صفة الصفوة

ذكر المصطفين من عباد البحرين - اليمامة - الدينور - همذان

ذكر المصطفين من عباد البحرين
خليفة العبدي
...
ذكر المصطفين من عباد البحرين:
651 - خليفة العبدي
هلال بن دارم قال: كان خليفة العبدي جاراً لنا بالبحرين فكان يقوم إذا هدأت العيون فيقول: اللهم إليك قمت أبتغي ما عندك من الخيرات. ثم يعمد إلى محرابه لا يزال يصلي حتى يطلع الفجر.
قال: وحدثتني عجوز كانت تكون معه في الدار قالت: كنت أسمعه يدعو في السجود يقول: هب لي إنابة إخبات وإخبات منيب وزيني في خلقك بطاعتك، وحببني لديك بحسن خدمتك، وأكرمني إذا وقد إليك المتقون فأنت خير مسؤول وخير معبود وخير مشكور وخير محمود.
وقالت: كنت أسمعه إذا دعا في السحر يقول: قام البطالون وقمت معهم، قمنا إليك ونحن متعرضون لجودك، فكم من ذي جرم عظيم قد صفحت له عن جرمه، وكم من ذي كرب عظيم قد فرجت له عن كربه، وكم من ذي ضر كثير قد كشفت له عن ضره، فبعزتك ما دعانا إلى مسألتك بعد ما انطوينا عليه من معصيتك إلا الذي عرفتنا من جودك وكرمك، فأنت المؤمل لكل خير، والمرجو عند كل نائبة.

(2/277)


عابدان
...
652 - عابد آخر
إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: دخلت على رجل بالبحرين قد اعتزل الناس وتفرغ لنفسه فذاكرته شيئاً من أمر الآخرة وذكر الموت، قال: فجعل والله يشهق حتى خرجت نفسه وأنا أنظر إليه قال: فدخل الناس عليه فقالوا: يا عبيد الله ما أردت إلى هذا؟ لعلك أن تكون ذاكرته بشيء من أمر الموت. قال: قلت أجل والله لقد كان ذلك. قال: فبكى رجل من جيرانه وقال: رحمك الله لقد خفت أن يقتلك ذكر الموت حتى والله لقد قتلك، قال: ثم جهزناه ودفناه رضي الله عنه.
653 - عابد آخر
قال مسمع: سمعت عابداً من أهل البحرين يقول في جوف الليل، ونحن على بعض السواحل، قرة عيني، وسرور قلبي، ما الذي أسقطني من عينك يا مانح العصم قال: ثم صرخ وبكى ثم نادى طوبى لقلوب ملأتها خشيتك واستولت عليها محبتك فمحبتك مانعة لها من كل لذة غير مناجاتك، والاجتهاد في خدمتك، وخشيتك قاطعة لها عن كل معصية خوفاً لحلول سخطك، ثم بكى وقال: يا إخوتاه ابكوا على خوف فوت الآخرة حيث لا رجعة ولا حيلة.

(2/278)


ذكر المصفيات من عابدات البحرين
منيفة بنت أبي طارق
...
ذكر المصطفيات من عابدات البحرين
654 - منيفة بنت أبي طارق
مسمع بن عاصم المسمعي قال: كانت بالحبرين امرأة عابدة يقال لها منيفة، فكانت إذا هجم الليل عليها قالت: بخ بخ يا نفس قد جاء سرور المؤمن، فتتحزم وتلبس وتقوم إلى محرابها فكأنها الجذع القائم حتى تصبح؛ فإذا أصبحت وأمكنت الصلاة فإنما هي في صلاة حتى ينادى بالعصر، فإذا صلت العصر هجعت إلى غروب الشمس هذا دأبها، قيل لها: لو جعلت هذه النومة في الليل كان أهدأ لبدنك، فقالت: لا والله لا أنام في ظلمة الليل ما دمت في الدنيا.
قال أبو سفيان فحدثني رجل من أهلها قال: فمكثت كذلك أربعين سنة ثم ماتت.
قال أبو سفيان: فحدثني رجل من البحرين يقال له عامر بن مليك قال: رأيت منيفة بعد موتها في منامي فقلت: يا منيفة ما حال الناس هناك؟ فأقبلت علي وقالت: عن أي حالهم تسأل؟ الدار واحدة لأهل الطاعة يتعالون فيها بالأعمال، ولا تسأل عن حال أهل النار. قال: فبكيت والله من قولها لا تسأل عن حال أهل النار. ثم وليت فأتبعتني صوتاً: يا عامر عليك بالجد والاجتهاد لعلك أن تجري في مساعي السابقين غداً. قال عامر: فمرضت والله من هذه الرؤيا شهراً.
قال أبو سيار: وحدثني عامر بن مليك البحراني عن أمة قالت: بت ذات ليلة عند منيفة ابنة أبي طارق فما زادت على هذه الآية من أول الليل إلى آخره ترددها وتبكي وتقول: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} آل عمران.

(2/279)


655 - ماجدة القرشية
المنهال بن يحيى البصري قال: حدثني إياس بن حمزة، رجل من أهل البحرين، قال: قالت امرأة من قريش يقال لها ماجدة، كانت تسكن البحرين: طوى أملي طلوع الشمس وغروبها، فما من حركة تسمع ولا من قدم توضع إلا ظننت أن الموت في أثرها.
وكانت تقول: سكان دار أوذنوا بالنقلة وهم حيارى يركضون في المهلة كأن المراد

(2/279)


غيرهم، أن التأذين ليس لهم والمعني بالأمر سواهم، آه من عقول ما أنقصها، ومن جهالة ما أتمها بؤساً لأهل المعاصي ماذا غروا به من الإمهال والاستدراج؟.
وكانت تقول: بسطوا آمالهم فأضاعوا أعمالهم، ولو نصبوا الآجال وطووا الآمال خفت عليهم الأعمال.
وكانت تقول: لم ينل المطيعون ما نالوا من حلول الجنان ورضا الرحمن إلا بتعب الأبدان لله والقيام لله بحقه في المنشط والمكره.
وكانت تقول: كفى المؤمنين طول اهتمامهم بالمعاد شغلاً.
وكانت تقول: لو رأت أعين الزاهدين ثواب ما أعد الله لأهل الإعراض عن الدنيا لذابت أنفسهم شوقاً إلى الموت لينالوا من ذلك ما أملوا من تفضله تعالى، رضي الله عنها.

(2/280)


ذكر المصطفيات من عابدات البحرين المجهولات الأسماء
656 - عابدة
عن عبد الواحد بن زيد قال: رأيت امرأة بالبحرين تنشج على الآخرة نشيجاً، كلما نشجت نشجة قلت: نفسها خارجة معها، قال: فحرصت على أن أجاريها شيئاً من الخير فلم أقدر على ذلك فكان أول ما حفظت عنها وآخره أن قالت: تشاغل أيها المرء بنفسك، فوالله ما هممت قط بموعظة أعظ بها غيري إلا حال تقصيري فيما بيني وبين ذلك، ولئن كان المرء لا يعظ أحداً حتى يتعظ، لقد أمكن إبليس من نفسه يقوده حيث يشاء، والله ما أنا بحامدة لنفسي في ذلك ولود إبليس أنه قدر على ذلك من جميع الخلق كما قدر عليه مني، فلم يكن أحد يحض على طاعة الله ولكن مر أيها المرء بالبر وإن لم تستطعه، واحذر أن تنهى عن الشر وتأتيه.

(2/281)


ومن المصطفين من أهل اليمامة
يحيى بن أبي كثير مولى لطيء
...
ومن المصطفين من أهل اليمامة:
657 - يحيى بن أبي كثير مولى لطيئ
كان من أهل البصرة فتحول إلى اليمامة ويكنى أبا نصر. كذا قال البخاري.
البخاري قال: قال موسى: سمعت وهيباً يقول: سمعت أيوب يقول: ما بقي على وجه الأرض مثل يحيى بن أبي كثير.
مسدد قال: سمعت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال: سمعت أبي يقول: لا يأتي العلم براحة الجسد.
مسدد: ثنا عبد الله بن يحيى بن كثير قال: سمعت أبي يقول: ميراث العلم خير من الذهب، والنفس الصالحة خير من اللؤلؤ.
ـــــــ
657 - هو: يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: وقبل ذلك.
قال الشيخ شعيب: أرسل عن أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري والحكم بن مينا، وعروة بن الزبير، وأبي أمامة الباهلي وأبي سلام الحبشي، فروايته عن الصحابة منقطعة التحرير 4/99.

(2/281)


حميد الكندي قال: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: تعلم الفقه صلاة، وقراءة القرآن ودراسته صلاة.
الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: العالم من يخشى الله عز وجل.
يحيى بن عبد الله قال: أنبأ يحيى بن أبي كثير قال: يقول الناس: فلان الناسك، وإنما الناسك الورع.
عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبي كثير قال: ما صلح منطق رجل إلا عرفت ذلك في سائر عمله.
الوليد قال: سمعت الأوزاعي يقول: قال يحيى بن أبي كثير: إن ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة.
عن الأوزاعي عن يحيى أنه قال له رجل: إني أحبك، قال: قد عرفت ذلك من نفسي.
عامر بن يساف قال: كان يحيى بن أبي كثير حسن اللباس حسن الهيئة، ومات ولم يترك إلا ثلاثين درهماً كفنوه بها.
أسند يحيى عن أنس وابن أبي أوفى وغيرهما من الصحابة، وتوفي سنة تسع وعشرين ومائة.
قال أبو نعيم الفضل بن دكين: وقال ابن المديني: سنة ثنتين وثلاثين ومائة.

(2/282)


658 - عابدة من البحرين أو اليمامة
عن ابن يسار يعني مسلماً قال: قدمت البحرين أو اليمامة في تجارة فإذا أنا بالناس مقبلين ومدبرين نحو منزل، فقصدت إليه فإذا أما بامرأة جالسة في مصلى لها، عليها ثياب غليظة وإذا هي كئيبة محزونة قليلة الكلام، وإذا كل ما رأيت ولدها وخولها وعبيدها والناس إليها بالبياعات والتجارات. فقضيت حاجتي ثم أتيتها فودعتها فقالت: حاجتنا إليك أن تأتينا إن عدت إلينا لحاجة فتنزل بنا حاجتك.
قال: فانصرفت فلبثت حيناً ثم إني توجهت إلى بلدها في حاجة فلما قدمتها لم أر دون منزلها شيئاً مما كنت رأيت، فأتيت منزلها فلم أر أحداً. فأتيت فاستفتحت فإذا أنا بضحك امرأة وكلامها ففتح لي فدخلت فإذا بها جالسة في بيت وإذا عليها ثياب حسنة رقيقة وإذا الضحك الذي سمعت ضحكها وكلامها، وإذا امرأة معها في بيتها فقط، فاستنكرت وقلت:

(2/282)


لقد رأيتك على حالين فيهما عجب: حالك في قدمتي الأولى وحالك هذه! قالت: لا تعجب فإن الذي رأيت من حالي الأولى أني كنت فيما رأيت من الخير والسعة، وكنت لا أصاب بمصيبة في ولد ولا في خول ولا مال ولا أوجه في تجارة إلا سلمت، ولا يبتاع لي شيء إلا أربح فيه فتخوفت أن لا يكون لي عند الله عز وجل خير، فكنت مكتئبة لذلك، وقلت: لو كان لي عند الله خير ابتلاني. فتوالت علي المصائب في ولدي الذي رأيت، وخولي ومالي، فما بقي لي منه شيء، ورجوت أن يكون الله عز وجل قد أراد بي خيراً فابتلاني، وذكرني ففرحت لذلك وطابت نفسي.
قال: فانصرفت فلقيت عبد الله بن عمر فأخبرته خبرها فقال: أرى والله هذه ما فاتها أيوب النبي صلى الله عليه وسلم إلا بقليل، لكني قد تخرق مطرفي هذا، أو كلمة نحوها، فأمرت به أن يصلح فلم يعمل كما كنت أريد فأحزنني ذلك. انتهى ذكر أهل البحرين.

(2/283)


ذكر المصطفين من أهل الدينور
ممشاد الدينوري
...
ذكر المصطفين من أهل الدينور:
659 - ممشاد الدينوري رضي الله عنه
أبو بكر الرازي قال: قال ممشاد: طريق الحق بعيد والصبر مع الحق شديد.
وقال: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك، وعن ذكر من لا يغفل عن ذكرك.
وقال: صحبة أهل الصلاح تورث في القلب الصلاح، وصحبة أهل الفساد تورث فيه الفساد.
صحب ممشاد يحيى الجلاء ونظراءه من المشايخ، وتوفي في سنة تسع وتسعين ومائتين رضي الله عنه.
ـــــــ
659 - هو: الدينوري ممشاد، حارس همته العالية، وغارس خطراته الآتية، كان يقول: ما أقبح الغفلة عن طاعة من لا يغفل عن برك، وما أقبح الغفلة عن ذكر من لا يغفل عن ذكرك حلية الأولياء 10/377.

(2/283)


660 - أبو الحسن علي بن محمد بن سهل الصائغ الدينوري
ممشاد قال: خرجت ذات يوم إلى الصحراء فبينما أنا مار إذا أنا بنسر قد فتح جناحه فتعجبت منه فاطلعت فإذا بأبي الحسن الصائغ الدينوري قائم يصلي والنسر يظله.
أبو عثمان المغربي قال: لم أر فيمن رأيت من المشايخ أكثر هيبة من أبي الحسن الصائغ.
أسند أبو الحسن الحديث وتوفي بمصر سنة ثلاثين وثلاث مائة.

(2/283)


661 - أبو جعفر الدينوري رضي الله عنه
أبو بكر الكتاني قال: رأيت كأن القيامة قد قامت، فأول من خرج من عند الله عز وجل أبو جعفر الدينوري وكتائبه بيمينه وهو يضحك، ثم خرج إبراهيم الخواص بعده وكتابه بيمينه وهو يدرس القرآن.

(2/284)


ومن المصطفين من أهل همذان
يوسف بن أيوب الهمذاني
...
ومن المصطفين من أهل همذان:
662 - يوسف بن أيوب الهمذاني رضي الله عنه
قدم بغداد بعد الستين والأربعمائة، وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي حتى برع في الفقه والنظر، ثم اشتغل بالتعبد فاجتمع في رباطه بمر وخلق زائد على الحد من المنقطعين إلى الله تعالى.
وكان يقول: دخلت جبل زر لزيارة عبد الله الخوني فوجدت ذلك الجبل كثير المياه والشجر معموراً بالأولياء، على رأس كل عين واحد من الرجال مشتغل بالمجاهدة، فطفت عليهم ولا أعلم في ذلك الجبل حجراً لم تصبه دمعتي.
ثم عاد يوسف ودخل بغداد في سنة ست وخمسمائة ووعظ بها ووقع له القبول التام، فقام إليه رجل متفقه يقال له ابن السقاء، فآذاه في مسألة فقال له: اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر ولعلك تموت على غير دين الإسلام.
فاتفق بعد مدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم وتنصر. وقام يومئذ إلى يوسف شابان فقيهان فقالا له: إن كنت تتكلم على مذهب الأشعري وإلا فلا تتكلم. فقال: اجلسا لا متعكما بشبابكما. فماتا ولم يبلغا الشيخوخة.
ومن المصطفين من أهل قزوين:
ـــــــ
662 - هو: يوسف بن أيوب بن يوسف بن حسين بن وهرة، الإمام العالم الفقيه القدوة التقي، شيخ الإسلام أبو يعقوب الهمذاني الصوفي، شيخ مرو، ولد في حدود سنة أربعين وأربعمائة سير أعلام النبلاء 14/542.

(2/284)