صفة الصفوة

ذكر المصطفين من أهل مصر - الإسكندرية - أيلة

ذكر المصطفين من أهل مصر
حيوة بن شريح، أبو يزيد النجيبي
...
ذكر المصطفين من أهل مصر
833 - حيوة بن شريح، أبو يزيد النجيبي
وقال أبو زرعة: سمع من عقبة بن مسلم، وروى عنه الليث.
خالد بن الفزر قال: كان حيوة بن شريح دعاء، من البكائين، وكان ضيق الحال جداً. فجلست إليه ذات يوم وهو متخل وحده يدعو. فقلت: رحمك الله لو دعوت الله عز وجل فوسع عليك في معيشتك. قال: فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهباً. قال: فإذا هي والله تبرة في كفه، ما رأيت أحسن منها. قال: فرمى بها إلي وقال: ما خير في الدنيا إلا الآخرة. ثم التفت إلي فقال: هو أعلم بما يصلح عباده. فقلت: ما أصنع بهذه؟ قال: استنفقها. فهبته والله أن أراده.
ـــــــ
833 - هو: حيوة –بفتح أوله وسكون التحتانية وفتح الواو - ابن شريح بن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، من السابعة، مات سنة ثمان وقيل: تسع وخمسين.

(2/439)


834 - سليم بن عتر
عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات.
ـــــــ
834 - هو: سليم بن عتر، الإمام الفقيه قاضي مصر، وواعظها وقاصها وعابدها أبو سلمة التجيبي المصري، وكان يدعى الناسك لشدة تألهه، توفي سليم سنة خمس وسبعين، انظر سير أعلام النبلاء 5/153.

(2/438)


835 - الليث بن سعد
يكنى أبا الحارث، مولى لقيس.
ولد سنة ثلاث وتسعين، واستقل بالفتوى والكرم بمصر.
أبو صالح قال: كنا على باب مالك بن أنس فامتنع علينا. فقلنا: ليس يشبه صاحبنا قال: فسمع مالك كلامنا فأدخلنا عليه فقال لنا: من صاحبكم؟ قلنا: الليث بن سعد. فقال: تشبهوني برجل كتبنا إليه في قليل عصفر نصبغ به ثياب صبياننا وثياب جيراننا فأنفذ إلينا ما صبغنا به ثيابنا وثياب صبياننا وثياب جيراننا وبعنا الفضلة بألف دينار؟.
ـــــــ
835 - هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث، المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين.

(2/439)


محمد بن موسى الصائغ قال: سمعت منصور بن عمار يقول: تكلمت في جامع مصر يوماً فإذا رجلان قد وقفا على الحلقة فقالا: أجب الليث. فدخلت عليه فقال: أنت المتكلم في المسجد؟ قلت: نعم: قال رد علي الكلام الذي تكلمت به. فأخذت في ذلك المجلس بعينه. فرق وبكى حتى رحمته. ثم قال: ما اسمك؟ قلت: منصور، قال: ابن من؟ قلت: ابن عمار. قال: أنت أبو السري؟ قلت: نعم. قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى رأيتك. ثم قال: يا جارية. فجاءت فوقفت بين يديه فقال لها: جيئي بكيس كذا وكذا فجاءت بكيس فيه ألف دينار فقال: يا أبا السري خذ هذا إليك وصن هذا الكلام أن تقف به على أبواب السلاطين، ولا تمدحن أحداً من المخلوقين بعد مدحتك لرب العالمين، ولك علي في كل سنة مثلها. فقلت: رحمك الله إن الله قد أحسن إلي وأنعم. قال: لا ترد علي شيئاً أصلك به، فقبضتها وخرجت. قال: لا تبطئ علي، فلما كان في الجمعة الثانية أتيته فقال لي: اذكر شيئاً فتكلمت، فبكا وكثر بكاؤه فلما أردت أن أقوم قال: انظر ما في ثني هذه الوسادة وإذا خمسمائة دينار. فقلت: عهدي بصلتك بالأمس. قال: لا تردن علي شيئاً أصلك به. متى رأيتك؟ قلت: الجمعة الداخلة. قال: كأنك فتت عضواً من أعضائي. فلما كانت الجمعة الداخلة أتيته مودعاً فقال لي: خذ في شيء أذكرك به، فتكلمت، فبكا وكثر بكاؤه. ثم قال لي: يا منصور انظر ما في ثني الوسادة، إذا ثلثمائة دينار قد أعدها للحج. ثم قال: يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور، فجاءت بإزار فيه أربعون ثوباً. قلت: رحمك الله أكتفي بثوبين. فقال لي: أنت رجل كريم ويصحبك قوم فأعطهم. وقال للجارية التي تحمل الثياب معه: وهذه الجارية لك.
سليم بن منصور قال: سمعت أبي يقول: دخلت على الليث بن سعد يوماً فإذا على رأسه خادم، فغمزه فخرج، ثم ضرب الليث بيده إلى مصلاة فاستخرج من تحته كيساً فيه ألف دينار، ثم رمى بها إلي. ثم قال: يا أبا السري لا تعلم ابني فتهون عليه.
الحسن بن عبد العزيز قال: قال لي الحارث بن مسكين اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة استغلوها فاستقالوه فأقالهم. ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم بخمسين ديناراً، فقال له الحارث ابنه في ذلك، فقال: اللهم غفراً إنهم كانوا قد أملوا فيها أملاً فأحببت أن أعوضهم عن أملهم بهذا.

(2/440)


سعيد الآدم قال مررت بالليث بن سعد فتنحنح لي فرجعت إليه، فقال لي يا سعيد خذ هذا الفنداق، فاكتب لي فيه من يلزم المسجد ممن لا بضاعة له ولا غلة. قال: فقلت: جزاك الله خيراً يا أبا الحارث. وأخذت منه الفنداق ثم صرت إلى المنزل، فلما صليت أوقدت السراج وكتبت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم قلت: فلان بن فلان. ثم قلت: فلان. فبينا أنا على ذلك إذ أتاني آت فقال: ها الله يا سعيد تأتي إلى قوم عاملوا الله عز وجل سراً فتكشفهم لآدمي؟ مات الليث ومات شعيب بن الليث، أليس مرجعهم إلى الله الذي عاملوه؟ قال فقمت ولم أكتب شيئاً، فلما أصبحت أتيت الليث بن سعد فلما رآني تهلل وجهه فناولته الفنداق فنشره فأصاب فيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. ثم ذهب ينشره. فقلت له: ما فيه غير ما كتبت فقال لي: يا سعيد وما الخبر؟ فأخبرته بصدق عما كان. فصاح صيحة، فاجتمع عليه الخلق فقالوا: يا أبا الحارث أليس خيراً؟ فقال: ليس إلا خير. ثم أقبل علي فقال: يا سعيد تبينتها وحرمتها صدقت - مات الليث أليس مرجعهم إلى الله؟.
قال علي بن محمد: سمعت مقدام بن داود يقول: سعيد الآدم هذا يقال إنه من الأبدال، وقد كان رآه مقدام.
عبد الملك بن يحيى بن بكير قال: سمعت أبي يقول: وصل الليث بن سعد ثلاثة أنفس بثلاثة آلاف دينار: احترقت دار ابن لهيعة فبعث إليه بألف دينار، وحج فأهدى إليه مالك بن أنس رطباً على طبق فرد إليه على الطبق ألف دينار، ووصل منصور بن عمار بألف دينار، وقال: لا يسمع بهذا ابني فتهون عليه، فبلغ ذلك شعيب بن الليث فوصله بألف دينار إلا ديناراً، وقال: إنما نقصتك هذا الدينار لئلا أساوي الشيخ في العطية.
محمد بن رمح قال: كان دخل الليث بن سعد في كل سنة ثمانين ألف دينار وما وجب الله تعالى عليه زكاة قط.
سليم بن منصور قال: سمعت أبي يقول: كان الليث بن سعد يستغل في كل سنة خمسين ألف دينار فيحول عليه الحول وعليه دين.
أسند الليث عن خلق كثير من التابعين كعطاء، ونافع، وأبي الزبير، والزهري. وقيل إنه أدرك نيفاً وخمسين تابعياً.

(2/441)


وتوفي يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شعبان من سنة خمس وسبعين ومائة ودفن بعد الجمعة.

(2/442)


836 - المفضل بن فضالة القتباني
وقتبان من اليمن. قاضي مصر سمع عقيل بن خالد - كذا ذكره البخاري.
ابن رغبة قال كان مفضل بن فضالة قاضياً علينا، وكان مجاب الدعوة، وكان مع ضعفه طويل القيام، وحدثني من أثق به أنه دعا الله عز وجل أن يذهب عنه الأمل، فذهب عنه فلم يصبر فدعا الله أن يرده عليه.
ـــــــ
836 - هو: المفضل بن فضالة بن عبيد بن ثمامة القتباني -بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة - المصري، أبو معاوية القاضي، ثقة فاضل عابد أخطأ ابن سعد في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين.

(2/442)


ومن الطبقة التي تلي هؤلاء:
837 - عبد الله بن وهب مولى لقريش
أحمد بن سعيد الهمداني قال: دخل ابن وهب الحمام فسمع قارئاً يقرأ: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} غافر: 47 فسقط مغشياً عليه فغسلت عنه النورة وهو لا يعقل.
خالد بن خداش قال: قرئ على عبد الله بن وهب كتاب أهوال القيامة فخر مغشياً عليه. فلم يتكلم بكلمة حتى مات بعد ذلك بأيام، وذلك بمصر سنة سبع وتسعين ومائة.
أسند ابن وهب عن الأئمة كالثوري ومالك وشعبة.
ـــــــ
837 - هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين، وله اثنتان وسبعون سنة.

(2/443)


838 - أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي
أبو الوليد بن أبي الجارود قال: كان أبو يعقوب البويطي جاري. قال: فما كنت أنتبه ساعة من الليل إلا سمعته يقرأ ويصلي.
قال الربيع: كان أبو يعقوب أبداً يحرك شفتيه، يذكر الله عز وجل أو نحو ما قال.
الربيع بن سليمان قال: رأيت البويطي على بغل في عنقه غل، وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوبة وزنها أربعون رطلاً، وهو يقول: والله لأموتن في حديدي هذا حتى يأتي من بعدي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم، ولئن أدخلت إليه لأصدقنه. يعني الواثق.
أسند البويطي عن عبد الله بن وهب والشافعي وغيرهما. وكان قد جمع بين الفقه والتقوى وامتحن فلم يجب.
علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: حدثنا أبي قال: حمل البويطي من مصر أيام الفتنة والمحنة بالقرآن إلى العراق فأرادوه على الفتنة فامتنع فسجن ببغداد وقيد وأقام مسجوناً إلى أن توفي في السجن والقيد ببغداد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين - وقال غيره: سنة أحدى وثلاثين.
ـــــــ
838 - هو: يوسف بن يحيى القرشي مولاهم، أبو يعقوب البويطي صاحب الشافعي، ثقة فقيه، من أهل السنة، مات في المحنة ببغداد سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين.

(2/443)


839 - ذو النون المصري ابن إبراهيم، أبو الفيض
أصله من النوبة وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها إخميم. نزل مصر ويقال اسمه الفيض. ويقال ثوبان، وذو النون لقب. وكان أبوه إبراهيم مولى لإسحاق بن محمد الأنصاري، كان له أربعة بنين: ذو النون، وذو الكفل، وعبد الباري، والهميسع.
ابن الجلاء قال: لقيت ستمائة شيخ ما لقيت فيهم مثل أربعة: أحدهم ذو النون.
أبو بكر محمد بن خلف المؤدب قال: رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال: سبحان الله ما أعظم شأنكما، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شأنكما. لما تهور الليل لم يزل ينشد هذه الأبيات إلى أن طلع عمود الصباح:
اطلبوا لأنفسكم ... مثل ما وجدت أنا
قد وجدت لي سكناً ... ليس في هواه عنا
إن بعدت قربني ... أو قربت منه دنا
يوسف بن الحسن يقول: سمعت ذا النون يقول: بصحبة الصالحين تطيب الحياة والخير مجموع في القرين الصالح إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك.
إسرافيل قال: حضرت ذا النون في الحبس، وقد دخل الجلواز بطعام له فقام ذو النون فنفض يده فقيل له: إن أخاك جاء به. فقال: إنه على يدي ظالم. قال: وسمعت رجلاً سأل ذا النون فقال: رحمك الله ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال له: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار؟ ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال: وسمعت رجلاً يسأل ذا النون: متى تصح عزلة الخلق؟ فقال: إذا قويت على عزلة النفس.
يوسف بن الحسين قال: قلت لذي النون في وقت مفارقتي له: من أجالس؟ قال: عليك
ـــــــ
739 - هو: ذو النون المصري، الزاهد، شيخ الديار المصرية، ثوبان بن إبراهيم، وقيل: فيض بن أحمد، وقيل: فيض بن إبراهيم النوبي، الإخميمي، يكنى أبا الفيض، ويقال: أبو الفيض ولد في أواخر أيام المنصور، انظر سير أعلام النبلاء 10/17.

(2/444)


بصحبة من تذكرك الله عز وجل رؤيته، وتقع هيبته على باطنك، ويزيد في عملك منطقة، ويزهدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله، ولا يعظك بلسان قوله.
وسمعت ذا النون يقول سقم الجسد في الأوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب. وسمعته يقول: من لم يعرف قدر النعم سلبها من حيث لا يعلم.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: ما خلع الله عز وجل على عبد من عبيده خلعة من العقل، ولا قلده قلادة أجمل من العلم، ولا زينه بزينة أفضل من الحلم، وكمال ذلك كله التقوى.
عبد القدوس بن عبد الرحمن قال: سمعت ذا النون يقول: إلهي لو أصبت موئلاً في الشدائد غيرك، أو ملجأ في النوازل سواك لحق لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك لقديم إحسانك إلي وحديثه، وظاهر منتك علي وباطنها، ولو تقطعت في البلاء إرباً إرباً أو انصبت علي الشدائد صباً صباً ولا أجد مشتكى لبثي غيرك ولا مفرجاً لما بي سواك، فيا وارث الأرض ومن عليها، ويا باعث جميع من فيها ورث آملي فيك مني أملي، وبلغ همتي فيك منتهى وسائلي.
محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري قال: سمعت ذا النون يقول: احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعاً. قلت: فكيف ذلك؟ قال: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه. ثم قال: تعلق الناس بالأسباب تعلق الصديقون بولي الأسباب.
ثم قال: علامة تعلق قلوبهم بالعطايا طلبهم منه العطايا، ومن علامة تعلق قلب الصديق بولي العطايا انصباب العطايا عليه وشغله عنها به. ثم قال: ليكن اعتمادك على الله عز وجل في الحال، لا على الحال مع الله. ثم قال: اعقل فإن هذا من صفة التوحيد.
محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون يقول، وقد سألته عند الفراق أن يوصيني فقال: لا يشغلنك عيوب الناس عن عيب نفسك، لست عليهم برقيب. ثم قال: إن أحب عباد الله إلى الله عز وجل أعقلهم عنه، وإنما يستدل على تمام عقل الرجل وتواضعه في عقله بحسن استماعه للمحدث إن كان به عالماً وسرعة قبوله للحق وإن كان ممن هو دونه، وإقراره على نفسه بالخطأ إذا جاء منه.

(2/445)


سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: من ذكر الله على حقيقة نسي في جنبه كل شيء، ومن نسي في جنب الله كل شيء حفظ الله عز وجل عليه كل شيء، وكان له عوضاً من كل شيء. قال: وسمعته يقول: أكثر الناس إشارة إلى الله في الظاهر أبعدهم من الله، قال: وسمعته يقول: إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي.
وسئل عن الآفة التي يخدع بها المريد عن الله عز وجل فقال: برؤية الكرامات. قيل فبم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة؟ قال: بوطء الأعقاب وتعظيم الناس له. قال: وسمعته يقول: من ذبح الحنجرة الطمع بسيف اليأس، وردم خندق الحرص؛ ظفر بكيمياء الخدمة، ومن استقى بحل الزهد على دلو المعروف؛ استقى من جب الحكمة، ومن سلك أودية الكمد جنى حياة الأبد، ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة، ومن تدرع درع الصدق قوي على مجاهدة عسكر الباطل، ومن فرح بمدحة الجاهل ألبسه الشيطان ثوب الحماقة.
أبو عثمان، سعيد بن عثمان، قال: سمعت ذا النون يقول: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: دوام الفقر إلى الله تعالى مع التخليط أحب إلي من دوام الصفاء مع العجب.
محمد بن عبد الملك قال: سمعت ذا النون يقول: ما أعز الله وجل عبداً بعز هو أعز له من أن يدله على ذل نفسه، وما أذل الله عز وجل عبداً بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه.
هلال بن العلاء قال: قال ذو النون: من تطأطأ لقط رطباً ومن تعالى لقي عطباً.
سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: لا تثقن بمودة من لا يحبك إلا معصوماً.
وقال: من صحبك ووافقك على ما تحب، وخالفك فيما تكره فإنما يصحب هواه، ومن صحب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا.
وسمعته يقول: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب.
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: أنت ملك مقتدر وأنا عبد مفتقر،

(2/446)


أسألك العفو تذللاً فأعطنيه تفضلاً. وسمعته يقول: من المحال أن يحسن منك الظن ولا يحسن منه المن.
أبو عثمان، سعيد بن عثمان الخياط، يقول: سمعت ذا النون يقول: لم أر شيئاً أبعث لطلب الإخلاص مثل الوحدة، لأنه إذا خلا لم ير غير الله، فإذا لم ير غير الله لم يحركه إلا حكم الله، ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص.
قال الفتح بن شخرف: دخلت على ذي النون عند موته فقلت له: كيف تجدك؟ فقال:
أموت وما ماتت إليك صبابتي ... ولا رويت من صدق حبك أوطاري
مناي المنى كل المنى أنت لي منى ... وأنت الغني كل الغنى عند إقتاري
وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي ... وموضع آمالي ومكنون إضماري
تضمن قلبي منك ما لك قد بدا ... وإن طال سري فيك أو طال إظهاري
وبين ضلوعي منك ما لا أبثه ... ولم أبد باديه لأهل ولا جار
سرائر لا يخفى عليك خفيها ... وإن لم أبح حتى التنادي بأسراري
فهب لي نسيماً منك أحيا بروحه ... وجدلي بيسر منك يطر إعساري
أنرت الهدى للمهتدين ولم يكن ... من العلم في أيديهم عشر معشار
وعلمتهم علماً فباتوا بنوره ... وبانت لهم منه معالم أسرار
معاينة للغيب حتى كأنها ... لما غاب عنها منه حاضرة الدار
وأبصارهم محجوبة وقلوبهم ... تراك بأوهام حديدات أبصار
جمعت لهم الهم المفرق والتقى ... على قدر والهم يجري بمقدار
ألست دليل القوم إن هم تحيروا؟ ... وعصمة من أمسى على جرف هار
قال الفتح بن شخرف: فلما ثقل قلت له: كيف تجدك؟ فقال:
ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة ... ووضعي على خدي يدي عند تذكاري
وإن طرقتني عبرة بعد عبرة ... تجرعتها حتى إذا عيل تصباري
أفضت دموعاً جمة مستهلة ... أطفي بها حراً تضمن أسراري
فيا منتهى سؤل المحبين كلهم ... أبحني محل الأنس مع كل زوار
ولست أبالي فائتاً بعد فائت ... إذا كنت في الدارين يا واحدي جاري
أسند ذو النون أحاديث كثيرة من مالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينة والفضيل

(2/447)


ابن عياض وابن لهيعة وغيرهم. وتوفي بالجيزة وحمل في مركب إلى الفسطاط خوفاً عليه من زحمة الناس على الجسر، ودفن في مقابر أهل المعافر، وذلك في يوم الاثنين لليلتين خلتا من ذي القعدة من سنة ست وأربعين ومائتين.

(2/448)


940 - الحسن بن الخليل بن مرة
أحمد بن صالح قال: سمعت عبد الله بن وهب، وذكر الحسن بن الخليل بن مرة، فقال: ذاك رجل صدق قد شغلته العبادة.
قال الحسن بن محمد بن باذا: وثنا عبد الله بن صالح قال: ما رأيت بمصر من أفضله على الحسن بن الخليل في زهده وورعه، ولقد رأيته يحمل دقيقاً في جراب للناس بأجرة يتقوت بها في كل جمعة يحمل يوماً، ثم زاد أمره فلم يكن يدخر لوقت يأتي، وعليه مدرعة قيمتها أقل من درهم، وأجمع أهل مصر أنه مستجاب الدعوة.
قال الحسين: وسمعت محمد بن رمح يقول: أتيت الحسن بن الخليل لأسمع منه شيئاً فإذا هو يقرأ سورة [ق]
ويبكي. ثم غشي عليه. فتركته وقمت وكان قد شغلته العبادة عن الحديث. وعدت إليه غير مرة فلم يكن فيه فضل، وكان مصفر اللون كثير البكاء.
قال الحسين: وحدثنا يحيى بن بكير قال: اعتل الحسن بن الخليل فجاء الليث بن سعد يعوده ونحن معه فقرأ على رأسه ثم قمنا من عنده فقال هذا أعبد من رأيت.
موسى بن هارون قال: رأيت الحسن بن الخليل بن مرة بعرفات وكلمته. ثم رأيته يطوف بالبيت قلت: ادع الله لي أن يقبل حجي. فبكى ودعا لي، ثم أتيت مصر فقلت: إن الحسن كان معنا بمكة. فقالوا: ما حج العام. وقد كان يبلغني أنه يمر إلى مكة في كل ليلة، فما كنت أصدق، حتى رأيته فعاتبني وقال: شهرتني، ما كنت أحب أن تحدث بها عني، فلا تعد بحقي عليك.

(2/448)


841 - محمد بن عمرو الغزي
أبو زرعة قال: كان يأتي على محمد بن عمرو الغزي ثمانية عشر يوماً لا يذوق فيها ذواقاً ولا طعاماً ولا شراباً. ما رأيت بمصر أصلح منه.
ـــــــ
841 - هو: محمد بن عمرو الغزي، العابد الزاهد، روى عن: القطاف بن خالد، والوليد بن مسلم، وجماعة، انظر سير أعلام النبلاء 9/618.

(2/448)


842 - أبو علي الحسن بن أحمد
المعروف بابن الكاتب من كبار الصالحين من مشايخ المصريين.
أحمد بن علي بن جعفر قال: سمعت أبا علي الكاتب يقول: إذا انقطع العبد إلى الله تعالى بالكلية فأول ما يفيده الله عز وجل الاستغناء به عمن سواه. وكان يقول: قال الله عز وجل: من صبر علينا وصل إلينا.
وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.
أبو القاسم المصري قال: قال أبو علي ابن الكاتب إن الله عز وجل يرزق العبد حلاوة ذكره، فإن فرح به وشكره آنسه بقربه، وإن قصر في الشكر أجرى الذكر على لسانه وسلبه حلاوته.
صحب أبو علي ابن الكاتب أبا علي الروذباري وغيره وتوفي بعد الأربعين والثلاثمائة، والله أعلم.
ـــــــ
842 - هو: الحسن بن أحمد بن أبي علي المعروف بابن الكاتب من شيوخ المصريين، انظر حلية الأولياء 10/385.

(2/449)


ذكر المصطفين من عباد مصر المجهولي الأسماء
843 - عابد
يوسف بن الحسين قال: كنت قاعداً بين يدي ذي النون وحوله ناس، وهو يتكلم عليهم، والناس يبكون، وشاب يضحك. فقال له ذو النون: ما لك أيها الشاب؟ الناس يبكون وأنت تضحك. فأنشأ يقول:
كلهم يعبدون من خوف نار ... ويرون النجاة حظاً جزيلا
ليس لي في الجنان والنار رأي ... أنا لا أبتغي بحبي بديلاً
فقيل له: فإذا طردك فماذا تفعل؟ فأنشأ يقول:
فإذا لم أجد من الحب وصلاً ... رمت في النار منزلاً ومقيلا
ثم أزعجت أهلها ببكائي ... بكرة في ضرامها وأصيلا
معشر المشركين نوحوا علي ... أنا عبد أحببت مولى جليلا
لم أكن في الذي ادعيت محقاً ... فجزاني به العذاب الطويلا
يوسف بن الحسين قال: كان شاب يحضر مجلس ذي النون بن إبراهيم المصري مدة. ثم انقطع عنه زماناً. ثم حضر عنده وقد اصفر لونه ونحل جسمه وظهرت آثار العبادة والاجتهاد عليه فقال ذي النون: يا فتى، ما الذي أكسبتك خدمة مولاك واجتهادك من المواهب التي منحك بها فوهبها لك واختصك بها؟ فقال الفتى: يا أستاد وهل رأيت عبداً اصطنعه مولاه من بين عبيده واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ثم أسر إليه سراً أيحسن أن يفشي ذلك السر؟ ثم أنشأ يقول:
من شاوروه فأبدى السر مجتهداً ... لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وباعدوه فلم يسعد بقربهم ... وأبدلوه من الإيناس إيحاشا
لا يصطفون مذيعاً بعض سرهم ... حاشا ودادهم من ذالكم حاشا

(2/450)


844 - عابد آخر
عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون صف لنا من خيار من رأيت فذرفت عيناه وقال: ركبنا مرة البحر نريد جدة، معنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة قد ألبس ثوباً من الهيبة، فكنت أحب أكلمه فلم أستطع فبينا نراه مصلياً نراه قارئاً ونراه مسبحاً. إلى أن رقد ذات يوم ووقعت في المركب تهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضاً إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم. فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلي من هذا الفتى النائم.
فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته، فما كلمني حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات، ثم قال: يا فتى ما تشاء؟ فقلت: إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس لم يزل يفتش بعضهم بعضاً حتى بلغوا إليك فالتفت إلي صاحب الصرة فقال: أكما يقول: فقال: نعم لم يكن أحد أقرب إلي منك، فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه فيخيل إلينا أن كل حوت في البحر، قد خرجت في فم كل حوت درة، فقام الفتى إلى جوهرة في في حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال: في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حل.
وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر:
يوسف بن الحسين قال: لما استأنست بذي النون المصري قلت: أيها الشيخ ما كان بدو شأنك وما أنت فيه؟ قال: كنت شاباً صاحب لهو ولعب، ثم إني تبت وتركت ذلك كله وخرجت حاجاً إلى بيت الله الحرام ومعي بضيعة فركبت في المركب مع تجار من مصر، وركب معنا شاب صبيح كأنه يشرق وجهه. فلما توسطنا فقد صاحب المركب كيساً فيه مال، فأمر بحبس المركب وفتش من فيه وأتعبهم. فلما وصلوا إلى الشاب ليفتش، وثب وثبة من المركب حتى جلس على موج من أمواج البحر، وقام له الموج سرير على مثال وهو جالس عليه ننظر إليه من المركب. ثم قال: يا مولاي إن هؤلاء اتهموني وإني أقسم يا حبيب قلبي أن تأمر كل دابة في هذا المكان أن تخرج رؤوسها وفي أفواهها جوهر. قال ذو النون: فما تم كلامه حتى رأينا دواب البحر أمام المركب وحواليه قد أخرجت رؤوسها وفي فم كل واحدة منها جوهر مضيء يتلألأ ويلمع، ثم وثب الشاب من الموج إلى البحر وجعل يتبختر على متن الماء ويقول {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} حتى غاب عن عيني.

(2/451)


845 - عابد آخر
حكيم من الحكماء قال: مررت بعريش من مصر وأنا أريد الرباط، فإذا أنا برجل في مظلة قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه، وبه أنواع البلاء وهو يقول: الحمد لله حمداً يوافي محامد خلقك بما أنعمت علي وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلاً. فقلت: لأنظرن أشيء علمه أم ألهمه الله إلهاماً؟ فقلت: على أي نعمة من نعمه تحمده؟ أم على أي فضيلة تشكره؟ فوالله ما أرى شيئا من البلاء إلا وهو بك، فقال: ألا ترى ما قد صنع بي؟ فوالله لو أرسل السماء علي ناراً فأحرقتني، وأمر الجبال فدكدتني، وأمر البحار فغرقتني ما ازددت له إلا حمداً وشكراً وإن لي إليك حاجة: بنية لي كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحس بها؟
وقال عبد الوهاب بني كان لي فقلت: والله إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربة إلى الله عز وجل. فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السبع قد أكلها. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من أين آتي هذا العبد الصالح أخبره بموت ابنته؟ فأتيته فقلت له: أنت أعظم عند الله منزلة أم أيوب عليه السلام؟ ابتلاه الله في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضاً للناس؟ فقال: لا بل أيوب. قلت: فإن ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السبع قد أكلها. فقال: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء. فشهق شهقة فمات. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، من يعينني على غسله ودفنه؟ فإذا أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا إلي فأخبرتهم بالذي كان من أمره فغسلناه وكفناه ودفناه في مظلته تلك، ومضى القوم. وبت ليلتي في مظلته آنساً به حتى إذا مضى من الليل قد ثلثه إذا أنا به في روضة خضراء، وإذا عليه حلتان خضراوان، وهو قائم يتلو القرآن. فقلت ألست صاحبي بالأمس؟ فقال: بلى. فقلت: فما صيرك إلى ما أرى؟ قال: وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها إلا بالصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء.
846 - عابد آخر
عمرو بن عثمان المكي قال: لقيت رجلاً بين قرى مصر يدور. فقلت: ما لي أراك لا تقر بمكان؟ قال: وكيف يقر مطلوب؟ فقلت له: أو ليس أنت في قبضته في كل مكان؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن أستوطن الأوطان فيأخذني على غرة الاستيطان مع المغرورين.

(2/452)


847 - عابد آخر
أبو بكر المصري قال: خرجت من عينونة أريد الرملة. فبينا أنا أمشي إذا بفقير يمشي حافي القدمين حاسر الرأس، وعليه خرقتان متزر بإحداهما مرتد بالأخرى ليس معه زاد ولا ركوة فقلت في نفسي لو كان مع هذا ركوة وحبل، فإذا ورد الماء توضأ وصلى كان خيراً له.
فلحقت به وقد اشتدت الهاجرة فقلت له: يا فتى لو جعلت هذه الخراقة التي على كتفيك على رأسك تتوقى بها الشمس كان خيراً لك، فسكت ومشى، فلما كان بعد ساعة قلت له: أنت حاف، أي شيء ترى في نعل تلبسها ساعة وأنا ساعة؟ فقال: أراك كثير الفضول لم تكتب الحديث؟ قلت: بلى. قال: فلم تكتب عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فسكت ومشى. وعطشت وأنا على ساحل البحر فالتفت إلي فقال: أنت عطشان؟ فقلت: لا. فمشى ساعة وقد كظني العطش ثم التفت إلي فقال: أنت عطشان؟ فقلت: نعم، وما تقدر أن تعمل في مثل هذا الموضع؟ فأخذ الركوة مني ودخل البحر وعرف الماء وجاءني به، وقال: اشرب. فشربت ماء أعذب من ماء النيل وأصفى لوناً وفيه حشيش، فقلت في نفسي هذا ولي الله ولكني أدعه حتى إذا وافينا المنزل سألته الصحبة. فوقف وقال: أيما أحب إليك تمشي أو أمشي؟ فقلت: إن تقدم فاتني ولكن أتقدم أنا وأجلس في بعض المواضع، فإذا جاء سألته الصحبة. فقال: يا أبا بكر إن شئت تقدم واجلس وإن شئت تأخر فإنك لا تصحبني، ومضى وتركني، دخلت المنزل وكان لي به صديق وعندهم عليل فقلت لهم: رشوا عليه من هذا الماء. فرشوا عليه فبرأ وسألتهم عن الشخص فقالوا: ما رأيناه.
848 - عابد آخر
عبد العزيز بن عمير قال: كان في خرابات القبائل بمصر رجل مجذوم وكان شاب من أهل مصر يختلف إليه ويتعاهده ويغسل خرقه ويخدمه. فتقرأ فتى من أهل مصر فقال للذي كان يخدمه: إنه بلغني أنه يعرف اسم الله الأعظم فأنا أحب أن أجيء معك إليه فأتاه فسلم عليه وقال: يا عم إنه بلغني أنك تعرف اسم الله الأعظم فلو سألته أن يكشف ما بك؟ فقال: يا بن أخي، هو الذي أبلاني فأنا أكره أن أراده.

(2/453)


ومن عقلاء المجانين بمصر:
849 - رجل من أصحاب ذي النون
أبو الحسن الفارسي قال: بلغنا أن رجلاً من أصحاب ذي النون أصيب بعقله فكان يطوف ويقول: آه أين قلبي؟ أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ من وجد قلبي؟ والصبيان قد أولعوا به يرمونه من كل جانب.
فقضي أنه دخل يوماً بعض سكك مصر وقد هرب من الصبيان فجلس يستريح ساعة إذ سمع بكاء صبي تضربه والدته ثم أخرجته من الدار وأغلقت دونه الباب. فجعل الصبي يلتفت يميناً وشمالاً لا يدري أين يذهب؟ وإلى أين يقصد؟ فلما سكن ما به عاد ناكصاً على عقبيه حتى رجع إلى باب دار والدته فوضع رأسه على عتبة الدار فذهب به النوم. ثم انتبه فجعل يبكي ويقول: يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني من نفسه إذا طردتني من نفسك؟ ومن الذي يربيني بعد أن غضبت علي؟
قال: فرحمته أمه فقامت فنظرت من خلل الباب فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه متمعكاً في التراب. ففتحت الباب وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا قرة عيني ويا عزيز نفسي، أنت الذي حملتني على نفسك، وأنت الذي تعرضت لما حل بك، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروهاً.
قال: فتواجد الفتى وصاح حتى اجتمع عليه الخلق فقالوا: ما الذي أصابك؟ فقال: قد وجدت قلبي، قد وجدت قلبي. فلما بصر بذي النون قال: يا أبا الفيض قد وجدت قلبي في سكة كذا وكذا عند فلانة. وسماها. ثم لم يزل إذا تواجد يقول ذلك.

(2/454)


ذكر المصطفيات من عابدات مصر
فاطمة بنت عبد الرحمن بن عبد الغفار الحراني
...
ذكر المصطفيات من عابدات مصر
850 - فاطمة بنت عبد الرحمن بن عبد الغفار الحراني
علي بن أبي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى المصري قال: أنبأ أبي قال: فاطمة بنت عبد الرحمن تكنى أم محمد، مولدها ببغداد، وقدم بها إلى مصر وهي حدثة. سمعت من أبيها وطال عمرها حتى جاوزت الثمانين، وكانت تعرف بالصوفية لأنها أقامت تلبس الصوف ولا تنام إلا في مصلاها بلا وطاء فوق ستين سنة.
توفيت سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.

(2/455)


851 - أم أيمن بنت علي
امرأة أبي علي الروذباري واسمها عزيزة.
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: كانت عزيزة امرأة أبي علي تقول: كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك وإليك مرجعي؟ وكيف لا أحبك وما لقيت خيراً إلا منك؟ وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك؟.
وحكي عنها أنها قالت: لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كما ينتفع بطلب قوته من حلال.
قال: وخرجت يوماً من مصر وقت خروج الحاج والجمال تمر بها وهي تبكي وتقول: واضعفاه. وتنشد على أثره وتقول:
فقلت: دعوني وأتباعي ركابكم ... أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد
وما بال رغمي لا يهون عليهم ... وقد علموا أن ليس لي منهم بد
وتقول: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف ترى حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت؟

(2/455)


852 - تحية النوبية
أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي قال: سمعت الماليني الصوفي يقول: دخلت على تحية زائراً فسمعتها من داخل البيت وهي تناجي وتقول في مناجاتها: يا من يحبني وأحبه.
فدخلت إليها وسلمت عليها وقلت: يا تحية إنك تحبين الله تعالى فمن أين تعلمين أنه يحبك؟ فقالت: نعم إني كنت في بلد النوبة وأبواي كانا نصرانيين، وكانت أمي تحملني

(2/455)


ومن المجهولات الأسماء:
853 - عابدة
أبو عبد الله، محمد بن شجاع الصوفي قال: كنت بمصر أيام سياحتي فتاقت نفسي إلى النساء فذكرت ذلك لبعض إخواني فقال لي: ههنا امرأة صوفية لها ابنة مثلها جميلة قد ناهزت البلوغ. قال: فخطبتها وتزوجتها، فلما دخلت إليها وجدتها مستقبلة القبلة تصلي. قال: فاستحييت أن تكون صبية في مثل سنها تصلي وأنا لا أصلي. فاستقبلت القبلة وصليت ما قدر لي حتى غلبتني عيني فنمت في مصلاي ونامت في مصلاها. فلما كان في اليوم الثاني كان مثل ذلك أيضاً، فلما طال علي قلت: يا هذه ألاجتماعنا معنى؟ قال: فقالت لي: أنا في خدمة مولاي ومن له حق فما أمنعه. قال: فاستحييت من كلامها وتماديت على أمري نحو الشهر. ثم بدا لي في السفر، فقلت لها: يا هذه. قالت: لبيك. قلت: إني قد أردت السفر. قالت: مصاحباً بالعافية.
فقمت فلما صرت عند الباب قامت فقالت لي: يا سيدي كان بيننا في الدنيا عهد لم يقض بتمامه عسى في الجنة إن شاء الله. فقلت لها: عسى. فقالت لي: أستودعك الله خير مستودع. قال: فتودعت منها وخرجت.
قال: ثم عدت إلى مصر بعد سنين فسألت عنها فقيل لي: هي على أفضل مما تركتها عله من العبادة والاجتهاد.
انتهى ذكر أهل مصر.

(2/456)


ذكر المصطفين من عباد الإسكندرية
أسلم بن زيد الجهني
...
ذكر المصطفين من عباد الإسكندرية
854 - أسلم بن زيد الجهني
إبراهيم بن أدهم قال: لقيت رجلاً بالإسكندرية يقال له أسلم بن زيد الجهني. فقال: من أنت يا غلام؟ فقلت: شاب من أهل خراسان. قال: ما حملك على الخروج من الدنيا؟ فقلت: زهداً فيها ورجاء ثواب الله تعالى. فقال: إن العبد لا يتم رجاؤه لثواب الله تعالى حتى يحمل نفسه على الصبر. فقال له رجل ممن كان معه: وأي شيء الصبر؟ فقال: إن أدنى منازل الصبر أن يروض العبد نفسه على احتمال مكاره الأنفس. قال: قلت ثم مه؟ قال: إذا كان محتملاً للمكاره أورث الله عز وجل قلبه نوراً، قلت: فماذا النور؟ قال: سراج يكون في قلبه يفرق بين الحق والباطل والمتشابه. ثم قال: يا غلام إياك إذا صحبت الأخيار وجاريت الأبرار أن تغضبهم عليك، لأن الله تعالى يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم، وذلك أن الحكماء هم العلماء، هم الراضون عن الله إذا سخط الناس. يا غلام احفظ عني واعقل واحتمل، ولا تعجل، إياك والبخل. قلت: وما البخل؟ قال: أما البخل عند أهل الدنيا فهو أن يكون الرجل ضنيناً بماله، وأما عند أهل الآخرة فهو الذي يضن بنفسه عن الله. ألا وإن العبد إذا جاد بنفسه لله أورث الله قلبه الهدى والتقى، وأعطي السكينة والوقار والحلم الراجح والعقل الكامل.

(2/457)


855 - عابد آخر
العباس بن يوسف الشكلي قال: دخلت الإسكندرية فسألت: هل بها أحد من الزهاد؟ فقالوا: فتى قد كان يصوم النهار ويقوم الليل فإذا أفطر على الشهوات، فرأى رؤيا هالته فأخذ في التقلل وصار فطره في خمسة عشر يوماً مرة. فقلت فعلى أي شيء يفطر إذا أفطر؟ فقيل لي: على شيء من الكسب وتمرات يعجنها فهي فطره من الوقت إلى الوقت. فقلت: فما الرؤيا التي رآها؟ قالوا: رأى فتى وقف عليه فقال له:
تجوع فإن الجوع يورث أهله ... مصادر بر خيرها الدهر دائم
ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة ... فتصبح في الدنيا وقلبك هائم

(2/457)


856 - عابدة
عن حجاج بن ربان قال: دخلت أنا ابن أبي رفاعة مسجد الإسكندرية فإذا أنا بامرأة قد اعتزلت عن النساء وجعلت حولها حظيرة من حجارة، فتقدم إليها ابن أبي رفاعة فقال لها: ما لي أراك قد اعتزلت النساء وجعلت حولك هذه الحجارة؟ فقالت: يا أبا عبد الرحمن كلمة من هذه، وكلمة من هذه، وقد ذهب الصيام قال: فالتفت إلي ابن أبي رفاعة فقال: أترى هذه سمعت من مالك بن أنس شيئاً؟ يعني أن الله تعالى هو الذي بصرها.

(2/458)


ومن المصطفين من أهل أيلة
أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأيلي
...
ومن المصطفين من أهل أيلة
857 - أبو صخر يزيد بن أبي سمية الأيلي
محمد بن عمر قال: كان أبو صخر من العباد، وكان يصلي ليله أجمع ويبكي. وكانت معه في الدار امرأة يهودية ساكنة تبكي رحمة له، فقال ليلة في دعائه: اللهم إن هذه اليهودية قد بكت رحمة لي ودينها مخالف لديني فأنت أولى برحمتي. وكان يوافي الموسم عام مع محمد بن المنذر وصفوان بن سليم ويزيد بن خصيفة وأبي حازم، فيلقون عمر بن ذر فيقص عليهم ويذكرهم أمر الآخرة. فلا يزالون كذلك حتى ينقضي الموسم ثم لا يلتقون بعد إلا في كل موسم.
ـــــــ
857 - هو: أبو صخر، يزيد بن أبي سمية، بمهملة مصغرة، أبو صخر الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتانية، مقبول من الرابعة.

(2/459)