صفة الصفوة

ذكر المصطفين من أهل الموصل - الرقة - الشام

ذكر المصطفين من أهل الموصل
المعافى بن عمران ابو مسعود الأزدي
...
ذكر المصطفين من أهل الموصل:
722 - المعافى بن عمران أبو مسعود الأزدي
جمع العلم والتقوى والورع.
علي بن خشرم قال: سمعت بشراً الحافي، وقال له رجل: ألا أراك عاشقاً للمعافى بن عمران، فقال: ما لي لا أعشقه، وكان الثوري يسميه الياقوتة.
ـــــــ
722 - هو: المعافى بن عمران الأزدي، أبو مسعود الموصلي، ثقة عابد فقيه، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ست.

(2/351)


723 - فتح بن محمد بن وشاح الأزدي الموصلي
ويكنى أبا محمد.
محمد بن الوليد قال: سمعت فتح بن محمد الأزدي يقول في جوف الليل: رب أجعتني وأعريتني، وفي ظلم الليل أجلستني، فبأي وسيلة أكرمتني هذه الكرامة؟ وكان يبكي ساعة ويفرح ساعة.
ـــــــ
723 - هو: فتح الموصلي "الكبير" زاهد زمانه، فتح بن محمد بن وشاح الأزدي الموصلي، أحد الأولياء، ويكنى أبا محمد توفي سنة سبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وستيني انظر حلية الأولياء 7/265.

(2/352)


المعافى بن عمران قال: دخلت على فتح الموصلي فرأيته قاعداً في الشمس وصبية له عريانة وابن له مريض، فقلت له: ايذن لي حتى أكسو هذه الصبية. قال: لا، قلت: ولم؟ قال: دعها حتى يرى الله عز وجل ضرها وصبري عليها فيرحمني.
قال: فتجاوزت إلى الصبي فقعدت عند رأسه فقلت: حبيبي ألا تشتهي شيئاً حتى أحمله؟ قال: ومن أنت؟ قلت: معافى بن عمران فرفع رأسه إلى السماء وقال: مني الصبر ومنك البلاء.
أبو غسان المؤذن قال: خرجنا حجاجاً فأردنا غسل ثيابنا بمكة فأرشدنا إلى رجل له صلاح من أهل فارس، يغسل للناس ثيابهم ويتجر على الضعفاء فيغسل ثيابهم بغير أجرة فأتيناه فقال: ممن أنتم؟ قلنا: من أهل الموصل: قال: تعرفون فتحاً؟ قلنا: نعم. قال: ما فعل؟ قلنا: مات، قال: فتوجع عليه وأظهر حزناً، فقلنا: كيف تعرفه وأنت رجل من أهل فارس وهو بالموصل؟ قال: رأيت في منامي عدة ليال أن إيت فتحاً الموصلي فإنه من أهل الجنة. فخرجت من فارس حتى أتيت الموصل فسألت عنه فقيل لي هو على الشط، فأتيته فإذا رجل ملتف بكسائه وقد ألقى شصاً له في الماء فسلمت عليه فرد علي فقلت له: أتيتك زائراً. قال: فلف الشص وقام فدخلنا المسجد وغربت الشمس وصلينا وتفرق الناس.فأتى بطعام فأكلنا ثم نودي بالعشاء الآخرة فصلينا وتفرق الناس وقام فتح في صلاته ورميت بنفسي فإذا رجل قد دخل علينا المسجد فسلم وصلى إلى جنب فتح ركعتين وقعد فسلم عليه فتح رسالة، فقال له الرجل: متى عهدك بأبي السري؟ قال: ما لي به عهد منذ أيام. قال: فقم بنا إليه فإنه معتل.قال: فخرجنا من المسجد وأنا أنظر إليهما حتى مضيا إلى دجلة يمشيا على الماء فقعدت أنظر رجوعهما فجاء أحدهما في آخر الليل فإذا هو فتح فدخلت عليه المسجد فرميت نفسي كأني نائم، فلما أسفر الصبح وصلينا وتفرق الناس قمت إليه فقلت: يا أبا محمد قد قضيت من زيارتك وطراً وقد رأيت الرجل الذي أتاك البارحة وما كان منكما، فجعل يعارضني. فلما علم أني قد علمت الخبر أخذ علي العهود أن لا أعلم بذلك أحداً ما علمت أنه حي، وقال لي: ذاك الخضر وأبو السري حمزة الخولاني، وهو رجل صالح في هذه القرية، وأشار بيده إليها، وقال: اجعل طريقك عليه فالقه وسلم عليه فمضيت إليه وسلمت عليه.ذكر المعافى بن عمران أنه لم يلق أحداً أعقل من فتح هذا.
وقال أبو نصر التمار توفي في سنة سبعين ومائة رحمة الله عليه.

(2/353)


724 - فتح بن سعيد الموصلي
يكنى أبا نصر، وقد يشتبه هذا بالذي قبله إذا قيل: فتح الموصلي، وهما اثنان معروفان عند أهل العلم وإذا فرق بينهما بالكنية أو باسم الأرب تبايناً. وقد حكي عن هذا نحو الحكاية التي حكيناها عن الأول في حق أولاده ويحتمل أن يكون عن الأول.
أبو بكر بن عفان قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: بلغني أن بنتاً لفتح الموصلي عريت فقيل له: ألا تطلب من يكسوها؟ فقال: لا، أدعها حتى يرى الله عز وجل عريها وصبري عليها. قال: فكان إذا كان ليالي الشتاء جمع عياله وقال بكسائه عليهم ثم قال: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي، وجوعتني وجوعت عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي؛ فبأي وسيلة توسلتها إليك، وإنما تفعل هذا بأوليائك وأحبائك، فهل أنا منهم حتى أفرح.
إبراهيم بن نوح الموصلي قال: رجع فتح الموصلي إلى أهله بعد العتمة وكان صائماً فقال: عشوني، فقالوا: ما عندنا شيء نعشيك به. قال: فما لكم جلوساً في الظلمة؟ قالوا ما عندنا شيء نسرج ولا سراج؟ بأي يد كانت مني؟ فما زال يبكي إلى الصباح.
أبو بكر بن عفان قال: سمعت بشر بن الحارث يقول: بلغني عن فتح الموصلي أنه كان يتجزأ بفلس في اليوم يشتري به نخالة.
إبراهيم بن عبد الله قال: صدع فتح الموصلي، ففرح وقال: يا رب ابتليتني ببلاء الأنبياء، فشكر هذا أن أصلي الليلة أربعمائة ركعة.
بشر بن حارث قال: قال فتح الموصلي: من أدام النظر بقلبه ورثه ذلك الفرح بالمحبوب، ومن آثره على هواه ورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ورعى حقه وخافه بالغيب، ورثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم.
أبو جعفر، ابن أخت بشر بن الحارث، قال: كنت يوماً واقفاً ببابنا إذا أقبل شيخ ثائر الشعر ملتف بالعباء فقال لي: بشر في البيت؟ قلت: نعم فقال: ادخل فقل: فتح بالباب. قال: فخرج مسرعاً فصافحه واعتنقه فقال له الشيخ: يا أبا نصر إني ذكرتك البارحة فاشتقت إلى لقائك. قال: فدفع إلي درهماً فقال: خذ بأربعة دوانيق خبزاً، ويكون جيداً، وبدانقين تمراً. قال الشيخ:
ـــــــ
724 - هو: فتح الموصلي، الزاهد، الولي العابد، أبو نصر، فتح بن سعيد الموصلي، توفي سنة عشرين ومائتين انظر سير أعلام النبلاء 9/179.

(2/354)


قل له: يكون شهريزاً فجئته به. فقال الشيخ: قل له يأكل معنا. فقال: كل معنا فأكلت معهم. فلما أكلنا أخذ ما فضل في طرف العباء ومضى، فخرج خالي معه يشيعه إلى حرب. فلما رجع قال لي: يا بني. تدري من هذا؟ قلت لا، قال: هذا فتح الموصلي.
محمد بن الصلت قال: كنت عند بشر بن الحارث فجاء رجل فسلم على بشر، فقام بشر غليه فقمت لقيامه، فمنعني. فلما سكن الرجل أخرج بشر درهماً صحيحاً وقال: أخرج واشتر خبزاً وزبداً وتمر برني.قال: فخرجت واشتريت وحملته فوضعته بين يديه، فأكل الرجل وحمل الباقي وقام فخرج، فلما خرج قال لي بشر: يا بني تدري لم منعتك عن القيام له؟ قلت لا. قال: لأنه لم يكن بينك وبينه معرفة فكان قيامك لقيامي فأردت أن لا يكون قيامك إلا لله خالصاً، وتدري لماذا دفعت إليك الدرهم وقلت اشتر كذا وكذا؟ قلت: لا. قال: إن طيب الطعام يستخرج خالص الشكر لله تعالى، وتدري لم حمل الباقي؟ قلت لا - قال: عندهم إذا صح التوكل لم يضر الحمل، وهذا فتح الموصلي جاءنا زائراً.
عن أحمد بن أبي الحواري أنه قال: سمعت شيخاً من أصحاب فتح الموصلي قال: كانت لفتح الموصلي بضاعة عند أخ له يعمل بها في البر والبحر، فبعث فتح فاستردها وأنفقها وقال: رأيت قلبي يميل إليها فكرهت أن تكون ثقتي سواه.
إبراهيم بن موسى قال: رأيت فتحاً الموصلي يوم عيد وقد رأى على الناس الطيالس والعمائم. قال: فقال لي: يا إبراهيم إنما ترى ثوباً وجسداً يأكله الدود غداً، هؤلاء أنفقوا خزائنهم على بطونهم وظهورهم ويقدمون على ربهم مفاليس.
عبد الله بن الفرج قال: قال فتح الموصلي: كبرت على خطاياي وكثرت حتى لقد آيستني من عظيم عفو الله عز وجل قال: ثم قال: وإني آيس منك وأنت الذي جدت على السحرة بعد أن غدوا كفرة فجرة؟ وإني آيس منك وأنت ولي كل نعمة وأني آيس منك وأنت المؤمل لكل فضل ومعروف، وأني آيس منك وأنت المغيث عند الكرب ولم يزل يقول: آيس منك، حتى سقط مغشياً عليه.
عمران بن موسى الطرسوسي قال: مر فتح الموصل بصبيين مع أحدهما كسرة عليها عسل ومع الآخر كسرة عليها كامخ. فقال الذي معه الكامخ للذي معه العسل: أطعمني من خبزك قال: إن كنت كلباً لي أطعمتك. قال: نعم. فأطعمه من خبزه وجعل في فمه خيطاً وجعل يقوده فقال فتح: لو رضيت بخبزك ما كنت كلباً لهذا.
قال أبو موسى: فهكذا الدنيا.

(2/355)


عثمان بن عمارة قال: غبت غيبة فلما قدمت لقيت فتحاً الموصلي في حانوت سالم الدورقي. فقال لي: يا بصري أي شيء رأيت في غيبتك؟ فقلت: رأيت عجائب كثيرة وأخباراً مختلفة. فصاح صيحة. فقلت: أنت تصيح من الخبز، فكيف لو شاهدت القيامة أو شاهدت صاحب القيامة؟ فشهق شهقة ووثب من الحانوت فخر مغشياً عليه فحملناه فأدخلناه الحانوت فما زال مغشياً عليه إلى العصر، فلما صليت العصر تنفس ثم فتح عينيه.
رياح بن الجراح العبدي قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له عيسى التمار فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي إلى كيس أخي، فأخرجته فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بمجيء فتح وأخذه الدرهمين فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة. فنظر فإذا هي مصادفة فعتقت.
محمد بن عبد الرحمن بن حبيب الطفاوي قال: دخلت على فتح الموصلي وهو يوقد بالآجر. وكان فتح رجلاً من العرب، وكان شريفاً زاهداً.
عبد الله بن الفرج العابد قال: كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل.
قال: فمر ذات ليلة برجل وهو يتهجد على سطحه وهو يقرأ: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} آل عمران قال: فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه فلم يزل على حاله تلك حتى أصبح فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحاً الموصلي فاستأذنه في صحبته فكان يصحبه ويخدمه.
قال: وبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعشي من الأخرى، فقلت له ذات يوم: حدثني ببعض أمر فتح الموصلي، قال فبكى ثم قال: أخبرك عنه: كان والله كهيئة الروحانيين، معلق القلب بما هناك، ليست له في الدنيا راحة. قلت: على ذاك قال: شهدت العيد ذات يوم بالموصل ورجع بعد ما تفرق الناس ورجعت معه فنظر إلى الدخان يفور من نواحي المدينة فبكى ثم قال: قد قرب الناس قربانهم، فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه.
فجئت بماء فمسحت به وجهه، فأفاق ثم مضى حتى دخل بعض أزقة المدينة رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قد علمت طول غمي وحزني وتردادي في أزقة الدنيا، فحتى متى تحبس أيها المحبوب؟ ثم سقط مغشياً عليه فجئت بماء فمسحت على وجهه فأفاق. فما عاش بعد ذلك إلا أياماً حتى مات رحمه الله.
إبراهيم بن موسى قال: رأيت فتحاً الموصلي في يوم عيد أضحى وقد شم ريح

(2/356)


القتار، فدخل إلى زقاق فسمعته يقول: تقرب المتقربون بقربانهم وأنا أتقرب إليك بطول حزني يا محبوب، كم تتركني في أزقة الدنيا محبوساً؟ ثم غشي عليه وحمل فدفناه بعد ثلاث.
إسماعيل بن هشام، عن بعض أصحاب فتح الموصلي قال: دخلت عليه يوماً وقد مد كفيه يبكي، حتى رأيت الدموع من بين أصابعه تنحدر. فدنوت منه لأنظر إليه فإذا دموعه قد خالطتها صفرة. فقلت: بالله يا فتح بكيت الدم؟ فقال: لولا أنك حلفتني بالله عز وجل ما أخبرتك، بكيت دماً. فقلت: على ماذا بكيت الدموع؟ وعلى ماذا بكيت الدم؟ فقال: بكيت الدموع على تخلفي عن واجب حق الله عز وجل، وبكيت الدم على الدموع خوفاً أن تكون ما صحت لي الدموع.
قال الرجل: فرأيت فتحاً بعد موته في المنام. فقلت: ما صنع الله بك؟ فقال غفر لي، قلت: فما صنع في دموعك؟ فقال: قربني ربي عز وجل وقال لي: يا فتح؛ الدمع على ماذا؟ قلت: يا رب على تخلفي عن واجب حقك. قال: فالدم لم بكيت؟ فقلت: يا رب على دموعي خوفاً أن لا تصح لي فقال لي: يا فتح ما أردت بهذا كله؟ وعزتي لقد صعد إلي حافظاك أربعين سنة بصحيفتك ما فيها خطيئة.
أدرك فتح عيسى بن يونس وأقرانه وأسند عن عيسى وتوفي سنة عشرين ومائتين.

(2/357)


725 - سباع الموصلي
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت المضاء يقول لسباع الموصلي يا أبا محمد إلى أي شيء أفضى بهم الزهد؟ قال: إلى الأنس به.
ـــــــ
725 - هو: سباع الموصلي، له الحفظ النفيس في التمتع برياض التأنيس: انظر حلية الأولياء 10/141.

(2/357)


726 - أحمد الموصلي
عن أحمد الميموني، من ولد ميمون بن مهران، قال: قدم علينا أحمد الموصلي فأتيته فقال لي: يا أحمد إن تعمل فقد عمل العاملون قبلك، وإن تعبد فقد تعبد المتعبدون قبلك، أولئك الذين قربوا الآخرة وباعدوا الدنيا، أولئك الذين ولي الله إقامتهم على الطريق فلم يأخذوا يميناً ولا شمالاً، فلو سمعت نغمة من نغماتهم المختمرة في صدورهم، المتغرغرة في حلوقهم لغيبت عليك عيشك، ولطردت عنك البطالة أيام حياتك.
ـــــــ
726 - هو: أحمد الموصلي، كان من عباد الشاميين، شرب شراب المشتاقين، انظر حلية الأولياء 10/139.

(2/357)


ذكر المصطفيات من عابدات الموصل
ألوف الموصلية
...
ذكر المصطفيات من عابدات الموصل
727 - ألوف الموصلية
أبو سليمان قال: خطب رجل امرأة من أهل الموصل يقال لها ألوف فقالت للرسول: قل له ما يسرني أنك لي عبد وجميع ما تملكه لي، وأنك شغلتني عن الله عز وجل طرفة عين.

(2/358)


728 - رقية
عبيد الله بن عمر بن عبيد المعمري قال: أنبأ جدي قال: سمعت فتحاً الموصلي يقول: سمعت امرأة متعبدة عندنا تقول: إلهي وسيدي ومولاي لو أنك عذبتني بعذابك كله لكان ما فاتني من قربك أعظم عندي من العذاب، ولو نعمتني بنعيم أهل الجنة كلهم كانت لذة حبك في قلبي أكثر.
قلت: هذه العابدة هي رقية.
منصور بن محمد قال: قالت رقية الموصلية: إني لأحب ربي حباً شديداً فلو أمر بي إلى النار ما وجدت للنار حرارة مع حبه، ولو أمر بي إلى الجنة لما وجدت للجنة لذة مع حبه، لأن حبه هو الغالب علي.
محمد بن كثير المصيصي قال: قالت رقية العابدة، وكانت بالموصل: حرام على قلب فيه رهبانية المخلوقين أن يذوق حلاوة الإيمان، شغلوا قلوبهم بالدنيا عن الله عز وجل ولو تركوها لجالت في الملكوت ورجعت إليهم بطرف الفوائد.
وكانت تقول تفقهوا في مذاهب الإخلاص ولا تفقهوا فيما يؤديكم إلى الركوب على القلاص.

(2/358)


729 - أمية بنت أبي المورع
أبو الوليد، رياح بن أبي الجراح العبدي، قال: ما رأيت قط مثل أمية بنت أبي المورع الموصلية، وكانت من الخائفين، وكانت إذا ذكرت النار قالت: أدخلوا النار، وأكلوا من النار، وشربوا من النار، وعاشوا. ثم تبكي، وكان بكاؤها أطول من ذلك، وكانت كأنها جبة على مقلي، وكانت إذا ذكرت النار بكت وأبكت دماً وما رأيت أحداً أشد خوفاً ولا أكثر بكاء منها.

(2/358)


730 - موافقة ويقال موفقة
أبو عبد الله الحصري قال: سمعت فتحاً الموصلي يقول مرت بي امرأة متعبدة يقال لها: موافقة، فعثرت فسقط ظفر إبهامها، فضحكت، فقيل لها يا موافقة يسقط إبهامك وتضحكين؟ فقالت: إن حلاوة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.
عبد الله بن حبيق قال: مرت بفتح الموصلي امرأة يقال لها: موفقة، فعثرت فسقط ظفر إبهامها فضحكت، فقيل لها يا موفقة سقط ظفر إبهامك وتضحكين؟ فقالت: والله إن حلاوة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.
وقد روي أن هذه القصة جرت لامرأة فتح الموصلي.
قال زيد بن أبي الزرقاء: عثرت امرأة فتح الموصلي فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها فأين ما تجدينه من حرارة الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه.

(2/359)


731 - راهبة الموصلية
أحمد بن أبي الحواري قال: حدثتني امرأتي رابعة قالت: دخلت على أخت لي عاتق بالموصل، فقالت لي: هل تدرين ما معنى قوله: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} الشعراء؟ قالت: قلت لا، قالت: القلب السليم الذي يلقى الله عز وجل وليس فيه شيء غير الله عز وجل قال أحمد: حدثت بهذا أبا سليمان فقال: ليس هذا كلام الراهبة هذا كلام الأنبياء.
انتهى ذكر أهل الموصل بحمد الله ومنه.

(2/359)


ذكر المصطفين من أهل الرقة
ميمون بن مهران
...
ذكر المصطفين من أهل الرقة
732 - ميمون بن مهران
يكنى أبا أيوب.
مولى بني نصر - وقيل مولى الأزد ولد سنة أربعين.
عن جعفر عن ميمون بن مهران قال: قال لي عمر بن عبد العزيز مواليك؟ قلت: كانت أمي مولاة للأزد وكان أبي مكاتباً من لبني نصر. فقال لي عمر: يا ميمون أنت مولى للأزد.
خلف بن حوشب قال: تكارينا مع ميمون بن مهران دواب إلى مكان فقال ميمون: لولا أن الدواب بكراء لمررنا على آل فلان.
جعفر بن برقان قال: قال ميمون بن مهران: يا جعفر قل لي في وجهي ما أكره فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره.
أبو المليح عن ميمون قال: لا تضرب المملوك في كل ذنب، ولكن احفظ ذلك له فإذا عصى الله عز وجل فعاقبه على معصية الله، وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه.
أبو المليح قال: ما رأيت أحداً أفضل من ميمون بن مهران، قال له رجل يوماً: يا أيوب أي شيء تشتكي أراك مصفراً؟ قال: نعم لما يبلغني في أقطار الأرض.
عبد الملك الميموني قال: سمعت أبي يقول: سمعت عمي عمر يقول: ما كان أبي يكثر الصيام ولا الصلاة ولكنه كان يكره أن يعصي الله عز وجل.
قال: وسمعت أبي يقول: وددت أن إصبعي قطعت من ها هنا وأني لم أل. فقلت: ولا لعمر؟ قال: لا لعمر ولا لغيره.
أبو المليح قال: سمعت ميموناً يقول: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: رجل نائب، ورجل يعمل في الدرجات.
جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجلواً مثل المرآة، ما يأتيه
ـــــــ
732 - هو: ميمون بن مهران الجزري، أبو أيوب، أصله كوفي، نزل الرقة، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة سبع عشرة.

(2/360)


الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء فلا يزال ينكت في قلبه حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من حيث يأتيه.
قال: وسمعت ميمون بن مهران يقول: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، حتى يعلم من أين مطعمه؟ ومن أين ملبسه؟ ومن أين مشربه؟ أمن حل ذلك أم من حرام؟.
أبو المليح عن ميمون قال: الصبر صبران، والذكر ذكران: فذكر الله عز وجل باللسان حسن، وأفضل منه أن تذكر الله عز وجل عندما تشرف عليه من معاصيه، والصبر عند المصيبة حسن وافضل منه أن تصبر نفسك على ما تكره من طاعة الله عز وجل وإن ثقل عليك.
قال ميمون: وأدركت من لم يتكلم إلا بحق أو يسكت، وقد أدركت من لم يكن يتكلم بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس إلا بما يصعد، وقد أدركت من لم يملأ عينيه من السماء فرقاً من ربه عز وجل، ولو أن بعض من أدركت نشر حتى يعاينكم ما عرف منكم شيئاً إلا قبلتكم.
عيسى بن كثير الأسدي قال: مشيت مع ميمون بن مهران حتى إذا أتى باب داره ومعه ابنه عمرو، فلما أردت أن أنصرف قال له عمرو: يا أبة ألا تعرض عليه العشاء؟ قال ليس ذلك من نيتي.أسند ميمون عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما. وتوفي في سنة سبع عشرة ومائة.

(2/361)


733 - حناذ القلاء
حذيفة المرعشي قال: مررت بالرقة بأصحاب السويق، ورجل يبيع السويق عليه بتة وهو مقبل على غلامين، وعلى رأسه كمة دنسة فقلت: لو ألقيت هذه الكمة.
فقال: أصبت قلبي يصلح عليها. قلت: أراك مقبلاً على الغلامين أفمن حبهما؟ قال: إني أجل الله عز وجل أن أشغل قلبي بحب أحد مع حبه، ولكن أرحمهما.
حذيفة العابد، صاحب يوسف بن أسباط، قال: لما اصطلح الروم والعرب قلت: فما أصنع الآن في الرباط؟ فخرجت حتى أتيت الرقة فجئت إلى قوم قلائين، فقلت أعمل معكم فتنظرون إلى عمل فتجزون من الكراء بقدر ما أستحقه. قالوا نعم. فجعلت أعمل معهم. وكان ثم شيخ جالس بين يديه زنبيل سويق يبيع، على رأسه قلنسوة سوداء مخرقة وفرو مخرق وبين يديه صبيان يلعبان ويقتتلان، وهو متشاغل بهما يزجرهما وينهاهما.
قال: فقلت له: أني أحسبك تحبهما. قال: لا والله ما أحبهما، ولكن أرحمهما، وما أحد أحب إلي من الله عز وجل.قال: فأعجبني قوله وأنست به، وكان ثم شباب رفث بعضهم على بعض فقلت له: ألا تنهى هؤلاء الشباب؟ فقال: إني لأجل الله عز وجل أن أذكره عند

(2/361)


مثل هؤلاء، قال: فأعجبتني مقالته فقلت: كيف حبك لمدحة الناس؟ قال: ما أحب أن لي ملء بيت دنانير وأنه يقع في قلبي حب مدحة الناس لي، فقلت: فما هذه القلنسوة على رأسك؟ قال: وجدت قلبي يصلح عليها.
قال حذيفة: فلم أر أحداً إن شاء الله كان أصدق منه. قيل له: أين كان من يوسف بن أسباط؟ قال: ما كان يوسف بن أسباط يصلح إلا شاكرداً لذلك.
قال أبو عمر: فذكرت ذلك لبعض الرقيين فقال: ذاك حناذا القلاء.

(2/362)


734 - توبة بن الصمة
عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا قال: حدثني رجل من قريش، ذكر أنه من ولد طلحة بن عبيد الله، قال: كان توبة بن الصمة بالرقة وكان محاسباً لنفسه، فحسب فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتا: ألقى المليك بأحد وعشرون ألف ذنب، كيف؟ وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب ثم خر مغشياً عليه فإذا هو ميت. فسمعوا قائلاً يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى رضي الله عنه.

(2/362)


735 - إبراهيم بن داود القصار أبو إسحاق الرقي
أبو بكر بن شاذان قال: سمعت إبراهيم القصار يقول: المعرفة إثبات الرب عز وجل خارجاً عن كل موهوم.
وقال إبراهيم: الأبصار قوية والبصائر ضعيفة.
وقال: من اكتفى بغير الكافي افتقر من حيث استغنى.
وقال: الكفايات تصل إليك بلا تعب والأشغال والتعب في الفضول.
وقال: أضعف الخلق من ضعف عن رد شهواته، وأقوى الخلق من قوي على ردها.
إبراهيم بن أحمد بن المولد يقول: سأل رجل إبراهيم القصار فقال: هل يبدي المحب حبه؟ أو هل ينطق به؟ أو هل يطيق كتمانه؟ فأنشأ يقول متمثلاً:
ظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف
حملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
قال السلمي: إبراهيم بن داود من جلة مشايخ الشام، من أقران الجنيد وابن الجلاء عمر، وصحبه أكثر مشايخ الشام، وكان لازماً للفقر مجرداً فيه، محباً لأهله. توفي سنة ست وعشرين وثلاثمائة.
ـــــــ
735 - هو: إبراهيم بن داود القصار، أبو إسحاق، ذو الهم المخزون والبيان الموزون: انظر حلية الأولياء 10/378.

(2/362)


ذكر المصطفيات من عابدات الرقة
736 - عابدة
عبيد الله بن الخالق قال: سبى الروم نساء مسلمات، فبلغ الخبر الرقة وبها هارون الرشيد أمير المؤمنين، فقيل لمنصور بن عمار: لو اتخذت مجلساً بالقرب من أمير المؤمنين فحرضت الناس على الغزو، ففعل، فبينا هو يذكرهم ويحرض إذا نحن بخرقة مصرورة مختومة قد طرحت إلى منصور، وإذا كتاب مضموم إلى الصرة ففك الكتاب فقرأه فإذا فيه: إني امرأة من أهل البيوتات من العرب، بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضك الناس على الغزو، وترغيبك في ذلك، فعمدت إلى أكرم شيء من بدني وهمنا ذؤابتاي فقطعتهما وصررتهما في هذه الخرقة المختومة، وأناشدك بالله العظيم لما جعلتهما قيد فرس غاز في سبيل الله، فعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال نظرة فيرحمني بها. قال: فبكى وأبكى الناس، وأمر هارون أن ينادى بالنفير، فغزا بنفسه فأنكى فيهم وفتح الله عليهم. قلت: هذه امرأة حسن قصدها وغلطت في فعلها، لأنها جهلت أن ما فعلت منهي عنه، فلينظر إلى قصدها.
737 - عابدة أخرى
من أهل الشام نقل عنها مثل هذه.
بلغنا عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميراً على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها. ثم تفرق الناس وركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تنادي: يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان. فمضيت ولم أجب. ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية. فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى غلام غر راجل ولا آمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا فقال:

(2/363)


أتأمرني بالرجوع؟ وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} الأنفال.
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة أقرضني ثلاثة أسهم فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط: إن من الله بالشهادة أكون في شفاعتك، قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهماً في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة. ورمى به فقتل رومياً. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك يا أبا قدامة فقتل رومياً. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودع.
فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها. فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي ثم مات.
فحفرت له ودفنته. فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها. فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقتل: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتاً يقول: يا أبا قدامة اترك ولي الله.
فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي فلما رأتني عادت وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة ليس معه أخي، فقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي.
فخرجت أمه إلي فقالت: أمعزياً أم مهنئاً؟ فقلت: ما معنى هذا؟ فقالت: إن كان مات فعزني، وإن كان استشهد فهنئني. فقلت: لا بل مات شهيداً. فقالت: له علامة فهل رأيتها؟ قلت: نع لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها فقالت: الحمد لله. فسلمت إليها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحاً وغلاً من حديد، وقالت: إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح وغل نفسه بهذا الغل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: أحشرني من حواصل الطيور. فقد استجاب الله دعاءه.
انتهى ذكر أهل الرقة بحمد الله ومنه.

(2/364)


ذكر المصطفين من أهل الشام
من الطبقة الأولى من التابعين ومن بعدهم
عمرو بن الأسود السكوني
...
ذكر المصطفين من أهل الشام
من الطبقة الأولى من التابعين ومن بعدهم:
738 - عمرو بن الأسود السكوني
عن حكيم وضمرة بن حبيب قالا: قال عمر بن الخطاب: من سره أن ينظر إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هدي عمرو بن الأسود1. عن يحيى بن جابر الطائي قال: قال عمرو بن الأسود: لا ألبس مشهوراً أبداً ولا أملأ جوفي من طعام بالنهار أبداً حتى ألقاه.
ابن عياش، عن شرحبيل أن عمرو بن الأسود كان يدع كثيراً من الشبع مخافة الأشر، وكان إذا خرج من بيته إلى المسجد قبض يمينه على شماله مخافة الخيلاء.
أبو بكر بن عبد الله الغساني، عن المشيخة، أن عمرو بن الأسود يشتري الحلة بمائتين ويصبغها بدينار ويخمرها النهار كله، ويقوم فيها الليل كله.
أسند عمرو عن معاذ، وعبادة، والعرباض، في آخرين.
ـــــــ
738- هو: عمرو بن الأسود العنسي -بالنون - وقد يصغر، يكنى أبا عياض، حمصي سكن داريا، مخضرم ثقة عابد، من كبار التابعين، مات في خلافة معاوية.
1 أخرجه الإمام أحمد في المسند رقم 115.

(2/364)


739 - أبو عبد الله الصنابحي واسمه: عبد الرحمن بن عسيلة
عن محمود بن الربيع قال: كنا عند عبادة بن الصامت فأقبل الصنابحي فقال عبادة: من سره أن ينظر إلى رجل كأنما رقي به فوق سبع سموات فعمل ما عمل على ما رأى فلنظر إلى هذا، أسند الصنابحي عن أبي بكر الصديق، ومعاذ، وعبادة في آخرين.
ـــــــ
739 - هو: عبد الرحمن بن عسيلة -بمهملتين - مصغر، المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، ثقة، من كبار التابعين، قدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك.

(2/365)


740 - يزيد بن الأسود يكنى أبا الأسود الجرشي
عن سليم بن عامر الخبائري أن الشام قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق
ـــــــ
740 - هو: الجرشي، يزيد بن الأسود، ويقال: أبو عمرو الجرشي من سادة التابعين بالشام، يسكن بالغوطة، بقرية زبدين أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وله دار بداخل باب شرقي، انظر سير أعلام النبلاء 5/156.

(2/365)


يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى، فأمره معاوية فصعد المنبر فقعد عند رجليه. فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك إلى الله. فرفع يديه ورفع الناس، فما كان أوشك أن ثارت سحابة في الغرب كأنها ترس وهبت لها ريح فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم.
عن علي بن أبي جملة قال: أصاب الناس قحط بدمشق، وعلى الناس الضحاك بن قيس الفهري، فخرج بالناس يستسقي، فقال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد، ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فلم يجبه أحد ثم قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ عزمت عليه إن كان يسمع كلامي إلا قام وعليه برنس فاستقبل الناس بوجهه ورفع جانبي برنسه على عاتقيه ثم رفع يديه، ثم قال: اللهم يا رب إن عبادك تقربوا إليك فاسقهم، قال: فانصرف الناس وهم يخوضون الماء. فقال: اللهم إنه قد شهرني فأرحني منه. قال: فما أتت عليه جمة حتى قتل الضحاك.

(2/366)


741 - شرحبيل بن السمط بن الأسود أبو يزيد الكندي
بكر بن سوادة قال: كان رجل يعتزل الناس، إنما هو وحده، فجاءه أبو الدرداء فقال: أنشدك الله عز وجل ما يحملك على أن تعتزل الناس؟ قال: إني أخشى أن أسلب ديني وأنا لا أشعر. فحدثت بذلك رجلاً من أهل الشام فقال: ذاك شرحبيل بن السمط.
قلت: ذكر محمد بن سعد شرحبيل بن السمط في التابعين بعد يزيد بن الأسود، وقد قال البخاري: له صحبة.
ـــــــ
741 - هو: شرحبيل بن السمط -بكسر المهملة وسكون الميم - الكندي، الشامي، جزم بن سعد بأن له وفادة - ثم شهد القادسية وفتح حمص، وعمل عليها لمعاوية ومات سنة أربعين أو بعدها.

(2/366)


742 - كعب الأحبار بن ماتع
يكنى أبا إسحاق، وهو من حمير من آل ذي رعين.
كان يهودياً فأسلم وقدم المدينة ثم خرج إلى الشام فسكن حمص.
عبد الله بن بريدة قال: قال كعب الأحبار: ما كرم عبد على الله عز وجل إلا زاد البلاء
ـــــــ
742 - هو: كعب بن ماتع الحميري، أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار، ثقة من الثانية مخضرم، كان من اليمن، فسكن الشام، مات في آخر خلافة عثمان، وقد زاد على المائة، وليس له في البخاري إلا حكاية لمعاوية فيه، وله في مسلم رواية لأبي هريرة، عنه، من طريق الأعمش عن أبي صالح.

(2/366)


743 - يزيد بن مرثد أبو عثمان الهمداني
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: قلت ليزيد بن مرثد: ما لي أرى عينيك لا تجف؟
ـــــــ
743 - هو: يزيد بن مرثد، أبو عثمان الهمداني، الصنعاني، من صنعاء دمشق، ثقة من الثالثة، وله مراسيل.
قال الشيخ شعيب: بل مقبول في المتابعات والشواهد فقد روى عنه ثلاثة فقط، وذكره ابن حبان وحده في الثقات انظر تحرير تقريب التهذيب 4/119.

(2/367)


قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عسى الله عز وجل أن ينفعني به. قال: يا أخي إن الله عز وجل قد توعدني إن أنا عصيته أن يسجنني في النار، والله لو لم يتواعدني أن يسجنني إلا في الحمام لكنت حرياً أن لا تجف لي عين.
قال: فقلت له: فهكذا أنت في خلواتك؟ قال: وما مسألتك عنه؟ قلت: عن الله عز وجل أن ينفعني به. قال: والله إن ذلك ليعرض لي حين أسكن إلى أهلي فيحول بيني وبين ما أريد، وإنه ليوضع الطعام بين يدي فيعرض لي فيحول بيني وبين أكله، حتى تبكي امرأتي ويبكي صبياننا، ما يدرون ما أبكانا؟ ولربما أضجر ذلك امرأتي فتقول: يا ويحها ما خصت به من طول الحزن معك في الحياة الدنيا، ما تقر لي معك عين.
عن الوضين بن عطاء قال: أراد الوليد بن عبد الملك أن يولي يزيد بن مرثد فبلغ ذلك يزيد فلبس فروة وقلبها فجعل الجلد على ظهره والصوف خارجاً وأخذ بيده رغيفاً وعرقاً وخرج بلا رداء ولا قلنسوة ولا نعل ولا خف، وجعل يمشي في الأسواق ويأكل. فقيل للوليد: إن يزيد قد اختلط. وأخبر بما فعل فتركه.
أسند يزيد بن مرثد عن معاذ، وأبي الدرداء، وغيرهما.

(2/368)


744 - عبد الله بن محيريز، أبو محيريز
عن بشير بن صالح قال دخل ابن محيريز حانوتاً بدانق وهو يريد أن يشتري ثوباً، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأحسن بيعه فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نشتري بأموالنا، لسنا نشتري بديننا.
عن رجاء بن حيوة قال: أتانا نعي ابن عمر، ونحن في مجلس ابن محيريز فقال ابن محيريز: والله إن كنت لأعد بقاء ابن عمر أماناً لأهل الأرض، وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: وأنا والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض.
وعن ضمرة، عن رجاء قال: كان ابن محيريز يجيء بالكتاب إلى عبد الملك فيه النصيحة فيقرئه إياه ثم لا يقره في يده.
أيوب بن سويد قال: نبأ أبو زرعة أن عبد الملك بن مروان بعث إلى ابن محيريز بجارية،
ـــــــ
744 - هو: عبد الله بن محيريز، بمهملة وراء آخره زاي -مصغر، ابن جنادة بن وهب الجمحي - بضم الجيم وفتح الميم بعدها مهملة المكي، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة تسع وتسعين، وقيل: قبلها.

(2/368)


فترك ابن محيريز منزله فلم يكن يدخله، فقيل له: يا أمير المؤمنين تغيب ابن محيريز عن منزله. قال: ولم؟ قيل: من أجل الجارية التي بعثت بها إليه. قال: فبعث عبد الملك فأخذها.
عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: كان ابن محيريز إذا مدح قال: وما يدريك؟ وما علمك؟.
وعن ضمرة عن عمر بن عبد الرحمن بن محيريز قال: كان جدي ابن محيريز يختم في كل سبع.
عن عبد الله بن عوف القارئ قال: لقد رأيتنا برودس وما في الجيش أحد أكثر صلاة من ابن محيريز في العلانية ثم أقصر عن ذلك حين شهر وعرف.
وعن ضمرة، عن الأوزاعي، قال: كان ابن زكريا يقدم فلسطين فيلقى ابن محيريز فتتقاصر إليه نفسه لما يرى من فضل ابن محيريز.
عبد الواحد بن موسى قال: سمعت ابن محيريز يقول: اللهم إني أسألك ذكراً خاملاً.
عن خالد بن دريك قال: كانت في ابن محيريز خصلتان ما كانتا في أحد ممن أدركت في هذه الأمة: كان أبعد الناس أن يسكت عن حق بعد أن يتبين له، يتكلم فيه غضب من غضب، ورضي من رضي، وكان من أحرص الناس أن يكتم من نفسه أحسن ما عنده.
عبد الله بن المبارك عن طليق قال: سمعت أن ابن محيريز يقول: من مشى بين يدي أبيه فقد عقه، إلا أن يمشي فيميط له الأذى عن طريقه، ومن دعا أباه باسمه أو بكنيته فقد عقه إلا أن يقول: يا أبه.
أسند ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي محذورة وفضالة بن عبيد وغيرهم - وتوفي في ولاية الوليد بن عبد الملك.

(2/369)


745 - أبو مسلم الخولاني
واسمه عبد الله بن ثوب.
طرحه الأسود العنسي المتنبي باليمن في النار فلم تضره فكان يشبه بالخليل عليه السلام.
ـــــــ
745 - هو: أبو مسلم الخولاني، الزاهد الشامي، اسمه: عبد الله بن ثوب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة - وقيل: بإشباع الواو وقيل: ابن أثوب، بمثلثة، وزن أحمر، ويقال: ابن عوف أو ابن منشكم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف، ثقة عابد من الثانية، رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يدركه وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية.

(2/369)


عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: تنبأ الأسود بن قيس العنسي باليمن فأرسل إلى أبي مسلم فقال له: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: فتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلادك أفسدها عليك. فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر. فقام إلى سارية من سواري المسجد يصلي فبصر به عمر بن الخطاب، فقال: من أين الرجل؟ قال: من اليمن - قال: فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب. قال: نشدتك بالله عز وجل أنت هو؟ قال: اللهم نعم. قال: فقبل ما بين عينيه، ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن، عليه السلام.
عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، فإنه لم يكن يجالس أحداً يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فرجا أن يكونوا على ذكر الله تعالى، فجلس إليهم وإذا بعضهم يقول: قدم غلامي فأصاب كذا وكذا. وقال آخر: جهزت غلامي، فنظر إليهم وقال: سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو مبصراعين عظيمين فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب هذا المطر، فدخل فإذا البيت لا سقف له. جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب دنيا، قال: وقال له قائل، حين كبر ورق: لو قصرت عن بعض ما تصنع. فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تستبقوا منها شيئاً؟ قالوا: بلى، قال: فإني قد أبصرت الغاية وإن لكل ساعة غاية، وغاية كل ساعة الموت، فسابق ومسبوق.
أبو بكر بن أبي مريم قال: حدثني عطية بن قيس أن ناساً من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله وهو غاز بأرض الروم، فوجدوه قد احتقر في فسطاطه جوبة ووضع في الجوبة نطعاً وأفرغ فيه ماء يتصلق فيه وهو صائم، فقالوا له: ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص لك في الفطر في السفر؟ فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجري إلى الغايات وهي بدن إنما تجري وهي ضمر، إن بين أيدينا أياماً لها نعمل.

(2/370)


عن شرحبيل بن مسلم أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله فقال بعض أهله: هو في المسجد، فأتياه فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه، فأحصى أحدهما أنه ركع ثلثمائة والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف فقالا له: يا أبا مسلم كنا قاعدين خلفك ننتظرك، قال أما إني لو علمت مكانكما لانصرفت إليكما، وما كان لكما أن تحفظا علي صلاتي، فأقسم لكما إن كثرة السجود خير ليوم القيامة.
حميد قال: قال أبو مسلم الخولاني: ما عملت عملاً أبالي من رآه إلا أن يخلو الرجل بأهله أو يقضي حاجة غائط.
محمد بن زياد عن أبي مسلم أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال: أجيزوا بسم الله. قال: ويمر بين أيديهم. قال: فيمرون بالنهر الغمر، فربما لم يبلغ من الدواب إلا إلى الركب، أو بعض ذلك أو قريباً من ذلك، فإذا جازوا قال للناس: هل ذهب لكم من شيئ؟ من ذهب له شيء فأنا له ضامن. قال: فألقى بعضهم مخلاة عمداً فلما جازوا قال الرجل: مخلاتي وقعت في النهر. قال له: اتبعني، فإذا المخلاة تعلقت ببعض أعواد النهر.
عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: قالت امرأة أبي مسلم يعني الخولاني: يا أبا مسلم ليس لنا دقيق. قال: عندك شيء؟ قالت: درهم بعنا به عزلاً، قال: ابغينيه وهاتي الجراب، فدخل السوق فوقف على رجل يبيع الطعام. فوقف عليه سائل فقال: يا أبا مسلم تصدق علي، فهرب منه فأتى حانوتاً آخر فتبعه السائل فقال: يا أبا مسلم، فهرب منه فأتى حانوتاً آخر فتبعه السائل فقال: تصدق علي، فلما أضجره أعطاه الدرهم، ثم عمد إلى الجراب فملأه نجارة النجارين مع التراب ثم أقبل إلى باب منزله فنقر الباب وقلبه مرعوب من أهله، فلما فتحت الباب رمى بالجراب وذهب، فلما فتحته إذا هي بدقيق حواري، فعجنت وخبزت. فلما ذهب من الليل الهوي جاء أبو مسلم لنقر الباب فلما دخل وضعت بين يديه خواناً وأرغفة. فقال: من أين لكم هذا؟ قالت له يا أبا مسلم من الدقيق الذي جئت به، فجعل يأكل ويبكي.
عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبر على باب منزله فتكبر امرأته فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، فإذا بلغ إلى باب بيته كبر فتجيبه امرأته فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد، فلما كان في باب بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه قال: فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة منكسة تنكت بعود معها. فقال لها مالك؟ فقالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا

(2/371)


خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد امرأتي فأعم بصره، قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت: زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية أن يخدمه ويعطيه عشتم، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت: ما لسراجكم طفئ؟ قالوا: لا. فعرفت ذنبها، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله عز وجل لها يرد عليها بصرها. قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله عز وجل لها فرد عليها بصرها.
الحسن قال: قال أبو مسلم الخولاني، وكان ذا أمثال: أرأيتم نفساً إذا أكرمتها وودعتها ونعمتها ذمتني غداً عند الله وإن أنا أهنتها وأنصبتها وأعملتها مدحتني عند الله غداً؟ قالوا: من تيك يا أبا مسلم؟ قال تيك والله نفسي.
عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني، أنه كان إذا وقف على خربة قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوة، وبقيت الخطيئة، ابن آدم! ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
أبو بكر بن أبي الأسود قال: قال أبو مسلم الخولاني: ما طلبت شيئاً من الدنيا قط فولي لي، حتى لقد ركبت مرة حماراً فلم يمش فنزلت عنه وركبه غيري فعدا. قال: فأريت في منامي كأن قائلاً يقول لي: لا يحزنك ما زوي عنك من الدنيا وإنما يفعل ذلك بأوليائه وأحبائه وأهل طاعته. قال: فسري عني.
روى شرحبيل بن مسلم، عن عمير بن سيف، أنه سمع أبا مسلم الخولاني يقول: لأن يولد لي مولود يحسن الله عز وجل نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي، قبضه مني، أحب إلي من أن تكون لي الدنيا وما فيها.
عن عثمان بن أبي العاتكة قال: كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطاً في مسجده ويقول: أنا أولى بالسوط من الدواب، فإذا دخلته فترة مشق ساقه سوطاً أو سوطين. وكان يقول: لو رأيت الجنة عياناً ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عياناً ما كان عندي مستزاد.
بلال بن كعب قال: ربما قال الصبيان لأبي مسلم الخولاني: ادع الله أن يحبس علينا هذا الطائر، فيدعو الله عز وجل فيحبسه، فيأخذوه بأيديهم.
أدرك أبو مسلم أبا بكر وعمر، وأسند عن معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وتوفي في خلافة يزيد بن معاوية - كذا قال محمد بن سعد. وقال البخاري توفي في خلافة معاوية.

(2/372)


من الطبقة الثالثة
رجاء بن حيوة
...
ومن الطبقة الثالثة:
746 - رجاء بن حيوة أبو المقدام الكندي
عن مطر الوراق قال: ما رأيت شامياً أفضل من رجاء بن حيوة.
أبو أسامة قال: كان ابن عون إذا ذكر من يعجبه ذكر رجاء بن حيوة.
ابن عون قال: ثلاثة لم أر مثلهم كأنهم التقوا فتواصوا: ابن سيرين بالعراق، والقاسم بن محمد بالحجاز، ورجاء بن حيوة بالشام.
عبيد بن السائب قال: أنبأ أبي قال: ما رأيت أحداً أحسن اعتدالاً في صلاته من رجاء بن حيوة.
عن عبد الرحمن بن عبد الله أن رجاء بن حيوة قال لرجلين وهو يعظهما: انظرا الأمر الذي تحبان أن تلقيا الله عز وجل عليه، فخذا فيه الساعة، وانظرا الأمر الذي تكرهان أن تلقيا الله عز وجل عليه فدعاه الساعة.
أسند رجاء عن عبد الله بن عمرو، وأبي الدرداء، وأبي أمامة، ومعاوية، وجابر، وكان يصحب الخلفاء ويأمرهم بالمعروف. فلما مات عمر بن عبد العزيز انقطع عن صحبتهم. فسأله يزيد بن عبد الملك أن يصحبه فأبى واستعفاه. فقيل له: نخاف عليك من هؤلاء. فقال: يكفينهم الذي تركتهم له.
ـــــــ
746 - هو: رجاء بن حيوة -بفتح المهملة وسكون التحتانية وفتح الواو - الكندي، أبو المقدام، ويقال: أبو نصر، الفلسطيني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة.

(2/373)


747 - عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: كان عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية خلاً لعبد الملك بن مروان، فلما مات عبد الملك بن مروان وتصدع الناس عن قبره وقف عليه فقال: أنت عبد الملك الذي كنت تعدني فأرجوك، وتوعدني فأخافك، أصبحت وليس معك من ملكك غر ثوبيك، وليس لك منه غير أربعة أذرع في عرض ذراعين.
ثم انكفأ إلى أهله واجتهد في العبادة حتى صار كأنه شن بال فدخل عليه بعض أهله فعاتبه
ـــــــ
747 - هو: عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، صدوق من الثالثة، أرسل حديثا، مات على رأس المائة.

(2/373)


في نفسه وإضراره فقال للقائل: أسألك عن شيء تصدقني عنه؟ قال: نعم. قال: أخبرني عن حالتك التي أنت عليها أترضاها للموت؟ قال: اللهم لا، قال: أفعزمت على انتقال منها إلى غيرها؟ قال: ما انتصحت رأيي في ذلك، قال: أفتأمن من أن يأتيك الموت على حالك التي أنت عليها؟ قال: اللهم لا، قال: حال ما أقام عليها عاقل. ثم انكفأ إلى مصلاه.
روى عبد الرحمن عن ثوبان.

(2/374)


748 - خالد بن معدان الكلاعي. يكنى أبا عبد الله
عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: إياكم والخطران فإنه قد تنافق يد الرجل من سائر جسده. قيل: وما الخطران؟ قال: ضرب الرجل بيده إذا مشى.
عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: ما من عبد إلا وله أربع أعين: عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً فتح عينيه اللتين في قلبه فيبصر بهما ما وعد بالغيب. قال: وهما غيب فآمن الغيب بالغيب، وإذا أراد الله بعبد غير ذلك تركه ما هو عليه ثم قرأ: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} محمد.
عبد الله بن واقد، عن أم عبد الله، عن أبيها قال: خلقت القلوب من طين وإنها تلين في الشتاء.
صفوان بن عمرو قال: كان خالد بن معدان إذا عظمت حلقته قام فانصرف. قلت لصفوان: ولم كان يقوم؟ قال: كان يكره الشهرة.
أسند خالد بن معدان عن أبي عبيدة ومعاذ وعبادة وأبي ذر وغيرهم.
محمد بن سعد قال: أنبأ يزيد بن هارون قال: مات خالد وهو صائم، قال ابن سعد: وتوفي سنة ثلاث ومائة وقال عفير بن معدان: توفي خالد سنة أربع ومائة، والسلام.
ـــــــ
748 - هو: خالد بن كعدان الكلاعي الحمصي، أبو عبد الله، ثقة عابد يرسل كثيرا من الثالثة، مات سنة ثلاث ومائة وقيل: بعد ذلك.

(2/374)


749 - عبادة بن نسي الكندي
توفي سنة ثمان عشرة ومائة.
عن رجاء قال: كان بين رجل وبين عبادة بن نسي منازعة فأسرع إليه الرجل فلقي رجاء بن
ـــــــ
749 - هو: عبادة بن نسي -بضم النون وفتح المهملة الخفيفة - الكندي أبو عمر الشامي، قاضي طبرية، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة.

(2/374)


750 - عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي
كان صاحب غزو من أهل دمشق.
عن الأوزاعي قال: لم يكن بالشام رجل يفضل على عبد الله بن أبي زكريا. قال: عالجت لساني عشرين سنة قبل أن يستقيم لي.
علي بن أبي جملة قال: قال عبد الله بن أبي زكريا الدمشقي: عالجت الصمت عما لا يعنيني عشرين سنة قبل أن اقدر منه على ما أريد. قال: وكان لا يدع أحداً يغتاب في مجلسه أحداً. يقول: إن ذكرتم الله أعناكم وإن ذكرتم الناس تركناكم.
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن عبد الله بن أبي زكريا كان يقول: لو خيرت بين أن أعمر مائة سنة في طاعة الله أو أن أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه لاخترت أن أقبض شوقاً إلى الله عز وجل وإلى رسوله وإلى الصالحين من عباده.
الوليد بن سليمان الدمشقي قال: سمعت أبي بكر يذكر قال: كان عبد الله بن أبي زكريا إذا خاض جلساؤه في غير ذكر الله كأنه ساه، وإذا خاضوا في ذكر الله كان من أحسن الناس استماعاً.
أسند عبد الله عن عبادة بن الصامت وأبي الدرداء في آخرين، وتوفي سنة سبع عشرة ومائة.
ـــــــ
750 - هو: عبد الله بن أبي زكريا الخزاعي، أبو يحي الشامي، واسم أبيه إياس، وقيل: زيد، ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات سنة تسع عشرة.

(2/375)


ومن الطبقة الرابعة
بلال بن سعد
...
ومن الطبقة الرابعة:
751 - بلال بن سعد
عبد الله بن المبارك قال: كان محل بلال بن سعد بالشام ومصر كمحل الحسن بالبصرة.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: واحزناه على أني لا أحزن. الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا أهلها وإذا أظهرت فلم تغير ضرت العامة.
عن الأوزاعي قال: سمعت بلالاً يقول: لا تكن ولياً لله تعالى في العلانية وعدوه في السر.
قال: وسمعت بلالاً يقول في مواعظه: يا أهل الخلود ويا أهل البقاء، إنكم لم تخلقوا للفناء وإنما خلقتم للخلود والأبد، ولكنكم تنقلون من دار إلى دار.
عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يقفه عليها يوم القيامة وإن تاب.
سعيد بن عمرو قال: قال بلال بن سعد: ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرة.
الأوزاعي قال: هلك ابن لبلال بن سعد فجاء رجل يدعي عليه ببضعة وعشرين ديناراً فقال له بلال: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك كتاب؟ قال: لا. قال: فتحلف؟ قال: نعم. قال: فدخل منزله فأعطاه الدنانير، فقال: إن كنت صادقاً فقد أديت عن ابني، وإن كنت كاذباً فهي عليك صدقة.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: رب مسرور مغبون يأكل ويشرب ويضحك وقد حق له في كتاب الله عز وجل أنه من وقود النار.
الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك ديناراً.
عن الأوزاعي قال: سمعت بلال بن سعد يقول: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر من عصيت.
ـــــــ
751 - هو: بلال بن سعد بن تميم الأشعري، أو الكندي، أبو عمرو أو أبو زرعة، الدمشقي، ثقة عابد فاضل من الثالثة مات في خلافة هشام.

(2/376)


سعيد بن عبد العزيز قال: قال بلال بن سعد: الذك رذكران: ذكر لله عز وجل باللسان حسن جميل، وذكر الله أحل وحرم أفضل.
الضحاك بن عبد الرحمن قال: سمعت بلال بن سعد يقول: يا أولي الألباب ليتفكر متفكر فيما يبقى له وينفعه، أما ما وكلكم الله عز وجل به فتضيعون، وأما ما تكفل لكم به فتطلبون، ما هكذا نعت الله عباده المؤمنين، أذوو عقول في طلب الدنيا وبله عما خلقتم له؟ فكما ترجون الله بما تؤدون من طاعته فكذلك أشفقوا من عذاب الله بما تنتهكون من معاصيه.
قال: وسمعت بلال بن سعد يقول: عباد الله، اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال لدار مقام، وفي دار نصب وحزن لدار نعيم وخلد، ومن لم يعمل على اليقين فلا يتعن، عباد الرحمن، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئاً من أعمالكم تقبل منكم أو شيئاً من أعمالكم تغفر لكم؟.
عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: أدركتهم يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا كان الليل كانوا رهباناً.
أسند بلال عن أبيه سعد بن تميم السكوتي وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله في آخرين.

(2/377)


752 - عمير بن هانئ أبو الوليد الشامي
قال البخاري: سمع من ابن عمر، وزعم آل عمير أنه أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سعيد بن عبد العزيز قال: قلت لعمير بن هانئ: أرى لسانك لا يفتر من ذكر الله عز وجل فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا أن تخطئ الأصابع.
ـــــــ
752 - هو: عمير بن هانئ العنسي –بسكون النون ومهملتين - أبو الوليد الدمشقي الدارني، ثقة، من كبار الرابعة، قتل سنة سبع وعشرين وقيل: قبل ذلك.

(2/377)


753 - أبو عبد رب واسمه عبيدة بن المهاجر
عن ابن جابر أن أبا عبد رب كان من أكثر أهل دمشق مالاً فخرج إلى أذربيجان في تجارة فأمسى إلى جانب مرعى ونهر فنزل به. قال: فسمعت صوتاً يكثر حمد الله عز وجل في ناحية فاتبعه فرأيت رجلاً في حفير من الأرض، ملفوفاً في حصير، فسلمت عليه وقلت: من أنت؟
ـــــــ
753 - هو: الزاهد المفارق للمشاجر، المسابق للمتاجر، أبو عبد رب عبيدة بن مهاجر، انظر حلية الأولياء 5/183.

(2/377)


ومن الطبقة الخامسة:
أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني
بقية قال: خرجنا إلى أبي بكر بن أبي مريم نسمع منه في ضيعته، وكانت كثيرة الزيتون، فخرج علينا نبطي من أهلها فقال لي: من تريدون؟ فقلنا: نريد أبا بكر بن أبي مريم فقال: الشيخ؟ فقلنا: نعم، فقال: ما في هذه القرية شجرة من زيتون إلا وقد قام إليها ليلته جمعاء.
يزيد بن هارون قال: كان أبو بكر من العباد المجتهدين، فحضره الموت وهو صائم، فلم يزل يجهد حتى قشروا له تفاحة فأفطر عليها وقيل لامرأته ألا تفلين ثيابه؟ قالت: أية ساعة أفليها؟ ما يلقيها عنه ليلاً ولا نهاراً. تقول لاشتغاله بالصلاة.
الحسن بن علي بن مسلم السكوني قال: كان لأبي بكر بن أبي مريم في خديه مسلكان من الدموع، يزيد بن عبد ربه قال: عدت أبا بكر بن أبي مريم وهو في النزع فقلت له: رحمك الله لو جرعت جرعة ماء. فقال بيده: لا ثم جاء الليل فقال: أذن؟ فقلت: نعم. فقطرنا في فمه قطرة ماء ثم مات، أسند أبو بكر عن عبد الله ابن بسر وغيره.
ـــــــ
754 - هو: أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي، وقد ينسب إلى جده قيل اسمه بكير، وقيل: عبد السلام، ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط من السابعة مات سنة ست وخمسين.

(2/379)


755 - حسان بن عطية يكنى أبا بكر
عن الأوزاعي قال: ما رأيت أحداً أكثر عملاً منه في الخير. يعني حسان بن عطية.
عن الأوزاعي قال: كان حسان بن عطية يتنحى إذا صلى العصر في ناحية المسجد، فيذكر الله عز وجل حتى تغيب الشمس.
عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: من أطال قيام الليل يهون عليه طول القيام يوم القيامة.
الأوزاعي قال: حدثني حسان قال: يعذب الله الظالم بالظالم ثم يدخلهما النار جميعاً.
وحدثني حسان قال: إن العبد إذا عمل سيئة وقف الملك فلم يكتبها ثلاث ساعات، فإن لم يستغفر كتبت وإن استغفر لم تكتب. وإن الرجل إذا سافر يوم الجمعة دعي عليه أن لا
ـــــــ
755 - هو: حسان بن عطية المحاربي، مولاهم، أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة.

(2/379)


756 - أمية الشامي
عن سفيان بن عيينة قال: كان أمية رجلاً من أهل الشام يقوم فيصلي هناك مما يلي باب بني سهم، فينتحب ويبكي حتى يعلو صوته وحتى تسيل دموعه على الحصى. قال: فأرسل إليه الأمير: إنك تفسد على المصلين صلاتهم بكثرة بكائك وارتفاع صوتك، فلو أمسكت قليلاً. فبكى ثم قال: إن حزن يوم القيامة ورثني دموعاً غزاراً، فأنا أستريح إلى ذريها أحياناً. وكان أمية يقول: ألا إن المطيع لله ملك في الدنيا والآخرة. وكان يدخل الطواف فيأخذ في البكاء والنحيب، وربما سقط مغشياً عليه.
ـــــــ
757 - هو: أبو سليمان الداراني الإمام الكبير، زاهد العصر، أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل ابن عسكر العنسي الداراني، ولد في حدود الأربعين ومائة، انظر: سير أعلام النبلاء 8/472.

(2/380)


ومن الطبقة السادسة
ابو سليمان الداراني
...
ومن الطبقة السادسة:
757 - أبو سليمان الداراني
واسمه عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي، ودارياً قرية من قرى دمشق، وقيل ضيعة إلى جنب دمشق.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان عبد الرحمن بن أحمد العنسي يقول: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله، وإن الله يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، ولا يعطي إلا من أحب خاصة، ولأن أدع من عشائي لقمة أحب إلي من أن آكلها وأقوم أول الليل إلى آخره.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا، وما أحب البقاء في الدنيا لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان يقول: سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته
ـــــــ
757 - هو: أبو سليمان الداراني الإمام الكبير، زاهد العصر، أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل ابن عسكر العنسي الداراني، ولد في حدود الأربعين ومائة، انظر: سير أعلام النبلاء 8/472.

(2/380)


758 - عبد العزيز بن عمير
أصله من خراسان لكنه سكن دمشق.
أحمد بن محمد بن أبي موسى الأنطاكي قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: ترى نور الجلال عليهم وأثر الخدمة بين أعينهم. ثم قال عبد العزيز: إن الرجل لينقطع إلى بعض ملوك أهل الدنيا فيرى أثره عليه، فكيف بمن ينقطع إلى الله عز وجل كيف لا يرى أثره عليه.
قال أحمد بن وديع: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: الصيام سجن المؤمن عن الدنيا.
أبو خزيمة قال: سمعت عبد العزيز بن عمير يقول: النفس أمارة بالسوء، فإذا جاء العزم من الله عز وجل كانت هي التي تنازعك إلى الخير.

(2/387)


759 - مروان بن محمد
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مروان بن محمد يقول: إني أخبرك بشيء يا أحمد ما كلمت به أحداً قط قبلك: ما أنا لشيء أخوف مني من أن يختم لي بكفر.

(2/387)


ومن الطبقة السابعة
مضاء بن عيسى
...
ومن الطبقة السابعة:
760 - مضاء بن عيسى
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: خف الله يلهمك، واعمل له لا يلجئك إلى دليل.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: إذا وصلوا إليه لم يرجعوا عنه، إنما رجع من رجع من الطريق.
قاسم الجوعي قال: سمعت مضاء بن عيسى يقول: من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، ومن أحب شيئاً آثره على غيره.
أسند مضاء عن شعبة. وسمع من غيره رضي الله عنه.
ـــــــ
760 - هو: مضاء بن عيسى الشامي، كان من العاملين، اجتذبه الحب، واستلبه الخوف، انظر حلية الأولياء 9/338.

(2/388)


761 - أبو كريمة العبدي
عيسى بن الهذيل قال: سمعت أبا كريمة، وكان من عباد أهل الشام، يقول: ابن آدم ليس لما بقي من عمرك ثمن.
ـــــــ
762 - هو: بشير الطبري، سكن الشام، كان محفوظا فيما امتحن مستسلما فيما ابتلي به، انظر حلية الأولياء 10/135.

(2/388)


762 - بشير الطبري
سكن الشام أبو عمرو الكندي قال: أغارت الروم على جواميس لبشير الطبري نحواً من أربعمائة جاموس، فركبت معه أنا وابن له فلقينا عبيده الذين كانت معهم الجواميس معهم عصيهم فقالوا: يا مولانا ذهبت الجواميس فقال: وأنتم أيضاً اذهبوا معها فأنتم أحرار لوجه الله تعالى. فقال له ابنه: يا أبه أفقرتنا. قال: اسكت إن ربي اختبرني فأردت أن أزيده.
ـــــــ
762 - هو: بشير الطبري، سكن الشام، كان محفوظا فيما امتحن مستسلما فيما ابتلي به، انظر حلية الأولياء 10/135.

(2/388)


ومن الطبقة الثامنة
القاسم بن عثمان الجوعي
...
ومن الطبقة الثامنة:
763 - القاسم بن عثمان الجوعي
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت القاسم الجوعي الكبير يقول: شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع ففقدوا لذاذة الطعام والشهوات ولذات الدنيا لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة، وإنما سميت قاسماً الجوعي لأن الله تعالى قواني على الجوع، فلو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال رضت نفسي حتى لو تركت شهراً وما زاد لم تأكل ولم تشرب، لم تبال، أنا عنها راض أسوقها حيث شئت، اللهم أنت فعلت بي ذلك فأتمه علي.
أحمد بن عبد الله الحافظ قال: كان القاسم يقول: حب الرياسة أصل كل موبقة، وقليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة، ورأس الأعمال الرضا عن الله عز وجل والورع عماد الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن الحصين ضبط اللسان.
سعيد بن عبد العزيز الحلبي قال: سمعت قاسماً الجوعي يقول: أصل الدين الورع، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طرق الجنة سلامة الصدر.
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قال: دخلت دمشق على كتبة الحديث فمررت بحلقة قاسم الجوعي فرأيت نفراً جلوساً حوله وهو يتكلم عليهم، فهالني منظرهم، فتقدمت إليه فسمعته يقول: اغتنموا من زمانكم خمساً: إن حضرتم لم تعرفوا، وإن غبتم لم تفتقدوا، وإن شهدتم لن تشاوروا وإن قلتم شيئاً لم يقبل قولكم، وإن عملتم شيئاً لم تعطوا به. أوصيكم بخمس أيضاً، إن ظلمتم لم تظلموا، وإن مدحتم لم تفرحوا، وإن ندمتم لم تجزعوا، وإن كذبتم فلا تغضبوا، وإن خانوكم فلا تخونوا. قال: فجعلت هذا فائدتي في دمشق.
أسند قاسم عن سفيان بن عيينة وغيره.
ـــــــ
763 - هو: الجوعي، الإمام، القدوة الولي المحدث، أبو عبد الملك القاسم بن عثمان العبدي الدمشقي، شيخ الصوفية انظر: سير أعلام النبلاء 10/79.

(2/389)


764 - أحمد بن أبي الحواري
يكنى أبا الحسن. واسم أبي الحواري: ميمون، سكن دمشق وكان له ابن يقال له عبد
ـــــــ
764 - هو: أحمد بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي –بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام - يكنى أبا الحسن بن أبي الحواري - بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء - ثقة زاهد، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين.

(2/389)


الله من الزهاد، وأخ يقال له محمد يشبهه في الورع والزهد. وأبوه أبو الحواري من أهل الورع أيضاً. فبيتهم بيت الورع والزهد.
وكان الجنيد يقول: أحمد بن أبي الحواري ريحانة الشام.
يحيى بن معين، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: أظن أهل الشام يسقيهم الله الغيث به.
محمود بن خالد، وذكر أحمد بن أبي الحواري فقال: ما أظنه بقي على وجه الأرض مثله.
العباس بن حمزة قال: سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول: من أحب أن يعرف بشيء من الخير أو يذكر به فقد أشرك في عبادته، ومن عبد على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى محبوبه. وقال: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية آية فيحار عقلي فيها فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحاً بما رزقوا.
العباس بن حمزة قال: قال أحمد بن أبي الحواري: كلما ارتفعت منزلة القلب كانت العقوبة إليه أسرع.
أسند أحمد بن أبي الحواري عن حفص بن غياث وأبي معاوية ووكيع ونظرائهم. وتوفي في سنة ثلاثين ومائتين.

(2/390)


765 - محمد بن سمرة السائح
يوسف بن أسباط قال: كتب إلي محمد بن سمرة السائح بهذه الرسالة: أي أخي، إياك وتأمير التسويف على نفسك وإمكانه من قلبك فإنه محل الكلال وموئل التلف، وبه تقطع الآمال وفيه تنقطع الآجال، فإنك إن فعلت ذلك أدلته من عزمك فاجتمع وهواك عليك فغلبا واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولي عنك، فعند مراجعته إياك لا تنتفع نفسك من بدنك بنافعة، وبادر يا أخي فإنك مبادر بك، وأسرع فإنك مسروع بك، وجد فإن الأمر جد، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك، وتذكر ما أسلفت وقصرت، وأفرطت وجنيت وعملت فإنه

(2/390)


مثبت محصي، وكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت وندمت على ما فرطت، فعليك بالحياء والمراقبة والاعتزال وقلة الملاقاة. فإن السلامة في ذلك موجودة - وفقنا الله وإياك لأرشد الأمور ولا قوة بنا وبك إلا بالله وصلى الله على سيدنا محمد نبينا وعلى آله الطاهرين.

(2/391)


766 - أبو عباد الشامي
إبراهيم بن منصور بن عمار قال: سمعت أبي يقول: قال لي رجل بالشام: يا أبا السري عندنا رجل من العباد من أهل واسط العراق لا يأكل إلا من كد يديه، وقد دبرت من سف الخوص صفحة يديه ولو رأيته لوقذك النظر إليه، فهل لك أن تمضي بنا إليه؟ قلت: نعم فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج إلى الباب فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذذ به من مناجاتك، ثم فتح الباب فدخلنا فإذا رجل ترى به الآخرة، وإذا قبر محفور ووصيته قد كتبها في الحائط، وكساؤه قد أعده لكفنه. فقلت أي موقف لهذا الخلق؟ فقال: بين يدي من؟ قال: ثم صاح وخر لوجهه. ثم أفاق من غشيته فقال له صاحبي: يا أبا عباد هذا أبو السري منصور بن عمار، فقال لي: مرحباً يا أخي ما زلت إليك مشتاقاً. أعلمك أن بي داء قد أعيا المتطببين قبلك قديماً، فهل لك أن تتأتى له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك لعل الله أن ينفع بك؟.
قال: قلت: وكيف يعالج مثلي مثلك وجري أنغل من جرحك؟ قال: وإن كان كذلك فإني مشتاق إلى ذلك. قال: قلت: إن كنت تمسكت باحتفار قبرك في بيتك وبوصية رسمتها بعد وفاتك وبكفن أعددته ليوم موتك، فإن لله عز وجل عباداً اقتطعهم خوفه عن النظر إلى قبورهم. قال: فصاح صيحة ووقع في قبره، وجعل يفحص برجليه، وبال فعرفت ذهاب عقله. فخرجت إلى طحان على بابه فقلت ادخل فأعنا على هذا الشيخ، فاستخرجناه من قبره وهو في غشيته فقال لي الطحان: ويحك ما صنعت؟ فخرجت وتركته صريعاً، فلما كان الغد عدت إليه فإذا بسلخ في وجهه، وإذا بشريط قد شد به رأسه لصداع وجده. فلما رآني قال: يا أبا السري المعاودة رحمك الله، فقلت له: أين بلغت أيها المتعبد من أحزانك بالله؟ لكأني أنظر إلى آكل الفطير والصابر على خبز الشعير، يأكل ما اشتهى ويسعى عليه بلحم طير، ويسقى من الرحيق المختوم فشهق شهقة فحركته فإذا هو قد فارق الدنيا.

(2/391)


767 - علي بن الفتح الحلبي
أبو زرعة الدمشقي قال: خرج علي بن الفتح الحلبي يوم النحر، فرأى الناس يتقربون إلى الله تعالى. فقال: يا رب أرى الناس يتقربون إليك بألوان الذبائح وإني تقربت إليك بحزني، ثم غشي عليه فأفاق، ثم قال: إلهي، إلى متى ترددني في دار الدنيا محزوناً؟ فاقبضني إليك. فوقع من ساعته ميتاً.

(2/392)


768 - علي بن عبد الحميد الغضائري
محمد بن الحسن اليقطيني، ومحمد بن إبراهيم، يقولان: سمعنا علي بن عبد الحميد الغضائري يقول: دققت على السري بن مغلس بابه فسمعته يقول: اللهم من شغلني عنك فاشغله بك عني. فكان من بركة دعائه أني حججت من حلب ماشياً على قدمي أربعين عاماً. وكان يعد من الأبدال.
أسند الغضائري الحديث عن سوار بن عبد الله.
ـــــــ
768 - هو: الغضائري، الإمام الثقة العابد، أبو الحسن، علي بن عبد الحميد بن عبد الله بن سليمان الغضائري، محدث حلب ومسند الشام، توفي في شوال سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، انظر سير أعلام النبلاء 11/400.

(2/392)


769 - جابر الرحبي
أبو جعفر الخصاف قال: حدثني جابر الرحبي قال: أكثر علي أهل الرحبة ينكرون علي ما يعطي الله عز وجل أولياءه، فخرجت إلى خارج فركبت السبع ودخلت إلى الرحبة وأنا أقول: أين الذين يكذبون أولياء الله عز وجل؟ فكفوا عني بعد ذلك.
وقال أبو جعفر الخصاف: قال لي جابر يوماً وأنا أماشيه مر بنا نتسابق، مر أنت هكذا حتى أمر أنا هكذا. قال: فمررت أنا على الجسر. فلما حصلت على الجسر التفت فإذا هو يمشي على الماء. فلما التقينا قلت: من لا يحسن مثل هذا؟ أمشي أنا على الجسر وتمشي أنت على الماء. قال: فقال: وقد رأيتني؟ قلت: نعم. قال: أنت رجل صالح.
ـــــــ
769 - هو: جابر الرحبي، له الأحوال الرفيعة، والألطاف البديعة، انر حلية الأولياء 10/174.

(2/392)


770 - أبو عبيد البسري
وبسرى فوق دمشق، عن محمد، غلام أبي عبيد، قال: ودعت أبا عبيد حين أردت

(2/392)


771 - أبو بكر الهلالي
محمد بن علي الصوري قال: سمعت أبا القاسم الحسن بن عبد الله بن أحمد بن هاشم الشيخ الصالح قال: سمعت أبا بكر الهلالي يقول: من عني بمجاهدة الأسرار اشتغل عن الحكايات والأخبار.
وسمعته يقول، رموا بهممهم إلى أعلى الفضائل، وضيعوا الفرائض، فلا إلى هممهم وصلوا، ولا قاموا بقليل ما به وكلوا، ومن قام بقليل ما وكل به اؤتمن على الكثير، ومن لم يقم بقليل ما وكل به لم يؤتمن على قليل ولا كثير.
وسمعته يقول: وأشار إلى شجرة في منزله فقال: هذه الشجرة ما نظرت إليها نظرة فرجع طرفي إلا بعقوبة أو توبيخ في سري، يقال لي: تكون بين أيدينا وتنظر إلى سوانا؟.
وسمعته يقول: كنت أتمنى على الله أن يريني أبا العباسي الخضر عليه السلام. فلما كان بعد مدة إذا أنا بالباب يدق علي. فقلت: من هذا؟ فقال لي: أنا الذي تتمناني على الله عز وجل أنا لاخضر. فقلت له: الذي طلبناك له قد وجدناه. ارجع إلى حال سبيلك.

(2/394)