صفة الصفوة

ذكر المصطفين من أهل المغرب - عباد الجبال - الجزائر - السواحل - البوادي والفلوات

ذكر المصطفين من أهل المغرب
أبو عبد الله المغربي واسمه محمد بن إسماعيل
...
ذكر المصطفين من أهل المغرب
858 - أبو عبد الله المغربي واسمه محمد بن إسماعيل
إبراهيم بن شيبان قال: سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة. قال إبراهيم: وذلك أنه كان يتقدمنا بالليل المظلم ونحن نتبعه وهو حاف حاسر، وكان إذا عثر أحدنا يقول يميناً وشمالاً، ونحن لا نرى ما بين أيدينا، فإذا أصبحنا نظرنا إلى رجله كأنها رجل عروس خرجت من خدرها. وكان يقعد لأصحابه يتكلم عليهم فما رأيته انزعج إلا يوماً واحداً: كنا على الطور وهو قد استند إلى شجرة خروب وهو يتكلم علينا. فقال في كلامه لا ينال العبد مراده حتى ينفرد فرداً بفرد. فانزعج واضطرب ورأيت الصخور قد تدكدكت، وبقي في ذلك ساعات فلما أفاق كأنه نشر من تبر.
إبراهيم بن شبيان قال: سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: أفضل الأعمال عمارة الأوقات في الموافقات. وقال: أغظم الناس ذلاً فقير داهن غنياً وتواضع له.
أسند أبو عبد الله المغربي الحديث عن عمرو بن أبي غيلان وتوفي على جبل الطور في سنة تسع وتسعين، وقيل تسع وسبعين ومائتين، وأوصى أن يدفن إلى جانب أستاذه علي بن رزين. وعاش كل واحد منهما عشرين ومائة سنة. وفهما على جبل الطور، وكان المغربي أستاذ إبراهيم الخواص.
ـــــــ
858 - هو: أبو عبد الله المغربي: كان من المعمرين، صحب علي بن رزين، قيل: إنه توفي عن مائة وعشرين سنة، وقبره بجبل طور سينا، عند قير استاذه علي بن رزين، كان من المحققين، له النكت الوثيقة والاستغاثة على الطريقة.

(2/460)


ذكر المصطفين من عباد المغرب المجهولي الأسماء
859 - عابد
سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون قال: بينا أنا سائر في بلاد المغرب إذا أنا برجل على عريش من البلوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوماً وليلة أريد أن أسمع كلامه. فأشرف علي بوجهه، فسمعته يقول: شهد قلبي لله بالنوازل، وكيف لا يشهد قلبي بذلك؟ هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون، سيدي ما أحلى ذكرك، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا، وجدت لهم بالزيادة على ما طلبوا؟ فقلت له: يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع كلامك. فقال لي: قد رأيتك يا بطال حين أقبلت، ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن. فقلت له: ولم ذلك؟ وما الذي أفزعك مني فقال: بطالتك يوم عملك وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على المظنون. فقلت له: يا حبيبي ما ها هنا فتية تستأنس بهم، فقال: بلى، ها هنا فتية متفرقون في رؤوس الجبال. قلت: فما طعامهم في هذا المكان؟ قال: أكلهم الفلق من خبز البلوط، ولباسهم الخرق من الثياب، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم، أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع وقرحت الجباه من السجود وتغيرت الألوان من السفر ضجوا إلى الله عز وجل بالاستغاثة.
860 - عابد آخر
يوسف بن الحسين قال: قال ذو النون، وصف لي رجل بالمغرب وذكر لي من حكمته وكلامه ما حملني على لقائه، فرحلت إليه إلى المغرب فأقمت على بابه أربعين صباحاً على أن يخرج من منزله إلى المسجد ويقعد، فكان يخرج وقت كل صلاة يصلي، ويرجع كالواله لا يكلم أحداً فقلت له يوماً: يا هذا إني مقيم ها هنا منذ أربعين صباحاً لا أراك تكلمني. فقال لي: يا هذا لساني سبع إن أطلقته أكلني. فقلت له: عظني رحمك الله بموعظة أحفظها عنك. قال: وتفعل؟ قلت: نعم إن شاء الله، قال: لا تحب الدنيا وعد الفقر والغنى والبلاء من الله نعمة، والمنع من الله عطاء، والوحدة مع الله أنساً، والذل عزاً والطاعة حرفة والتوكل معاشاً والله تعالى لكل شديدة عدة.

(2/461)


ثم مكث بعد ذلك شهراً لا يكلمني، فقلت له: رحمك الله إني أريد الرجوع إلى بلدي فإن رأيت أن تزيدني في الموعظة فقال: اعلم أن الزاهد في الدنيا قوته ما وجد ومسكنه حيث أدرك ولباسه ما ستر الخلوة مجلسه، والقرآن حديثه، والله الجبار العزيز أنيسه والذكر رفيقه، والصمت جنته، والخوف سجيته، والشوق مطيته، والنصيحة نهمته والصبر وساده، والصديقون إخوانه والحكمة كلامه، والعقل دليله، والجوع أدمه والبكاء دأبه، والله عز وجل عدته. قلت بما تتبين الزيادة من النقصان؟ قال: عند المحاسبة للنفوس.
861 - عابدة من أهل إفريقية
محمد بن حفص قال: مررت على أخ لي من أهل مصر ونحن بالثغر، فأخرج إلي شكالاً. فقال: انظر من أي شيء هذا الشكال؟ فنظرت فإذا شكال من شعر، كأنه من صفائه وشدة سواده قد دهن بالدهن. فقلت: هذا عندي من أعراف الخيل العتاق الكرام. فقال: لا. والله، ولكنه من شعر امرأة من أهل إفريقية جعلت منه شكالاً، ثم أرسلت به إلي فقالت: اجعله شكال فرس غاز في سبيل الله عز وجل فإني طالما تمتعت به في غير طاعة الله قلت: إنما ينظر إلى ذل هذه المرأة لله تعالى وقصدها لا إلى صورة فعلها لأنها جهلت أن هذا الفعل لا يجوز.

(2/462)


ذكر المصطفين من عباد الجبال
ذكر المصطفين من عباد جبل اللكام
إسحاق بن إبراهيم الجمال
...
ذكر المصطفين من عباد الجبال
الجبال على ضربين: جبال مسماة معروفة، وجبال غير مسماة. فنبدأ بالمعرفة.
ذكر المصطفين من عباد جبل اللكام
وهم قسمان: من يعرف اسمه، ومن لا يعرف.
فمن المعرفين:
862 - إسحاق بن إبراهيم الجمال
كان ينزل جبل اللكام عبد الله بن محمد الزنجاني قال: دخلت جبل اللكام فغلطت فوقعت على شيخ متزر بجلد متشح بمسح فقال: الله أكبر، جني أم إنسي؟ قلت: بل إنسي. قال: ضللت الطريق؟ قلت: نعم. قال: فعلمني كليمات. ودفع إلي عصا وقال: خذ هذه العصا فإنها تدلك على الطريق فإذا بلغت مرادك فألق العصا، فمشيت قليلاً فإذا أنا على باب أنطاكية فألقيت العصا. فلا أدري كيف كان ذلك؟ فرآني قوم فقالوا: من أين؟ قلت: من اللكام، ضللت الطريق فوقعت على شيخ فدلني وعلمني كلمات وقال لي: منذ ثلاثين سنة ما رأيت إنسياً. قالوا: نعم، كان ها هنا أخوان يقطعان الطريق فوقعا على هذا الشيخ فدعا لهما فتابا فليس اليوم في هذه النواحي أصلح منهما. وهذا الشيخ إسحاق بن إبراهيم الجمال.

(2/463)


القسم الثاني: من لا يعرف اسمه من عباد جبل اللكام:
863 - عابد
أبو سليمان الداراني قال: مررت في جبل اللكام في جوف الليل فسمعت رجلاً يقول في دعائه: يا سيدي وأملي ومؤملي ومن به تم عملي أعوذ بك من بدن لا ينتصب بين يديك، وأعوذ بك من قلب لا يشتاق إليك، وأعوذ بك من دعاء لا يصل إليك، وأعوذ بك من عين لا تبكي عليك فعلمت أنه عارف فقلت له: يا فتى إن للعارفين مقامات، وللمشتاقين علامات. قال: وما هي؟ قلت: كتمان المصيبات، وصيانة الكرامات، فقال لي عظني. فقلت: اذهب فلا ترد الدنيا، واتخذ الفقر غنى، والبلاء من الله عز وجل شفاء، والتوكل معاشاً، والجوع جرفة، واتخذ الله لكل شدة عدة صعق صعقة فتركته.
864 - عابد آخر
جعفر بن محمد سهل السامري قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر في جبل اللكام مررت على واد كثير الأشجار والنبات. فبينا أنا واقف أتعجب من حسن زهرته ومن خضرة العشب في جنباته إذ سمعت صوتاً أهطل مدامعي وهيج بلابل حزني، فاتبعت الصوت حتى وقفني بباب مغار في سفح ذلك الوادي، فإذا الكلام يخرج من جوف المغار فاطلعت فيه فإذا أنا برجل من أهل التعبد والاجتهاد. فسعته يقول: سبحان من أخرج قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه، سبحان من أوصل الفهم إلى عقول ذوي البصائر فهي لا تعتمد إلا عليه، سبحان من أورد حياض المودة نفوس أهل المحبة فهي لا تحن إلا إليه. ثم أمسك فقلت: السلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان. فقال: وعليك السلام، ما الذي أوصلك إلي من قد أفرده خوف المسألة عن الأنام، واشتغل بمحاسبة نفسه من التنطع في الكلام؟ قلت: أوصلني إليك الرغبة في التصفح والاعتبار. فقال: يا فتى إن لله عز وجل عباداً قدح في قلوبهم زندا الشغف نار الومق فأرواحهم لشدة الاشتياق تسرح في الملكوت، وتنظر إلى ما ذخر لها في حجب الجبروت. قلت: صفهم لي. قال: أولئك قوم آووا إلى كنف رحمته. ثم قال: يا سيدي بهم فألحقني. ولأعمالهم فوفقني. قلت: ألا توصيني

(2/464)


بوصية؟ قال: أحب الله عز وجل شوقاً إلى لقائه فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه. وأنشأ يقول:
قد كان لي دمع فأفنيته ... وكان لي جفن فأدميته
وكان لي جسم فأبليته ... وكان لي قلب فأضنيته
وكان لي يا سيدي ناظر ... أرى به الجو فأعميته
عبدك أضحى سيدي موثقاً ... لو شئت قبل اليوم داويته
865 - عابد آخر
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: مررت برجل بجبل اللكام وهو ساجد يقول في سجوده: إلهي، بك عرفتك فما حاجتي إلى غيرك.
866 - عابد آخر
أبو إبراهيم الزهري قال: كنت جائياً من المصيصة، فمررت باللكام فأحببت أن أراهم، يعني المتعبدين، هناك فقصدتهم ووافيت صلاة الظهر، وأحسبه رآني فيهم إنسان عرفني. فقلت له: فيكم رجل تدلوني عليه؟ فقالوا: هذا الشيخ الذي يصلي بنا. فحضرت معهم صلاة الظهر والعصر. فقال له ذلك الرجل: هذا رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف وجده أبو أمه سعد بن معاذ. قال: فبش بي وسلم علي كأنه كان يعرفني قال: فقلت له: من أين تأكل؟ فقال لي: أنت مقيم عندنا قلت: أما الليلة فأنا عندكم. قال: ثم مضيت معه فجعل يحدثني ويؤانسني حتى جاء إلى كهف جبل فقعدت ودخل فأخرج قعباً يسع رطلاً ونصفاً، قد أتى عليه الدهور. فوضعه وقعد يحدثني حتى إذا كادت الشمس تغرب اجتمعت حواليه ظباء فاعتقل منها ظبية فحلبها حتى ملأ ذلك القدح، ثم أرسلها. فلما سقط القرص حساه. ثم قال: ما هو غير ما ترى، وربما احتجت إلى الشيء من هذا فتجتمع حولي هذه الظباء فآخذ حاجتي وأرسلها. قلت: أبو إبراهيم اسمه أحمد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، معروف بالعلم والزهد، وكان أحمد بن حنبل إذا رآه قام قائماً.
867 - عابد آخر
أبو صالح الدمشقي قال: كنت أدور في جبل اللكام أطلب الزهاد والعباد فرأيت رجلاً عليه مرقعة جالساً على حجر مطرقاً إلى الأرض، فقلت له: يا شيخ ما تصنع ها هنا؟ قال أنظر

(2/465)


وأرعى. فقلت له: ما أرى بين يديك إلا الحجارة، فما الذي تنظر وترعى؟ قال: فتغير لونه ثم نظر إلي مغضباً وقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي وبحق الذي أظهرك علي إلا جزت عني. فقلت: كلمني بشيء أنتفع به حتى أمضي. فقال: من لزم الباب أثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب أكثر من الندم، ومن استغنى بالله أمن العدم. ثم تركني ومضى.
868 - عابد آخر
سري السقطي قال: مكثت أربعين سنة أسأل الله عز وجل أن يريني ولياً من أوليائه، قال: فلم أر أحداً. فخرجت إلى الثغر وصعدت جبل اللكام بينما أنا أمشي في المحجة إذ رأيت قوماً جلوساً نحو ثلاثين نفساً مرضى، عليهم ثياب خلقان، فسلمت عليهم ووقفت فقلت: لأي شيء أنتم جلوس في هذا القفر؟ قالوا: نحن من هذه المدينة التي في أسفل الجبل إذا كان رأس كل شهر في مثل هذا اليوم في مثل هذا الموضع نجلس، فإذا كان الظهر أقبل علينا رجل من هذا الموضع فنقوم إليه فيدعو الله لنا. فقعدت معهم. قال: فلما أن كان الظهر أقبل رجل أسمر شديد السمرة عليه مئزر صوف، فقرأ على كل واحد قال: فلحقته قلت له: قف علي يرحمك الله أكلمك. فالتفت إلي وقال: يا سري لا تعامل غيره فتسقط من عينه.
869 - عابد آخر
بلغنا عن بعض السلف أنه قال: مضيت إلى جبل اللكام فما رأيت أعبد من شاب أصفر اللون، كان يصف قدميه فيصلي ركعتين من أول الليل إلى آخره فيختم فيها القرآن ثم يجلس فيعتذر إلى الصباح.

(2/466)


870 - ومن عقلاء المجانين بجبل اللكام
بلغنا عن ذي النون المصري قال: وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللكام، فقصدته فلقيني جماعة من المتعبدين فسألتهم عنه؟ فقالوا: يا ذا النون تسأل عن المجانين؟ فقلت: وما الذي رأيتم من جنونه؟ قالوا: نراه في أكثر أوقاته هائماً ساهياً يكلم فلا يجيب، ويتكلم فلا نفقه ما يقول، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي فقلت في نفسي: ما أحسن أوصاف هذا المجنون. ثم قلت لهم: دلوني عليه. فقالوا: إنه يأوي في الوادي الفلاني. انطلقت إلى الوادي فأشرفت على واد وعر، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا أنا بصوت محزون شج من وجد قلب وهو يقول:

(2/466)


يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره ... أنت الذي ما إن سواه أريد
تفنى الليالي والزمان بأسره ... وهواك غض في الفؤاد جديد
قال ذو النون: فاتبعت الصوت فإذا أنا بفتى حسن الوجه حسن الصوت، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها، نحيل قد اصفر واحترق وهو شبيه بالواله الحيران. فسلمت عليه فرد السلام وبقي شاخصاً يقول:
أعميت عيني عن الدنيا وزينتها ... فأنت والروح شيء غير مفترق
إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق ... من أول الليل حتى مطلع الفلق
وما تطابقت الأجفان عن سنة ... إلا رأيتك بين الجفن والحدق
ثم قال: يا ذا النون ما لك وطلب المجانين؟ قلت: أومجنون أنت؟ قال: قد سميت به. فقلت: مسألة؟ فقال: سل، قلت: أخبرني ما الذي حبب إليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيمك في الأودية؟ قال: حبي له هيمني، وشوقي إليه هيجني، ووجدي به أفردني. ثم قال: يا ليت شعري يا فتى إلى متى تتركني مقلقلاً في محبتي؟ فقلت: أخبرني أين محل الحب منك؟ وأين مسكن الشوق فيك؟ فقال: مسكن الحب سواد الفؤاد. قلت: فما الذي تجد في خلوتك؟ قال: الحق سبحانه. قلت: كيف تجده؟ قال: بحيث لا حيث. ثم قال: يا ذا النون أعجبك كلام المجانين؟ قلت: إي والله وأشجاني، ثم قلت له: ما صدق وجدانك للحق تعالى؟ فصرخ صرخة ارتج لها الجبل. ثم قال: يا ذا النون هكذا موت الصادقين. ثم سقط إلى الأرض ميتاً فتحيرت في أمره، لا أدري ما أصنع به، وإذا به قد غاب عني فلا أدري أين ذهب.

(2/467)


ذكر المصطفين من عباد جبل لبنان
علي الجرجرائي
...
ذكر المصطفين من عباد جبل لبنان
وهم على ضربين: معروف ومجهول فنبدأ بالمعروف:
871 - علي الجرجرائي
كان من أستاذي بشر الحافي. وكان ينزل جبل لبنان.
القاسم بن القاسم قال: بلغني أن بشراً الحافي لقي علياً الجرجرائي بجبل لبنان على عين ماء. قال: فلما أبصرني قال: بذنب مني لقيت اليوم إنسياً. فعدوت خلفه وقلت: أوصني. فالتفت إلي وقال: أمستوص أنت؟ عانق الفقر، وعاشر الصبر، وعاد الهوى، وعاف الشهوات، واجعل بيتك أحلى من لحدك يوم تنقل إليه، على هذا طاب المسير إلى الله عز وجل.
ـــــــ
871 - هو: المتخلي من الشهوات، والمتحلي بالخلوات، تخلى من الجزع والهلع واستحلى الفزع والضرع، علي الجرجرائي، من قدماء المتعبدين، انظر حلية الأولياء 10/113.

(2/468)


ذكر المصطفين من المجهولين الأسماء من عباد جبل لبنان
872 - عابد
محمد بن حسان قال: بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج علي شاب قد أحرقته السموم والرياح، عليه طمر رث، وقد سقط شعر رأسه على حاجبيه. فلما نظر إلي ولى هارباً مستوحشاً. فقلت له: يا أخي، موعظة لعل الله عز وجل أن ينفعني بها. فالتفت إلي وهو مار فقال: يا أخي، احذر الحق فإنه غيور، ولا يحب أن يرى في قلب عبده سواه.
873 - عابد آخر
إبراهيم بن الجنيد قال: حدثني أبو فروة السائح قال: بينا أنا أسح في جبل لبنان إذ جن الليل علي وأنا في بعض أوديته، فإذا بصوت محزون وهو يقول: يا من آنسني بقربه، وأوحشني من خلقه، وكان عند مسرتي ارحم اليوم عبرتي، فدنوت منه فإذا شيخ قد سقط حاجباه على عينيه. فلما أحس بي نفر وقال: إنسي أنت؟ قلت: إنسي. قال: إليك عني، فمنك فررت.
874 - عابد آخر
يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير على جبل لبنان في جوف الليل إذا أنا بعريش من ورق البلوط، وإذا شاب قد أخرج رأسه من العريش بوجه أحسن من القمر. فقال: شهد لك قلبي في النوازل بمعرفة درجة الفضل لك، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك ولا يحسن بقلبي أن يألف غيرك؟ هيهات لقد خاب لديك المقصرون عنك. ثم أدخل رأسه في عريشه وفاتني كلامه، فلم أزل واقفاً إلى أن طلع الفجر ثم أخرج رأسه فنظر إلى القمر فقال: إلهي أشرقت بنورك السموات، وأنارت بنورك الظلمات، وحجبت جلالك عن العيون فوصلت به معارف القلوب، ثم قال: بالتجائي إليك في حزني انظر إلي نظرة من ناديته فأجاب، فوثبت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام. فقلت: رحمك الله أسألك عن مسألة؟ قال: لا. قلت: ولم ذاك؟ قال: ما خرج روعك من قلبي. قلت: حبيبي وما الذي أفزعك مني؟ قال: بطالتك في يوم شغلك، وتركك الزاد ليوم معادك، ووقوفك على الظنون يا ذا

(2/469)


النون. فوقعت مغشياً علي. فما أفقت إلا بحر الشمس. ثم رفعت رأسي فلم أره ولا العريش. فقمت فسرت وفي منه حسرة.
875 - عابد آخر
عن أبي الحارث الأولاسي قال: بلغني أن بجبل لبنان رجلاً تطوى له الأرض من يومه إلى بيت المقدس، ووصف لي مكانه فصرت إليه فإذا هو رجل قد ألبس سلامة. فسألته من أين المطعم؟ فدعا بظبية كانت قريباً منه في الجبل فجاء بها إلى صخرة فيها نقرة فحلبها وسقاني من اللبن.

(2/470)


ومن عقلاء المجانين بجبل لبنان:
876 - شيبان المصاب
محمد بن أحمد بن سلمة قال: حدثني سالم قال: بينا أنا سائر مع ذي النون في جبل لبنان إذا قال لي: مكانك يا سالم حتى أعود إليك. فغاب عني في الجبل ثلاثة أيام وأنا أنتظره، إذا هاجت علي النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من ماء الغدران، فلما كان بعد الثالث رجع إلي متغير اللون ذاهب العقل، فقلت له بعد أن رجعت إليه نفسه: يا أبا الفيض أسبع عارضك؟ فقال: لا. دعني من تخويف البشرية، إني دخلت كهفاً من كهوف هذا الجبل فرأيت رجلاً أبيض الرأس واللحية أشعث أغبر نحيفاً نحيلاً كأنما أخرج من قبره، ذا منظر مهول وهو يصلي، فسلمت عليه بعد ما سلم. فرد علي السلام وقام إلى الصلاة فما زال راكعاً وساجداً حتى صلى العصر واستند إلى حجر حذاء المحراب يسبح، لا يكلمني. فبدأته بالكلام فقلت له: رحمك الله توصيني بشيء، ادع الله عز وجل لي بدعوة؟ فقال: يا بني آنسك الله تعالى بقربه. ثم سكت. فقلت: زدني. فقال: يا بني من آنسه الله بقربه أعطاه أربع خصال: عزاً من غير عشيرة، وعلماً من غير طلب، وغنى من غير مال، وأنساً من غير جماعة.
ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حتى توهمت أنه ميت، فلما كان بعد ثلاثة أيام قام فتوضأ من عين ماء إلى جنب الكهف وقال لي: يا بني كم فاتني من الفرائض؟ صلاة أو صلاتان أو ثلاث؟ قلت: قد فاتتك صلاة ثلاثة أيام بلياليهن فقال:
إن ذكر الحبيب هيج شوقي ... ثم حب الحبيب أذهب عقلي
وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين، وقد أنست بذكر رب العالمين، انصرف عني بسلام. فقلت له: يرحمك الله وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة. وبكيت فقال: أحبب مولاك ولا ترد بحبه بدلاً، فالمحبون لله تعالى هم تيجان العباد وعلم الزهاد، وهم أصفياء الله وأحباؤه.
ثم صرخ صرخة فحركته فإذا هو قد فارق الدنيا. فما كان إلا هنية وإذا بجماعة من العباد منحدرين من الجبل حتى واروه تحت التراب. فسألت: ما اسم هذا الشيخ؟ قالوا: شيبان المصاب. قال سالم: فسألت أهل الشام عنه فقالوا: كان مجنوناً خرج من أذى الصبيان،

(2/471)


قلت: تعرفون من كلامه شيئاً؟ قالوا: نعم، كلمة واحدة كان يغني بها إذا ضجر: إذا بك لم أجن يا حبيبي فبمن؟ قال سالم: فقلت عمي والله عليكم.
877 - عباس المجنون
عن ابن المبارك قال: صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبة صوف مفتقة الأكمام، عليها مكتوب، لا تباع ولا تشترى، قد ائتزر بمئزر الخشوع، واتشح برداء القنوع. فلما رآني اختفى وراء شجرة. فناشدته بالله فظهر فقلت: إنكم معاشر العباد تصبرون على الوحدة، وتقاسون هذه القفار الموحشة، فضحك ووضع كمه على رأسه وأنشأ يقول:
يا حبيب القلوب من لي سواكا ... ارحم اليوم مذنباً قد أتاكا
أنت سؤلي ومنيتي وسروري ... قد أبى القلب أن يحب سواكا
ليس سؤلي من الجنان نعيم ... غير أني أريدها لأراكا
قال: ثم غاب عني فتعاهدت ذلك الموضع سنة لأقع عليه فلم أره. فلقيني غلام أبي سليمان الداراني فسألته عنه وأعطيته صفته فبكى وقال: واشوقاه إلى نظرة أخرى منه. فقلت: من هو؟ قال: ذاك عباس المجنون، يأكل في كل شهر أكلتين من ثمار الشجر ونبات الأرض، يتعبد منذ ستين سنة.
ـــــــ
877 - هو: عباس المعروف بالمجنون، في الشوق مضنون، وعن الخلق مخزون، كان لمحبوبه ساهرا، وعن بني جنسه سائرا، انظر حلية الأولياء 10/152.

(2/472)


ومن عباد جبل الطور
عابد
...
ومن عباد جبل الطور:
878 - عابد
سهل بن عيسى الجبلي قال: كنت عند إبراهيم بن شيبان فسألوه عن وصف العارف؟ فقال: كنت على جبل الطور مع شيخي أبي عبد الله المغربي ومعنا نحو من سبعين رجلاً، أقل أو أكثر. فأتانا ذات يوم شاب عليه أثر الخشوع فكنا إذا صلينا قام فصلى معنا، وإذا تجارينا العلم قعد يستمع إلينا فبينا نحن ذات يوم قعود تحت شجرة في مكان فيه عشب، وكانت أيام الربيع، فتكلم الشيخ علينا في علوم المعارف فرأيت الشاب يتنفس، فاحترق ما بين يديه من العشب. ثم غاب فلم أره بعد ذلك. فقال الشيخ: هذا هو العارف، وهذا وصفه.

(2/472)


ومن عباد جبال بيت المقدس
عابد
...
ومن عباد جبال بيت المقدس:
879 - عابد:
محمد بن أحمد النيسابوري قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا في بعض جبال بيت المقدس سمعت صوتاً وهو يقول: ذهبت الآلام عن أبدان الخدام وولهت بالطاعة عن الشراب والطعام، وألفت أبدانهم طول القيام بين يدي الملك العلام. فتبعت الصوت فإذا شاب أمرد قد علا وجهه اصفرار يميل ميل الغصن إذا ميلته الريح، وعليه شملة قد اتزر بها، وأخرى قد اتشح بها. فلما رآني توارى عني بالشجر فقلت له: أيها العالم، الجفاء ليس من أخلاق المؤمنين. فكلمني وأوصني. فخر ساجداً وجعل يقول: هذا مقام من لاذ بك واستجار بمعرفتك، وألف محبتك فيا إله القلوب وما تحويه من جلال عظمتك احجبني عن القاطعين لي عنك. قال ذو النون: ثم غاب عني فلم أره.

(2/473)


ومن عابدات جبال بيت المقدس:
880 - عابدة
محمد المبارك الصوري قال: بينما أنا أجول في بعض جبال بيت المقدس إذا أنا بشخص منحدر من جبل، فإذا هي امرأة عليها مدرعة من صوف وخمار من صوف. فسلمت فردت فقالت: يا هذا من أين أقبلت؟ فقلت: رجل غريب. قالت: يا سبحان الله، وهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الغرباء ومحدث الفقراء؟ فبكيت، فقالت: مم بكاؤك، ما أسرع ما وجدت طعم الدواء؟ فقلت: أو لا يبكي العليل إذا وجد طعم العافية؟ قالت: لا. قلت: لم؟ قالت: لأنه ما خدم القلب خادم هو أحب إليه من البكاء، ولا خدم البكاء خادم هو أحب إليه من الشهيق والزفير في البكاء. قلت: علميني رحمك الله فإني أراك حكيمة. فأنشأت تقول:
دنياك غرارة فذرها ... فإنها مركب جموح
دون بلوغ الجهول منها ... منيته، نفسه تطيح
لا تركب الشر واجتنبه ... فإنه فاحش قبيح
والخير فاقدم عليه ترشد ... فإنه واسع فسيح
فقلت: زيديني. فقالت: أحبب ربك شوقاً إلى لقائه، فإن له يوماً يتجلى فيه لأوليائه.

(2/473)


ومن عقلاء المجانين مجنونة في جبل من جبال بيت المقدس يقال لها:
881 - زهراء الوالهة
محمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا في بعض أودية بيت المقدس إذ سمعت صوتاً يقول: يا ذا الأيادي التي لا تحصى، ويا ذا الجود والبقاء متع بصر قلبي من الجولان في بساتين جبروتك، واجعل همتي متصلة بجود لطفك يا لطيف، وأعذني من مسالك المتحيرين بجلال بهائك يا رؤوف، واجعلني لك في جميع الحالات خادماً وطالباً، وكن لي يا منور قلبي وغاية طلبي في الفضل صاحباً. قال ذا النون: فطلبت الصوت حتى ظهر لي، فإذا امرأة كأنها العود المحترق، وعليها درع من الصوف، وخمار من الشعر أسود قد أضناها الجهد وأفناها الكمد وذوبها الحب، وقتلها الوجد. فقلت لها: السلام عليك. فقالت: وعليك السلام يا ذا النون فقلت: لا إله إلا الله كيف عرفت اسمي ولم تريني؟ قالت: كشف عن سري الحبيب فرفع عن قلبي حجاب العمى فعرفني اسمك. فقلت: ارجعي إلى مناجاتك. فقالت: أسألك يا ذا البهاء أن تصرف عني شر ما أجد فقد استوحشت من الحياة. ثم خرت ميتة. فبقيت متحيراً متفكراً. فأقبلت عجوز كالوالهة فنظرت إليها ثم قالت: الحمد لله الذي كرمها. قلت: من هذه؟ فقالت: ألم تسمع بزهراء الوالهة؟ هذه ابنتي توهم الناس منذ عشرين سنة أنها مجنونة وإنما قتلها الشوق إلى ربها.

(2/474)


ومن عباد جبال المغرب:
882 - عابد
عن ذي الكفل أخي ذي النون قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا في جبال المغرب إذ وقعت على رجل عابد في رأس جبل، فسلمت عليه؛ فأطرق إلى الأرض ثم رفع رأسه وقال: عليكم السلام. قال ذو النون فقلت له: ما مقامك في هذا المكان؟ فقال: معي بضيعة قد هربت بها من الأسواق وقد جئت بها لأدفنها في هذا المكان. قلت: وما بضاعتك هذه؟ قال: عقد توحيدي وخالص ضمير مكنوني قلت: لو أنست بالناس. قال: منهم هربت، وقد قصدت إلى من قصده غيري من الراجين. فوجدوه مؤنساً. ثم رفع طرفه نحو السماء ثم قال: أنت أنت. قال ذو النون: فرفعت طرفي في موضع رفع طرفه ورددت طرفي فلم أره.

(2/474)


ومن عباد جبال الإسكندرية:
883 - عابد
جعفر بن النعمان الرازي قال: قال إبراهيم بن أدهم ذات يوم: يا أهل الشام تعجبون مني؟ وإنما العجب من الرجل الإسكندراني، فإني طلبته في جبال الإسكندرية حتى وقعت عليه بعد ثمانية أيام وهو يصلي كأنه مدهوش. ثم حانت منه التفاتة إلي فقال لي: من أنت؟ قلت: رجل أعرابي. قال: هل عندك حديث تحدثنا به؟ قال: فحدثته بخمسة أحرف فغشي عليه وأنا أنظر، ثم أفاق فقال: خذ أنت ها هنا حتى آخذ أنا ههنا. فطلبته بعد فلم أقدر عليه.

(2/475)


ومن عباد جبل المقطم:
884 - يوسف بن الحسين قال: سمعت ذا النون المصري يقول: وصف لي رجل في جبل المقطم فقصدته فرأيت رجلاً متعبداً، فمكثت معه أربعين يوماً لا أكلمه. ثم استخرت الله تعالى يوماً في كلامه، وسألت الله أن يوفقه لي، فقلت: أيها الشيخ فما النجاة؟ فقال: في التقوى والمراقبة. فقلت: زدني، فقال: فر من الخلق ولا تستأنس بهم. فقلت له: زدني. فقال: إن لهل عباداً نظروا إلى باطن الدنيا لما نظر الخلق إلى ظاهرها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم؟ إنهم قوم صافوه بالعقول ودققوا له الفطن فسقاهم كأساً من محبته فهم في عطشهم أروياء، وفي ربهم عطاش. قال: فقلت له: زدني. فقال: إنهم أقوياء في توكلهم.

(2/475)


من عباد جبل الأقرع:
885 - عابد
قال بشر بن الحارث: كنت ماراً في جبال الشام فأتيت على رجل يقال له الأقرع، فإذا أنا بشاب قد نحل جسمه ورق جلده، وعليه ثوب من صوف، فسلمت عليه فرد علي. فقلت في نفسي: أقول له عظني وأبلغ. فقال لي قبل أن أكلمه فأجاب عن سري: عظ نفسك بنفسك، وفك نفسك من حبسك، ولا تشتغل بموعظة غيرك من جنسك، واذكر الله في الخلوات يقك السيئات، وعليك بالجد والاجتهاد. ثم بكى وجعل يقول: شغلت النفوس بالقليل الفاني ونحبت الأبدان بالتسويف والأماني. ثم قال: يا بشر، وما رآني وما عرفني قبل ذلك، إن لله عباداً خالط قلوبهم الحزن، فأسهر ليلهم وأظمأ نهارهم، وأبكى عيونهم، كما وصفهم ربهم في كتابه: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} الذاريات.

(2/476)


ذكر المصطفين من عباد جبال الشام المجهولة الأسماء
886 - حميد بن جابر، الأمير الشامي
إبراهيم بن بشار قال: كنت يوماً ماراً مع إبراهيم بن أدهم في صحراء إذ أتينا على قبر مسنم فترحم عليه وبكى، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلها، كان غرقاً في بحار الدنيا ثم أخرجه الله عز وجل منها فاستنقذه. لقد بلغني أنه سر ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته. قال: ثم نام في مجلسه ذلك مع من يخصه من أهله. قال: فرأى رجلاً واقفاً على سريره وبيده كتاب فناوله ففتحه فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب: لا تؤثرن فانياً على باق، ولا تغترن بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله عز وجل فإن الله قال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران]. قال: فانتبه فزعاً وقال: هذا تنبيه من الله عز وجل وموعظة. فخرج من ملكه لا يعلم به، وقصد هذا الجبل فتعبد فيه. فلما بلغتني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته فحدثني ببدو أمره وحدثته ببدو أمري، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ههنا. فهذا قبره رحمه الله.
887 - عابد آخر
بشر بن الحارث قال: استقبلني رجل في طريق الشام وعليه عباءة قد عقدها مستوفزاً كأنه وحشي. فقلت له: رحمك الله من أين جئت؟ قال لي: جئت من عنده. فقلت: وإلى أين تذهب؟ فقال: غليه فقلت له: ففيم النجاة رحمك الله؟ قال: في التقوى والمراقبة لمن أنت له مبتغ، قلت: فأوصني. قال: لا أراك تقبل. قلت: أرجو أن أقبل إن شاء الله. قال: فر منهم ولا تأنس بهم واستوحش من الدنيا فإنها تعرضك للعطب. ثم قال: من عرف الدنيا لم يطمئن إليها ومن أبصر ضررها أعد لها دواءها، ومن عرف الآخرة ألح في طلبها، ومن توهمها اشتاق إلى ما فيها فهان عليه العمل.

(2/477)


ثم قال: فكيف لو توهمت من يملكها ومن زخرفها ومن قال لها: فكانت وتزيني فتزينت؟ والتشوق إلى مالكها أولى بقلوب المشتاقين، وأطيب لعيش المستأنسين.
ثم قال: قد أنسوا بربهم فالأمر فيما بينهم سليم، صافوه بالعقول، ودققوا له الفطن، فسقاهم من كأس حبه شربة فظلوا في عطشهم أروياء، وفي ربهم عطاشاً.
ثم قال: يا هذا أتفهم ما أقول وإلا فلا تتبعني؟ قلت: بلى رحمك الله إني أفهم جميع ما قلت. قال: الحمد لله الذي فهمك. قال: ورأيت في وجهه السرور ثم قال: خذ إليك نعم هم الذين لا يملون كاساته من تحفه، فالحكمة إلى قلوبهم سائلة متواصلة، لأنهم الأكياس الذين لم تدنسهم المطامع ولم تقطعهم عن الله عز وجل القواطع، ليوث في تعززهم، أغنياء في توكلهم، أقوياء في تقلبهم، قد قطعتهم الخشية وولهتهم الغربة، نعيمهم اليقين، وروحهم السكون، ألين الخلق عريكة وأشده حياء، وأشرفه مطلباً. لا يركنون إلى الدنيا جزعاً. ولا يتطاولون ولا يتماوتون، فهم صفوة الله عز وجل من خلقه، وضائن من خالص عباده. ثم قال لي أن القلوب الحية من دون هذا لها مقنع. نفعنا الله وإياك بما علمنا وسلمنا وإياك بما علمنا، السلام عليك ورحمة الله. قال بشر: فطلبت إليه فأبى علي وقال: لست أنساك فلا تنسني. ثم مضى وتركني. قال بشر: فلقيت عيسى بن يونس فحدثته بقصته فقال لي: لقد أنس بك ذلك الرجل الصالح، إنه رجل من خيار الناس يأوي في الجبل وإنما يدخل إلى المدينة في كل جمعة لصلاة الجمعة ويبيع في ذلك اليوم حطباً يكفيه إلى الجمعة الأخرى، وعجباً له كيف كلمك؟ لقد حفظت عنه كلاماً حسناً.
888 - عابد آخر
ابن مسروق قال: سمعت سرياً يقول: بينا نحن نسير في بلاد الشام ملنا عن الطريق ناحية جبل عليه عابد، فقال رجل من القوم: إنا قد ملنا عن الطريق، وها هنا عابد فميلوا بنا إليه نسأله، لعل الله عز وجل يوفقه يكلمنا. فملنا إليه فوجدناه يبكي. قال سري: فقلت له ما أبكى العابد؟ قال: ما لي لا أبكي؟ وقد توعرت الطرق وقل السالكون فيها، وهجرت الأعمال وقل الراغبون فيها، وقل الحق ودرس هذا الأمر فلا أراه إلا في لسان كل بطال ينطق بالحكمة، ويفارق الأعمال، قد افترش الرخصة وتمهد التأويل، واعتل بزلل العاصين ثم صاح صيحة وقال: كيف سكنت قلوبهم إلى روح الدنيا، وانقطعت عن روح ملكوت السماء؟ ثم جعل

(2/478)


يقول: واغماه من فتنة العلماء، واكرباه من حيرة الأدلاء. وجال جولة ثم قال: أين الأبرار من العلماء؟ بل أين الأخيار من الزهاد؟ ثم بكى وقال: شغلهم والله ذكر طول الوقوف،وهم الجواب عن ذكر الجنة والنار والثواب. ثم قال: أنا أستغفر الله من شهوة الكلام. تنحوا عني. فخليناه يبكي وقد ملئنا منه غماً وهماً.
889 - عابد آخر
محمد بن أحمد الشمشاطي قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر بين جبال الشام إذا بشيخ على تلعة من الأرض قد تساقطت حاجباه على عينيه كبراً. فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم جعل يقول: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريباً، ويا من قصده الزاهدون فوجدوه حبيباً، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه مجيباً ثم أنشأ يقول:
وله خصائص مصطفون لحبه ... اختارهم في سالف الأزمان
اختارهم من قبل فطرة خلقه ... فهم ودائع حكمة وبيان
890 - عابد آخر
أبو عثمان سعيد بن الحكم قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير في بلاد الشام فإذا أنا بعابد قد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلي استتر بين تلك الأشجار. ثم قال: أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك، يا حبيب التوابين، ومعين الصادقين، وغاية أمل المحبين، ثم صاح: واغماه من طول البكاء وطول الحزن واكرباه من طول المكث في الدنيا. ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه، فلا شيء ألذ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته. ثم مضى وهو يقول: قدوس قدوس قدوس. فناديته: أيها العابد قف لي. فوقف وهو يقول: اقطع عن قلبي كل علاقة، واجعل شغله بك دون خلقك. فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو الله لي فقال: خفف الله عليك مؤن نصب السير إليه، وأداك إلى رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة. ثم سعى بين يدي كالهارب من السبع.

(2/479)


ومن عابدات جبال الشام:
891 - عابدة
عبد الملك بن هاشم قال: سمعت ذا النون يقول: كنت سائراً في بعض جبال الشام فإذا أنا بكوخ فقصدته فإذا أنا بعجوز قد عميت من البكاء. فدنوت منها فسلمت وقلت: يا عجوز حدثيني ما الغنى؟ قالت: الزهد في الدنيا. قلت: فما الزهد في الدنيا؟ قالت ترك طلب المفقود حتى يفقد الموجود.

(2/480)


ذكر المصطفين من عباد جبال غير معروفة المكان
892 - عابد في جبل
عن مسعر أن عابداً كان يتعبد في جبل، يؤتى بقوته كل يوم قرصين. قال سفيان: وقال غير مسعر: كان يأتيه طير أبيض. قال فأتاه ذات يوم بقوته فجاءه سائل فأعطاه أحد القرصين. ثم أتاه سائل آخر فكسر القرص الثاني نصفين فأعطاه النصف وبقي النصف لنفسه، ثم قال والله: ما هذا النصف بالذي يغني عن هذا شيئاً، ولا هذا النصف بالذي يكفيني، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان. فسلم القرص كله للسائل وبات طاوياً، فأتي في منامه فقيل له: سل. فقال: أسأل المغفرة. فقيل له: هذا شيء قد أعطيته فسل. قال أسأل أن يغاث الناس. قال: وكان عام جدب فأغيثوا.
893 - عابد آخر على جبل
أبو الهيثم عن عبد الله بن غالب أنه حدثه قال: خرجت إلى الجزيرة فركبت السفينة فأرفت بنا إلى ناحية قرية عادية في سفح جبل خراب ليس فيها أحد. قال: فخرجت فطوفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه إذ دخلت بيتاً يشبه أن يكون مأهولاً. قال فقلت: إن لهذا البيت لشأناً. قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة. قالوا: وما هي؟ قلت: تقيمون علي ليلة. قالوا: نعم. قال: فدخلت ذلك البيت، فقلت: إن يكن له أهل فسيأوون إليه إذا جاء الليل. فلما أن جاء الليل سمعت صوتاً قد انحط من رأس الجبل، يسبح الله ويحمده ويكبره. فلم يزل الصوت يدنو كذلك حتى دخل البيت. قال: ولم أر في ذلك البيت شيئاً إلا جرة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام. فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاماً، ثم حمد الله تعالى. ثم أتى تلك الجرة فشرب منها شراباً. ثم قام فصلى حتى أصبح.
فلما أصبح أقام الصلاة فصليت معه فقال: رحمك الله دخلت بيتي بغير إذني؟ قال: قلت رحمك الله لم أرد إلا الخير. وقلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاماً وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيه شيئاً، وأتيت تلك الجرة فشربت منها شراباً وقد نظرت قبل ذلك فلم أر فيها

(2/481)


شيئاً. قال: أجل ما من طعام أريده من طعام الناس إلا أكلته من هذا الوعاء، ولا شراب أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الجرة. قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري. فقلت: رحمك الله إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالصلاة في الجماعة وعيادة المريض، واتباع الجنائز. فقال: ههنا قرية فيها كل ما ذكرت وأنا منتقل إليها. قال: فكاتبني حيناً ثم انقطع عني كتابه فظننت أنه مات. وكان عبد الله بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك.
894 - عابد آخر على جبل
قال محمد بن الحسين: حدثني أحمد بن سهل قال: حدثني أبو فروة السائح، وكان والله من العاملين لله عز وجل بمحبته، قال: بينا أنا أطوف في بعض الجبال إذ سمعت صدى جبل فقلت: إن ها هنا لأمراً ما. فاتبعت الصوت فإذا أنا بهاتف يهتف: يا من آنسني بذكره وأوحشني من خلقه، وكان لي عند مسرتي. ارحم اليوم عبرتي وهب لي من معرفتك ما أزداد به تقرباً إليك. يا عظيم الصنيعة إلى أوليائه اجعلني اليوم من أوليائك المتقين.
قال: ثم سمعت صرخة ولم أر أحداً. فأقبلت نحوها فإذا أنا بشيخ مغشي عليه قد بدا بعض جسده، فغطيته ثم لم أزل عنده حتى أفاق، فقال: من أنت رحمك الله؟ قلت: رجل من بني آدم. قال: إليكم عني فمنكم هربت، قال: ثم بكى وقام، فانطلق وتركني. فقلت: رحمك الله دلني على الطريق. فأومأ بيده إلى السماء.
895 - عابد آخر على جبل
محمد بن أبي عبد الله الخزاعي قال: حدثني رجل من أهل الشام أنه دخل كهف جبل في ناحية عن طريق الناس. فإذا هو بشيخ مكتوب على وجهه، وإذا هو يقول: إن كنت تطيل جهدي في دار الدنيا وتطيل شقائي في الآخرة فلقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم، قال: فسلمت فرفع رأسه فإذا دموعه قد بلت الأرض. فقال: ألم تكن الدنيا لكم واسعة وأهلها لكم أناساً؟ فلما رأيت من عقله ما رأيت قلت له: رحمك الله اعتزلت الناس واغتربت في هذا الموضع؟ فقال: وأنت يا أخي، فحيثما ظننت أنه أقرب لك إلى الله عز وجل فابتغ إلى ذلك سبيلاً فلن يجد مبتغوه من غيره عوضاً. قال: قلت: فالمطعم؟ قال: أقل ذلك عند الحاجة إليه إذا أردنا ذلك: فنبت الأرض وقلوب الشجر. قال: فقلت: ألا أخرجك من هذا الموضع فآتي

(2/482)


بك أرض الريف والخصب؟ قال: فبكى ثم قال: إنما الريف والخصب حيث يطاع الله عز وجل، وأنا شيخ كبير أموت الآن، لا حاجة لي بالناس.
896 - عابد آخر في جبل
أبو حفص عمر بن عبد الله المؤذن قال: قال قاسم الجرعن: خرجت حاجاً على طريق الشام، فبينا أنا أسير في الليل إذ غلطت الطريق فسمعت صيحة فإذا أنا بجماعة قد مسهم من الغلط مثل الذي مسني، وقد وقفوا على رجل من المتعبدين في جبل وهو يبكي ويقول في بكائه: أترى بكائي نافعي عندك ومنقذ رقبتي من حكمك؟ أتراك آخذاً من نفسي بحقك وموبخها على رؤوس الأشهاد بما ضيعت من أمرك؟ ثم صاح: آوه لكشف سترك عني، آوه لوقوفي بين يديك يا سيداه، فقال له بعض القوم: إنا غلطنا الطريق. فقال: وأنا أيضاً قد غلطت الطريق، فمن لي ولكم بالاستقامة على وجهها؟ ثم قال: يا دليل الأدلاء دلني ودلهم ولا تحيرني وإياهم.
قال: فكشف لنا عن الطريق فسلكناها وتركناه واقفاً في صومعته.
897 - عابد آخر في جبل
بلغنا عن أبي الحارث أحمد بن الحارث الأولاشي أنه قال: رأيت رجلاً على رأس جبل كأنه شن بال شاخصاً ببصره نحو السماء لا يفتر عن الذكر. فسألته المقام معه. فقال: إن أطقت ما طوقت فأقم وإلا فامض عني، قلت: وما هو؟ قال: يكون الذهب والفضة عندك كالحصى والمدر، والسباع والهوام كالطير والأنعام، وخوفك من جنسك كخوفك من السباع، وخوفك من صحبتهم على دينك كخوفك من الشطان، فلعلك تنال ما تريد، ومتى كان الذهب والفضة أكبر في قلبك فإنك ستميل إلى الأكبر، ومتى هبت السباع أوشك أن تبعد إلى الأمن، ومتى أنست بالمخلوقين أوشك أن تهرب من الوحشة. وثلاثة أشياء هن تمام الأمر: أن تعلم أنك مبتلي لا محالة، وأن لك رزقاً مقسوماً وكذلك أجل معلوم، والثالث: أن تقصر الأمل، فهنالك لا تبالي أين حللت من البلاد ولا من شاهدت من العباد فتقدم إن شئت على بصيرة وإلا فتأخر على علم بضعف وعجز. قلت: صف لي ما يزيد في صبري. قال: تعلم أن الله عز وجل ناظر إليك، قد روي في بعض الأخبار: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وما يكابد المكابدون في طلب مرضاتي فإذا علمت أن صبرك يرضي مولاك صبرت. قلت: فما السبيل إلى الرضاء؟ قال: علم القلب بأن المولى عادل في قضائه غير متهم

(2/483)


فيما حكم. قلت: فما معنى الرضاء؟ قال: سرور القلب بمر القضاء؟ ثم قال: لا تنم إلا نوم يقظان، وكيف يأمن من لم يأته الأمان؟ وبادر قبل الفوت، واستعن على تصفية الطعمة بالقلة والتمس الصمت بقلة الخلطاء، واتبع قول الرسول صلى الله عليه وسلم وقول السلف، ولا تميلن إلى محدثات الأمور، فكل محدثة بدعة، واعلم أن الله يراك فاتقه، وقم له بالقسط على نفسك، وتفرد بالفرد إذ كنت له عبداً، وتجرد من الهموم الشاغلة، واجعل الهم واحداً تروح في العاجلة والآجلة.
898 - عابد آخر في جبل
بلغنا عن بعض السلف أنه قال: رأيت في بعض الجبال شاباً أصفر اللون غائر العينين، مرتعش الأعضاء، لا يستقر على الأرض، كأن به وخز الأسنة، ودموعه تتحادر. فقلت له: من أنت؟ فقال: آبق من مولاه. قلت: فتعود وتعتذر. فقال: العذر يحتاج إلى إقامة حجة فكيف يعتذر المقصر؟ فقلت: تتعلق بمن يشفع فيك. فقال: كل الشفعاء يخافون منه؟ قلت: فمن هو قال: مولاي رباني صغيراً فعصيته كبيراً، شرط لي فوفاني، وضمن لي فأعطاني، فخنته في ضماني، وعصيته وهو يراني، فواحيائي من حسن صنعه وقبيح فعلي. فقلت: أين هذا المولى؟ فقال: أين توجهت لقيت أعوانه، وأيت استقرت ف قدمك ففي داره. فقلت: ارفق بنفسك فربما أحرقك هذا الخوف. فقال: الحريق بنار خوفه - لعله يرضى - أحق وأولى. ثم أنشأ يقول:
لم يبق خوفك لي دمعاً ولا جلداً ... لا شك أني بهذا ميت كمدا
عبد كئيب أتى بالعجز معترفاً ... وناره تحرق الأحشاء والكبدا
ضاقت مساكنه في الأرض من وجل ... فهب لي منك لطفاً إن لقيت غدا
فقلت: يا غلام، الأمر أسهل مما تظن. فقال: هذا من فتنة البطالين، هبه تجاوز وعفا، أين آثار الإخلاص والصفاء؟ ثم صاح صيحة، فخرجت عجوز من كهف الجبل، عليها ثياب رثة. فقالت: من أعان على البائس الحيران؟ فقلت: يا أمة الله دعوته إلى الرجاء؟ فقالت: قد دعوته إلى ذلك فقال: الرجاء بلا صفاء شرك. قلت: من أنت منه؟ قالت: والدته. فقلت: أقيم عندك أعينك عليه؟ فقالت: خله ذليلاً بين يدي قاتله عساه يراه بعين معين فيرحمه. فلم أدر مما ذا أعجب؟ من صدق الغلام في خوفه أو من قول العجوز وصدقها. انتهى ذكر عباد الجبال بحمد الله ومنه.

(2/484)


ذكر المصطفين من عباد الجزائر
899 - عابد
عبيد الله بن أبي نوح قال: لقيت رجلاً من العباد في بعض الجزائر منفرداً فقلت: يا أخي ما تصنع ها هنا وحدك؟ أما تستوحش؟ قال: الوحشة في غير هذا الموضع أعم. قلت: مذ كم أنت ها هنا؟ قال: منذ ثلاثون سنة. قلت: فمن أين المطعم؟ قال: من عند المنعم. قلت: فها هنا في القرب منك شيء تعول عليه إذا احتجت إليه من المطعم رجعت إليه. قال: ما أكرثك بما قد كفيته وضمن لك. قلت: أخبرني بأمرك. قال: ما لي أمر غير ما ترى، غير أني أظل في هذا الليل والنهار متكلاً على كرم من لا تأخذه سنة ولا نوم.
قال: ثم صاح صيحة أفزعني فوثبت وسقط مغشياً عليه. فتركته على تلك الحال ومضيت.
900 - عابد آخر
بلغنا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال: ركبنا في مركب فطرحتنا الريح إلى جزيرة، فإذا فيها رجل يعبد صنماً، فقلنا له: من تعبد؟ فأومأ إلى الصنم. فقلنا: إن معنا في المركب من يسوي مثل هذا. ليس هذا بإله يعبد. قال: فأنتم لمن تعبدون؟ قلنا: الله عز وجل قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه فقال: كيف علمتم به؟ قلنا: وجه هذا الملك إلينا رسولاً كريماً فأخبرنا بذلك. قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى الرسالة قبضه الله. قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: بلى ترك عندنا كتاب الملك. قال: أروني كتاب الملك، فينبغي أن تكون كتب الملوك حساناً. فأتيناه بالمصحف فقال: ما أعرف هذا. فقرأنا عليه سورة من القرآن فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة. فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى. ثم أسلم وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسوراً من القرآن. فلما جن علينا الليل وصلينا العشاء أخذنا مضاجعنا. فقال لنا: يا قوم هذا الإله الذي دللتموني عليه إذا جن عليه الليل ينام؟ قلنا: لا يا عبد الله، هو عظيم قيوم لا ينام. قال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام. فأعجبنا كلامه. فلما قدمنا عبادان قلت لأصحابي: هذا قريب عهد بالإسلام فجمعنا له دراهم وأعطيناه فقال: ما هذه؟

(2/485)


قلنا: تنفقها، قال لا إله إلا الله، دللتموني على طريق ما سلكتموها، أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنماً من دونه ولم يضيعني - يضيعني وأنا أعرفه. فلما كان بعد أيام قيل لي: إنه في الموت. فأتيته فقلت: هل من حاجة؟ فقال: قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي. قال عبد الواحد: فحملتني عيني فنمت عنده. فرأيت مقابر عبادان روضة وفيها قبة وفي القبة سرير عليه جارية لم نر أحسن منها. فقالت: سألتك بالله إلا ما عجلت به فقد اشتد شوقي إليه، فانتبهت فإذا به قد فارق الدنيا فغسلته وكفنته وواريته. فلما جن الليل نمت فرأيته في القبة مع الجارية وهو يقرأ: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد].

(2/486)


ذكر المصطفين من عباد السواحل
901 - عابد بسيراف
سعيد بن ثعلبة الوراق قال: بينا أنا ذات ليلة مع رجل من العابدين على الساحل بسيراف فأخذ في البكاء، فلم يزل يبكي حتى خفنا طلوع الفجر، ولم يتكلم بشيء. ثم قال: جرمي عظيم، وعفوك كثير، فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم. قال: فتصارخ الناس من كل ناحية.
902 - عابد آخر
أحمد بن فارس قال: حدثني أبو بكر الكتاني قال: كنت أنا وأبو سعيد الخراز، وعباس بن المهتدي، وآخر، نسير بالشام على ساحل البحر. إذا شاب يمشي معه محبرة ظننا أنه من أصحاب الحديث.
فقال له أبو سعيد: يا فتى على أي طريق تسير؟ فقال: ليس أعرف إلا طريقين: طريق الخاصة وطريق العامة. فأما طريق العامة الذي أنتم عليه. وأما طريق الخاصة فباسم الله. وتقدم إلى البحر ومشى حيالنا على الماء فلم نزل نراه حتى غاب عن أبصارنا.
903 - عابد آخر
عباد، أبو عتبة الخواص، قال: حدثني رجل من الزهاد ممن يسيح في الجبال قال: لم تكن لي همة في شيء من الدنيا ولا لذة إلا في لقياهم، يعني الأبدال والزهاد. قال فبينا أنا ذات يوم على ساحل من سواحل البحر ليس يسكنه الناس ولا ترقى إليه السفن إذا أنا رجل قد خرج من تلك الجبال. فلما رآني هرب وجعل يسعى واتبعته أسعى خلفه فسقط على وجهه وأدركته، فقلت: ممن تهرب رحمك الله؟ فلم يكلمني. فقلت: إني أريد الخير فعلمني. فقال: عليك بلزوم الحق حيث كنت، فوالله ما أنا بحامد لنفسي فأدعوك إلى مثل عملها. ثم صاح صيحة فسقط ميتاً فمكثت لا أدري كيف أصنع به؟ قال: وهجم الليل علينا فتنحيت فنمت ناحية عنه. فرأيت في منامي أربعة نفر هبطوا عليه من السماء على خيل فحفروا له وكفنوه وصلوا عليه ثم دفنوه. فاستيقظت فزعاً للذي رأيت. فذهبت عني وسنة النوم بقية الليل. فلما أصبحت انطلقت إلى موضعه فلم أره فيه. فلم أزل أطلب أثره وأنظره حتى رأيت قبراً جديداً فظننت أنه القبر الذي رأيت في منامي.

(2/487)


904 - عابد آخر
أبو عبد الرحمن المغازلي قال: قال رجل ببلاد الشام في بعض تلك السواحل: لو بكى العابدون على الإشفاق حتى لم يبق في أجسادهم جارحة إلا أدت ما فيها من الدم والودك دموعاً جارية، وبقيت الأبدان يبساً خالية تتردد فيها الأرواح إشفاقاً ووجلاً من يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت. لكانوا محقوقين بذلك. ثم غشي عليه.
905 - عابد آخر
إسرافيل قال: سمعت ذا النون يقول: سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول: إن لله تعالى عباداً عرفوه بيقين من معرفته فشمروا وقصدوا إليه، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذلوا مهج أنفسهم في رضا سيدهم، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوماً ذبلاً شفاههم، خمصاً بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم، لم يصحبهم التعليل والتسويف وقنعوا من الدنيا بقوات طفيف، لبسوا من اللباس أطماراً بالية، وسكنوا من البلاد قفراً خالية، وهربوا من الأوطان، واستبدلوا الوحدة من الأخدان، فلو رأيتهم لرأيت قوماً قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمصاً لطول السرى، شعثاً لفقد الكرى، قد وصلوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والارتحال.
906 - عابد آخر
محمد بن إبراهيم الأخرم قال: خرجت من مصر وأنا على ساحل البحر، فرأيت امرأة خرجت من برية. فقلت: إلى أين يا أمة الله؟ قالت: إلى صومعة ها هنا لي فيها ابن، فمشيت معها فسمعت صوتاً من صومعة يقول:
ومشتاق وليس له قرار ... نفور ليس يملكه العذار
ومؤنس قلبه ليل طويل ... يلذ به ويوحشه النهار
قضى وطراً به فأفاد علماً ... فنهمته التعبد والفرار
ألا صبراً على دنياك صبراً ... فكل أمورها فيها اعتبار
فقلت لها: منذ كم صار ابنك ها هنا؟ قالت: منذ وهبته منه وقبله مني.

(2/488)


907 - جماعة من العباد في السواحل
عن عبد الرحمن بن زيد قال: لم أر مثل قوم رأيتهم. هجمنا مرة على نفر من العباد في بعض سواحل البحر، فتفرقوا حين رأونا فبتنا تلك الليلة وارفينا في تلك الجزيرة، ما كنت أسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار. فلما أصبحنا طلبناهم واتبعنا آثارهم فلم نر منهم أحداً.

(2/489)


ذكر المصطفيات من عابدات السواحل
908 - عابدة
محمد بن جعفر القنطري قال: قال ذو النون بينا أنا أسير على ساحل البحر إذ بصرت بجارية عليها أطمار شعر وإذا هي ذابلة ناحلة، فدنوت منها لأسمع ما تقول، فرأيتها متصلة الأحزان بالأشجان، وعصفت الرياح فاضطربت المواج فصرخت، ثم سقطت إلى الأرض فلما أفاقت نحبت ثم قالت: يا سيدي بك تفرد المتفردون في الخلوات، ولعظمتك سبحت النينان في البحار الزاخرات، ولجلال قدسك اصطفقت الأمواج المتلاطمات، أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار والفلك الدوار، والبحر الزخار، والقمر النوار، وكل شيء عندك بمقدار.
يا مؤنس الأبرار في خلوتهم ... يا خير من حطت به النزال
فقلت: زيدينا من هذا. فقالت: إليك عني، ثم رفعت طرفها نحو السماء وقالت:
أحبك حبين حب الوداد ... وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الوداد ... فحب شغلت به عن سواكا
وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك للحجب حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
ثم شهقت شهقة فإذا هي قد فارقت الدنيا. فبقيت أتعجب مما رأيت منها فإذا أنا بنسوة قد أقبلن عليهن مدارع الشعر فاحتملنها فغيبنها عني فغسلنها ثم أقبلن بها في أكفانها فقلن لي: تقدم فصل عليها. فتقدمت فصليت عليها وهن خلفي ثم احتملنها ومضين.
909 - عابدة أخرى
محمد بن أحمد السوسي الشمشاطي. قال: سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا أسير على شاطئ النيل إذا أنا بجارية تدعو وتقول: يا من هو عند ألسن الناطقين، ويا من هو عند قلوب الذاكرين، ويا من هو عند فكر الجامدين، قد علمت ما كان مني يا أمل المؤملين. ثم صرخت وخرت مغشياً عليها.

(2/490)


ذكر المصطفين من عباد البوادي والفلوات
أبو حبيب البدوي
...
ذكر المصطفين من عباد البوادي والفلوات
910 - أبو حبيب البدوي
عن الثوري قال: أتيت أبا حبيب البدوي أسلم عليه، ولم أكن رأيته، فقال لي أنت سفيان الثوري الذي يقال؟ قال: قلت نعم نسأل الله تعالى بركة ما يقال. قال: فقال لي: يا سفيان ما رأينا خيراً قط إلا من ربنا. قلت: أجل، قال: فما لنا نكره لقاء من لم نر خيراً قط إلا منه. ثم قال: يا سفيان منع الله عز وجل إياك عطاء منه لك، وذاك أنه لم يمنعك من بخل ولا عدم، وإنما منعه نظر منه واختبار، يا سفيان إن فيك لأنساً ومعك شغل، قال: ثم اقبل على غنيمته وتركني.
ـــــــ
910 - هو: الغريب الشجوي أبو حبيب البدوي، حلية الأولياء 8/318.

(2/491)


911 - شيبان الراعي
عن محمد بن حمزة الربضي قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها. وكان يذهب إلى الجمعة فيخط على غنمه فيجيء فيجدها على حالتها لم تتحرك.
زيد بن العباس قال: لما حج هارون الرشيد قيل له: يا أمير المؤمنين قد حج شيبان العام. قال: اطلبوه لي، فطلبوه فأتوه به فقال له: يا شيبان عظني؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا رجل ألكن لا أفصح بالعربية فجئني بمن يفهم كلامي حتى أكلمه، فأتي برجل يفهم كلامه فقال له بالنبطية: قل له: يا أمير المؤمنين إن الذي يخوفك قبل أن تبلغ المأمن أنصح لك من الذي يؤمنك قبل أن تبلغ الخوف.
فقال: قل له: أي شيء تفسير هذا؟ قال: قل له: الذي يقول لك: يا هذا اتق الله عز وجل فإنك رجل من هذه الأمة، استرعاك الله عليها وقلدك أمورها وأنت مسئول عنها فاعدل في الرعية واقسم بالسوية، وانفر في السرية، واتق الله في نفسك، هذا الذي يخوفك فإذا بلغت المأمن أمنت، هو أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم
ـــــــ
911 - هو: المنيب الواعي، أبو محمد الراعي، كان في العبادة فائقا، وبالتوكل على ربه عز وجل واثقا، حلية الأولياء 8/354.

(2/491)


وفي شفاعته، فلا يزال يؤمنك حتى إذا بلغت الخوف عطبت. قال: فبكى هارون حتى رحمه من حوله. ثم قال: زدني. قال: حسبك. ثم خرج.
عبد الله بن عبد الرحمن قال: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي فعرض لهم سبع، فقال له سفيان الثوري: أما ترى هذا السبع؟ قال: فقال: لا تخف. قال: فلما سمع السبع كلام شيبان بصبص، فأخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه.
قال سفيان: ما هذه الشهرة؟ قال: أو هذه شهرة؟ لولا مكان الشهرة ما وضعت زادي إلا على ظهره.
سيار قال: قرأ رجل على شيبان الراعي: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} الزلزلة قال: فذهب على وجهه فلم ير سنة. فلما كان بعد الحول لقيه رجل فقال له: من أين؟ فقال: من ذلك الحساب الدقيق {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} .

(2/492)


ذكر المصطفين من عباد البوادي والفلوات المجهولين الأسماء
912 - عابد
عن سعيد بن أبي عروبة قال: حج الحجاج فنزل بعض المياه بين مكة والمدينة ودعا بالغداء فقال لحاجبه: انظر من يتغدى معي وأسأله عن بعض الأمر. فنظر نحو الجبل فإذا هو بأعرابي بين شملتين من شعر، نائم. فضربه برجله وقال: إيت الأمير. فأتاه فقال له الحجاج: اغسل يديك وتغد معي. فقال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته. قال: ومن هو؟ قال: الله تبارك وتعالى، دعاني إلى الصوم فصمت. قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم أشد حراً من هذا اليوم. فقال: فأفطر وصم غداً. قال: إن ضمنت لي البقاء إلى غد. قال: ليس ذاك إلي. قال: فكيف تسألني عاجلاً بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب. قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية.
913 - عابد آخر
سعيد بن سالم قال: نزل روح بن زنباع منزلاً بين مكة والمدينة في حر شديد. فانقض عليه راع من جبل. فقال: يا راعي هلم إلى الغداء. قال: إني صائم. قال: وإنك لتصوم في هذا الحر الشديد؟ قال: أفأدع أيامي تذهب باطلاً؟ قال روح: لقد ضنت بأيامك يا راع إذ جاد بها روح بن زنباع.
914 - عابد آخر
السري بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير قال: خرجت مع أبي فكنا في أرض فلاة. فرفع لنا سواد فظنناه شجرة. فلما دنونا إذا رجل قائم يصلي، فانتظرناه لينصرف فيرشدنا إلى القرية التي نريد، فلما لم ينصرف قال له أبي: إنا نريد قرية كذا وكذا فأوم لنا قبلها بيدك. قال ففعل. قال: فإذا له حوض محوض يابس ليس فيه ماء وإذا قربه يابسة. فقال له أبي: إنا نراك بأرض فلاة وليس عندك ماء، أفنجعل في قربتك من هذا الماء الذي عندنا؟ فأومأ أن لا، فلم نبرح حتى جاءت سحابة فمطرت فامتلأ حوضه ذلك. فلما أن دخلنا القرية ذكرناه لهم فقالوا: نعم ذاك فلان لا يكون في موضع إلا سقي. قال: فقال أبي: كم من عبد لله عز وجل صالح لا نعرفه.

(2/493)


915 - عابد آخر
أحمد بن أبي الحواري قال: حججت أنا وسليمان فبينا نحن نسير إذ سقطت السطيحة مني، وكان برد عظيم. فلما افتقدت السطيحة قلت: بقينا بلا ماء. فأخبرت أبا سليمان فقال: سلم وصل على محمد صلى الله عليه وسلم وقل: يا راد الضالة ويا هادياً من الضلالة رد الضالة فإذا بواحد ينادي: من ذهبت له سطيحة فأخذتها منه فقال لي أبو سليمان: لا يتركنا بلا ماء. فبينا نحن نسير إذا برجل عليه طمران رثان وقد تدرعنا بالفراء من شدة البرد، وهو يرشح عرقاً. فقال له أبو سليمان: ألا ندثرك ببعض ما معنا؟ فقال الرجل: يا داراني الحر والبرد خلقان لله تعالى إن أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني، يا داراني تصف الزهد وتخاف من البرد؟ أنا أسيح في هذه البرية منذ ثلاثين سنة ما انتفضت ولا ارتعدت، يلبسني في البرد فيحا من محبته، ويلبسني في الصيف مذاق برد محبته. ثم ولى وهو يقول: يا داراني تبكي وتصيح وتستريح إلى الترويح؟ فكان أبو سليمان يقول: لم يعرفني غيره.
916 - عابد آخر
قال الأصمعي: حدثنا شبيب بن شيبة قال: كنا بطريق مكة وبين أيدينا سفرة لنا نتغدى في يوم قائظ، فوقف علينا أعرابي ومعه جارية له زنجية. فقال: يا قوم أفيكم أحد يقرأ كلام الله عز وجل حتى يكتب لنا كتاباً؟ قال: قلت له: أصب من غدائنا حتى نكتب حتى نكتب لك ما تريد. قال: إني صائم. فعجبنا من صومه في البرية، فلما فرغنا من غدائنا دعونا به فقلنا: ما تريد؟ فقال: أيها الرجل إن الدنيا قد كانت ولم أكن فيها، وستكون ولا أكون فيها. وإني أردت أن أعتق جاريتي هذه لوجه الله عز وجل ثم ليوم العقبة، تدري ما يوم العقبة؟ قول الله تعالى: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ، فَكُّ رَقَبَةٍ} البلد اكتب ما أقول لك، ولا تزيدن علي حرفاً: هذه فلانة خادم فلان قد أعتقها لوجه الله عز وجل ليوم العقبة.
قال شبيب: فقدمت البصرة وأتيت بغداد فحدثت بهذا الحديث المهدي فقال: مائة نسمة تعتق على عهد الأعرابي.
917 - عابد آخر
بهيم العجلي قال: ركب معنا شاب من بني مرة من أهل البدو في البحر، فجعل يبكي الليل والنهار. فعاتبه أهل المركب على ذلك وقالوا: إرفق بنفسك قليلاً. فقال: إن أقل ما ينبغي أن

(2/494)


يكون لنفسي عندي أن أبكيها وأبكي عليها أيام الدنيا لعلمي بما يمر عليها غداً. قال: فما بقي في المركب أحد إلا بكى.
918 - عابد آخر
من بني تيم الله.
مسكين بن دينار قال: كان في بني تيم الله شيخ متعبد يجتمع إليه فتيان الحي ونساكهم قال: فيذكرهم، فإذا أرادوا أن يتفرقوا قال: يا إخوتاه قوموا قيام قوم قد يئسوا من المعاودة لمجلسهم خوفاً من خطفات الموكل بالنفوس. قال: فيبكي والله ويبكي.
919 - عابد آخر
الأصمعي قال: كنت بالبادية أعلم القرآن فإذا أنا بأعرابي بيده سيف يقطع الطريق، لما دنا مني ليأخذ ثيابي قال لي: يا حضري، ما أدخلك البدو؟ قلت: أعلم القرآن، قال: وما القرآن؟ قلت: كلام الله. قال: ولله كلام؟ قلت: نعم. قال: فأنشدني منه بيتاً فقلت: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} الذاريات قال: فرمى بالسيف من يده وقال: أستغفر الله، رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، ثم لقيته بعد سنة في الطواف فقال: ألست صاحبك بالأمس؟ قلت: بلى. قال: فأنشدني بيتاً آخر فقلت: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ} الذاريات قال: فوقف وبكى وجعل يقول: ومن ألجأه إلى اليمين؟ فلم يزل يرددها حتى سقط ميتاً.
920 - عابد آخر
الأصمعي قال: قال أعرابي إني لبمضلة من الأرض إذ بصرت بأعرابي قد افترس الأسد ابنه ونفر به بعيره فدق فخذه وذلك بعد أن نازل الأسد فجد له فسمعته يقول: لله درك من مصيبة جللت فلطفت وكبرت فصغرت، لئن كنت أحللت قلبي ترحاً لقد أورثتني فرحاً، وكيف لا تكونين كذلك وقد زوي بك عني عظيم وقد أورثتني صبراً جسيماً؟ فقلت: الله يا أعرابي ما رأيت أربط منك جأشاً ولا أصعب منك مراساً. فقال: يا هذا إن الصبر والجزع ضدان أحدهما بصيرة بنجدة والآخر تهور بغرة، وليس بحزم تتبع ما فات تطلبه وعزت أوبته. ثم أنشأ يقول:
وكذا أشتهي لحادث ريب الد ... هر إذ كان أن يكون عظيماً

(2/495)


921 - عابد آخر
عبد الرحمن بن أبي نوح قال: ذكر لي عن رجل من العرب فهم وخير، فقصدت له في بعض البوادي حتى أصبته يسنو على بعير له. فقلت: قل لي كلاماً أحفظه عنك يرحمك الله. قال: لا تطلق لسانك فإن الفعل أولى بك من القول. قلت: رحمك الله إن دليل العمل القول ومفتاحه المعرفة. فأعجب بقولي. ثم أقبل علي فقال: يا أخي إن الشفقة لم تزل بالمؤمن حتى أوفدته على خير حال، وإن الغفلة لم تزل بالفاجر حتى أسلمته إلى شر حال، وما خير عمر امرئ لا يدري ما عاقبة أمره، وما خير عيش لا يكمل ما حفظ منه، ولئن كانت الرغبة في الدنيا هي المستولية على قلوبنا كما استولت على أبداننا لقد خبنا غداً في القيامة وخسرنا.
922 - عابد آخر
يحيى بن معاذ قال: كنت في سياحتي، فبينا أنا في بعض الفلوات إذ لاح لي كوخ من قصب، فقصدت نحوه فإذا أنا بشيخ مبتلي، قد أكل الدود لحمه، فوقع له في قلبي رحمة، فقلت له: يا شيخ أتحب أن أسأل الله تعالى أن يبرئك؟ قال: فرفع رأسه وهو أعمى فنظر إلي وقال: يا يحيى بن معاذ الرازي وإن لك عنده هذه الدالة فلم لا تسأله أن يبغض إليك شهوة الرمان؟ قال يحيى: وكنت قد اعتقدت مع الله عز وجل ترك الشهوات ما خلا الرمان فلم أقدر على تركه لحبي له. ثم نظر إلي وقال لي: يا يحيى بن معاذ احذر أن تتعرض لأولياء الله فتفتضح عندهم.
923 - عابد آخر
أبو القاسم النصر آباذي قال: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول: بقي إبراهيم سنة في البادية ما أكل ولا شرب ولا اشتهى شيئاً. فقال: عارضتني نفسي أن لي عند الله عز وجل رتبة فلم أشعر أن كلمني رجل عن يميني فقال: يا إبراهيم ترائي الله في سرك؟ فنظرت إليه فقلت: قد كان ذلك. فقال: بحمد الله كم لي ههنا لم آكل ولم أشرب ولم أشته شيئاً وأنا زمن مطروح؟ قلت: الله أعلم. قال: ثمانين يوماً وأنا أستحي من الله عز وجل أن يقع لي خاطرك، ولو أقسمت على الله عز وجل أن يجعل هذا الشجر ذهباً لجعله، فكانت بركة رؤيته تنبيهاً لي ورجوعاً إلى حالتي الأولى.

(2/496)


924 - عابد آخر حجازي
أبو عبد الرحمن المغازلي قال: دخلت على رجل مبتلى بالحجاز فقلت: كيف تجدك؟ قال: أجد عافيته أكثر مما ابتلاني به، وأجد نعمه علي أكثر من أن أحصيها. قلت: أتجد لما أنت فيه ألماً شديداً؟ فبكى ثم قال: سلي نفسي ألم ما بي: ما وعد عليه سيدي أهل الصبر من كمال الأجور في شدة يوم عسير. قال: ثم غشي عليه. فمكث ملياً ثم أفاق فقال: إني لأحسب أن لأهل الصبر غداً في القيامة مقاماً شريفاً لا يتقدمه من ثواب الأعمال شيء، إلا ما كان من الرضا عن الله تعالى.
925 - عابد آخر
الخلدي قال: خرجت سنة من السنين إلى البادية فبقيت أربعة وعشرين يوماً لم أطعم فيها طعاماً، فلما كان بعد ذلك رأيت كوخاً وفيه غلام فقصدت الكوخ فرأيت الغلام قائماً يصلي فقلت في نفسي: بالعشي يجيء إلى هذا طعام فآكل معه. فبقيت تلك الليلة والغد وبعد غد، ثلاثة أيام لم يجئه أحد بطعام ولا رأيت أحداً. فقلت: هذا شيطان ليس هذا من الناس. فتركته وانصرفت. فلما كان بعد أشهر، أنا قاعد في منزلي إذا داق يدق الباب. قلت: من هذا؟ أدخل، فدخل الغلام وقال لي: يا جعفر أنت كما سميت، جاع فر.

(2/497)


ذكر المصطفيات من عابدات العرب وأهل البادية
926 - خنساء بنت عمرو النخعية
عن عبد الرحمن بن مغراء الدوسي، عن رجل من خزاعة قال: لما اجتمع الناس بالقادسية دعت خنساء بنت عمرو النخعية بنيها الأربعة فقالت: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم والله ما نبت بكم الدار ولا أقحمتكم السنة، ولا أرداكم الطمع، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم؛ ولا غيرت نسبكم ولا أوطأت حريمكم، ولا أبحت حماكم فإذا كان غداً إن شاء الله، فاغدوا لقتال عدوكم مستنصرين الله، مستبصرين، فإذا رأيتم الحرب قد أبدت ساقها وقد ضربت رواقها فتيمموا وطيسها وجالدوا خميسها، تظفروا بالمغنم والسلامة، والفوز والكرامة في دار الخلد والمقامة، فانصرف الفتية من عندها وهم لأمرها طائعون، وبنصحها عارفون فلما لقوا العدو شد أولهم وهو يقول:
يا إخوتا إن العجوز الناصحة ... قد أشربتنا إذ دعتنا البارحة
نصيحة ذات بيان واضحة ... فباكروا الحرب الضروس الكالحة
فإنما تلقون عند الصائحة ... من آل ساسان كلاباً نابحة
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة ... فأنتم بين حياة صالحة
أو ميتة تورث غنماً رابحة
ثم شد الذي يليه وهو يقول:
والله لا نعصي العجوز حرفا ... قد أمرتنا حدباً وعطفا
منها وبراً صادقاً ولطفاً ... فباكروا الحرب الضروس زحفا
حتى تكفوا آل كسرى كفا ... وتكشفوهم عن حماكم كشفا
إنا نرى التقصير عنهم ضعفا ... والقتل فيهم نجدة وعرفا
ثم شد الذي يليه وهو يقول:
لست لخنساء ولا للأخزم ... ولا لعمرو ذي السناء الأقدم

(2/498)


إن لم تزر في آل جمع الأعجم ... جمع أبي ساسان جمع رستم
بكل محمود اللقاء ضيغم ... ماض على الهول خضم خضرم
إما لقهر عاجل أو مغنم ... أو لحياة في السبيل الأكرم
نفوز فيها بالنصيب الأعظم
ثم شد الذي يليه وهو يقول:
إن العجوز ذات حزم وجلد ... والنظر الأوفق والرأي السدد
قد أمرتنا بالصواب والرشد ... نصيحة غنها وبراً بالولد
فباكروا الحرب نماء في العدد ... إما لقهر واحتياز للبلد
أو ميتة تورث خلداً للأبد ... في جنة الفردوس في عيش رغد
فقاتلوا جميعاً حتى فتح الله عز وجل للمسلمين، وكانوا يعطون ألفين يجيئون بها فيصبونها في حجرها فتقسم ذلك بينهم حفنة حفنة، فما يغادر واحد من عطائه درهماً.
927 - منفوسة بنت زيد الفوارس
الأصمعي قال: حدثني رجل من بني ثعل قال: كنت ببعض نواحي نجد فرفعت لي فيه قبة من أدم فقصدتها فإذا أصوات نساء معولات، فدنوت منهن وسألتهن عن شأنهن؟ فقلن: منفوسة بنت زيد الفوارس أصيبت بابنها، وإذا هو في حجرها وهي تقول: والله لتقدمك أمامي أحب إلي من تأخرك ورائي، ولصبري عنك أجدى من جزعي عليك، وما حظ مصيبة تحل من التلف محلك، وتورث من العطب مثل مضجعك، ولئن كان فراقك حسرة إن توقع أجرك لخيرة.
ثم قالت: لله در عمرو بن معدي كرب حيث يقول:
وإنا لقوم لا تفيض دموعنا ... على هالك منا وإن قصم الظهرا
928 - عاتكة المخزومية
إبراهيم بن محمد المخزومي قال: بكت امرأة من بني مخزوم يقال لها عاتكة حتى ذهب بصرها. فعوتبت في ذلك وقيل لها: ما بعد ذهاب البصر شيء؟ فقالت: ما ينبغي للمخوف بالنار أن تجف له دمعة حتى يعرف موقع الأمان من ذلك. فلم تزل على ذلك البكاء حتى ماتت عليه.

(2/499)


929 - منيرة السدوسية
وبالإسناد حدثنا أبو بكر القرشي قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عبد الله بن محمد بن حميد بن أبي الأسود قال: حدثني أبو سلمة، رجل من بني سدوس، قال: كانت لنا عجوز في الحي لم ندركها نحن، أدركها أشياخنا يقال لها: منيرة، فكانت تقول إذا جاء الليل: قد جاء الهول، قد جاءت الظلمة، قد جاء الخوف ما أشبه هذا بيوم القيامة. ثم تقوم فلا تزال تصلي حتى تصبح.
930 - طلحة العدوية
وبالإسناد حدثنا القرشي قال: حدثنا عبد الله بن عيسى الطفاوي قال: أرسلني أبي إلى طلحة العدوية. فدخلنا عليها وبين يديها زنبيلان أحدهما فيه زبيب ونبق وباقلي، فقيل لي: إنها تسبح به وتأكل منه أحياناً.
931 - أم سالم الراسبية
وبالإسناد حدثنا القرشي قال: قال محمد بن الحسين: حدثني أبو سمير، رجل من الأزد، قال: أتيت أم سالم الراسبية بين الظهر والعصر، فاستأذنت عليها فأذنت لي، فدخلت عليها وإذا هي تصلي قائمة فلم تنفتل من صلاتها ولم تلتفت إلي حتى نودي بصلاة العصر فخرجت فصليت ثم دخلت عليها فقالت: إذا كانت لك حاجة فلا تأتني في هذا الوقت فإن الذي يدع الصلاة في هذا الوقت فإنما يضيع حظ نفسه.
932 - أم نهار العدوية
عن عتبة بن صالح الهلالي قال: شهدت أعرابية بالجفر، جفر بني عدي، يقال لها أم نهار العدوية واقفة على قبر رجل ونحن ندفنه. فقالت: أيها الناس إنكم من الله عز وجل في نعمة ستر، ومن الناس بمحل تزكية، فإياكم ومصاداة زخاريف الرخاء فإنها ليست من صفة الألباء فأجلوا شماذير الغفلة عن قلوبكم، وتأملوا أهل هذه العرصات الخرس والربوع الصموت وارجعوها صوراً بوهمكم: تتنسمون روح الحياة فنادوهم يسمعوا واسألوهم يخبروا. فاحيوا بموتهم وتيقظوا لغفلاتهم وخذوا خوفكم من أمنهم، وحذركم من غرورهم، وانظروا بهم إلى أثر البلى في أجسامكم، والخراب في مساكنكم، وكيف حكم فيهم التراب إذ ولي الحكم
ـــــــ
931 - هي: أم سالم بنت مالك الراسبية، مقبولة، من الثالثة.

(2/500)


فيهم، فأبدلهم بالنطق خرساً وبالسمع صمماً وبالحركات سكوناً. رحم الله امرءاً أبصر فتدبر، واتعظ فاعتبر، وعمل ليوم الحساب وخشي وقت العقاب. ثم قالت:
الموت يفني ولا يبقي على أحد ... ما أحسب الموت يبقي جدة الأبد
يا موت كم من كريم قد فجعت به ... من أقربيه ومن أهل ومن ولد
ثم قالت: تغمدكم الله بالرحمة وبلغ بكم شرف الهمة.
933 - عاتكة الغنوية
وبالإسناد حدثنا القرشي قال: ذكر محمد بن الحسين قال: حدثني عبيد الله بن محمد التيمي قال: حدثني جليس لنا كان يقال له ضرار الطفاوي، قال: لقيتني امرأة من غني عابدة يقال لها عاتكة. فقالت: يا ضرار توسل إلى مولاك بجميع ما يمكنك من الوسائل، فإنك تجد ذلك لك موفراً عند حلول الأمور الجلائل، وانقطع إليه في حوائجك لديه يأت لك عليها على غير تعب منك ولا نصب. واعلم أنه لن ينال المطيعون في الدنيا لذة أحلى في صدورهم من الازدياد لله في طاعته بقربه، ولحلاوة ساعة من مطيع ألذ في قلوب المريدين من جميع ما أخرج إلى الدنيا من زهرة ولذة، ولن يجد المريد؟ فقد شيء تركه رجاء ثواب الله. فجد أي أخي قبل أن لا يمكنك الجد، وبادر قبل فوات المبادرة فإن الدنيا لا تطيب لعارفها وإنما تورطها أهل الغرة وعما قليل فسوف يعلمون. قال: أمسكت فقامت.
934 - عليلة بنت الكميت
أبو خالد القرشي قال: استأذنا على عليلة بنت الكميت وكانت من العابدات قال: وذلك وقت الظهر. فقالوا: هي تصلي فلم نزل ننتظرها إلى العصر فلما صلت العصر أذنت لنا، فدخلنا عليها فقلنا: رحمك الله لم نزل عقوداً منذ الظهر ننتظرك. قالت: سبحان الله قعوداً لم تصلوا بين الظهر والعصر؟ قلنا لا. قالت: ما ظننت أن أحداً لا يصلي بين الظهر والعصر؟ قال: وانقبضت عنا انقباضاً شديداً.
935 - هنيدة
عامر بن أسلم الباهلي، عن أبيه قال: كانت لنا جارية في الحي يقال لها: هنيدة فكانت تقوم إذا مضى من الليل ثلثه أو نصفه فتوقظ ولدها وزوجها وخدمها فتقول لهم: قوموا فتوضأوا وصلوا فستغتبطون بكلامي هذا، فكان هذا دأبها معهم حتى ماتت. فرأى زوجها في

(2/501)


منامه: إن كنت تحب أن تزوجها هناك فاخلفها في أهلها بمثل فعلها، فلم يزل دأب الشيخ حتى مات، فأتى أكبر ولده في منامه فقيل له: إن كنت تحب أن تجاور أبويك في درجتهما من الجنة فاخلفهما في أهلهما بمثل عملهما. قال: فلم يزل ذلك دأبه حتى مات. فكانوا يدعون القوامين.

(2/502)


ذكر المصطفيات من عابدات العرب وأهل البادية المجهولات الأسماء
936 - عابدة من بني عبد القيس
عن أبي بكر الهذلي قال: كانت عجوز من بني عبد القيس متعبدة. فكانت تقول: عاملوا الله على قدر نعمه عليكم وإحسانه إليكم، فإن لم تطيقوا فعلى قدر ستره، فإن لم تطيقوا فعلى الحياء منه فإن لم تطيقوا فعلى الرجاء لثوابه، فإن لم تطيقوا فعلى خوف عقابه.
عن أبي بكر الهذلي قال: كانت عجوز في عبد القيس متعبدة فكان إذا جاء الليل تحرمت ثم قامت إلى المحراب. وكانت تقول المحب لا يسأم من خدمة حبيبه، فإذا جاء النهار خرجت إلى القبور. فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانهاالمقابر، فقالت: إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى، وإني لآتي القبور فكأني أنظر وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة وإلى تلك الأجسام المتغيرة وإلى تلك الأكفان الدسمة. فيا له من منظر كريه لو أشربه العباد قلوبهم ما أثكل مرارته للأنفس وأشد إتلافه للأبدان.
937 - عابدة أخرى
الأصمعي قال: مات ابن لأعرابية فما زالت تبكي حتى خد الدمع في خدها. ثم استرجعت فقالت: اللهم إنك قد علمت فرط حنو الوالدين على ولدهما فلذلك لم تأمرهما ببره، وقد علمت قدر عقوق الولد لوالديه من أجل ذلك حضضته على طاعتهما، وألزمته برهما. وقد كان ولدي من البر بوالديه على ما يكون الوالدان بولدهما، فأجره بذلك مني صلاة ولقه سروراً ونضرة. فقال لها أعرابي: نعم ما دعوت له، لولا أنك شبته من الجزع بما لا يجدي عليه. فقالت: إذا وقعت الضرورات لم يجر عليها حكم المكتسبات، وجزعي على ابني غير ممكن في الطاقة صرفه، ولا في القدرة منعه، والله ولي عذري بفضله فقد قال عز وجل: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} البقرة.
938 - عابدة أخرى
أبو عبد الرحمن القرشي، عن رجل من بني ثعلب، قال: شهدت امرأة من أهل البادية توصي ابناً لها وأراد سفراً فقالت: يا بني أوصيك بتقوى الله، فإن قليلها أجدى عليك من كثير عقلك وإياك والنمائم فإنها تزرع الضغائن وتفرق بين المحبين، ومثل لنفسك ما تستحسنه

(2/503)


من غيرك مثالاً ثم اتخذه إماماً واعلم أنه من جمع بين الحياء والسخاء فقد استجاد الحلة إزارها ورداءها.
939 - عابدة أخرى
الصلت بن حكيم قال: حدثني ابن السماك أن نفراً وردوا على عجوز في بعض البوادي يسألونها بيع شاة. فقالت: ما كنت لأبيع ابن السبيل شيئاً، ولكن خذوها على ما عند الله، ثم بكى أبو العباس يعني ابن السماك، وقال: رحمها الله فقهت في بدوها.
940 - عابدة أخرى
أبو بكر الشيرازي قال: تهت في بادية العراق أياماً كثيرةً فلم أجد شيئاً أرتفق به، فلما كان بعد أيام رأيت في الفلا خباء شعر مضروباً فقصدته فإذا بيت وعليه ستر مسبل، فسلمت فردت علي عجوز من داخل الخباء وقالت: يا إنسان من أين أقبلت؟ قلت: من مكة قالت: وأين تريد؟ قلت: الشام. فقالت: أرى شبح إنسان بطال ألا لزمت زاوية تجلس فيها إلى أن يأتيك اليقين؟ ثم تنظر هذه الكسرة من أين تأكلها؟ ثم قالت: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم فقالت: اقرأ علي آخر سورة الفرقان فقرأتها فشهقت وأغمي عليها فلما أفاقت بعد هوي قرأت هي الآيات فأخذت مني قراءتها أخذاً شديداً. ثم قالت: يا إنسان اقرأها ثانية فقرأتها فلحقها مثل ما لحقها في الأول، وصبرت أكثر من ذلك ولم تفق، فقلت: أستكشف حالها ماتت أم لا؟ فتركت البيت على حاله ومشيت أقل من نصف ميل فأشرفت على واد فيه أعراب فأقبل إلي غلامان معهما جارية، فقال أحد الغلامين: يا إنسان أتيت البيت في الفلاة؟ قلت: نعم، قال: وتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: قتلت العجوز ورب الكعبة. فمشيت مع الغلامين حتى أتينا البيت فدخلت الجارية فكشفت عنها فإذا هي ميتة. فأعجبني خاطر الغلام فقلت للجارية: من هذان الغلامان؟ فقالت: هذان جعافرة وهذه أختهم منذ ثلاثين سنة ما تستأنس بكلام الناس، إذا نزلنا تواري بيتها في الفلاة تأكل في كل ثلاثة أيام أكلة وشربة.
941 - عابدة أخرى
عن هشام، يعني ابن حسان، قال خرجنا حجاجاً فنزلنا منزلاً في بعض الطريق فقرأ رجل كان معنا هذه الآية {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} الحجر فسمعت امرأة فقالت: أعد رحمك الله. فأعادها. فقالت: خلفت لي في البيت سبعة أعبد أشهدكم أنهم أحرار، لكل باب واحد منهم.

(2/504)


942 - عابدة أخرى
مسمع قال: قالت امرأة من العرب ذات عقل ودين: سبحانك إلهي، إمهالك المذنبين أطمعهم في حسن عفوك عنهم، سبحانك إلهي، لم يزل قلبي يشهد برضاك لمن نال عفوك، سبحانك إلهي تفضلاً منك وامتناناً على خلقك.
943 - عابدة أخرى
ابن عائشة قال: نظرت أعرابية إلى فتى حسن الوجه بضه فقالت إني لأرى وجهاً ما غضنه بدد وضوء السحر.
944 - عابدة أخرى
الأصمعي قال: قال أعرابي: خرجت في ليلة ظلماء فإذا أنا بجارية كأنها علم، فأردتها فقالت: ويلك أما لك زاجر من عقل إذ لم يكن لك ناه من دين؟ فقلت: إيها والله ما يرانا إلا الكواكب. فقالت: وأين مكوكبها؟
945 - عابدة أخرى
محمد بن سلام الجمحي قال: سمعت خارجة بن زياد، رجلاً من بني سليم، يذكر قال: هويت امرأة من الحي فكنت أتبعها إذا خرجت إلى المسجد فعرفت ذلك مني فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم. قالت: وما هي؟ قلت: مودتك قالت: دع ذلك ليوم التغابن قال: فأبكتني والله فما عدت إلى ذلك.
946 - عابدة أخرى
بلغنا عن أبان بن تغلب أنه قال: رأيت أعرابية تمرض ابناً لها وهو لما به. فلما فاظ أغمضته ثم تنحت عن مقعدها عند رأسه ورجعت إلى مجلسها تجاهه فقالت: يا فلان ما حق من ألبس العافية وأسبغت عليه النعمة وأطيلت له النظرة أن يعجز عن التوثق لنفسه قبل حل عقدته والحلول بعقوبته، والحيال بينه وبين نفسه قال: فأجابها أعرابي: إنا لم نزل نسمع أن الجزع إنما هو للنساء فلا يجز عن رجل بمصيبة بعدك ولقد كرم صبرك، وما أشبهت النساء. فأقبلت عليه بوجهها ثم قالت: ما ميز رجل بين الصبر والجزع إلا أصاب بينهما منهجين بعيدي التفاوت في حاليهما، أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة، وأما الجزع فغير معوض مع مأثمه، ولو كانا رجلين في صورة، كان أولاهما بالغلبة وحسن الصورة مع كرم الطبيعة في عاجله من الدين وآجله من الثواب، وكفى ما وعد الله عز وجل فيه لمن ألهمه إياه.
انتهى ذكر أهل البوادي.

(2/505)