|
صفة الصفوة
ذكر المصطفين من أهل بخارى -
فرغانة - نخشب - منجوران - خراسان والمشرق - عكبرا
ذكر
المصطفين من أهل بخارى
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري
...
ذكر المصطفين من أهل بخارى
712 - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري
يكنى أبا عبد الله.
أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاري: كيف كان بدو أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت حفظ
الحديث وأنا في الكتاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك فقال: عشر سنين أو
أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال
يوماً، فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم. فقلت له:
يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع
إلى الأصل إن كان عندك. فدخل فنظر فيه ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟
قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم. فأخذ القلم مني فأحكم كتابه وقال:
صدقت. فقال له بعض أصحابه: أبن كم كنت إذ رددت عليه؟ قال: ابن إحدى
عشرة سنة. فلما طعنت في سن ست عشرة حفظت كتب ابن المبارك ووكيع، ثم
خرجت مع أمي وأخي إلى مكة فلما حججت رجع أخي وتخلفت بها في طلب الحديث،
فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم،
وصنفت كتاب التاريخ عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليالي
المقمرة.
أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البخاري قال: سمعت أبا عبد
الله محمد بن إسماعيل يقول: لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل
الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومصر.
السعداني قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: قال محمد بن إسماعيل أخرجت هذا
الكتاب، يعني الصحيح، من زهاء ستمائة ألف حديث.
محمد بن يوسف الفربري قال: قال محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتاب
الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
بكر بن منير قال: كان حمل إلى محمد بن إسماعيل بضاعة أنفذها إليه فلان.
فاجتمع
ـــــــ
712 - هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي، أبو عبد الله
البخاري، جبل الحفظ، وإمام الدنيا في فقه الحديث، من الحادية عشرة، مات
سنة ست وخمسين في شوال، له اثنتان وستون سنة.
(2/345)
713 -
عابد بخاري
إبراهيم بن أحمد الخواص قال: سلكت البادية ستة عشر طريقاً على غير
الجادة، فأعجب ما رأيت رجل ليس له يدان ولا رجلان، وعليه من البلاء أمر
عظيم وهو يزحف زحفاً فتحيرت منه وسلمت عليه، فقال لي: وعليك السلام يا
إبراهيم. قال: فقلت له: بم عرفتني ولم ترني
(2/346)
قبلها؟
فقال: الذي جاء بك عرف بيني وبينك. فقتل: صدقت، إلى أين تريد؟ فقال:
إلى مكة، قلت: ومن أين أنت؟ قال: من بخارى فبقيت متعجباً أنظر إليه.
فنظر إلي شزراً وقال: يا إبراهيم تعجب من قوي يحمل ضعيفاً ويرفق به؟ ثم
دمعت عيناه وأرسل الدموع فقلت: لا يا حبيبي، فتركته على حاله ومضيت
أنا. فلما دخلت مكة رأيته يطوف وهو يزحف زحفاً.
انتهى ذكر أهل بخارى.
(2/347)
ومن المصطفين من فرغانة
أبو بكر بن أسماعيل الفرغاني
...
ومن المصطفين من فرغانة:
714 - أبو بكر بن إسماعيل الفرغاني
محمد بن داود قال: ما رأيت في الفقراء أحسن من أبي بكر بن إسماعيل
الفرغاني، وكان ممن يظهر الغنى في الفقر، يلبس قميصين أبيضين ورداء
وسراويل ونعلاً لطيفة وعمامة، وفي يده مفتاح كبير حسن، وليس له بيت،
ينطرح في المساجد، ويطوي الخمس والست دائماً.
(2/347)
ومن المصطفين من نخشب
أبو تراب النخشبي
...
ومن المصطفين من نخشب:
715 - أيوب تراب النخشبي
واسمه عسكر بن الحصين، ويقال عسكر بن محمد بن حصين أبو عبد الله الجلاء
قال: لقيت ستمائة شيخ ما رأيت فيهم مثل أربعة أولهم أبو تراب.
أبو علي الحسن بن خيران الفقيه قال: مر أبو تراب النخشبي بمزين فقال
له: تحلق رأسي لله عز وجل؟ فقال له: اجلس، فجلس. ففيما يحلق رأسه مر به
أمير من أهل بلده فسأل حاشيته فقال لهم: أليس هذا أبا تراب؟ قالوا:
نعم. فقال: أي شيء معكم من الدنانير؟ فقال له رجل من خاصته: معي خريطة
فيها ألف دينار. فقال: إذا قام فأعطه واعتذر إليه وقل له: لم يكن معنا
غير هذه، فجاء الغلام إليه فقال له: إن الأمير يقرأ عليك السلام وقال
لك: ما حضر معنا غير هذه الدنانير. فقال له: ادفعها إلى المزين. فقال
المزين: أي شيء أعمل بها؟ فقال: خذها. فقال: لا والله ولو أنها ألفا
دينار ما أخذتها. فقال له أبو تراب: مر إليه فقل له إن المزين ما أخذها
فخذها أنت فاصرفها في مهماتك.
أبو عبد الله الجلاء قال: قدم أبو تراب مرة إلى مكة فقلت له: يا أستاذ
أين أكلت؟ قال: جئت بفضولك، أكلت أكلة بالبصرة، وأكلت أكلة بالنباج،
وأكلة عندكم.
ـــــــ
715 - هو: النخشبي، الإمام، القدوة شيخ الطائفة، أبو تراب عسكر بن
الحصين النخشبي، أبو تراب بطريق الحج، انقطع فنهشته السباع في سنة خمس
وأربعين ومائتين "السير".
(2/347)
ومن المصطفين من أهل منجوران وهي قري ببلخ
علي بن محمد المنجواني
...
ومن المصطفين من أهل منجوران وهي قري ببلخ:
716 - علي بن محمد المنجوراني
أحمد بن سهل قال: مات أبو علي المنجوراني فخرجنا نعزي ابنه علي بن محمد
فلما رجعنا من دفن أبيه نزع ثيابه ودخل الماء في نهر، وقال: اشهدوا أني
لا أملك اليوم شيئاً مما ورثت عن أبي، لأنه يتخالج في صدري، فإن
واسيتموني بقميص حتى أخرج من الماء فعلتم قال وكان لنا صديقاً مؤانساً
فألقوا إليه قميصاً فخرج من الماء. وكان أبوه ترك مالاً لا يحصى.
(2/348)
ذكر المصطفين من عباد خراسان والمشرق الذين لم تعرف أسماؤهم
...
ذكر المصطفين من عباد خراسان والمشرق الذين لم تعرف بلادهم ولا
أسماؤهم.
717 - عابد
صالح بن عبد الكريم قال: أتى رجل من إخوان فضيل من أهل خراسان فجلس إلى
فضيل في المسجد الحرام فحدثه قال: فقام الخراساني يطوف، فسرقت منه
دنانير، ستين أو سبعين، قال: فخرج الخراساني يبكي، فقال له فضيل: مالك؟
قال: سرقت الدنانير، قال: عليها تبكي؟ قال: لا، قال الخراساني: مثلتني
وإياه بين يدي الله عز وجل فأشرفت على إدحاض حجته فبكيت رحمة له.
718 - عابد آخر
صالح بن أحمد قال: جئت يوماً إلى المنزل فقيل لي: قد وجه أبوك أمس في
طلبك. فقلت: وجهت في طلبي؟ فقال: جاءني رجل أمس كنت أحب أن تراه، بينا
أنا قاعد في نحر الظهيرة إذا أنا برجل يسلم بالباب وكأن قلبي ارتاح
فقمت ففتحت الباب فإذا أنا رجل عليه فروة وعلى أم رأسه خرقة، ما تحت
فروته قميص ولا معه ركوة ولا جراب ولا عكاز، قد لوحته الشمس، فقلت:
ادخل. فدخل الدهليز فقلت: من أين أقبلت؟ قال: من ناحية المشرق، أريد
بعض هذه السواحل ولولا مكانك ما دخلت هذا البلد إلا نويت السلام عليك.
قال: قلت: على هذه الحال؟ قال نعم، ما الزهد في الدنيا؟ قلت: قصر
الأمل.قال: وجعلت أعجب منه، فقلت في نفسي: ما عندي ذهب ولا فضة، فدخلت
البيت فأخذت أربعة أرغفة وخرجت إليه فقلت: ما عندي ذهب ولا فضة وإنما
هذا من قوتي. قال: أويسرك أن أقبل ذلك يا أبا عبد الله؟ قلت: نعم.
فأخذها فوضعها تحت حضنه وقال: أرجو أن تكفيني هذه زادي إلى الرقة.
أستودعك الله. فلم أزل قائماً أنظر إليه إلى أن خرج. وكان يذكره
كثيراً.
719 - عابد آخر
أحمد بن علي الأخميمي قال: كنا ذات يوم عند ذي النون، وقد ذكر كرامات
الله عز وجل لأوليائه، فقال بعض من حضره: أنت رأيت منهم أحداً يا أبا
الفيض؟ فقال ذو النون: كان عندي فتى من أهل خراسان أعجمي بقي عندي في
المسجد سبعة أيام لا يطعم الطعام، وكنت أعرض عليه الطعام فيأبى، فبينا
نحن جلوس ذات يوم دخل سائل يطلب شيئاً، فقال له
(2/349)
الخراساني: لو قصدت الله عز وجل دون خلقه أغناك، فقال السائل: ما لي
هذا المكان، فقال له الخراساني: أي شيء تريد؟ فقال: ما سد فاقتي وستر
عورتي.فقام الخراساني إلى المحراب وصلى ركعتين ثم أتاه بثوب جديد وطبق
فيه فاكهة وأعطاه السائل.قال ذو النون: فقلت له: يا عبد الله لك هذا
الجاه عند الله عز وجل وأنت منذ سبعة أيام لم تطعم شيئاً؟ فجثا على
ركبتيه وقال: يا أبا الفيض، كيف نبسط الألسن بالمسألة والقلوب ممتلئة
بأنوار الرضا عنه؟.
قال ذو النون: فقلت له: فالراضون لا يسألون شيئاً. فقال: منهم من يسأل
من باب الإدلال، ومنهم من يملؤه غنى به، ومنهم من يستخرج المسألة منه
عطفه على غيره.ثم أقيمت الصلاة فصلى معنا العشاء الآخرة وأخذ ركوته
وخرج من المسجد كأنه يريد الطهارة. فلم أره بعد ذلك رضي الله عنه
وأرضاه.
720 - عابد من وراء النهر
عبد الله بن الفرج قال: حدثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان، قال:
كنت يوماً في مجلس لي له منظرة إلى الطريق فإذا أنا بشيخ عليه أطار،
وكان يوماً حاراً فجلس في فيء القصر ليستريح فقلت للخادم: اخرج إلى هذا
الشيخ فأقرئه مني السلام وسله أن يدخل إلينا فقد أخذ بمجامع قلبي.فخرج
إليه فقام فدخل إلي فسلم فرددت عليه السلام واستبشرت بدخوله؛ وأجلسته
إلى جانبي وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل. فقلت له: من أين أقبلت؟
فقال: من وراء النهر. فقتل: أين تريد؟ قال: الحج إن شاء الله. قال وكان
ذلك أول يوم من العشر أو الثاني. فقلت: في هذا الوقت؟ قال: يفعل الله
ما يشاء. فقلت: فالصحبة؟ فقال: إن أحببت ذلك.حتى إذا كان الليل قال لي:
قم فلبست ما يصلح للسفر وأخذ بيدي وخرجنا من بلخ فمررنا بقرية لنا
فلقيني رجل من الفلاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه فقدم إلينا خبزاً
وبيضاً، وسألنا أن نأكل فأكلنا، وجاء بماء فشربنا ثم قال: بسم الله قم،
فأخذ بيدي فجعلنا نسير وأنا أنظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج
فمررنا بمدينة بعد مدينة فجعل يقول: هذه مدينة كذا، وهذه مدينة كذا،
هذه الكوفة، ثم إنه قال لي: الموعد ها هنا في مكانك هذا في الوقت
الفلاني، يعني من الليل.حتى إذا كان الوقت إذا به قد أقبل فأخذ بيدي
وقال: بسم الله. باسم الله. قال: فجعل يقول: هذا منزل كذا، هذا منزل
كذا، وهذا منزل كذا، وهذه فيدور، هذه المدينة. وأنا أنظر إلى الأرض
تجذب من تحتنا كأنها الموج.فصرنا إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فزرناه ثم فارقني وقال لي: الوعد في الوقت من الليل في المصلى،حتى
(2/350)
إذا كان
الوقت خرجت فإذا به في المصلى فأخذ بيدي ففعل كفعله في الأولى والثانية
حتى أتينا مكة في الليل، ففارقني فقبضت عليه فقلت: الصحبة؟ فقال: إني
أريد الشام. فقتل: أنا معك. فقال لي: إذا انقضى الحج فالموعد ها هنا
عند زمزم.حتى إذا انقضى الحج إذا أنا به عند زمزم فأخذ بيدي فطفنا
بالبيت ثم خرجنا من مكة ففعل كفعله الأول والثاني والثالث، فإذا نحن
ببيت المقدس. فلما دخل المسجد قال لي: عليك السلام أنا على المقام ههنا
إن شاء الله تعالى، ثم فارقني فما رأيته بعد ذلك ولا عرفني اسمه.
قال إبراهيم: فرجعت إلى بلدي أسير سير الضعفى منزلاً بعد منزل حتى رجعت
إلى بلخ فكان أول أمري.قلت: قد انتهينا بحمد الله ومنه إلى نهاية
المشرق ونحن نعود إلى مركزنا وهو مدينة السلام بغداد فنرتقي إلى ديار
الشام والمغرب والله الموفق.
(2/351)
ذكر المصطفين من أهل عكبرا
ابو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطه
...
فمن المصطفين من أهل عكبراء:
721 - أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة
وكان عالماً عابداً.
القاضي أبو حامد أحمد بن محمد اللؤلؤي قال: لما رجع أبو عبد الله بن
بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير يوماً منها في السوق ولا
رئي مفطراً إلا في يومي الأضحى والفطر، وكان أماراً بالمعروف، ولم
يبلغه خبر منكر إلا غيره. أو كما قال.
أحمد بن علي قال: أخبرني القطيعي قال: توفي أبو عبيد الله بن بطة في
المحرم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة.
ـــــــ
721 - هو: عبيد الله بن محمد حمدان العكبري الحنبلي، ابن بطة، الإمام
القدوة العابد، الفقيه المحدث، شيخ العراق مصنف كتاب "الإبانة الكبرى"
في ثلاث مجلدات، انظر سير أعلام النبلاء 12/538.
(2/351)
|