نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

المجلد الثاني
باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة النساء وهي ست وعشرون
...
باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة النساء وهي ست وعشرون.
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} 1.
اتفق العلماء على أن الوصي الغني لا يحل له أن يأكل من مال اليتيم شيئاً، وقالوا: معنى قوله: {فَلْيَسْتَعْفِفْ} أي: بمال نفسه عن مال اليتيم، فإن كان فقيراً فلهم في المراد بأكله بالمعروف أربعة أقوال:
أحدها: أنه الاستقراض منه، روى حارثة بن (مضرّب)2 قال: سمعت عمر يقول: إني أنزلت مال الله مني بمنزلة اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف ثم قضيت3.
__________
1 الآية السادسة من سورة النساء.
2 هو: حارثة بن مضرّب بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة العبدي الكوفي روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وغيرهم، ثقة من الثانية. انظر: تهذيب التهذيب2/166-167؛ تقريب التهذيب ص: 61.
3 أخرجه الطبري والنحاس من طريق حارثة بن مضرّب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأخرجه البيهقي عنه من طريق البراء في باب (الولي يأكل من مال اليتيم). انظر: جامع البيان 4/171؛ والناسخ والمنسوخ ص: 93؛ والسنن الكبرى 6/4.

(2/335)


أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل قال: أبنا محمد بن (سعد)1 قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: يستقرض منه فإذا وجد ميسرة فليقض ما يستقرض (فذلك)2 أكله بالمعروف3.
أخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو طاهر، قال: أبنا ابن شاذان قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم بن الحسين، قال: أبنا آدم قال: أبنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: يأكل بالمعروف: يعني: سلفاً من مال يتيمه4.
وهذا القول مذهب عبيدة السلماني، وأبي وائل5 وسعيد بن جبير6 وأبي العالية ومقاتل. وقد حكى الطحاوي7 عن أبي حنيفة مثله8 وروى يعقوب بن حيان عن أحمد بن حنبل مثله.
__________
1 في (هـ): سعيد. وهو تحريف.
2 في (م): ذلك، وفي (هـ) كما سجلت وكذا في لفظ الطبري.
3 ذكره الطبري عن ابن عباس موصولاً من طريق محمد بن سعد العوفي وإسناده كإسناد المؤلف مسلسل الضعفاء. انظر: جامع البيان 4/171.
4 أخرج مثله الطبري عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح. انظر: جامع البيان4/172.
5 أبو وائل، هو: شقيق بن سلمة الأسدي أبو وائل الكوفي، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة والتابعين. قال ابن معين: "ثقة لا يسأل عن مثله" مات سنة 82هـ. انظر: تهذيب التهذيب 4/361-363.
6 أخرج الطبري عن عبيدة السلماني، وأبي وائل وسعيد بن جبير نحوه. انظر: جامع البيان4/171.
7 أما الطحاوي، فهو: العلامة أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي أبو جعفر، فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر، ولد ونشأ في (طحا) من صعيد مصر وتفقه على مذهب الشافعي ثم تحول حنفياً، وله عدة تصانيف، منها الآثار، ومشكل الآثار، وأحكام القرآن، توفي سنة: 221هـ. انظر: البداية والنهاية11/174؛ وتذكرة الحفاظ 3/88-811.
8 ذكر الجصاص قول الطحاوي هذا في أحكام القرآن6/65 عن أبي حنيفة.

(2/336)


القول الثاني: أن الأكل بالمعروف أن يأكل من غير إسراف.
أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا ابن غيلان، قال: أبنا أبو بكر الشافعي، قال: بنا إسحاق بن الحسن، قال: أبنا موسى بن مسعود، قال: بنا الثوري؛ قال: بنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم {وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: ما سد الجوع (ويواري)1 العورة2.
وقد روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "الوصي إذا احتاج وضع يده مع أيديهم، ولا يلبس عمامة"3.
وقال الحسن: وعطاء ومكحول4: "يأخذ ما يسد الجوع ويواري العورة ولا يقضي إذا وجد"5.
قال عكرمة والسدي: "يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف في الأكل ولا يكتسي منه"، وهذا مذهب قتادة6.
__________
1 في (هـ): ووارى العورة.
2 أخرجه الطبري عن إبراهيم النخعي في جامع البيان4/173.
3 أخرجه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما في باب (الولي يأكل من مال اليتيم). انظر: السنن الكبرى 6/4.
4 أما مكحول، فهو: أبو عبد الله الفقيه الدمشقي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وعن أبي بن كعب وثوبان وعبادة بن الصامت وأبي هريرة مرسلاً، ثقة فقيه كثير الإرسال، مات سنة عشرة ومائة هجرية. انظر: تهذيب التهذيب10/291-293؛ وتقريب التهذيب ص: 347.
5 ذكر الجصاص في أحكام القرآن له 2/64 هذا القول عن الحسن، وعطاء ومكحول. وذكره الطبري بإسناد عن عطاء بن أبي رباح، كما روى عن أبي سعيد، قال: سأل مكحولاً عن والي اليتيم ما أكله بالمعروف إذا كان فقيراً، قال: يده مع يده، قيل له: فالكسوة، قال: يلبس من ثيابه فأما أن يتخذ ماله مالاً لنفسه فلا. انظر: جامع البيان 4/170-171.
6 أخرج نحوه الطبري عن السدي عمن سمع ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان4/172، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 2/122، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رصي الله عنهما.

(2/337)


والقول الثالث: أنه يقول: مال اليتيم بمنزلة الميتة يتناول منه عند الضرورة فإذا أيسر قضاه وإن لم يوسر فهو في حل. قاله الشعبي1.
وأخبرنا عبد الوهاب، قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي وقال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: "يأكل والي اليتيم من مال اليتيم قوته ويلبس منه ما يستره ويشرب فضل اللبن ويركب فضل الظهر، فإن أيسر قضاه وإن أعسر كان في حل"2.
فهذه الأقوال الثلاثة تدل على جواز الأخذ عند الحاجة وإن اختلف أربابها في القضاء.
القول الرابع: أن الأكل بالمعروف أن يأخذ الولي بقدر أجرته إذا عمل لليتيم عملاً، وروى القاسم3 بن محمد: أن رجلاً أتى ابن عباس فقال: ليتيم لي إبل فما لي من إبله؟ قال: "إن كنت تلوظ حياضها (وتهنأ جرباها)4 وتبغي ضالتها وتسعى عليها فاشرب غير ناهك بحلب ولا ضار بنسل"5.
__________
1 أخرج نحوه الطبري عن الشعبي في جامع البيان4/172.
2 أخرج نحوه البيهقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في السنن الكبرى6/5.
3 وهو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم التيمي ثقة أحد فقهاء المدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه من كبار الثالثة مات سنة: 106هـ على الصحيح. انظر: تقريب التهذيب ص: 279.
4 هذه العبارة مصحفة في النسختين صححتهما حسب رواية ابن جرير والنحاس.
5 أخرج نحوه ابن جرير وأبي جعفر النحاس في ناسخه والبيهقي في سننه عن القاسم ابن محمد موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنهما.
انظر: جامع البيان 4/174؛ والناسخ والمنسوخ ص: 93- 94؛ والسنن الكبرى 6/4.

(2/338)


أخبرنا عبد الوهاب قال: أبنا أبو طاهر، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن قال: أبنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء عن ابن نجيح1 عن عطاء بن أبي رباح قال: "يضع يده مع أيديهم ويأكل معهم بقدر خدمته وقدر عمل"، وقد روى أبو طالب وابن منصور عن أحمد بن حنبل مثل هذا2.
__________
1 من هنا ورقة كاملة ساقطة في الفلم من النسخة الهندية.
2 وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها في هذه الآية أنها نزلت في مال اليتيم إذا كان فقيراً أنه يأكل منه مكان قيامه عليه بالمعروف. انظر: صحيح البخاري مع الفتح9/309-310، وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور2/122، وعزاه إلى ابن المنذر والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2/339)


فصل: وعلى هذه الأقوال الآية محكمة.
وقد ذهب قوم إلى نسخها: فقالوا: كان هذا في أول الأمر ثم نسخت بقوله تعالى: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل} 1 وقد حكي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قال: نسخ من ذلك الظلم والاعتداء فنسخها: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} 2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: بنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي عن الحسين (بن الحسن بن عطية عن أبيه عن عطية)3 عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} نسختها الآية التي تليها {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} الآية4 .
__________
1 الآية (29) من سورة النساء.
2 أخرجه أبو جعفر النحاس عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في الناسخ والمنسوخ ص: 92.
3 في (م) في العبارة قلق، وقد جاء فيها (أن الحسن ابن عطية عن أبيه عن عطية). والصواب ما أثبت كما قدمنا في ترجمة آل العوفي عند ذكر آية (180) من سورة البقرة.
4 الآية العاشرة من سورة النساء.
وقد ذكر قول النسخ عن ابن عباس بهذا الإسناد الضعيف، الجصاص في أحكام القرآن 2/65 ويقول المؤلف في زاد المسير2/17 بعد إيراد قول النسخ عن ابن عباس: (دعوى النسخ لم يصح عنه).

(2/340)


قال أبو بكر بن أبي داود: وبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا عبد الله ابن عثمان، قال: بنا عيسى بن عبيد الكندي، قال: بنا عبيد الله مولى عمر ابن مسلم أن الضحاك بن مزاحم أخبره، قال: {مَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ} الآية نسخت فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} 1 الآية.
قلت: وهذا مقتضى قول أبي حنيفة، أعني النسخ، لأن المشهور عنه أنه لا يجوز للوصي الأخذ من مال اليتيم (عند)2 الحاجة على وجه القرض، وإن أخذ ضمن3.
وقال قوم: لو أدركته ضرورة جاز له أكل الميتة ولا يأخذ من مال اليتيم شيئاً.
__________
1 أخرج الجصاص أيضاً في المصدر السابق عن الضحاك من طريق عيسى بن عبيد الكندي كما ذكره السيوطي في الدر المنثور 2/123، معزياً إلى أبي داود في ناسخه عن الضحاك.
2 في (م): عن، وهو تحريف عما أثبت.
3 ذكر الجصاص مثل هذه الآراء في المصدر السابق عن إماميه أبي حنيفة ومحمد.
قلت: مال المؤلف في زاد المسير2/17، إلى إحكام هذه الآية، وقد ردّ ابن العربي دعوى النسخ هنا رداً عنيفاً حيث قال: (أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد لا أرضاه، لأن الله تعالى يقول: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وهو الجائز الحسن، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} فكيف ينسخ الظلم المعروف بل هو تأكيد له في التجويز، لأنه خارج عن مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى النسخ فيه). انظر أحكام القرآن 1/225.

(2/341)


ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ} 1.
قد زعم بعض من قل علمه وعزب فهمه من المتكلمين في الناسخ والمنسوخ، أن هذه الآية نزلت في إثبات نصيب النساء مطلقاً من غير تحديد، لأنهم كانوا لا يورثون النساء ثم نسخ ذلك بآية المواريث2.
وهذا قول مردود في الغاية وإنما أثبتت هذه الآية ميراث النساء في الجملة وثبت آية المواريث مقداره ولا وجه للنسخ بحال.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} 3.
اختلف العلماء في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنها محكمة.
فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن الناس يزعمون أن هذه الآية قد نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون الناس به4.
__________
1 الآية السابعة من سورة النساء.
2 لم يذكر هذه الدعوى الواهية في أمهات كتب النسخ إلا عند هبة الله بن سلامة فقد ذكرها بدون عزوها إلى أحد، وبدون ذكر دليل لها. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 31.
3 الآية الثامنة من سورة النساء.
4 أثر صحيح رواه البخاري في باب الوصايا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

(2/342)


وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله البقال، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا يحيى بن آدم، قال: بنا الأشجعي عن سفيان عن أبي إسحاق الشيباني عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} قال: هي محكمة وليست بمنسوخة1 .
قال: وكان ابن عباس إذا ولي (رضخ)2 وإذا كان المال فيه قلة اعتذر إليهم وذلك القول المعروف3.
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: بنا همام قال بنا قتادة: قال الأشعري: ليست بمنسوخة4.
قال أحمد: وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن مطر عن الحسن قال: والله ما هي بمنسوخة، وإنها لثابتة. ولكن الناس بخلوا وشحوا وكان الناس إذا قسم الميراث حضر الجار والفقير {5 واليتيم (والمسكين)6 فيعطونهم من ذلك7.
__________
1 رواه البخاري في كتاب التفسير عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر صحيح البخاري مع الفتح 9/310.
2 رضخ له: أي: أعطاه عطاء غير كثير. انظر: المصباح المنير1/345.
3 هذه الزيادة ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح وعزاها إلى الإسماعيلي من وجه آخر عن الأشجعي. انظر: المصدر السابق.
4 أخرج الطبري في جامع البيان4/179، بأن أبا موسى الأشعري قضى بهذه الآية.
5 انتهى النقص من (هـ).
6 في (هـ): والمساكين.
7 أخرجه الطبري عن الحسن في جامع البيان4/177.

(2/343)


قال أحمد: وبنا هشيم، قال: أبنا أبو (بشر)1 عن سعيد بن جبير. قال: وأبنا مغيرة عن إبراهيم (قالا: )2 هي محكمة وليست بمنسوخة3.
قال أحمد: وبنا يزيد، قال: أبنا سفيان بن حسين، قال: سمعت الحسن ومحمداً، يقولان قي هذه الآية: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} هي مثبتة 0لم تنسخ وكانت القسمة إذا حضرت حضر (هؤلاء)4 فرضخ لهم منها، وأعطوا5.
قال أحمد: وبنا يحيى بن آدم قال: بنا الأشجعي عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم والشعبي {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} قالا: هي محكمة وليست بمنسوخة6.
قال أحمد: وبنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري أنها محكمة لم تنسخ7.
__________
1 في (م): أبو بشرة، وفي (هـ): أبو البشرة، كلاهما خطأ، والصواب ما سجلت عن إسناد الطبري وعن كتب التراجم.
وهو ابن إياس اليشكري أبو بشر الواسطي بصري الأصل ثقة من أثبت الناس في سعيد ابن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة، مات سنة: خمس وقيل ست وعشرين ومائة. انظر: التهذيب2/82-84؛ والتقريب ص: 55.
2 في (هـ): قال، بالإفراد وهو خطأ.
3 أحرجه الطبري عن سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي في جامع البيان4/177.
4 محرفة في (هـ).
5 أخرجه الطبري عن محمد بن سيرين والحسن في جامع البيان 4/176.
6 أحرجه الطبري عن إبراهيم والشعبي في جامع البيان4/177.
7 أخرجه الطبري ص معمر عن الزهري في جامع البيان4/177.

(2/344)


وممن ذهب إلى إحكامها عطاء وأبو العالية ويحيى بن يعمر1.
ثم اختلف من قال بإحكامها في الأمر المذكور فيها.
فذهب أكثرهم: إلى أنه على سبيل الاستحباب أو الندب وهو الصحيح2.
وذهب بعضهم: إلى أنه على الوجوب.
القول الثاني: أنها منسوخة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: (بنا)3 حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي الله عنه {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} فنسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيباً مما ترك مما قلّ منه أو كثر4.
__________
1 ذكره السيوطي في الدر المنثور2/123 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر عن يحيى بن يعمر. سوف تأتي ترجمة يحيى بن يعمر ص: 420 إن شاء الله.
2 قلت: يظهر من تصحيحه هذا الرأي أنه مع القائلين بإحكام الآية، لأن الاختلاف المذكور إنما كان عند من يقول بإحكام الآية كما ذكره المؤلف نفسه آنفاً وكما ذكره الحافظ في الفتح الباري9/311، وهذا القول من اختيار أبي جعفر الطبري في المصدر السابق واختيار أبي جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: 6.
3 في (هـ): ثنا.
4 ذكره السيوطي معزياً إلى أبي داود في ناسخه وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور2/123.

(2/345)


قال أحمد: وبنا يحيى بن آدم قال: بنا الأشجعي عن سفيان عن السدي عن أبي مالك1 وإذا حضر القسمة قال: نسختها آية الميراث2.
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال: أبنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} يعني: عند قسمة الميراث، وذلك قبل أن ينزل الفرائض وأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى3 كل ذي حق حقه4.
وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نسختها {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ} الآية5.
وأخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل
__________
1 أما أبو مالك؛ فهو: غزوان الغفاري الكوفي مشهور بكنيته، روى عن عمار بن ياسر وابن عباس وبراء بن عازب وغيرهم ثقة من الثالثة، تهذيب التهذيب8/145، 246؛، وتقريب التهذيب ص: 373.
2 أخرجه الطبري عن أبي مالك من طريق الأشجعي في جامع البيان4/178.
3 في (هـ): الله.
4 أخرجه الطبري عن ابن عباس من طريق سعد العوفي، في المصدر السابق.
5 الآية (11) من سورة النساء، وذكر هذا القول النحاس في ناسخه ص: 95 عن ابن مجاهد رضي الله عنهما من طريق مجاهد.

(2/346)


قال: حدثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة، قال: قال سعيد بن المسيب: كانت هذه قبل الفرائض وقسمة الميراث، فلما جعل الله لأهل الميراث ميراثهم صارت منسوخة.
قال أحمد: وبنا عبد الصمد، قال: بنا همام، قال: بنا قتادة، عن سعيد بن المسيب أنها منسوخة، قال: كانت قبل الفرائض، وكان ما ترك من مال أعطى منه الفقراء، والمساكين، واليتامى، وذوي القربى إذا (حضروا)1 القسمة، ثم نسخ ذلك بعد، نسخها المواريث فألحق الله لكل ذي حق حقه، فصارت وصية من ما له يوصي بها لذي قرابته، وحيث يشاء2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال: حدثني يحيى بن يمان عن سفيان عن السدي، عن أبي مالك {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} قال: نسختها آية الميراث3.
قال أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان قال: بنا عبد الله بن عثمان قال: أبنا عيسى بن عبيد الكندي، قال: بنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم
__________
1 في (هـ): حضر بالإفراد، وهو خطأ.
2 أخرج هذا القول الطبري في جامع البيان4/189، والنحاس في المصدر السابق، والبيهقي في السنن الكبرى7/267 عن سعيد بن المسيب.
3 أخرجه الطبري من طريق يحيى بن يمان عن أبي مالك في جامع البيان4/178.

(2/347)


أن الضحاك بن مزاحم قال: في قوله: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى} قال: "نسختها آية الميراث"1.
وقال عكرمة: "نسختها آية الفرائض"2.
وممن ذهب إلى هذا القول قتادة، وأبو الشعثاء3 وأبو صالح وعطاء في رواية4.
__________
1 أخرجه الطبري في المصدر السابق، وذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 176، وأخرجه البيهقي في السنن6/267، في كتاب الوصايا عن الضحاك.
2 ذكره مكي بن أبي طالب في المصدر السابق، وأخرجه البيهقي في المصدر السابق عن عكرمة، قال الحافظ في فتح الباري9/310: صح عن عكرمة ذلك.
3 أما أبو الشعثاء، فهو: جابر بن زيد أبو الشعثاء الأزدي ثم الجوفي بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء، البصري مشهور بكنيته ثقة فقيه من الثالثة، مات سنة 93هـ، ويقال ومائة. انظر: التقرير ص: 52.
4 ذكر البيهقي دعوى النسخ هنا في المصدر السابق عن عطاء أيضاً. كما ذكره المؤلف في زاد المسير 2/21 عن ابن عباس - في رواية - وسعيد بن المسيب وعكرمة، والضحاك، وقتادة، في آخرين.
قلت: سبق تصحيح المؤلف القول بإحكام الآية. ويقول الحافظ في الفتح وهو يناقش الآثار المروية عن ابن عباس في الباب - أن ما روى البخاري عن ابن عباس من طريق عكرمة وسعيد بن جبير - وهو إحكام الآية - وهو المعتمد عليه وبقية الروايات كلّها وردت من أوجه لا يعتمد عليها. والذي ثبت عن ابن عباس في الباب إحكام الآية لا نسخها.
ويقول الطبري بعد عرض الرأيين عن قائليهما في الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: هذه الآية منسوخة" ثم ذكر ما يؤيد مقالته.
وأما ابن العربي فقد رد دعوى النسخ هنا بشدة، حيث قال: "أكثر أقوال المفسرين أضغاث وآثار ضعاف، والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم". انظر: فتح الباري 9/210؛ وجامع البيان4/178-179؛ وأحكام القرآن لابن العربي 1/329.

(2/348)


ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً} 1
في المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه خطاب للحاضرين عند الموصي. ثم في معنى الكلام على هذا القول قولان:
أحدهما: أن المعنى {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا} وليخش الذين يحضرون موصياً بوصي في ماله أن يأمروه بتفريق ما له فيمن لا يرثه فيفرقه ويترك ورثته ولكن ليأمروه أن يبقي ماله لأولاده كما لو كانوا هم الذين يوصون لسرهم أن يحثهم من حضرهم على حفظ الأموال للأولاد، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، والحسن ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة والضحاك، والسدي ومقاتل2.
__________
1 الآية التاسعة من سورة النساء.
2 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان4/181-184 عن ابن عباس ومجاهد وسعيد ابن جبير والسدي وقتادة، كما روى البيهقي في السنن الكبرى 6/271 عن ابن عباس نحوه.

(2/349)


والثاني: على الضد، وهو أنه نهي لحاضري الموصي عند الموت أن يمنعوه عن الوصية لأقاربه، وأن يأمروه الاقتصار على ولده وهذا قول مقسم1 وسليمان التميمي2.
القول الثاني: أنه خطاب لأولياء اليتامى، راجع إلى قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا} 3 فقال تعالى: - يعني أولياء اليتامى - {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ} فيمن ولوه من اليتامى وليحسنوا إليهم في أنفسهم وأموالهم كما يحبون أن يحسن ولاة أولادهم لو ماتوا هم إليهم، وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً4.
__________
1 رواه الطبري في المصدر السابق بإسناده عن مقسم.
أما مقسم، فهو: بكسر أوله ابن بجرة ويقال ابن نجدة أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى عباس للزومه له، روى عن ابن عباس وعبد الله بن الحارث وعائشة، صدوق وكان يرسل من الرابعة، مات سنة 101هـ. انظر: تهذيب التهذيب10/288؛ وتقريب التهذيب ص: 346.
2 ذكره الطبري أيضاً عن سليمان التميمي في المصدر نفسه.
وهو سليمان بن بلال التميمي القرشي من الثامنة ثقة مات بالمدينة سنة 177هـ. تقريب التهذيب ص: 132.
3 الآية السادسة من سورة النساء.
4 أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان 4/183، كما ذكره المؤلف في زاد المسير2/22 عنه وعن ابن السائب.

(2/350)


والقول الثالث: أنه خطاب للأوصياء بإجراء الوصية على ما رسم الموصي وأن يكون الوجوه التي فيها مرعية بالمحافظة كرعي الذرية الضعاف من غير تبديل ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْه} 1 فأمر بهذه الآية إذا وجد الوصي من الموصي في الوصية جنفاً أو ميلاً (عن الحق فعليه)2 الإصلاح في ذلك، واستعمال قضية الشرع ورفع الحال الواقع في الوصية. ذكره شيخنا علي بن عبيد الله وغيره3.
وعلى هذا القول تكون الآية منسوخة، وعلى الأقوال قبلها هي محكمة4. والنسخ منها بعيد، لأنه إذا أوصى بجور لم يجز أن يجري على ما أوصى5.
__________
1 الآية (182) من سورة البقرة.
2 غير واضح من (هـ).
3 قال المؤلف في المصدر السابق بعد إيراد هذا القول: (ذكره شيخنا وغيره في الناسخ والمنسوخ).
4 انظر: مناقشة المؤلّف هذه الآية في زاد المسير2/22.
5 قلت: ساق المؤلف مناقشة هذه الآية في تفسيره بنفس الأسلوب الذي ساقه ها هنا، إلا أنه لم يقم هناك بالترجيح.
وأما أصحاب أمهات كتب النسخ المتقدمة كابن حزم الأنصاري والنحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضوا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً، إنما ذكرها من المنسوخة، هبة الله في ناسخه ص: 32، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة 22 بدون استناد إلى دليل.

(2/351)


ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} 1 .
قد توهم قوم لم يرزقوا فهم التفسير (وفقهه)2 أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} 3 وأثبتوا ذلك في كتب الناسخ والمنسوخ، ورووه عن ابن عباس رضي الله عنهما وإنما المنقول عن ابن عباس ما أخبرنا به المبارك بن علي، قال:
أنبا أحمد بن الحسين بن قريش، قال أبنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا (عمرو بن علي بن بحر)4 قال: بنا عمران بن عيينة، قال: بنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} قال: كان يكون في حجر الرجل اليتيم فيعزل طعامه وشرابه، فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} 5 فأحل لهم طعامهم6.
__________
1 الآية العاشرة من سورة النساء.
2 في (هـ) وفهمها وهو تحريف من الناسخ.
3 الآية (220) من سورة البقرة.
4 هذه العبارة قلقة في (هـ) وقد جاء فيها: (بنا علي بن عمرو بن علي بن بحر).
والصواب ما أثبت عن (م) كما يظهر من ترجمته، وهو: عمرو بن علي بن بحر بن كنيز بنون وزاي، أبو حفص الفلاس الصيرفي الباهلي البصري ثقة حافظ من العاشرة، مات سنة 249هـ انظر: التقريب ص: 261.
5 الآية (230) من سورة البقرة.
6 روى نحوه أبو داود في سننه في باب (مخالطة اليتيم في الطعام) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم. وقال المنذري: أخرجه النسائي وفي إسناده عطاء بن السائب وتكلم فيه غير واحد، فقال الإمام أحمد: من سمع منه قديماً فهو صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشيء. انظر: سنن أبي داود مع عون المعبود8/73.

(2/352)


وقال سعيد بن جبير: لما نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} عزلوا أموالهم من أموال اليتامى، وتحرجوا من مخاطبتهم فنزل قوله: تعالى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} 1. وهذا ليس على سبيل النسخ؛ لأنه لا خلاف أن أكل أموال اليتامى ظلماً حرام.
وقال أبو جعفر النحاس: "هذه الآية لا يجوز فيها ناسخ ولا منسوخ، لأنها خبر ووعيد، ونهي عن الظلم والتعدي، ومحال نسخ هذا، فإن صح ما ذكروا عن ابن عباس فتأويله من اللغة: أن هذه الآية على نسخة تلك الآية"2.
وزعم بعضهم أن ناسخ هذه الآية قوله تعالى: {َمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} 3 وهذا قبيح؛ لأن الأكل بالمعروف ليس بظلم فلا تنافي بين الآيتين4.
__________
1 ذكره السيوطي في الدر المنثور، وعزاه إلى عبد بن حميد عن سعيد بن جبير. انظر: الدر المنثور1/255.
2 قلت: لم أجد كلام النحاس المنقول، عنه في كتابه الناسخ والمنسوخ المطبوع سنة 1323هـ بل ولم يعد فيه هذه الآية من المنسوخة أصلاً، فليحرر.
3 الآية السادسة من سورة النساء.
4 قلت: ذكر نحو هذا القول هبة الله في ناسخه ص: 32-33، وابن هلال في ناسخه المخطوط 22، ونقل مكي ابن أبي طالب في ناسخه ص: 175 عن ابن عباس وزيد بن أسلم أن آية: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} ناسخة لقوله {وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، وأما المؤلف في زاد المسير2/24، فيقول: عن دعوى النسخ هنا: "هذا غلط وإنما ارتفع عنهم الجرح بشرط قصد الإصلاح لا على إباحة الظلم".

(2/353)


ذكر الآية السادسة والسابعة: قوله تعالى: {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} وقوله: {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} 1. الآيتان.
أما الآية الأولى فإنها دلت على أن حد الزانية كان أول الإسلام الحبس إلى أن تموت أو يجعل الله لها سبيلاً، وهو عام في البكر والثيب.
والآية الثانية اقتضت أن حد الزانيين الأذى فظهر من الآيتين أن حد المرأة كان الحبس والأذى جميعاً، وحد الرجل كان الأذى فقط، لأن الحبس ورد خاصاً في النساء، والأذى ورد عاماً في الرجل والمرأة، وإنما خص النساء في الآية الأولى بالذكر، لأنهن ينفردن بالحبس دون الرجال، وجمع بينهما في الآية الثانية، لأنهما يشتركان في الأذى، ولا يختلف العلماء في نسخ (هذين)2 الحكمين عن الزانيين، أعني: الحبس والأذى، وإنما اختلفوا بماذا نسخا؟ فقال قوم نسخ بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 3.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا أبو إسحاق البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح قال:
__________
1 الآيتان (15-16) من سورة النساء.
2 في (هـ): هذان، وهو خطأ من الناسخ.
3 الآية الثانية من سورة النور.

(2/354)


حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} 1 قال: كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنى أوذي بالتعيير، والضرب بالنعال، فنزلت: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}. وإن كانا محصنين رجما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم2.
أبنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: أبنا إبراهيم بن الحسين، قال: بنا آدم،قال: بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح،عن مجاهد {فآذوهما} يعني سبا ثم نسختها {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 3.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: بنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر عن قتادة، {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ} 4 قال: نسختها الحدود5.
__________
1 الآية (15) من سورة النساء.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان4/198، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة، كما ذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 2/130، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وليس فيه قوله: "كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت" وقد جاء ذلك في رواية الطبري.
3 أخرج نحوه البيهقي في سننه8/210 عن مجاهد من طريق عبد الرحمن بن الحسن.
4 الآية (15) من سورة النساء.
5 ذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 180، عن قتادة، وفيه: (نسخها الله بالحدود، والميراث) وذكره السيوطي في الدر المنثور 2/129، وعزاه إلى عبد بن حميد، وعبد الرزاق والنحاس عن قتادة.

(2/355)


قال أحمد: وبنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة {وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} قال: كانت هذه الآية قبل الحدود ثم أنزلت: {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} قال: كانا يؤذيان بالقول والشتم وتحبس المرأة ثم إن الله تعالى نسخ ذلك فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 1.
قال أحمد: وبنا علي بن حفص عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} قال: "نسخته الآية التي في النور بالحد المفروض"2.
وقال قوم: نسخ هذان الحكمان بحديث عبادة بن الصامت3 عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، الثيب بالثيب4 جلد مائة ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة" 5.
__________
1 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان4/198-199 عن قتادة، كما أخرج عنه النحاس في ناسخه (96) وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور2/129، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر عن قتادة.
2 أخرج نحوه البيهقي في سننه عن مجاهد8/210.
3 أما عبادة بن الصامت بن قيس، فهو: صحابي جليل أنصاري خزرجي بدري مشهور، أحد النقباء، له مائة وإحدى وثمانون حديث مات بفلسطين بالرملة سنة 34هـ وله 72 سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية. انظر: التقريب (164).
4 في (هـ): بالجلد، وهو تحريف.
5 الحديث رواه مسلم في باب حد الزنى11/190، والشافعي في الرسالة 247، وأحمد في مسنده18/112، وأبو داود في سننه4/202، في كتاب الحدود، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه .

(2/356)


قالوا فنسخت الآية بهذا الحديث وهؤلاء يجيزون نسخ القرآن (بالسنة)1 وهذا قول مطرح، لأنه لو جاز نسخ القرآن بالسنة لكان ينبغي أن يشترط التواتر في ذلك الحديث، فأما أن ينسخ القرآن بأخبار الآحاد فلا يجوز ذلك وهذا من أخبار الآحاد.
وقال الآخرون: السبيل الذي جعل الله لهن هو الآية: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} 2.
وقال آخرون: بل السبيل قرآن نزل ثم رفع رسمه وبقي حكمه3.
وظاهر حديث عبادة يدل على ذلك، (لأنه)4 قال: (قد جعل الله لهن سبيلاً) فأخبر أن الله تعالى جعل لهن السبيل. والظاهر أنه بوحي لم تستقر تلاوته5 وهذا يخرج على قول من لا يرى نسخ القرآن بالسنة6، وقد اختلف العلماء بماذا ثبت الرجم على قولين:
__________
1 انظر: مثلاً كلام الجصاص حيث يثبت هذا النسخ مستدلاً على نسخ القرآن بالسنة، في أحكام القرآن2/107، ويروي ذلك ابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (22) عن هبة الله المفسر.
2 يقول السيوطي في الدر المنثور2/129: أخرج آدم وأبو داود في سننه والبيهقي عن مجاهد، قال: السبيل الحد.
3 وهو اختيار مكي بن أبي طالب في ناسخه (180).
4 في (هـ): الآية، وهو تحريف.
5 ذكر المؤلف هذا الرأي في تفسيره2/26، ثم قال: صححه أبو يعلى.
6 تقدم الكلام عن هذا بالأدلة في مقدمة المؤلف في باب ذكر ما اختلف فيه هل هو شرط في النسخ أم لا.

(2/357)


أحدهما: أنه نزل به قرآن ثم نسخ لفظه، وانعقد الإجماع على بقاء حكمه.
والثاني: أنه ثبت بالسنة1.
ذكر الآية الثامنة والتاسعة: قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} وقوله: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ} الآيتان2.
__________
1 قلت: هذا هو الموضع الثالث الذي صرح فيه المؤلف نسخ الآية، وبه قال في زاد المسير2/36، وأما في مختصر عمدة الراسخ، فقد حرمنا ورقة من ميكروفيلم التي تضمن هذه الآية كما قدمنا. يقول النحاس في ناسخه ص: 97- 98 بعد أن أورد ثلاثة آراء للعلماء الذين اتفقوا على نسخ هاتين الآيتين: "إن أصح الأقوال بحجج بينة أن يكون الله قد نسخ الآيتين في كتابه وعلى لسان رسوله".
ويقول ابن كثير في تفسير لهذه الآية1/462: (فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم" ثم عزا ابن كثير دعوى النسخ إلى جماعة وقال: "وهو أمر متفق عليه". انتهى
وأما الإمام أبو سليمان الخطابي: فيقول عن حديث عبادة: "إنه ليس نسخاً للآية بل هو مبين للحكم الموعود بيانه في الآية، فكأنه قال: عقوبتهن الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلاً، فوقع الأمر بحبسهن إلى غاية فلما انتهت مدة الحبس وحان وقت مجيء السبيل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا عني" تفسير السبيل وبيانه، ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه، وإنما هو بيان أمر كان ذكر السبيل منطوياً عليه، فأبان المبهم منه وفصل المجمل من لفظه فكان نسخ الكتاب بالكتاب لا بالسنة". انظر: معالم السنن 3/316.
2 الآيتان (17-18) من سورة النساء.

(2/358)


إنما سمى فاعل الذنب جاهلاً، لأن فعله مع العلم بسوء مغبته1 فأشبه من جهل (المغبة)2.
والتوبة من قريب: ما كان قبل معاينة الملك فإذا حضر الملك لسوق الروح لم تقبل توبة، لأن الإنسان حينئذٍ يصير كالمضطر إلى التوبة فمن (تاب)3 قبل ذلك قبلت توبته، أو أسلم عن كفر قبل إسلامه، وهذا أمر ثابت محكم. وقد زعم بعض من لا فهم له: أن هذا الأمر أقر على هذا في حق أرباب المعاصي من المسلمين ونسخ حكمه في حق الكفار بقوله: {وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} 4، وهذا ليس بشيء، فإن حكم الفريقين واحد5.
__________
1 في (هـ): مفيد، وهو تحريف ظاهر، والصواب المغبة: هي: العاقبة وغب كل شيء عاقبته. انظر: مختار الصحاح 1/467.
2 في (هـ): المعبد، وهو تحريف.
3 في (م): (مات) والذي أثبت عن (هـ) أنسب.
4 الآية (18) من سورة النساء.
5 أورد المؤلف قول النسخ في حق المؤمنين بدون رد ولا ترجيح، وذكر النسخ أيضاً هبة الله في ناسخه ص: 34- 35، ومكي بن أبي طالب: في ناسخه (183) ثم قال: "وهذا قول ينسب إلى ابن عباس وقد احتج من قال إنها محكمة عامة غير منسوخة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر )، فالغرغرة عند حضور الموت ومعاينة الرسل لقبض الروح فعند ذلك لا تقبل التوبة"، انتهى.
هذا الذي استدلوا به على إحكام الآية صحيح رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من طريق عبد الرحمن البيلماني. قال الهيثمي في المجمع 10/197 عن هدا الحديث: "رجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن وهو ثقة".

(2/359)


ذكر الآية العاشرة: قوله تعالى: {وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} 1.
هذا كلام محكم عند عامة العلماء، ومعنى قوله: {إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ} أي: بعد ما قد سلف في الجاهلية، فإن ذلك معفو عنه. وزعم بعض من قل فهمه: أن الاستثناء نسخ ما قبله. وهذا تخليط لا حاصل له ولا يجوز أن يلتفت إليه من جهتين: أحدهما: أن الاستثناء ليس بنسخ.
والثاني: أن الاستثناء عائد إلى مضمر تقديره: فإن فعلتم عوقبتم إلا
ما قد سلف، فإنكم لا تعاقبون عليه، فلا معنى للنسخ ههنا2.
ذكر الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ} 3.
وهذه حكمها حكم التي قبلها. وقد زعم الزاعم هناك: أن هذه كتلك في أن الاستثناء ناسخ لما قبله، وقد بينا رذولة هذا القول4.
__________
1 الآية (22) من سورة النساء.
2 ذكر ابن حزم الأنصاري في ناسخه (330) وهبة الله بن سلامة في ناسخه (3) أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء.
3 الآية (23) من سورة النساء.
4 قلت: لم يتعرض المؤلف في تفسيره ولا النحاس ولا مكي بن أبي طالب لدعوى النسخ في هذه الآية ولا في التي قبلها، إنما ذكر ذلك ابن حزم وابن سلامة في المصدرين السابقين، حيث قالا: "نسخت بالاستثناء".

(2/360)


ذكر الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 1.
وقد ذكر في هذه الآية موضعان منسوخان:
الأول: قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} 2، وهذا عند (عموم)3 العلماء لفظ عام دله التخصيص بنهي النبي صلى الله عليه وسلم "أن تنكح المرأة على عمتها أو أعلى خالتها"4 وليس هذا على سبيل النسخ.
وقد ذهب قوم لا فقه لهم إلى أن التحليل المذكور في الآية منسوخ بهذا الحديث، وهذا إنما يأتي من عدم فهم الناسخ والمنسوخ والجهل بشرائطه وقلة المعرفة بالفرق بين التخصيص والنسخ5.
وأما الموضع الثاني: فقوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنّ} 6.
__________
1 الآية (24) من سورة النساء.
2 الآية (24) من سورة النساء.
3 في (م): هموم، وهو تحريف.
4 رواه البخاري عن جابر وأبي هريرة رضي الله عنهما في كتاب النصح. انظر: صحيح البخاري مع الفتح11/64.
5 قلت: أورد المؤلف في زاد المسير2/52، نحو ما ذكره هنا نقلاً عن شيخه علي بن عبيد الله. وذكر دعوى النسخ النحاس في ناسخه (100) بقوله: "إنها أدخلت في الناسخ والمنسوخ" كما ذكر النسخ أيضاً مكي بن أبي طالب في الإيضاح (184) معزياً ذلك إلى عطاء، ثم نقض هذا القول وأثبت إحكام الآية بقوله: "إنما هي مخصصة بالسنة مبينة بها في أن الآية غير عامة والسنة تبين القرآن ولا تنسخه".
6 جزء من الآية نفسها.

(2/361)


اختلف العلماء في المراد بهذا الاستمتاع على قولين:
أحدهما: أنه النكاح، والأجور المهور. وهذا مذهب ابن عباس ومجاهد والجمهور1.
والثاني: أنه المتعة التي كانت في أول الإسلام، كان الرجل ينكح المرأة إلى أجل مسمى، ويشهد شاهدين، فإذا انقضت المدة ليس له عليها سبيل. قاله قوم منهم السدي2 ثم اختلفوا هل هي محكمة أو منسوخة، فقال3 قوم: هي محكمة.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: حدثنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا محمد ابن المثنى، قال: بنا محمد بن جعفر، قال: بنا شعبة عن الحكم، قال: سألته عن هذه الآية: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنّ} أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: وقال علي رضي الله عنه: "لولا أن عمر نهى عن المتعة - فذكر شيئاً –"4 .
وقال آخرون: هي منسوخة، واختلفوا بماذا نسخت على قولين:
أحدهما: بإيجاب العدة.
__________
1 أخرجه الطبري5/9، في جامع البيان، والنحاس ص: 104-105 في ناسخه عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
2 أخرج نحوه الطبري بطوله في جامع البيان5/9 عن السدي.
3 في (هـ): (هي). ولعلها زيادة من الناسخ.
4 أخرجه الطبري في المصدر السابق من طريق محمد بن المثنى عن الحكم وفيه: "وقال علي رضي الله عنه: لولا أن عمر رضي الله عنه نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي".

(2/362)


أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا (أبو علي بن شاذان)1 قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: أبنا أحمد بن محمد، قال: أبنا هاشم بن مخلد، عن ابن المبارك، عن عثمان ابن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} فنسختها {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} 2 {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} 3 {وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ} 4.
والثاني: أنها نسخت بنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة5.
__________
1 في (هـ): على ذان، بدل (شاذان)، ولعلها خطأ من الناسخ.
2 الآية الأولى من سورة الطلاق.
3 الآية (228) من سورة البقرة.
4 الآية الرابعة من سورة الطلاق.
والأثر ذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 2/14، وقال: "أخرجه أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما". وذكر النحاس في ناسخه (103) قول النسخ عن ابن عباس من طريق عثمان بن عطاء.
قلت: وفي هذا الإسناد ضعف لأن فيه عثمان ابن عطاء قال عنه ابن حجر في التقريب (235) ضعيف.
5 قال ابن حزم الأنصاري في ناسخه ص: 331، أن هذه الآية منسوخة بحديث مسلم عن سبرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني كنت أحللت هذه المتعة، ألا وإن الله ورسوله قد حرّماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب".
وذكر ابن خزيمة في ناسخه (270) بأن هذه الآية منسوخة بالطلاق والعدة وبنهي المتعة.

(2/363)


وهذا القول ليس بشيء لوجهين:
أحدهما: أن الآية سيقت لبيان عقدة النكاح بقوله: {مُحْصِنِينَ} أي: متزوجين، عاقدين النكاح، فكان معنى الآية {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} على وجه النكاح الموصوف فآتوهن مهورهن، وليس في الآية ما يدل على أن المراد نكاح المتعة الذي نهى عنه، ولا حاجة إلى التكلف، وإنما أجاز المتعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم منع منها.
والثاني: أنه لو كان ذلك لم يجز. نسخه بحديث واحد1.
ذكر الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} 2 .
هذه الآية عامة في أكل الإنسان مال نفسه، وأكله مال غيره بالباطل.
فأما أكله مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله عزوجل .
__________
1 قلت: رد المؤلف في تفسيره2/54 دعوى النسخ بنحو مارد به هنا، وقال: "إن الآية لم تتضمن جواز المتعة، لأنه قال فيها: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} فدل ذلك على النكاح الصحيح".
قال الزجاج: "ومعنى قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} فما نكحتموهن على الشريطة التي جرت، وهو قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} أي: عاقدين التزويج) (فأتوهن أجورهن) أي: مهورهن. ومن ذهب في الآية إلى غير هذا فقد أخطأ وجهل اللغة". انتهى.
وقد ذكر قول الإحكام مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 186، عن ابن عباس، والحسن ومجاهد.
2 الآية (29) من سورة النساء.

(2/364)


وأما أكل مال الغير بالباطل، فهو تناوله على الوجه المنهي عنه سواء كان غصباً من مالكه، أو كان برضاه، إلا أنه منهي عنه شرعاً، مثل القمار و الربا. وهذه الآية محكمة والعمل عليها.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا أسود بن عامر، قال: أبنا سفيان عن ربيع عن الحسن {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} 1 قال: ما نسخها شيء، قال أحمد: وحدثنا حسين بن محمد، قال: بنا عبيد الله عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو، أن مسروقاً2 قال في هذه الآية: {لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} قال: "إنها لمحكمة ما نسخت"3.
وقد زعم بعض منتحلي التفسير، ومدعي علم الناسخ والمنسوخ: أن هذه الآية لما نزلت تحرجوا من أن يواكلوا الأعمى والأعرج والمريض، وقالوا إن الأعمى لا يبصر أطايب الطعام، والأعرج لا يتمكن من المجلس، والمريض لا يستوفي الأكل، فأنزل الله عزوجل: {لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ} الآية4 فنسخت هذه الآية5.
__________
1 الآية (29) من سورة النساء.
2 أما مسروق، فهو: ابن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي، ثقة، فقيه، عابد مخضرم من الثانية، مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وستين. انظر: التقريب ص: 334.
3 ذكر هذا القول السيوطي في الدر المنثور2/143 وقال: "أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه وفيه (ولا تنسخ إلى يوم القيامة".
4 الآية (61) من سورة النور.
5 ذكر هبة الله في ناسخه ص: 36-37، ونسبه مكي بن أبي طالب في ناسخه (190) إلى ابن عباس رضي الله عنهما ثم قال: "وهذا لم يصح عنه". وأخرج نحوه الطبري في جامع البيان 5/20-21، عن عكرمة والحسن من طريق علي بن الحسين بن واقد المروزي الذي قال عنه المنذري: "قد ضعف".
قلت: أسلوب المؤلف في تفنيد هذا القول يدل على عدم ثبوته عن هؤلاء، لذا لم يتعرض في زاد المسير لقول النسخ أصلاً. وقد أنكر الطبري دعوى النسخ في المصدر السابق، كما أنكر ذلك مكي بن أبي طالب أيضاً: حيث قال: بعد ذكر دعوى النسخ: "قلت: وهذا لا يجوز أن ينسخ، لأن أكل الأموال بالباطل لا ينسخ إلا إلى جواز ذلك، وجوازه لا يحسن ولا يحل. فأما من أكلت ماله بطيب نفسه من صديق فهو جائز وليس ذلك من أكل الأموال بالباطل بشيء - والآية في النساء - وهي في النهي عن أكل مال غيرك من غير طيب نفسه، فهو من أكل المال بالباطل. والآية - في النور - هي في جواز أكل مال غيرك عن طيب نفسه، وذلك جائز. فالآيتان في حكمين مختلفين لا تنسخ إحداهما الأخرى، فلا مدخل لذكرهما في هذا الباب"، انتهى.
انظر: كتاب الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه لمكي بن أبي طالب ص: 190.

(2/365)


وهذا ليس بشيء، ولأنه لا تنافي بين الآيتين، ولا يجوز أكل المال بالباطل بحال، (وعلى ما قد زعم)1 هذا القائل قد كان يجوز أكل المال بالباطل.
ذكر الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} 2.
__________
1 في (هـ): وعلى ما قدر زعم.
2 الآية (33) من سورة النساء.
وفي النسختين (عاقدت). وفيها قراءتان فقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عمرو، وابن عامر: (عاقدت) بالألف، وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي (عقدت) بلا ألف.
قال أبو علي: "من قرأ بالألف، فالتقدير: والذين عاقدتهم أيمانكم، ومن حذف الألف، فالمعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه". انظر: جامع البيان 5/20-21، وزاد المسير 1/71.

(2/366)


اختلف المفسرون في المراد بهذه المعاقدة على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها المحالفة التي كانت في الجاهلية. واختلف هؤلاء على ما كانوا يتعاقدون على ثلاثة أقوال:
أحدها: على أن يتوارثوا.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: كان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل فيقول: ترثني وأرثك، فنسختها هذه الآية {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} الآية1.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: أبنا أحمد بن محمد المروزي، قال: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس
__________
1 الآية (75) من سورة الأنفال.
والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 2/150 وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2/367)


بينهما نسب، فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك قوله: {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} 1 .
وقال الحسن: "كان الرجل يعاقد الرجل، على أنهما إذا مات أحدهما ورثه الآخر، فنسختها آية المواريث"2.
والثاني: أنهم كانوا يتعاقدون على أن يتناصروا، ويتعاقلوا في الجناية.
والثالث: أنهم كانوا يتعاقدون على جميع ذلك.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي، قال: بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر عن قتادة في قوله: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: كان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، فلما جاء الإسلام بقي منهم ناس فأمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس ثم نسخ ذلك بالميراث، فقال: {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 3.
__________
1 رواه أبو داود في سننه عن ابن عباس من طريق الحسين بن واقد، قال المنذري وفيه مقال، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وزاد نسبته إلى ابن مردويه. انظر: سنن أبي داود مع عون المعبود 8/136؛ والدر المنثور 4/150.
2 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان5/33 عن الحسن البصري من طريق علي بن الحسين بن واقد.
3 أخرجه الطبري عن قتادة في جامع البيان 5/34، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2/150 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن قتادة، وذكر النحاس النسخ عن قتادة أيضاً في ناسخه 106.

(2/368)


فصل: وهل أمروا في الشريعة أن يتوارثوا بذلك فيه قولان:
أحدهما: أنهم أمروا أن يتوارثوا بذلك فمنهم من كان يجعل لحليفه السدس من ماله، ومنهم من كان يجعل له سهماُ غير ذلك، فإن لم يكن له وارث فهو أحق بجميع ماله.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال: أبنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه، عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه، فإذا مات الرجل صار لأهله وأقاربه الميراث، وبقي تابعه ليس له شيء، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} وكان يعطى من ميراثه، فأنزل الله تعالى بعد ذلك، {وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} 1 .
قلت: وهذا القول أعنى: نسخ الآية بهذه الآية قول جمهور العلماء منهم الثوري، والأوزاعي2 ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
__________
1 أخرج الطبري هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آل العوفي، وإسناده كإسناد المؤلف مسلسل بالضعفاء. انظر: جامع البيان 5/34؛ ومناقشة الآية (180) من سورة البقرة فيما سبق.
2 الأوزاعي، فهو: الإمام عبد الرحمن به عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي ثقة فقيه جليل مشهور اسمه: يحمد الشامي، نزل ببيروت في آخر عمره، ومات بها مرابطاً سنة سبع وخمسين ومائة. انظر: التهذيب 6/238-242؛ والتقريب ص: 207.

(2/369)


وقال أبو حنيفة: هذا الحكم ليس بمنسوخ، غير أنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فإذا فقد ذوي الأرحام ورثوا، وكانوا أحق به من بيت المال.
والثاني: أنهم لم يؤمروا بالتوارث بذلك، بل أمروا بالتناصر، وهذا حكم باقٍ لم ينسخ، وقد قال عليه السلام: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام (لم يزده إلا شدة" 1 وأراد بذلك النصرة والعون، وأراد بقوله: "لا حلف في الإسلام" أن الإسلام قد استغنى عن ذلك، بما أوجب الله تعالى على المسلمين بعضهم لبعض من التناصر2 وهذا قول جماعة منهم سعيد بن جبير، وقد روى عن مجاهد أنهم ينصرونهم ويعقلون عنهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي، قال: بنا وكيع، قال: بنا سفيان عن منصور عن مجاهد {وَالَّذِينَ
__________
1 في (هـ) لم يرد الإشارة وهو غلط وتحريف، والصحيح ما أثبت عن (م).
هدا الحديث رواه مسلم، والترمذي عن جبير بن مطعم. قال الإمام النووي في شرح هذا الحديث: "وأما المؤاخاة في الإسلام والمحالفة على طاعة الله والتناصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى وإقامة الحق، فهذا باقٍ لم ينسخ وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" وأما قوله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام" فالمراد به حلف التوارث والحلف على ما منع الشرع منه، والله أعلم". انظر: صحيح مسلم بشرح النووي16/81-82.
2 قال المؤلف في تفسيره2/73، بعد ذكر هذا القول: "وهذا قول سعيد بن جبير وهو يدل على أن الآية محكمة".

(2/370)


عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} قال: "هم الحلفاء فآتوهم نصيبهم من العقل والمشورة والنصرة، ولا ميراث"1.
والقول الثاني: أن المراد بالمعاقدة، المؤاخاة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا هرون بن عبد الله، قال: بنا أبو أسامة، قال حدثني إدريس2 بن يزيد، قال: بنا طلحة3 ابن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يورثون الأنصار دون ذوي رحمهم للأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ} 4 نسخت، فآتوهم نصيبهم من النصر والنصيحة والرفادة.
ويوصي لهم وقد ذهب الميراث5. وروى أصبغ6 عن ابن زيد {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} قال: الذين عاقد بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فآتوهم نصيبهم إذا لم يأت ذو رحم يحول بينهم.
__________
1 أخرجه الطبري والنحاس عن مجاهد. انظر: جامع البيان 5/35-36؛ والناسخ والمنسوخ ص: 106-107.
2 هو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ثقة من السابعة. انظر: التقريب ص: 25.
3 هو: طلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي، قارئ فاضل من الخامسة. انظر: التقريب ص: 157.
4 الآية (33) من النساء.
5 أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في (سننه) عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظ ابن جرير - كلفظ المؤلف - أوضح وأكمل مما في البخاري، كما قال الحافظ في الفتح. انظر: صحيح البخاري مع الفتح في كتاب التفسير 9/317؛ وتفسير الطبري5/34.
6 أما أصبغ، فهو: ابن الفرج الفقيه الحافظ أبو عبد الله، سمع عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وحدث عنه البخاري وخلق كثير، ثقة من العاشرة مات سنة 225هـ. انظر: التقريب ص: 38؛ وتذكرة الحفاظ 2/457.

(2/371)


(قال: وهذا)1 لا يكون اليوم إنما كان هذا في نفر آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انقطع ذلك ولا يكون هذا لأحد إلا للنبي صلى الله عليه وسلم2.
القول الثالث: أنها نزلت في الذين كانوا يتبنون أبناء غيرهم في الجاهلية فأمروا أن يوصوا لهم عند الموت توصية ورد الميراث إلى (الرحم)3 والعصبة. رواه الزهري عن ابن المسيب4.
ذكر الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} 5.
قال المفسرون: هذه الآية اقتضت إباحة السكر في غير (أوقات)6 الصلاة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى {فَاجْتَنِبُوهُ} 7.
__________
1 في (هـ): وقال هذا.
2 ذكره الطبري عن ابن وهب عن ابن زيد في جامع البيان 5/35.
3 في (هـ): الوهم، وهو تحريف.
4 هذا القول أخرجه الطبري في جامع البيان5/35 والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص: 106، عن سعيد بن المسيب من طريق الزهري، وذكر مكي بن أبي طالب أيضاً في الإيضاح ص: 193، عنه.
قلت: ناقش المؤلف قضية النسخ في زاد المسير2/72-73، في هذه الآية بنحو ما ناقشه هنا بدون ترجيح رأي دون آخر، وأورد دعوى النسخ معظم كتب النسخ، ولكن الإمامين الطبري والنحاس رجحا إحكام الآية مستدلين بما استدل به أصحاب القول الثاني هنا. انظر: جامع البيان 5/35-36، والناسخ والمنسوخ ص: 106-107.
5 الآية (43) من سورة النساء.
6 في (م): أقوات وهو تحريف من الناسخ.
7 الآية (91) من سورة المائدة.

(2/372)


أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد إسماعيل بن العباس، قال: بنا (أبو)1 بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن (قُهْزاد)2، قال: حدثني علي بن الحسين بن واقد قال: حدثني أبي عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال: نسختها {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} 3.
قال أبو بكر: وأبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا عبد الله بن صالح، قال: بنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال: كانوا لا يشربونها عند الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون حتى يذهب عنهم السكر، فإذا صلوا الغداة شربوها، فأنزل الله عزوجل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ} الآية4 فحرم الله الخمر5.
__________
1 في (م): أبي، وهو خطأ.
2 غير واضحة من (هـ) و(م). والصواب كما أثبت عن كتب التراجم.
وهو: محمد بن عبد الله بن قُهْزاذ بضم القاف وسكون الهاء المروزي ثقة من الحادية عشرة مات سنة 262هـ. انظر: التقريب (306).
3 أخرجه أبو داود في سننه10/108؛ والنحاس في ناسخه ص: 107، والبيهقي في سننه8/285 عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال المنذري وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وقد ضعف.
4 الآية (91) من سورة المائدة.
5 أخرج نحوه الطبري في حديث طويل عن محمد بن قيس، عند ذكر آية {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ} من سورة المائدة في جامع البيان.

(2/373)


قال أبو بكر: وبنا محمد بن سعد، قال: حدثني أبي عن الحسين بن الحسن بن عطية عن أبيه، عن عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال: نسختها الآية التي في المائدة {فَاجْتَنِبُوهُ} 1
قال أبو بكر: وبنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا عبد الله بن عثمان، قال: أبنا عيسى بن عبيد، قال: بنا عبيد الله مولى عمر بن مسلم، أن الضحاك بن مزاحم أخبره في قوله: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} قال: "نسختها {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ} " الآية2.
ذكر الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} 3.
__________
1 أخرج نحوه الطبري عن ابن عباس من طريق محمد بن سعد العوفي، وفيه أن هذه الآية كانت قبل أن تحرم الخمر. انظر: جامع البيان 5/61، وذكر قول النسخ السيوطي في الدر المنثور2/125، ونسب إلى عبد بن حميد وأبي داود، والنسائي، والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
2 قلت: روى الطبري في تفسيره 5/62، والنحاس في ناسخه ص: 108، وذكر المؤلف في زاد المسير2/89 عن الضحاك أن معنى: {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} أي: من النوم، على أن الآية محكمة، ولكن النحاس والمؤلف ردا هذا الرأي واختار المعنى الأول على أن الآية منسوخة. وأما مكي بن أبي طالب فيقول بعد عزو معنى (النوم) إلى الضحاك وزيد بن أسلم: "ويجوز أن يكون ذلك بياناً وتفسيراً لآية النساء وليس بنسخ المفهوم". وأما القرطبي فيورد معنى (النوم) عن الضحاك وعبيدة، ثم يقول: "وهذا معنى صحيح، وعلى هذا فالآية محكمة". انظر: الإيضاح ص: 192، والجامع لإحكام القرآن 5/201.
3 الآية (63) من سورة النساء.

(2/374)


قال المفسرون في هذه الآية تقديم وتأخير. تقديره: فعظهم فإن امتنعوا عن الإجابة فأعرض. وهذا كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ ذلك بآية السيف1.
ذكر الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً} 2.
قال المفسرون: اختصم يهودي ومنافق، وقيل: بل مؤمن ومنافق، فأراد اليهودي، وقيل: المؤمن، أن تكون الحكومة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم فأبى المنافق. فنزل قوله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ} 3 إلى هذه الآية، وكان معنى هذه الآية: ولو أن المنافقين جاءوك فاستغفروا من (صنيعهم)4 واستغفر لهم الرسول5،وقد زعم بعض منتحلي التفسير:
__________
1 قلت: ذكر دعوى النسخ هنا ابن حزم في ناسخه (332) وابن سلامة في ناسخه (37) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (23) ولم يتعرض له النحاس أو مكي بن أبي طالب أصلاً.
أما المؤلف فكما اكتفى بعزو هذا القول إلى المفسرين هنا فقد اكتفى بعزوه إلى قوم في زاد المسير، ولم يبد رأيه فيه. انظر: زاد المسير 2/122.
2 الآية (64) من سورة النساء.
3 الآية (60) من سورة النساء.
4 في (هـ) ضيعتهم، وهو تصحيف.
5 قلت: هذا السبب الذي أورده المؤلف في نزول الآية هو مكون من سببين مستقلين رويا من طريقين مختلفين:
فالأول: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة إلى آخر ما قاله المؤلف. رواه الواحدي في أسباب النزول (92) عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والثاني: أن رجلاً من بني النضير قتل رجلاً من بني قريظة فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن، وقال المسلمون من الفريقين بل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى المنافقون، فنزلت هذه الآية. ذكره المؤلف في زاد المسير2/118-119.

(2/375)


أن هذه الآية نسخت بقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} 1.
وهذا قول مرذول، لأنه إنما قيل {فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} لإصرارهم على النفاق، فأما إذا جاءوا فاستغفروا واستغفر لهم الرسول، فقد ارتفع الإصرار فلا وجه للنسخ2.
ذكر الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} 3.
وهذه الآية تتضمن الأمر بأخذ الحذر، والندب إلى أن يكونوا عصباً وقت نفيرهم، ذوي أسلحة عند بروزهم إلى عدوهم ولا ينفروا منفردين4 لأن الثبات: الجماعات المتفرقة5.
__________
1 الآية (85) من سورة التوبة.
2 قلت: لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية أصحاب أمهات كتب النسخ ولا المفسرون لضعف ذلك، وإنما ذكره ابن سلامة في ناسخه ص: 37-38 بدون نسبته إلى أحد.
3 الآية (71) من سورة النساء.
4 أخرج الطبري في جامع البيان5/105 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق علي بن أبي طلحة في قوله: {فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} قال: عصباً يعني سراياً متفرقين، أو انفروا جميعاً يعني: كلكم. وذكره المؤلف في زاد المسير 2/129، كما ذكره السيوطي في الدر المنثور 2/183، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما.
5 نقل هذا القول المؤلف في المصدر السابق عن الزجاج.

(2/376)


وقد ذهب قوم: إلى أن هذه الآية منسوخة.
أخبرنا بن1 ناصر قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستافي، قال: بنا الحسن بن محمد، قال: بنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما {خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ} 2، وقال: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} 3 وقال: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} 4 ثم نسخ هذه الآيات، فقال: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} الآية5.
قلت: وهذه الرواية فيها مغمز6 . وهذا المذهب لا يعمل عليه. وأحوال المجاهدين تختلف، والأمر في ذلك على حسب ما يراه الإمام
__________
1 ساقطة من (م). والصواب ما أثبت كما قدمنا في ترجمته عند أول ذكر له ص: 150.
2 الآية (71) من سورة النساء.
3 الآية (41) من سورة التوبة.
4 الآية (39) من سورة التوبة.
5 الآية (122) من سورة التوبة.
وروى قول النسخ البيهقي في سننه9/47، من طريق عطاء عن ابن عباس. وذكره السيوطي في الدر المنثور2/183 وزاد نسبته إلى أبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم.
6 المغمز: عيب يقال، ليس فيه غميزة ولا مغمز، أي: عيب انظر: المصباح المنير 2/107.

(2/377)


وليس في هذه الآيات شيء منسوخ بل كلها محكمات. وقد ذهب إلى ما قد ذهبت إليه، أبو سليمان الدمشقي1.
ذكر الآية التاسعة عشرة: قوله تعالى: {وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} 2.
روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال معناه: فما أرسلناك عليهم (رقيباً تؤخذ بهم)3.
وقال السدي وابن (قتيبة)4: حفيظاً أي: محاسباً لهم5.
وقد ذهب قوم منهم عبد الرحمن بن زيد، إلى أن هذه الآية نزلت في بداية الأمر ثم نسخت بآية السيف6 وفيه بعد، لأنه إذا كان تفسيرها ما ذكرنا فأي وجه للنسخ7.
ذكر الآية العشرين: قوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} 8 .
__________
1 ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير 2/130 عن أبي سليمان الدمشقي.
قلت: لم يذكر النحاس ومكي بر أبي طالب هذه الآية من المنسوخة أصلاً.
2 الآية (80) من سورة النساء.
3 ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير2/142، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
4 مصحفة في (هـ).
5 ذكره المؤلف في المصدر السابق عن السدي وابن قتيبة.
6 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان5/112 عن ابن زيد.
7 قلت: لم يعد النحاس ومكي بن أبي طالب هذه الآية من المنسوخة أصلاً. أما المؤلف فقد عزا قول النسخ هنا إلى المفسرين في زاد المسير.
8 الآية (81) من سورة النساء.

(2/378)


قال المفسرون معنى الكلام: أعرض عن عقوبتهم، ثم نسخ هذا الإعراض عنهم بآية السيف1.
ذكر الآية الحادية والعشرين: قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ} 2.
قال المفسرون: معناه: لا تكلف إلا المجاهدة بنفسك، ولا تلزم فعل غيرك، وهذا محكم. وقد زعم بعض منتحلي التفسير أنه منسوخ بآية السيف3 (فكأنه)4 استشعر أن معنى الكلام: لا تكلف أن تقاتل أحداً، وليس كذلك، إنما المعنى: لا تكلف في الجهاد إلا فعل نفسك5.
ذكر الآية الثانية والعشرين: قوله تعالى: {إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} 6.
__________
1 قلت: ذكر النسخ هنا ابن حزم في ناسخه ص: 333، وابن سلامة في ناسخه ص: 38، وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة 22،كما ذكره المؤلف في زاد المسير2/143، وعزاه إلى ابن عباس، ولم يبد رأيه. وأما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا هنا لدعوى النسخ أصلاً.
2 الآية (84) من سورة النساء.
3 ذكر النسخ هنا ابن سلامة في ناسخه (38).
4 في (هـ): فكأن.
5 فسر المؤلف بذلك في زاد المسير 2/149، ولم يذكر النسخ وأعرض عنه النحاس ومكي بن أبي طالب أيضاً.
6 الآية (90) من سورة النساء.

(2/379)


قوله تعالى: {يَصِلُونَ} : يدخلون في عهد بينكم وبينهم ميثاق. والمعنى: ينتسبون بالعهد1 أو يصلون إلى قوم جاؤوكم، حصرت
__________
1 أوضح المؤلف في تفسيره معنى الآية حيث قال: "وفي {يَصِلُونَ} قولان:
أحدهما: أنه بمعنى: يتصلون ويلجؤون).
قلت: عزا ابن كثير هذا القول إلى السدي وابن زيد وابن جرير.
والثاني: أنه بمعنى ينتسبون. قاله ابن قتيبة، وأنشد:
إذا اتصلت قالت أبكر بن وائل وبكر سبتها والأنوف رواغم
يريد: إذا نسبت".
قلت: قد أنكر النحاس هذا القول وتعقبها بقوله: "قال أبو جعفر: وهذا غلط عظيم؛ لأنه يذهب إلى أن الله تعالى حظر أن يقاتل أحد بينه وبين المسلمين نسب، والمشركون قد كان بينهم وبين السابقين أنساب. وأشد من هذا الجهل، الاحتجاج بأن ذلك كان، ثم نسخ، لأن أهل التأويل مجمعون على أن الناسخ له (براءة) وإنما نزلت (براءة) بعد الفتح وبعد أن انقطعت الحروب، وإنما يأتي هذا من الجهل بقول أهل التفسير، والاجتراء على كتاب الله تعالى وحمله على المعقول من غير علم بأقاويل المتقدمين.
والتقدير على قول أهل التأويل: فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، أولئك خزاعة صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أنهم لا يقاتلون، وأعطاهم الذمام والأمان، ومن وصل إليهم فدخل في الصلح معهم، كان حكمه كحكمهم {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي: وإلا الذين جاؤوكم حصرت صدورهم وهم بنو مدلج وبنو خزيمة ضاقت صدورهم أن يقاتلوا المسلمين، أو يقاتلوا قومهم بني مدلج. (وحصرت) خبر بعد خبر). انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 109.

(2/380)


صدورهم أي: ضاقت عن قتالكم1 لموضع العهد الذي بينكم وبينهم، فأمر2 المسلمون في هذه الآية بترك قتال من (له)3 معهم عهد، أو ميثاق، أو ما يتعلق بعهد، ثم نسخ ذلك بآية السيف، وبما أمروا به من نبذ العهد إلى أربابه في سورة براءة. وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وقتادة.
أخبرنا ابن ناصر، قال. (ابنا ابن أيوب)4 قال: أبنا ابن شاذان، قال. أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا الحسن ابن محمد، قال: بنا حجاج، قال: قال ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما {إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} 5 وقال: {إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ} 6 وقال: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} 7 نسخ هذا {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 8 {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ} 9.
__________
1 ذكر الطبري نحوه في جامع البيان5/135 عن السدي.
2 في (هـ): فأمرو، ولعل الواو زيادة من الناسخ.
3 في (هـ): لهم، وهو خطأ.
4 هذه العبارة غير سليمة في (هـ) وقد جاء فيها: (قال. أبنا قال ابن بنا ابن أيوب).
5 الآية (90) من سورة النساء.
6 الآية (10) من سورة الممتحنة.
7 الآية الثامنة من الممتحنة.
8 الآية الأولى من سورة التوبة.
9 الآية الخامسة من سورة التوبة.
أخرج النحاس قول النسخ عن ابن عباس رضي الله عنهما هنا بآية السيف، من طريق عطاء الخراساني، كما أخرج الطبري الأثر المذكور بطوله عن عكرمة والحسن، وفيه ذكر الآية التاسعة من الممتحنة بدل العاشرة، وذكر النسخ أيضاً مكي بن أبي طالب عن ابن عباس بدون إسناد. انظر. الناسخ والمنسوخ ص: 109؛ وجامع البيان5/123؛ والإيضاح (195).

(2/381)


أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا أحمد بن إسحاق الكاذي، قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا عبد الوهاب، عن سعيد عن قتادة {إِلاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} الآية. قال: نسخ ذلك في براءة، ونبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأمر الله نبيه أن يقاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} الآية1.
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان 5/123، من طريقين عن قتادة، كما أخرجه النحاس في ناسخه (195) عنه وعن مجاهد، وذكره مكي بر أبي طالب في ناسخه ص: 195، عن قتادة بدون إسناد.
قلت: رأينا المؤلف هنا يورد أدلة القائلين بالنسخ بدون أدنى اعتراض على ذلك، وقال في تفسيره2/150: "قال: جماعة من المفسرين: معاهدة المشركين وموادعتهم المذكورة في هذه الآية منسوخة بآية السيف" انتهى.
واختار الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب النسخ، إلا أن عبد القاهر البغدادي ذكر عن جماعة أن هذه الآية محكمة وإنما نزلت في قوم مخصوصين، وهم بنو خزيمة وبنو مدلج، عاقدوا حلفاء المسلمين فنهي عن قتلهم، ونزلت آية السيف بعد إسلام الذين ذكرناهم. انظر: جامع البيان 5/128؛ والناسخ والمنسوخ ص: 109، والإيضاح ص: 195؛ والناسخ المخطوط لعبد القاهر ورقة من الفلم 61.

(2/382)


ذكر الآية الثالثة والعشرين: قوله تعالى: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ} 1.
والمعنى: أنهم يظهرون الموافقة للفريقين ليأمنوهما فأمر الله تعالى بالكف عنهم، إذا اعتزلوا وألقوا إلينا السلم، وهو الصلح كما أمر بالكف عن الذين يصلون إلى قوم بيننا وبينهم ميثاق، ثم نسخ ذلك بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
ذكر الآية الرابعة والعشرين: قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} 3.
__________
1 الآية (91) من سورة النساء.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
قلت: يظهر من أسلوب المؤلف أن دعوى النسخ هنا أمر مسلم لديه حيث لم ينسبه إلى أحد، وأما في تفسيره 2/161، فقد عزاه إلى أهل التفسير.
ويقول الأستاذ مصطفى زيد في كتابه النسخ في القرآن الكريم 2/785 عن هذه الآية والتي قبلها: "أن كلتيهما في المنافقين وكان الإسلام يأبى أن يقتلهم حتى لا يقال أن محمداً يقتل أصحابه" ولم يتعرض النحاس ومكي بن أبي طالب لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً. وقد ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 333، وابن سلامة في ناسخه ص: 39 وابن هلال في ناسخه المخطوط 23، بدون أن ينسبوه إلى أحد.
3 الآية (92) من سورة النساء.

(2/383)


جمهور أهل العلم على أن الإشارة بهذا إلى الذي يقتل خطأ (فعلى)1 قاتله الدية والكفارة. وهذا قول ابن عباس والشعبي، وقتادة، والزهري، وأبي حنيفة، والشافعي، وهو قول أصحابنا2. فالآية على هذا محكمة.
وقد ذهب (بعض)3 مفسري القرآن إلى أن المراد به من كان من المشركين بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد (وهدنة)4 إلى أجل، ثم نسخ ذلك بقوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 5 وبقوله: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} 6.
ذكر الآية الخامسة والعشرين: قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} الآية7.
اختلف العلماء هل هذه محكمة أم منسوخة على قولين:
__________
1 في (هـ): فلا، وهو خطأ وتحريف.
2 يقصد بذلك أصحاب أحمد بن حنبل، وقد روى هذا القول الإمام أبو جعفر الطبري عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان 1/131-132.
3 في (هـ): في بعض. والفاء زيادة من الناسخ.
4 في (م): هدية، وهو تصحيف.
5 الآية الأولى من سورة التوبة.
6 الآية (85) من الأنفال.
ذكر مكي به أبي طالب هنا في الإيضاح (60) قول النسخ وعزاه إلى أبي أويس. أما النحاس في ناسخه والطبري في جامع البيان والمؤلف في زاد المسير فلم يتعرضوا هنا لدعوى النسخ أصلاً.
7 الآية (93) من سورة النساء.

(2/384)


أحدهما: (أنها)1 منسوخة وهو قول جماعة من العلماء قالوا: بأنها حكمت بخلود القاتل في النار، وذلك منسوخ بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} 2.
وقال بعضهم: نسخها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} إلى قوله: {إِلاّ مَنْ تَابَ} 3.
وحكى أبو جعفر النحاس: أن بعض العلماء قال: معنى نسختها آية (الفرقان)4 أي: نزلت بنسختها5.
والقول الثاني: أنها محكمة. واختلف هؤلاء في طريق إحكامها على
قولين:
أحدهما: أن قاتل المؤمن مخلد في النار، وأكدوا هذا بأنها خبر، والأخبار لا تنسخ.
أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار6، قال: أبنا أبي، قال: أبنا أبو بكر البرقاني قال: أبنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني البغوي، قال: بنا علي بن الجعد، قال: أبنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، قال: سمعت
__________
1 في (هـ): أنه بالتذكير وهو خطأ.
2 الآية (48) من سورة النساء.
3 الآية (68-70) من سورة الفرقان.
4 في (هـ): القرآن، وهو تحريف.
5 انظر: نصّ ما ذكره النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: 112.
6 يحيى بن ثابت بن بندار بن إبراهيم الدينوري، من مشايخ ابن الجوزي سمع منه - كما قال في مشيخته - صحيح الإسماعيلي وغيره، مات سنة 565هـ. انظر: مشيخة ابن الجوزي ص: 174.

(2/385)


سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: (فرحلت فيها إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: لقد نزلت في آخر ما نزلت وما نسخها شيء)1.
وعن شعبة عن منصور قال: سمعت سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن قول الله عزوجل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: لا توبة له2.
أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا غيلان، قال: أبنا أبو بكر الشافعي، قال: أبنا إسحاق بن الحسن، قال: أبنا ابن حذيفة النهدي، قال: بنا سفيان الثوري، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: ليس لقاتل مؤمن توبة، ما نسختها آية منذ نزلت3.
أخبرنا سعيد بن أحمد4، قال: أبنا ابن اليسرى، قال: أبنا المخلص،
__________
1 ما بين القوسين مكررة في (هـ).
وقد روي هذا الأثر الإمام البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، كما رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير، عنه. انظر: صحيح البخاري مع الفتح9/326 من كتاب التفسير.
2 رواه الطبري في جامع البيان5/137 عن سعيد بن جبير.
3 أخرجه الطبري عن سعيد جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان 5/138.
4 أما سعيد بن أحمد، فهو: أبو القاسم بن الحسن بن البناء سمع منه المؤلف ابن الجوزي رحمه الله، ولد سنة 467هـ وسمع الكثير وكان خيراً، وتوفي في ذي الحجة سنة 505هـ. انظر: مشيخة ابن الجوزي ص: 125-126؛ والمنتظم10/126؛ والنجوم الزاهرة 5/321

(2/386)


قال: بنا البغوي، قال: بنا عثمان بن أبي شيبة، قال: بنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن قيس الملاي، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه تلا هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} حتى فرغ منها، فقيل له: وإن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.
قال ابن عباس: وأنى له التوبة قد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: (ثكلته أمه، قاتل المؤمن إذا جاء يوم القيامة واضعاً رأسه على إحدى يديه آخذاً بالأخرى القاتل (تشخب)1 أوداجه قبل عرش الرحمن عزوجل فيقول: رب سل هذا فيم قتلني؟ قال: وما نزلت في كتاب الله عزوجل آية نسختها2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق ابن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال بنا مغيرة بن
__________
1 تشخب: أي: تجري، يقال: شخبت أوداج القتيل دماً من بابي قتل، ونفع. انظر: المصباح المنير1/328.
2 أخرج نحوه الطبري والنحاس عن سالم بن أبي الجعد عن أبن عباس رضي الله عنهما. انظر: جامع البيان5/137-138؛ والناسخ والمنسوخ ص: 111. وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور2/196 إلى أحمد، وسعيد بن منصور، والنسائي وابن ماجه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني، من طريق سالم عن ابن عباس رضي الله عنهما.

(2/387)


النعمان عن سعيد بن جبير، قال: اختلف أهل الكوفة في هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} فرحلت إلى ابن أبي عباس رضي الله عنها فقال: إنها من آخر ما نزل، وما نسخها شيء1.
قال أحمد: وبنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: حدثني القاسم ابن أبي بزّة عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: هل لمن قتل مؤمناً متعمداً من توبة؟ قال: لا. فتلوت هذه الآية التي في الفرقان {إِلاّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ} 2 فقال: هذه الآية مكية نسختها آية مدنية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 3.
قال أحمد: وبنا حسين بن محمد قال بنا سفيان، عن أبي الزياد، قال: سمعت شيخنا يحدث خارجة بن زيد بن ثابت، قال: سمعت أباك، (قال)4: نزلت الشديدة بعد الهينة بستة أشهر قوله: {وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقّ} 5 وقوله: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} 6.
__________
1 تقدم تخريجه عن الشيخين وغيرهما، وزاد السيوطي أيضاً نسبته إلى عبد بن حميد والطبراني من طريق سعيد بن جبير عن ابن عاس رضي الله عنهما. انظر: الدر المنثور 2/196.
2 الآية (70) من سورة التوبة.
3 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان 5/138، والنحاس في ناسخه (111) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما.
4 في (هـ): يقول.
5 الآية (68) من سورة الفرقان.
6 الآية (93) من سورة النساء.
والأثر أخرجه الطبري في تفسير 5/135، والنحاس في ناسخه ص: 110-111، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه . وزاد السيوطي نسبته إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن زيد بن ثابت. انظر: الدر المنثور2/196.

(2/388)


وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه قصد التشديد بهذا القول.
فأخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال: بنا إبراهيم بن عمر قال: أبنا محمد بن إسماعيل قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن عبد الملك، قال: أبنا يزيد بن هرون، قال: أبنا أبو مالك، قال: بنا سعد بن عبيدة، أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: لمن قتل المؤمن توبة، فجاءه رجل فسأله، ألمن قتل مؤمناً توبة؟ قال: لا إلا النار. فلما قام قال له جلساؤه: ما هكذا؟ كنت تفتينا أنه لمن قتل مؤمناً متعمداً توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟ قال: إني أظنه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل مؤمناً، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك1.
قال أبو بكر بن أبي داود: وقد روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن (للقاتل) توبة2.
__________
1 أخرجه النحاس من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عباس رضي الله عنهما في الناسخ والمنسوخ ص: 112، وذكره السيوطي في الدر المنثور2/198 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، عن ابن عباس، ولفظ النحاس: "قال جلساؤه: هكذا كنت تفتينا..." ولفظ السيوطي: قال له جلساؤه: "ما كنت هكذا تفتينا، كنت تفتينا...".
2 في (هـ): المقاتل، وهو تحريف، وقد ذكر السيوطي نحو هذا القول في الدر المنثور 2/197، معزياً إلى ابن المنذر عن ابن عباس.

(2/389)


وقد روى سعيد بن (ميناء)1 عن عبد الله بن عمر، قال: (سأله)2 رجل، قال: إني قتلت رجلاً فهل لي من توبة؟ قال: تزود من الماء البارد، فإنك لا تدخلها أبداً.
وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ضد هذا، فإنه قال للقاتل: "تب إلى الله يتب عليك"
وروى سعيد بن مينا)3 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءه رجل فقال: يا أبا هريرة، ما تقول في قاتل المؤمن، هل له من توبة؟ قال: والذي لا إله إلا هو لا يدخل الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط4.
والقول الثاني: أنها عامة دخلها التخصيص، بدليل5 أنه لو قتله كافر ثم أسلم الكافر سقطت عنه العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا ثبت كونها من العام المخصص، فأي دليل صلح للتخصيص وجب العمل به. ومن أسباب التخصيص أن يكون قد قتله مستحلاً لأجل إيمانه فيستحق التخليد لاستحلاله.
__________
1 غير واضحة من (هـ).
وهو: سعيد بن ميناء ابن أبي البختري ابن أبي ذباب الحجازي أبو الوليد، ثقة من الثالثة. انظر: التقريب (126).
2 في (هـ): بناله، وهو تحريف من الناسخ.
3 في (هـ) في العبارة تقديم وتأخير.
4 ذكره السيوطي في الدر المنثور2/197، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن سعيد بن ميناء يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه .
5 في (هـ) كلمة (إلا) زيادة، ولعلها من الناسخ.

(2/390)


أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا الحسن بن عطاء، وأحمد بن محمد الحسين، قالا: بنا خلاد بن يحيى، قال بنا أنس بن مالك الصيرفي أبو روية عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية وعليها أمير فلما انتهى إلى أهل ماء خرج إليه رجل من أهل الماء فخرج إليه رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إلى ما تدعو؟ فقال: إلى الإسلام، قال: وما الإسلام؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن تقر بجميع الطاعة، قال: هذا؟ قال: نعم. فحمل عليه فقتله لا يقتله إلا على الإسلام، فنزلت: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} لا يقتل إلا على إيمانه الآية كلّها.
قال سعيد بن جبير: نزلت في (مقيس بن ضبابة) قتل مسلماً عمداً وارتد كافراً1.
وقد ضعف هذا الوجه أبو جعفر النحاس فقال: ومن لفظ عام لا يخص إلا (بتوقيف)2 أو دليل قاطع3.
وقد ذهب قوم إلى أنها مخصوصة في حق من لم يتب، بدليل قوله تعالى: {إِلاّ مَنْ تَابَ} 4.
__________
1 رواه الطبري في جامع البيان 5/137 عن عكرمة من طريق ابن جريج. ورواه الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في أسباب النزول ص: 114، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2/195 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.
2 في (هـ): توقف، وهو تحريف.
3 انظر: نصّ ما ذكره النحاس في الناسخ والمنسوخ ص: 112.
4 الآية (70) من سورة الفرقان.

(2/391)


والصحيح أن الآيتين محكمتان، فإن كانت التي في النساء أنزلت أولاً فإنها محكمة نزلت على حكم الوعيد غير مستوفاة الحكم، ثم بين حكمها في الآية التي في الفرقان، وكثير من المفسرين منهم ابن عباس وأبوا مِجْلَز1 وأبو صالح. يقولون: فجزاؤه جهنم إن جازاه. وقد روى لنا مرفوعاً إلا أنه لا يثبت رفعه2. والمعنى: يستحق الخلود غير أنه لا يقطع له به.
وفي هذا الوجه بعد لقوله: {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} . فأخبر بوقوع عذابه كذلك، وقال أبو عبيد: وإن كانت التي في الفرقان الأولى فقد استغنى بما فيها عن إعادته في سورة النساء فلا وجه للنسخ بحال3.
__________
1 أما أبو مجلز، فهو: لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري أبو مِجْلَز بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي، مشهور بكنيته ثقة من كبار الثالثة، مات سنة ست أو سبع ومائة وقيل غير ذلك. انظر: التقريب (372).
2 ذكر نحو هذا المعنى السيوطي في الدر المنثور2/197، وعزاه إلى ابن أبي حاتم والطبراني وأبي القاسم بن بشران عن أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: "هو جزاؤه إن جازاه". ونسب النحاس هذا القول إلى مشاجع ثم رده بقوله: "ولم يقل بذلك أحد، وهو خطأ في العربية". انظر: الناسخ والمنسوخ (112).
3 قلت: ناقش المؤلف قضية النسخ في هذه الآية، في كتابيه، التفسير2/168، ومختصر عمدة الراسخ ورقة (5) بشبه ما ناقش به هنا بالاختصار، لكنه لم يقم بترجيح رأي دون رأي آخر.
وأما أبو جعفر النحاس فقد اختار إحكام الآية في ناسخه ص: 110-112.
يقول الشوكاني في فتح القدير1/461 بعد أن أورد الآثار الواردة عن سعيد بن جبير وزيد بن ثابت بعدم النسخ: (ومن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، وأبو سلمة، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم عنهم، وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة، واستدلوا بمثل قوله تعالى {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} وقوله: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} وقوله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
قالوا أيضاً: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل الموجب والتوعد بالعقاب" ثم سرد الشوكاني أدلة الجمهور.

(2/392)


ذكر الآية السادسة والعشرين: قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الاّسْفَلِ} 1.
زعم بعض من قل فهمه إنها نسخت بالاستثناء بعد ها، وهو قوله: {إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا} 2 وقد بيّنا في مواضع أن الاستثناء ليس بنسخ3.
__________
1 الآية (145) من سورة النساء.
2 الآية (146) من السورة نفسها.
3 قلت: لم يتعرض المؤلف للنسخ هنا في تفسيره ومختصر عمدة الراسخ، كما لم يتعرض له أصحاب أمهات كتب النسخ، إلا أن هبة الله قال في هذه الآية: "ثم استثنى بآية {إِلاّ الَّذِينَ تَابُوا} ولم يذكر النسخ". انظر: الناسخ والمنسوخ له (40).

(2/393)


باب ذكر الآيات اللواتي
قد زعم (قوم)1 أنه ليس في المائدة منسوخ، فأخبرنا محمد بن أبي منصور، قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال بنا محمّد بن بشار، قال: بنا عبد الرحمن2، قال: بنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عامر بن شراحيل، قال: المائدة ليس فيها منسوخ3 قال ابن بشار: وبنا ابن أبي عدي، قال: بنا ابن عون، قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا4. وقد ذهب الأكثرون إلى أن في المائدة منسوخاً ونحن نذكر ذلك.
__________
1 في (هـ): قال، بدل قوم، وهو تحريف.
2 في (هـ): (ما) زيادة ولعلها من الناسخ.
3 ذكره النحاس في ناسخه ص: 114 عن عامر بن شرحبيل (الشعبي) وذكره السيوطي في الدر المنثور2/252، وعزاه إلى أبي داود في ناسخه عن الشعبي.
4 ذكره السيوطي في المصدر نفسه وعزاه إلى عبد بن حميد وأبي داود وابن المنذر من طريق ابن عون عن الحسن.

(2/395)


ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} الآية1.
اختلف المفسرون في هذه الآية، هل هي محكمة أم منسوخة؟ على قولين:
أحدهما: أنها محكمة ولا يجوز استحلال الشعائر ولا الهدى قبل أوان ذبحه2.
ثم اختلفوا في القلائد فقال بعضهم: يحرم رفع (القلادة)3 عن الهدي حتى (ينحر)4.
وقال آخرون منهم: كانت الجاهلية تقلد من شجر الحرم فقيل لهم لا تستحلوا أخذ القلائد من الحرم ولا تصدوا القاصدين إلى البيت5.
والقول الثاني: أنها منسوخة، ثم في المنسوخ منها ثلاثة أقوال:
أحدهما: قوله: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} فإن هذا اقتضى جواز إقرار المشركين على قصدهم البيت، وإظهارهم شعائر الحج ثم نسخ هذا بقوله: {فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} 6 وبقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 7 وهذا المعنى مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
__________
1 الآية الثالثة من سورة المائدة.
2 ذكر المؤلف في زاد المسير 2/277 هذه الرأي عن الحسن وأبي ميسرة في آخرين.
3 في (هـ): القلائد.
4 مصحفة في (هـ).
5 ذكر المؤلّف هذه الآراء بنصّها في زاد المسير2/277 ولم ينسبها إلى أحد.
6 الآية (28) من سورة التوبة.
7 الآية الخامسة من سورة التوبة.

(2/396)


أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا عمر بن بشران، قال: أبنا إسحاق ابن (أحمد)1، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال. بنا عبد الوهاب، عن سعيد عن قتادة، قال: نسخ منها: {آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} نسخها قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
وقال: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} 3.
وقال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} 4.
والثاني: أن المنسوخ منها تحريم الشهر الحرام، وتحريم الآمين للبيت إذا كانوا مشركين، وهدي المشركين، إذا لم يكن لهم من المسلمين أمان، قاله أبو سليمان الدمشقي5.
والثالث: أن جميعها منسوخ.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال. أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح،
__________
1 في (هـ): بشر، بدل أحمد. ولعله تحريف من الناسخ.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
3 الآية (17) من سورة التوبة.
4 الآية (28) من سورة التوبة.
5 أخرجه الطبري عن قتادة في جامع البيان6/40، وذكره المؤلّف2/278، عن ابن عباس وقتادة.

(2/397)


قال: بنا معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} 1 قال: "كان المشركون يحجون البيت الحرام، ويهدون الهدايا ويحرمون (حرمة)2 المشاعر، وينحرون في حجهم، فأنزل الله عزوجل {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} أي لا تستحلوا قتالاً فيه، {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} يقول: من توجه قبل البيت. ثم أنزل الله، فقال: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} " 3.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد قال: بنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: بنا يزيد، قال: أبنا سفيان بن حسين عن الحكم عن مجاهد، قال: نسخت هذه الآية {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} نسختها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 4.
قال أحمد: وبنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر عن قتادة، {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ} قال: هي منسوخة، كان
__________
1 الآية الثالثة من سورة المائدة.
2 في (هـ): حرمت، بالتاء المفتوحة، وهو خطأ إملائي.
3 الآية الخامسة من التوبة.
والأثر أخرجه الطبري عن مجاهد والضحاك في جامع البيان 6/40، وعزاه المؤلف في زاد المسير2/278 إلى الشعبي. وأخرج النحاس نحوه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه ثم أنزل الله بعد ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}.
4 ذكره مكي بن أبي طالب في ناسخه ص: 218 عن مجاهد، وذكره السيوطي في الدر المنثور2/254، وعزاه إلى ابن المنذر عن مجاهد.

(2/398)


الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من (السَّمْر)1 فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذٍ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت الحرام، فنسخها {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا بن غيلان، قال: أبنا أبو بكر الشافعي، قال: أبنا إسحاق بن الحسن، قال: أبنا أبو حذيفة النهدي، قال: بنا سفيان الثوري عن بيان عن الشعبي، قال: لم ينسخ من المائدة غير آية واحدة {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} (نسختها)3 {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 4 .
وفصل الخطاب في هذا أنه لا يمكن القول بنسخ جميع الآية فإن شعائر الله أعلام متعبداته5. ولا يجوز القول بنسخ هذا (إلا أن يعني)6
__________
1 في (هـ): السَّمُو. وهو تحريف. والسمر بفتح السين وضم الميم، من الشجر صغار الورق قصار الشوك، وله برمة صفراء يأكلها الناس. وليس في العناة شيء أجود خشباً منه، ينقل إلى القرى فتغمي به البيوت، وقوله: تقلد من السَّمُر، يريد قشره. انظر: تاج العروس المجلد الثالث 278 في مادة (سمر).
2 أخرجه الطبري في جامع البيان 6/40 والنحاس في ناسخه (115) عن قتادة وذكره مكي به أبي طالب في ناسخه ص: 219 عنه، كما ذكره السيوطي في المصدر السابق معزياً إلى عبد الرزاق وابن أبي حميد عن قتادة أيضاً.
3 في (هـ): ونسختها ولعل الواو زيادة من الناسخ.
4 ذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 220 عن الشعبي.
5 اختار النحاس هذا الاتجاه، وذكر ذلك عن عطاء، وقال مكي به أبي طالب – وهو يناقش هذه الآية -: (وأكثر العلماء على أن قوله: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} محكم غير منسوخ، ومعناه: لا تستحلوا حدوده ومعالمه وحرماته، وهذا لا يجوز. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس (116) والإيضاح في الصفحة السابقة.
6 في (هـ): لأن يعني، وهو خطأ.

(2/399)


به: لا تستحلوا نقض ما شرع فيه المشركون من ذلك، فعلى هذا يكون منسوخاً. وكذلك الهدى والقلائد، وكذلك الآمون للبيت فإنه لا يجوز صدهم إلا أن يكونوا مشركين، وأما الشهر الحرام فمنسوخ الحكم على ما بينا في قوله: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} 1.
فأمّا قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} 2 فلا وجه لنسخه.
وأمّا قوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} فمنسوخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3 وباقي الآية محكم (بلا)4 شك.
__________
1 الآية (217) من سورة البقرة.
2 جزء من الآية الثانية من سورة المائدة.
3 الآية الخامسة من التوبة.
قلت: دعوى النسخ في هذا الجزء من الآية مروية عن ابن زيد، وذهب مجاهد إلى إحكامها مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم "لعن الله من قتل بذحل في الجاهلية" فهي مخصوصة نزلت في مطالبة المسلمين المشركين بذحول الجاهلية، لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، أن تطالبوهم فما مضى في الجاهلية من قتل أو غيره فما هم عليه من الكفر أعظم من ذلك، وهذا هو القول المختار عند النحاس، ومكي بن أبي طالب، وقال مكي عن بقية الآية: "وأكثر الناس على أن المائدة نزلت بعد براءة، فلا يجوز أن ينسخ ما في براءة ما في المائدة". انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 116؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 221.
قلت: ناقش موضوع النسخ المؤلّف في زاد المسير، وبيّن اختلاف المفسرين ولكنه لم يبد رأيه فيه، وقد رأيناه هنا ينصّ على نسخ جزئين من الآية. وأما في مختصر عمدة الراسخ ورقة (5) فيقول بعد ذكر آراء العلماء: "هكذا أطلق القول جماعة، وليس بصحيح فإن قوله: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} وقوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} إلى آخرها، لا وجه فيهما للنسخ".
4 في (م): بلى، وهو خطأ.

(2/400)


ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} 1.
اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنها اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب على الإطلاق، وإن علمنا أنهم قد أهلوا عليها بغير اسم الله، أو أشركوا معه غيره. وهذا مروي عن الشعبي، وربيعة، والقاسم بن مخيمرة2 في آخرين، وهؤلاء زعموا أنها ناسخة لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 3.
قال أبو بكر: وبنا حرمي بن يونس4 قال: أبنا أبي، يونس بن محمّد، قال: بنا حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن، قال: قيل له: إنهم يذكرون المسيح على ذبائحهم، قال: قد علم الله ما هم قائلون، وقد أحل ذبائحهم.
قال أبو بكر: وبنا زياد بن أيوب، قال: بنا مروان، قال بنا أيوب ابن يحيى الكندي، قال: سألت الشعبي عن نصارى نجران فقلت: منهم من يذكروا الله ومنهم من يذكر المسيح. قال: كل، وأطعمني.
__________
1 الآية الخامسة من سورة المائدة.
2 القاسم بن مخيمرة بالمعجمة مصغراً وهو أبو عروة الهمداني الكوفي نزيل الشام ثقة فاضل من الثالثة، مات سنة (100هـ) انظر: التقريب (280).
3 الآية (121) من سورة الأنعام.
4 في (هـ): جرمي، وهي غير واضحة في (م) أيضاً، والصواب ما أثبت عن ترجمته.
وهو إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي نزيل طرسوس المعروف بحرمي بلفظ النسب بمهملتين صدوق من الحادية عشرة. انظر: التقريب (24).

(2/401)


قال أبو بكر: وبنا إسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قال: بنا يحيى عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: كلوا وإن ذبح للشيطان.
قال أبو بكر: وبنا محمود بن خالد، قال: بنا الوليد، قال: أبنا ابن جابر، قال: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: "لا بأس بأكل ما ذبحت النصارى لأعياد كنائسها، ولو سمعته يقوله: على اسم جرجيس وبولس"1.
أخبرنا المبارك بن علي قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا يعقوب بن سفيان، قال: بنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 2 ما ذبح اليهود والنصارى أحل لكم ذبائحهم على كل حال3.
قال أبو بكر: وبنا محمد بن بشار، قال: بنا يحيى، قال: بنا عبد الملك، عن عطاء، قال: إذا ذبح النصراني باسم المسيح فكل4.
__________
1 ذكره النحاس عن القاسم بن مخيمرة قي الناسخ والمنسوخ ص: (117).
2 جزء من الآية الثالثة من سورة المائدة.
3 أخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} فإنه أحل لنا طعامهم ونساءهم.
ويذكر النحاس عن ابن عباس جواز نكاح المحصنات من نصارى تغلب وأكل ذبائحهم، كما يذكر ذلك عنه مكي لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "سنوا بهم بسنة أهل الكتاب". انظر: جامع البيان6/66؛ والناسخ والمنسوخ ص: 117؛ والإيضاح ص: 226.
4 ذكره النحاس عن عطاء في المصدر السابق.

(2/402)


قال أبو بكر: وبنا عبد الله بن سعيد، قال: بنا ابن أبي غنية، قال: بنا أبي، عن الحكم، قال: لو ذبح النصراني وسمعته يقول: "باسمك اللهم المسيح لأكلت منه، لأن الله قد أحل لنا ذبائحهم، وهو يعلم أنهم يقولون ذلك".
والقول الثاني: أن ذلك كان مباحاً في أول الأمر، ثم نسخ بقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه} 1
والقول الثالث : أنه إنما أبيحت ذبيحة أهل الكتاب، لأن الأصل أنهم يذكرون اسم الله عليها (فمتى علم)2 أنهم قد ذكروا غير اسمه لم يؤكل. وهذا هو الصحيح عندي3.
وممن قال: إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وطاؤس والحسن4، وعن عبادة
__________
1 الآية (121) من سورة الأنعام.
وقد ذكر هذا القول المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (5) ولم ينسبه إلى أحد، ولم يتعرض لقول النسخ في تفسيره.
2 في (هـ): فمتى علمتم.
3 قال الإمام الشافعي رحمه الله في الأم2/196: "أحل الله طعام أهل الكتاب، وكان طعامهم عند بعض من حفظت عنه من أهل التفسير ذبائحهم، وكانت الآثار تدل على إحلال ذبائحهم، فإن كانت ذبائحهم يسمونها الله تعالى فهو حلال، وإن كان لهم ذبح آخر يسمون عليه غير اسم الله تعالى، مثل اسم المسيح، أو يذبحونه باسم دون الله تعالى لم يحل هذا من ذبائحهم".
4 ذكر النحاس هذا القول عن هؤلاء، ثم قال عن مالك أنه قال أكره ذلك. ولا أرى تحريمه. انظر: الناسخ والمنسوخ (117).

(2/403)


ابن الصامت، وأبي الدرداء1 (كهذا القول)2. وكالقول الأول، فعلى هذا القول الآية محكمة، ولا وجه للنسخ3.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} 4 .
اختلف العلماء فيها على قولين:
أحدهما: أن في (الكلام)5 إضماراً تقديره: إذا قمتم إلى الصلاة محدثين. وهذا قول سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى، وابن عباس، والفقهاء6.
__________
1 أبو الدرداء، هو: عويمير بن زيد بن قيس الأنصاري، مختلف في اسم أبيه، وقيل اسمه: عامر، وعويمير لقبه، صحابي جليل أول مشاهده أحد، وكان عابداً، مات في آخر خلافة عثمان. انظر: التقريب (267).
وقد ذكر الطبري القول الأول عن أبي الدرداء في جامع البيان 6/66، وذكره النحاس وابن العربي ومكي بن أبي طالب عنه وعن عبادة بن الصامت. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 117، و 145؛ وأحكام القرآن 2/555؛ والإيضاح ص: 224-226.
2 في (هـ): هكذا القول، وهو تحريف من الناسخ.
3 قلت: تجد معالجة هذه القضية بالاختصار في زاد المسير 2/292؛ ومختصر عمدة الراسخ الورقة الخامسة، وسيأتي ذكرها مرة أخرى في سورة الأنعام، حيث ادعي هناك أن هذه الآية ناسخة لآية الأنعام رقم (121) وقد أنكر المؤلف ذلك كما أنكره الطبري والمكي وغيرهم، وقال المكي: "إن الأنعام مخصوص حكمها فيما ذبح للأصنام من ذبائح أهل الكتاب، وآية المائدة في إباحة أكل ذبائح أهل الكتاب، فالآيتان على هذا في حكمين مختلفين محكمين لا نسخ في واحد منهما" انظر: جامع البيان8/13؛ والإيضاح في المصدر السابق.
4 الآية السادسة من سورة المائدة.
5 في (هـ): لكال، وهو تحريف.
6 ذكر هذا الرأي مكي بن أبي طالب عن زيد بن أسلم وجماعة من الفقهاء في الإيضاح ص: 228.

(2/404)


والثاني: أنه على إطلاقه، وأنه يوجب على كل من أراد الصلاة أن يتوضأ سواء كان محدثاً أو غير محدث. وهذا مروي عن جماعة منهم: علي، وعكرمة، وابن سيرين1.
ثم اختلفوا: هل هذا الحكم باقٍ أم نسخ؟
فذهب أكثرهم إلى أنه باقٍ.
وقال بعضهم: بل هو منسوخ بالسنة وهو حديث بريدة2: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح بوضوء واحد" فقال له عمر: صنعت شيئاً لم تكن تصنعه. فقال: عمداً فعلته يا عمر"3 .
وهذا قول بعيد لما سبق بيانه من أن أخبار الآحاد لا تجوز أن تنسخ القرآن4 وإنما يحمل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا على تبيين معنى الآية، وأن المراد: إذا قمتم وأنتم محدثون. وإنما كان يتوضأ لكل صلاة لطلب الفضيلة.
__________
1 في (هـ): شيرين. وهو تصحيف. وقد روى الطبري القول المذكور عن علي رضي الله عنه من طريق عكرمة وعن ابن سيرين من طريق ابن عون، في جامع البيان6/72.
2 أما بريدة، فهو: ابن الخصيب بمهملتين مصغراً، أبو سهل الأسلمي صحابي أسلم قبل بدر، مات سنة 63هـ. انظر: التقريب ص: 43.
3 رواه مسلم وأصحاب السنن عن بريدة في كتاب الطهارة، وقد جاء في البخاري عن سويد بن النعمان، قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا السويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب فتمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ. انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي2/232؛ وصحيح البخاري بالفتح1/323-324 من كتاب الوضوء.
4 انظر في مقدمة المؤلف (باب ذكر ما اختلف فيه).

(2/405)


وقد حكى أبو جعفر النحاس عن الشافعي أنه قال: لو وكلنا إلى الآية لكان على كل قائم إلى الصلاة الطهارة، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (الصلوات)1 بطهور واحد، بينها فيكون المعنى: إذا قمتم وقد أحدثتم فاغسلوا2.
وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون ذلك قد نسخ بوحي لم تستقر تلاوته. فإنه قد روى أبو جعفر ابن جرير الطبري، بإسناده عن عبد الله بن حنظلة الغسيل3 رضي الله عنهما "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه، فرفع عنه الوضوء إلا من حدث"4.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} 5.
اختلف العلماء هل هذا منسوخ أم محكم؟ على قولين،:
__________
1 في (هـ): الصلاة.
2 تجد نصّ كلام النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: 120.
3 عبد الله بن حنظلة الغسيل ابن عامر الراهب الأنصاري الصحابي وأبوه غسيل الملائكة قتل يوم أحد، وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي، استشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة سنة 62هـ. وكان أمير الأنصار بها يومئذ. انظر: التقريب (131).
4 أخرجه الطبري في جامع البيان6/73 عن عبد الله بن حنظلة رضي الله عنهما، وذكره السيوطي في الدر المنثور2/262، وزاد نسبته إلى أحمد وأبي داود، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، والبيهقي، عن عبد الله بن حنظلة.
قلت: لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ هنا، ونقل إحكام الآية في زاد المسير2/299 عن علي وعكرمة وابن سيرين كما نقل دعوى النسخ عن جماعة، ولم يبد رأيه. وأما الطبري فقد فسر الآية بما يؤيد إحكامها، وهو اختيار مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 228.
5 الآية (13) من سورة المائدة.

(2/406)


أحدهما: أنه منسوخ، قاله الأكثرون، ولهم في ناسخه ثلاثة أقوال:
أحدهما: آية السيف.
أخبرنا ابن ناصر قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: بنا أبو بكر النجاد، قال: بنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: حدثت عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَاعْفُ عَنْهُمْ} 1 {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} 2 ونحو هذا من القرآن نسخ (كله)3 بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 4.
والثاني: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 5.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال بنا عبد الرزاق، قال: بنا معمر عن قتادة {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} قال: نسختها قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} 6.
__________
1 الآية (159) من سورة آل عمران، و(13) من سورة المائدة.
2 الآية (14) من سورة التغابن.
3 في (هـ): قوله، وهو تحريف.
4 الآية الخامسة من سورة التوبة.
وقد ذكر هذا القول بإسناده أبو جعفر الطبري في جامع البيان 6/101؛ كما ذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 232 عن ابن عباس رضي الله عنهما.
5 الآية (29) من سورة التوبة.
6 أخرجه الطبري في المصدر السابق عن قتادة.

(2/407)


والثالث: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً} 1.
والقول الثاني: أنه محكم، قال بعض المفسرين: نزلت في قوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد، فغدروا وأرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهره الله عليهم، ثم أنزل هذه الآية، ولم تنسخ2.
قال ابن جرير: يجوز أن يعفي عنهم في غدرة فعلوها مالم ينصبوا حرباً، ولم يمتنعوا من أداء الجزية، والإقرار بالصغار فلا يتوجه النسخ3.
__________
1 الآية (58) من سورة الأنفال.
ذكر هذا القول مكي ابن أبي طالب في الإيضاح 6/101 ولم ينسبه إلى أحد.
2 يقول مكي في المصدر نفسه: "فأما من قال: المائدة نزلت بعد براءة، فالآية عنده محكمة غير منسوخة، لكنها مخصوصة نزلت في قوم من اليهود، أرادوا الغدرة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فنجاه الله منهم، وأمره بالعفو عنهم ما داموا على الذمة. وهو الصواب إن شاء الله. لأن القصة من أول العشر إلى آخره وما بعده كله نزلت في أهل الكتاب والإخبار عن حالهم عهدهم وخيانتهم وغير ذلك".
3 ونصّ كلام ابن جرير: (قال أبو جعفر: والذي قال قتادة – وهو أن الآية منسوخة بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} - غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر هو ما كان نافياً كل معاني خلافه الذي كان قبله، فأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله عزوجل أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس في قوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود، وإذا كان ذلك كذلك وكان جائزاً بالصغار وأداء الجزية بعد القتال - الأمر بالعفو عنهم غدرة هموا بها أو نكثة غرموا عليها ما لم ينصبوا حرباً دون أداء الجزية ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم - لم يكن واجباً أن يحكم لقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} بأنه ناسخ قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} انتهى من جامع البيان 6/101.
قلت: أورد المؤلف رأى ابن جرير هذا في مختصر عمدة الراسخ الورقة (5) وفي زاد المسير2/314، ثم قال: (فلا يتوجه النسخ). وأما النحاس في ناسخه ص: 123، فقد أورد النسخ بإسناده عن قتادة كما أورد الإحكام على ضوء ما قاله الطبري، ثم قال: "وهذا لا يمتنع أن يكون أمر بالصفح عنهم بعد أن لحقتهم الذلة والصغار فصفح عنهم في شيء بعينه".

(2/408)


ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا} 1.
هذه الآية محكمة عند الفقهاء. واختلفوا هل هذه العقوبة على الترتيب أم على التخيير.
فمذهب أحمد بن حنبل في جماعة أنها على الترتيب، وأنهم إذا قتلوا وأخذوا المال، أو قتلوا ولم يأخذوا قتلوا وصلبوا وإن أخذوا المال ولم يقتلوا، قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن لم يأخذوا المال نفوا2.
وقال مالك: الإمام مخير في إقامة أي الحدود شاء سواء قتلوا أم لم يقتلوا، أخذوا المال أو لم يأخذوا3.
__________
1 الآية (33) من سورة المائدة.
2 أورد المؤلف هذا القول بنصه في زاد المسير2/345 عن الإمام أحمد، ويقول النحاس: "إن الذين قالوا بالترتيب اضطربوا في آرائهم... فذكر قول بن عباس: "إذا خرج وقتل، قتل. وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ونفى، وإن أخذ المال وقتل، قتل" وقال عن أحمد بن حنبل: "إن قتل قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله" انتهى من الناسخ والمنسوخ (127).
وجاء في المغني روايتان عن الإمام أحمد، فيمن قتل ولم يأخذ المال، أنه يقتل ويصلب، والرواية الثانية أنه يقتل فقط، وقال ابن قدامة والأولى أصح. لأن الخبر المروي فيهم قال فيه: "ومن قتل ولم يأخذ المال" ولم يذكر صلباً. انظر: المغني 10/309-310.
3 ذكر المؤلف هذا القول بنصه عن مالك في المصدر السابق، وأورده مكي ابن أبي طالب في الإيضاح ص: 233. كما أورده ابن العربي عن سعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وإبراهيم في أحكام القرآن 2/599، ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال، ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا هربوا طلبوا حتى يوجدوا فتقام عليهم الحدود، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً، نفوا من الأرض". انظر: أحكام القرآن للشافعي 1/314.

(2/409)


وقد ذهب بعض مفسري القرآن ممن لا فهم له، أن هذه الآية منسوخة بالاستثناء بعدها، وقد بينا فساد هذا القول في مواضع1.
ذكر الآية السادسة: قوله تعالى: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 2.
اختلفوا في هذه الآية على قولين:
أحدهما: أنها منسوخة وذلك أن أهل الكتاب كانوا إذا ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كان مخيراً (إن شاء حكم)3 بينهم وإن شاء أعرض عنهم ثم نسخ ذلك، بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 4 فلزمه الحكم (وزال)5 التخيير، روى هذا المعنى أبو سليمان الدمشقي بأسانيده عن
__________
1 قلت: لم يتعرض المؤلف في كتابيه التفسير ومختصر عمدة الراسخ لدعوى النسخ في هذه الآية كما لم يتعرض له أصحاب أمهات كتب النسخ. وإنما ذكر النحاس ومكي بن أبي طالب عن ابن سيرين أن هذه الآية ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، وقد ذكر النسخ بالاستثناء هبة الله ابن سلامة. انظر: الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 122؛ والإيضاح ص: 233؛ والناسخ لهبة الله ص: 41.
2 الآية (42) من سورة المائدة.
3 في (هـ): إنشا حكم، وهو خطأ من الناسخ.
4 الآية (49) من سورة المائدة.
5 في (هـ): وزول، وهو خطأ من الناسخ.

(2/410)


ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وعكرمة، والسدي، وقد روى أيضاً عن الزهري (وعمر بن عبد العزيز)1.
وقد أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا أبو طالب بن غيلان، قال: أبنا أبو بكر الشافعي، قال: بنا يحيى بن آدم عن الأشجعي، عن سفيان عن السدي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 2 قال: نسختها {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 3.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال بنا عمر بنا عبيد الله البقال، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي قال: بنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} قال: نسختها {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} 4.
__________
1 أما عمر بن عبد العزيز، فهو: ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، أمير المؤمنين أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ولي إمرة المدينة للوليد، وكان مع سليمان الوزير وولي الخلافة بعده فعد مع الخلفاء الراشدين، من الرابعة مات في رجب سنة إحدى ومائة وله أربعون سنة، ومدة خلافته سنتان ونصف. انظر: التقريب التهذيب ص: 255.
وقد ذكر عنه قوله هذا أبو جعفر، النحاس، في الناسخ والمنسوخ ص: 128 ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 325.
2 الآية (42) من سورة المائدة.
3 الآية (48) من السورة نفسها، وقد روي هذا القول عن ابن عباس رضي الله عنهما النحاس في ناسخه ص: 129 والحاكم 2/312، وصححه وفيه: آيتان نسختا من هذه السورة ثم ذكر آية القلائد، وهذه الآية.
4 ذكره السيوطي في الدر المنثور2/284، وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عهما.

(2/411)


قال أحمد: وبنا هشيم قال: بنا أصحابنا منهم: منصور وغيره عن الحكم عن مجاهد في قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قال: نسخت ما قبلها، قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 1.
قال أحمد: وبنا وكيع، قال: بنا سفيان عن السدي، عن عكرمة، قال: نسخ قوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ} قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} 2.
قال أحمد: وبنا حسين عن شيبان عن قتادة {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قال: أمر الله نبيه أن يحكم بينهم بعدما كان رخص له أن يعرض عنهم إن شاء، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها3.
وحكى أبو جعفر النحاس عن أبي حنيفة وأصحابه قالوا: إذا تحاكم أهل الكتاب إلى الإمام فليس له أن يعرض عنهم، غير أن أبا حنيفة قال: إذا جاءت المرأة والزوج فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، وإن جاءت المرأة وحدها ولم يرض الزوج لم يحكم. وقال أصحابه: بل يحكم. قال: وقال الشافعي: لا خيار للإمام إذا تحاكموا إليه قال النحاس: وقد ثبت أن قول أكثر العلماء أن الآية منسوخة4.
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان6/158، والنحاس في المصدر السابق عن مجاهد.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان6/158، عن السدي عن عكرمة كما ذكره النحاس في ناسخه ص: 129، ومكي بن أبي طالب في ناسخه 235 عنه.
3 أخرجه الطبري في جامع البيان6/159 عن قتادة كما ذكر عنه قول النسخ النحاس ومكي بن أبي طالب في المصدرين السابقين.
4 تجد كلام النحاس في كتابه الناسخ والمنسوخ (129)، كما تجد آراء الأحناف في الحكم بين أهل الكتاب مفصلة في أحكام القرآن 2/437 للجصاص، وقد أورد قول النسخ النحاس عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز والسدي، والشافعي في هذه الآية كما ذكر مكي بر أبي طالب في ناسخه (235) عن هؤلاء وعن قتادة، وعطاء الخراساني والكوفيين.

(2/412)


والقول الثاني: أنها محكمة وأن الإمام ونوابه في الحكم مخيرون وإذا ترافعوا إليهم إن شاؤوا حكموا بينهم وإن شاؤوا أعرضوا عنهم.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا هشيم، قال: أبنا مغيرة عن إبراهيم، والشعبي في قوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} ، قالا: إذا ارتفع أهل الكتاب إلى حاكم المسلمين فإن شاء أن يحكم بينهم، وإن شاء أن يعرض عنهم، وإن حكم، حكم بما في كتاب الله1.
قال أحمد: وبنا وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء، قال: إن شاء حكم، وإن شاء لم يحكم2.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنى المثنى بن أحمد، قال: بنا عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير {فَإِنْ جَاءُوكَ
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان6/158، والنحاس في ناسخه ص: 128-129 عن الشعبي، وذكره عنه مكي بن أبي طالب بدون إسناد في الإيضاح ص: 235.
2 أخرجه الطبري وذكره النحاس ومكي بن أبي طالب في المصادر السابقة عن عطاء ابن أبي رباح.

(2/413)


فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ} جعله الله في ذلك على (الخيرة)1 إما أن يحكم (و)2 إما أن يتركهم فلا يحكم بينهم3.
قال أبو بكر: وبنا عبد الله بن محمد بن خلاد، قال: بنا يزيد قال: بنا مبارك عن الحسن، قال: إذا ارتفع أهل الذمة إلى حاكم من حكام المسلمين، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء رفعهم إلى حكامهم، فإن حكم بينهم حكم بالعدل، وبما أنزل الله. وهذا مروي عن الزهري. وبه قال: أحمد بن حنبل وهو الصحيح. لأنه لا (تنافي)4 بين الآيتين من جهة أن أحدهما خيرت بين الحكم وتركه، والأخرى ثبتت كيفية الحكم إذا كان5.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إلاّ الْبَلاغُ} 6 .
__________
1 في (هـ): التخيير.
2 في (م): الفاء بدل الواو.
3 ذكره السيوطي في الدر المنثور2/285، من طريق عبد بن حميد عن سعيد بن جبير.
4 في (م): ينافي بالتحتانية.
5 قلت: ناقش المؤلف في مختصر عمدة الراسخ وتفسيره هذه القضية بنحو ما ناقش به هنا، ورجح الإحكام في تفسيره بعد عزوه إلى الحسن والشعبي والنخعي والزهري وأحمد بن حنبل، وهو اختيار أبي جعفر الطبري، ومكي بن أبي طالب. انظر: مختصر عمدة الراسخ الورقة الخامسة وزاد المسير2/361-362؛ وجامع البيان 6/159-160؛والإيضاح ص: 235.
6 الآية (99) من سورة المائدة.

(2/414)


اختلف المفسرون فيها على قولين:
أحدهما: أنها محكمة وأنها تدل على أن الواجب على الرسول التبليغ وليس عليه الهدي.
والثاني: أنها تتضمن الاقتصار على التبليغ دون الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف1 والأول أصح2.
ذكر الآية الثامنة: قوله تعالى: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} 3.
للعلماء فيها قولان:
أحدهما: أنها منسوخة: قال أرباب هذا القول هي تتضمن كف الأيدي عن قتال (الضالين)4 فنسخت. ولهم في ناسخها قولان:
أحدهما: آية السيف.
والثاني: أن آخرها نسخ أولها. قال أبو عبيد القاسم بن سلام ليس في القرآن آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير هذه وموضع المنسوخ منها إلى قوله: {لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ} والناسخ قوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} والهدى ها هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر5.
__________
1 ذكره ابن حزم في ناسخه (337) وابن سلامة في ناسخه ص: 42.
2 قلت: لم يعرض النحاس والمكي لدعوى النسخ هنا. وقد ذكره المؤلّف في زاد المسير2/432، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة (6) عن بعضهم. ورجّح فيه إحكام الآية.
3 الآية (105) من سورة المائدة.
4 في (م): بلا نقاط.
5 ذكر ذلك هبة الله في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: 42، كما ذكر نحوه ابن العرب في أحكام القرآن2/79 عن بعض العلماء.

(2/415)


قلت: وهذا الكلام إذا حقق لم يثبت.
والقول الثاني: أنها محكمة.
قال الزجاج: معناها: إنما ألزمكم الله أمر أنفسكم لا يؤاخذكم بذنوب غيركم. قال: وهذه الآية لا توجب ترك الأمر بالمعروف. لأن المؤمن إذا تركه وهو مستطيع له، فهو ضال وليس بمهتد1.
قلت: وهذا القول هو الصحيح وأنها محكمة. ويدل على إحكامها أربعة أشياء:
أحدها: أن قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يقتضي (إغراء)2 الإنسان بمصالح نفسه، ويتضمن الأخبار بأنه لا يعاقب بضلال غيره وليس مقتضى ذلك أن لا ينكر على غيره وإنما غاية الأمر أن يكون ذلك مسكوتاً عنه فيقف على الدليل.
والثاني: أن الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف. لأن قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} أمر بإصلاحها وأداء ما عليها، وقد ثبت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فصار من جملة ما على الإنسان في نفسه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وقد دل على ما قلنا قوله: {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وإنما يكون الإنسان مهتدياً إذا امتثل أمر الشرع، ومما أمر الشرع به الأمر بالمعروف.
وقد روى عن ابن مسعود والحسن وأبي العالية: أنهم قالوا في هذه الآية: قولوا ما قبل منكم فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم3.
__________
1 ذكر هذا القول المؤلف في زاد المسير2/106 عن الزجاج.
2 في (م): (اعر)، وهو خطأ إملائي.
3 أخرج الطبري في جامع البيان7/61 بإسناده عن الحسن قال: (إن هذه الآية قرئت على ابن مسعود رضي الله عنه ، فقال: ليس هذا بزماننا قولوا ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم، فعليكم أنفسكم). وقد ذكر مكي بن أبي طالب عن ابن مسعود أنها محكمة. انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 237.

(2/416)


أخبرنا ابن الحصين، قال: أبنا ابن المذهب، قال: أبنا أحمد بن جعفر، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال حدثني أبي، قال: بنا هاشم بن القاسم، قال: بنا زهير يعني: ابن معاوية، قال: بنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: بنا قيس قال: قام (أبو بكر)1 رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه، وقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} إلى آخر الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه أو شك الله عزوجل أن يعمهم بعقابه" 2.
والثالث: أن الآية قد حملها قوم على أهل الكتاب إذا أدوا الجزية فحينئذ لا يلزمون بغيرها. فروى أبو صالح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
__________
1 أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، هو: عبد الله بن أبي قحافة؛ عثمان بن عامر القرشي أوّل الخلفاء الراشدين، وأوّل من آمن من الرجال وأحد أعاظم العرب، ولد بمكة سنة (51) قبل الهجرة شهد الحروب، واحتمل الشدائد، وبذل الأموال، وبويع بالخلافة يوم وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة: 11هـ. توفي سنة: 13هـ. انظر: تاريخ الطبري4/46.
2 رواه الإمام أحمد في مسنده والطبري في تفسيره نحوه عن قيس بن أبي حازم. وقال الحافظ بن كثير في تفسيره: (وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق متعددة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلاً مرفوعاً، ومنهم من روى به موقوفاً على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني. انظر: جامع البيان7/64؛ وتفسير القرآن العظيم2/109.

(2/417)


كتب إلى حجر، وعليهم منذر بن (ساوي)1 يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فليؤدوا الجزية فلما أتاه الكتاب عرضه على من عنده من العرب، واليهود والنصارى والمجوس فأقروا بالجزية وكرهوا الإسلام فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما العرب فلا تقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية) فلما قرؤوا الكتاب أسلمت العرب (وأعطى)2 أهل الكتاب والمجوس الجزية. فقال المنافقون: عجباً لمحمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا، وقد قبل من مجوس هجر، وأهل الكتاب، الجزية، فهلا أكرههم على الإسلام وقد ردها على إخواننا من العرب. فشق ذلك على المسلمين فنزلت هذه الآية3.
والرابع: أنه (لما عابهم)4 في تقليد آبائهم بالآية المتقدمة أعلمهم بهذه الآية أن المكلف إنما يلزمه حكم نفسه وأنه لا يضره ضلال
__________
1 في (هـ): ساري، بالراء، وهو تصحيف والصواب منذر بن ساوي. وهو ابن عبد الله بن زيد التميمي الدارمي صحابي جليل كان عامل النبي صلى الله عليه وسلم على البحرين، وقيل هو من عبد القيس ذكره ابن قانع وجماعة، وجاء ذكر كتابة الرسول صلى الله عليه وسلم إليه في ترجمة نافع بن أبي سليمان، انظر: أسد الغابة4/417؛ وتجريد أسماء الصحابة2/95.
2 كلمة أعطى مكررة في (هـ).
3 رواه الواحدي في أسباب النزول ص: 142، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وفيه: (عجباً من محمد يزعم أن الله بعثه ليقاتل الناس كافة حتى يسلموا ولا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب فلا نراه إلا قبل من مشركي أهل هجر مارد على مشركي العرب، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يعني: من ضل من أهل الكتاب) انتهى. وعن مقاتل قال: إنه لما طعن المنافقون في قبول الرسول الجزية من مجوس هجر نزلت هذه الآية. ذكره المؤلف في زاد المسير2/441.
4 في (هـ): لها عالهم، وهو تحريف ظاهر.

(2/418)


من (ضل)1 إذا كان مهتدياً حتى يعلموا أنه لا يلزمهم من ضلال آبائهم شيء من الذم والعقاب2 وإذا تلمحت هذه المناسبة بين الآيتين لم يكن الأمر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ها هنا مدخل وهذا أحسن الوجوه في الآية3.
ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} 4.
الإشارة بهذا إلى الشاهدين الذين يشهدان على الموصي في السفر. والناس (في قوله)5: {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} قائلان:
أحدهما: من أهل دينكم وملتكم.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون وأبو طاهر الباقلاوي، قالا: أبنا ابن شاذان قال: أبنا أحمد بن كامل، قال: حدثني محمّد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، عن أبيه عن جده، عن ابن عباس رضي الله عنهما {ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي: من أهل
__________
1 في (هـ): (ضل) بالمهملة وهو تصحيف.
2 ذكر نحو هذا المعنى عن ابن زيد، بالإسناد، الطبري في تفسيره 7/64.
3 أورد المؤلف هذه القضية في مختصر عمدة الراسخ ورقة (6)، ورجّح الإحكام. وأما في تفسيره2/443 فسكت عن الترجيح. أما النحاس فلم يتعرض لها ألبتة. وحكى مكي بن أبي طالب عن الأكثرين أنها محكمة. انظر: الإيضاح ص: 237.
4 الآية (106) من سورة المائدة.
5 في (هـ): قواله: وهو خطأ من الناسخ.

(2/419)


الإسلام1. وهذا قوله ابن مسعود وشريح2 وسعيد بن المسيب، وسعيد ابن جبير، ومجاهد، وابن (سيرين)3 والشعبي، والنخعي، وقتادة، وأبو مخلد4 ويحيى بن يعمر5، والثوري وهو قول أصحابنا6.
والثاني: أن معنى قوله {مِنْكُمْ} أي: من عشيرتكم، وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً. قاله الحسن، وعكرمة والزهري والسدي وعن عبيدة كالقولين7، فأما قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} فقال ابن عباس ليست أو للتخير إنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم8 وفي قوله: من غيركم قولان:
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان7/66-67 عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق محمد بن سعد العوفي وهو إسناد ضعيف كما قدمنا في مناقشة آية (180) من سورة البقرة.
2 أمّا شريح، فهو: ابن الحارث بن قيس الكوفي النخعي أبو أمية مخضرم ثقة، وقيل: له صحبة مات قبل الثمانين أو بعدها وله مائة وثمان سنين أو أكثر.انظر: التقريب(145).
3 في (هـ): بالشين المعجمة وهو تصحيف.
4 يقول الحافظ في التهذيب12/227: أبو مخلد عن ابن عباس صوابه أبو مجلز وهو لاحق. تقدمت ترجمته ص (392).
5 أما يحيى بن يعمر - بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة ساكنة -، فهو: بصري نزيل مرو، وقاضيها ثقة فصيح، وكان يرسل، من الثالثة، مات قبل المائة وقيل بعدها. انظر: التقريب (380).
6 يقصد به علماء الحنابلة، وقد أخرج الطبري هذا القول عن سعيد بن المسيب وأبي عبيدة وابن زيد، ومجاهد، ويحيى بن يعمر في جامع البيان6/66-67.
7 ذكر المعنى الثاني: ابن العربي في أحكام القرآن2/722 عن الحسن وسعيد بن المسيب كما ذكره مكي بن أبي طالب في الإيضاح (38) عن الحسن وعكرمة.
8 قاله ابن العربي في المصدر السابق عن ابن المسيب، ويحيى بن يعمر، وأبو مجلز، وذكره المؤلف في زاد المسير2/446 عن ابن عباس وابن جبير.

(2/420)


أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول.
والثاني: من غير عشرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضاً. قاله أرباب القول الثاني والقائل بأن المراد شهادة المسلمَينِ من القبيلة أو من غير القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أهل الكتاب إذا (شهدوا على الوصية) في السفر فلهم فيها قولان:
أحدهما: أنها محكمة والعمل على هذا عندهم باق. وهو قول ابن عباس وابن المسيب وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة والشعبي والثوري وأحمد بن حنبل1.
والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} 2 وهو قول زيد بن أسلم3 وإليه يميل أبو حنيفة ومالك والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدول4.والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة فجاز
__________
1 ذكر هذا القول مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 238، عن ابن عباس، وعائشة وأبي موسى الأشعري والشعبي، وابن سيرين، ومحمد، وابن جبير، وابن المسيب، وشريح، والنخعي، والأوزاعي كلهم قالوا: هم أهل الكتاب شهادتهم على الوصية خاصة في السفر جائزة عند فقد المسلمين للضرورة.
2 الآية الثانية من الطلاق.
3 زيد بن أسلم العدوي مولى عمر أبو عبد الله أو أبو أسامة المدني ثقة عالم وكان يرسل من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومائة. انظر: التقريب ص: 112.
4 ذكر ذلك مكي بن أبي طالب عن زيد بن أسلم، ومالك والشافعي وأبي حنيفة، ثم قال: "وأضاف بعض الناس قول الإحكام إلى مالك والشافعي". انظر: الإيضاح ص: 241.

(2/421)


كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض، والنفاس، والاستهل.

(2/422)