|
صفة الصفوة
ذكر المصطفين من عباد بيت المقدس -
جبلة - أهل العواصم والثغور - عباد أهل الشام - عابدات الشام - عسقلان
ذكر
المصطفين من عباد بيت المقدس
إدريس بن أبي خولة الأنطاكي
...
ذكر المصطفين من عباد بيت المقدس
772 - إدريس بن أبي خولة الأنطاكي
عمر بن واصل، عن سهل بن عبد الله قال: مرض رجل من أولياء الله عز وجل
مرضاً مشكلاً. فكان الناس إذا رأوه قالوا: به جنة فأكثر عليه القول
فلما عظم كلام من تكلم في أمره قالوا له: نعالجك؟ فقال لهم: يا قوم
اعلموا أن لي طبيباً إن سألته داوى كل عليل، لكني أنا لا أسأله أن
يداويني، فقيل له: ولم ذاك وأنت تحتاج إلى الدواء؟ فقال: أخشى إن برأت
من هذه العلة طغيت. فقيل له: فإن لنا مجنوناً فسل طبيبك هذا أن يداويه.
فقال: نعم إيتوني به، فأتوه برجل في عنقه غل عظيم ويداه مشدودة إلى
عنقه في قيد ثقيل، قد استمكنت منه العلة. فقال لهم: خلوني معه.
فعمد جهال القوم إلى يده فحلواها وأدخلوه معه في البيت الذي كان فيه،
وأغلقوا عليه الباب وهم يظنون أن سيفضي إليه بمكروه، فلما كان بعد ساعة
صاحوا به فأجابهم وخرج إليهم وكلمهم كلام عاقل وهو يبكي بكاء شديداً.
فقالوا له: خبرنا بقصتك وما كان، فقال: دخلت على هذا الرجل وأنا على ما
قد علمتم من علتي لا أعقل شيئاً كما رأيتموني، فقربني منه وأدناني وجعل
يده على صدري والأخرى على رأسي، فأحسست بطعم البرء يدب في جسمي حتى زال
ما بي. فقالوا له: ادخل معنا إليه فسله يدعو الله عز وجل لنا، فدخل مع
القوم إليه فلم يجدوه في البيت وستره الله عز وجل عنهم، فمن عقل منهم
عظمت ندامته وكثر أسفه. قال سهل: وهذا الرجل من بيت المقدس يقال له
إدريس بن أبي خولة الأنطاكي.
(2/395)
773 -
عبد العزيز المقدسي
أبو بكر بن شاذان قال: سمعت عبد العزيز المقدسي يقول: وكان من الأبدال:
لما بلغت الحلم أخذت على نفسي أن أروضها وأمنعها من الآثام واستوفقت
الله تعالى فوفقني، واستعنت به فأعانني. ولقد حاسبت نفسي من يوم بلوغي
إلى يومي هذا فإذا زلاتي لا تجاوز ستة وثلاثين زلة. ولقد استغفرت الله
عز وجل لكل زلة مائة ألف مرة، وصليت لكل زلة ألف ركعة، ختمت في كل رجعة
منها ختمة، وإني مع ذلك غير آمن سطوة ربي عز وجل أن يأخذني بها وأنا
على خطر قبول التوبة.
(2/395)
ذكر المصطفين من العباد المقدسيين المجهولين الأسماء
774 - عباد ثلاثة
بشر بن بشار المجاشعي، وكان من العابدين، قال: لقيت عباداً ثلاثة ببيت
المقدس، فقلت لأحدهم: أوصني قال: ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك، فهو
أحرى أن يفرغ قلبك ويقل همك، وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط وأنت منه
في غفلة لا تشعر به. وقلت للآخر: أوصني، قال: ما أنا بمستوص فأوصيك -
قلت: على ذاك عسى الله عز وجل أن ينفع بوصيتك. قال: أما إذ أبيت إلا
الوصية فاحفظ عني: التمس رضوانه في ترك مناهيه فهو أوصل لك إلى الزلفى
لديه. قال: فقلت للآخرة: أوصني فبكى واستحر سفحاً للدموع ثم قال: أي
أخي لا تبتغ من أمرك تدبيراً غير تدبيره فتهلك فيمن هلك، وتضل فيمن
يضل.
775 - عباد سبعة
أحمد بن محمد الصوفي قال: قال لي أستاذي أبو عبد الله بن أبي شيبة: كنت
ببيت المقدس وكنت أحب أن أبيت في المسجد وما كنت أترك. فلما كان في بعض
الأيام بصرت في الرواق بحصر قائمة، فلما أن صليت العتمة وراء الإمام
أتيت الحصر فاختبأت وراءها، وانصرف الناس والقوام، ثم خرجت إلى الصحن
فلما سمعت غلق الأبواب وقعت عيني على المحراب فنظرت إليه وقد انشق ودخل
منه رجل وثاني وثالث إلى أن تم سبعة واصطف القوم وزال عقلي، فلم أزل
واقفاً في موضعي شاخصاً زائل العقل إلى أن انفجر الصبح فخرج القوم على
الطريق الذي دخلوا.
776 - عابد آخر
كلاب بن جري قال: رأيت شاباً ببيت المقدس قد عمش من طول البكاء، فقلت
له: يا فتى كم تكون العين سليمة على هذا البكاء؟ قال: فبكى ثم قال: كما
شاء ربي فلتكن، وإذا شاء سيدي فلتذهب فليست أكرم علي من بدني، إنما
أبكي رجاء السرور والفرح في الآخرة، وإن تكن الأخرى فهو والله شقاء
الدهر وحزن الأبد والأمر الذي كنت أخافه وأحذره على نفسي، وإني احتسبت
على الله عز وجل غفلتي عن نفسي وتقصيري عن حظي، ثم غشي عليه.
(2/396)
777 -
عابد آخر
عباد بن عباد، أبو عتبة الخواص، قال: رأيت شيخاً في مسجد بيت المقدس
كأنه قد احترق بالنار، عليه مدرعة سوداء، وعمامة سوداء، طويل الصمت،
كريه المنظر، كثير الشعر، شديد الكآبة. فقلت: رحمك الله لو غيرت لباسك
هذا، فقد علمت ما في البياض. فبكى ثم قال: هذا أشبه بلباس أهل المصيبة،
فإنما أنا وأنت في الدنيا في حداد، وكأني بي وبك قد دعينا. قال: فما تم
كلامه حتى غشي عليه.
778 - عابد آخر
أبو مدرك عثمان بن وكيع العبدي قال: جاء رجل إلى بيت المقدس فمد كساءه
في ناحية المسجد فكان فيه الليل والنهار، طعيمه خلف ذلك الكساء الذي قد
مده. قال: فيبيت ليله أجمع يصلي فإذا طلع الفجر مد بصوت له: عند الصباح
يغبط القوم السرى. قال: وكان يقال له: ألا ترفق بنفسك؟ فيقول: إنما هي
نفسي أبادرها أن تخرج.
779 - عابد آخر
ذو النون قال: نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له:
ما الذي أثار منك ما أرى؟ قال: ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص وبقيت
في كدر الانتقاص، فهل من دليل مرشد أو من حكيم موقظ؟.
780 - عابد آخر
سمنون قال: كنت ببيت المقدس في برد شديد، وعلي جبة وكساء، وأنا أجد
البرد والثلج يسقط، فرأيت شاباً عليه خرقتان في الصحن يمشي، فقلت: يا
حبيبي لو استترت ببعض هذه الأروقة فيكنك من البرد. فقال لي: يا أخي
سمنون:
ويحسن ظني أنني في فنائه ... وهل أحد في كنه يجد البردا
(2/397)
ومن عقلاء المجانين ببيت المقدس:
781 - شاب
بلغنا عن أبي الجوال المغربي قال: كنت ببيت المقدس جالساً مع رجل صالح
وإذا قد طلع علينا شاب والصبيان حوله يقذفونه بالحجارة ويقولون: مجنون
فدخل المسجد وهو ينادي اللهم أرحني من هذه الدار. فقلت له: هذا كلام
حكيم فمن أين لك هذه الحكمة؟ فقال: من أخلص له في الخدمة أورثه طرائف
الحكمة وأيده بأسباب العصمة، وليس بي جنون وولق؛ بل قلق وفرق. ثم جعل
يقول:
هجرت الورى في حب من جاد بالنعم ... وعفت الكرى شوقاً إليه فلم أنم
وموهت دهري بالجنون عن الورى ... لأكتم ما بي من هواه فما انكتم
فلما رأيت الشوق والحب بائحاً ... كشفت قناعي ثم قلت: نعم نعم
فإن قيل: مجنون فقد جنني الهوى ... وإن قيل: مسقام فما بي من سقم
وحق الهوى والحب والعهد بيننا ... وحرمة روح الأنس في حندس الظلم
لقد لامني الواشون فيك جهالة ... فقلت لطرفي أفصح العذر فاحتشم
فعاتبهم طرفي بغير تكلم ... وأخبرهم أن الهوى يورث السقم
فبالحلم يا ذا المن لا تبعدنني ... وقرب مزاري منك يا بارئ النسم
فقلت له: أحسنت لقد غلظ من سماك مجنوناً، فنظر إلي وبكى وقال: أولا
تسألني عن القوم كيف وصلوا فاتصلوا؟ فقلت: بلى أخبرني؟ فقال: طهروا له
الأخلاق، ورضوا منه بيسير الأرزاق، وهاموا من محبته في الآفاق،
وائتزروا بالصدق، وارتدوا بالإشفاق، وباعوا العاجل الفاني بالآجل
الباقي، وركضوا في ميدان السباق، وشمروا تشمير الجهابذة الحذاق، حتى
اتصلوا بالواحد الرزاق، فشردهم في الشواهق وغيبهم عن الخلائق، لا
تؤويهم دار ولا يقرهم قرار، فالنظر إليهم اعتبار، ومحبتهم افتخار، وهم
صفوة الأبرار، ورهبان أخيار، مدحهم الجبار ووصفهم النبي المختار، إن
حضروا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن ماتوا لم يشهدوا. ثم أنشأ
يقول:
كن من جميع الخلق مستوحشاً ... من الورى تسري إلى الحق
واصبر فبالصبر تنال المنى ... وارض بما يجري من الرزق
واحذر من النطق وآفاته ... فآفة المؤمن في النطق
(2/398)
وجد في
السير ممراً كما ... شمر أهل السبق للسبق
أولئك الصفوة ممن سما ... وخيرة الله من الخلق
قال: فأنسيت الدنيا عند حديثه، ثم ولى هارباً فأنا متأسف عليه.
(2/399)
ذكر المصطفيات من عابدات بيت المقدس
782 - طافية
عن عطاء الخراساني قال: كانت امرأة عابدة يقال لها طافية تأتي بيت
المقدس تتعبد فيه، وكان وهب بن منبه يقول: يا طافية ما أشد العمل عليك؟
فتقول: ما أجدني أجد شيئاً أشد علي من طول الفكر. قال: وكيف ذلك؟ قالت:
إني إذا تفكرت في عظمة الله عز وجل وأمر الآخرة طاش عقلي وأظلم علي
بصري، واسترخت لذلك مفاصلي. فقال لها وهب بن منبه: إذا أنت وجدت ذاك
فافزعي إلى قراءة القرآن في المصحف.
783 - لبابة
محمد بن روح قال: قالت لبابة المتعبدة في بيت المقدس: إني لأستحي منه
أن يراني مشتغلة بغيره.
محمد بن رواح قال: قالت لبابة المتعبدة: ما زلت مجتهدة في العبادة حتى
صرت أستروح بها، وإذا تعبت من لقاء الخلق آنسني بذكره، وإذا أعياني
الخلق روحني التفرغ لعبادة الله عز وجل والقيام إلى خدمته.
وقال لها رجل: هو ذا أريد الحج فماذا أدعو بالموسم؟ فقالت: سل الله
تعالى شيئين: أن يرضى عنك ويبلغك منزل الراضين عنه، وأن يجعل ذكرك فيما
بين أوليائه.
(2/400)
ذكر المصطفيات من المجهولات الأسماء
784 - عابدة
عن أبي جعفر السائح قال: رأيت عجوزاً في بيت المقدس تقول: حججت ماشية
اثنتي عشرة حجة ما ركبت فيها، أشتري كل سنة بأربعة دراهم سقطاً فيكون
زادي في ذهابي ومنصرفي. قال: فقلت لها: في بيت المقدس مثلك من
المتعبدات؟ قال فذكرت نسوة يفعلن مثل ما تفعل. قالت: فإذا رجعنا حملنا
مغازلنا إلى المسجد فلا نخرج منه إلا لحدث أو لحاجة. قلت: وكم بقي
اليوم من هذه الصفة؟ قالت: نحو من عشرة. قلت: فمن أعبدكن؟ قالت: امرأة
من قريش ما نراها تكلم أحد إنما هي في الصلاة قائمة وراكعة وساجدة
يأتيها أهلها بما يصلحها.
785 - عابدة أخرى
عن أبي سليمان الداراني قال: حدثني سعيد الإفريقي قال: كنت ببيت المقدس
مع أصحاب لي فيالمسجد فإذا أنا بجارية عليها درع شعر وخمار من صوف،
فإذا هي تقول: إلهي وسيدي ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله وأوحش
خلوة من لم تكن أنيسه. فقلت: يا جارية ما قطع الخلق عن الله عز وجل؟
قالت: حب الدنيا إلا أن لله عز وجل عباداً أسقاهم م نحبه شربة فولهت
قلوبهم فلم يحبوا مع الله عز وجل غيره. ثم قالت تنشد:
تزود قريناً من فعالك إنما ... قرين الفتى في القبر ما كان يعمل
ألا إنما الإنسان ضيف لأهله ... يقيم قليلاً عندهم ثم يرحل
786 - عابدة أخرى
عن أبي جعفر السائح قال: رأيت امرأة في بيت المقدس في متعبد لها عليها
مدرعة من شعر وخمار من شعر، وسوار من حديد، وكان لها سلسلة تعلق بها
نفسها بالليل. فقلت لها: منذ متى أخذت فيما أنت فيه؟ قالت: منذ ثمان
سنين.
قال: ورأيت نسوة كثيرة عليهم مدارع صوف وخمر، معتكفات في المسجد لا
يتكلمن بالنهار.
(2/401)
787 -
عابدة أخرى
عثمان الرجاني قال: خرجت من بيت المقدس أريد بعض القرى في حاجة فلقيتني
عجوز عليها جبة صوف وخمار صوف. فسلمت عليها فردت علي السلام. ثم قالت:
يا فتى من أين أقبلت؟ فقلت: من هذه القرية. قالت: وأين تريد؟ قلت: إلى
بعض القرى في حاجة. قالت: كم بينك وبين أهلك ومنزلك؟ قلت: ثمانية عشر
ميلاً. قالت: ثمانية عشر ميلاً في حاجة؟ إن هذه لحاجة مهمة، قلت: أجل.
قالت: فما اسمك؟ قلت: عثمان. فقالت: يا عثمان ألا سألت صاحب القرية أن
يوجه إليك بحاجتك ولا تتعنى؟ قال: ولم أعلم الذي أرادت، قلت: يا عجوز
ليس بيني وبين صاحب القرية معرفة، قالت: يا عثمان وما الذي أوحش بينك
وبين معرفته وقطع بينك وبين الاتصال به؟ فعرفت الذي أرادت فبكيت،
فقالت: من أي شيء تبكي؟ من شيء كنت فعلته ونسيته أو من شيء أنسته
وذكرته؟ قلت: لا بل من شيء كنت أنسيته وذكرته. قالت: يا عثمان أحمد
الله عز وجل الذي لم يتركك في حيرتك، أتحب الله عز وجل؟ قلت: نعم.
قالت: فاصدقني، قلت: إي والله إني لأحب الله عز وجل. قالت: فما الذي
أفادك من طرائف حكمته إذ أوصلك إلى محبته؟ قالت: فبقيت لا أدري ما
أقول؟ فقالت: يأبى الله عز وجل أن يدنس طرائف حكمته وخفي معرفته ومكنون
محبته بممارسة قلوب البطالين. قلت: رحمك الله لو دعوت الله عز وجل أن
يشغلني من محبته. فنفضت يديها في وجهي. فأعدت القول أقتضي الدعاء.
فقالت: يا عبد الله امض لحاجتك، فقد علم المحبوب ما ناجاه الضمير من
أجلك. ثم ولت وقالت: لولا خوف السلب لبحث بالعجب. ثم قالت أوه من شوق
لا يبرأ إلا بك، ومن حنين لا يسكن إلا إليك، فأين لوجهي الحياء منك؟
وأين لعقلي الرجوع إليك؟.
قال عثمان: فوالله ما ذكرت إلا بكيت وغشي علي.
(2/402)
ذكر
المصطفين من أهل جبلة
مالك بن قيس الجبلي
...
ذكر المصطفين من أهل جبلة
788 - مالك بن القاسم الجبلي
عبد العزيز الأهوازي قال: قال لي سهل بن عبد الله: مخالطة الولي للناس
ذل، وتفرده عز، قلما رأيت ولياً لله إلا منفرداً، إن عبد الله بن صالح
كان رجلاً له سابقة جليلة وموهبة جزيلة وكان يفر من الناس من بلد إلى
بلد حتى أتى مكة فطال مقامه فيها، فقلت له: لقد طال مقامك بها. فقال
لي: لم لا أقيم بها ولم أر بلداً ينزل فيه من الرحمة والبركة أكثر من
هذا البلد؟ فأحببت أن أكون فيه مقيماً والملائكة تغدو فيه وتروح وإني
أرى فيه أعاجيب كبيرة وأرى الملائكة يطوفون به على صور شتى لا يقطعون
ذلك. ولو قلت: كل ما رأيت لصغرت عنه عقول قوم ليسوا بمؤمنين. فقلت له:
أسألك إلا خبرتني بشيء من ذلك؟ فقال: ما من ولي لله تعالى صحت ولايته
إلا وهو يحضر في هذا البلد في كل ليلة جمعة لا يتأخر عنه، فمقامي ها
هنا لأجل من أراه منهم، ولقد رأيت رجلاً يقال له: مالك بن القاسم،
جبلي، وقد جاء ويده غمرة، فقلت له: إنك قريب العهد بالأكل؟ فقال لي:
أستغفر الله فإنني منذ أسبوع لم آكل، ولكن أطعمت والدتي وأسرعت لألحق
صلاة الفجر. وبينه وبين الموضع الذي جاء منه سبعمائة فرسخ، فهل أنت
مؤمن بذلك؟ فقلت: نعم. فقال: الحمد لله الذي أراني مؤمناً موقناً.
(2/403)
789 -
إبراهيم الجبلي
عبد الواحد بن محمد بن أبان الفارسي قال: لقيت إبراهيم الجبي بمكة بعد
رجوعه إلى وطنه وتزويجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافياً. فحدثني
أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفاً شديداً حتى ما كان
يفارقها لحظة. قال: فتفكرت ليلة في كثرة ميلي إليها وشغفي بها فقلت: ما
يحسن بي أن أرد القيامة وفي قلبي هذه، فتطهرت وصليت ركعتين وقلت: سيدي
رد قلبي إلى ما هو أولى. فلما كان من الغد أخذتها الحمى وتوفيت يوم
الثالث ونويت الخروج حافياً من وقتي إلى مكة.
(2/403)
ذكر
المصطفين من أهل العواصم والثغور
أبو عمرو الأوزاعي
...
ذكر المصطفين من أهل العواصم والثغور
790 - أبو عمرو الأوزاعي
واسمه عبد الرحمن بن عمرو، والأوزاع بطن من همدان. كذلك ذكره محمد بن
سعد. وقال البخاري في تاريخه: الأوزاع: قرية بدمشق إذا خرجت من باب
الفراديس.
ولد سنة ثمان وثمانين وسكن بيروت وبها مات.
يحيى بن عبد الملك بن أبي عتبة، قال: كتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد،
فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر
الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به والسلام.
عباس بن الوليد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس ساعة من
ساعات الدنيا إلا وهي معروضة على العبد يوم القيامة يوماً فيوماً وساعة
فساعة، ولا تمر به ساعة لم يذكر الله فيها إلا وتقطعت نفسه عليها
حسرات، فكيف إذا مرت به ساعة مع ساعة ويوم إلى يوم؟.
عن ضمرة عن الأوزاعي قال: الناس عندنا أهل العلم.
عن الهقل بن زياد، عن الأوزاعي أنه وعظ فقال في موعظته: أيها الناس،
تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة التي
تطلع على الأفئدة، فإنكم في دار الثواء فيها قليل وأنتم فيها مؤجلون
خلائف من بعد القرون الذين استقبلوا من الدنيا أنفها وزهرتها فهم كانوا
أطول منكم أعماراً وأمد أجساماً وأعظم آثاراً فخددوا الجبال وجابوا
الصخور ونقبوا في البلاد مؤيدين ببطش شديد وأجسام كالعماد فما لبثت
الأيام والليالي أن طوت مددهم وعفت آثارهم وأخوت منازلهم وأنست ذكرهم،
فما تحس منهم من أحد ولا تسمع لهم ركزاً، كانوا بلهو الأمل آمنين لبيات
قوم غافلين أو لصباح قوم نادمين، ثم إنكم قد علمتم الذي نزل بساحتهم
بياتاً من عقوبة الله عز وجل فأصبح كثير منهم في ديارهم جاثمين وأصبح
الباقون ينظرون في آثار نقمة وزوال نعمة ومساكن خاوية فيها آية للذين
يخافون العذاب الأليم وعبرة لمن يخشى، وأصبحتم من بعدهم من أجل منقوص
وديناً مقبوضة في زمان قد ولى عفوه
ـــــــ
790 - هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو، الفقيه،
ثقة جليل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين.
(2/404)
وذهب
رخاؤه فلم تبق منه إلا حمة شر وصبابة كدر، وأهاويل عبر، وعقوبات غير
وأرسال فتن، وتتابع زلازل ورذالة خلف بهم ظهر الفساد في البر والبحر،
فلا تكونوا أشباهاً لمن خدعه الأمل وغر بطول الأجل وتبلغ بالأماني.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن وعي نذره وانتهى، وعقل سراه فمهد
لنفسه.
عن موسى بن أعين قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا سعيد كنا نمزح ونضحك
فأما إذ صرنا يهتدي بنا ما أرى يسعنا التبسم.
بشر بن الوليد قال: رأيت الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع.
عبد الملك بن محمد قال: كان الأوزاعي لا يكلم أحداً بعد صلاة الفجر حتى
يذكر الله فإن كلمه أحد أجابه.
أحمد بن أبي الحواري قال: بلغني أن نصرانياً أهدى إلى الأوزاعي جرة عسل
وقال له: يا أبا عمرو، تكتب إلى والي بعلبك، فقال: إن شئت رددت الجرة
وكتبت لك وإلا قبلت الجرة ولم نكتب لك. قال: فرد الجرة وكتب له فوضع
عنه ثلاثين ديناراً.
عن أبي أيوب الزيادي، عن الأوزاعي. قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها
صمت، وجزء منها الهرب من الناس.
مروان بن محمد قال: قال الأوزاعي: من أطال قيام الليل هون عليه موقفه
يوم القيامة.
قال أحمد: قال لي مروان: ما أحسب الأوزاعي أخذه إلا من هذه الآية:
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً}
الإنسان: 26 إلى قوله: {يَوْماً ثَقِيلاً} الإنسان: 27.
أبو حفص عمرو بن أبي سلمة، عن الأوزاعي قال: من أكثر ذكر الموت كفاه
اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه.
يوسف بن موسى القطان يحدث أن الأوزاعي قال: رأيت رب العزة في المنام،
فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ قلت:
بفضلك يا رب. فقلت: يا رب أمتني على الإسلام. فقال: وعلى السنة.
المعافي بن عمران، عن الأوزاعي قال: كان يقال يأتي على الناس زمان أقل
شيء في ذلك الزمان أخ مؤنس أو درهم من حلال أو عمل في سنة.
مسلمة بن علي، عن الأوزاعي قال: كان السلف إذا صدع الفجر أو قبله بشيء
كأنما على
(2/405)
رؤوسهم
الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حميماً لأحدهم غاب عنه حيناً ثم قدم
ما التفت إليه، فلا يزالون كذلك حتى يكون قريباً من طلوع الشمس ثم يقوم
بعضهم إلى بعض فيتحلقون، وأول ما يفيضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون
إليه ثم يتحلقون إلى الفقه والقرآن.
أسند الأوزاعي عن محمد بن علي بن الحسين، ويحيى بن أبي كثير، والزهري،
ومحمد بن المنكدر وأبي الزبير وغيرهم. وتوفي ببيروت سنة سبع وخمسين
ومائة في خلافة أبي جعفر وهو ابن سبعين سنة. كذلك قال محمد ابن سعد.
وقال علي بن المديني وتوفي الأوزاعي سنة إحدى وخمسين ومائة.
عن يزيد بن مذكور قال: رأيت الأوزاعي في منامي فقلت: يا أبا عمرو دلني
على أمر أتقرب به إلى الله تعالى. فقال لي: ما رأيت هناك درجة أرفع من
درجة العلم. فقلت: ثم من بعدها؟ قال: درجة المحزونين.
(2/406)
791 -
أبو إسحاق الفزاري
واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث. كان صاحب سنة وعزو.
الفضيل بن عياض قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وإلى
جنبه فرجة، فذهبت لأجلس فيها. فقال: هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري. فقلت
لأبي أسامة: أيهما كان أفضل؟ فقال: كان فضيل رجل نفسه وكان أبو إسحاق
رجل عامة.
محمد بن هارون، أبو نشيط، قال: قال أبو صالح، يعني الفراء: لقيت الفضيل
ابن أبي عياض فعزاني في أبي إسحاق وقال: لربما اشتقت إلى المصيصة ما بي
فضل الرباط إلا أرى أبا إسحاق.
أبو صالح قال: سمعت أبا إسحاق الفزاري يقول: إن من الناس من يحسن عليه
الثناء، وما يساوي عند الله جناح بعوضة.
عباد الغنوي عن أبي إسحاق الفزاري قال: من قال: الحمد لله على كل حال
فإن كانت نعمة كان لها كفاء وإن كانت مصيبة كان لها عزاء.
أبو يحيى قال: سمعت أبا عبيد يقول لما مات أبو إسحاق الفزاري بكى عطاء
ثم قال: ما دخل على الإسلام من موت أحد ما دخل عليه من أبي إسحاق.
ـــــــ
791 - هو: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصين بن
حذيفة الفزاري الإمام، أبو إسحاق، ثقة حافظ له تصانيف، من الثامنة، مات
سنة خمس وثمانين، وقيل: بعدها.
(2/406)
أسند
الفزاري عن عبد الملك بن عمير، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب،
والعمش، وهشام بن عروى في خلق كثير من التابعين، وحدث عن الفزاري سفيان
الثوري والأوزاعي، وتوفي بالمصيصة سنة ثمان وثمانين ومائة، وقيل خمس
وثمانين.
(2/407)
792 -
عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي
من همدان، يكنى أبا عمرو وهو من الكوفة تحول إلى الثغر فنزل الحديث.
عن جعفر بن يحيى بن خالد قال: ما رأينا في القراء أحداً مثل عيسى بن
يونس، أرسلنا إليه فأتانا بالرقة فاعتل قبل أن يرجع. فقلت: يا أبا عمرو
قد أمر لك بعشرة آلاف فقال: هي، فقلت: هي خمسون ألفاً. قال: لا حاجة لي
فيها. فقلت: لم؟ أما والله لأهنئنكها هي والله مائة ألف. قال: لا والله
لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ألا كان هذا قبل أن ترسلوا
إلي؟ فأما على الحديث فلا والله ولا شربة ماء ولا هليلجة.
أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وذكر ورع عيسى
بن يونس، قال: قدم فأمر له بمائة ألف، أو قال: بمال، فلم يقبل، وتدري
ابن كم كان عيسى؟ أراد أنه كان حدث السن.
محمد بن المنكدر قال: حج الرشيد فدخل الكوفة فركب الأمين والمأمون إلى
عيسى بن يونس فحدثهما، فأمر له المأمون بعشرة آلاف درهم. فأبى أن
يقبلها فظن أنه استقلها. فأمر له بعشرين ألفاً. فقال عيسى: لا والله
ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو
ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف.
الحداني قال: قال ابن المبارك لرجل: اكتب نفس هذا الشيخ، يعني عيسى بن
يونس.
رأى عيسى بن يونس جده أبا إسحاق إلا أنه لم يسمع منه شيئاً، وسمع من
إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، والأعمش وخلق كثير، وتوفي بالحدث
من أرض الثغر في شعبان سنة سبع وثمانين، وقيل ثمان وثمانين ومائة.
وقيل: إحدى وتسعين.
ـــــــ
792 - هو: عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي -بفتح المهملة وكسر
الموحدة - أخو إسرائيل، كوفي نزل الشام مرابطا، ثقة مأمون، من الثامنة،
مات سنة سبع وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين.
(2/407)
793 -
يوسف بن أسباط
من قرية يقال لها شيح
عبد الله بن حبيق قال: قال لي يوسف بن أسباط: عجبت كيف تنام عين مع
المخافة، أو
ـــــــ
793 - هو: يونس بن أسباط الزاهد، من سادات المشايخ، له مواعظ وحكم،
انظر سير أعلام النبلاء 8/106.
(2/407)
794 -
مخلد بن الحسين
يكنى أبا محمد. كان من أهل البصرة فتحول فنزل المصيصة.
عبدة بن عبد الله قال: قال مخلد بن الحسين: ما تكلمت بكلمة أريد أن
أعتذر منها، منذ خمسين سنة.
محمد بن بشير الدعاء قال: ذكر عند مخلد بن الحسين أخلاق من أخلاق
الصالحين فقال:
لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
سنيد بن داود قال: ثنا مخلد بن الحسين قال: ما ندب الله تعالى العباد
إلى شيء إلا اعترض فيه إبليس بأمرين ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلواً
فيه وإما تقصيراً عنه.
أسند مخلد عن هشام بن حسان وتوفي بالمصيصة سنة إحدى وتسعين ومائة.
والله أعلم.
ـــــــ
794 - هو: مخلد بن الحسين: بالضم، الأزدي المهلبي، أبو محمد البصري
نزيل المصيصة، ثقة فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين.
(2/410)
795 -
علي بن بكار البصري
يكنى أبا الحسن، سكن المصيصة مرابطاً وكان فقيهاً، موسى بن طريف قال:
كانت
ـــــــ
794 - هو: مخلد بن الحسين: بالضم، الأزدي المهلبي، أبو محمد البصري
نزيل المصيصة، ثقة فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين.
795 - هو: علي بن بكار البصري، الزاهد، نزيل الثغر مرابطا، صدوق عابد،
من التاسعة، مات قبل المائتين أو بعدها.
(2/410)
796 -
حذيفة بن قتادة المرعشي
عبد الله بن خبيق قال: قال حذيفة: إن لم تخش أن يعذبك الله على أفضل
عملك فأنت هالك، وقال حذيفة: لو نزل علي ملك من السماء يخبرني أني لا
أرى النار بعيني، وأني أصير إلى الجنة إلا أني أقف بين يدي ربي تعالى
يسائلني ثم أصير إلى الجنة، لقلت: لا أريد الجنة ولا أقف ذلك الموقف،
ولو جاءني رجل فقال لي: والله الذي لا إله إلا هو، ما عملك عمل
ـــــــ
796 - هو: حذيفة بن قتادة المرعشي، العابد المتواضع، الخاضع المتوادع،
حذيفة بن قتادة، صحب سفيان الثوري وسمع منه، انظر حلية الأولياء 8/295.
(2/411)
من يؤمن
بيوم الحساب لقلت له: يا هذا لا تكفر عن يمينك فإنك لم تحنث، وسمعت
حذيفة يقول: إني لأستغفر الله من كلامكم إذا خرجتم من عندي خمسين مرة.
قال ابن خبيق: وقال لي حذيفة: إنما هي أربعة، عيناك، ولسانك، وهواك،
وقلبك، فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك، وانظر لسانك لا تقل
به شيئاً يعلم الله خلافه من قلبك، وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل
على أحد من المسلمين، وانظر هواك لا تهوى شيئاً، فما لم تكن فيك هذه
الأربع الخصال فالرماد على رأسك.
موسى بن المعلى قال: قال حذيفة: يا موسى، ثلاث خصال إن كن فيك لم ينزل
من السماء خير إلا كان لك فيه نصيب: يكون عملك لله عز وجل وتحب للناس
ما تحب لنفسك، وهذه الكسرة تحر فيها ما قدرت.
عن عبد الله بن عيسى الرقي قال: قال لي حذيفة: هل لك أن أجمع لك الخير
كله في حرفين؟ قتل: ومن لي بذلك؟ قال: مداراة الخبز من حله وإخلاص
العمل لله عز وجل حسبك.
يوسف بن أسباط قال: سمعت حذيفة بن قتادة المرعشي يقول: لو أصبت من
يبغضني على حقيقة في الله لأوجبت على نفسي حبه.
يوسف بن أسباط قال: قال لي حذيفة المرعشي: ما أصيب أحد بمصيبة أعظم من
قساوة قلبه.
قال يوسف: وقال حذيفة: كان يقال: إذا رأيتم الرجل قد جلس وحده فانظروا
لأي شيء جلس؟ فإن كان جلس ليجلس إليه فلا تجلسوا إليه.
عن بشر بن الحارث قال: سمعت المعافي بن عمران يقول: كان عشرة ممن مضى
من أهل العلم ينظرون في الحلال النظر الشديد لا يدخلون بطونهم إلا ما
يعرفون من الحلال، وإلا استفوا التراب، منهم حذيفة المرعشي.
الفيض بن إسحاق قال: ذكر عند حذيفة المرعشي الوحدة وما يكره منها.
فقال: إنما يكره ذلك للجاهل، فأما عالم يعرف ما يأتي فلا. وقال: ما
أعلم من أعمال البر أفضل من لزومك بيتك، ولو كانت لك حيلة لهذه الفرائض
لكان ينبغي لك أن تحتال لها.
عبد الله بن حبيق قال: قال حذيفة المرعشي إياكم وهدايا الفجار والسفهاء
فإنكم إن قبلتموها ظنوا أنكم قد رضيتم فعلهم.
(2/412)
بشر بن
الحارث قال: كتب حذيفة إلى يوسف بن أسباط: يا أخي إني أخاف أن يكون بعض
محاسننا أضر علينا في القيامة من مساوئنا.
قال: وكتب إليه أيضاً: لا حتى تكون في موضع إذا جئت إلى البقال فقلت
أعطني مطهرتك قال: هات كساءك.
ابن أبي الدرداء قال: قلت لحذيفة: أوصني، قال: انظر خبزك من أين تأكل،
ولا تجالس من يرخص لك ويعطيك، ثم قال: إن أطعت الله في السر أصلح قلبك،
شئت أو أبيت.
نبهان بن المغلس قال: أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي قال: كنت في
المركب فكسر بنا، فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا
سبعة أيام. فقالت المرأة: أنا عطشى، فسألت الله تعالى أن يسقينا. فنزلت
علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء. فشربت، رفعت رأسي إلى
السلسلة فرأيت رجلاً جالساً في الهواء متربعاً فقلت: من أنت؟ قال: من
الأنس. قلت: فما الذي بلغك هذه المنزلة؟ قال: آثرت مراد الله عز وجل
على هواي فأجلسني كما تراني.
لا نحفظ لحذيفة مسنداً، وكان مشغولاً بالرعاية عن الرواية. وقد صحب
الثوري. وتوفي سنة سبع ومائتين.
(2/413)
797 -
أبو معاوية الأسود
واسمه اليمان: نزل طرسوس.
أحمد بن وديع قال: قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني. قيل
له: وكيف ذلك يا أبا معاوية؟ قال: كلهم يرى الفضل لي على نفسه، ومن
فضلني على نفسه فهو خير مني.
أحمد بن فضيل العتكي قال: غزا أبو معاوية الأسود. فحصر المسلمون حصناً
فيه علج لا يرمي بحجر ولا نشاب إلا أصاب. فسكوا إلى أبي معاوية فقرأ
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} الأنفال: 17.
ثم قال: استروني منه. فلما وقف قال: أين تريدون بإذن الله؟ قالوا:
المذاكير قال: يا رب سمعت ما سألوني فأعطني ما سألوني. بسم الله، ثم
رمى فمر السهم حتى إذا قرب من الحائط ارتفع حتى أخذ العلج مذاكيره
فوقع. فقال: شأنكم به.
ـــــــ
797 - هو: أبو معاوية الأسود، من كبار أولياء الله، صحب سفيان الثوري،
وإبراهيم بن أدهم، وغيرهما، وكان يعد من الأبدال وقيل: إنه ذهب بصره،
فكان إذا أراد التلاوة في المصحف أبصر بإذن الله، انظر سير أعلام
النبلاء 8/43.
(2/413)
جعفر بن
محمد بن الحسين بن زيد بن مسلم الرامهرمزي قال: سمعت أبي يقول: سمعت
أبا معاوية الأسود يقول، وهو على سور طرسوس، من جوف الليل، يبكي ويقول:
ألا من كانت الدنيا من أكبر همه طال في القيامة غداً همه. ومن خاف ما
بين يديه ضاق في الدنيا ذرعه. ومن خاف الوعيد، لهي من الدنيا عما يريد،
يا مسكين إن كنت تريد لنفسك الزيل، فأقلل نومك بالليل إلا القليل، أقبل
من اللبيب الناصح، إذا أتاك بأمر واضح، لا تهتمن بأرزاق من تخلف، فلست
أرزاقهم تكلف، وطن نفسك للمقال، إذا وقفت بين يدي رب العزة للسؤال، قدم
صالح الأعمال، ودع عنك كثرة الأشغال، بادر ثم بادر، قبل نزول ما تحاذر،
إذا بلغ روحك التراقي، وانقطع عنك من أحببت أن تلاقي، كأني بها وقد
بلغت الحلقوم، وأنت في سكرات الموت مغموم، وقد انقطعت حاجتك إلى أهلك،
وأنت تراهم حولك. وبقيت مرتهناً بعملك، الصبر ملاك الأمر، وفيه أعظم
الأجر، فاجعل ذكر الله من جل شأنك، واملك فيما سوى ذلك لسانك. ثم بكى
أبو معاوية بكاء شديداً. ثم قال: أوه من يوم يتغير فيه لوني، ويتلجلج
فيه لساني، ويجف فيه ريقي، ويقل فيه زادي. فقيل له: يا أبا معاوية من
قال هذا الكلام؟ فقال لحكيم.
أبو حمزة، نصير بن الفرج الأسلمي، وكان خادماً لأبي معاوية الأسود قال:
كان أبو معاوية قد ذهب بصره، فكان إذا أراد أن يقرأ فتش المصحف وفتحه
فيرد الله عليه بصره، وإذا أطبق المصحف ذهب بصره.
عن أبي الزاهرية قال: قدمت طرسوس، فدخلت على أبي معاوية الأسود وهو
مكفوف البصر، وفي منزله مصحف معلق. فقلت: رحمك الله مصحف وأنت لا تبصر؟
قال: تكتم علي يا أخي حتى أموت؟ قال: قلت: نعم. قال: إني إذا أردت أن
أقرأ القرآن فتح لي بصري.
عبد الرحمن بن عبد الله قال: استطال رجل على أبي معاوية الأسود فقال له
رجل: مه. فقال أبو معاوية: دعه يشتفي. ثم قال: اللهم اغفر الذنب الذي
سلطت علي به هذا.
أبو موسى المغازلي قال: كنت أسمع أبا معاوية الأسود إذا قام من الليل
يستقي الماء، يقول: ما ضرهم ما أصابهم في الدنيا. جبر الله لهم كل
مصيبة بالجنة.
يحيى بن المعين قال: رأيت معاوية السود وهو يلتقط الخرق من المزابل
فيلفقها ويغسلها، فقيل له: يا أبا معاوية إنك تكسي. فقال: ما ضرهم ما
أصابهم في الدنيا، جبر الله عز وجل لهم بالجنة كل مصيبة. قال أبو علي
فرأيت يحيى يبكي.
لا نعرف لأبي معاوية مسنداً.
(2/414)
798 -
سليمان الخواص
مضاء بن عيسى قال: مر سليمان الخواص بإبراهيم بن أدهم، وهو عند قوم قد
أضافوه وأكرموه فقال: نعم الشيء هذا يا إبراهيم إن لم تكن تكرمة على
دين.
أحمد بن وديع قال: قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي
نصيحة. ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه.
يزيد بن سعيد قال: دخل سعيد بن عبد العزيز على سليمان الخواص فقال له:
أراك في ظلمة، قال: ظلمة القبر أشد من هذا، قال: أراك وحدك، قال: إن
للصاحب على الصاحب حقاً فخفت أن لا أقوم بحق صاحبي، قال: فأخرج سعيد
صرة فيها شيء، فقال له: تنفق هذا وأنا أحلف لك بين يدي الله تعالى أنه
حلال، قال: لا حاجة لي فيها. فقال له يرحمك الله ما ترى ما الناس فيه
دعوى! قال: فصرخ سليمان صرخة ثم قال: ما لك يا سعيد فتنتني بالدنيا
وتفتنني بالدين؟ ما لي والدعاء؟ من أنا؟ فخرج سعيد فأخبر بما كان
الأوزاعي. فقال الأوزاعي: دعوا سليمان، لو كان سليمان من الصحابة كان
مثلاً.
لا نعلم لسليمان مسنداً، كان مشغولاً بالعبادة.
ـــــــ
798 - هو: سليمان الخواص، من العابدين الكبار بالشام، وهو الفطن
الخواص، انظر سير أعلام النبلاء 7/466 و حلية الأولياء 8/305.
(2/415)
799 -
سلم بن ميمون الخواص
من أهل طبرية. وبها مات.
إسماعيل بن أبي سلمة قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن
منادياً ينادي: ألا ليقم السابقون. فقام سفيان الثوري ثم نادى الثانية:
ألا ليقم السابقون فقام سلم الخواص. ثم نادى الثالثة: ألا ليقم
السابقون. فقام إبراهيم بن أدهم.
أحمد بن ثعلبة قال: سمعت سلماً الخواص يقول: كنت أقرأ القرآن فلا أجد
له حلاوة. فقلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه
وسلم. قال: فجاءت حلاوة قليلة، ثم قلت لنفسي: اقرئيه كأنك سمعته من
جبريل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فازددت الحلاوة. قال: ثم قلت لها
اقرئيه كأنك سمعته منه حين يتكلم به. فجاءت الحلاوة كلها.
ـــــــ
799 - هو: سلم بن ميمون الخواص: هو أصغر من سليمان الخواص، قال ابن
حبان: كان من كبار عباد أهل الشام، غلب عليه الصلاح حتى غفل عن حفظ
الحديث وإتقانه، فلا يحتج به، انظر سير أعلام النبلاء 7/466.
(2/415)
قاسم
الجوعي قال: جئت سلماً الخواص فقدم إلي نصف بطيخة ونصف رغيف وقال لي:
كل يا قاسم، نزلت على أخ لي فقدم لي نصف خيارة ونصف رغيف وقال لي: كل
يا سلم فإن الحلال لا يحتمل السرف، ومن درى من أين يكسب دري كيف ينفق.
أسند سلم عن مالك بن أنس وابن عيينة وأقرانهما.
(2/416)
800 -
أبو عبيدة الخواص واسمه عباد بن عباد
وقد اشتهر بأبي عبيدة وإنما هو أبو عتبة، كذلك ذكره البخاري وغيره.
أبو موسى الصوري قال: كتب بن عباد الخواص إلى إخوانه يعظهم: إنكم في
زمان قد رق فيه الورع وقل فيه الخشوع، وحمل العلم مفسدوه فأحبوا أن
يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل به، فنطقوا فيه بالهوى
ليزينوا ما دخلوا فيه من الخطر، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم
تقصير لا يعترف به. أحبوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش
وزايلوهم بالقول.
أبو عبيد العسقلاني قال: رأيت أبا عبيدة الساحلي لم يضحك أربعين سنة.
فقيل له: لم لا تضحك؟ فقال: كيف أضحك أنا وفي أيدي المشركين من
المسلمين أحد.
عبد الأعلى بن سليمان قال: رأيت أبا عبيدة الخواص على سرته خرقة، وعلى
رقبته خرقة وهو يمشي في طريق البصرة. وهو يقول واشوقاه إلى من يراني
ولا أراه.
أحمد بن الحواري قال: دخل عباد الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير
فلسطين، فقال له: يا شيخ عظني؟ فقال: بم أعظك أصلحك الله؟ بلغني أن
أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى، فانظر ما يعرض على رسول
الله صلى الله عليه وسلم من عملك. فبكى حتى سالت الدموع من لحيته.
عن بشر بن الحارث قال: رأيت على جبال عرفة رجلاً قد ولع به الوله وهو
يقول:
سبحان من سجدنا بالعيون له ... على شبا الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته ... ولا العشير ولا عشراً من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه ... سبحانه من مليك نافذ القدر
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به ... في جوف ليلي، وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي ... من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري
ـــــــ
800 - هو: عباد بن عباد الرملي، الأرسوفي -بمهملة وفاء - أبو عتبة
الخواص، صدوق يهم، أفحش ابن حبان فقال: سيتحق الترك، من التاسعة.
(2/416)
ثم أنشد
أيضاً:
كم قد زللت فلم أذكرك في زللي ... وأنت يا سيدي في الغيب تذكرني
كم اكشف الستر جلاً عند معصيتي ... وأنت تلطف بي حقاً وتسترني
لأبكين بدمع العين من أسف ... لأبكين بكاء الوله الحزن
قال: ثم غاص من خلال الناس فلم أره فسألت عنه فقيل: هذا أبو عبيدة
الخواص منذ سبعين سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل.
عقبة بن فضالة قال: سمعت أبا عبيدة الخواص بعد ما كبروا هو آخذ بلحيته
يبكي ويقول: قد كبرت فأعتقني.
أسند عباد عن الأوزاعي، وأبي بكر بن أبي مريم، وغيرهما.
(2/417)
801 -
أبو يوسف الغسولي
جنيد قال: سمعت سرياً يذكر أن أبا يوسف الغسولي كان يلزم الثغر ويغزو،
وكان إذا غزا مع الناس ودخلوا بلاد الروم أكل أصحابه من ذبائح الروم
ومن فواكههم، وكان أبو يوسف لا يأكل فيقال له: يا أبا يوسف تشك أنه
حلال؟ فيقول هو حلال. فيقال له: فكل من الحلال. فيقول: إنما الزهد في
الحلال.
حرمي بن يونس قال: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: أنا أتفقه في مطعمي من
ستين سنة.
قال المروزي: وسمعت بعض المشيخة يقول: سمعت أبا يوسف الغسولي يقول: إنه
ليكفيني في السنة اثنا عشر درهماً، في كل شهر درهم، وما يحملني على
العمل إلا ألسنة هؤلاء القراء. يقولون: أبو يوسف من أين يأكل؟
قال المروزي: وسمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: أبو يوسف الغسولي
قد خلف ابن إدريس. يعني في الورع.
(2/417)
802 -
أحمد بن عاصم الأنطاكي
يكنى أبا علي. ويقال أبا عبد الله. من متقدمي مشائخ الثغور وكان يقال
له جاسوس القلوب.
ـــــــ
802 - هو: أحمد بن عاصم الأنطاكي، أبو عبد الله، صاحب مواعظ وسلوك،
انظر حلية الأولياء 9/293.
(2/417)
803 -
أبو عبد الله النباجي
واسمه سعيد بن يزيد.
قال محمد بن أبي الورد: قال أبو عبد الله النباجي من خطرت الدنيا بباله
لغير القيام بأمر الله حجب عن الله.
وقال ابن أبي الورد: صلى أبو عبد الله النباجي يوماً بأهل طرسوس فصيح
النفير، فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاسوس. قال: ولم؟
قالوا: صيح بالنفير وأنت في الصلاة فلم تخفف. قال: ما حسبت أن أحداً
يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما يخاطبه الله عز وجل.
الحسين بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله النباجي قال: قال لي قائل في
منامي: أو يحسن بالحر المريد أن يتذلل للعبيد، وهو واجد عند مولاه كل
ما يريد؟
أحمد بن أبي الحواري عن أبي عبد الله النباجي قال: إن في خلق الله عز
وجل خلقاً يستحيون من الصبر لو يعلمون أقداره تلقفوها تلقفاً.
أحمد بن محمد بن بكر القرشي قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول:
اطلبوا النظر في الرضا عن الله عز وجل وتساءلوا عنه بينكم إنكم إن
ظفرتم منه بشيء علوتم به الأعمال كلها، قال: وسمعته يقول: لا تستكثروا
الجنة للمؤمن، فإنه قد وافى بأعظم قدر عنده من الجنة: معرفة الله
والإيمان به.
وسمعته يقول: الذي جعل الله عز وجل المعرفة عنده يتنعم مع الله عز وجل
في كل أحواله.
أبو عبيد الله الإمام قال: سمعت أبا عبد الله النباجي يقول: إذاكان
عندك ما أعطى الله عز وجل نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلى الله
عليه وسلم لا تراه شيئاً وإنما تريد ما أعطى الله نمرود وفرعون وهامان
فمتى تفلح؟.
لا نعرف للنباجي مسنداً، وإنما كان مشغولاً بالزهد والتعبد، وقد حكى عن
الثوري والفضيل وغيرهما.
ـــــــ
803 - هو: العجاج الناجي، أبو عبد الله الساجي سعيد بن يزيد، كان يعج
من نفسه إلى ربه عجيجا، ويشتاق إليه شاكيا أنينا وضجيجا، انظر حلية
الأولياء 9/223.
(2/419)
804 -
عبد الله بن خبيق بن سابق
أبو محمد. أصله من الكوفة. ثم سكن أنطاكية واستفاد من يوسف بن أسباط.
محمد بن المسيب الأرغياني قال: أنا عبد الله بن خبيق قال: أنت لا تطيع
من يحسن إليك فكيف تحسن إلى من يسيء إليك.
عمر بن عبد الله الهجري قال: سمعت عبد الله بن خبيق يقول: لا تغتم إلا
من شيء يضرك غداً، ولا تفرح بشيء لا يسرك غداً، وأنفع الخوف ما حجزك عن
المعاصي وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة في بقية عمرك.
أسند ابن خبيق عن يوسف بن أسباط وغيره.
ـــــــ
804 - هو: عبد الله بن خبيق بن سابق، الصادق الواثق المشمر اللاحق،
تخرج على يوسف بن أسباط فأعرض عن الشبهات وأماط، سكن من الثغور
أنطاكية، انظر حلية الأولياء 10/176.
(2/420)
805 -
أبو الحارث الأولاسي
واسمه فيض بن الخضر كان شاباً يغني في أول أمره وقال: بينا أنا في
غفلتي رأيت عليلاً مطروحاً على قارعة الطريق، فدنوت منه فقلت: هل تشتهي
شيئاً؟ قال: نعم رماناً. فجئته برمان فلما وضعته بين يديه رفع بصره
وقال: تاب الله عليك. فما أمسيت حتى تغير قلبي عما كنت عليه، وخرجت إلى
الحج وأنا أسير بالليل إذا بقوم يشربون، فما رأوني ذهلوا فأجلسوني
وعرضوا علي الطعام والشراب. فقلت: أحتاج إلى البول فذهبت فوقعت في غابة
فإذا سبع. فقلت: اللهم إنك تعلم ما تركت ومماذا خرجت وفيما ذا خرجت
فاصرف عني شر هذا السبع، فولى السبع ودخلت مكة فلقيت بها من انتفعت به،
منهم إبراهيم بن سعد العلوي.
الحسن بن خلف قال: قال لي أبو الحارث الأولاسي فيض بن الخضر: رأيت
إبليس له جمة شعر فأقبلت أتملقه واقول: ويحك ما أنا في هذا الخلق؟ خلني
وربي. فقال: هيهات هيهات، كيف أخليك وفيك وفي أبيك هلكت، لا أو تهلكوا
معي. قال: فأخذت برأسه فجعلته على حجر وأخذت بحلقه أخنقه ثم قلت: كيف
أقدر على قتله وقد أخره الله عز وجل إلى يوم القيامة؟ ولكن أرفق به
فجعلت أتملقه وهو يأبى. فقلت له: دلني على ما ينفعني؟ فقال: أدلك على
السكر والحملان والجوذابات والدنانير والدراهم أن تكثر منها. فقلت له:
يا ملعون أنا أسألك أن تدلني على شيء ينفعني في أمر آخرتي، تدلني على
الدنيا وما أصنع أنا بهذا
(2/420)
وما حاجتي
إليه؟ فقال: من ههنا صار رأسي وحلقي في يدك تقلبه كيف شئت وتلعب به.
قلت: أفدتني علماً، لا جرم إني لأرجو أن لا أنال منها شيئاً إلا ما لا
غنى بي عنه فقال: إن تركتك فاصعد العقبة وسأستعين عليك بولد جنسك الذين
زينت في أعينهم ما قبح في عينك فأجابوني إليه فبهم أستعين عليك فيأتوك
من مأمنك.
توفي أبو الحارث بطرسوس سنة سبع وتسعين ومائتين.
(2/421)
806 -
أبو الخير التيناتي
أصله من المغرب وسكن تينات، وهي قرية من قرى أنطاكية. ويقال له الأقطع،
لأنه كان مقطوع اليد. وكان سبب ذلك أنه كان في جبال أنطاكية وحواليها
يطلب المباح وينام بين الجبال وأنه عاهد الله تعالى أن لا يأكل من ثمر
الجبال إلا ما طرحته الريح. فبقي أياماً لم تطرح إليه الريح شيئاً.
فرأى يوماً شجرة كمثرى فاشتهى منها فلم يفعل. فأمالتها الريح إليه فأخذ
واحدة. واتفق أن لصوصاً قطعوا هنالك الطريق وجلسوا يقتسمون. فوقع عليهم
السلطان فأخذهم وأخذ معهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وقطعت يده، فلما هموا
بقطع رجله عرفه رجل فقال للأمير: أهلكت نفسك، هذا أبو الخير. فبكى
الأمير وسأله أن يجعله في حل. ففعل وقال: أنا أعرف ذنبي.
منصور بن عبد الله قال: قال أبو الخير: الدعوى رعونة لا يحتمل القلب
إمساكها، فليلقها إلى اللسان فتنطق بها ألسنة الحمقى. قال: وسمعته
يقول: دخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم،وأنا بفاقة فأقمت خمسة
أيام ما ذقت ذوماأ فتقدمت إلى القبر فسلمت على النبي صلى الله عليه
وسلم وأبو بكر وعمر وقلت أنا ضيفك الليلة يا رسول الله وتنحيت فنمت خلق
المنبر فرأيت في النوم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عن يمينه،
وعمر عن شماله، وعلي ابن أبي طالب بين يديه. فحركني علي وقال لي: قم قد
جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت إليه وقبلت بين عينيه، فدفع
إلي رغيفاً فأكلت نصفه وانتبهت وإذا في يدي نصف رغيف.
إبراهيم بن محمد المراغي قال: سمعت أبا الخير التيناتي يقول: بقيت بمكة
سنة فأصابني ضر وفاقة، فكلما أردت أن أخرج إلى المسألة هتف بي هاتف
يقول: الوجه الذي يسجد لي تبذله لغيري؟.
ـــــــ
806 - هو: أبو الخير الأقطع التيناتي، له الآيات، توفي بعد الأربعين،
كان الهوام والسباع يأنسون بمجالسته ويأوون إليه، كان ينسج الخوص إحدى
يديه، انظر حلية الأولياء 10/407.
(2/421)
أخبرنا
المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر قال أنبأ أحمد بن الحسن بن خيرون قال:
قرأت على أبي الحسين علي بن محمود الصوفي أخبركم علي بن المثنى،
وأخبرنا أبو بكر العامري قال: أنبأ علي بن أبي صادق قال: أنا ابن
باكويه قال: أخبرني إبراهيم بن أحمد المراغي قالا: سمعنا أبا الخير
التيناتي الأقطع يقول: ما بلغ أحد إلى حالة شريفة إلا بملازمة الموافقة
ومعانقة الأدب وأداء الفرائض وصحبة الصالحين وخدمة الفقراء الصادقين.
محمد بن الفضل قال: خرجت من أنطاكية ودخلت تينات ودخلت على أبي الخير
الأقطع على غفلة منه بغير إذن فإذا هو ينسج زنبيلاً بيديه، تعجبت، فنظر
إلي وقال: يا عدو نفسه، ما الذي حملك على هذا؟ فقلت: هيجان الوجد لما
بي من الشوق إليك. فضحك ثم قال لي: اقعد لا تعد إلى شيء من هذا بعد
اليوم. ثم قال: استر علي في حياتي، ففعلت.
قال ابن باكويه، وسمعت إبراهيم بن محمد السباك برها يقول: كنا نطلع على
أبي الخير التيناتي من الخوخة وهو يسف الخوص بيديه فإذا خرج رأيناه
أقطع.
أبو الحسن البغراسي قال: قال لي أبو الخير التيناتي: إياك وكثرة السفر
فإنه يقسي القلب ويذهب بالدين.
أبو بكر المصري قال: سمعت بعض أصحابنا فقيراً يعرف بالأنصاري يقول:
دخلت على أبي الخير فناولني تفاحتين فجعلتهما في جيبي وقلت: لا
أتناولهما وأتبرك بهما لموضع الشيخ عندي فكانت تجري علي فاقات لا
أتناولهما فأجهدتني الفاقة فأخرجت واحدة أكلتها وأدخلت يدي لأخرج
الثانية إذا التفاحتان مكانهما، فما زلت آكل منهما حتى دخلت الموصل
فجزت على خراب وإذا بعليل ينادي من الخراب: يا ناس أشتهي تفاحة، ولم
يكن وقت التفاح، فأخرجت التفاحتين فناولتهما إياه فأكل وخرجت روحه من
وقته. فعلمت أن الشيخ أعطاني من أجل ذلك العليل.
صحب أبو الخير التيناتي أبا عبد الله بن الجلاء وغيره من المشايخ. ولا
نعلمه أسند شيئاً من الحديث. وتوفي بعد الأربعين وثلاث مائة.
(2/422)
ذكر المصطفين من عباد الثغور المجهولي الأسماء
807 - عابد طوسوسي
أبو سليمان المغربي قال: كنت أحمل الحطب من الجبل وأتقوت منه، وكان
طريقي فيه التوقي والتحري، قال: فرأيت جماعة من البصريين في النوم،
منهم الحسن ومالك بن دينار وفرقد السبخي، فسألتهم عن علم حالي فقلت:
أنتم أئمة المسلمين دلوني على الحلال الذي ليس لله فيه تبعة ولا للخلق
فيه منه، فأخذوا بيدي فأخرجوني من طرسوس إلى مرج فيه خبازي فقالوا لي:
هذا الحلال الذي ليس لله عز وجل فيه تبعة ولا للمخلوق فيه منه. قال:
فمكثت آكل منه نصف سنة، ثلاثة أشهر في دار السبيل، وكنت آكله نياً
ومطبوخاً فصار لي حديث، فقلت: هذه فتنة. فخرجت من دار السبيل فكنت آكله
ثلاثة أشهر أخر. فأوجدني الله عز وجل قلباً طيباً حتى قلت: إن كان أهل
الجنة بهذا القلب الذي لي فهم والله في شيء طيب، وما كنت آنس بكلام
الناس، فخرجت يوماً من باب قلمية إلى صهريج يعرف بالمدنف فجلست عنده
فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش يريد طرسوس وقد بقي معي قطيعات من
ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل فقلت: أنا قد قنعت بهذا الخبازي،
أعطي هذه القطع هذا الفقير إذا دخل طرسوس اشترى بها شيئاً وأكله، فلما
دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي حتى أخرج الخرقة فإذا أنا بالفقير قد حرك
شفتيه وإذا كل ما حولي من الأرض ذهب يتقد حتى كاد يخطف بصري، ولبسني
منه هيبة فجاز ولم أسلم عليه من هيبته. قال الشيخ أبو بكر: وزادني أبو
الفرج بن أبان في هذه الحكاية قال: فقلت له: فرأيته بعد ذلك؟ فقال:
نعم، خرجت يوماً خارج طرسوس إذا بالفتى جالس تحت برج من الأبرجة وبين
يديه ركوة فيها ماء فسلمت عليه ثم استدعيت منه موعظة فمد رجله فقلب
الماء، ثم قال لي: كثرة الكلام تنشف الحسنات كما أنشفت الأرض هذا
الماء. قم يكفيك.
808 - عابد آخر
علي بن الحسن بن موسى قال: قال رجل: لأمتحنن أهل البلاء. قال: فدخلت
على رجل بطرسوس وقد أكلت الآكلة أطرافه. فقلت له: كيف أصبحت؟ قال:
أصبحت والله وكل عرق
(2/423)
وكل عضو
يألم على حدته من الوجع، وإن ذلك لبعين الله أحبه إلي أحبه إلى الله،
وما قدر ما أخذ ربي مني؟ وددت أن ربي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها
الإثم، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكراً. قال: فقال له رجل:
متى بدأت بك هذه العلة؟ فقال: الخلق كلهم عبيد الله وعياله، فإذا نزلت
بالعباد علة فالشكوى إلى الله ليس يشتكى إلى العباد.
809 - عابد مصيصي
علي بن الحسن قال: كان رجل بالمصيصة ذاهب نصفه الأسفل لم يبق منه إلا
روحه في بعض جسده، ضرير على سرير مثقوب فدخل عليه داخل فقال له: كيف
أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى الله عز وجل ما لي إليه
من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام.
810 - عابد من أهل بيروت
أبو عبد الرحمن الأزدي قال: كنت أدور على حائط بيروت فمررت برجل متدلي
الرجلين في البحر وهو يكبر. فاتكأت على الشرافة التي إلى جنبه فقلت: يا
شاب مالك جالساً وحدك؟ قال: اتق الله ولا تقل لي إلا حقاً، ما كنت قط
وحدي منذ ولدتني أمي، إن معي ربي حيث ما كنت، ومعي ملكان يحفظان علي،
وشيطان ما يفارقني فإذا عرضت لي حاجة إلى ربي عز وجل سألته إياها ولم
أسأله بلساني، فجاءني بها.
ومن المصطفيات من عابدات الثغور:
811 - زينب الطبرية
هارون بن الحسن قال: سمعت سلماً الخواص يقول: كانت عندنا جارية يقال
لها زينب، وكانت تحسن خدمة مولاها، فذهبت أسلم عليها فقالت: يا أبا
محمد كنت منذ ليال قائمة أخدم مولاي فغلبتني عيني فسمعت قائلاً يقول:
صلاتك نور والعباد رقود ... قومي فصلى للغفور الودود
قال: وخرجت يوماً في حاجة فعثرت فانقطع إصبع من أصابعها قال: فاجتمعنا
رجالاً ونساء نعزيها في إصبعها، فقالت: يا إخوتي وأخواتي أنساني لذة
ثوابها وجعها فوهب الله لي ولكم الرضا والعفو عما مضى، قوموا حتى نخدم
من الطريق عليه غداً.
(2/424)
ذكر المصطفين من عباد أهل الشام المجهولي الأسماء
812 - عابد يقال له الديلمي
محمد بن المبارك الصوري قال: سمعت الوليد بن مسلم يقول: غزا المسلمون
غزوة فيهم الديلمي، فأسرته الروم وصلبوه على الدقل، لما رآه المسلمون
مصلوباً حملوا على الروم حملة فأخذوا المركب الذي فيه الشيخ فأنزلوه عن
الدقل. فقال لهم: أعطوني ماء أصب علي. فقالوا: لم تصب عليك؟ فقال: إني
جنب، لأنهم لما صلبوني أخذتني نعسة فرأيت نفسي كأني على نهر فيه وصائف
فمددت يدي إلى واحدة منهن فافترعتها فأصابتني جنابة.
813 - عابد آخر
عن معروف الكرخي قال: رأيت رجلاً في البادية شاباً حسن الوجه، له
ذؤابتان حسنتان، وعلى رأسه رداء قصب وعليه قميص كتان، وفي رجله نعل
طاق. قال معروف: فتعجبت منه في مثل ذلك المكان ومن زيه فقلت: السلام
عليك ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ورحمة الله يا عم، فقلت:
الفتى من أين؟ فقال: من مدينة دمشق. قلت: ومتى خرجت منها؟ قال: ضحوة
النهار. قال معروف: فتعجبت وكان بينه وبين الموضع الذي رأيته فيه مراحل
كثيرة فقلت له: وأين المقصد؟ فقال: مكة، فعلمت أنه محمول فودعته ومضى
ولم أره. حتى مضت ثلاث سنين. فلما كان ذات يوم وأنا جالس في منزلي
أتفكر في أمره وما كان منه إذا بإنسان يدق الباب فخرجت إليه فإذا أنا
بصاحبي فسلمت عليه وقلت: مرحباً وأهلاً. وأدخلته المنزل فرأيته منقطعاً
والهاً تالفاً عليه زرمانقة حافياً حاسراً فقلت: هيه أي هيه أي شيء
الخبر؟ فقال: يا أستاذ لاطفني حتى أدخلني الشبكة ورماني، فمرة يلاطفني
ومرة يهددني، ويجيعني مرة ويكرمني أخرى، فليته وقفني على بعض أسرار
أوليائه ثم ليفعل بي ما شاء. قال معروف: فأبكاني كلامه فقلت له: فحدثني
ببعض ما جرى عليك منذ فارقتني. فقال: هيهات أن أبديه وهو يريد أن
نخفيه، ولكن بدياً ما فعل، في طريقي إليك، مولاي وسيدي، ثم استفرغه
البكاء فقلت: وما فعل بك؟ قال: جوعني ثلاثين يوماً ثم جئت إلى قرية
فيها مقثأة قد نبذ منها المدود وطرح، فقعدت آكل منه فبصر بي صاحب
المقثأة فأقبل إلي بضرب ظهري وبطني، ويقول: يا لص ما خرب مقثأتي غيرك،
منذ كم أنا أرصدك حتى وقعت عليك؟ فبينا
(2/425)
هو يضربني
إذ أقبل فارس نحوه مسرعاً إليه وقلب السوط في رأسه وقال: تعمد إلى ولي
من أولياء الله عز وجل فتقول له: يا لص؟ فأخذ صاحب المقثأة بيدي فذهب
بي إلى منزله فما أبقى من الكرامة شيئاً إلا عمله واستحلني وجعل مقثأته
لله عز وجل ولأصحاب معروف فقلت له: صف لي معروفاً، فوصف لي فعرفتك بما
قد كنت شاهدته من صفتك. قال معروف؛ فما استتم كلامه حتى دق صاحب
المقثأة الباب ودخل إلي وكان موسراً فأخرج جميع ماله وأنفقه على
الفقراء وصحب الشاب سنة وخرجا إلى الحج فماتا بالربذة.
814 - عابد آخر
داود بن رشيد قال: حدثني الصبيح والمليح، شابان كانا يتعبدان بالشام،
سميا الصبيح والمليح لحسن عبادتهما، قالا: جعنا أياماً، فقلت لصاحبي،
أو قال لي: أخرج بنا إلى الصحراء، لعلنا نرى رجلاً نعلمه بعض دينه، لعل
الله عز وجل أن ينفعنا به. فلما أصحرنا استقبلنا أسود على رأسه حزمة
حطب. فدنونا منه فقلنا له: يا هذا - من ربك؟ فرمى الحزمة عن رأسه وجلس
عليها وقال: لا تقولا لي من ربك؟ ولكن قولا لي: أين محل الإيمان من
قلبك فنظرت إلى صاحبي ونظر إلي صاحبي، ثم قال: سلا، سلا، فإن المريد لا
تنقطع مسائله، فلما رآنا لا نحير جواباً قال: اللهم إن كنت تعلم أن لك
عباداً كلما سألوك أعطيتهم فحول حزمتي هذه ذهباً، فرأيناها قضبان ذهب
تلتمع، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم لك عباداً الإخمال أحب إليهم من
الشهرة فردها حطباً. فرجعت والله حطباً. ثم حملها على رأسه ومضى فلم
نجترئ أن نتبعه.
815 - عابد آخر
عن عبد السلام بن حرب قال: ذكر الحسن بن حي رجلاً من أهل الشام فذكر
عبادته، قال له خلف بن حوشب: فكيف كانت رقته؟ قال: ذهبت رقته، أما رأيت
الثكلى تكمد؟
816 - عابد آخر
بكر العابد قال: كان عابد من أهل الشام قد حمل على نفسه في العبادة.
فقالت له أمه: يا بني عملت ما لم يعمل الناس أما تريد أن تهجع؟ فأقبل
يردد عليها ويقول: ليتك كنت لي عقيماً، إن لبنيك في القبر حبساً
طويلاً.
817 - عابد آخر
أبو بكر الكتاني وجماعة من المشايخ. قالوا: كان لأبي جعفر الدينوري أخ
يكون بالشام،
(2/426)
وكان لا
يقيم في قرية ولا بمدينة أكثر من ليلة أو يوم ثم يخرج، فدخل إلى قرية
فاعتل فيها سبعة أيام لم يأكل ولم يشرب ولم يكلمه أحد، فمات فأصبح
القوم في اليوم الثامن فوجدوه ميتاً فغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلوا عليه،
وحملوه ليدفنوه، فجاء الناس من كل قرية إليهم وقالوا: سمعنا صائحاً
يصيح: من أراد أن يحضر جنازة ولي من أولياء الله عز وجل فليحضر قرية
كذا وكذا. قال: فصلوا عليه ودفنوه. فلما كان من الغد وجدوا الكفن
والحنوط مصروراً في محرابهم ومعه كتاب فيه مكتوب: لا حاجة لنا في كفنكم
هذا، يقيم بين أظهركم ولي من أولياء الله عز وجل سبعة أيام، لا عدتموه
ولا عللتموه ولا أطعمتموه ولا سقيتموه ولا كلمتموه؟ قال الكتاني: فجعل
أهل تلك القرية فيها بيتاً للضيافة.
(2/427)
من عقلاء مجانين الشام:
818 - عابد
عبد الواحد بن زيد قال: خرجت إلى الشام في طلب العباد فجعلت أجد الرجل
بعد الرجل شديد الاجتهاد حتى قال لي رجل: قد كان ها هنا رجل من النحو
الذي تريد، ولكنا فقدنا من عقله، فلا ندري، يريد أن يحتجب من الناس
بذلك أم هو شيء أصابه؟ قلت: وما أنكرتم منه؟ قال: إذا كلمه أحد قال:
الوليد وعاتكة، لا يزيده عليه. قال: قلت فكيف لي به؟ قال: هذه مدرجته.
فانتظرته فإذا برجل واله، كريه الوجه، كريه المنظر، وافر الشعر، متغير
اللون وإذا الصبيان حوله وخلفه وهو ساكت يمشي، وهم خلفه سكوت يمشون
وعليه أطمار دنسة. قال: فتقدمت إليه فسلمت عليه، فالتفت إلي فرد علي
السلام. فقلت: يرحمك الله إني أريد أن أكلمك. فقال: الوليد وعاتكة.
قلت: قد أخبرت بقصتك.
فقال الوليد وعاتكة، ثم مضى حتى دخل المسجد ورجع الصبيان الذين كانوا
يتبعونه فاعتزل إلى سارية فركع فأطال الركوع ثم سجد، فدنوت منه فقلت:
رحمك الله، رجل غريب يريد أن يكلمك ويسألك عن شيء، فإن شئت فأطل وإن
شئت فأقصر، فلست ببارح حتى تكلمني. قال وهو في سجوده، يدعو ويتضرع،
ففهمت عنه، وهو يقول: سترك سترك، قال: فأطال السجود حتى سئمت فدنوت منه
فلم أسمع له نفساً ولا حركة. قال: فحركته فإذا هو ميت كأنه قد مات من
دهر طويل.
قال فخرجت إلى صاحبي الذي دلني عليه فقلت: تعال فانظر إلى الذي زعمت
أنك أنكرت من عقله. وقصصت عليه قصته. قال فهيأناه ودفناه.
(2/427)
ذكر
المصطفيات من عابدات الشام
أم الدرداء
...
ذكر المصطفيات من عابدات الشام
819 - أم الدرداء
واعلم أن أم الدرداء اثنتان: فالكبرى تسمى خيرة بنت أبي حدرد، زوجة أبي
الدرداء، لها صحبة ورواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال إنها
ماتت قبل أبي الدرداء. وأم الدرداء الصغرى: اسمها هجيمة بنت حيي
الوصابية، قبيلة من حمير، وهي زوجة أبي الدرداء أيضاً. ويقال فيها
جهيمة وهي التي خطبها معاوية بعد موت أبي الدرداء فأبت أن تتزوجه.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: الكبرى لها صحبة، وروت عن النبي صلى الله
عليه وسلم ثلاثة أحاديث، والصغرى لا صحبة لها، روت عن أبي الدرداء
وكلتاهما زوجة أبي الدرداء.
وقال أبو القاسم الطبري: يروي عن الصغرى: إسماعيل بن عبد الله بن أبي
المهاجر، وزيد بن أسلم، وطلحة ابن عبد الله بن كريز، وصفوان بن عبد
الله بن صفوان، وعثمان بن حيان الدمشقي، وسالم بن أبي الجعد، ويونس بن
ميسرة بن حلبس.
قلت: وكان لأبي الدرداء بنت تسمى الدرداء، وليست من هذه ولا من هذه، بل
من امرأة أخرى على ما ذكر محمد بن سعد. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث
صفوان بن عبد الرحمن قال: قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم
أجده ووجدت أم الدرداء فقالت: أتريد الحج العام: فقلت: نعم. قالت: فادع
لنا بخير فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: "دعوة المرء المسلم
لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال
الملك الموكل به: آمين ولك بمثل" . قال: فخرجت إلى السوق فلقيت أبا
الدرداء فقال لي مثل ذلك يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم. أخرجه
مسلم في كتاب الدعاء. وأخرج متصلاً به ليدل على أن الحديث من روايتها
عن أبي الدرداء، من حديث طلحة بن عبد الله ابن كريز، قال: حدثتني أم
الدرداء قالت: حدثني سيدي، يعني أبا الدرداء، أنه سمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول: "من دعا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكل به:
ولك بمثل" . قال أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي: قال أبو بكر
البرقاني: وهذه أم الدرداء الصغرى التي روت هذا الحديث وليس لها صحبة
ولا سماع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من مسند أبي الدرداء.
فأما أم الدرداء الكبرى فلها صحبة وليس لها في الكتابين حديث والله
أعلم.
ـــــــ
819 - هي: أم الدرداء زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة،
الأوصابية، الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، والصغرى
ثقة فقيهة من الثالثة، ماتت سنة إحدى وثمانين.
(2/428)
قلت: فإذ
قد كشفنا عن هاتين الكنيتين على ما يوجبه النظر في النقل فالأخبار التي
نوردها عن الصغرى لا عن الكبرى والله أعلم.
عبد الله بن أحمد قال: حدثتني خديجة أم محمد، وكانت تجيء إلى أبي تسمع
منه ويحدثها، قالت: حدثنا إسحاق الأزرق قال: حدثنا المسعودي عن عون بن
عبد الله قال: كنا نجلس إلى أم الدرداء فنذكر الله عندها فقالوا: لعلنا
قد أمللناك قال: تزعمون أنكم قد أمللتموني؟ فقد طلبت العبادة في كل شيء
فما وجدت شيئاً أشفى لصدري ولا أحرى أن أصيب به الذي أريد من مجالس
الذكر.
عن عون بن عبد الله قال كنا نأتي أم الدرداء فنذكر الله عندها. قال:
فاتكأت ذات يوم. فقيل لها: لعلنا أن نكون قد أمللناك يا أم الدرداء،
فجلست فقالت: رعمتم أنكم قد أمللتموني؟ فقد طلبت العبادة بكل شيء فما
وجدت أشفى لصدري ولا أحرى أن أدرك منه ما أريد من مجالسة أهل الذكر.
عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: قلت لأم الدرداء ادعي لنا قالت: أو بلغت
أنا ذلك؟.
عن ميمون بن مهران قال: ما دخلت على أم الدرداء في ساعة صلاة إلا
وجدتها مصلية.
يونس بن ميسرة بن حلبس قال: كنا نحضر أم الدرداء وتحضرها نساء متعبدات
يقمن الليل كله حتى إن أقدامهن قد انتفخت من طول القيام.
شيخ من بني تميم قال: حدثني هزان قال: قالت لي أم الدرداء: يا هزان هل
تدري ما يقول الميت على سريره؟ فقلت: لا. قالت: فإنه يقول يا أهلاه ويا
جيراناه وياحملة سريراه، لا تغرنكم الدنيا كما غرتني، ولا تلعبن بكم
الدنيا كما لعبت بي فإن أهلي لا يحملون عني من وزري شيئاً، ولو حاجوني
عند الجبار لحجوني. ثم قالت أم الدرداء الدنيا أسحر لقلوب العابدين من
هاروت وماروت، وما آثرها عبد قط إلا أضرعت خده.
عن أبي عمران الأنصاري قال: كنت أقود دابة أم الدرداء فيما بين بيت
المقدس ودمشق فقالت لي: يا سليمان أسمع الجبال وما وعدها الله عز وجل
فأرفع صوتي بهذه الآية: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ....} الكهف:
47.
سعيد بن عبد العزيز قال: أشرفت أم الدرداء على وادي جهنم ومعها إسماعيل
بن عبيد الله فقالت: يا إسماعيل اقرأ فقرأ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا
(2/429)
لا
تُرْجَعُونَ} المؤمنون فخرت أم الدرداء على وجهها وخر إسماعيل على وجهه
فما رفعا رؤوسهما حتى ابتل ما تحت وجوههما من دموعهما.
عن خالد بن ذكوان قال: أخبرتني أمي أن ابنة لأبي الدرداء توفيت فصلت
عليها أم الدرداء ثم رجعت فدعت بالمجمر فوضعته تحت ثيابها ثم ناولتنيه.
وقال يحيى بن معين: ماتت الدرداء قبل أم الدرداء، فلام دفنتها قالت:
اذهبي إلى ربك وأذهب إلى ربي. فدخلت المسجد.
عن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية أم الدرداء فأبت أن تزوجه وقالت
سمعت أبا الدرداء يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرأة في آخر
أزواجها" أو قال: "لآخر أزواجها" أو كما قال ولست أريد بأبي الدرداء
بدلاً.
عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في قلب ابن آدم
كاحتراق السعفة، أما تجد لها قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: فادع الله إذا
وجدت ذلك، فإن الدعاء يستجاب عند ذلك.
(2/430)
820 -
عثامة
عن محمد بن سليمان أن عثامة كف بصرها. وكانت متعبدة.
قال الجروي: حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز قال: ما
نعلم أحداً أحنث في مشي فمشى إلا عثامة فإنها حنثت فمشت إلى مكة فأنفقت
خمسمائة دينار.
محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أن أمه عثامة كف بصرها فدخل
عليها ابنها يوماً وقد صلى، فقالت: أصليتم أي بني؟ قال: نعم. فقالت:
عثام مالك لاهيه ... حلت بدارك داهية
أبكي الصلاة لوقتها ... إن كنت يوماً باكية
وأبكي القرآن إذا تلي ... قد كنت يوماً تالية
تتلينه بتفكر ... ودموع عينك جارية
فاليوم لا تتلينه ... إلا وعندك تاليه
لهفي عليك صبابة ... ما عشت طول حياتيه
(2/430)
821 -
أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر
عن علي بن أبي جملة قال: سمعت أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان
تقول: أف للبخل، لو كان قميصاً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته.
(2/430)
822 -
عبدة أخت أبي سليمان الداراني
أبو سليمان قال: وصفت لأختي عبدة قنطرة من قناطر جهنم، فأقامت يوماً
وليلة في صيحة واحدة ما تسكت. ثم انقطع عنها بعد. فكلما ذكرت لها صاحت.
قلت: من أي شيء كان صياحها؟ قال: مثلت نفسها على القنطرة وهي تكفأ بها.
وقد روى أحمد بن الحواري عن أبي سليمان أنه قال: سمعت أختي تقول:
الفقراء كلهم أموات إلا من أحياه الله تعالى بعز القناعة والرضا بفقره.
(2/431)
وذكر أبو
عبد الرحمن السلمي أنه كان لأبي سليمان أختان: عبدة وآمنة قال: وكانتا
من العقل والدين بمحل عظيم.
(2/432)
823 -
رابعة بنت إسماعيل زوجة أحمد بن أبي
الحواري
كذا نسبها أبو بكر بن أبي الدنيا. وقد ذكر أبو عبد الرحمن السلمي أن
رابعة العدوية تشارك هذه في اسمها واسم أبيها وعموم ما يأتي في الحديث
عن زوجة أحمد أنها رابعة بالباء، والعدوية بصرية وهذه شامية، وقد
أخبرنا ابن ناصر قال: أنبأ أبو الغنائم بن النرسي قال: رابعة بالباء
بنقطة من تحتها بصرية، ورابعة بالياء باثنتين من تحتها شامية.
أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لرابعة، وهي امرأتي وقد قامت بليل: قد
رأينا أبا سليمان وتعبدنا معه، ما رأينا من يقوم من أول الليل. فقالت:
سبحان الله مثلك يتكلم بهذا؟ إنما أقوم إذا نوديت. قال: وجلست آكل
وجعلت تذكرني. فقلت لها: دعينا يهنينا طعامنا. قالت: ليس أنا وأنت ممن
يتبغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة.
أحمد بن أبي الحواري قال: قالت لي رابعة: أي أخي أعلمت أن العبد إذا
عمل بطاعة الله أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل به دون خلقه؟.
عن أحمد بن أبي الحواري قال: كانت لرابعة أحوال شتى فمرة يغلب عليها
الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف فسمعتها تقول في
حال الحب:
حبيب ليس يعدله حبيب ... ولا لسواه في قلبي نصيب
حبيب غاب عن بصري وشخصي ... ولكن عن فؤادي ما يغيب
وسمعتها في حال الأنس تقول:
ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وسمعتها في حال الخوف تقول:
وزادي قليل ما أراه مبلغي ... أللزاد أبكي أم لطول مسافتي؟
أتحرقني بالنار يا غاية المنى ... فأين رجائي فيك؟ أين محبتي؟
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: إني لأضن باللقمة الطيبة أن
أطعمها نفسي، وإني لأرى ذراعي قد سمن فأحزن. قال: وربما قلت لها:
أصائمة أنت اليوم؟ فتقول: ما مثلي يفطر في الدنيا. قال: وربما نظرت إلى
وجهها ورقبتها فيتحرك قلبي على رؤيتها ما لا
(2/432)
يتحرك مع
مذاكراتي أصحابنا من أثر العبادة. وقالت لي: لست أحبك حب الأزواج إنما
أحبك حب الإخوان، وإنما رغبت فيك رغبة في خدمتك، وإنما كنت أحب وأتمنى
أن يأكل ملكي ومالي مثلك ومثل إخوانك.
قال أحمد: وكانت لها سبعة آلاف درهم فأنفقتها علي. فكانت إذا طبخت
قدراً قالت: كلها يا سيدي فما نضجت إلا بالتسبيح. وقالت لي: لست أستحل
أن أمنعك نفسي وغيري، اذهب فتزوج. قال: فتزوجت ثلاثاً، وكانت تطعمني
اللحم وتقول: اذهب بقوتك إلى أهلك. وكنت إذا أردت جماعها نهاراً قالت:
أسألك بالله لا تفطرني اليوم، وإذا أردتها بالليل قالت: أسألك بالله
لما وهبتني لله الليلة.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: ما سمعت الأذان إلا ذكرت
منادي القيامة، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصحف، ولا رأيت جراداً
إلا ذكرت الحشر.
أحمد بن أبي الحواري قال: قالت لنا رابعة: نحوا عني ذلك الطست، فإنما
عليه مكتوب: مات أمير المؤمنين هارون الرشيد.
قال أحمد: فنظروا فإذا هو مات ذلك اليوم.
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت رابعة تقول: ربما رأيت الجن يذهبون
ويجيئون، وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهن. وقالت بيدها على
رأسها.
قال أحمد: ودعوت رابعة فلم تجبني، فلما كان بعد ساعة أجابتني وقالت:
إنما منعني من أن أجيبك أن قلبي قد كان امتلأ فرحاً بالله، فلم أقدر أن
أجيبك.
(2/433)
824 -
أم هارون
عبد العزيز بن عمير قال: قالت أم هارون، وكانت من الخائفين العابدين:
قد أنزلت الدنيا منزلتها. وكانت تأكل الخبز وحده. قالت: بأبي الليل لما
أطيبه، إني لأغتم بالنهار حتى يجيء الليل، فإذا جاء الليل قمت أوله،
فإذا جاء السحر دخل الروح قلبي.
قال أحمد بن أبي الحواري: وخرجت أم هارون من قريتها تريد موضعها. فصاح
صبي بصبي خذوه. فسقطت أم هارون فوقعت على حجر فدميت، فظهر الدم من
مقنعتها.
قال: وقال أبو سليمان: من أراد أن ينظر إلى صعق صحيح فلينظر إلى أم
هارون.
وقال أبو سليمان: ما كنت أرى أنه يكون بالشام مثلها.
قال أحمد بن أبي الحواري: وقالت لي رابعة: ما دهنت أم هارون رأسها منذ
عشرين سنة. فإذا كشفنا رؤوسنا كان شعرها أحسن من شعورنا.
(2/433)
وبالإسناد
قال أبو بكر القرشي: وبلغني عن القاسم الجوعي قال: مرضت أم هارون
فأتينا نعودها أنا وصاحب لي، فدخلنا عليها وهي على طرف الدرجة فسألناها
عن حالها. فقلت لها: أم هارون أيكون من العباد من يشغله خوف النيران عن
الشوق إلى الجنان؟ فقالت: آه وسقطت عن الدرجة مغشياً عليها.
قال قاسم: وكانت أم هارون تأتي بيت المقدس من دمشق كل شهر مرة على
رجليها. فدخلت عليها فقالت: يا قاسم كنت أمشي ببيسان فإذا قد عرض لي
هذه الكلب الأسد فمشى نحوي. فلما قرب مني نظرت إليه فقتل: تعال يا كلب،
إن كان لك رزق فكل. فلما سمع كلامي أقعى ثم ولى راجعاً.
أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأم هارون: أتحبين الموت؟ قالت: لا. قلت:
ولم؟ قالت: لو عصيت آدمياً ما أحببت لقاءه، فكيف أحب لقاء الله وقد
عصيته.
(2/434)
825 -
ثويبة بنت بهلول
ابن أبي الحواري قال: سمعت ثويبة بنت بهلول، وكانت زاهدة دمشق، تقول
قرة عيني ما طابت الدنيا والآخرة إلا بك فلا تجمع علي فقدك والعذاب.
(2/434)
826 -
حمادة الصوفية
علي بن أبي الحر قال: دخلت أنا وخشيش الموصلي من باب الجابية وفي يدي
كتاب جاءني من حمادة الصوفية. فقرأت فيه: أبلغ كل مخزون بالشام عني
السلام. فانتحب خشيش على رؤوس الناس.
(2/434)
827 -
البيضاء بنت المفضل
أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أسماء الرملية، وكانت من العابدات،
تقول: سألت البيضاء بنت المفضل، فقلت: يا أختي هل للمحب لله دلائل يعرف
بها؟ قالت: يا أختي والمحب للسيد يخفى؟ لو جهد المحب للسيد أن يخفى ما
خفي. قلت: صفيه لي. قالت: لو رأيت المحب لله عز وجل لرأيت عجباً عجيباً
من واله ما يقر على الأرض، طائر مستوحش أنسه في الوحدة، قد منع الراحة،
طعامه الحب عند الجوع، وشربه الحب عند الظمأ، لا يمل من طول الخدمة لله
تعالى.
(2/434)
828 -
آمنة الرملية
جعفر بن محمد، صاحب بشر، قال: اعتل بشر بن الحارث فعادته آمنة الرملية
من
(2/434)
ذكر المصطفيات من عابدات الشام المجهولات الأسماء
829 - مولاة لأبي أمامة - شامية
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثتني مولاة أبي أمامة قالت: كان
أبو أمامة يحب الصدقة ويجمع لها، ولا يرد سائلاً ولو ببيضة، ولو بتمرة
أو بشيء مما يؤكل، فأتاه سائل ذات يوم وقد أقفر من ذلك كله وما عنده
إلا ثلاثة دنانير. فسأله فأعطاه ديناراً. ثم أتاه سائل فأعطاه ديناراً.
ثم أتاه سائل فأعطاه ديناراً. قالت: فغضبت وقلت: لم تترك لنا شيئاً.
قالت: فوضع رأسه للقائلة. قالت: فلما نودي الظهر أيقظته فتوضأ ثم راح
إلى مسجده. قالت: فرققت عليه وكان صائماً، فاقترضت ما جعلت له عشاء
وسرجت له سراجاً وجئت إلى فراشه لأمهد له فإذا بذهب فعددتها فإذا
ثلثمائة دينار. قالت قلت: ما صنع الذي صنع إلا ولقد وثق بما خلف. فأقبل
بعد العشاء فلما رأى المائدة والسراج تبسم وقال: هذا خير من غيره.
قالت: فقمت على رأسه حتى تعشى، فقلت: رحمك الله خلفت هذه النفقة في
سبيل مضيعة ولم تخبرني فأرفعها؟ قال: وأي نفقة؟ ما خلفت شيئاً. قالت:
فرفعت الفراش فلما أن رآه فرح واشتد تعجبه. قالت: فقمت فقطعت زناري
وأسلمت. قال ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن
والسنن والفرائض وتفقههن في الدين.
830 - عابدة أخرى
أحمد بن أبي الحواري يقول: بينا أنا ذات يوم في بلاد الشام في قبة من
قباب المقابر ليس عليها باب، إلا كساء قد أسبلته. فإذا أنا بامرأة تدق
الحائط، فقلت: من هذا؟ قالت: امرأة ضالة، دلني على الطريق رحمك الله،
قلت: عن أي الطريق تسألين؟ فبكت ثم قالت: عن طريق النجاة، قلت: هيهات،
إن بيننا وبين طريق النجاة عقاباً وتلك العقاب لا تنقطع إلا بالسير
الحثيث، وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة من أمر الدنيا والآخرة.
قال: فبكت بكاءً شديداً ثم قالت: يا أحمد سبحان من أمسك عليك جوارحك
فلم تنقطع، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدق، ثم خرت مغشياً عليها. فقلت لبعض
النساء: انظرن أي شيء حال هذه الجارية؟ فقمن إليها ففتشنها فإذا وصيتها
في جيبها: كفنوني في أثوابي هذه فإن كان لي
(2/436)
عند الله
خير فهو أسور لي، وإن كان غير ذلك فبعداً لنفسي. وحركوها فإذا هي ميتة.
فقلت: لمن هذه الجارية؟ قالوا جارية قرشية كانت تشكو إلينا وجعاً
بجوفها فكنا نصفها لمتطيبي الشام، فكانت تقول: خلوا بيني وبين الطبيب
الراهب، تعني أحمد بن أبي الحواري، أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي،
لعله يكون عنده شفائي.
831 - عابدة أخرى
محمد بن سعد التيمي قال: رأيت جارية سوداء في بعض مدن الشام وبيدها خوص
تسفه، وهي تقول مع سفها:
لك علم بما يجن فؤادي ... فارحم اليوم ذلتي وانفرادي
فقلت: يا سوداء ما علامة المحب؟ فإذا رجل قد صرع بالقرب منها. فنظرت
إلي وإلى الرجل وقالت: يا بطال، علامة المحب الصادق لله في حبه أن يقول
لهذا المجنون قم فيقوم. فإذا الرجل قد قام وإذا الجنية تقول لها على
لسانه: وحق صدق حبك لربك لا رجعت إليه أبداً.
انتهى ذكر أهل الشام بحمد الله ومنه.
(2/437)
ومن المصطفين من أهل عسقلان
آدم بن أبي إياس العسقلاني
...
ومن المصطفين من أهل عسقلان:
832 - آدم بن أبي إياس العسقلاني
واسم أبي إياس ناهية، وقال البخاري: هو آدم بن عبد الرحمن بن محمد.
ويكنى أبا الحسن، مولى. أصله من خراسان ومنشؤه ببغداد وبها طلب العلم،
وكتب عن شيوخها ثم رحل إلى الكوفة والبصرة والحجاز والشام واستوطن
عسقلان فعرف بالعسقلاني، وكان من الصالحين متمسكاً بالسنة.
أبو علي المقدسي قال: لما حضرت آدم بن أبي إياس الوفاة ختم القرآن وهو
مسجى، ثم قال: بحبي لك رفقت بي في هذا المصرع كنت آملك لهذا اليوم كنت
أرجوك. ثم قال: لا إله إلا الله. ثم قضى نحبه.
أسند آدم عن شعبة والليث بن سعد وخلق كثير، وتوفي سنة عشرين ومائتين.
(2/438)
|