|
صفة الصفوة
من المصطفين من
أهل قزوين - أصبهان - الري - دامغان - بسطام
من المصطفين من أهل قزوين
والان بن عيسى، أبو مريم القزويني رضي الله
عنه
...
663 - والان بن عيسى، أبو مريم القزويني رضي الله عنه
السري بن يحيى بعبادان، عن والان بن عيسى أبي مريم، عن رجل من أهل
قزوين كان من الصالحين قال: غرني القمر ليلة فخرجت إلى المسجد فصليت
لما قضى الله لي وسبحت
(2/284)
ذكر المصطفين من أهل أصبهان
محمد بن يوسف بن معدان
...
ذكر المصطفين من أهل أصبهان:
664 - محمد بن يوسف بن معدان
أبو عبد الله الأصبهاني رضي الله عنه كان ابن المبارك يسميه عروس
الزهاد.
يحيى بن سعيد القطان قال: ما رأيت رجلاً أفضل من محمد بن يوسف
الأصبهاني.
وسمعت ابن مهدي يقول: ما رأيت مثل محمد بن يوسف الأصبهاني.
يحيى بن سعيد القطان قال: كنت إذا نظرت إلى محمد بن يوسف رأيت رجلاً
كأنه قد عاين الموت.
قال الدورقي: وسمعت رجلاً من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي
قال: كتب أخو محمد بن يوسف إلى محمد بن يوسف يشكو إليه جور العمال،
فكتب إليه: يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه وإنه ليس ينبغي لمن
عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة وما أرى ما أنتم فيه إلا شؤم الذنوب.
عطاء بن مسلم الحلبي قال: كان محمد بن يوسف الأصبهاني يختلف إلي عشرين
سنة لم
ـــــــ
664 - هو: محمد بن يوسف بن معدان، الزاهد، العابد، القدوة أبو عبد الله
الأصبهاني، عروس الزهاد، له حديث واحد، وهو منكر، سير أعلام النبلاء
8/76.
(2/285)
أعرفه،
يجيء إلى الباب فيقول: رجل غريب يسأل حتى رأيته يوماً في المسجد فقيل
لي: هذا محمد بن يوسف الأصبهاني، فقلت: هذا يختلف إلي منذ عشرين سنة لم
أعرفه.
أبو حاتم قال: بلغني عن ابن المبارك قال: قلت لابن إدريس: أريد الثغر،
فدلني على أفضل رجل به. فقال: عليك بمحمد بن يوسف الأصبهاني. فقلت فأين
يسكن؟ قال: المصيصة ويأتي السواحل.
فقدم عبد الله بن المبارك المصيصة فسأل عنه فلم يعرف فقال ابن المبارك:
من فضلك لا تعرف.
يوسف بن زكريا قال: كان محمد بن يوسف لا يشتري زاده من خباز واحد، ولا
من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني فأكون ممن يعيش بدينه.
سعيد بن عبد الغفار قال: قلت لمحمد بن يوسف: أوصني. فقال: إن استطعت أن
لا يكون شيء أهم إليك من ساعتك فافعل.
أيوب بن معمر قال: حدثوني بالبصرة أن محمد بن يوسف كان يأوي بالليل إلى
دار امرأة. قالت: فكان يدخل بعد العشاء ثم يخرج عند طلوع الفجر فلا
ينصرف إلى العشاء. قالت: وكان يدخل بيتاً في الدار ويرد على نفسه
الباب. قالت: فذهبت ليلة فاطلعت في البيت فرأيت عنده سراجاً يزهر قالت:
ولم يكن في البيت سراج قالت: ففطن محمد أنا اطلعنا عليه فخرج من الغد
ولم يعد إلينا.
قال عبد الرحمن بن مهدي: رأيت محمد بن يوسف في الشتاء والصيف، فلم يكن
يضع جنبه.
محمد بن أبي رجاء ومحمد بن قتيبة أو أحدهما: أن محمد بن يوسف خرج في
جنازة بالمصيصة فنظر إلى قبر أبي إسحاق الفزاري ومخلد بن الحسين،
وبينهما موضع قبر. فقال لو أن رجلاً مات فدفن بينهما.
قال: فما أنت عليه إلا عشرة أيام أو نحوها حتى دفن في الموضع الذي أشار
إليه.
أدرك محمد بن يوسف التابعين: فروى عن يونس بن عبيد الأعمش، وقد روى عن
الثوري والحمادين وصالح المري وغيرهم إلا أنه لم يكد يسند حديثاً إنما
كان يرسل الحديث شغلاً بالتعبد عن الرواية.
وتوفي سنة أربع وثمانين ومائة ولم يكمل له أربعون سنة.
(2/286)
665 -
أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الأصبهاني
كانت عبادته تشبه عبادة الملائكة: قليلة يقوم إلى قريب الفجر ثم يركع
ويتمها ركعتين، وليلة يركع إلى قريب الفجر ثم يسجد ويتمها ركعتين،
وليلة يسجد إلى قريب الفجر ثم يركع ويتمها ركعتين، ثم يدعو في آخر
الليل لجميع الناس، ولجميع الحيوان والبهائم والوحش، ويقول: في اليهود
والنصارى: اللهم اهدهم، ويقول في التجار: اللهم سلم تجاراتهم.
وصحب معروفاً الكرخي وتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
ـــــــ
665 - هو: إبراهيم بن عيسى الزاهد، صحب معروفا الكرخي، وسمع من أبي
داود الطيالسي، ومحمد بن المقرئ توفي سنة تسع وأربعين ومائتين، حلية
الأولياء 1/425.
(2/287)
666 -
أبو عبيد الله محمد بن يوسف البناء
كان يفتي الناس بالأجرة فيأخذ منها دانقاً لنفقته ويتصدق بالباقي،
ويختم كل يوم ختمة. ولقي ستمائة شيخ، وكتب الحديث الكثير.
وبلغني عن أبي علي بن شاذان قال: سمعت أبا جعفر محمد بن قتادة يقول:
سمعت محمد بن يوسف يقول: كنت بمكة فكنت أدعو الله عز وجل وأقول: يا رب
إما أن تدخل قلبي المعرفة أو اقبضني إليك، فلا حاجة لي في الدنيا
والحياة بلا معرفة.
قال: فرأيت في النوم كأن قائلاً يقول: إن أردت هذا فصم شهراً ولا تكلم
أحداً من الناس فيه، ثم ادخل قبة زمزم وسل الحاجة. ففعلت ذلك وختمت كل
يوم ختمة. فلما انقضى الشهر على ذلك دخلت قبة زمزم ورفعت يدي ودعوت
الله عز وجل، وسألته الحاجة فسمعت من البئر هاتفاً يقول: يا ابن يوسف
اختر أيما أحب إليك: العلم مع الغنى والدنيا أم المعرفة مع الفقر
والقلب؟ فقلت: المعرفة مع الفقر والقلب. فسمعت من البئر، قد أعطيت، قد
أعطيت.
وكان محمد بن يوسف من المتدينين الأتقياء، توفي في سنة ست وثمانين
ومائتين.
(2/287)
667 -
أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم
محمد بن حيان قال: كان أحمد بن مهدي ذا مال كثير نحو ثلثمائة ألف درهم،
فأنفقه كله على العلم، وذكر أنه لم يعرف له فراش أربعين سنة.
ـــــــ
667 - هو: أحمد بن مهد، بن رستم، الإمام القدوة العابد الحافظ المتقن،
أبو جعفر الأصبهاني، توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين، سير أعلام
النبلاء 10/403.
(2/287)
668 -
علي بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهاني
كان من المترفين فتزهد فكان يبقى الأيام الكثيرة لا يأكل.
أبو حامد أحمد بن عبد الله بن رسته وكان من أصحاب علي بن سهل، قال: قال
علي بن سهل: استولى علي الشوق فألهاني عن الأكل.
أبو بكر محمد بن عبد الله الطبري قال: سمعت علي بن سهل بن الأزهر يقول:
المبادرة إلى الطاعات من علامات التوفيق، والتقاعد عن المخالفات من
علامات حسن الرعاية، ومراعاة الأسرار من علامات التيقظ، وإظهار الدعاوى
من رعونات البشرية، ومن لم تصح مبادي إرادته لا يسلم في منتهى عواقبه.
أحمد بن عبد الله قال: سمعت أبي وغيره من أصحاب علي بن سهل أنه كان
يقول: ليس موتي كموتكم بأعلال وأسقام، إنما هو دعاء وإجابة أدعى فأجيب،
فكان كما قال: كان يوماً قاعداً في جماعة فقال: لبيك ووقع ميتاً.
أبو جعفر الأصبهاني قال: قال علي بن سهل بن أزهر، أستاذي رحمة الله
عليه: إني لا أموت كما يموت أحدكم، يمد رجلاً ويرفع أخرى، إنما يصاح بي
يا علي بن سهل! فأقول: لبيك.
(2/288)
فبينا هو
جالس ذات يوم قال: لبيك، وتمدد فإذا هو ميت أو كما قال.
قلت: كان علي بن سهل من أحسن الناس إشارة، وكان يكاتب الجنيد فيقول
الجنيد: ما أشبه كلامه بكلام الملائكة، وتوفي سنة سبع وثلاثمائة.
(2/289)
669 -
عابد أصبهاني
عن عبد الواح بن زيد قال: خرجنا أنا وفرقد السبخي ومحمد بن واسع ومالك
بن دينار نزور أخاص لنا بأرض فارس. فلما جاوزنا مهرمز إذا نحن برجل
مجذوم متفطر قيحاً ودماً. فقال له بعضنا: يا هذا لو دخلت هذه المدينة
فتداويت وتعالجت من بلائك هذا. فرفع طرفه إلى السماء ثم قال: إلهي أتيت
بهؤلاء ليسخطوني عليك؟ لك الكرامة والعتبى بأن لا أخالفك أبداً.
(2/289)
ذكر المصطفين من أهل الري
جرير بن عبد الحميد بن جرير الرازي
...
ذكر المصطفين من أهل الري:
670 - جرير بن عبد الحميد بن جرير الرازي
علي بن المديني قال: كان جرير بن عبد الحميد الرازي صاحب ليل، وكان له
رسن يقولون: إذا أعيا تعلق به. يريد أنه كان يصلي.
سفيان بن عيينة قال: قال لي ابن شبرمة: عجباً لهذا الرازي، يعني جرير
بن عبد الحميد، عرضت عليه مائة درهم في الشهر من الصدقة فقال: يأخذ
المسلمون كلهم مثل هذا؟ قلت: لا. قال: فلا حاجة لي فيها.
ولد جرير سنة عشر ومائة وفيها مات الحسن، ورأى أيوب السختياني وسمع من
مغيرة وحسين ومنصور بن المعتمر، في خلق كثير، وتوفي سنة ثمان وثمانين
ومائة.
ـــــــ
670 - هو: جرير بن عبد الحميد بن قرط -بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء
مهملة - الضبي الكوفي، نزيل الري وقاضيها ثقة، صحيح الكتاب، قيل: كان
في آخر عمره يهم من حفظه مات سنة ثمان وثمانين، وله إحدى وسبعون سنة.
(2/289)
671 -
المعلى بن منصور الرازي
يحيى بن معين قال: كان المعلى بن منصور الرازي يوماً يصلي فوقع على
رأسه كور الزنابير فما التفت ولا انفتل حتى أتم صلاته فنظروا فإذا رأسه
قد صار هكذا من شدة الانتفاخ.
ـــــــ
671 - هو: معلى بن منصور الرازي، أبو يعلى، نزيل بغداد، ثقة سني فقيه
طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، من العاشرة، مات
سنة إحدى عشرة على الصحيح.
(2/289)
772 -
أبو إسحاق الدولابي
صاحب كرامات، محمد بن منصور الطوسي قال: جئت مرة إلى معروف الكرخي فعض
أنامله وقال: هاه لو لحقت أبا إسحاق الدولابي، كان هنا الساعة يسلم علي
فذهبت أقوم فقال لي: اجلس لعله قد بلغ منزله بالري.
(2/290)
673 -
أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد
الرازي
كان من كبار الحفاظ وسادات أهل التقوى.
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أحفظ من
أبي زرعة.
أبو عبد الله محمد بن مسلم بن واره يقول: كنت عند إسحاق بن إبراهيم،
فقال رجل من أهل العراق: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة
ألف حديث وكسر، وهذا الفتى - يعني أبا زرعة - قد حفظ ستمائة ألف.
محمد بن إسحاق الصاغاني قال في حديث ذكره من حديث الكوفة فقال: هذا
أفادنيه أبو زرعة. فقال له بعض من حضر: يا أبا بكر أبو زرعة من أولئك
الحفاظ الذين رأيتهم، وذكر جماعة من الحفاظ منهم الفلاس. فقال: أبو
زرعة أعلاهم لأنه جمع الحفظ مع التقوى والورع، وهو يشبه بأحمد بن حنبل.
أبو العباس محمد بن جعفر بن حمدويه الرازي قال: سئل أبو زرعة الرازي عن
رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث هل حنث؟ فقال: لا. ثم
قال أبو زرعة: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان {قُلْ هُوَ
اللَّهُ أَحَدٌ} الإخلاص: 1 وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف.
أحمد بن سعيد الدارمي قال: صلى أبو زرعة الرازي في مسجده عشرين سنة بعد
قدومه من السفر، كان يوم من الأيام قدم عليه قوم من أصحاب الحديث،
فنظروا فإذا في محرابه كتابة، قالوا له: كيف تقول في الكتابة
والمحاريب؟ فقال: قد كرهه قوم ممن مضى. قالوا له: هو ذا في محرابك
كتابة أو ما علمت به؟ قال: سبحان الله، رجل يدخل على الله تعالى ويدري
ما بين يديه.
ـــــــ
673 - هو: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، أبو زرعة الرازي،
إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة مات سنة أربع وستين، وله أربع
وستون.
(2/290)
أبو جعفر
التستري قال: حضرنا أبا زرعة وكان في السوق، وعنده أبو حاتم ومحمد بن
مسلم والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء، فذكروا حديث التلقين، وقوله
عليه السلام: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" 1 فاستحيوا من أبي زرعة
وهابوا أن يلقنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث فقال محمد بن مسلم أنبأ
الضحاك بن مخلد عن عبد الحميد بن جعفر بن صالح ولم يجاوز، والباقون
سكتوا، فقال أبو زرعة وهو في السوق: ثنا بندار قال: ثنا أبو عاصم قال:
ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي،
عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر
كلامه لا إله إلا الله..." وتوفي رحمه الله"2.
أسند أبو زرعة عن خلاد بن يحيى، وأبي نعيم، وقبيص، وخلق كثير، وجالس
أحمد بن حنبل وذاكره. وكان أحمد إذا ذاكره يترك الشغل ويشتغل بمذاكرته.
وتوفي بالري آخر يوم نمن ذي الحجة سنة أربع وستين ومائتين، وكان مولده
سنة مائتين.
أحمد بن محمد، أبو العباس المرادي قال: رأيت أبا زرعة في المنام فقلت
يا أبا زرعة ما فعل الله بك؟ فقال: لقيت ربي عز وجل فقال لي: يا أبا
زرعة إني أوتي بالطفل فآمر به إلى الجنة فكيف بمن حفظ السنن على عبادي؟
تبوأ من الجنة حيث شئت.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه مسلم في كتاب الجنائز الحديث "917" باب "1 - 10" تلقين
الميت، والدعاء له، والبكاء عليه والصبر عند الصدمة الأولى والميت يعذب
ببكاء أهله، وأبو داود في كتاب الجنائز حديث "3117" باب في التلقين.
2 صحيح: أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز حديث "3116" باب في التلقين،
وأحمد في المسند حديث "22095" والحاكم في المستدرك "1/315" وصححه
ووافقه الذهبي.
(2/291)
674 -
يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي
يكنى أبا زكريا. نزيل الري، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها وبها مات
وكانوا ثلاثة أخوة: إسماعيل ويحيى وإبراهيم، فإسماعيل أكبرهم سناً،
ويحيى أوسطهم، وإبراهيم أصغرهم، وكانوا كلهم زهاداً.
محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الكلام
الحسن
ـــــــ
674 - هو: يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، المادح الشاكر، القانع الصابر
الراجي الجآر، الواعظ الذكار، انظر حلية الأولياء 10/53.
(2/291)
حسن،
وأحسن من الحسن معناه وأحسن من معناه استعماله وأحسن من استعماله
ثوابه، وأحسن من ثوابه رضا من يعمل له.
قال: وسمعت يحيى يقول: إلهي حجتي حاجتي وعدتي فاقتي، وسيلتي إليك نعمتك
علي، وشفيعي إليك إحسانك إلي.
طاهر بن إسماعيل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الذي حجب الناس عن
التوبة طول الأمل، وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة، والمحاسبة
للنفس عند كل همة.
عن أبي عمران قال: سمعت يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو
إليك بالأبدان ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا
أهون الأشياء عليك.
الحسن بن علويه يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: عمل كالسراب، وقلب من
التقوى خراب، وذنوب بعدد الرمل والتراب، ثم تطمع في الكواعب الأتراب؟
هيهات، أنت سكران بغير شراب، ما أكملك لو بادرت أملك، ما أجلك لو بادرت
أجلك، ما أقواك لو خالفت هواك.
محمد بن إسماعيل بن موسى قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: كيف
أمتنع بالذنب من الدعاء ولا أراك تمتنع بذنبي من العطاء؟
أبو بكر بن طاهر قال: كان ليحيى بن معاذ أخ يقال له إسماعيل، وكان أكبر
منه، فقال رجل: مع من يريد أن يعيش أخوك يحيى وقد هجر الخلق؟ قال: فذكر
ذلك ليحيى فقال له يحيى: ألا قلت له: مع من هجرهم فيه؟
الحسن بن علويه الدامغاني قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ذنب أفتقر به
إليه أحب إلي من طاعة أفتخر بها عليه.
عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليكن حظ المؤمن منك
ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه
فلا تذمه.
الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قناطر الفتن جاوزوا
إلى خزائن المنن. وسمعته يقول: إلهي كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح
وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟
جامع بن أحمد قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: ليكن بيتك الخلوة
وطعامك الجوع، وحديثك المناجاة فإما أن تموت بدائك أو تصل إلى دوائك.
(2/292)
مكحول بن
الفضل النسفي قال: قال يحيى بن معاذ: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون
بمثلهما: في ماله عند موته. قيل ما هما؟ قال يؤخذ منه كله ويسأل عنه
كله.
عبد الله بن سهل قال: قال يحيى بن معاذ الكيس من عمال الله يلهج بتقويم
الفرائض والجاهل يعني بطلب الفضائل وتقويم الأعمال في تصحيح العزائم.
الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: هلم يا ابن آدم
إلى دخول جوار الله تعالى بلا عمل ولا نصب ولا عناء، أنت بين ما مضى من
عمرك وما بقي، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم وليس شيئاً عملته
بالأركان فإذا أنت إنما هو أمر نويته وتمتنع فيما بقي من الذنوب
وامتناعك إنما هو شيء نويته وليس شيئاً عملته بالأركان فإذا أنت نجوت
بغير عمل مع القيام بالفرائض وهذا ليس بعمل وهو أكبر الأعمال لأنه عمل
القلب والجزاء لا يكون إلا على عمل القلب.
الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: دواء القلب خمسة أشياء،
قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن وقيام الليل، والتضرع عند السحر،
ومجالسة الصالحين.
وسمعته يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله كيف تسأله الرضا عنك؟
الحسن بن علي بن يحيى قال: قال يحيى بن معاذ: لولا أن العفو من أحب
الأشياء إليه ما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.
عبد الله بن سهل الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: كم من مستغفر
ممقوت وساكت مرحوم. ثم قال يحيى: هذا أستغفر الله وقلبه فاجر، وهذا سكت
وقلبه ذاكر.
أحمد بن عبد الجبال المالكي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: حقيقة
المحبة أنها لا تزيد بالبر ولا تنقص بالجفاء.
السري بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الناس ثلاثة: رجل شغله
معاده عن معاشه، ورجل شغله معاشه عن معاده ورجل مشتغل بهما جميعاً،
فالأولى درجة الفائزين، والثانية درجة الهالكين، والثالثة درجة
المخاطرين.
الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليس بعارف من لم يكن غاية
أمله من ربه العفو.
عبد الله بن صالح قال: قال يحيى بن معاذ: الزاهدون غرباء الدنيا
والعارفون غرباء الآخرة.
(2/293)
محمد بن
الحسين بن المعلى البلخي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: يا بن آدم طلبت
الدنيا طلب من لا بد له منها، وطلبت الآخرة طلب من لا حاجة له إليها،
والدنيا قد كفيتها وإن لم تطلبها، والآخرة بالطلب منك تنالها فاعقل
شأنك.
عبد الله بن سهل الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: مفاوز الدنيا
تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب - وسمعته يقول: يا ابن آدم
لا يزال دينك متمزقاً ما دام قلبك بحب الدنيا متعلقاً.
وسمعته يقول: وقيل له من أي شيء دوام غمك؟ قال: من شيء واحد قيل: ما
هو؟ قال: خلقني ولا أدري لم خلقني.
وسمعته يقول: لا يفلح من شممت منه رائحة الرياسة.
وسمعته يقول: من سعادة المرء أن يكون خصمه فهماً وخصمي لا فهم له. قيل
له: ومن خصمك؟ قال: نفسي تبيع الجنة بما فيها من النعيم المقيم بشهوة
ساعة.
وسمعته يقول: للتائب فخر لا يعادله فخر، فرح الله بتوبته.
أبو العباس بن حكمويه الرازي قال: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: لا
تستبطئ الإجابة إذا دعوت وقد سددت طرقاتها بالذنوب.
وسمعته يقول: إلهي إن كانت ذنوبي عظمت في جنب نهيك فإنها قد صغرت في
جنب عفوك.
وسمعته يقول: لو سمع الخلق صوت النياحة على الدنيا في الغيب من ألسنة
الفناء لتساقطت القلوب منهم حزناً، ولو رأت العقول بعيون الإيمان نزهة
الجنة لذابت النفوس شوقاً، ولو أدركت القلوب كنه المحبة لخالقها
لانخلعت مفاصلها ولهاً، ولطارت الأرواح إليه من أبدانها دهشاً، سبحان
من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء، وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه
الأنباء.
الحسن بن علي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الليل طويل فلا تقصره
بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك.
عبد الله بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: حفت الجنة بالمكاره وأنت
تكرهها، وحفت النار بالشهوات وأنت تطلبها، فما أنت إلا كالمريض الشديد
الداء، إن صبر نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصبر عافية وإن جزعت نفسه
مما يلقى طالت به علة الضنا.
(2/294)
عبد الله
بن محمد بن وهب قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ألا إن العاقل المصيب من
عمل ثلاثاً: ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى
ربه قبل أن يلقاه.
وسمعته يقول: الدنيا خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والآخرة دار
عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.
وسمعته يقول: أخوك من عرفك العيوب، وصديقك من حذرك من الذنوب.
وسمعته يقول: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله كيف لا يحزن على نقصان
عمره؟.
وسمعته يقول: على قدر خوفك من الله يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله يحبك
الخلق، وعلى قدر شغلك بالله يشتغل الخلق بأمرك.
محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: إن قال لي يوم
القيامة: عبدي، ما غرك بي؟ قلت: إلهي برك بي.
وسمعته يقول، وسئل: أرنا عارفاًن قال: وأين أنتم فأريكم؟ عجباً لقوم
عموا عن العرفاء يطلبون الخلفاء.
وسمعته يقول: استسلم القوم عندما فهموا.
وسمعته يقول: من قوة اليقين ترك ما يرى لما لا يرى.
وسمعته يقول: أيها المريدون إن اضطررتم إلى طلب الدنيا فاطلبوها ولا
تحبوها، وأشغلوا بها أبدانكم وعلقوا بغيرها قلوبكم، فإنها دار ممر
وليست بدار مقر، الزاد منها والمقيل في غيرها.
وسمعته يقول: رضي الله عن قوم فغفر لهم السيئات، وغضب على قوم فلم يقبل
منهم الحسنات.
وسمعته يقول: يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟
وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟
وسمعته يقول: التوحيد في كلمة واحدة، ما تصور في الأوهام فهو بخلافه.
وسمعته يقول: طاعة لا حاجة بي إليها لا تمنعني مغفرة لا غناء بي عنها.
وسمعته يقول: هو ألقاهم في الذنب يوم سمى نفسه العفو الغفور.
وسمعته يقول: ذنب أفتقر به إليه أحب إلي من عمل أدل به عليه.
(2/295)
وسمعته
يقول: إلهي كيف لا أرجوك تغفر لي ذنباً رجاؤك ألقاني فيه؟
وسمعته يقول: إن الحكيم يشبع من ثمار فيه.
وسمعته يقول: كيف أحب نفسي وقد عصتك؟ وكيف لا أحبها وقد عرفتك؟
وسمعته يقول: إن وضع علينا عدله لم تبق لنا حسنة، وإن أتى فضله لم تبق
لنا سيئة.
وسمعته يقول: إن غفرت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم.
وسمعته يقول: إلهي ضيعت بالذنب نفسي، فارددها بالعفو علي.
وسمعته يقول: إلهي ارحمني لقدرتك علي أو لحاجتي إليك.
وسمعته يقول: مسكين من علمه حجيجه ولسانه، وفهمه القاطع لعذره.
وسمعته يقول: ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة.
ثم قال: إلهي سلامة إن لم تكن كرامة.
وسمعته يقول: وسئل ما العبادة؟ فقال: حرفة حانوتها الخلوة وربحها
الجنة.
وسمعته يقول: ما من رباني في الطريق ينعمه، وأشار لي في الورود إلى
كرمه معرفتي بك دليلي عليك، وحبي لك شفيعي إليك.
وسمعته يقولك ما من أعطانا خير ما في خزائنه الإيمان به قبل السؤال، لا
تمنعنا عفوك مع السؤال.
وسمعته يقول: إلهي إن إبليس لك عدو وهو لنا عدو، وإنك لا تغيظه بشيء هو
أنكأ له من عفوك، فاعف عنا يا أرحم الراحمين.
وسمعته يقول: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك.
وسمعته يقول: لا تقع للمؤمن سيئة إلا وهو خائف أن يؤخذ بها، والخوف
حسنة فيرجو أن يعفى عنها والرجاء حسنة.
وسمعته يقولك إلهي لا تنس لي دلالتي عليك وإشارتي بالربوبية إليك، رفعت
إليك يداً بالذنوب مغلولة، وعيناً بالرجاء مكحولة، فاقبلني لأنك ملك
لطيف، وارحمني لأني عبد ضعيف.
وسمعته يقول: هذا سروري بك خائفاً، فكيف سروري بك آمناً؟ هذا سروري بك
في المجالس فكيف سروري بك في تلك المجالس، هذا سروري بك في دار الفناء
فكيف يكون سروري بك في دار البقاء؟
(2/296)
عبد الله
بن سهل قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: من أحب زينة الدنيا والآخرة
فلينظر في العلم ومن أحب أن يعرف الزهد فلينظر في الحكمة، ومن أحب أن
يعرف مكارم الأخلاق فلينظر في فنون الآداب، ومن أحب أن يستوثق من أسباب
المعاش فليستكثر من الإخوان، ومن أحب أن لا يؤذي فلا يؤذين، ومن أحب
رفعة الدنيا والآخرة فعليه بالتقوى.
وسمعته يقول: من خان الله عز وجل في السر هتك سره في العلانية.
أبو محمد الإسكاف قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لست آمركم بترك الدنيا،
آمركم بترك الذنوب - ترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنتم إلى
إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات والفضائل.
الحسن بن علويه يقول: سمعت يحبى بن معاذ يقول: لا تكن ممن يفضحه يوم
موته ميراثه، ويوم حشره ميزانه.
الحسن بن علويه قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الدنيا خمر الشيطان، من
سكر منها لا يفيق إلا في عسكر الموتى نادماً بين الخاسرين.
محمد بن محمود السمرقندي قال: سمعت يحيى بن معاذ يقول، وقال له بعض
الملحدين: أخبرني عن الله ما هو؟ قال: إله واحد. قال كيف هو؟ قال: ملك
قادر. قال: أين هو؟ قال: بالمرصاد. قال ليس عن هذا سألتك. قال يحيى:
فذاك إذاً صفة المخلوقين، وأما صفة الخالق فما أخبرتك به.
سمع يحيى بن معاذ من إسحاق بن إبراهيم الرازي ومكي بن إبراهيم البلخي
وعلي بن محمد الطنافسي، وتوفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين ومائتين
والسلام.
(2/297)
675 -
إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص
يكنى أبا إسحاق. أصله من سر من رأى، لكنه أقام بالري ومات بها.
جعفر بن محمد الخلدي في كتابه قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: سلكت
البادية إلى مكة سبعة عشر طريقاً فيها طريق من ذهب، وطريق من فضة.
أبو مسلم السقاء قال: سمعت بعض أصحابنا يحكي عن إبراهيم الخواص أنه
قال: كان
ـــــــ
675 - هو: إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الخواص، المتبتل المتوكل، أبو
إسحاق، له في التوكل الحال المشهور والذكر المنشور حلية الأولياء
10/347.
(2/297)
لي وقت
فترة، فكنت أخرج كل يوم إلى شط نهر كبير كان حواليه الخوص، وكنت أقطع
شيئاً من ذلك وأسفه قفافاً وأطرحه في ذلك النهر فأتسلى بذلك وكأني كنت
مطالباً به، فجرى وقتي على ذلك أياماً كثيرة فتفكرت يوماً وقلت: أمضي
خلف ما أطرحه من الماء من القفاف لأنظر أين تذهب فمضيت على شاطئ النهر
ساعات ولم أعمل ذلك اليوم فإذا عجوز قاعدة على شط النهر تبكي، قلت: ما
لك تبكين؟ فقالت: لي خمسة من الأيتام مات أبوهم فأصابني الفقر والشدة
فأتيت يوماً هذا الموضع فجاء على رأس الماء قفاف من الخوص فأخذتها
وبعتها وأنفقت عليهم، وأتيت اليوم الثاني والثالث والقفاف تجيء على رأس
الماء فكنت آخذها وأبيعها، واليوم ما جاءت. قال إبراهيم: فرفعت يدي إلى
السماء وقلت: اللهم لو علمت أن لي خمسة من العيال لزدت في العمل. وقلت
للعجوز: لا تغتمي فإني الذي كنت أعمل ذلك. فمضيت معها فكانت فقيرة فقمت
بأمرها وبأمر عيالها سنين. أو كما قال.
محمد بن زياد المقيم بكلواذي وكان قد بكى حتى ذهبت عيناه. قال: سألت
إبراهيم الخواص عن أعجب ما رآه في البادية فقال: كنت ليلة من الليالي
في البادية فنمت على حجر فإذا أنا بشيطان قد جاء وقال: قم من ها هنا.
فقلت: اذهب. فقال: إني أرفسك فتهلك. فقلت: افعل ما شئت. فرفسني فوقعت
رجله علي كأنها خرقة، فقال: أنت ولي الله، من أنت؟ قلت: أنا إبراهيم
الخواص. قال: صدقت. ثم قال: يا إبراهيم معي حلال وحرام، فأما الحلال
فرمان من الجبل المباح، وأما الحرام فحيتان، مررت على صيادين وهما
يصطادان فتخاونا فأخذت الخيانة فكل أنت الحلال ودع الحرام.
حامد الأسود قال: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فدخلنا إلى بعض الغياض
فلما أدركنا الليل إذا بالسباع قد أحاطت بنا فجزعت لرؤيتها وصعدت إلى
شجرة، ثم نظرت إلى إبراهيم وقد استلقى على قفاه فأقبلت السباع تلحسه من
قرنه إلى قدميه، وهو لا يتحرك. ثم أصبحنا وخرجنا إلى منزل آخر وبتنا في
مسجد فرأيت بقة وقعت على وجه إبراهيم فلسعته، فقال: أخ. فقلت: يا أبا
إسحاق أي شيء هذا التأوه؟ أين أنت من البارحة؟ فقال: ذاك حال كنت فيه
بالله، وهذا حال أنا فيه بنفسي.
علي بن محمد الحلواني قال: كان إبراهيم الخواص جالساً في مسجد الري
وعنده جماعة إذ سمع ملاهي من الجيران، فاضطرب من ذلك من كان في المسجد
وقالوا: يا أبا
(2/298)
إسحاق ما
ترى؟ فخرج إبراهيم من المسجد نحو الدار التي فيها المنكر فلما بلغ طرف
الزقاق إذا كلب رابض فلما قرب منه إبراهيم نبح عليه وقام في وجهه. فرجع
إبراهيم إلى المسجد وتفكر ساعة ثم قام مبادراً وخرج فمر على الكلب
فبصبص الكلب له فلما قرب من باب الدار خرج إليه شاب حسن الوجه وقال:
أيها الشيخ لم انزعجت؟ كنت وجهت ببعض من عندك فأبلغ كل ما تريد، وعلي
عهد الله وميثاقه لا شربت أبداً وكسر الجميع ما كان عنده من الشراب
وآلته وصحب أهل الخير ولزم العبادة، ورجع إبراهيم إلى مسجده فلما جلس
سئل عن خروجه في أول مرة ورجوعه، ثم خروجه في الثانية وما كان من أمر
الكلب، فقال: نعم، إنما نبح علي الكلب لفساد كان قد دخل علي في عقد
بيني وبين الله لم أنتبه له في الوقت، فلما رجعت إلى الموضع ذكرته
فاستغفرت الله عز وجل منه. ثم خرجت الثانية فكان ما رأيتم، وهكذا كل من
خرج لإزالة منكر فتحرك عليه شيء من المخلوقات فلفساد عقد بينه وبين
الله عز وجل، فإذا وقع الأمر على الصحة لم يتحرك عليه شيء.
أبو بكر بن محمد بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن
أحمد الخواص يقول: من لم يصبر لم يظفر، وإن لإبليس وثاقين ما أوثق بنو
آدم بأوثق منهما: خوف الفخر والطمع.
الأزدي قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة
القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة
الصالحين.
وقال: على قدر إعزاز المرء لأمر الله يلبسه الله من عزه، ويقيم له العز
في قلوب المؤمنين.
جعفر بن محمد الخلدي قال: سمعت إبراهيم الخواص يقول: من لم تبك الدنيا
عليه لم تضحك الآخرة إليه.
خير النساج قال: سمعت إبراهيم الخواص وقد رجع من سفره، وكان غاب عني
سنين، فقلت له: ما الذي أصابك في سفرك؟ فقال: عطشت عطشاً شديداً حتى
سقطت من شدة العطش فإذا أنا بماء قد رش على وجهي فلما أحسست ببرده فتحت
عيني فإذا برجل حسن الوجه والزي، وعليه ثياب خضر، على فرس أشهب فسقاني
حتى رويت، ثم قال: ارتدف خلفي وكنت بالحاجر. فلما كان بعد ساعة قال: أي
شيء ترى؟ قلت: المدينة. فقال انزل
(2/299)
واقرأ على
رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وقل: أخوك الخضر يسلم عليك،
وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق آخر وفيها: قل له: رضوان يقرأ عليك
السلام كثيراً.
عمر بن سفيان المنبجي قال: اجتاز بنا إبراهيم الخواص فقلت له: حدثني
بأعجب ما رأيت في أسفارك. قال: لقيني الخضر فسألني الصحبة فخشيت أن
يفسد علي سر توكلي بسكوني إليه، ففارقته.
محمد بن عبد الله الرازي قال: مرض إبراهيم الخواص بالري في مسجد الجامع
وكان به علة القيام. وكان إذا قام يدخل الماء ويغتسل ويعود إلى المسجد
فيركع ركعتين. فدخل مرة ليغتسل فخرجت روحه وتوفي وسط الماء.
قلت: كان الخواص من أقران الجنيد والثوري، وصحب أبا عبد الله المغربي،
ولا نعرف له مسنداً. وتوفي في جامع الري إحدى وتسعين ومائتين، ويقال
سنة أربع وثمانين، وتولى أمره في غسله ودفنه يوسف بن الحسين الرازي.
(2/300)
676 -
يوسف بن الحسين الرازي
يكنى أبا يعقوب.
محمد بن موسى الرازي قال: سمعت بن الحسين يقول: علم القوم أن الله
يراهم، واستحيوا من نظره أن يراعوا شيئاً سواه.
وقال: يتولد الإعجاب بالعمل من نسيان رؤية المنة.
فارس البغدادي قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: على قدر خوفك من الله
يهابك الخلق، وعلى قدر حبك لله عز وجل يحبك الخلق، وعلى قدر شغلك بأمر
الله يشغل الخلق بأمرك.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم البغدادي: سمعت أبا عبد الله الخناقاباذي
يقول: حضرنا يوسف بن الحسين الرازي وهو يجود بنفسه، فقيل له: يا أبا
يعقوب قل شيئاً. فقال: اللهم إني نصحت خلقك ظاهراً وغششت نفسي باطناً،
فهب لي غشي لنفسي لنصحي لخلقك. ثم خرجت روحه.
ـــــــ
676 - هو: يوسف بن الحسين الرازي، الإمام العارف، شيخ الصوفية أبو
يعقوب مات سنة أربع وثلاثمائة انظر سير أعلام النبلاء 11/277.
(2/300)
أبو الحسن
علي إبراهيم الرازي قال: حكى لي أبو خلف الوزان عن يوسف بن الحسين أنه
رئي في المنام فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ قال: غفر لي ورحمني.
فقيل: بماذا؟ قال: بكلمة أو كلمات قلتها عند الموت: قلت: اللهم إني
نصحت الناس قولاً وخنت نفسي فعلاً فهب خيانة فعلي لنصح قولي.
سمع يوسف بن الحسين من أحمد بن حنبل وذي النون وغيرهما وتوفي سنة أربع
وثلثمائة.
(2/301)
677 -
أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري
ولد بالري، إلا أنه خرج إلى نيسابور مع شيخه شاه بن شجاع يزوران أبا
حفص النيسابوري فزوجه أبو حفص ابنته وتوطن نيسابور ومات بها.
أبو عمرو بن نجيد قال: كنت أختلف إلى أبي عثمان مدة في وقت شبابي، وكنت
قد حظيت عنده. فقضي من القضاء أني اشتغلت بشيء مما يشتغل به الفتيان،
فنقل ذلك إلى أبي عثمان وانقطعت عنه بعد ذلك. وكنت إذا رأيته في الطريق
اختفيت فدخلت يوماً سكة من السكك فخرج علي أبو عثمان من عطفة فلم أجد
عنه محيصاً، فتقدمت إليه وأنا دهش متشور. فقال لي: يا أبا عمرو لا تثقن
بمودة من لا يحبك إلا معصوماً.
محمد بن حمدويه الحافظ قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان
تقول: كنا نؤخر اللعب والضحك والحديث إلى أن يدخل أبو عثمان في ورده من
الصلاة فإنه كان إذا دخل الخلوة لم يحس بشيء من الحديث وغيره.
محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أمي تقول: سمعت مريم امرأة أبي عثمان
تقول: صادفت من أبي عثمان خلوة فاغتنمتها فقلت: يا أبا عثمان أي عملك
أرجى عندك؟ فقال: يا مريم لما ترعرت وأنا بالري كانوا يريدونني على
التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حباً
أذهب نومي وقراري، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتسول به إليك
ـــــــ
677 - هو: أبو عثمان الحيري، الشيخ الإمام المحدث الواعظ القدوة شيخ
الإسلام، الأستاذ، أبو عثمان، سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور
النيسابوري الحيري الصوفي، مولده سنة ثلاثين ومائتين بالري، انظر سير
أعلام النبلاء 11/150.
(2/301)
أن تتزوج
بي. قلت: ألك والد؟ قالت: نعم، فلان الخياط في موضع كذا وكذا فراسلت
أباها أن يزوجها مني ففرح بذلك وأحضرت الشهود فتزوجتها. فلما دخلت بها
وجدتها عوراء عرجاء شوهاء الخلق. فقلت: اللهم لك الحمد على ما قدرته
لي. وكان أهل بيتي يلومونني على ذلك وأزيدها براً وإكراماً إلى أن صارت
بحيث لا تدعني أخرج من عندها. فتركت حضور المجالس إيثاراً لرضاها
وحفظاً لقلبها. ثم بقيت معها على هذه الحال خمس عشرة سنة وكأني في بعض
أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدي لها شيئاً من ذلك، إلى أن ماتت فما شيء
أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي.
أبو عمرو بن حمدان قال: سمعت أبا عثمان الحيري يقول: من أمر السنة على
نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة
لقوله تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} النور: 54.
قال ابن حمدان: وقرأت بخط أبي: سمعت أبا عثمان يقول: الخوف من الله
يوصلك إليه، والعجب يقطعك عنه، واحتقار الناس في نفسك مرض لا يداوى.
وقال أبو عثمان: حق لمن أعزه الله بالمعرفة أن لا يذل نفسه بالمعصية.
أبو الحسين الوراق قال: سمعت أبا عثمان يقول، وقد سئل عن الصحبة، فقال:
الصحبة مع الله عز وجل بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع
الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته، ولزوم ظاهر الحكم، والصحبة مع
أولياء الله بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل والولد بحسن الخلق،
والصحبة مع الإخوان بدوام البشر والانبساط ما لم يكن إثماً، والصحبة مع
الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم ورؤية نعمة الله عليك إذ عافاك مما
ابتلاهم به.
محمد بن أحمد بن يوسف قال: سمعت أبا عثمان يقول: الذكر الكثير أن تذكر
في ذكرك أنك لا تصل إلى ذكره إلا به وبفضله.
عبد الكريم بن هوران قال: سمعت أبا عثمان السلمي يقول: سمعت عبد الله
بن محمد الشيرازي يقول: سمعت أبا عثمان يقول: منذ اربعين سنة ما أقامني
الله تعالى في حال فكرهته، ولا نقلني إلى غيره فسخطته.
أبو عمرو بن مطر قال: حضرت مجلس أبي عثمان الخيري فخرج ثم قعد على
موضعه
(2/302)
الذي كان
يقعد فيه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته فناداه رجل: ترى أن تقول في
سكوتك شيئاً؟ فأنشا يقول:
وغير تقي بأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي والطبيب مريض
فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج.
عبد الله الرازي قال: لما تغيرت الحال على عثمان وقت وفاته، مزق ابنه
أبو بكر قميصاً كان عليه ففتح أبو عثمان عينه وقال: يا بني خلاف السنة
في الظاهر من رياء في باطن القلب الباطن.
أسند أبو عثمان عن حمدون القصار، وتوفي يوم الثلاثاء لعشر بقين من ربيع
الآخر سنة ثمان وتسعين ومائتين.
انتهى ذكر أهل الري.
(2/303)
ومن عباد دامغان
فاطمة بنت عمران
...
ومن عباد دامغان:
678 - فاطمة بنت عمران
كانت كثيرة الاجتهاد.
الحسن بن علي قال: قدم علينا أبو محمد الرملي فلقي فاطمة فقال هذه
زاهدة وقتها وكانت مستجابة الدعوة مقيمة على تعهد الفقراء إلى أن ماتت.
(2/303)
ذكر
المصطفين من أهل بسطام
أبو يزيد البسطامي
...
ذكر المصطفين من أهل بسطام
679 - أبو يزيد البسطامي
واسمه طيفور بن عيسى بن سروشان - وكان سروشان مجوسياً فأسلم وكان لعيسى
ثلاثة أولاد: أبو يزيد وهو أوسطهم، وآدم، وهو أكبرهم، وعلي وهو أصغرهم،
وكانوا كلهم عباداً زهاداً.
إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: غلطت في ابتدائي في
أربعة أشياء: توهمت أني أذكره، وأعرفه، وأحبه، وأطلبه. فلما انتهيت
رأيت ذكره سبق ذكري، ومعرفته تقدمت معرفتي، وطلبه لي أولاً حتى طلبته.
قال منصور وسمعت أبا عمران موسى بن عيسى يقول: سمعت أبي يقول: قال أبو
يزيد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئاً أشد علي من العلم
ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لتعبت، واختلاف العلماء رحمة إلا في
تجريد التوحيد.
وقال أبو يزيد: لا يعرف نفسه من صحبته شهوته.
إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد البسطامي، وسئل ما علامة العارف؟
قال: أن لا يفتر من ذكره، ولا يمل من حقه، ولا يستأنس بغيره.
وقال: إن الله أمر العباد ونهاهم فأطاعوا فخلع من خلعه فاشتغلوا بالخلع
عنه، وإني لا أريد من الله إلا الله.
وقال منصور: وسمعت موسى بن عيسى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت أبا يزيد
يقول: لو صفت لي تهليلة ما بليت بعدها بشيء.
إبراهيم الهروي قال: سمعت أبا يزيد يقول: هذا فلاحي بك وأنا أخافك فكيف
فرحي بك إذ أمنتك؟.
وسئل بما نالوا المعرفة؟ قال: بتضييع مالهم والوقوف مع ما له.
ـــــــ
679 - هو: أبو يزيد البسطامي، سلطان العارفين، أبو يزيد، طيفور بن عيسى
بن شروسان البسطامي، أحد الزهاد أخو الزاهدين: آدم وعلي، وكان جدهم
شروسان مجوسيا، فأسلم، توفي أبو يزيد ببسطام سنة إحدى وستين ومائتين،
انظر سير أعلام النبلاء 10/483.
(2/304)
وقال:
اطلع الله على قلوب أوليائه، فمنهم من لم يكن يصلح لحمل المعرفة صرفاً،
فأشغلهم بالعبادة.
العباس بن حمزة قال: صليت خلف أبي يزيد البسطامي الظهر، فلما أراد أن
يرفع يديه ليكبر لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى كنت
أسمع تقعقع عظامه، فهالني ذلك.
عن أبي موسى عن أبي يزيد البسطامي قال: ليس العجب من حبي لك وأنا عبد
فقير؛ بل إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير.
قال: وقال أبو يزيد: لم أزل ثلاثين سنة كلما أردت أن أذكر الله أتمضمض
وأغسل لساني إجلالاً لله أن أذكره.
قال: وقال أبو يزيد: إن في الطاعات من الآفات ما لا يحتاجون إلى أن
يطلبوا في المعاصي.
قال: وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو
متكبر.
قال: وقال أبو يزيد أشد المحجوبين عن الله ثلاثة بثلاثة، أولهم: الزاهد
بزهده، والثاني: العابد بعبادته، والثالث: العالم بعلمه. ثم قال: مسكين
الزاهد، لو علم أن الله عز وجل سمى الدنيا كلها قليلاً فكم ملك من
الدنيا؟ وفي كم زهد مما ملك؟ وأما العابد فلو رأى منه الله عليه في
العبادة عرف عبادته في المنة، وأما العالم فلو علم أن جميع ما أبدى
الله عز وجل من العلم سطر واحد من اللوح المحفوظ فكم علم هذا العالم من
ذلك السطر؟ وكم عمل مما علم؟.
قال: سمعت أبا يزيد يقول: ما ذكروه إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة.
وقال: أكثر الناس إشارة إليه أبعدهم منه.
وسأله رجل: من أصحب؟ فقال: من لا تحتاج أن تكتمه شيئاً مما علمه الله
منك.
قال عبيد بن عبد القاهر: قال أبو يزيد، غبت عن الله عز وجل ثلاثين سنة
وكانت غيبتي عنه ذكري إياه، فلما خنست عنه وجدته في كل حال: فقال له
رجل: ما لك لا تسافر؟ قال: لأن صاحبي لا يسافر، وأنا معه مقيم. فقال
السائل: إن الماء القائم قد كره الوضوء منه. فقال أبو يزيد: لم يروا
بماء البحر بأساً، هو الطهور ماؤه الحل ميتته. ثم قال: قد ترى الأنهار
(2/305)
تجري لها
دوي وخرير حتى إذا دنت من البحر وامتزجت به سكن خريرها وحدتها ولم يحس
بها ماء البحر، ولا ظهرت فيه زيادة، ولا إن خرجت منه استبان فيه.
قاسم الحداد قال: خرج أبو يزيد البسطامي في بعض سياحته فوقف على دجلة
فالتقى به الشيطان فحول وجهه ثم قال: وعزتك إنك تعلم أني ما عبدتك قط
لهذا، فلا تحجبني به عنك.
عبد الصمت بن محمد عن أبي يزيد أنه صعد ليلة سور بسطام فلم يزل يدور
على السور إلى وقت طلوع الفجر، يريد أن يقول لا إله إلا الله فيغلبه ما
يريد عليه من هيبة الاسم فلا يستطيع أن يطلق بها لسانه، فلما كان وقت
طلوع الفجر نزل فبال الدم.
الحسن بن علويه قال: قال أبو يزيد: قعدت ليلة في محرابي فمددت رجلي
فهتف بي هافت من يجالس الملوك فينبغي أن يجالسهم بحسن الأدب.
الحسن بن علي قال: قال أبو يزيد: أبعد الخلق من الله أكثرهم إشارة
إليه.
عبيد قال: قال أبو يزيد طلقت الدنيا ثلاثاً بتاتاً لا رجعة لي فيها،
وصرت إلى ربي وحدي فناديته بالاستغاثة: إلهي أدعوك دعاء من لم يبق له
غيرك. فلما عرف صدق العداء من قلبي، اليأس من نفسي، كان أول ما ورد علي
من إجابة هذا الدعاء أن أنساني نفسي بالكلية ونصب الخلائق بين يدي مع
إعراضي عنهم.
أبو الحسن المروزي قال: سمعت امرأة أبي يزيد تقول: سمعت أبا يزيد يقول:
دعوت نفسي إلى الله فأبت علي واستعصت، فتركتها ومضيت إلى الله عز وجل.
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: الناس كلهم يهربون من
الحساب ويتجافون عنه، وأنا أسأل الله تعالى أن يحاسبني فقيل له: لم؟
قال: لعله أن يقول لي فيما بين ذلك: يا عبدي، فأقول: لبيك. فقوله لي:
عبدي أعجب إلي من الدنيا وما فيها. ثم بعد ذلك يفعل بي ما شاء.
علي بن المثنى قال: سمعت عمي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا يزيد يقول:
رأيت رب العزة تبارك وتعالى في المنام، فقلت: يا بار خدا، كيف الطريق
إليك؟ قال: اترك نفسك ثم تعال.
أبو موسى الديبلي قال: سمعت رجلاً يسأل أبا يزيد فقال: دلني على عمل
أتقرب به إلى
(2/306)
ربي عز
وجل، فقال: أحبب أولياء الله تعالى ليحبوك فإن الله تعالى ينظر إلى
قلوب أوليائه فلعله أن ينظر إلى اسمك في قلب وليه فيغفر لك.
عيسى بن آدم ابن أخي أبي يزيد قال: كان أبو يزيد يعظ نفسه فيصيح عليها
فيقول: يا مأوى كل سوء، المرأة إذا حاضت طهرت بثلاثة أيام أو أكثره
بعشرة، أنت يا نفس قاعدة منذ عشرين وثلاثين سنة بعد ما طهرت فمتى
تطهرين؟ إن وقوفك بين يدي طاهر ينبغي أن يكون طاهراً.
أبو موسى الديبلي قال: سمعت أبا يزيد يقول: عرج قلبي إلى السماء فطاف
ودار ورجع، فقلت: بأي شيء جئت معك؟ قال: المحبة والرضا.
عن أبي موسى الديبلي، عن أبي يزيد قال: نظرت فإذا الناس في الدنيا
متلذذون بالنكاح والطعام والشراب، وفي الآخرة بالمنكوح والملذوذ، فجعلت
لذتي في الدنيا ذكر الله عز ول وفي الآخرة النظر إلى الله عز وجل.
أبو موسى الديبلي قال: قلت لأبي يزيد: من أصحب؟ قال: من إذا مرضت عادك،
وإذا أذنبت تاب عليك ومن يعلم منك ما يعلمه الله منك.
جعفر بن علي الترمذي أن أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي
فقال لي: يا أحمد، كل الناس يطلبون مني غلا أبا يزيد فإنه يطلبني.
ذكر أبو نعيم الأصبهاني أنه لا يعرف لأبي يزيد حديث مسند أصلاً إلا
حديث واحد رواه أبو الفتح الحمصي بإسناد له عن أبي سعيد الخدري أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط
الله" 1.
قال أبو نعيم: وهو مركب على أبي يزيد، وليس من حديثه، والحمل فيه على
الحمصي فقد عثر منه على غير حديث ركبه.
قلت وهذا الحديث الذي أشار إليه أبو نعيم هو الذي ذكره له أبو عبد
الرحمن السلمي، ووجدت أنا لأبي يزيد ثلاثة أحاديث أخر مسندة، منها
حديثان لا يثبتان فلم أذكرهما، والثالث قريب الحال فاقتصرت عليه.
ـــــــ
1 ضعيف: أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 10/42 رقم "14460 - 14461"
وضعفه السيوطي في الجامع الصغير وتابعه المناوي في فيض القدير 2/539
رقم 2493.
(2/307)
قال أبو
موسى الديبلي، ابن أخت أبي يزيد البسطامي، أنبأ أبو يزيد البسطامي،
يعني طيفور بن عيسى، قال: أنبأ محمد بن منصور الطوسي، قال: أخبرنا
سفيان ابن عيينة عن محمد بن سوقة، عن نافع بن جبير، عم أم سلمة قالت:
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة:
لعل فيهم المكره. قال: إنهم يبعثون على نياتهم.
توفي أبو يزيد سنة إحدى وستين ومائتين، وله ثلاث وسبعون سنة.
(2/308)
680 -
أبو محمد البسطامي
أبو بكر محمد بن ثوابة المعبر قال: كنت مصاعداً إلى الجبل في باب حلوان
أيام الشتاء وعلي دثار وسروالان، أحدهما مبطن، على غاية مما يكون من
الشدة، فلقيني رجل عليه خرقتان لا يتوارى بغيرهما. فعارضته مراراً
ويروغ مني، فقلت له: لأي شيء تفر مني أنا سبع؟ فقال: لو لقيني سبعون
سبعاً كان أهون علي من لقائك. فقلت أنا أمر كذا وأنت تمضي كذا قل لي
شيئاً ومر في ودائع الله تعالى. فقال: تسمع؟ فقلت: نعم. فأنشأ يقول:
إذا ما عدت النفس ... عن الحق زجرناها
وإن مالت إلى الدنيا ... عن الأخرى منعناها
تخادعنا ونخدعها ... وبالصبر غلبناها
لها خوف من الفقر ... وفي الفقر أنخناها
قال: فجئت إبراهيم بن شيبان بعد أربعة أيام أو خمسة، وقد فرقت جميع ما
علي من الدثار. فلما دخلت عليه قال: من لقيت فوصفت له. فقال: أبو محمد
البسطامي في ذلك اليوم خرج من عندنا. وقال: أي شيء جرى بينك وبينه؟
فحدثته فأمر ابنه إسحاق فكتبها.
انتهى ذكر أهل بسطام.
(2/308)
|