|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
آل عمران
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
الْبَلاغُ} 1 .
قد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الكلام اقتضى الاقتصار على التبليغ دون
القتال ثم نسخ بآية السيف2 وقال بعضهم لما كان صلى الله عليه وسلم
حريصاً على إيمانهم مزعجاً نفسه في الاجتهاد في ذلك سكن جأشه بقوله:
{إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} 3 و {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ}
والمعنى: لا تقدر على سوق قلوبهم إلى الصلاح فعلى هذا لا نسخ4.
__________
1 الآية (20) من سورة آل عمران.
2 ذكر دعوى النسخ في هذه الآية ابن حزم في معرفة الناسخ والمنسوخ
ص:326، وهبة الله في الناسخ والمنسوخ ص: 28 وأبو هلال في الإيجاز
لمعرفة الناسخ والمنسوخ، المخطوط ورقة 21.
3 الآية (12) من سورة هود.
4 قلت: عرض المؤلف دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ وتفسيره زاد المسير
في هذه الآية بنفس الأسلوب الذي عرضه هنا، ولم يقم بالرد ولا بالترجيح.
ولعل ذلك لضعف هذا القول الذي لم يستند على أي دليل نقلي صحيح. والذي
يظهر من أسلوب الآية أنه إخبار من الله تعالى بأن الرسول إذا بلغ ما
أنزل الله صار مؤدياً واجبه سواء كان قبل وجوب القتال أو بعده فلا وجه
للنسخ والله أعلم. وقد أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أبو جعفر
النحاس ومكي بر أبي طالب.
(1/323)
ذكر الآية
الثانية: قوله تعالى: {إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} 1.
قد ذهب قوم إلى أن المراد بالآية اتقاء المشركين أن يوقعوا فتنة أو ما
يوجب القتل والفرقة ثم نسخ ذلك بآية السيف2.
وليس هذا بشيء، وإنما المراد من الآية جواز اتقائهم إذا أكرهوا المؤمن
على الكفر بالقول الذي لا يعتقده وهذا الحكم باقٍ غير منسوخ، وهو
المراد بقوله تعالى: {إِلاَّّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ
بِالإٍِيمَانِ} 3.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أبنا بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي،
قالا: أبنا بن شاذان قال: أبنا أحمد بن كامل قال حدثني محمد ابن سعد
العوفي قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي، عن أبيه عن جده عن ابن عباس
{إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً}. والتقية باللسان: من حمل على
أمر يتكلم به وهو معصية الله فتكلم به مخافة الناس وقلبه مطمئن
بالإيمان فإن ذلك لا يضره4.
وأخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال: أبنا ابن
شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم بن الحسين،
قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، {إِلاّ أَنْ
تَتَّقُوا
__________
1 الآية (28) من سورة آل عمران.
2 ذكر هبة الله هذه الآية من الآيات المنسوخة بآية السيف. انظر: الناسخ
والمنسوخ ص: 26.
3 الآية (106) من سورة النحل.
4 رواه الطبري عن ابن عباس بهذا الإسناد الذي هو مسلسل بالضعفاء كما
أسلفنا. انظر: جامع البيان 3/152.
(1/324)
مِنْهُمْ
تُقَاةً} قال: إلا مصانعة في الدين1 وقد زعم إسماعيل السدي، أن قوله:
{لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ
الْمُؤْمِنِينَ} منسوخة بقوله: {إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ
تُقَاةً}.
ومثل هذا ينبغي تنزيه الكتب عن ذكره فضلاً عن ردّه فإنه قول من لا يفهم
ما يقول2.
ذكر الآية الثالثة والرابعة والخامسة: قوله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي
اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} إلى قوله:
{يُنْظَرُونَ} 3.
اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآيات على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في الحارث بن سويد4 كان قد أسلم ثم ارتد ولحق بقومه.
فنزلت فيه هذه الآيات فحملها إليه رجل من قومه فقرأهن عليه فرجع وأسلم،
قاله مجاهد5.
__________
1 أخرجه الطبري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، انظر: جامع البيان3/153.
2 قلت: لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في هذه الآية في زاد المسير أصلاً،
وإنما ردّ ذلك واختار النسخ في مختصر عمدة الراسخ المخطوط ورقة (4) وقد
أعرض عن ذكر دعوى النسخ في هذه الآية أمهات كتب النسخ المتقدمة.
3 الآية 86- 88 من سورة آل عمران.
4 قال المؤلف في زاد المسير1/418: ذكر مجاهد والسدي: أن اسم ذلك الرجل
الحارث بن سويد.
وقد جاء في تجريد أسماء الصحابة، أنه الحارث بن سويد بن الصامت
الأنصاري أخو الجلاس، قيل: إنه ارتد عن الإسلام ثم رجع وحسن إسلامه،
قال ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الأثر أن هذا قتل بالمجذر بن زياد؛
لأنه قتل المجذر يوم أحد غيلة؛ لأنه قتل أباه سويداً في الجاهلية وكان
الحارث شهد بدراً. قاله الواقدي. انظر: تجريد أسماء الصحابة 1/101.
5 أخرجه الطبري في جامع البيان3/242 عن مجاهد، والواحدي في أسباب
النزول ص: 75 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(1/325)
والثاني:
أنها نزلت في عشرة آمنوا ثم ارتدوا، ومنهم طعمة ووحوح والحارث بن سويد،
فندم منهم الحارث وعاد إلى الإسلام. رواه أبو صالح عن ابن عباس رضي
الله عنهما1.
والثالث: أنها نزلت في أهل الكتاب آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل
أن يبعث ثم كفروا به. رواه عطية عن ابن عباس، وبه قال الحسن2.
وقوله: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا} استفهام في معنى
الجحد، أي: لا يهديهم الله. وفيه طرف من التوبيخ، كما يقول الرجل
لعبده: كيف أحسن إلى من لا يطيعني. أي: لست أفعل ذلك والمعنى: أنه (لا
يهدي)3 من عاند بعد أن بان له الصواب. وهذا محكم لا وجه لدخول النسخ
عليه وقد زعم قوم منهم السدي4 أن هذه الآيات منسوخات بقوله: {إِلاّ
الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال:
أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن الحسين، قال: بنا أحمد بن
المفضل، قال: بنا أسباط عن السدي، {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً
كَفَرُوا} قال:
__________
1 أخرجه الطبري عن عكرمة وفيه: نزلت في اثني عشر رجلاً رجعوا عن
الإسلام. انظر: جامع البيان 3/242.
2 أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس رصي الله عنهما، كما أخرجه هو
وابن أبي حاتم عن الحسن. انظر: المصدر السابق من جامع البيان.
3 في (هـ): لا يهدم، وهر تحريف.
4 في النسختين هنا (إلى أن) ولعلها زيادة من النساخ.
(1/326)
نزلت في
الحارث ثم أسلم فنسخها الله عزوجل فقال: {إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} 1.
قلت: وقد بينا فيما تقدم أن الاستثناء ليس بنسخ وإنما هو مبين، أن
اللفظ الأول لم يرد به العموم وإنما المراد به من عاند ولم يرجع إلى
الحق بعد وضوحه، ويؤكد هذا أن الآيات خبر، والنسخ لا يدخل في الأخبار
بحال2.
ذكر الآية السادسة: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ} 3.
قال السدي: "هذا الكلام تضمن وجوب الحج على جميع الخلق الغني والفقير
والقادر والعاجز، ثم نسخ في حق عادم الاستطاعة بقوله: {مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْهِ سَبِيلاً}
__________
1 الآية (81) من سورة آل عمران.
أورد ابن حزم الأنصاري في ناسخه المطبوع على هامش تفسير ابن عباس ص:
327، وابن سلامة في ناسخه ص: 29 وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة 21،
هذه الآية وقالوا: (ثم استثنى الله تعالى بقوله: {إِلاّ الَّذِينَ
تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا}.
2 قلت: صرح المؤلف في زاد المسير1/418، بأن هذه الآية ليست منسوخة،
وأما في مختصر عمدة الراسخ فقد فقد من الميكروفيلم الذي جئت به من دار
الكتب المصرية ورقة كاملة تتضمن جزءاً كبيراً من سورتي آل عمران
والنساء.
وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا لدعوى النسخ في هذه الآية
أصلاً.
3 الآية (97) من سورة آل عمران.
(1/327)
قلت: وهذا
قوله قبيح، وإقدام بالرأي الذي لا يستند إلى معرفة اللغة العربية التي
نزل بها القرآن على الحكم بنسخ القرآن، وإنما الصحيح ما قاله النحويون
كافة في هذه الآية، فإنهم قالوا: (من) بدل من (الناس) وهذا بدل البعض1
كما يقول ضربت زيداً برأسه، فيصير تقدير الآية: ولله على من استطاع من
الناس الحج أن يحج2.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} 3.
اختلف العلماء هل هذا محكم أو منسوخ على قولين:
أحدهما: أنه منسوب.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامري، قال: أبنا علي بن الفضل، قال: أبنا
ابن عبد الصمد، قال: أبنا عبد الله بن حموية، قال: أبنا إبراهيم بن
خريم، قال: أبنا عبد الحميد، قال: بنا إبراهيم عن أبيه عن عكرمة
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال ابن عباس: فشق ذلك على
المسلمين فأنزل الله عزوجل بعد ذلك {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ} 4.
قال عبد الحميد: وأبنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {اتَّقُوا اللَّهَ
حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: نسختها { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}
5.
__________
1 انظر تفسير الكشاف للزمخشري1/448.
2 قلت: لم يتعرض لدعوى النسخ المؤلف في زاد المسير كما لم يذكره أصلاً
أمهات كتب النسخ، إنما نقل هذا القول الضعيف عن السدي، هبة الله بن
سلامة في ناسخه ص: 39، بقوله: ثم استثنى فصار ناسخاً.
3 الأية (102) من سورة آل عمران.
4 ذكره السيوطي في الدر المنثور2/59 وعزاه إلى عبد بن حميد عن عكرمة.
5 الآية (16) من سورة التغابن.
(1/328)
أخبرنا
إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران،
قال: أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق قال: بنا معمر عن قتادة في قوله تعالى:
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال:أن يطاع فلا يعصى،ثم نسخها
قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} 1.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
أبو إسحاق البرمكي، قال: (أبنا محمد)2 بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا
أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا ابن بكير،
قال: بنا ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت:
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} اشتد على القوم العمل فقاموا حتى
ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم فأنزل الله تخفيفاً عن المسلمين
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فنسخت الآية الأولى3.
وعن ابن لهيعة عن أبي صخر عن محمد بن كعب {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ} قال: نسختها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
قال: أبو بكر: وحدثنا محمد بن الحسين بن أبي حنيف، قال: أبنا أحمد بن
المفضل، قال: أبنا أسباط عن السدي قال: "أما حق تقاته: أن يطاع فلا
يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر فلم (يطق)4 الناس هذا فنسخها
الله عنهم فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ".
__________
1 أخرج نحو هذا القول الطبري في جامع البيان 4/20 عن قتادة من طريق
همام، كما أخرج نحوه عنه النحاس في ناسخه ص: 88، وذكره السيوطي أيضاً
في الدر المنثور2/59 معزياً إلى ابن أبي داود في ناسخه عن قتادة.
2 في (هـ) هنا تقديم وتأخير ولعله من الناسخ.
3 ذكره السيوطي في المصدر السابق وعزاه إلى ابن أبي حاتم في تفسيره عن
سعيد بن جبير.
4 في (هـ): يطلق، وهو تحريف.
(1/329)
وإلى هنا
ذهب الربيع بن أنس، وابن زيد، ومقاتل بن سليمان1.
ومن نص هذا القول قال: حق تقاته: هو القيام له بجميع ما يستحقه من طاعة
واجتناب معصية، قالوا: هذا أمر تعجز الخلائق عنه، فكيف بالواحد منهم
فوجب أن تكون منسوخة وأن تعلق الأمر بالاستطاعة.
ويوضح هذا ما أخبرنا به يحيى بن علي المدير2 قال: أبنا أبو الحسين بن
المنصور قال: أبنا أحمد بن محمد الحرزي، قال: أبنا البغوي، قال: بنا
محمد بن بكار، قال: بنا محمد بن طلحة عن زبيد عن مرة عن ابن مسعود رضي
الله عنه {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: "أن يطاع فلا يعصى
وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر"3.
والقول الثاني: أنها محكمة.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو
__________
1 ذكر دعوى النسخ الطبري في هذه الآية عن الربيع بن أنس، وابن زيد وعن
السدي من طريق أسباط كما ذكر المؤلف عنهم وعن مقاتل بن سليمان. انظر:
جامع البيان 4/20، وزاد المسير1/434.
2 هو: يحيى بن علي المدير بن عمر بن علي الطراح أبو محمد المدني ولد
سنة 459هـ من مشايخ ابن الجوزي، يقول عنه: سمع من أبي محمد الصرفيني
وأبي الحسين ابن المهتدي وغيرهما. وكان سماعه صحيحاً وهو من أهل السنة
شهد له بذلك شيخنا ابن ناصر، مات سنة 526هـ. انظر: المنتظم10/101؛
ومشيخة ابن الجوزي ص: 105.
3 أخرجه الحاكم في المستدرك2/294 مرفوعاً على ابن مسعود رضي الله عنه
في كتاب التفسير. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وليس
فيه (وأن يشكر فلا يكفر).
(1/330)
بكر بن
أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني
معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما
{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} قال: "لم تنسخ, ولكن حق تقاته: أن
تجاهدوا في الله حق جهاده. ولا تأخذهم في الله لومة لائم ويقوموا لله
بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم".
وهذا مذهب طاوس وهو الصحيح1.
لأن التقوى: هو اجتناب ما نهى الله عنه، ولم ينه عن شيء ولا أمر به إلا
وهو داخل تحت (الطاقة)2 كما قال عزوجل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
إِلاّ وُسْعَهَا} 3 .
فالآيتان متوافقتان، والتقدير: "اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم".
فقد فهم الأولون من الآية تكليف ما لا يستطاع فحكموا بالنسخ وقد ردّ
عليهم ذلك قوله: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا} وإنما
قوله حق تقاته، كقوله: حق جهاده، الحق ها هنا بمعنى الحقيقة. ثم إن
هفوة المذنب
__________
1 ذكر هذا القول عن ابن عباس وطاؤس الطبري في جامع البيان 4/20، وابن
أبي حاتم في تفسيره المخطوط عند ذكر هذه الآية كما عزا إليه السيوطي في
الدر المنثور 2/60. وذكره أيضاً مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 122،
والمؤلف في زاد المسير1/433 عنهما.
2 في (م): الطاعة، وهو تحريف.
3 الآية (286) من سورة البقرة.
(1/331)
لا تنافي
أن يكون مكلفاً للتحفظ، وإنما شرع الاستغفار والتوبة بوقوع الهفوات.
وقال أبو جعفر النحاس: "معنى قول الأولين نسخت هذه الآية أي: أنزلت
الأخرى بنسختها وهما واحد، وإلا فهذا لا يجوز أن ينسخ، لأن الناسخ هو
المخالف للمنسوخ من جميع جهاته الرافع له المزيل حكمه"1.
وقال ابن عقيل: ليست منسوخة، لأن قوله: {مَا اسْتَطَعْتُمْ} بيان لحق
تقاته وأنه تحت الطاقة فمن سمى بيان القرآن نسخاً فقد أخطأ.
وهذا في تحقيق الفقهاء يسمى: تفسير مجمل أو بيان مشكل، وذلك أن القوم
ظنوا أن ذلك تكليف (ما لا يطاق)2 فأزال الله إشكالهم. فلو قال: لا
تتقوه حق تقاته كان نسخاً، وإنما بيّن3 أني لم أرد بحق التقاة، ما ليس
في الطاقة4.
__________
1 انظر نص كلام النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: 86.
2 في (هـ): ولا يطاق.
3 في (هـ): (لم) زائدة ولعلها من الناسخ.
4 قال المؤلف - رحمه الله في تفسيره بعد إيراد دعوى النسخ والإحكام عن
قائليهما -: "قال شيخنا علي بن عبيد الله: والاختلاف في نسخها وإحكامها
يرجع إلى اختلاف المعنى المراد بها، فالمعتقد بنسخها يرى: أن حق تقاته
الوقوف مع جميع ما يجب له ويستحقه، وقد يعجز الكل عن الوفاء فتحصيله من
الواحد ممتنع. والمعتقد إحكامها يرى أن حق تقاته أداء ما يلزم العبد
على قدر طاقته فكان قوله تعالى: {مَا اسْتَطَعْتُمْ} مفسراً لـ {حَقَّ
تُقَاتِهِ} لا ناسخاً ولا مخصصاً". انظر: زاد المسير 1/432.
(1/332)
ذكر الآية
الثامنة: قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً} 1.
قال جمهور المفسرين: معنى الكلام: لن يضروكم ضراً باقياً في جسد (أو
مال)2 إنما هو شيء يسير سريع الزوال، وتثابون عليه. وهذا لا ينافي
الأمر بقتالهم فالآية محكمة على هذا، ويؤكده أنها خبر، والأخبار لا
تنسخ.
وقال السدي: الإشارة إلى أهل الكتاب وذلك قبل أن يؤمر بقتالهم فنسخت
بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا
بِالْيَوْمِ الآخِرِ} 3 والأول أصح.
ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا
نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}
4.
جمهور العلماء على أن هذا الكلام محكم واستدلوا عليه (بشيئين)5:
أحدهما: أنه خبر والخبر لا يدخله النسخ.
__________
1 الآية (111) من سورة آل عمران.
2 في (هـ): أو قال، وهو تحريف.
3 الآية (26) من سورة التوبة.
قلت: ذكر دعوى النسخ في هذه الآية هبة الله بن سلامة في ناسخه ص: 29،
ولم يتعرض له غيره من أصحاب أمهات كتب النسخ كما لم يذكر النسخ أحد من
الطبري وابن الجوزي، وابن كثير في تفاسيرهم.
4 الآية (145) من سورة آل عمران.
5 في (هـ): بسببين، وهو تصحيف.
(1/333)
والثاني:
أنهم قالوا: ما أحد إلا وله من الدنيا نصيب مقدر، ولا يفوته ما قسم له.
فمن كانت همته ثواب الدنيا أعطاه الله منها ما قدر له وذلك هو الذي
يشاؤه الله، وهو المراد بقوله: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ
لِمَنْ نُرِيدُ} 1 ولم يقل يؤته منها ما يشاء هو.
ويمكن أن يكون المعنى: (لمن يريد)2 أن يفتنه أو يعاقبه.
وذهب السدي إلى أنه منسوخ3 بقوله: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ
عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} وليس هذا بقول من
يفهم الناسخ والمنسوخ، فلا يعول عليه.
ذكر الآية العاشرة: قوله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا
فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} 4
الجمهور على إحكام هذه الآية، لأنها تضمنت الأمر بالصبر والتقوى ولا بد
للمؤمن من ذلك.
وقد ذهب قوم إلى أن الصبر المذكور ها هنا منسوخ بآية السيف5.
__________
1 الآية (18) من سورة الإسراء.
2 في (م): لم يريد، وفي (هـ): لم يرد، كلاهما خطأ والصواب ما أثبت كما
يظهر من السياق.
3 قلت: أورد هبة الله في ناسخه (30) هذه الآية مع الآيات المنسوخة،
وأعرض غيره من علماء النسخ والتفسير عن إدخالها ضمن الآيات المنسوخة.
وأما المؤلف رحمه الله فقد أورد في تفسيره شبيهاً لما ذكر هنا مناقشة
ورداً. انظر: زاد المسير 1/470.
4 الآية (186) من سورة آل عمران.
5 قلت: عد هذه الآية من المنسوخ هبة الله في المصدر السابق. وأما
المؤلف فقد سلك في تفسيره عند ذكر هذه الآية مسلكه هنا.
والذي يظهر أنه مع الجمهرر، وسكوته يدل على أن مثل هذه الدعوى لا يحتاج
إلى الردّ. لأن من المعلوم لدى الجميع أن كلاً من الصبر والتقوى مطلوب
من المسلمين في القتال وغير القتال فلا وجه للنسخ. انظر: زاد المسير
1/520.
(1/334)
|