صفة الصفوة

ذكر المصطفين من أهل نيسابور - طوس - هراة - مرو - بلخ - ترمذ

ذكر المصطفين من أهل نيسابور
يحيى بن يحيى النيسابوري
...
ذكر المصطفين من أهل نيسابور
681 - يحيى بن يحيى النيسابوري
يكنى أبا زكريا.
أبو بكر المروزي قال: ذكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل يوماً ابن المبارك فقال: ما رفعه الله إلا بخبيئة كانت له، ما أخرجت خراسان مثل ابن المبارك، ولا بعد ابن المبارك، مثل يحيى بن يحيى.
قال المروزي: سمعت بعض الخراسانية يقول: إن يحيى بن يحيى شرب شربة دواء، فقالت له امرأته: لو قمت فترددت في الدار. فقال يحيى: ما أدري ما هذه المشية أنا أحارب نفسي منذ أربعين سنة.
أبو علي الحسن بن علي بن بندار الزنجاني قال: كان يحيى بن يحيى يحضر مجلس مالك فانكسر قلمه فناوله المأمون قلماً من ذهب أو مقلمة ذهب. فامتنع عن قبوله، فقال له المأمون: ما اسمك؟ قال: يحيى بن يحيى النيسابوري. فقال: تعرفني؟ قال: نعم، أنت المأمون ابن أمير المؤمنين. قال: فكتب المأمون على ظهر جزئه ناولت يحيى بن يحيى النيسابوري قلماً في مجلس مالك فلم يقبله.
فلما أفضت الخلافة إليه بعث إلى عامله بنيسابور وأمره أن يولي يحيى بن يحيى القضاء فبعث إليه يستدعيه فقال بعض الناس: إنه يمتنع من الحضور وليته أذن للرسول، فأنفذ إليه كتاب المأمون فقرئ عليه فامتنع من القضاء فرد إليه ثانياً وقال: إن أمير المؤمنين يأمرك بشيء وأنت من رعيته وتأبى عليه؟ فقال: قل لأمير المؤمنين ناولتني قلماً وأنا شاب فلم أقبله فتجبروني الآن على القضاء وأنا شيخ؟ فرفع الخبر إلى المأمون.
قال: قد علمت امتناعه ولكن ول القضاء رجلاً تختاره. فبعث إليه العامل في ذلك فاختار رجلاً فولي القضاء، ودخل على يحيى وعليه سواد فضم يحيى فراشاً كان جالساً عليه
ـــــــ
681 - هو: يحيى بن بكر بن عبد الرحمن التميمي، أبو زكريا، النيسابوري ثقة ثبت إمام، من العاشرة، مات سنة ست وعشرين على الصحيح.

(2/309)


كراهية أن يجمعه وإياه. فقال: أيها الشيخ ألم تخترني؟ قال: إنما قلت: اختاروه، وما قلت لك: تقلد القضاء.
روى يحيى بن يحيى عن مالك والليث بن سعد وغيرهما. وتوفي في يوم الأربعاء سلخ صفر سنة ست وعشرين ومائتين.

(2/310)


682 - إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم
أبو يعقوب الحنظلي ويقال له ابن راهويه، أحد أئمة الإسلام، رحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام وعاد فاستوطن نيسابور.
محمد بن أسلم الطوسي قال: حين مات إسحاق الحنظلي: ما أعلم أحداً كان أخشى لله من إسحاق، وكان أعلم الناس، ولو كان سفيان الثوري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق.
قال محمد بن عبد السلام: فأخبرت بذلك محمد بن يحيى الصفار فقال: والله لو كان الحسن البصري في الحياة لاحتاج إلى إسحاق في أشياء كثيرة.
الحسن بن عبد الصمد قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: أحفظ سبعين ألف حديث كأنها نصب عيني.
أبو عبد الرحمن الجوزجاني قال: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر إسحاق، فقال: لا أعلم ولا أعرف لإسحاق بالعراق نظيراً.
أبو داود الخفاف قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: لم يعبر الجسر مثل إسحاق.
الفضل بن عبد الله الحميري قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجال خراسان فقال: أما إسحاق بن راهويه فلم ير مثله.
أبو يحيى الشعراني قال: ما رأيت بيد إسحاق كتاباً قط، ما كان يحدث إلا حفظاً.
وقال: كنت إذا ذاكرت إسحاق العلم وجدته فيه فرداً فإذا جئت إلى أمر الدنيا رأيته لا رأي له.
أسند إسحاق عن جرير بن عبد الحميد، وإسماعيل بن عليه، وسفيان بن عيينة، ووكيع، في خلق لا يحصون. وتوفي بنيسابور ليلة النصف من شعبان سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
ـــــــ
682 - هو: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير، مات سنة ثمان وثلاثين، وله اثنتان وسبعون.

(2/310)


683 - محمد بن رافع بن أبي يزيد
أبو عبد الله النيسابوري القشيري.
زكريا بن دلويه قال: بعث طاهر بن عبد الله إلى محمد بن رافع بخمسة آلاف درهم على يد رسوله، فدخل عليه بعد صلاة العصر وهو يأكل الخبز مع الفجل، فوضع الكيس بين يديه فقال: بعث الأمير طاهر بهذا المال إليك لتنفقه على أهلك. فقال: خذ، خذ، لا أحتاج إليه، فإن الشمس قد بلغت رءوس الحيطان إنما تغرب بعد ساعة وقد جاوزت الثمانين، إلى متى أعيش؟ فرد المال ولم يقبل. فأخذ الرسول المال وذهب فدخل عليه ابنه فقال: يا أبة ليس لنا الليلة خبز. قال: فذهب بعض أصحابه خلف الرسول ليرد المال إلى حضرة صاحبه فزعاً من أن يذهب ابنه خلف الرسول فيأخذ المال.
قال زكريا: ربما يخرج إلينا محمد بن رافع في الشتاء الشاتي وقد لبس لحافه الذي يلبسه بالليل.
كان محمد بن رافع رفيق أحمد بن حنبل، وقد حدث عن عبد الرزاق، ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، ووهب بن جرير وغيرهم. وأخرج البخاري ومسلم عنه في الصحيحين. وتوفي سنة خمس وأربعين ومائتين.
ـــــــ
684 - هو: محمد بن رافع القشيري، النيسابوري، ثقة عابد، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وأربعين.

(2/311)


684 - أبو حفص النيسابوري
واسمه عمرو بن سلم. وقيل عمرو بن سلمة.
وهو من أهل قرية على باب نيسابور يقال لها كورداباذ.
الخلدي قال: سمعت الجنيد، وذكر عنده أبو حفص النيسابوري، فقال: كان رجلاً من أهل الحقائق، ولو رأيته لاستغنيت، وقد يتكلم من طور بعيد كان من أهل العلم البالغين، ولقد قال له يوماً رجل من أصحابه: كان من مضى لهم الآيات الظاهرة وليس لك من ذلك شيء،
ـــــــ
685 - هو: أبو حفص، النيسابوري، الإمام القدوة الرباني، شيخ خراسان، أبو حفص، عمرو بن سلم، وقيل: عمر وقيل: عمرو بن سلمة، النيسابوري الزاهد، توفي سنة أربع وستين ومائتين، وقيل: سنة خمس، رحمه الله.

(2/311)


فقال له: تعالى فجاء به إلى سوق الحدادين، إلى كؤر محمى عظيم فيه حديدة فأدخل عظيمة يده فأخذها فبردت في يده. فقال له: يجزيك؟ فأعظم ذلك وأكبره ثم مضى.
أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الرازي قال: دخلت مع أبي حفص على مريض فقال المريض: آه فقال: ممن؟ فسكت. فقال: مع من؟.
أبو عثمان قال: دخل أبو حفص النيسابوري على مريض، فقال المريض: آه. فقال ممن؟فسكت المريض. فقال: أبو حفص مع من؟ فقال له المريض: كيف أكون وماذا أقول؟ فقال له أبو حفص: لا يكون أنينك شكوى ولا سكوتك تجلداً، ولكن بين ذلك.
قال محمش الجلاب: صحبت أبا حفص اثنتين وعشرين سنة ما رأيته ذكر الله عز وجل على حد الغفلة والانبساط، ما كان يذكر إلا على سبيل الحضور والتعظيم والحرمة. وكان إذا ذكر الله تعالى تغيرت عليه حاله حتى كان يرى ذلك منه جميع من حضره.
وقال مرة، وقد ذكر الله تعالى وتغيرت عليه حاله، فلما رجع قال: ما أبعد ذكرنا من ذكر المحققين. فما أظن أن محقاً يذكر لله على غير غفلة ثم يبقى بعد ذلك حياً إلا الأنبياء فإنهم أيدوا بقوة، وخواص الأولياء بقوة ولاياتهم.
قال السلمي: وسمعت جدي يقول: كان أبو حفص إذا غضب تكلم في حسن الخلق حتى يسكن غضبه، ثم يرجع إلى حديثه.
محفوظ بن أحمد قال: قال أبو حفص: حرست قلبي عشرين سنة ثم حرسني قلبي عشرين سنة، ثم وردت حالة صرنا فيها محروسين جميعاً.
قال السلمي: وسئل أبو حفص: من الولي؟ قال: من أيد بالكرامات وغيب عنها.
وقال: ما ظهرت حالة عالية إلا من ملازمة أصل صحيح.
وقال: لا تكن عبادتك لربك سبباً لن تكون معبوداً.
أبو علي الثقفي قال: كان أبو حفص يقول: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره، فلا تعده في ديوان الرجال.
أبو أحمد بن عيسى قال: سمعت أبا حفص يقول: حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" .

(2/312)


وسئل من الرجال؟ قال: القائمون مع الله بوفاء العهود، قال الله تعالى: {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} الأحزاب: 23.
وسئل عن العبودية؟ فقال: ترك مالك والتزام ما أمرت به.
أبو محمد المرتعش قال: سمعت أبا حفص النيسابوري يقول: ما استحق اسم السخاء من ذكر العطاء ولا من لمحه بقلبه، وإنما يستحقه من نسيه حتى كأنه لم يعط.
أبو عثمان النيسابوري قال: خرجنا جماعة مع أستاذنا أبي حفص النيسابوري إلى خارج نيسابور، فجلسنا، فتكلم علينا الشيخ فطابت أنفسنا. ثم بصرنا بأيل قد نزل من الجبل حتى برك بين يدي الشيخ. فأبكاه ذلك بكاء شديداً. فلما هدأ الشيخ سألناه فقلنا له: يا أستاذ تكلمت علينا وطابت قلوبنا فلما جاء هذا الوحش وبرك بين يديك أزعجك وأبكاك فأحببنا أن نعرف فقه ذلك؟ فقال: نعم رأيت اجتماعكم حولي وقد طابت قلوبكم، فوقع في قلبي لو أن شاة ذبحتها ودعوتهم عليها. فما تحكم هذا الخاطر حتى جاء هذا الوحش فبرك بين يدي فخيل لي أني مثل فرعون الذي سأل ربه أن يجري له النيل، فأجراه له. قلت: فما يؤمنني أن يكون الله تعالى يعطيني كل حظ لي في الدنيا وأبقى في الآخرة فقيراً لا شيء لي؟ فهذا الذي أزعجني.
توفي أبو حفص سنة سبعين ومائتين. ويقال سنة سبع وستين، ويقال أربع وستين، ويقال خمس وستين، ولا نعرف له مسنداً إلا أنه قد رافق أحمد بن خضرويه البلخي وغيره من العباد. والسلام.

(2/313)


685 - علي بن شعيب السقاء
حج نيفاً وخمسين حجة. أحرم في كل حجة من نيسابور، وكان يصلي في البادية عند كل ميل ركعتين، ثم يقول: قال اله عز وجل: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} الحج: 28 وهذه منافع حجي والسلام.

(2/313)


686 - أبو صالح حمدون بن أحمد بن عمارة القصار
عبد الله بن مبارك قال: قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا،
ـــــــ
686 - هو: حمدون القصار، شيخ الصوفية، أبو صالح، حمدون بن أحمد بن عمارة النيسابوري، قدوة الملامتية: وهو تخريب الظاهر وعمارة الباطن، مع التزام الشريعة سير أعلام النبلاء 10/459.

(2/313)


687 - أبو بكر عبد الله بن محمد بن زيد بن واصل النيسابوري
جمع بين علم الحديث وافقه والتقوى، وسمع من محمد بن يحيى الذهلي والحسن بن محمد الزعفراني وعباس الدوري، في خلق كثير، وكان من الحفاظ المتقنين.
كان الدارقطني يقول: ما رأينا في مشايخنا أحفظ منه للأسانيد والمتون، وكان أفقه المشايخ.
أبو بكر النيسابوري قال: أعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل ويتقوت كل يوم بخمس حبات، ويصلي صلاة الغداة على طهارة عشاء الآخرة. ثم قال: أنا هو وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، أي شيء أقول لمن زوجني؟ ثم يقول في اثر هذا: ما أراد إلا الخير.
توفي أبو بكر النيسابوري في شهر ربيع الآخر من سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
ـــــــ
687 - هو: عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري، الإمام الحجة الحافظ العلامة شيخ الإسلام، أبو بكر النيسابوري، مولى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، الأموي الحافظ، صاحب التصانيف انظر سير أعلام النبلاء 11/527.

(2/314)


ذكر المصطفين من عابدات نيسابور
فاطمة النيسابورية
...
ذكر المصطفين من عابدات نيسابور
688 - فاطمة النيسابورية
محمد بن الحسن بن علي بن خلف قال: سمعت ابن ملوك وكان شيخاً كبيراً رأى ذا النون المصري قال: وسألته من أجل من رأيت؟ قال: ما رأيت أجل من امرأة رأيتها بمكة يقال لها فاطمة النيسابورية وكانت تتكلم في فهم القرآن، وتعجبت منها، فسألت ذا النون عنها فقال لي: هي ولية من أولياء الله عز وجل وهي أستاذي. فسمعتها تقول: من لم يكن الله عز وجل منه على بال فإنه يتخطى في كل ميدان ويتكلم لكل لسان، وما كان الله منه على بال أخرسه إلا عن الصدق وألزمه الحياء منه والإخلاص.
قال: وقالت فاطمة: الصادق المقرب في بحر تضطرب عليه أمواج، يدعو ربه دعاء الغريق يسأل ربه الخلاص والنجاة.
وقالت فاطمة: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص.
قال السلمي: كانت فاطمة النيسابورية من قدماء نساء خراسان أتى إليها أبو يزيد البسطامي، وسألها ذو النون عن مسائل، وكانت مجاورة بمكة، وربما دخلت إلى بيت المقدس ثم رجعت إلى مكة.
وقال أبو يزيد البسطامي: ما رأيت في عمري إلا رجلاً وامرأة، والمرأة فاطمة النيسابورية، ما أخبرتها عن مقام من المقامات إلا وكان الخبر لها عياناً.
وقال لها ذو النون: عظيني، وقد اجتمعا ببيت المقدس، قالت له: الزم الصدق وجاهد نفسك في أفعالك.
ماتت فاطمة بمكة في طريق العمرة سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

(2/315)


689 - عائشة بنت أبي عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري النيسابوري
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي قال: كانت عائشة بنت أبي عثمان من أزهد أولاد أبي عثمان وأورعهم وأحسنهم حالاً ووقتاً. وكانت مجابة الدعوة، سمعت ابنتها أم

(2/315)


أحمد بنت عائشة تقول: قالت لي أمي: لا تفرحي بفان، ولا تجزعي من ذاهب، وافرحي بالله عز وجل، واجزعي من سقوطك من عين الله عز وجل.
وسمعتها تقول: قالت لي أمي: الزمي الأدب ظاهراً وباطناً فما أساء أحد الأدب في الظاهر إلا عوقب ظاهراً ولا أساء أحد الأدب باطناً إلا عوقب باطناً.
وقالت عائشة: من استوحش من وحدته فذاك لقلة أنسه بربه.
وقالت من تهاون بالعبد فهو من قلة معرفته بالسيد فمن أحب الصانع أحب صنعته.
ماتت عائشة سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
انتهى ذكر أهل نيسابور بحمد الله ومنه.

(2/316)


ذكر المصطفين من أهل طوس
محمد بن أسلم، أبو الحسن الطوسي
...
ذكر المصطفين من أهل طوس
690 - محمد بن أسلم، أبو الحسن الطوسي
أبو عبد الله محمد بن القاسم الطوسي، خادم ابن أسلم، قال: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لم أسمع بعالم منذ خمسين سنة كان أشد تمسكاً بأثر النبي صلى الله عليه وسلم من محمد بن أسلم.
قال أبو عبد الله وكتب إلي احمد بن نصر أن اكتب إلى بحال محمد بن أسلم فإنه ركن من أركان الإسلام.
قال أبو عبد الله: وقال لي محمد بن أسلم: يا أبا عبد الله ما لي ولهذا الخلق؟ كنت في صلب أبي وحدي، ثم صرت في بطن أمي وحدي ثم دخلت الدنيا وحدي، ثم يقبض روحي وحدي، ثم أدخل في قبري وحدي، ثم يأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي فإن صرت إلى خير صرت وحدي، ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي، وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي، وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي فما لي وللناس؟ ثم تفكر ساعة فوقعت عليه الرعدة حتى خشيت أن يسقط. وصحبته نيفاً وعشرين لم أره يصلي حيث أراه ركعتين من التطوع إلا يوم الجمعة، ولا يسبح ولا يقرأ حيث أراه ولم يكن أحد أعلم بسره وعلانيته مني.
وسمعته يحلف كذا كذا مرة: لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكني لا أستطيع ذلك خوفاً من الرياء.
وكان يدخل بيتاً ويغلق بابه ويدخل معه كوزاً من ماء فلم أدر ما يصنع؟ حتى سمعت ابناً له صغيراً يحكي بكاءه فنهته أمه فقلت لها: ما هذا البكاء؟ فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكي فيسمعه الصبي فيحكيه.
وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل ولا يرى عليه أثر البكاء.
وكان يصل قوماً ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعلموا من بعثه إليهم؟ ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم، ويخفي نفسه فربما بليت ثيابهم ونفذ ما عندهم
ـــــــ
690 - هو: محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد، الإمام الحافظ الرباني، شيخ الإسلام، أبو الحسن، الكندي، مولاهم الخراساني، الطوسي، مولده في درود سنة ثمانين ومائة، انظر سير أعلام النبلاء 10/154.

(2/317)


ولا يدرون من الذي أعطاهم؟ ولا أعلم منذ صحبته وصل أحداً بأقل من مائة درهم إلا أن لا يمكنه ذلك، وكنت أخبز له فما نخلت له دقيقاً إلا أن أعصيه. وكان يقول لي: اشتر شعيراً أسود قد تركه الناس فإنه يصير إلى الكنيف، ولا تشتري لي إلا ما يكفيني يوماً بيوم.
وكان يقول: والله الذي لا إله إلا هو ما رأيت نفساً تصلي إلى القبلة شراً عندي من نفسي. ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام بنيسابور، فقال: يا أبا عبد اللهتعال أبشرك بما صنع الله بأخيك من الخير، قد نزل بي الموت قد من الله علي أنه ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه، وقد علم ضعفي فإني لا أطيق الحساب فلم يدع عندي شيئاً يحاسبني عليه. ثم قال: أغلق الباب ولا تأذن لأحد علي حتى أموت، واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثاً غير كسائي ولبدي وإنائي الذي أتوضأ فيه، وكتبي.
وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهماً فقال: هذا لابني أهداه إليه قريب له ولا أعلم شيئاً أحل له منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنت ومالك لأبيك" 1 فكفنوني منها فإن أصبتم لي بعشرة دراهم ما يستر عورتي فلا تشتروا بخمسة عشر، وابسطوا على جنازتي لبدي وغطوا علي بكسائي، وتصدقوا بإنائي، أعطوه مسكيناً يتوضأ منه. ثم مات اليوم الرابع.
سمع أبو الحسن بن أسلم من أصحاب الأعمش وأصحاب الثوري والأوزاعي في آخرين - وتوفي فصلى عليه ألف ألف تقريباً.
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات الحديث "2291" باب "64" ما للرجل من مال ولده، وأحمد في المسند الحديث "6902 - 6678" والطبراني في الثلاثة، وانظر الروض الداني 1/23 الحديث "2"، 2/152 الحديث 947، ومجمع الزوائد 4/154 - 155".

(2/318)


691 - أبو العباس أحمد بن محمد بن مسروق الطوسي
أصله من طوس، لكنه سكن بغداد ومات بها.
جعفر بن محمد بن نصير قال: سمعت أبا العباس بن مسروق يقول: قدم علينا شيخ فكان يتكلم علينا بكلام حسن، وكان عذب اللسان جيد الخاطر، فقال لنا في بعض كلامه: كل ما
ـــــــ
691 - هو: أبو العباس أحمد بن محمد الطوسي، ابن مسروق، الشيخ الزاهد الجليل، الإمام أبو العباس، البغدادي، شيخ الصوفية، توفي في صفر سنة ثمان وتسعين ومائتين، وعاش أربعا وثمانين سنة رحمه الله.

(2/318)


وقع لكم في خواطركم فقولوا لي. فوقع في قلبي أنه يهودي وكان الخاطر يقوى ولا يزول فذكرت ذلك للحريري فكبر عليه ذلك فقلت: لا بد من أن أخبر الرجل بذلك. فقلت له: تقول كل ما وقع في خاطركم فقولوه لي: إنه يقع لي أنك يهودي. فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: صدقت أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وقال: قد مارست جميع المذاهب، فأنتم على الحق وحسن إسلامه.
أبو سعيد بن عطاء قال: إن الجنيد رأى فيما يرى النائم قوماً من الأبدال فسأل: هل ببغداد أحد من الأولياء؟ فقالوا: نعم أبو العباس بن مسروق. قال: فقلت متعجباً: أبو العباس بن مسروق؟ فقالوا: نعم أبو العباس بن مسروق من أهل الأنس بالله عز وجل.
علي بن عبد الله بن جهضم قال: أنا المفيد، قال: سمعت أحمد بن مسروق يقول: كانت والدتي إذا كان يوم الجمعة تبكي، تعلم أني لا أنصرف من الجمعة إلا عليلاً لما قد سمعته من الشيوخ وكنت أنظر إلى شيوخي فتكون رؤيتي لهم قوتي من الجمعة إلى الجمعة.
جعفر بن محمد بن نصير قال: سئل ابن مسروق ما التوكل؟ قال: اعتماد القلب على الله.
قال السلمي: وقال ابن مسروق: من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه.
وقال: أنت في هدم عمرك منذ خرجت من بطن أمك.
أسند ابن مسروق الكثير، وروى عن محمد بن بكار وشيبان بن فروخ وخلق كثير، وصحب البرجلاني ومحمد بن منصور الطوسي والحارث المحاسبي وسرياً السقطي.
وتوفي في صفر سنة ثمان وتسعين ومائتين، ودفن في مقابر باب حرب وبلغ أربعاً وثمانين سنة.
انتهى ذكر أهل طوس بحمد الله ومنه.

(2/319)


ذكر المصطفين من أهل هراة
أبراهيم بن هطمان
...
ذكر المصطفين من أهل هراة
692 - إبراهيم بن طهمان
ولد بهراة ونشأ بنيسابور ورحل في طلب العلم، وكان حسن الخلق سخياً واسع النفس، مطعم الطعام كل من أتاه من أهل العلم.
أبو زرعة قال: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر عنده إبراهيم بن طهمان، وكان متكئاً من علة فاستوى جالساً وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون، فيتكأ. ثم قال أحمد: حدثني رجل من أصحاب ابن المبارك قال: رأيت ابن المبارك في المنام، ومعه شيخ مهيب فقلت: من هذا معك؟ قال: أما تعرف هذا؟ هذا سفيان الثوري، فقلت: من أين أقبلتم؟ قال: نحن نزور في كل يوم إبراهيم بن طهمان. قلت: فأين تزورونه؟ قال: دار الصديقين دار يحيى بن زكريا.
أسند إبراهيم بن طهمان عن جماعة من التابعين كعبد الله بن دينار وأبي الزبير وأبي حازم وغيرهم، وأقام بمكة حتى توفي بها في سنة ثلاث وستين ومائة.
المسعودي قال: سمعت مالك بن سليمان يقولك مات إبراهيم بن طهمان سنة ثلاث وستين بمكة ولم يخلف مثله.
ـــــــ
692 - هو: إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، سكن نيسابور ثم مكة، ثقة يغرب، وتكلم فيه للإرجاء، ويقال رجع عنه، من السابعة، مات سنة ثمان وستين.

(2/320)


693 - أبو عبيد القاسم بن سلام
كان أبوه عبداً رومياً لرجل من هراة، وولد أبو عبيد بهراة ورحل في طلب العلم، فسمع من إسماعيل بن جعفر، وشريك، وإسماعيل بن عياش، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وإسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، في خلق كثير، وكان عالماً بالقراءات واللغة والغريب، وصنف الكتب الكثيرة في فنون، وكان ذا فضل ودين وورع وجود.
عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: عرضت كتاب غريب الحديث لأبي عبيد على أبي فاستحسنه وقال جزاه الله خيراً.
ـــــــ
692 - هو: إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، سكن نيسابور ثم مكة، ثقة يغرب، وتكلم فيه للإرجاء، ويقال رجع عنه، من السابعة، مات سنة ثمان وستين.
693 – هو: القاسمبن سلام -بالتشديد - البغدادي، أبو عبيد الغمام المشهور، ثقة فاضل، مصنف، من العاشرة مات سنة أربع وعشرين، ولم أر له في الكتب حديثا مسندا، بل من أقواله في شرح الغريب.

(2/320)


ابن عرعرة قال: كان طاهر بن عبد الله ببغداد، فطمع في أن يسمع من أبي عبيد وطمع في أن يأتيه في منزله. فلم يفعل أبو عبيد حتى كان هو يأتيه. فقدم علي بن المديني وعياش العنبري فأرادا أن يسمعا غريب الحديث فكان يحمل كل يوم كتابه ويأتيهما في منزلهما فيحدثهما به.
أبو بكر بن الأنبازي قال: كان أبو عبيد يقسم الليل أثلاثاً: فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتب ثلثه.
أبو حاتم قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: مثل الألفاظ الشريفة والمعاني الظريفة مثل القلائد اللائحة في الترائب الواضحة.
سمعت إسحاق بن إبراهيم الحظلي يقول: أبو عبيد أوسعنا علماً وأكثرنا أدباً وأجمعنا جمعاً وإنا نحتاج إلى أبي عبيد، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا.
ثعلب قال: لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل لكان عجباً.
أحمد بن كامل القاضي قال: كان أبو عبيد القاسم بن سلام فاضلاً في دينه وعلمه ربانياً متفنناً في أصناف علوم الإسلام، من القرآن والفقه والعربية والأخبار، حسن الرواية صحيح النقل لا أعلم أحداً من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه.
عبد الله بن طاهر قال: كان الناس أربعة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والقاسم بن معن في زمانه وأبو عبيد القاسم بن سلام في زمانه.
إبراهيم الحربي قال: أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبداً تعجز النساء أن يلدن مثلهم، رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام، ما مثلته إلا بجبل نفخت فيه روح، ورأيت بشر بن الحارث، ما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلاً، ورأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف، يقول ما شاء ويمسك عما شاء.
أقام أبو عبيد ببغداد مدة طويلة ثم ولي القضاء بطرسوس ثم خرج إلى مكة في سنة تسع عشرة ومائتين وأقام بها، وتوفي بها في سنة ثلاث وعشرين وقيل أربع وعشرين ومائتين وهو ابن سبع وستين سنة.

(2/321)


694 - إبراهيم بن علي الخراساني الهروي
إبراهيم الخواص قال: نزلت إلى مشرعة الساج من بغداد وكان الماء مداً والريح تلعب بالموج، فرأيت رجلاً بين الموج يمشي على الماء، فسجدت وجعلت بيني وبين الله تعالى أن لا أرفع رأسي حتى أعلم من الرجل؟ فلم أطل في السجود حتى حركني وقال لي: قم ولا تعاود فأنا إبراهيم بن علي الخراساني.
عبد الله الخياط قال: قال إبراهيم الخراساني: احتجت يوماً إلى الوضوء فإذا أنا بكوز من جوهر، وسواك من فضة رأسه ألين من الخز، فأمسكت بالسواك، وتوضأت بالماء وتركتهما وانصرفت.
أبو سعيد الخراز قال: قال لنا إبراهيم الهروي: بينما أنا في بعض سياحاتي وقد بقيت أياماً كثيرة لم أر فيها أحداً من الناس ولا طائراً ولا ذا روح، وكنت في تلك الحال مستقلاً بلا طعام ولا شراب، فوقع في نفسي أني في معنى فخرج علي شخص مع الخاطر لا أدري من أين خرج؟ فقال لي: يا إبراهيم، ذلك المرائي تعرفه؟ قلت: أنا هو. قال: وكان إلى جنبي شجرة فقال لي: قل لهذه الشجرة تحمل دنانير. قلت: احملي دنانير. فلم تحمل. ثم قال لها: احملي. فإذا بشماريخ دنانير معلقة فاشتغلت أنظر إليها ثم التفت فلم أر الشخص وذهبت الدنانير من الشجرة.
قال أبو سعيد: وسمعته يقول: بينما رجل في مسير له في يوم صائف إذ عدل إلى شعب فأصاب فيه مغارة. قال: فدخلت فيها فما لبثت أن دخل علي ثعبان كأنه النخلة فتطوق في شق المغارة فجعل ينظر إلى فقلت في نفسي: لعلي رزق له، وهالني أمره، فما لبث أن خرج من المغارة. ثم أقبل إلي وفي فيه رغيف حواري قد ذهبت منه عضة، فوضعه عند رأسي ورجع إلى موضعه فتطوق فيه. فقمت فأكلت الرغيف فلما برد النهار خرجت فسرت فلقيني رفقة، فقالوا: من أين جئت؟ قلت: من هذا الشعب. قالوا: هل رأيت ما رأينا؟ قلت: وما هو؟ قالوا: اعترض علينا في الرفقة ثعبان وقام على ذنبه ونفح وكان معنا إنسان ظريف فيه أدب فقال: أظن هذا جائعاً. فرمى إليه رغيفاً حواري فأخذه الثعبان ومضى. فقلت: أنا أكلت الرغيف. ومضيت وخليتهم.
انتهى ذكر أهل هراة.
ـــــــ
694 – هو: إبراهيم الهروي، أبو إسحاق، يعرف بستنبه، صحب إبراهيم بن أدهم من أقران أبي يزيد، من المذكورين بالتوكل والتجريد، توفي بقزوين، وكان أهل هراة يعظمونه، انظر حلية الأولياء 10/44.

(2/322)


ذكر المصطفين من أهل مرو
عبد الله بن المبارك
...
ذكر المصطفين من أهل مرو
695 - عبد الله بن المبارك
يكنى أبا عبد الرحمن كان أبوه تركياً عند رجل من التجار من بني حنظلة، وكانت أمه تركية خوارزمية. ولد سنة ثماني عشرة ومائة، وقيل تسع عشرة.
الحسن قال: كانت أم ابن المبارك تركية، وكان الشبه لهم بيناً فيه، وكان ربما خلع قميصه فلا أرى على صدره وجسده كثير شعر. وأخبرني غير واحد من أهله أنه ما دخل الحمام قط.
قال: وكانت دار ابن المبارك بمرو كبيرة صحن الدار نحو خمسين ذراعاً في خمسين ذراعاً، فكنت لا تحب أن ترى في داره صاحب علم أو صاحب عبادة أو رجلاً له مروءة وقدر بمرو إلا رأيته في داره، يجتمعون في كل يوم خلقاً يتذاكرون حتى إذا خرج ابن المبارك انضموا إليه. فلما صار ابن المبارك بالكوفة نزل في دار صغيرة وكان يخرج إلى الصلاة ثم يرجع إلى منزله لا يكاد يخرج منه ولا يأتيه كثير أحد، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن ألا تستوحش ها هنا مع الذي كنت فيه بمرو؟ فقال: إنما فررت من مرو من الذي تراك تحبه، وأحببت ما ها هنا للذي أراك تكرهه لي، فكنت بمرو لا يكون أمر إلا أتوني فيه ولا مسألة إلا قالوا: اسألوا ابن المبارك، وأنا ها هنا في عافية من ذلك.
قال: وكنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا. يعني حيث لم نعرف ولم نوقر.
قال: وبينا هو بالكوفة يقرأ عليه كتاب المناسك، انتهى إلى حديث وفيه: قال عبد الله وبه نأخذ. فقال: من كتب هذا من قولي؟ قلت: الكاتب الذي كتبه. فلم يزل يحكه بيده حتى درس. ثم قال: ومن أنا حتى يكتب قولي؟
قال الحسن وكنا على باب سفيان بن عيينة يوماً وأصحاب الحديث وهم يرون أن عنده
ـــــــ
695 - هو: عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وستون.

(2/323)


بعض هؤلاء الكبار يحدثه. فقال رجل: أعياني أن أرى رجلاً يسوي بين الناس في علمه. فقال له آخر: هذا عبد الله بن المبارك. قال: نعم هات غيره، أتعرف غيره؟
فلما قدمت الكوفة ذكرت لابن المبارك قول الرجل وأنه فلان ولم أعلمه أنهم سموه. فقال أفلا قالوا الفضيل ابن عياض؟
قال الحسن: ورأيت في منزل ابن المبارك حماماً طيارة. فقال ابن المبارك: قد كنا ننتفع بفراخ هذه الحمام فليس ننتفع بها اليوم قلت: ولم ذلك؟ قال: اختلطت بها حمام غيرها فتزاوجت بها فنحن نكره أن ننتفع بشيء من فراخها من أجل ذلك.
قال الحسن: وصحبت ابن المبارك من خراسان إلى بغداد فما رأيته أكل وحده.
قال: وزوج النضر بن محمد ولده دعي بن المبارك. فلما جاء قام ابن المبارك ليخدم الناس فأبى النضر أن يدعه وحلف عليه حتى جلس.
عبيد بن جناد قال: قال عطاء بن مسلم: يا عبيد رأيت عبد الله بن المبارك؟ قلت: نعم قال: ما رأيت مثله ولا يرى مثله.
عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأت عيناي مثل سفيان ولا أقدم على عبد الله بن المبارك أحداً.
عبد الرحمن بن عبيد الله قال: كنا عند الفضيل فنعي إليه ابن المبارك فقال: رحمه الله أما أنه ما خلف بعده مثله.
عبد الرحمن بن مهدي قال: ما رأت عيناي أنصح لهذه الأمة من عبد الله بن المبارك.
نعيم بن حماد قال: كان عبد الله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي صلى الله عليه وسلم؟
شقيق بن إبراهيم قال: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟ قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين. قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟ قال: أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس، فإذا كانت سنة مائتين فالبعد من كثير من الناس أقرب إلى الله، وفر من الناس كفرارك من أسد، وتمسك بدينك يسلم لك.
الحسين بن الحسن المروزي قال: قال عبد الله بن المبارك: كن محباً للخمول كراهية

(2/324)


الشهرة ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك فإن دعواك الزهد من نفسك هو خروجك من الزهد لأنك تجر إلى نفسك الثناء والمدحة.
أشعث بن شعبة المصيصي قال: قدم هارون الرشيد الرقة فانجفل الناس خلف عبد الله بن المبارك وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة وأشرفت أم ولد أمير المؤمنين من برج من قصر الخشب فلما رأيت الناس قالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من أهل خراسان قدم الرقة يقال له عبد الله بن المبارك. فقالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان.
سويد بن سعيد قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم فاستقى منها ثم استقبل الكعبة فقال: اللهم إن ابن أبي الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ماء زمزم لما شرب له" 1 وهذا أشربه لعطش القيامة، ثم شربه.
نعيم بن حماد قال: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب الرقاق فكأنه بقرة منحورة، من البكاء، لا يجترئ أحد منا أن يدنو منه أو يسأله عن شيء.
قال سفيان: إني لأشتهي من عمري كله أن أكون سنة واحدة مثل عبد الله بن المبارك فما أقدر أن أكون ولا ثلاثة أيام.
عمران بن موسى الطرسوسي قال: جاء رجل فسأل سفيان الثوري عن مسألة، فقال له من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أوليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: وهو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم وأهل المغرب.
قال ابن عيينة: نظرت في أمر الصحابة وأمر ابن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم النبي صلى الله عليه وسلم وغزوهم معه.
حبان بن موسى قال: عوتب ابن المبارك فيما يقري من المال في البلدان ولا يفعل في أهل بلده كذلك، فقال: إني أعرف مكان قوم لهم فضل وصدق طلبوا الحديث وأحسنوا
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه ابن ماجة الحديث 3062 والدارقطني في سننه الحديث 2/289 والحاكم في المستدرك 1/473 والخطيب في تاريخ بغداد 3/179 و تلخيص الحبير 2/268.

(2/325)


الطلب، فاحتاجوا، فإن تركناهم ضاع علمهم وإن أعناهم بثوا العلم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أعلم بعد النبوة أفضل من بث العلم.
عبد الله بن ضريس قال: قيل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن إلى متى تكتب هذا الحديث؟ فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كتبتها بعد.
الحسين بن الحسن المروزي قال: سمعت ابن المبارك يقول: أهل الدنيا خرجوا من الدنيا قبل أن يتطعموا أطيب ما فيها. قيل له: وما أطيب ما فيها؟ قال: المعرفة بالله عز وجل.
قطن بن سعيد قال: ما أفطر ابن المبارك ولا رئي نائماً قط.
علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت ابن المبارك يقول: لأن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف، حتى بلغ ستمائة ألف.
عبد الله بن خبيق قال: قيل لابن المبارك: ما التواضع؟ قال: التكبر على الأغنياء.
عياش بن عبد الله قال: قال عبد الله بن المبارك: لو أن رجلاً أبقى مائة شيء ولم يبق شيئاً واحداً لم يكن من المتقين. ولو تورع عن مائة شيء ولم يتورع عن شيء واحد لم يكن ورعاً ومن كان فيه خلة من الجهل كان من الجاهلين. أما سمعت الله تعالى قال لنوح عليه السلام لما قال: {إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي} هود: 45 فقال الله تعالى: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} هود؟.
علي بن الحسن قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: لا يقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل.
عبد الله بن عمر السرخسي قال: قال لي ابن المبارك: ما أعياني شيء كما أعياني أني لا أجد أخاً في الله عز وجل.
سليمان بن داود قال: سألت ابن المبارك من الناس؟ قال: العلماء، قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قلت: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة وأصحابه. قلت: فمن السفلة؟ قال: الذين يعيشون بدينهم.
فضيل بن عياض قال: سئل ابن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء. قال: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قال: فمن السفلة: قال: الذي يأكل بدينه.

(2/326)


أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك: إن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات. فكتب إليه ابن المبارك:
يا جاعل العلم له بازيا ... يصطاد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها ... بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعد ما ... كنت دواء للمجانين
فصرت رواياتك في سردها ... عن ابن عون وابن سيرين؟
أين رواياتك والقول في ... لزوم أبواب السلاطين؟
إن قلت أكرهت فماذا كذا ... زل حمار العلم في الطين
فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى.
محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت أبي يقول: كان ابن المبارك إذا كان وقت الحج اجتمع إليه إخوانه من أهل مرو فيقولون: نصحبك يا أبا عبد الرحمن فيقول لهم: هاتوا نفقاتكم. فيأخذ نفقاتهم فيجعلها في صندوق ويقفل عليها ثم يكتري لهم ويخرجهم من مرو إلى بغداد، فلا يزال ينفق عليهم ويطعمهم أطيب الطعام وأطيب الحلواء. ثم يخرجهم من بغداد بأحسن زي وأكمل مروءة، حتى يصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صاروا إلى المدينة قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من المدينة، من طرفها؟ فيقول: كذا. ثم يخرجهم إلى مكة فإذا وصلوا إلى مكة فقضوا حوائجهم قال لكل رجل منهم: ما أمرك عيالك أن تشتري لهم من متاع مكة؟ فيقول: كذا وكذا. فيشتري لهم ويخرجهم من مكة. فلا يزال ينفق عليهم حتى يصيروا إلى مكة فإذا وصلوا إلى مرو جصص أبوابهم ودورهم. فإذا كان بعد ثلاثة أيام صنع لهم وليمة وكساهم فإذا أكلوا وشربوا دعا بالصندوق ففتحه ودفع إلى كل رجل منهم صرته بعد أن كتب عليها اسمه.
قال أبي: أخبرني خادمه أنه عمل آخر سفرة سافرها دعوة فقدم إلى الناس خمسة وعشرين خواناً فالوذجاً.
قال: وبلغنا أنه قال للفضيل بن عياض: لولاك وأصحابك ما اتجرت.
قال أبي: وكان ينفق على الفقراء في كل سنة مائة ألف درهم.
محمد بن عيسى قال: كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل

(2/327)


الرقة في خان، فكان شاب يختلف إليه ويقوم بحوائجه ويسمع منه الحديث. قال: فقدم عبد الله الرقة مرة فلم ير ذلك الشاب وكان مستعجلاً، فخرج في النفير فلما قفل من غزوته ورجع إلى الرقة سأل عن الشاب فقالوا: إنه محبوس لدين ركبه. فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ قالوا عشرة آلاف درهم فلم يزل يستقصي حتى دل على صاحب المال فدعا به ليلاً ووزن له عشرة آلاف درهم وحلفه أن لا يخبر أحداً ما دام عبد الله حياً. وقال: إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس.
وأدلج عبد الله وأخرج الفتى من الحبس، وقيل له: عبد الله بن المبارك كان ها هنا وكان يذكرك، وقد خرج. فخرج الفتى في أثره فلحقه على مرحلتين أو ثلاث من الرقة، فقال: يا فتى أين كنت؟ لم أرك في الخان؟ قال: نعم يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بدين. قال: وكيف كان سبب خلاصك؟ قال: جاء رجل وقضى ديني ولم أعلم به حتى أخرجت من الحبس. فقال له عبد الله: يا فتى احمد الله على ما وفق لك من قضاء دينك. فلم يخبر ذلك الرجل أحداً إلا بعد موت عبد الله.
سلمة بن سليمان قال: جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فسأله أن يقضي ديناً عليه، فكتب إلى وكيل له، فلما ورد عليه الكتاب قال له الوكيل: كم الدين الذي سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم، فكتب إلى عبد الله: إن هذا الرجل سألك أن تقضي سبعمائة درهم فكتبت له بسبعة آلاف، وقد فنيت الغلات. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلات قد فنيت فإن العمر أيضاً قد فني فأجر له ما سبق به قلمي.
وقد رويت لنا هذه الحكاية أبسط من هذا. فأخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا: أنبأ أحمد قال أنبأ أحمد بن عبد الله قال نبأ أبي قال: نبأ محمد بن أحمد بن إبراهيم قال: نبأ علي بن محمد بن روح قال: سمعت المسيب بن واضح يقول: كنت عند عبد الله بن المبارك جالساً إذ كلموه في رجل يقضي عنه سبعمائة درهم ديناً. فكتب إلى وكيله: إذا جاءك كتابي هاذ وقرأته فادفع إلى صاحب هذا الكتاب سبعة آلاف درهم. فلما ورد الكتاب على الوكيل وقرأه التفت إلى الرجل فقال: أي شيء قضيتك؟ فقال: كلموه أن يقضي عني سبعمائة درهم ديناً. فقال: قد أصبت في الكتاب غلطاً، ولكن اقعد موضعك حتى أجري عليك من مالي وأبعث إلى صاحبي فأوامره فيك.

(2/328)


فكتب إلى عبد الله بن المبارك: أتاني كتابك وقرأته وفهمت ما ذكرت فيه؛ وسألت صاحب الكتاب فذكر أنه كلمه في سبع مائة درهم وها هنا سبعة آلاف. فإن يكن منك غلط فاكتب إلي حتى أعمل على حسب ذلك. فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا وقرأته وفهمت ما ذكرت فيه فادفع إلى صاحب الكتاب أربعة عشر ألفاً. فكتب إليه: إن كان علي هذا الفعال تفعل فما أسرع ما تبيع الضيعة، فكتب إليه عبد الله بن المبارك: إن كنت وكيلي فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعي حتى أصير إلى موضعك فأنفذ ما تأمرني به.
ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فاجأ من أخيه المسلم فرحة غفر الله له" فأحببت أن أفاجئه فرحة على فرحة.
معاذ بن خالد قال: تعرفت إلى إسماعيل بن عياش بعبد الله بن المبارك فقال إسماعل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أن الله خلق خصلة من خصال الخير إلا وجعلها في عبد الله بن المبارك، ولقد حدثني أصحابي أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص، وهو الدهر صائم.
عبد الله بن حبيق قال: قال رجل لابن المبارك: أوصني، فقال: اعرف قدرك.
سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: قال رجل لابن المبارك: هل بقي من ينصح؟ قال فقال: وهل تعرف من يقبل؟
عبدة بن سليمان قال: كنا في سرية مع عبد الله بن المبارك في بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرج رجل من العدو فدعا إلى البراز، فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله، ثم آخر فقتله؛ ثم دعا إلى البراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله؛ فازدحم عليه الناس وكنت فيمن ازدحم عليه فإذا هو ملثم وجهه بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا.
أبو وهب قال: مر ابن المبارك برجل أعمى فقال: أسألك أن تدعو الله أن يرد بصري. قال: فدعا الله فرد عليه بصره وأنا أنظر.
الحسن بن عرفة قال: قال لي ابن المبارك: استعرت قلماً بأرض الشام فذهب على أن أرده إلى صاحبه فلما قدمت مرو نظرت فإذا هو معي، فرجعت يا أبا علي إلى أرض الشام حتى رددته على صاحبه.

(2/329)


شريح بن مسلمة قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: كاد الأدب أن يكون ثلثي الدين.
أبو بكر بن عبد الله بن حسن قال: قال ابن المبارك: طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا.
أحمد بن الزبرقان قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفواً وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره فينبغي لنا أن نكرهها.
عن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟ إن كان يصلي إنا نصلي، ولئن يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج.
قال: فكنا في بعض مسيرتنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ طفئ السراج فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح فمكث هينهة ثم جاء بالسراج فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة.
قال المروزي: وسمعت أبا عبد الله بن حنبل قال: ما رفع الله ابن المبارك إلا بخبيئة كانت له.
قال المروزي: وأخبرت عن داود بن رشيد قال: كان ابن المبارك عند أبي الأحوص فجاء رسول فلان الهاشمي بعض الولاة فقال: يقرئك السلام ويقول: يا أبا الأحوص هذا شهر رمضان وقد وسعنا على عيالنا وهذه ألف درهم توسع بها عليهم في هذا الشهر. قال أبو الأحوص: فعل الله به وفعل به. وقال: قل له يدعها عنده حتى إذا احتجنا إليها بعثنا فأخذناها.
قال: وانسل ابن المبارك إلى منزله فجاء بألف فقال: يا أبا الأحوص هذه الألف تنفقها فإني لا آمن أن يكون قد بلغ أهلك فيخاصمونك، وهذه من وجه أرجو أن تكون أطيب فقبلها.
الحسن بن الربيع قال: سمعت ابن المبارك حين حضرته الوفاة وأقبل نصير يقول له: يا أبا عبد الرحمن، قل لا إله إلا الله. فقال له: يا نصير قد ترى شدة الكلام علي فإذا سمعتني قلتها فلا تردها علي حتى تسمعني قد أحدثت بعدها كلاماً، فإنما كانوا يستحبون أن يكون آخر كلام العبد ذلك.
أدرك ابن المبارك جماعة من التابعين منهم: هشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد،

(2/330)


والأعمش، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، وخالد الحذاء، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، في آخرين.
وروى عن كبار الأئمة. كالثوري وشعبة والأوزاعي والحمادين في نظرائهم، وكان أحد أئمة المسلمين.
وتوفي بهيت منصرفاً من الغزو لثلاث عشة خلت من رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وهو ابن ثلاث وستين سنة.
محمد بن فضيل بن عياض قال: رأيت عبد الله بن المبارك في المنام فقلت: أي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه. قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم - قلت: فأي شيء صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة وكلمتني امرأة من أهل الجنة أو امرأة من الحور العين.

(2/331)


696 - أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي الفقيه
لبث مع أمه ثلاثين شهراً. أبوه مروزي. وولد هو ببغداد، ونشأ بنيسابور، واستوطن سمرقند، وكان عالماً بالحديث والفقه.
أبو محمد الثقفي عبد الله بن محمد قال: سمعت جدي يقول: جالست أبا عبد الله المروزي أربع سنين فلم أسمعه طول تلك المدة يتكلم في غير العلم.
أبو بكر أحمد بن إسحاق قال: ما رأيت أحسن صلاة من أبي عبد الله المروزي، ولقد بلغني أن زنبوراً قعد على جبهته فسال الدم على وجهه ولم يتحرك.
محمد بن نصر قال: خرجت من مصر ومعي جارية لي، فركبت البحر أريد مكة، فغرقت وذهب مني ألفا جزء، وصرت إلى جزيرة أنا وجاريتي ما رأينا فيها أحداً، وأخذني العطش فلم أقدر على الماء، فأجهدت فوضعت رأسي على فخذ جاريتي مستسلماً للموت فإذا رجل قد جاءني ومعه كوز. فقال لي: هاه. فأخذت وشربت وسقيت الجارية. ثم مضى فما أدري من أين جاء ولا أين ذهب؟.
أسند المروزي عن عبدان ويحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه وخلق كثير يطول ذكرهم، وكان مولده في سنة ثنتين ومائتين، وتوفي سنة أربع وتسعين.
ـــــــ
696 - هو: محمد بن نصر المروزي الفقيه، أبو عبد الله، ثقة حافظ إمام جبل، من كبار الثانية عشرة، مات سنة أربع وتسعين.

(2/331)


697 - عبد الله بن أحمد الرباطي المروزي
لبث مع أمه خمس سنين وهو الذي يقال له ابن شبويه.
سافر مع أبي تراب النخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويقول: هو رأس فتيان خراسان.
مصعب بن أحمد بن مصعب قال: قدم أبو محمد المروزي إلى بغداد يريد مكة، وكنت أحب أن أصحبه، فأتيته واستأذنته في الصحبة فلم يأذن لي في تلك يكون أحدنا الأمير لا يخالفه الآخر. فقلت أنت الأمير، فقال: لا بل أنت فقتل: أنت أسن وأولى. فقال: لا تعصني. فقلت: نعم. فخرجت معه وكان إذا حضر الطعام يؤثرني فإذا عارضته بشيء قال: ألم أشرط عليك أن لا تخالفني؟ فكان هذا دأبنا حتى ندمت على صحبته لما يلحق نفسه من الضرر.
فأصابنا في بعض الأيام مطر شديد ونحن نسير فقال لي: يا أبا أحمد اطلب الميل. ثم قال لي: اقعد في أصله فأقعدني في أصله وجعل يديه على الميل وهو قائم قد حنا علي، وعليه كساء قد تجلل به يظلني من المطر حتى تمنيت أني لم أخرج معه لما يلحق نفسه من الضرر. فلم يزل هذا دأبه حتى دخل مكة رحمة الله عليه.

(2/332)


698 - عبد الله بن المنير المروزي
لبث في بطن أمه ما شاء الله.
يحيى بن بدر القرشي قال: كان عبد الله بن منير يوم الجمعة قبل الصلاة بقزوين فإذا كان في وقت صلاة الجمعة يرونه في مسجد آمل فكان الناس يقولون: إنه يمشي على الماء. فقيل له: يا أبا محمد إنك تمشي على الماء؟ قال: أما المشي على الماء فلا أدري، ولكن إذا أراد الله عز وجل جمع حافتي النهر حتى يعبر الإنسان.
قال: وكان عبد الله بن منير إذا قام من المجلس يخرج إلى البرية مع قوم مع أصحابه يجمع شيئاً مثل الأشنان وغيره فيدخل السوق فيبيع ذلك فيتعيش به.
قال: فخرج يوماً مع أصحابه فإذا هو بالأسد رابض على الطريق، فقيل له: هذا الأسد فقال لأصحابه: قفوا. ثم تقدم هو وحده إلى الأسد فلا ندري ما قال له، فمر الأسد، فقال لأصحابه مروا.
انتهى ذكر أهل مرو رضي الله عنهم.
ـــــــ
698 - هو: عبد الله بن منير – آخره راء - أبو عبد الرحمن المروزي الزاهد، ثقة عابد، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وأربعين، ويقال: بعدها.

(2/332)


ذكر المصطفين من أهل بلخ
الضحاك بن مزاحم الهلالي يكنى أبا القاسم
...
ذكر المصطفين من أهل بلخ
699 - الضحاك بن مزاحم الهلالي يكنى أبا القاسم
حملت به أمه سنتين، وكان يعلم ولا يأخذ أجرا، أصله من الكوفة ثم أقام ببلخ.
قبيصة بن قيس العنبري قال: كان الضحاك بن مزاحم إذا أمسى بكى فيقال له: ما يبكيك؟ فيقول: لا أدري ما صعد اليوم من عملي.
توفي الضحاك سنة ثنتين وقيل سنة خمس ومائة.
ـــــــ
699 - هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أبو أبي محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، مات بعد المائة.

(2/333)


700 - عطاء بن أبي مسلم
حملت به أمه ثلاث سنين.
وفي اسم أبيه قولان: أحدهما ميسرة والثاني عبد الله. وفي كنية عطاء قولان: أحدهما أبو عثمان، والثاني أيوب وأصله من بلخ، وكان من أهل العلم والصلاح.
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كنا نغازي عطاء الخراساني فكان يحيي الليل كله صلاة فإذا ذهب من الليل ثلثه أو نصفه نادانا وهو في فسطاطه يسمعنا: يا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، يا يزيد بن يزيد، يا هشام بن الغاز يا فلان بن فلان، قوموا فتوضؤا وصلوا فإن قيام هذا الليل وصيام هذا النهار أيسر من شرب الصديد ومقطعات الحديد، الوحي الوحي النجاء النجاء ثم يقبل على صلاته.
عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر قال: حدثني عمي، يزيد بن يزيد بن جابر، عن عطاء الخراساني أنه كان يقول: إني لا أوصيكم بدنياكم، أنتم بها مستوصون، وأنتم عليها حراص، وإنما أوصيكم بآخرتكم فخذوا من دار الفناء لدار البقاء، واجعلوا الدنيا كشيء فارقتموه، فوالله لتفارقنها، واجعلوا الموت كشيء ذقتموه، فوالله لتذوقنه، واجعلوا الآخرة كشيء نزلتموه فوالله لتنزلنها، وهي دار الناس كلهم ليس من الناس أحد يخرج لسفر إلا أخذ
ـــــــ
700 - هو: عطاء بن أبي مسلم، أبو عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة، وقيل عبد الله، صدوق يهم كثيرا ويرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين، لم يصح أن البخاري أخرج له.

(2/333)


له أهبته، فمن أخذ لسفره الذي يصلحه اغتبط، ومن خرج إلى سفر له أهبته ندم فإذا ضحي لم يجد ظلاً، وإذا ظمي، لم يجد ماء يتروى به، وإنما سفر الدنيا منقطع، وأكيس الناس من قام يتجهز لسفر لا ينقطع.
يزيد بن سمرة أنه سمع عطاء الخراساني يقول: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام.
الأوزاعي قال: حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت.
عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إن أوثق عملي في نفسي نشري للعلم.
عمر بن أبي خليفة قال: سمعت عطاء الخراساني، وصلى معنا المغرب فأخذ بيدي حين انصرفنا، فقال: ترى هذه الساعة ما بين المغرب والعشاء؟ فإنها ساعة الغفلة وهي صلاة الأوابين.
أسند عطاء عن ابن عمر، وابن عباس، وأنس، وأبي هريرة، في آخرين. وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة.

(2/334)


701 - إبراهيم بن أدهم
يكنى أبا إسحاق.
يونس بن سليمان البلخي قال: كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف وكان أبوه كثير المال والخدم، فخرج إبراهيم يوماً في الصيد مع الغلمان والخدم والجنائب والبزاة. فبينا إبراهيم في ذلك وهو على فرسه يركضه، إذا هو بصوت من فوقه: يا إبراهيم ما هذا العبث؟ {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ} المؤمنون اتق الله وعليك بالزاد ليوم الفاقة. قال: فنزل عن دابته ورفض الدنيا وأخذ في عمل الآخرة.
بشير بن المنذر قال: كنت إذا رأيت إبراهيم بن أدهم كأنه ليس فيه روح لو نفخته الريح لوقع قد اسود متدرع بعباء.
إبراهيم بن بشار قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: ما كان لي مؤونة قط على أصحابي ولا على غيرهم إلا في شيء واحد. فقلت: أي شيء يا أبا إسحاق؟ فقال: ما كنت أحسن
ـــــــ
701 - هو: إبراهيم بن أدهم بن منصور العجلي، وقيل: التميمي: أبو إسحاق البلخي الزاهد، صدوق، من الثامنة مات سنة اثنتين وستين.

(2/334)


أكري نفسي في الحصادين، فيحتاجون إلى أن يكروني، ويأخذون لي الأجرة، فهذه كانت مؤونتي عليهم.
قال ابن بشار: ومضيت مع إبراهيم بن أدهم إلى مدينة يقال لها طرابلس ومعي رغيفان ما لنا شيء غيرهما وإذا سائل يسأل، فقال لي: ادفع إليه ما معك فتلبثت. فقال لي: ما لك؟ أعطه، فأعطيته وأنا متعجب من فعله، فقال لي: يا أبا إسحاق إنك تلقى غداً ما لم تلقه قط واعلم أنك تلقى ما أسلفت ولا تلقى ما خلفت. فمهد لنفسك فإنك لا تدري متى يفجؤك أمر ربك. قال: فأبكاني كلامه وهون علي الدنيا. فلما نظر إلي أبكي، قال: هكذا فكن.
قال ابن بشار: وخرجت أنا وإبراهيم بن أدهم، وأبو يوسف الغسولي، وأبو عبد الله السنجاري، نريد الإسكندرية فمررنا بنهر يقال له نهر الأردن فقعدنا تستريح وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات. فألقاها بين أيدينا فأكلناها وحمدنا الله عز وجل. فقمت أسعى أتناول ماء لإبراهيم فبادر إبراهيم فدخل النهر حتى بلغ الماء إلى ركبتيه. فقال بكفيه في الماء فملأهما ثم قال: بسم الله، وشرب الماء ثم قال: الحمد لله، ثم إنه خرج من النهر فمد رجليه ثم قال: يا أبا يوسف لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور لجالدونا عليه بالسيوف أيام الحياة، فقلت: يا أبا إسحاق طلب القوم الراحة والنعيم فأخطأوا الطريق المستقيم. فتبسم وقال: من أين لك هذا الكلام؟
قال ابن بشار: مررنا مع إبراهيم بن أدهم بمقبرة فتقدم إلى قبر فوضع يده عليه ثم قال: رحمك الله يا فلان، ثم تقدم إلى آخر فقال مثل ذلك، فعل ذلك بسبعة من القبور ثم قام قائماً بين تلك القبور فنادى يا فلان يا فلان، بأعلى صوته، لقد متم وخلفتمونا ونحن بكم سريعاً لاحقون. ثم بكى وغرق في فكره ثم رجع بعد ساعة فأقبل إلينا بوجهه، ودموعه تنحدر كاللؤلؤ الرطب وقال: إخوتي، عليكم بالمبادرة والجد والاجتهاد، سارعوا وسابقوا فإن نعلاً فقدت أختها سريعة اللحاق بها.
شقيق بن إبراهيم قال: بينا نحن ذات يوم عند إبراهيم بن أدهم إذ مر به رجل فقال إبراهيم: أليس هذا فلان؟ فقيل: نعم. فقال لرجل: أدركه فقل له قال لك إبراهيم: لم لم تسلم؟ فقال له، فقال: والله إن امرأتي وضعت وليس عندي شيء، فخرجت شبه المجنون، قال: فرجعت إلى إبراهيم فقلت له، فقال؛ إنا لله، كيف غفلنا عن صاحبنا حتى نزل به هذا

(2/335)


الأمر؟ وقال: يا فلان إيت صاحب البستان فاستسلف منه دينارين، فادخل السوق فاشتر له ما يصلحه بدينار، وادفع الدينار الآخر.
فدخلت السوق فأوقرت بدينار من كل شيء وتوجهت إليه فدققت الباب فقالت امرأته: من هذا؟ قلت: أنا، أردت فلاناً. قالت: ليس هو ههنا. قلت: فمري بفتح الباب وتنحي. قال: ففتحت الباب فأدخلت ما على البعير وألقيته في صحن الدار وناولتها الدينار. فقالت: على يدي من بعث هذا؟ فقلت: قولي على يد أخيك إبراهيم بن أدهم. فقالت: اللهم لا تنس هذا اليوم لإبراهيم.
قال شقيق: وقلت لإبراهيم: يا إبراهيم تركت خراسان. فقال: ما تهنيت بالعيش إلا في بلاد الشام، أفر بديني من شاهق إلى شاهق، ومن جبل إلى جبل، فمن يراني يقول: هو موسوس، ومن يراني يقول: هو جمال، ثم قال لي: يا شقيق لم ينبل عندنا من نبل بالحج والجهاد إنما نبل من كان يعقل ما يدخل جوفه، يعني الرغيفين، من حله، يا شقيق ماذا أنعم الله على الفقراء؟ لا يسألهم يوم القيامة لا عن زكاة ولا عن حج ولا عن جهاد ولا عن صلة رحم، إنما يسأل هؤلاء المساكين، يعني الأغنياء.
أحمد بن داود قال: مر يزيد بإبراهيم بن أدهم وهو ينظر كرماً، فقال: ناولنا من هذا العنب، قال: ما أذن لي صاحبه. قال: فقلت السوط فجعل يقنع رأسه. فطأطأ إبراهيم رأسه وقال: اضرب رأساً طالما عصى الله عز وجل فأعجز الرجل عنه.
علي بن بكار قال: كنا جلوساً بالمصيصة وعندنا إبراهيم بن أدهم، فقدم رجل من خراسان فقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟ فقال القوم: هذا، قال: إن إخوتك بعثوني إليك فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذ بيديه فنحاه فقال: ما جاء بك؟ فقال: أنا مملوكك، معي فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم بعث بها إليك إخوتك. فقال: إن كنت صادقاً فأنت حر، وما معك لك، اذهب فلا تخبر أحداً. فذهب.
يحيى بن الكدير بن أسود الكلابي من أهل عسقلان قال: كان إبراهيم بن أدهم أجيراً في بستان لي سنة أبتذله فيما يبتذل الأجير. فزارني إخوان لي في بستاني فقلت لإبراهيم: إيتنا برمان حلو. فجاء برمان لم نحمده. فقلت له: أنت في هذه البستان منذ سنة لا تعرف موضع الجيد الحلو من الحامض؟ قال: فأي موضع هو من البستان؟ فوصفته له فأنكرت أمره، وإذا رجل قد أقبل على نجيب يسأل عن إبراهيم بن أدهم. فأخبر بمكانه عندي. فنزل إليه فرأيته قد

(2/336)


قبل يديه وعظمه. فقال له إبراهيم: ما جاء بك؟ فقال: مات بعض مواليك فجئتك بميراثه ثلاثين ألف ردهم. فقال: ما لكم وأتباعي؟ فقال الرجل: قد تعنيت من بلخ فاقبلها مني. فقال للرجل: ابسط إزارك، وصب عليه ما معك. ففعل، فقال إبراهيم: اقسمه ثلاثة أقسام. فقسمه. فقال: ثلث لك لعنائك من بلخ إلى ها هنا وثلث اقسمه على المساكين ببلخ، وثلث أنت يا يحيى اقسمه في مساكين أهل عسقلان.
أبو سليمان الداراني قال: صلى إبراهيم بن أدهم خمس عشرة صلاة بوضوء واحد.عن مخلد بن الحسين قال: ما انتبهت من الليل إلا أصبت إبراهيم بن أدهم يذكر الله فأغتم ثم أتعزى بهذه {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} المائدة: 54.
عبد الملك بن سعد الدمشقي قال: سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: أعربنا الكلام فما نلحن، ولحنا في الأعمال فما نعرب.
عبد الله بن الفرج العابد قال: اطلعت على إبراهيم بن أدهم بالشام في بستان وهو نائم وعند رأسه أفعى في فيها طاقة نرجس تذب عنه.
موسى بن طريف قال: ركب إبراهيم بن أدهم البحر فأخذتهم ريح عاصف فأشرفوا على الهلكة فلف إبراهيم رأسه في عباءة ونام. فقالوا له: ما ترى ما نحن فيه من الشدة؟ فقال: ليس ذا شدة. قالوا: ما الشدة؟ قال: الحاجة إلى الناس. ثم قال: اللهم أريتنا قدرتك فأرنا عفوك. فصار البحر كأنه قدح زيت.
خلف بن تميم قال: كنت عند أبي رجاء الهروي في مسجده فأتى رجل على فرس فنزل فسلم عليه وودعه. فأخبرني أبو رجاء عنه أنه كان مع إبراهيم بن أدهم في سفينة في غزاة في البحر، فعصفت عليهم الريح وأشرفوا على الغرق فسمعوا في البحر هاتفاً يهتف بأعلى صوته: تخافون وفيكم إبراهيم؟.
إبراهيم بن عبد الله بن محمد البلخي، عن إبراهيم بن أدهم قال: وجدت يوماً راحة فطاب قلبي لحسن صنيع الله بي فقلت: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من المحبين لك ما سكنت به قلوبهم قبل لقائك فأعطني ذلك لفقد أضر بي القلق، قال إبراهيم: فرأيت الله تعالى في النوم، فوقفني بين يديه وقال لي: يا إبراهيم ما استحييت مني؟ تسألني أن أعطيك ما تسكن به قلبك قبل لقائي، وهل يسكن قلب المشتاق إلى غير حبيبه؟ أم هل يستريح الحب إلى غير من اشتاق إليه؟ فقلت: يا رب تهت في حبك فلم أدر ما أقول.

(2/337)


اقتصرنا من أخبار إبراهيم على هذا القدر لأنا قد وضعنا كتاباً جمعنا فيه أخباره فكرهنا الإعادة في التصانيف.
وقد روى إبراهيم عن جماعة من التابعين: كأبي إسحاق السبيعي وأبي حازم وقتادة ومالك بن دينار وأبان والأعمش وغيرهم، وقد روى عن خلق من تابعي التابعين إلا أنه شافه بعض من روى عنه، وأرسل الرواية عن بعض، وتوفي بالجزيرة، فحمل إلى صور فدفن هنالك.

(2/338)


702 - داود البلخي
لبث مع أمه أربعين شهراً.
إبراهيم بن أدهم قال: لقيت أسلم بن زيد الجهني فقلت له: إنس صحبت رجلاً من الكوفة إلى مكة فرأيته إذا مشى يصلي ركعتين ثم يتكلم بكلام خفي بينه وبين نفسه فإذا جفنة بن ثريد عن يمينه وكوز ماء، وكان يأكل ويطعمني، فبكى وقال: يا بني ذاك أخي داود ومسكنه من قرى بلخ بقرية يقال لها المازرة الطيبة، وإنها تفاخر البقاع بكينونة داود فيها، يا غلام: ما قال لك وما علمك؟ قلت: علمني اسم الله الأعظم. قال: وما هو؟ قلت: إنه يتعاظم علي أن أنطق به فإنني سألت به مرة فإذا برجل آخذ بحجرتي فقال: سل تعطه، فراعني ذلك وفزعت فزعاً شديداً فقال: لا روع عليك أنا أخوك الخضر، إن أخي داود علمك اسم الله الأعظم فإياك أن تدعو به على رجل بينك وبينه نزع فتهلكه هلاك الدنيا والآخرة، ولكن ادع الله أن يثبت به قلبك، ويشجع به جبنك، ويقوي به ضعفك ويؤنس به وحشتك، ويؤمن به روعتك.
ـــــــ
702 - هو: داود البلخي، من متقدمي شيوخ المشرق، انظر حلية الأولياء 10/46.

(2/338)


703 - شقيق بن إبراهيم البلخي
لبث في بطن أمه ستة وثلاثين شهراً يكنى أبا علي.
أحمد بن عبد الله الزاهد قال: قال علي بن محمد بن شقيق: كان لجدي ثلثمائة قرية ولم يكن له كفن يكفن فيه، قدم ذلك كله بين يديه، وثيابه وسيفه إلى الساعة معلق يتبركون به، وكان قد خرج إلى بلاد الترك لتجارة وهو حدث فدخل إلى بيت أصنامهم، فقال لعاملهم: إن هذا الذي أنت فيه باطل، ولهذا الخلق خالق ليس كمثله شيء رازق كل شيء. فقال له
ـــــــ
703 - هو: شقيق بن إبراهيم الأزدي، البلخي، الإمام الزاهد، شيخ خراسان، صحب إبراهيم بن أدهم، قتل شقيق في غزاة كولان سنة أربع وتسعين ومائة، انظر سير أعلام النبلاء 8/200.

(2/338)


من خفه سكيناً ليذبحني. فوحق سيدي ما كان قلبي عنده ولا عند سكينه، إنما كان قلبي عند سيدي أنظر ماذا ينزل به القضاء منه. فقلت: سيدي قضيت علي أن يذبحني هذا فعلى الرأس والعين، إنما أنا لك وملكك فبينا أنا أخاطب سيدي وهو قاعد على صدري آخذ بلحيتي ليذبحني، إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقط عني فقمت أنا إليه فأخذت السكين من يده فذبحته، فما هو إلا أن تكون قلوبكم عند السيد حتى تروا من عجائب لطفه ما لم تروا من الآباء والأمهات.
أسند حاتم الحديث ولا أعرف له إلا ما أخبرنا به محمد بن عبد الباقي قال: أخبرنا حمد بن أحمد قال: أنا أحمد بن عبد الله؟ قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد بن أحمد المؤذن قال: حدثنا محمد بن الحسين بن علي قال: حدثنا محمد بن علويه قال: حدثنا ابن الحارث قال: حدثنا حاتم الأصم قال: حدثنا سعيد بن عبد الله الماهياني قال: حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثنا مالك عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار، وسلم إذا دخلت بيتك يكثر خير بيتك" 1.
ـــــــ
1 أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 8/86 رقم 11445.

(2/241)


705- أحمد بن الخضر
وهو المعروف بابن خضرويه البلخي.
يكنى أبا حامد، صحب أبا تراب النخشبي وحاتماً الأصم، ورحل إلى يزيد وأبي حفص النيسابوري.
وقال أبو حفص: ما رأيت أحداً أكبر همة ولا أصدق حالاً من أحمد بن خضرويه.
محمد بن الفضل قال: قال أحمد بن خضرويه: القلوب جوالة إما أن تجول حول العرض وإما أن تجول حول الحش
.محمد بن حامد الترمذي قال: أحمد بن خضرويه: الصبر زاد المضطرين، والرضا درجة العارفين.قال: وقال رجل لأحمد بن خضرويه، أوصني. فقال: أمت نفسك حتى تحييها.قال: وقال أحمد: لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رق أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة.
ـــــــ
705 - هو: أحمد بن خضرويه، الزاهد الرباني الشهير، أبو حامد البلخي، من أصحاب حاتم الأصم، توفي سنة أربعين ومائتين، انظر سير أعلام النبلاء 9/634.

(2/241)


706 - محمد بن الفضل بن العباس
أبو عبد الله البلخي.
أبو بكر محمد بن عبد الله الرازي قال: سمعت محمد بن الفضل يقول: العجب ممن يقطع الأودية والمفاوز والقفار ليصل إلى بيته وحرمه لأن فيه آثار أنبيائه كيف لا يقطع نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه لأن فيه آثار مولاه؟.
الحسن بن علويه قال: قال محمد بن الفضل: أنزل نفسك منزلة من لا حاجة له فيها ولا بد له منها، فإن من ملك نفسه عز، ومن ملكته ذل.
إبراهيم الخواص قال: قال لي محمد بن الفضل: ما خطوت أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل، وما نظرت أربعين سنة في شيء أستحسنه حياء من الله عز وجل، وما أمليت على ملكي ثلاثين سنة شيئاً، ولو فعلت ذلك لاستحييت منهما.
أسند محمد بن الفضل عن قتيبة بن سعيد، وصحب أحمد بن خضرويه وغيره، وانتقل إلى سمرقند فمات بها في سنة تسع عشرة وثلاثمائة.
ـــــــ
706 - هو: محمد بن الفضل بن العباس، واعظ بلخ، الإمام الكبير، شيخ الإسلام، أبو عبد الله، نزيل سمرقند، سير أعلام النبلاء.

(2/342)


707 - أبو بكر الوراق
واسمه محمد بن عمر، ويقال له الحكيم وأصله من ترمذ لكنه أقام ببلخ.
أبو بكر بن أجيد البلخي قال: سمعت أبا بكر الوراق يقول: لو قيل للطمع من أبوك؟ قال: الشك المقدور، ولو قيل: ما حرفتك؟ قال: اكتساب الذل ولو قيل: ما غايتك؟ قال: الحرمان.
غيلان السمرقندي قال: دخل رجل على أبي بكر الوراق فقال: إني أخاف من فلان. فقال: لا تخف منه فإن القلب من تخافه بيد من ترجوه.
محمد بن حامد قال: قلت لأبي بكر الوراق: علمني شيئاً يقربني إلى الله، ويقربني من الناس. فقال: أما الذي يقربك من الله فمسألته، وأما الذي يقربك من الناس فترك مسألتهم.
أسند أبو بكر الوراق الحديث عن موسى بن حزام الترمذي.

(2/343)


708 - عابد بلخي لم يعرف اسمه
عبد الوهاب قال:بينا أنا جالس في الحدادين ببلخ إذ مر رجل فنظر إلى النار في الكور فسقط فقمنا فنظرنا إليه فإذا هو قد مات.

(2/343)


709 - عابدة بلخية رضي الله عنها
أبو بلال الأسود قال: خرجت حاجاً فلما صرت في بعض الطريق إذا أنا بامرأة ليس معها زاد ولا إداوة. فقلت لها: من أين أنت؟ قالت: من بلخ. فقلت لها: ما أرى معك زاداً ولا تحملين فيه الزاد. فقالت: لي: خرج معي من بلخ عشرة دراهم وقد بقي بعضها، فقلت لها: إذا نفذت ما تصنعين؟ فقالت: علي هذه الجبة أبيعها وآخذ دونها وأنفق ما بين ذلك. قلت: إذا فني ما تصنعين؟ قالت: أبيع هذا الخمار وآخذ دونه وأنفق ما بين ذلك. قلت: فإذا فني ما تصنعين؟ قالت: يا بطال أسأله فيعطيني. قلت: ألا سألته قبل ذلك؟ قالت، ويحك إني أستحيي أن أسأله شيئاً من الدنيا ومعي فضل من عرضها. قلت: اعقبي على هذا الحمار عقبة. فقالت: دعه. فتركته معها وتخلفت لحاجة. فلما قضيت حاجتي أسرعت في أثرها فإذا أنا بالحمار واقف والخرج مملوء فرآني حواري لم أر بحسنه فطلبتها بعد ذلك فما رأيتها.
انتهى ذكر أهل بلخ بحمد الله ومنه.
ـــــــ
707 - هو: الحكيم أبو بكر محمد بن عمر الوراق البلخي، له الكتب في المعاملات، أسند الحديث، انظر حلية الأولياء 10/251.

(2/343)


ذكر المصطفين من أهل ترمذ
علي بن رزين أبو الحسن
...
ذكر المصطفين من أهل ترمذ
710 - علي بن رزين أبو الحسن
خراساني، أصله من ترمذ، ويقال من هراة كان أستاذ أبي عبد الله المغربي.
كان علي بن رزين قد صحب الحسن البصري فيما يذكر والله أعلم، وكان يدخل إلى قرميسين فيما بلغني فيكتب عنه، وشاع في الناس ذكره أنه يشرب في كل أربعة أشهر شربة ماء، فسأله رجل من أهل قرميسين عن هذا؟ فقال: نعم وأي شيء في هذا؟ سألت الله عز وجل أن يكفيني مؤونة بطني فكفاني.
عاش علي بن رزين مائة وعشرين سنة، وتوفي سنة خمس وعشرين ومائتين، ودفن على جبل الطور، ودفن إلى جانبه صاحبه أبو عبد الله المغربي.
ـــــــ
710 - هو: الممكن المكين، أبو الحسن علي بن رزين، كان عن الأطعمة والأشربة معدولا، وفي المشاهدة مقبولا ومحمولا، انظر حلية الأولياء 10/243.

(2/344)


711 - محمد بن علي بن الحسين الترمذي
يكنى أبا عبد الله، من كبار مشايخ خراسان، له التصانيف المشهورة. وكان يقول ما صنفت شيئاً لينسب إلي لكن كنت إذا اشتد علي وقتي أتسلى بمصنفاتي.
منصور بن عبد الله قال: قال محمد بن علي الترمذي ليس في الدنيا حمل أثقل من البر لأن من برك فقد أوثقك، ومن جفاك فقد أطلقك.
الحسن بن علي قال: سمعت محمد بن علي الترمذي يقول: من جهل أوصاف العبودية فهو بنعت الربوبية أجهل.
أبو الحسين الفارسي قال: سمعت محمد بن علي الترمذي يقول: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، والمنافق حزنه في وجهه وبشره في قلبه.
وقال: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع عنك نعمته، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.
أسند محمد بن علي عن محمد بن رزام الأيلي.
انتهى ذكر أهل ترمذ بحمد الله ومنه.
ـــــــ
711 - هو: الحكيم الإمام الحافظ العارف، الزاهد، أبو عبد الله، محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الحكيم الترمذي، انظر سير أعلام النبلاء 11/14.

(2/344)