نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري

باب: ذكر الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة الأنعام
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 1 .
زعم بعض ناقلي التفسير أنه كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يخاف عاقبة الذنوب، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} 2.
قلت: فالظاهر من هذه المعاصي أن المراد بها الشرك، لأنها جاءت في عقيب قوله: {وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3 فإذا قدرنا العفو عن ذنب - إذا كان - لم تقدر المسامحة في شرك - لو تصور - إلا أنه لما لم يجز في حقه، (بقي)4 ذكره على سبيل التهديد والتخويف من عاقبته كقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 5 فعلى هذا الآية محكمة، يؤكده أنها خبر، والأخبار (لا تنسخ)6.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} 7.
__________
1 الآية (15) من سورة الأنعام.
2 الآية الثانية من سورة الفتح.
3 الآية (14) من سورة الأنعام.
4 في (م): نفي، وهو تصحيف.
5 الآية (66) من سورة الزمر.
6 قلت: اختار المؤلّف إحكام هذه الآية في مختصر عمدة الراسخ ورقة (6). وفي زاد المسير3/12، وأعرض عن ذكرها النحاس ومكي بن أبي طالب ضمن الآيات المدعى عليها النسخ.
7 الآية (66) من سورة الأنعام.

(2/423)


للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أنه اقتضى الاقتصار في حقهم على الإنذار من غير زيادة ثم نسخ بآية السيف وهذا المعنى في رواية الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما1.
والثاني: أن معناه لست حفيظاً عليكم إنما أطلبكم بالظواهر من الإقرار والعمل، لا بالأسرار. فعلى هذا هو محكم، وهذا هو الصحيح. يؤكد أنه خبر والأخبار لا تنسخ. وهذا اختيار جماعة منهم أبو جعفر النحاس 2.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} 3 .
المراد بهذا الخوض: الخوض بالتكذيب، ويشبه أن يكون الإعراض المذكور ههنا منسوخاً بآية السيف4.
__________
1 ذكره مكي بن أبي طالب عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم قال: "والرواية عن ابن عباس بذلك ضعيفة". انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 242.
2 انظر كلام النحاس في كتابه (الناسخ والمنسوخ ص: 136-137، وهو اختيار مكي بن أبي طالب في المصدر السابق، حيث قال: "لا يحسن نسخ هذا، لأنه خبر والمعنى الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس حفيظاً على من أرسل إليه بحفظ أعماله إنما هو داع ومنذر ومبلغ -ومثله في الاختلاف {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} كله محكم غير منسوخ" وللمؤلف كلام شبيه لما ذكره هنا في تفسيره 3/61، وفي مختصر عمدة الراسخ الورقة السادسة.
3 الآية (68) من سورة الأنعام.
4 قلت: لم يتعرض لدعوى النسخ في هذه الآية المؤلف في تفسيره ولا في مختصر عمدة الراسخ، كما لم تتعرض له أمهات كتب النسخ المعتبرة، ولا كتب التفسير كجامع البيان وتفسير القرآن العظيم.

(2/424)


ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 1 أي: من كفر الخائفين وإثمهم، وقد زعم قوم منهم سعيد بن جبير: أن هذه الآية منسوخة بقوله: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: بنا إسحاق بن يوسف، عن سفيان، عن السدي، عن سعيد بن جبير، وأبي مالك في قوله: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} قالا: نسخها: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا} 3 الآية.
قلت: ولو قال: هؤلاء: إنها منسوخة بآية السيف كان أصلح4 وكان (معناها)5 عندهم إباحة مجالستهم وترك الاعتراض عليهم، والصحيح أنها محكمة لأنها خبر وقد بينا أن المعنى: ما عليكم شيء من آثامهم إنما يلزمكم إنذارهم6.
__________
1 الآية (69) من سورة الأنعام.
2 الآية (140) من سورة النساء.
3 أخرجه الطبري في جامع البيان7/149 عن السدي وابن جريج، وأخرجه النحاس في ناسخه (137) بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره مكي بن أبي طالب عنه بدون إسناد في الإيضاح (243).
4 قلت: ليس هذا اعترافاً منه إنما ذكره على طريق الإلزام بدليل قوله فيما بعد: "والصحيح أنها محكمة".
5 في (هـ): معناه بالتذكير.
6 قلت: أعرض المؤلف عن ذكر هذه الآية في مختصر عمدة الراسخ، وأورد دعوى النسخ في تفسيره 3/63 ثم علق على ذلك بقوله: "والصحيح أنها محكمة. لأنها دلت على أن كل عبد يختص بحساب نفسه، ولا يلزمه حساب غيره" وهكذا فند الطبري والنحاس ومكي بن أبي طالب دعوى النسخ هنا وأثبت الإحكام لكونها خبر. انظر: المصادر الثلاثة السابقة.

(2/425)


ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} 1.
للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أنه اقتضى المسامحة لهم والإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف، وهذا مذهب قتادة والسدي.
أخبرنا بن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا أبو علي ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا عبد الله بن رجاء عن همام عن قتادة {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً} ثم أنزل الله في براءة، وأمرهم بقتالهم2.
والثاني: أنه خرج مخرج التهديد: كقوله تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} 3، فعلى هذا هو محكم، وهذا مذهب مجاهد4 وهو الصحيح5.
__________
1 الآية (70) من سورة الأنعام.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان7/150، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (137) عن قتادة.
3 الآية (11) من سورة المدثر.
4 أخرجه الطبري في المصدر السابق عن مجاهد.
5 قلت: عرض المؤلف قضية النسخ هنا، في زاد المسير6/62 بدون ترجيح. واختار في مختصر عمدة الراسخ ورقة (6) الإحكام، وهو اختيار النحاس في ناسخه ص: 137-138، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح (254).

(2/426)


ذكر الآية السادسة: قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} 1 فيه قولان:
أحدهما: أنه أمر له بالإعراض عنهم، ثم نسخ بآية السيف2.
والثاني: أنه تهديد، فهو محكم، وهذا أصح3.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} 4 فيه قولان:
أحدهما: أن هذه الآية تتضمن ترك قتال الكفار ثم نسخت بآية السيف5.
والثاني: أن المعنى لست رقيباً عليكم أحصي أعمالكم فهي على هذامحكمة6.
__________
1 الآية (91) من سورة الأنعام.
2 ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 337، وابن سلامة في ناسخه (46) وابن هلال في ناسخه المخطوط ورقة (25) ولم يستندوا - كعادتهم- إلى دليل.
3 أورد هذه القضية المؤلف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (6) مثل ما أوردها هنا توجيهاً واختياراً، وذكر قول النسخ في زاد المسير 3/84 بدون تعليق.
4 الآية (104) من سورة الأنعام.
5 ذكره ابن حزم وابن هلال في المصدرين السابقين.
6 قلت: فسر بذلك الطبري في جامع البيان7/104، والمؤلف في زاد المسير3/100، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة(6) وهو اختيار مكي بن أبي طالب في الإيضاح (242).

(2/427)


ذكر الآية الثامنة: قوله تعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} 1.
روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذا (ونحوه)2 مما أمر الله المؤمنين بالعفو عن المشركين فإنه نسخ بقوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 3.
ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ} 4.
قال ابن عباس رضي الله عنهما نسخ بآية السيف، وعلى ما ذكرنا في نظائرها تكون محكمة5.
__________
1 الآية (106) من سورة الأنعام.
2 في (هـ): ونحوهما، وهو تحريف.
3 الآية الخامسة من التوبة.
قلت: سكت المؤلف عن الترجيح في كتابيه التفسير ومختصر عمدة الراسخ، كما فعل هنا، وأعرض عن ذكرها النحاس. وأما مكي بن أبي طالب فيقول بعد عزو دعوى النسخ إلى ابن عباس بدون إسناد: "وأكثر الناس على أنها محكمة وأن المعنى لا ينبسط إلى المشركين، من قولهم: أوليته عرض وجهي، وهذا المعنى لا يجوز أن ينسخ. لأنه لو نسخ لصار المعنى: أبسط إليهم وخالطهم، وهذا لا يؤثر به ولا يجوز". انظر: الإيضاح ص: 247.
4 الآية (107) من سورة الأنعام. وفي النسختين: (وما أرسلناك) وهو خطأ من الناسخ.
5 يعني: ليست حفيظاً ورقيباً عليهم، إنما أنت مبلغ. انظر فيما سبق: الآية (104) من سورة الأنعام.
ويقول الطبري في تفسير مؤيّداً إحكام الآية: "لست عليهم بقيم تقوم بأرزاقهم وأقواتهم ولا بحفظهم فيما يجعل إليك حفظه من أمرهم". انظر: جامع البيان7/27.

(2/428)


ذكر الآية العاشرة: قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} 1.
قال المفسرون: هذه نسخت بتنبيه الخطاب في آية السيف. لأنها تضمنت الأمر بقتلهم، والقتل أشنع من السب2 ولا أرى هذه الآية منسوخة، بل يكره للإنسان أن يتعرض بما يوجب ذكر معبوده بسوء أو بنبيه صلى الله عليه وسلم3.
ذكر الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} 4 إن قلنا إن هذا تهديد كما سبق في الآية السادسة فهو محكم، وإن قلنا إنه أمر بترك قتالهم فهو منسوخ بآية السيف5.
__________
1 الآية (108) من سورة الأنعام.
2 ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 337؛ وهبة الله في ناسخه ص: 45-46.
3 قلت: دعوى النسخ هنا لم يتعرض له المؤلف في كتابيه التفسير والمختصر، كما لم يتعرض له النحاس والمكي لما فيه من ضعف لعدم الدليل، ولأن وجوب القتال لا يتنافى مع حكم هذه الآية والله أعلم.
4 الآية (112) من سورة الأنعام.
5 قلت: يظهر من تشبيه المؤلف للآية السادسة أن المشبه والمشبه به متفقان في الحكم وقد سبق في الآية السادسة ترجيح إحكام الآية.

(2/429)


ذكر الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} 1 . قد روي عن جماعة منهم الحسن، وعكرمة، أنهم قالوا: نسخت بقوله: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} 2 وهذا (غلط)3؛ لأنهم إن (أرادوا)4 النسخ حقيقة وليس هذا بنسخ، وإن أرادوا التخصيص (وأنه خص)5 بآية المائدة طعام أهل الكتاب فليس بصحيح. لأن أهل الكتاب يذكرون الله على الذبيحة فيحمل أمرهم على ذلك فإن تيقنا أنهم تركوا ذكره جاز أن يكون عن نسيان، والنسيان لا يمنع الحل، فإن تركوا لا عن نسيان، لم يجز الأكل فلا وجه للنسخ أصلاً.
ومن قال من المفسرين إن المراد بها لم يذكر اسم الله عليه البتة6 فقد خص عاماً، والقول بالعموم أصح وعلى قول الشافعي هذه الآية محكمة. لأنه إما أن يراد بها عنده الميتة أو يكون نهي كراهة7.
__________
1 الآية (121) من سورة الأنعام.
2 الآية الخامسة من المائدة. ذكر النسخ الطبري بإسناده في جامع البيان8/106-107 عن عكرمة والحسن من طريق الحسين بن واقد - وفيه مقال - وقد جاء فيه نسخ ثم استثنى.
3 في (هـ) بالظاء المعجمة وهو خطأ من الناسخ.
4 في (هـ): أراد بالإفراد وهو خطأ من الناسخ.
5 في (هـ): وإن خص، ولعل هاء الضمير سقط من الناسخ.
6 روى ذلك ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس كما ذكره السيوطي في الدر المنثور3/42.
7 قلت: للمؤلف كلام شبيه بهذا في كتابيه التفسير والمختصر، وممن اختار إحكام الآية الطبري في المصدر السابق والنحاس ص: 114، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح (248).

(2/430)


ذكر الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} 1 للمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أن المراد بها ترك قتال الكفار، فهي منسوخة بآية السيف2.
والثاني: أن المراد بها التهديد فعلى هذا هي محكمة وهذا هو الأصحّ3.
ذكر الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} 4 فيه قولان:
أحدهما: أنه اقتضى ترك قتال المشركين، فهو منسوخ بآية السيف. والثاني: أنه تهديد ووعيد فهو محكم5.
ذكر الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} 6.
__________
1 الآية (135) من سورة الأنعام.
2 ذكر دعوى النسخ هنا هبة الله في ناسخه ص: 46.
3 ذكر هذه المناقشة بنصّها المؤلف في مختصر عمدة الراسخ وأثبت فيه إحكام الآية في ورقة (7).
4 الآية (137) من سورة الأنعام.
5 سبق مثل هذه الآية وترجيح الإحكام فيها. انظر: مناقشة الآية السادسة من السورة، وقد رجّح النحاس الإحكام في أشباه هذه الآية في الناسخ والمنسوخ ص: 137-138.
6 الآية (141) من سورة الأنعام.

(2/431)


اختلف العلماء في المراد بهذا الحق على قولين:
أحدهما: أنه الزكاة.
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز1. قال: بنا أبو محمد الجوهري، قال: أبنا محمد المظفر، قال: أبنا علي بن إسماعيل بن حماد، قال: بنا أبو حفص عمرو بن علي، قال: بنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: بنا (يزيد بن درهم)2 قال: سمعت أنس بن مالك، يقول: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "الزكاة المفروضة"3.
قال أبو حفص: وبنا معلي بن أسد قال بنا عبد الواحد بن زياد، قال: بنا الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "العشر ونصف العشر"4.
قال أبو حفص: وبنا عبد الرحمن، قال: بنا إبراهيم بن نافع، عن ابن طاؤس عن أبيه، {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "الزكاة"5.
__________
1 أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد من مشايخ المؤلف ولد سنة 448هـ، عرف بقاضي مارستان، كان فقيهاً حنبلياً محدثاً ثقة متقناً في علوم كثيرة سمع منه ابن الجوزي، توفي سنة 535هـ. انظر: مشيخة ابن الجوزي ص: 61-65؛ والأعلام 7/54؛ والمقدمة ص: 39.
2 في (هـ): بريدان درهم، وهو تحريف عما أثبت.
3 ذكره النحاس بإسنادهما من طريق يزيد بن درهم عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، كما ذكره مكي بن أبي طالب عنه. انظر: جامع البيان8/29؛ والناسخ والمنسوخ ص: 128؛ والإيضاح ص: 245.
4 أخرجه الطبري والنحاس عن ابن عباس في المصدرين السابقين.
5 أخرجه الطبري في جامع البيان 8/40 عن طاؤس. وفي الطبعة الأولى من جامع البيان في هذه الرواية (عن ابن عباس عن أبيه) وهو خطأ والصواب عن ابن طاؤس عن أبيه.

(2/432)


قال أبو حفص: وبنا عبد الرحمن، قال: بنا أبو هلال، عن حيان الأعرج، عن جابر بن زيد {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "الزكاة"1.
قال أبو حفص: وبنا محمد بن جعفر، قال: بنا (شعبة)2 عن أبي رجاء، قال: سألت الحسن عن قوله: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "الزكاة"3. وهذا قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وابن الحنفية4، وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم في آخرين5. فعلى هذا الآية محكمة وينبغي على قول هؤلاء أن تكون هذه الآية مدنية لأن السورة مكية، والزكاة إنما أنزلت بالمدينة.
والثاني: أنه حق غير الزكاة أمر به يوم الحصاد، وهو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع، والتمر.
أخبرنا محمّد بن أبي طاهر قال: أبنا الجوهري، قال: أبنا الظفر، قال: أبنا علي بن إسماعيل، قال: أبنا أبو حفص، قال: أبنا يحيى بن سعيد، قال:
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان 8/40 عن جابر بن زيد، وذكره عنه النحاس في ناسخه ص: 138، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 245.
2 في (م): غير منقوطة.
3 أخرجه الطبري والنحاس، وذكره مكي بن أبي طالب عن الحسن في المصادر الثلاثة السابقة.
4 ابن الحنفية، وهو: محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو القاسم بن الحنفية المدني، ثقة عالم، من الثانية، مات بعد الثمانين. انظر: التقريب ص: 312.
5 أخرجه الطبري في جامع البيان8/29-41، عنهم ما عدا عطاء كما ذكره النحاس في ناسخه ص: 138-139، عنهم والسدي، وذكره أيضاً مكي بن أبي طالب عنهم في الإيضاح ص: 244- 245، ثم قال: وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي.

(2/433)


بنا عبد الملك عن عطاء {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "القبضة من الطعام"1.
وقال: يحيى بن سعيدعن سفيان عن منصور عن مجاهد، {وَآتُوا حَقَّهُ} قال: "شيء سوى الزكاة في الحصاد (والجذاذ)2 إذا حصدوا، و(إذا جذوا)"3.
وقال أبو حفص: وبنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن مجاهد، قال: "إذا حصدوا ألقى إليهم من السنبل، وإذا جذوا النخل ألقى لهم من (الشماريخ)4 فإذا كاله زكاه"5.
قار أبو حفص: وبنا معمر بن سليمان، قال: بنا عاصم عن أبي العالية {وَآتُوا حَقَّهُ} قال: "كانوا يعطون شيئاً سوى ]الزكا ة["6.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان8/39 عن عطاء.
2 في النسختين غير منقوطة.
3 في (م): جدر، وفي (هـ): وجدوا، كلاهما خطأ والصواب: جذوا، بالذال. يقال: جذذت الشيء جذاً، إذا قطعته، فاتجذ؛ أي: انقطع من باب قتل. انظر: المصباح المنير1/102.
4 الشماريخ: جمع شمراخ. ما يكون فيه الرطب. انظر: المصباح المنير1/345.
5 أخرج الطبري عن مجاهد في جامع البيان8/41-42.
6 هذه الكلمة ساقطة من النسختين، أضفتها حسبما جاء في الرواية السابقة عن مجاهد آنفاً.

(2/434)


حدثنا أبي، قال: بنا هشيم، قال: أبنا مغيرة عن شباك، عن إبراهيم، قال: "كانوا يعطون حتى نسختها، الصدقة العشر أو نصف العشر"1.
أخبرنا المبارك بن علي، قال أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا إبراهيم بن عمر، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال: أبنا أبو بكر بن أبي داود قال: أبنا عبد الله بن سعيد، قال: أبنا ابن إدريس عن أبيه عن عطية {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ، قال: "كانوا إذا حصدوا، (وإذا دبس وإذا غربل أعطوا) منه شيئاً، فنسخ ذلك العشر ونصف العشر2، قال: أبو بكر: وبنا محمد بن (بشار)3 قال: بنا يزيد، قال: أبنا عبد الملك عن عطاء {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} قال: "ليس بالزكاة، ولكنه إذا كيل قبض منه قبضات من شهد رضخ له منه"4.
واختلف العلماء: هل نسخ ذلك أم لا؟ (إن قلنا إنه أمر وجوب فهو منسوخ بالزكاة، وإن قلنا إنه أمر استحباب، فهو باقي الحكم5.
__________
1 أخرجه الطبري من طريق مغيرة عن شباك عن إبراهيم في جامع البيان8/43.
2 ذكره المؤلّف في مختصر عمدة الراسخ ورقة (7) عن عطية كما ذكره السيوطي في الدر المنثور8/43 معزياً إلى ابن أبي حاتم عن عطية العوفي.
3 في النسختين غير واضحة. والصواب ما أثبت عن كتب التراجم، وهو: محمد بن بشار بن عثمان العبدي، ثقة، من العاشرة مات سنة: 252هـ. التقريب (291).
4 وقد أخرج الطبري هذا القول8/41 عن عطاء من طريق عبد الملك.
5 قلت: نهج المؤلف في مختصر عمدة الراسخ وفي تفسيره نفس المنهج حيث سكت عن ترجيح رأي دون آخر، ولكن الطبري والنحاس رجحا نسخ الآية. وأما مكي بن أبي طالب فذهب إلى الإحكام حيث يقول: في نهاية مناقشة هذه القضية: "إنها محكمة نزلت في فرض الزكاة مجملة، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم ويعارض كونها في الزكاة قول أكثر الناس، أن الزكاة فرضت بالمدينة والأنعام مكية، فيصير فرض الزكاة نزل بمكة، والله أعلم بذلك". انظر: جامع البيان 8/44؛ والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 138؛ والإيضاح ص: 245-247.

(2/435)


ذكر الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} 1 الآية.
اختلف العلماء في حكم هذه الآية على قولين:
أحدهما: أن المعنى: لا أجد محرماً مما كنتم تستحلون في الجاهلية إلا هذا، قاله طاؤس ومجاهد2.
والثاني: أنها حصرت المحرم، فليس في الحيوانات محرم إلا ما ذكر فيها.
ثم اختلف أرباب هذا القول. فذهب بعضهم إلى أنها محكمة، وأن العمل على ما ذكر فيها، فكان ابن عباس لا يرى بلحوم الحمر الأهلية بأساً، ويقرأ هذه الآية ويقول: ليس شيء (حراماً)3 إلا ما حرمه الله في كتابه4. وهذا مذهب عائشة، والشعبي.
__________
1 الآية (145) من سورة الأنعام.
2 أخرجه الطبري في جامع البيان8/52، عن طاوس.
3 في النسختين حرام بالرفع، وهو خطأ ولعله من النساخ.
4 روى البخاري من طريق عمرو بن دينار، قال: قلت لجابر بن زيد، يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن حمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذاك، الحكم بن عمرو الغفاري عندنا ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس، وقرأ: {لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} انظر: صحيح البخاري مع الفتح12/76.

(2/436)


وذهب آخرون إلى أنها نسخت بما ذكر في المائدة من المنخنقة، والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع1 وقد رد قوم هذا القول، بأن قالوا: كل هذا داخل في الميتة، وقد ذكرت الميتة ها هنا فلا وجه للنسخ، وزعم قوم: أنها نسخت بآية المائدة، وبالسنة من تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع2 ومخلب3 من الطير، وهذا ليس بصحيح، أما آية المائدة فقد ذكرنا أنها داخلة في هذه الآية.
وأما ما ورد في السنة فلا يجوز أن يكون ناسخاً، لأن مرتبة القرآن لا يقاومها أخبار الآحاد ولو قيل: إن السنة خصت ذلك الإطلاق أو ابتدأت حكماً، كان أصلح. وإنما الصواب عندنا أن يقال: هذه الآية نزلت بمكة، ولم تكن الفرائض قد تكاملت ولا المحرمات اليوم قد تتامت، ولهذا قال: {فِي مَا أُوحِيَ} على لفظ الماضي وقد كان حينئذ من قال: لا إله إلا الله ثم مات، دخل الجنة، فلما جاءت الفرائض والحدود، وقعت
__________
1 كما جاء ذلك في الآية الثالثة من سورة المائدة.
2 روى هذا الحديث البخاري في صحيحه12/78 عن أبي ثعلبة.
3 المخلب بكسر الميم، وهو: للطائر والسبع كالظفر للإنسان، لأن الطائر يخلب بمخلبه الجلد أي يقطعه ويمزقه. انظر: المصباح المنير 1/100 وقد جاء النهي عن مخلب الطير في حديث مسلم من طريق ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي12/83.

(2/437)


المطالبة بها، فكذلك هذه الآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ، فلا ناسخ إذن ولا منسوخ. ثم كيف يدعى نسخها وهي خبر، والخبر لا يدخله النسخ1.
ذكر الآية السابعة عشرة: قوله تعالى: {فِي مَا أُوحِيَ} 2.
للمفسرين فيها قولان:
أحدهما: أنها اقتضت الأمر بالكف عن قتالهم، وذلك منسوخ بآية السيف3.
والثاني: أن المراد بها التهديد، فهي محكمة وهو الصحيح4.
__________
1 قلت: اختار المؤلف في مختصر عمدة الراسخ إحكام الآية وهو اختيار أبي جعفر النحاس ومكي بن أبي طالب، ويقول المؤلف في تفسيره 3/140 بعد ذكر دعوى الإحكام: ولأرباب هذا القول في سبب إحكامها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها خبر والخبر لا يدخله النسخ.
والثاني: أنها جاءت جواباً عن سؤال سألوه، فكان الجواب بقدر السؤال، ثم حرم بعد ذلك ما حرم.
والثالث: أنه ليس في الحيوان محرم إلا ما ذكر فيها.انظر: مختصر عمدة الراسخ ورقة (7)؛ والناسخ (142)؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 249-250.
2 الآية (158) من سورة الأنعام.
3 ذكر النسخ هنا، هبة الله في ناسخه ص: 46.
4 قلت: ذكر دعوى النسخ المؤلف في تفسيره ولم يرجح، وذكره في مختصر عمدة الراسخ ثم أحال إلى أمثال هذه الآية السابقة التي رجح المؤلف إحكامها. أما النحاس ومكي بن أبي طالب فلم يتعرضا لدعوى النسخ في هذه الآية أصلاً. انظر زاد المسير 3/158؛ ومختصر عمدة الراسخ (7).

(2/438)


ذكر الآية الثامنة عشرة: قوله تعالى: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} 1.
للمفسرين في معناه ثلاثة أقوال:
أحدها: لست من قتالهم في شيء، ثم نسخ بآية السيف، قاله السدي2.
والثاني: ليس إليك شيء من أمرهم، قاله ابن قتيبة.
والثالث: أنت بريء منهم وهم منك براء إنما أمرهم إلى الله سبحانه
في الجزاء فعلى هذين القولين الآية محكمة3.
__________
1 الآية (159) من سورة الأنعام.
2 أخرجه النحاس بسند ضعيف في الناسخ والمنسوخ ص: 146.
3 قلت: أورد المؤلف في تفسيره3/158، ومختصر عمدة الراسخ الورقة (7) القول الأول والثالث، ثم قال: "فعلى هذا تكون محكمة"، وأما الطبري فيروي القول الثالث في تفسيره8/78 عن أبي الأحوص، وعن مالك بن مغول بالإسناد ثم رجح إحكام الآية واستبعد النسخ لعدم ثبوته بسند صحيح ولإمكان الجمع بين الآيتين. وأما النحاس فيقول في ناسخه ص: 144، إن هذه الآية عن الناسخ والمنسوخ بمعزل.

(2/439)