضأ ثم
سمعته يقول: اللهم اقبضني إليك ولا تفتني. ثم تمدد وهو يقول ذلك.
فلحقته وقد قضى فهو ذاك ميت. فقلت: يا هذه إن لنا قصة عظيمة فلا تحدثوا
فيه شيئاً. فجئت محمد بن سليمان وأخبرته الخبر فقال: أنا أركب فأصلي
على هذا.
قال: وشاع خبره بالبصرة فشهده الأمير وعامة أهل البصرة. رحمة الله
عليه.
(2/231)
وممن تأخر عن هذه الطبقة
أبو الحسن البصري
...
وممن تأخر عن هذه الطبقات:
570 - أبوا الحسن البصري
أصله من مكة وسكن البصرة وإنما يعرف بالمكي.
أنبأنا محمد بن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال: كان أبو
الحسن المكي يسف الخوص وكان لا يملك إلا داراً فلما ضعف عن سف الخوص
باعها على شرط أن يكريه المشتري إياها وأودع الثمن عند المشتري، وكان
يأخذ منه في كل شهر خمسة دراهم لنفقته ويعطي المشتري أجرة الدار. فمات
قبل أن ينفذ الثمن، وكانت له جبة صوف بيضاء أقامت معه عشرين سنة شتاء
وصيفاً ما لبس غيرها، وكانت في نهاية الحسن والنقاء والنظافة والصحة.
وكان موته حوالي سنة خمسين وثلثمائة وكانت جنازته عظيمة.
ـــــــ
570 - هو: أبو الحسن البصري، علي بن بكار المصيصي،..... صدوق من
العاشرة مات في حدود الأربعين.
(2/232)
ذكر المصطفين من عباد البصرة المجاهيل الأسماء
571 - عابد
عن الحسن قال: احترقت أخصاص بالبصرة وبقي في وسطها خص لم يحترق وأمير
البصرة يومئذ أبو موسى الأشعري. فخبر بذلك فبعث إلى صاحب الخص فأتي به
فإذا شيخ فقال: يا شيخ ما بال خصك لم يحترق؟ قال: إني أقسمت على ربي أن
لا يحرقه فقال أبو موسى: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "يكون في أمتي رجال طلس رؤوسهم، دنس ثيابهم، لو أقسموا على الله
لأبرهم" 1.
572 - عابد آخر
قال إبراهيم بن عبد الله بن المديني: قيل للحسن: ههنا رجل لم نره قط
جالساً إلى أحد إنما هو أبداً خلف سارية وحده. فقال الحسن: إذا رأيتموه
فأخبروني به. قال فمر به ذات يوم ومعهم الحسن فأشاروا له إليه فقالوا:
ذلك الرجل الذي أخبرناك. فقال: امضوا حتى آتيه. فلما جاءه قال: يا عبد
الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مخالطة الناس؟ قال: ما
أشغلني عن الناس. قال: فيأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه.
قال ما أشغلني عن الحسن وعن الناس. قال: له الحسن: فما الذي شغلك
-يرحمك الله - عن الناس وعن الحسن؟ قال: إني أمسي وأصبح بين ذنب ونعمة،
فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بالاستغفار للذنب والشكر لله على النعمة.
فقال له الحسن: أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن، الزم ما أنت عليه.
573 - عابد آخر
عطية بن سليمان قال: صليت الجمعة ثم انصرف فجلست إلى يونس بن عبيد حتى
صلينا العصر فقال: هل لكم في جنازة فلان؟ فمشينا إلى ناحية بني سعد
فصلينا على الجنازة ثم قال: هل لكم في فلان العابد نعوده فأتينا رجلاً
قد وقعت في فيه الخبيثة حتى أبدت عن أضراسه فكان إذا أراد أن يتكلم دعا
بعقب من ماء وبقطنة فيبل لسانه حتى يبتل ثم يتكلم بكلمات يحسن فيهن.
ـــــــ
1 أخرجه الديلمي في مسنده انظر كنز العمال 3/158 رقم 5954.
(2/233)
فلما
دخلنا عليه دعا بالقدح ليفعل ما كان يفعل، فبينا هو يبل لسانه سقطت
حدقتاه في القدح فأخذهما فمر بهما بيده ثم قال: إني لأجد فيهما دسماً
وما كنت أظنه بقي فيهما. ثم استقبل القبلة فقال: الحمد لله الذي
أعطانيهما وأمتعني بهما شبابي وصحتي حتى إذا أفنيت أيامي وحضر أجلي
أخذهما مني ليبدلني بهما إن شاء الله خيراً منهما. فقال له يونس: قد
كنا تهيأنا لنعزيك فنحن الآن نهنئك فقال خيراً ودعا. ثم خرجنا من عنده.
574 - عابد آخر
محمد بن عبد الرحمن عن الرجل الذي حدثه أنهم كانوا بالبصرة في شدة قحط
الناس فيها وغلا سعرهم واحتبس عنهم المطر فخرجوا يستسقون، وخرجت اليهود
والنصارى، فاعتزلت اليهود معهم التوراة، واعتزلت النصارى معهم الإنجيل،
واعتزل المسلمون، كلهم يدعون وانصرفوا يومهم ذلك.
قال: فبينا أنا بعد ذلك أمشي في طريق المريد نظرت فإذا بين يدي فتى
عليه أطمار، تقيلة النفس فهو يمشي وأنا خلفه حتى خرج إلى الجبان فدخل
بعض تلك المساجد التي بالقرب من المقابر ودخلت خلفه تحول بيني وبينه
أركان المسجد فصلى ركعتين ثم رفع يديه يدعو، وقال في دعائه: يا رب
استغاث بك عبادك فلم تسقهم، يا رب الآن شمتت بنا اليهود والنصارى،
أقسمت عليه يا رب إلا سقيتنا الساعة ولم تردني.
قال: فما برح يدعو حتى جاءت السحابة ومطرنا فخرج وخرجت في أثره لأعرف
موضعه فجاء إلى دار فيها أخصاص وأكواخ فيها سكان فدخل بيتاً منها فعرفت
موضعه. فانصرفت عنه وهيأت دراهم في صرة ثم جئت فاستأذنت عليه فدخلت
فإذا ليس في البيت إلا قطعة حصير ومطهرة فيها ماء وإذا هو قاعد يعمل
الخوص فسلمت فرحب بي وبش فتحدثت ساعة ثم أخرجت الصرة وقلت: رحمك الله
انتفع بهذه فتبسم وقال: جزاك الله خيراً أنا في غنى عنها. فألححت عليه
فجعل يدعو ويأبى أن يأخذها. فلما أكثرت عليه تنكر لي وقال: حسبك الآن
ليس بي إليها حاجة. قال: فأقبلت عليه وقلت: رحمك الله إن لي عليك حقاً
قال: وما هو رحمك الله؟ قلت: كنت أسمع دعاءك حين خرجت إلى الجبان. قال:
فاصفر وجهه حتى أنكرته وساءه ما قلت له. ثم خرجت من عنده.
فلما كان بعد ذلك بأيام أتيته فلما دخلت الدار جعل سكان الدار يصيحون
بقيم الدار: هو
(2/234)
ذا هو قد
جاء. فجاء إلي فتعلق بي وقال: يا عدو نفسه ما صنعت بذاك الفتى الذي
جئته اليوم الأول؟ أي شيء أسمعته؟ قلت: لا تعجل حتى أخبرك بالحديث،
فقال: إنك لما خرجت من عنده قام في الحال فأخذ حصيره ومطهرته وودعنا
وخرج ولم يعد إلينا إلى الساعة لا ندري أين توجه؟
575 - عابد آخر
عن مالك بن دينار قال: احتبس علينا المطر بالبصرة فخرجنا يوماً بعد يوم
نستسقي فلم نر أثراً لإجابة. فخرجت أنا وعطاء السليمي وثابت البناني
ومحمد بن واسع وحبيب الفارسي وصالح المرب وآخرين حتى صرنا إلى المصلى
بالبصرة فاستسقينا فلم نر أثراً لإجابة. وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت
في المصلى فلما أظلم الليل إذا بأسود دقيق الساقين عظيم البطن عليه
مئزران من صوف، فجاء إلى ماء فتمسح ثم صلى ركعتين خفيفتين ثم رفع طرفه
إلى السماء فقال: سيدي إلى كم ترد عبادك فيما لا ينقصك أنفد ما عندك؟
أقسمت عليك بحبك لي إلا ما سقيتنا غيثك الساعة الساعة.
فما أتم الكلام حتى تغيمت السماء وأخذتنا كأفواه القرب فما خرجنا حتى
خضنا الماء. فتعجبنا من الأسود فتعرضت له فقلت: أما تستحيي ما قلت؟
قال: وما قلت؟ قلت قولك: بحبك لي، وما يدريك أنه يحبك؟ قال: تنح عن
همتي يا من اشتغل عنه بنفسه أين كنت أنا حين خصني بتوحيده ومعرفته؟
أتراه بدأني بذلك إلا لمحبته لي؟ ثم بادر يسعى. فقلت: ارفق بنا. قال:
أنا مملوك علي فرض من طاعة مالكي الصغير. فدخل دار نحاس فلما أصبحنا
أتيت النحاس فقلت له: عندك غلام تبيعنيه للخدمة؟ قال: نعم عندي مائة
غلام فجعل يخرج إلى واحداً بعد واحد وأنا أقول غير هذا. إلى أن قال: ما
بقي عندي أحد فلما خرجنا إذا الأسود قائم في حجرة خربة فقلت: يعني هذا.
قال: هذا غلام مشؤوم لا همة له إلا بالبكاء فقلت: ولذلك أريده فدعاه
وقال لي: خذه بما شئت بعد أن تبرئني من عيوبه. فاشتريته بعشرين
ديناراً. فلما خرجنا قال: يا مولاي لماذا اشتريتني؟ قلت: لنخدمك نحن.
قال: ولم ذاك؟ قلت: أليس أنت صاحبنا البارحة في المصلى؟ قال: وقد اطلعت
على ذلك فجعل يمشي حتى دخل مسجداً فصلى ركعتين ثم قال: إلهي وسيدي سر
كان بيني وبينك أظهرته للمخلوقين، أقسمت عليك إلا قبضت روحي الساعة.
فإذا هو ميت فبقبره نستسقي ونطلب الحوائج إلى يومنا هذا.
(2/235)
576 -
عابد آخر
حصين بن قاسم الوزان قال: كنا عند عبد الواحد وهو يعظ فناداه رجل من
ناحية المسجد كف يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع قلبي فلم يلتفت عبد الواحد
ومر في الموعظة. فلم يزل الرجل يقول: كف يا أبا عبيدة فقد كشفت قناع
قلبي وعبد الواحد يعظ ولا يقطع وموعظته حتى والله حشرج الرجل حشرجة
الموت، ثم خرجت نفسه.
قال: فأنا والله شهدت جنازته يومئذ فما رأيت بالبصرة يوماً أكثر باكياً
من يومئذ.
577 - عابد آخر
عن يزيد الرقاشي قال: دخلت على عابد بالبصرة وإذا أهل بيته حوله فإذا
هو مجهود قد أجهده الاجتهاد. قال: فبكى أبوه فنظر إليه ثم قال: أيها
الشيخ، ما الذي يبكيك؟ قال: يا بني أبكي فقدك وما أرى من جهدك. قال:
فبكت أمه. فقال: أيتها الوالدة الشفيقة الرفيقة ما الذي يبكيك؟ قال: يا
بني أبكي فراقك وما أتعجل من الوحشة بعدك.
قال: فبكى أهله وصبيانه. فنظر إليهم ثم قال: يا معشر اليتامى بعد قليل،
ما الذي يبكيكم؟ قالوا: يا أبانا نبكي فراقك وما نتعجل من اليتم بعدك.
قال: فقال: أقعدوني أقعدوني ألا أرى كلكم يبكي لدنياي أما فيكم من يبكي
لآخرتي؟ أما فيكم من يبكي لما يلقاه في التراب وجهي؟ أما فيكم من يبكي
لمساءلة منكر ونكير وإياي؟ أما فيكم من يبكي لوقوفي بين يدي الله ربي؟
قال: ثم صرخ صرخة فمات.
578 - عابد آخر
عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى ناحية الحربية فإذا إنسان أسود مجذوم
قد تقطعت كل جارحة له بالجذام وعمي وأقعد وإذا صبيان يرمونه بالحجارة
حتى دموا وجهه. فرأيته يحرك شفتيه فدنوت منه لأسمع ما يقول فإذا هو
يقول: يا سيدي إنك لتعلم أنك لو قرضت لحمي بالمقاريض ونشرت عظامي
بالمناشير ما ازددت لك إلا حباً فاصنع بي ما شئت.
579 - عابد آخر
فضيل أبو حاتم قال: لما كان حريق عرماز، كان رجل في خص له يسف خوصاً،
والنار قد أحدقت به فلم يضره. فقيل له في ذلك فقال: إني عزمت على رب
النار أن لا يحرقني بالنار. قيل له فاعزم عليه أن يطفئها. قال: ففعل.
فلم تلبث النار أن طفئت.
(2/236)
580 -
عباد سبعة
عن صالح المري قال: قدم علينا ابن السماك مرة فقال لي: أرني بعض عجائب
عبادكم فذهبت به إلى رجل في بعض الأحياء في خص له فاستأذنا عليه
فدخلنا، فإذا رجل يعمل خوصاً له فقرأت {إِذِ الْأَغْلالُ فِي
أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي
النَّارِ يُسْجَرُونَ} غافر فشهق الرجل فإذا هو قد يبس مغشياً عليه.
فخرجنا من عنده وتركناه على حاله وذهبنا إلى آخر فاستأذنا عليه فقال:
ادخلوا إن لم تشغلونا عن ربنا. فدخلنا فإذا رجل جالس في مصلى له فقرأت:
{ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} إبراهيم فشهق شهقة بدر
الدم من منخريه ثم جعل يتشحط في دمه حتى يبس، فخرجنا من عنده وتركناه
على حاله، حتى أدرته على ستة أنفس، كل نخرج من عنده وهو على هذه
الحالة.
ثم أتيت به السابع فاستأذنت فإذا امرأة له من وراء الخص تقول: ادخلوا.
فدخلنا فإذا شيخ فان جالس في مصلاة فسلمنا فلم يعقل سلامنا. فقلت بصوت
عال: إن للخلق غداً مقاماً. فقال الشيخ بين يدي من ويحك؟ ثم بقي
مبهوتاً فاتحاً فاه شاخصاً بصره يصيح بصوت له ضعيف حتى انقطع. فقالت
امرأته: اخرجوا عنه فإنكم ليس تنتفعون به الساعة.
فلما كان بعد ذلك سألت عن القوم فإذا ثلاثة قد أفاقوا وثلاثة قد لحقوا
بالله عز وجل، وأما الشيخ فإنه مكث ثلاثة أيام على حالته مبهوتاً
متحيراً لا يؤدي فرضاً فلما كان بعد ثالثة عقل.
581 - عابدان
ابن سماك قال: دخلت البصرة فقلت لرجل كنت أعرفه دلني على عبادكم.
فأدخلني على رجل عليه لباس الشعر، طويل الصمت لا يرفع رأسه إلى أحد.
قال فجعلت أستنطقه الكلام فلا يكلمني. فخرجت من عنده فقال لي صاحبي:
ههنا ابن عجوز هل لك فيه؟ قال: فدخلنا عليه فقالت العجوز: لا تذكروا
لابني شيئاً من ذكر جنة ولا نار فتقتلوه علي فإنه ليس لي غيره، قال:
فدخلنا على شاب عليه من اللباس نحو مما على صاحبه منكس الرأس طويل
الصمت فرفع رأسه فنظر إلينا ثم قال: أما إن للناس موقفاً لا بد أن
يقفوه قال: فقلت بين يدي من رحمك الله؟ قال: فشهق شهقة فمات، قال ابن
السماك فجاءت العجوز فقالت: قتلتم ولدي. قال: فكنت فيمن صلى عليه.
(2/237)
582 -
عابد آخر
أبو عبد الله خرزي قال قلت لمحمد بن السماك: أخبرني عن أعجب شيء رأيته
من الخائفين. قال: اشتقت إلى عباد البصرة فأتيت الربيع بن صبيح فنزلت
عليه ثم قلت له: هل تعرف ههنا أحداً من الخائفين؟ قال: نعم ههنا زاهد
يقال إنه من الخائفين قلت له فبكر بنا إذا صلينا. قال فبكرنا إلى بعض
زوايا البصرة فدق باباً فخرجت عجوز فسلم عليها ثم قال: ما فعل ابنك؟
قالت إن ابني قد نسي الدنيا. قال: أتأذنين لنا أن ندخل عليه؟ قالت:
بشرط أن لا تذكروا له القيامة. قال: فأذنت لنا فدخلنا فإذا شاب عليه
مدرعة شعر، في عنقه طوق وسلسلة مشدودة بسارية البيت، فإذا قبر محفور
وإذا هو جالس على شفير قبره ينظر في لحده فقال الربيع: يا هذا أخوك
محمد بن السماك المذكر أتاك زائراً. فالتفت إليه فقال: ما أنت قائل؟
فتلجلج لساني وهنت فجهدت الجهد أن أنطلق فما قدرت. فخرجنا يومئذ ثم عدت
في اليوم الثاني فإذا هو على حالته التي رأيناها أمس فالتفت إلي فقال:
ما أنت قائل؟ فتلجلج لساني. ثم قلت إن للعباد مقاما. قال: ويحج عند من؟
قلت: عند مالك الملوك. فشهق شهقة فإذا هو ميت في قبره.
(2/238)
ومن
عقلاء المجانين بالبصرة:
583 - رجل لم يعرف اسمه
أبو أحمد بن روح قال حدثني بعض أصحابنا قال: رأيت مجنوناً بالبصرة قد
نظر إلى جنازة فأنشأ يقول:
وصف الطبيب فهم بما ... وصف الطبيب يعالجونه
يرجون صحة جسمه ... هيهات مما يرتجونه
قال: ثم غلبه البكاء ومضى.
(2/239)
ذكر المصطفات من عابدات البصرة
معاذة بنت عبد الله العدوية
...
ذكر المصطفيات من عابدات البصرة
584 - معاذة بنت عبد الله العدوية
وتكنى أم الصهباء.
محمد بن فضيل قال: حدثنا أبي قال: كانت معاذة العدوية إذا جاء النهار
قالت: هذا يومي الذي أموت فيه، فما تنام حتى تمسي وإذا جاء الليل قالت:
هذه ليلتي التي أموت فيها فلا تنام حتى تصبح وإذا جاء البرد لبست
الثياب الرقاق حتى يمنعها البرد من النوم.
الحكم بن سنان الباهلي قال: حدثتني امرأة كانت تخدم معاذة العدوية
قالت: كانت تحيي الليل صلاة فإذا غلبها النوم قامت فجالت في الدار وهي
تقول: يا نفس، النوم أمامك لو قدمت لطالت رقدتك في القبر على حسرة أو
سرور. قالت: فهي كذلك حتى تصبح.
قال عبد الرحمن بن عمرو الباهلي: وحدثتنا دلال ابنة أبي المدل قالت:
حدثتني آسية بنت عمرو العدوية قالت: كانت معاذة العدوية تصلي في كل يوم
وليلة ستمائة ركعة وتقرأ جزءها من الليل تقوم به. وكانت تقول عجبت لعين
تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلم القبور.
الحسن بن علي بن مسلم الباهلي قال: سمعت أبا السور العدوي يقول: بنو
عدي أشد أهل هذه البلدة اجتهاداً، هذا أبو الصهباء لا ينام ليله ولا
يفطر نهاره، وهذه امرأته معاذة ابنة عبد الله لم ترفع رأسها إلى السماء
أربعين عاماً.
عن زهير السلولي، عن رجل من بني عدي، عن امرأة منهم أرضعتها معاذة ابنة
عبد الله قالت: قالت لي معاذة: يا بنية كوني من لقاء الله عز وجل على
حذر ورجاء، وإني رأيت الراجي له محقوقاً بحسن الزلفى لديه يوم يلقاه،
ورأيت الخائف له مؤملاً للأمان يوم يقوم الناس لرب العالمين ثم بكت حتى
غلبها البكاء.
حماد بن سلمة قال: أنبأ ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في مغزى له
ومعه ابن له، فقال: أي بني تقدم فقاتل حتى أحتسبك. فحمل فقاتل حتى قتل
ثم تقدم فقتل فاجتمعت النساء عند امرأته معاذة العدوية فقالت: مرحباً،
إن كنتن جئتن لتهنئتي، فمرحباً بكن وإن كنتن جئتن بغير ذلك فارجعن.
ـــــــ
584 - هي: معاذة بنت عبد الله، أم الصهباء البصرية، ثقة، من الثالثة.
(2/240)
سلمة بن
حسان العدوي قال: أنبأ الحسن أن معاذة لم توسد فراشاً بعد أبي الصهباء
حتى ماتت.
عمران بن خالد قال: حدثتني أم الأسود بنت زيد العدوية وكانت معاذة قد
أرضعتها قالت: قالت لي معاذة لما قتل أبو الصهباء وقتل ولدها والله يا
بنية ما محبتي للبقاء في الدنيا للذيذ عيش ولا لروح نسيم، ولكن والله
أحب البقاء لأتقرب إلى ربي عز وجل بالوسائل لعله يجمع بيني وبين أبي
الصهباء وولده في الجنة.
روح بن سلمة الوراق قال: سمعت عفيرة العابدة تقول: بلغني أن معاذة
العدوية لما احتضرها الموت بكت ثم ضحكت. فقيل لها: مم بكيت ثم ضحكت فمم
البكاء ومم الضحك؟ قالت: أما البكاء الذي رأيتم فإني ذكرت مفارقة
الصيام والصلاة والذكر فكان البكاء لذلك، وأما الذي رأيتم من تبسمي
وضحكي فإني نظرت إلى أبي الصهباء قد أقبل في صحن الدار وعليه حلتان
خضراوان وهو في نفر والله ما رأيت لهم في الدنيا شبهاً فضحكت إليه ولا
أراني أدرك بعد ذلك فرضاً.
قال فماتت قبل أن يدخل وقت الصلاة.
أدركت معاذة عائشة وروت عنها. وروى عن معاذة الحسن البصري وأبو قلابة،
ويزيد الرشك.
(2/241)
585 -
حفصة بنت سيرين
عن عاصم الأحول قال: كنا ندخل على حفصة بنت سيرين وقد جعلت الجلباب
هكذا وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ
النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ
جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ}
النور: 60 وهو الجلباب. قال فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: {وَأَنْ
يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ} النور: 60 فتقول: هو إثبات الجلباب.
هشام بن حسان قال: كانت حفصة تقول لنا: يا معشر الشباب خذوا من أنفسكم
وأنتم شباب فإني ما رأيت العمل إلا في الشباب.
قال: قرأت القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة وماتت وهي ابنة تسعين.
عن هشام أن حفصة كانت تدخل في مسجدها فتصلي فيه الظهر والعصر والمغرب
والعشاء
ـــــــ
585 - هي: حفصة بنت سيرين، أم الهذيل الأنصارية، البصرية ثقة من
الثالثة، ماتت بعد المائة.
(2/241)
586 -
كريمة بنت سيرين
أخت حفصة.
عن مهدي بن ميمون قال: مكثت كريمة بنت سيرين أخت حفصة بنت سيرين خمس
عشرة سنة ما تخرج من مصلاها إلا لقضاء حاجة.
(2/243)
587 -
منيبة البصرية وابنتها
أبو عياش القطان قال: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت
لها ابنة أشد عبادة منها. فكان الحسن ربما رآها وتعجب من عبادتها على
حداثتها.
فبينا الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل
بها الموت فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت. فقال لها
يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي ولم
أشبع من طاعة ربي يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر
لا بنتي قبراً واسعاً وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال
بكائي، كيف أنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود؟.
(2/243)
588 -
رابعة العدوية
عبد الله بن عيسى قال: دخلت على رابعة العدوية بيتها فرأيت على وجهها
النور وكانت كثيرة البكاء فقرأ رجل عندها آية من القرآن فيها ذكر النار
فصاحت ثم سقطت.
ـــــــ
588 - هي: رابعة العدوية البصرية، الزاهدة، العابدة، الخاشعة، أم عمرو،
رابعة بنت إسماعيل، ولاؤها للعتكيين، ولها سيرة في جزء لابن الجوزي،
توفيت سنة ثمانين ومائة سير أعلام النبلاء 7/508.
(2/243)
589 -
عجردة العمية
رجاء بن مسلم العبدي قال: كنا نكون عند عجردة العمية في الدار. قال:
فكانت تحيي الليل صلاة. وربما قال: تقوم من أول الليل إلى السحر فإذا
كان السحر نادت بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دجى الليالي بتبكير
الدلج إلى ظلم الأسحار يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك، فبك إلهي لا
بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة السابقين إليك، وأن ترفعني إليك في
درجة المقربين، وأن تلحقني بعبادك الصالحين، فأنت أكرم الكرماء، وأرحم
الرحماء، وأعظم العظماء، يا كريم. ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في
سجودها حتى يطلع الفجر فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة، عبد الرحمن بن عمرو
الباهلي قال: حدثتني دلال بنت أبي المدل قالت: حدثتني أمي آمنة بنت
يعلى بن سهيل قالت: كانت عجردة العمية تغشانا فتظل عندنا اليوم
واليومين. قالت: فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت ثم قامت إلى
المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر.
قالت: فقلت لها، أو قال لها بعض أهل الدار: لو نمت من الليل شيئاً.
فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعني أنام.
جعفر بن سليمان قال: حدثني بعض نسائي، أمي أو غيرها من أهلي قالت: رأيت
عجردة العمية في يوم عيد عليها جبة صوف، وقناع صوف، وكساء صوف. قالت:
فنظرت فإذا هي جلد وعظم. قالت: وسمعتهم يذكرون عنها أنها لم تفطر ستين
عاماً.
(2/246)
590 -
حبيبة العدوية
عن عبد الله المكي أبي محمد قال: كانت حبيبة العدوية إذا صلت العتمة
قامت على سطح فشدت عليها درعها وخمارها. فقالت: إلهي غارت النجوم،
ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها، وبابك مفتوح، وخلا كل حبيب بحبيبه،
وهذا مقامي بين يديك.
فإذا كان السحر قالت: اللهم وهذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر،
فليت شعري هل قبلت مني ليلتي فأهنى أم رددتها علي فأعزى، فوعزتك لهذا
دأبي ودأبك أبداً ما أبقيتني، وعزتك لو انتهرتني ما برحت من بابك ولا
وقع في قلبي غير جودك وكرمك.
(2/246)
591 -
أم الأسود بنت زيد العدوية
أبو عبد الرحمن السلمي قال: كانت معاذة العدوية أرضعت أم الأسود. وقالت
أم
(2/246)
592 -
مريم البصرية
كانت تخدم رابعة العدوية، وكانت إذا سمعت علوم المحبة طاشت فحضرت بعض
المذكرين فتكلم في المحبة. فماتت في المجلس.
عبد العزيز بن عمير قال: قامت مريم البصرية المتعبدة من أول الليل
فقالت: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} الشورى: 19. ثم لم تجزه حتى
أصبحت.
وقالت مريم: ما اهتممت بالرزق ولا تعبت في طلبه منذ سمعت الله عز وجل
يقول: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات.
(2/247)
593 -
عفيرة العابدة
روح بن سلمة الوراق قال لعفيرة العابدة: بلغني أنك لا تنامين بالليل؛
فبكت، ثم قالت: ربما اشتهيت أن أنام فلا أقدر عليه، وكيف ينام أو كيف
يقدر على النوم، من لا ينام عنه حافظاه ليلاً ولا نهاراً؟ قال: فأبكتني
والله، وقلت في نفسي: أراني في شيء وأراك في شيء.
يحيى بن بسطام قال: دخلت مع نفر من أصحابنا على عفيرة، وكانت قد تعبدت
وبكت حتى عميت. فقال بعض أصحابنا لرجل إلى جنبه: ما أشد العمى على من
كان بصيراً. فسمعت عفيرة فقالت له: يا عبد الله عمى القلب، والله، عن
الله أشد من عمى العين عن الدنيا، والله وددت أن الله وهب لي كنه محبته
وأنه لم تبق مني جارحة إلا أخذها.
عبد الوهاب بن صالح قال: سمعت محمد بن عبيد يقول: دخلنا على امرأة
بالبصرة يقال لها عفيرة، فقيل لها: ياعفيرة ادعي الله لنا. فقالت: لو
خرس الخاطئون ما تكلمت عجوزكم، ولكن المحسن أمر المسيء بالدعاء، جعل
الله قراكم من بيتي الجنة، وجعل الموت مني ومنكم على بال.
مالك بن ضيغم قال: سمعت عفيرة تقول عصيتك بكل جارحة مني على حدتها،
والله لئن أعنت لأطيعنك ما استطعت بكل جارحة عصيتك بها.
(2/247)
594 -
عبيدة بنت أبي كلاب
شعيب بن محرز قال: حدثتني سلامة العابدة قالت: بكت عبيدة بنت أبي كلاب
أربعين سنة حتى ذهب بصرها.
عن يحيى بن بسطام الأصغر قال: حدثني سلمة الأفقم، وكان ينزل الطفاوة،
قال: قلت لعبيدة بنت أبي كلاب ما تشتهين؟ قالت: الموت. قلت: ولم؟ قالت:
لأني والله في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي
أيام الآخرة.
عبد العزيز بن سلمان قال: اختلفت عبيدة وأبي إلى مالك بن دينار عشرين
سنة. قال أبي: فما سمعتها تسأل مالكاً عن شيء قط إلا مرة، قالت: يا أبا
يحيى متى يبلغ المتقي الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة؟ قال مالك: بخ
بخ يا عبيدة إذا بلغ المتقي تلك الدرجة العليا التي ليس فوقها درجة لم
يكن شيء أحب إليه من القدوم على الله. قال: فصرخت عبيدة صرخة سقطت
مغشياً عليها.
داود بن المحبر قال: سمعت البراء الغنوي يقول يوم ماتت عبيدة بنت أبي
كلاب: ما خلفت بالبصرة أفضل منها.
عبد الله بن رشيد السعدي، وكان قد صحب عبد الواحد بن زيد، قال: رأيت
الشيوخ والشباب والرجال والنساء من المتعبدين فما رأيت امرأة ولا رجلاً
أفضل ولا أحسن عقلاً من عبيدة بنت أبي كلاب.
عبيس بن مرحوم قال: حدثتني عبدة بنت أبي شوال قالت: رأيت رابعة في
المنام فقلت: ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب؟ فقالت: هيهات سبقتنا والله
إلى الدرجات العلى،
قلت: وبم وقد كنت عند الناس؟ أي أكثر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي
على ما أصبحت من الدنيا أو أمست.
(2/248)
595 -
عمرة امرأة حبيب العجمي
الحسين بن عبد الرحمن قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قالت امرأة حبيب أبي
محمد، وانتبهت ليلة وهو نائم؛ فأنبهته في السحر وقالت له: قم يا رجل
فقد ذهب الليل وجاء النهار وبين يديك طريق بعيد وزاد قليل، وقوافل
الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.
مسلم بن إبراهيم قال: سمعت سهيلاً أخا حزم قال: كانت لحبيب أبي محمد
امرأة يقال لها عمرة، فاشتكت عينها فقيل لها: كيف تجدينك؟ قالت: وجع
قلبي أشد من وجع عيني.
(2/249)
596 -
بردة الصريمية
كانت إذا قيل لها: كيف أصبحت؟ تقول: أصبحنا أضيافاً منتجعين بأرض غربة
ننتظر إجابة الداعي.
أشرس أبو شيبان، وكان عابداً من البكائين، عن ثابت البناني أن امرأة من
الصدر الأول كان يقال لها بردة، وكانت تكثر البكاء حتى فسد بصرها. فقيل
لها: اتقي الله، أما تخافين على بصرك أن يذهب؟ قالت: دعوني فإن أكن من
أهل النار فأبعدني الله وأبعد بصري، وإن أكن من أهل الجنة فسيبدلني
الله عينين خيراً من عيني.
عن موسى بن سعيد، أو غيره، قال: قيل للحسن: يا أبا سعيد إن ههنا امرأة
يقال لها بردة قد فسدت عيناها من البكاء، فدخل عليها فقال لها: يا بردة
إن لبدنك عليك حقاً، وإن لبصرك عليك حقاً. قالت: يا أبا سعيد إن أكن من
أهل الجنة فسيبدلني الله بصراً خيراً من بصري، وإن أكن من أهل النار
فأبعد الله بصري.
عن عطاء بن المبارك قال: كانت بالبصرة امرأة جليلة متعبدة يقال لها
بردة، وكانت تقوم الليل، فإذا سكنت الحركات وهدأت العيون نادت بصوت لها
حزين: هدأت العيون وغارت النجوم وخلا كل حبيب بحبيبه، وقد خلوت بك يا
محبوبي أفتراك تعذبني وحبك في قلبي؟ لا تفعل يا حبيباه.
قال القرشي: وقال محمد بن الحسين حدثني شاذ بن فياض قال: حدثني رجل
أدرك
(2/249)
الحسين
قال: كانت امرأة في زمن الحسن إذا سمعت القرآن صرخت، فربما تكلمت بما
لا تريد. فقيل لها في ذلك، فقالت ربما سمعت القرآن فأرى ملك بني مروان
قد حوي لي. وكانت تبكي حتى يرحمها من رآها.
وذكر محمد بن الحسين أن الحميدي حدثه قال: ذكر سفيان يوماً بردة فقال:
رحمها الله ما كان ههنا من أولئك النساء المجاورات أشد اجتهاداً منها
بكت حتى ذهب بصرها.
قال سفيان: كانت إذا سمعت صوت الصواعق صرخت ولم تزل تصيح حتى يغشى
عليها.
(2/250)
597 -
أم طلق
محمد بن سنان الباهلي قال: سمعت شعبة بن دخان يذكر أن أم طلق كانت تصلي
في كل يوم وليلة أربعمائة ركعة، وتقرأ من القرآن ما شاء الله.
شيبة بن الأرقم قال: سمعت عاصماً الجحدري يقول: كانت أم طلق تقول: ما
ملكت نفسي ما تشتهي منذ جعل الله لي عليها سلطاناً.
عن سفيان بن عيينة قال: قالت أم طلق لطلق: ما أحسن صوتك بالقرآن فليته
لا يكون عليك وبالاً يوم القيامة. فبكى حتى غشي عليه.
عن سلمة الأيهم قال: سمعت عاصماً الجحدري يقول: كانت أم طلق تقول:
النفس ملك إن أتبعتها ومملوك إن أتعبتها.
(2/250)
598 -
أمة الجليل بنت عمرو العدوية
أبو بكر بن عبيد قال: قرأت في كتاب محمد بن الحسين بخطه: حدثني حليم بن
جعفر قال: حدثني مسمع بن عاصم قال: اختلف العابدون عندنا في الولاية،
فقال بعضهم إذا استحقها عبد لهم يهم بشيء إلا ناله، في دين كان أو
دنيا. وقال الآخر: الولي لا يعصي، غير أنه لا يدرك الشيء الذي يريده من
الدنيا بهمته ولا يدركه إلا بطلبه، كأنهم يقولون يدعو فيجاب. وقال
آخرون: المستحق للولاية لا يعرض لانتقاص حقه من الآخرة.
فتكلموا في ذلك بكلام كثير فأجمعوا على أن يأتوا امرأة من بني عدي يقال
لها أمة الجليل بنت عمرو العدوية، وكانت منقطعة جداً من طول الاجتهاد.
فأتوها. قال مسمع: وأنا
ـــــــ
597 - هي: أم طلق، لا يعرف حالها، من الثانية.
(2/250)
599 -
أم حيان السلمية
عن أبي خلدة قال: ما رأيت رجلاً قط ولا امرأة أقوى ولا أصبر على طول
القيام من أم حيان السلمية، إن كانت لتقوم في مسجد الحي كأنها نخلة
تصفقها الرياح يميناً وشمالاً.
مكي البصري قال: حدثتني سوادة السلمية قالت: كانت أم حيان تقرأ القرآن
في كل يوم وليلة، وكانت لا تتكلم إلا بعد العصر فإنها تأمر بالحاجة
والشيء تريده.
(2/251)
600 -
أم إبراهيم العابدة
عبد المؤمن بن عبد الله القيسي قال: ضربت أم إبراهيم العابدة دابة
فكسرت رجلها، فأتاها قوم يعزونها. فقالت: لولا مصائب الدنيا وردنا
الآخرة مفاليس.
أبو موسى الشواء قال: كنت مع أم إبراهيم العابدة. فلما صرنا عند الجمار
رأت الناس قد أقبلوا على الشراء والبيع، فرفعت رأسها إلى السماء وقالت:
حبيبي أقبلوا على الدنيا وتركوك. قال: ثم صاحت واجتمع الناس فغطيتها
بثوبي. ثم قلت للناس: أصابها شيء وأوهمتهم أن بها علة. قال: ثم أقمت
عليها حتى أفاقت فرفعت رأسها فقلت لها: يا أم إبراهيم أي شيء هذه
الشهرة؟ فقالت: يا بطال إذا كان هو يقسم الثناء فلمن يتصنع؟
(2/251)
601 -
بحرية العابدة
رباح بن أبي الجراح قال: رأيت بحرية العابدة تبكي وتقول تركتك وأنا
رطبة، وأتيتك وأنا حشفة فاقبل الحشفة على ما كان منها.
وكان بها مسحة من جمال، وكان الجرع قد أضر بها ومكثت أربعين يوماً لم
تأكل فيها شيئاً إلا شيئاً من حمص وكانت مجتهدة وكان لها مجلس تذكر
فيه، وكانت إذا تكلمت اضطربت واقشعرت.
أحمد بن أبي الحواري قال: حدثتني عجوز من أهل البصرة قالت: سمعت بحرية
تقول: إذا ترك القلب الشهوات ألف العلم واتبعه واحتمل كل ما يرد عليه.
(2/251)
602 -
أم الحريش
رياح بن الجراح قال: رأيت أم الحريش، وكانت من عباد الناس، وابتليت
بزوج من الجند، فكانت لا تأكل من طعامه، تعد لنفسها شيئاً تأكله، وكان
ربما لم يقبل منها حتى تأكل معه، فكانت تقعد تريه أنها تأكل فتضع
أصابعها خارج القصعة.
(2/252)
603 -
حسنة العابدة
عن محمد بن قدامة قال: بلغنا أن امرأة كان يقال لها حسنة تركت نعيم
الدنيا فأقبلت على العبادة فكانت تصوم النهار وتحيي الليل وليس في
بيتها شيء، كلما عطشت خرجت إلى النهر فشربت بكفيها.
وكانت جميلة فقالت لها امرأة: تزوجي فقالت: هات رجلاً زاهداً لا يكلفني
من أمر الدنيا شيئاً وما أظنك تقدرين عليه، فوالله ما في نفسي أن أعبد
الدنيا ولا أتنعم مع رجال الدنيا، فإن وجدت رجلاً يبكي ويبكيني، ويصوم
ويأمرني، ويتصدق ويحضني عليها، فبها ونعمت، وإلا فعلى الرجال السلام.
(2/252)
604 -
زجلة العابدة مولاة معاوية
أحمد بن سهل الأزدي قال: دخل على زجلة العابدة نفر من القراء فكلموها
في الرفق بنفسها فقالت: ما لي وللرفق بها؟ فإنما هي أيام مبادرة، فمن
فاته اليوم شيء لم يدركه غداً. والله يا إخوتاه لأصلين له ما أقلتني
جوارحي، ولأصومن له أيام حياتي، ولأبكين له ما حملت الماء عيناي. ثم
قالت: أيكم يأمر عبده بأمر فيحب أن يقصر فيه؟.
عباد بن عباد، أبو عتبة الخواص، قال: دخلنا على زجلة العابدة، وكانت قد
صامت حتى اسودت، وبكت حتى عمشت، وصلت حتى أقعدت، وكانت صلاتها قاعدة.
فسلمنا عليها ثم ذكرناها شيئاً من العفو، أردنا أن نهون عليها الأمر
هناك. فشهقت ثم قالت: علمي بنفسي قرح فؤادي، وكلم قلبي. والله لوددت أن
الله لم يخلقني ولم أك شيئاً مذكوراً. ثم أقبلت على صلاتها وتركناها
فخرجنا من عندها.
كليب بن عيسى بن أبي حجير قال: كانت زجلة لا ترفع بصرها إلى السماء،
وكانت تخرج إلى الساحل فتغسل ثياب المرابطين.
قال كليب: وسمعت سعيد بن عبد العزيز يقول: ما بالشام ولا بالعراق أفضل
من زجلة.
(2/252)
605، 606
- غضنة وعالية
أبو الوليد العبدي قال: ربما رأيت غضنة وعالية تقوم إحداهما من الليل
فتقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف في ركعة.
(2/253)
607 -
مطيعة العابدة
محمد بن الحسين قال: حدثني صاحب لي من البصريين قال: بكت مطيعة أربعين
عاماً، فعوتبت على كثرة البكاء فقالت: لا أزال أبكي حتى أعلم على أي
الحالين أنا عند الله؟.
محمد بن الحسين قال: دخلنا على مطيعة العابدة في الجبان بالبصرة فجعلنا
نذاكرها شيئاً من الخير فلا نستبين كثيراً من كلامها، من كثرة بكائها.
فلما رأينا ذلك خرجنا من عندها وتركناها.
قال محمد: وسألت مطيعة قلت: منذ كم أنت ههنا في الجبان؟ فبكت ثم قالت:
يا بني منذ أربع وخمسين سنة.
(2/253)
608 -
كردوية بنت عمرو البصرية
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال: كانت كردوية تخدم شعوانة. فقيل
لها: ما الذي أصابك من بركات خدمة شعوانة؟ قالت: ما أحببت الدنيا منذ
خدمتها، ولا اهتممت لرزقي، ولا عظم في عيني أحد من أرباب الدنيا لطمع
لي فيه، وما استصغرت أحداً من المسلمين قط.
(2/253)
609 -
راهبة
عثمان بن سودة الطفاوي، وكانت أمه من العابدات، يقال لها راهبة، قال:
لما احتضرت رفعت رأسها إلى السماء فقالت: يا ذخري وذخيرتي، ويا من عليه
اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني عند الموت، ولا توحشني في قبري.
قال: فماتت. فكنت آتيها في كل جمعة فأدعو لها وأستغفر لها ولأهل
القبور. قال: فرأيتها ذات ليلة في منامي فقلت: يا أماه كيف أنت؟ قالت:
أي بني إن للموت لكربة شديدة وأنا بحمد الله لفي برزخ محمود نفترش فيه
الريحان ونتوسد فيه السندس والإستبرق إلى يوم النشور فقلت: ألك حاجة؟
قالت: نعم. قالت: لا تدع ما أنت عليه من زيارتنا والدعاء لنا فإني
لأبشر بمجيئك يوم الجمعة إذا أقبلت من عند أهلك، يقال لي: يا راهبة هذا
ابنك قد أقبل من أهله زائراً لك فأسر بذلك ويسر ذلك من حولي من
الأموات.
(2/253)
610 -
سلمى
خلف بن الوليد الجوهري قال: قالت سلمى، امرأة بصرية: إلهي علمي بشدة
عقوبتك ونكالك قطع عني لذاذة الدنيا ونعيمها، ومعرفتي بسعة رحمتك وسعت
علي خلقي فيما بيني وبين عبادك.
(2/254)
611 -
مسكينة الطفاوية
إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا عمار الراهب، وكان والله من العاملين لله
في دار الدنيا، قال: رأيت مسكينة الطفاوية في منامي وكانت من المواظبات
على حلق الذكر، فقلت: مرحباً يا مسكينة مرحباً. فقالت: هيهات يا عمار
ذهبت المسكنة وجاء الغنى الأكبر. قلت: هيه.. قالت: ما تسأل عمن أبيح
الجنة بحذافيرها يظل منها حيث يشاء. قال: قلت: وبم ذاك يرحمك الله؟
قالت: بمجالس الذكر والصبر على الحق. قال عمار: وكانت تحضر معنا مجلس
عيسى بن زاذان بالأبلة، تنجدر من البصرة حتى تأتيه قاصدة. قال عمار:
قلت يا مسكينة ما فعل عيسى؟ فضجت ثم قالت: كسي حلة البهاء، وطافت
بأباريق حوله الخدام، ثم حلي وقيل: يا قارئ ارق فلعمري لقد برأك
الصيام، وكان عيسى قد صام حتى انحى وانقطع صوته.
(2/254)
612 -
غنضكة
عن يوسف بن بهلول قال: كانت امرأة بالبصرة يقال لها غنضكة العابدة تصلي
عامة الليل، ثم تقول: أعوذ بالله من ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما
أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فإذا قضت صلاتها قالت: هذا الجهد مني وعليك
التكلان.
(2/254)
وما إن تزال دار حي قد أخرجت
ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المعروفات
بغيرهن
امرأة أبي عمران الجوني
...
ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المعروفات بغيرهن
613 - امرأة أبي عمران الجوني
عويد بن أبي عمران الجوني قال كانت أمي تقوم من الليل تصلي حتى تعصب
ساقيها بالخرق فيقول لها أبو عمران الجوني: دون هذا يا هذه، فتقول: هذا
عند طول القيام في الموقف قليل فيسكت عنها.
(2/255)
614 -
امرأة رياح القيسي
أبو يوسف البزاز قال: تزوج رياح القيسي امرأة فبنى بها.
فلما أصبح قامت إلى عجينها. فقال: لو نظرت إلى امرأة تكفيك هذا. فقالت:
إنما تزوجت رياحاً القيسي ولم أرني تزوجت جباراً عنيداً. فلما كان
الليل نام ليختبرها. فقامت ربع الليل ثم نادته: قم يا رياح. فقال:
أقوم. فقامت الربع الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح. فقال: أقوم. فلم
يقم. فقامت الآخر ثم نادته فقالت: قم يا رياح فقال أقوم. فقالت: مضى
الليل وعسكر المحسنون وأنت نائم، ليت شعري من غرني بك يا رياح. قال:
وقامت الربع الباقي.
عبد الله بن الحارث قال: زوج شميط بن العجلان رياحاً القيسي امرأة.
فبينا هو قاعد معها إذ نظرت إلى السماء فشهقت شهقة فخرت مغشياً عليها.
وقال رياح: اغتممت مرة في شيء من أمر الدنيا. فقالت أراك تغتم لأمر
الدنيا غرني منكم شميط. ثم أخذت هدبة من مقنعتها فقالت: الدنيا أهون
علي من هذه.
عن سيار قال: حدثني رياح قال: ذكرت لي امرأة فتزوجتها، فكانت إذا صلت
العشاء الآخرة تطيبت وتدخنت ولبست ثيابها ثم تأتيني فتقول: ألك حاجة؟
فإن قلت: نعم، كانت معي، وإن قلت: لا، قامت فنزعت ثيابها ثم صفت بين
قدميها حتى تصبح. قال رياح: ففحتني والله.
(2/255)
615 -
ابنة أم حسان الأسدية
عن سفيان الثوري قال: دخلت على بنت حسان الأسدية وفي جبهتها مثل ركبة
العنز من
(2/255)
616 -
مملوكة لإبراهيم النخعي
أبو الأحوص، عن مغيرة أو غيره، قال: كانت مولاة لإبراهيم تعمد إلى
اليوم الشديد الحر فتصومه. فقيل لها: إنك تعمدين إلى أشد الأيام حراً
فتصومينه؟ فقالت: إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد.
(2/256)
617 -
جارية عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي
البصرة
عبد الله بن الحسن القاضي العنبري قال: كانت عندي جارية أعجمية وضيئة،
وكنت بها معجباً. فكانت ذات ليلة نائمة إلى جنبي فانتبهت فلم أجدها.
فالتمستها فإذا هي ساجدة تقول: بحبك لي اغفر لي. فقلت: يا جارية لا
تقولي بحبك لي، قول: بحبي لك اغفر لي. فقالت:
(2/256)
618 -
جارية خالد الوراق
بلغنا عن خالد الوراق أنه قال: كانت لي جارية شديدة الاجتهاد فدخلت
عليها يوماً فأخبرتها برفق الله وقبوله يسير العمل. فبكت ثم قالت يا
خالد إني لأؤمل من الله تعالى آمالاً لو حملتها الجبال لأشفقت من حملها
كما ضعفت عن حمل الأمانة وإني لأعلم أن في كرم الله مستغاثاً لكل مذنب،
ولكن كيف لي بحسرة السباق؟ قال: قلت: وما حسرة السباق؟ قالت: غداة
الحشر إذا بعثر ما في القبور وركب الأبرار نجائب الأعمال فاستبقوا إلى
الصراط. وعزة سيدي لا يسبق مقصر مجتهداً أبداً، ولو حبا المجد حبواً.
أم كيف لي بموت الحزن والكمد إذا رأيت القوم يتراكضون وقد رفعت أعلام
المحسنين وجاز الصراط المشتاقون ووصل إلى الله المحبون وخلفت مع
المسيئين المذنبين؟ ثم بكت وقالت: يا خالد انظر لا يقطعك قاطع عن سرعة
المبادرة بالأعمال فإنه ليس بين الدارين دار يدرك فيها الخدام ما فاتهم
من الخدمة، فويل لمن قصر عن خدمة سيده ومعه الآمال، فهلا كانت الأعمال
توقظه إذا نام البطالون؟
(2/257)
619 -
الماوردية
ذكر أبو الحسن محمد بن هلال بن المحسن في تاريخه قال: كانت عجوز صالحة
زاهدة بالبصرة تعرف بالماوردية قاربت ثمانين سنة، بقيت خمسين سنة لم
تفطر ولم تنم بالليل، ولم تأكل خبزاً ولا رطباً ولا تمراً وإنما تطحن
لها باقلاً وتخبز لها خبزاً تقتات به، وتأكل التين اليابس دون الرطب،
وتنال من الزيت والعنب واللحم الشيء اليسير، وكانت تكتب وتقرأ وتعظ
النسوان وكانت كثيرة الخير والبركة.
وتوفيت يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة ست وستين وأربعمائة وتبع
جنازتها أكثر الناس. ودفنت خارج البلد عند قبور الصالحين.
(2/257)
ذكر المصطفيات من عابدات البصرة المجهولات
620 - عابدة
عن يعلى بن حكيم قال: قال سعيد بن جبير: ما رأيت أرعى لحرمة هذا البيت
ولا أحرص عليه من أهل البصرة، ولقد رأيت جارية منهم ذات ليلة تعلقت
بأستار الكعبة فجعلت تدعو وتبكي وتتضرع حتى ماتت.
621 - عابدة أخرى
عون بن أبي عمارة البصري قال: قال أبو محرز الطفاوي: شكوت إلى جارية
لنا ضيق المكسب علي وأنا شاب فقالت لي: يا بني استعن بعز القناعة عن ذل
المطالب، فكثيراً، والله ما رأيت القليل عاد سليماً.
قال أبو محرز: ما زلت بعد أعرف بركة كلامها في قنوعي.
622 - عابدة أخرى
عن عبد الواحد قال: أتينا امرأة متعبدة في ناحية البصرة لنسلم عليها
فقيل لنا لا تصلون إليها. قلنا: ولم ذاك؟ قالوا: قد غلقت عليها الباب
منذ ثلاث تبكي. قلنا: ولم ذاك؟ قالوا: قتلت نملة.
623 - عابدة أخرى
عن سعيد بن عطارد قال: ذكرت لي امرأة بالبصرة متعبدة فأتيتها فوجدتها
تصلي فانصرفت. فقالت: ما اسمك؟ فقلت: سعيد. قالت: يا سعيد، كل شيء شغلك
عن الله فهو عليك مشوم. ثم أقبلت على صلاتها وتركتني.
624 - عابدة أخرى
علي بن الحسن قال: كانت امرأة بالبصرة تقول لقلبها. فقدتك من قلب، ما
أنساك! أصبحت لعظمة الله ناسياً إلهي كيف لي بالقرب منك غداً وقاسي
القلب منك بعيد؟.
625 - عابدة أخرى
عن صالح بن عبد الكريم قال: رأيت امرأة سوداء بالبصرة، والناس مجتمعون
عليها، ثم قامت فدخلت داراً فدخلوا معها وأحدقوا بها، فدنوت منها فقلت:
يا هذه أما تخافين
(2/258)
العجب؟
فرفعت رأسها فنظرت إلي ثم قالت: كيف يعجب بعمله من لا يدري لعله قد رد
عليه؟.
626 - عابدة أخرى
الحسين بن جعفر قال: سمعت أبي قال: صليت العيد في الجبان ثم انفردت
فإذا أنا بعجوز رافعة يديها وهي تقول: انصرف الناس ولم أشعر قلبي
اليأس، يا صاحب الصدقة ها أناذه منصرفة، فليت شعري ما زودتني؟ رب ارحم
ضعفي وكبر سني، خرجت أرجوك فلا تخيب حسن ظني بك. وهي تبكي فما انتفعت
بنفسي يومي.
627 - عابدة أخرى
حماد بن سلمة قال: خرجت في ليلة ظلماء ذات برد وريح ومطر ومعي شوي،
قلت: أقسمه في جيراني. قال: فإذا أنا بامرأة قد خرجت وهي تقول: يا رفيق
ارفق بنا.
قال: قلت: ما لك رحمك الله؟ قالت: يا حماد إنه دخل هذا المطر على يتامى
تحت فرشهم فقلت: يا رفيق ارفق بنا، فدخلت فوجدته أيبس مما كان. فقلت:
هاك رحمك الله هذا الشيء فأنفقيه على نفسك وعلى أيتامك. فقالت: إليك
عني يا حماد فإني إنما أسأل أجود الأجودين.
عفان بن مسلم قال: قال لي حماد بن سلمة: ألح المطر علينا سنة من
السنين، وفي جواري امرأة من المتعبدات، لها بنات أيتام، فوكف السقف
عليهم فسمعتها تقول: يا رفيق ارفق بي. فسكن المطر؛ فأخذت صرة فيها عشرة
دنانير وقرعت بابها. فقالت: اجعله حماد بن سلمة. فقلت: أنا حماد، سمعتك
وقد تأذيت بالمطر فقلت يا رفيق ارفق بنا، فما بلغ من رفقه بك؟ فقالت:
سكن المطر وأدفأ الصبيان وجفف البيت.
قال فأخرجت الدنانير وقلت: انتفعي بهذه. فإذا صبية عليها مدرعة من صوف
تستبين خروقها، قد خرجت علي وقالت: ألا تسكت يا حماد تعترض بيننا وبين
ربنا ومولانا؟ ثم قالت: يا أماه قد علمنا أنا لما شكونا مولانا أنه
سيبعث إلينا بالدنيا ليطردنا من بابه ألصقت خدها بالتراب ثم قالت: أما
أنا وعزتك لا زايلت بابك وإن طردتني.
ثم قالت: يا حماد رد عافاك الله دنانيرك إلى الموضع الذي أخرجتها منه
فإنا رفعنا حوائجنا إلى من يقبل الودائع ولا يبخس المعاملين.
(2/259)
عن عبيد
الله بن محمد القرشي قال: كانت امرأة من عباد أهل البصرة، وكان لها
أولاد فأصابها مطر في بعض الليل فوكف عليها البيت، فجعلت تنقل أولادها
من موضع إلى موضع، فلا يزداد الوكف إلا شدة. فلما أذلقها ذلك قالت: يا
رفيق ارفق بي.
قال: فما أصابها من ذلك المطر قطرة واحدة.
(2/260)
ومن المصطفيات من عاقلات المجانين بالبصرة
628 - جارية
عن عبد الواحد قال: قال عتبة الغم: خرجت من البصرة فإذا أنا بخباء
أعراب قد زرعوا، وإذا أنا بخيمة، وفي الخيمة جارية مجنونة عليها جبة
صوف عليها مكتوب: لا تباع ولا تشترى. فدنوت فسلمت عليها فلم ترد علي
السلام، ثم وليت. فسمعتها تقول:
زهد الزاهدون والعابدونا ... إذ لمولاهم أجاعوا البطونا
أسهروا الأعين القريحة فيه ... فمضى ليلهم وهم ساهرونا
حيرتهم محبة الله حتى ... علم الناس أن فيهم جنونا
هم ألبا عقول ولكن ... قد شجاهم جميع ما يعرفونا
قال: فدنوت إليها فقلت: لمن الزرع؟ فقالت: لنا إن سلم، فتركتها وأتيت
بعض الأخبية فأرخت السماء كأفواه القرب. فقلت: والله لآتينها فأنظر
قصتها في هذا المطر، فإذا أنا بالزرع قد غرق وإذا هي قائمة وهي تقول:
والذي أسكن قلبي من طرف صفاء مودة محبته إن قلبي ليوقن منك بالرضا. ثم
التفتت إلي فقالت: يا هذا إنه زرعه فأنبته وأقامه فسنبله وركبه فشققه
وأرسل عليه غيثاً متغطمطاً فسقاه، واطلع عليه فحفظه فلما دنا حصاده
أهلكه. ثم رفعت رأسها نحو السماء فقالت: العباد عبادك، وأرزاقهم عليك،
فاصنع ما شئت فقلت لها: كيف صبرك؟ فقالت: اسكت يا عتبة:
إن إلهي لغني حميد ... في كل يوم منه رزق جديد
الحمد لله الذي لم يزل ... يفعل بي أكثر مما أريد
قال عتبة: فوالله ما ذكرت كلامها إلا هيجتني.
انتهى ذكر أهل البصرة.
(2/261)
|