|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
التوبة 1
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرٍ} 2.
زعم بعض ناقلي التفسير ممن لا يدري ما ينقل: أن التأجيل منسوخ بآية
السيف3. وقال بعضهم منسوخ بقوله: {فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ}
4 وهذا سوء فهم، وخلاف لما عليه المفسرون، فإن المفسرين اختلفوا فيمن
جعلت له هذه الأشهر على أربعة أقوال:
أحدها: أنها أمان لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها حط إليها، ومن
كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم يكن له عهد فأجله انسلاخ المحرم
خمسون ليلة. وهذا قول ابن عباس، وقتادة والضحاك5 وإنما كان هذا الأجل
خمسين ليلة، لأن هذه الآيات نودي بها يوم عرفة، وقيل يوم النحر.
__________
1 يقول النحاس عن هذه السورة: "إنه لا يكاد يوجد فيها منسوخ". انظر:
الناسخ والمنسوخ ص: 160.
2 الآية الثانية من سورة التوبة.
3 ذكره هبة الله في ناسخه (51) وابن حزم الأنصاري في معرفة الناسخ
والمنسوخ ص: 240.
4 الآية (58) من سورة الأنفال.
5 أورد هذا القول عن هؤلاء بنصه المؤلف في زاد المسير 3/394. وقد أخرج
الطبري نحوه عن ابن عباس من طريقين في جامع البيان 10/9:
أحدهما: من طريق علي بن أبي طلحة.
والثاني: من طريق آل العوفية وهو إسناد مسلسل بالضعفاء، ورواه عن قتادة
والضحاك، كما روى نحوه النحاس عن الضحاك بسند ضعيف، في ناسخه (162) لأن
فيه جوبير، يقول الحافظ عنه في التقريب (58): ضعيف جداً.
(2/461)
والثاني:
أنها للمشركين كافة من له عهد ومن ليس له عهد، قاله مجاهد والقرظي
والزهري1.
والثالث: أنها أجل من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد أمنه أقل
من أربعة أشهر، وكان أمانه غير محدود، فأما من لا أمان له فهو حرب،
قاله ابن إسحاق2.
والرابع: أنها أمان لمن لم يكن له أمان ولا عهود، فأما أرباب العهد فهم
على عهودهم. قاله ابن السائب3. ويؤكده أن علياً عليه السلام نادى
يومئذ: "ومن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فعهده
إلى
__________
1 أخرجه الطبري في جامع البيان10/44-45 بسند صحيح عن الزهري.
2 ذكره المؤلف في زاد المسير3/394 عن ابن إسحاق.
أما ابن إسحاق؛ فهو: محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم
المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس، رمي بالتشيع والقدر وهو من
صغار الخامسة، مات سنة 150هـ ويقال بعدها، وقد عده ابن تيمية رحمه الله
ممن يروي الإسرائيليات فلا يقبل منه إلا بحجة. انظر: التقريب (390)
ومقدمة أصول التفسير لابن تيمية ص: 56-57.
3 ذكر نحوه النحاس في ناسخه ص: 162، وقال: هذا أحسن ما قيل في الآية.
وذكره المؤلف في زاد المسير3/394 فعزاه إلى ابن السائب.
(2/462)
مدته"1
وقوله: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ} 2 قال الحسن: يعني
الأشهر التي قيل لهم فيها {فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}
3 وعلى هذا البيان فلا نسخ أصلاً.
وقد قال بعض المفسرين: المراد بالأشهر الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو
الحجة، والمحرم4. وهذا كلام غير محقق. لأن المشركين إنما قيل لهم
{فَسِيحُوا فِي الأرْضِ} في ذي الحجة، فمن ليس له عهد يجوز قتله بعد
المحرم، ومن له عهد فمدته آخر عهده فليس لذكر رجب ها هنا معنى5.
__________
1 أخرجه النحاس في ناسخه ص: 162، عن علي رضي الله عنه، وذكر نحوه
السيوطي في الدر المنثور2/309 وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن سعد بن أبي
وقاص رضي الله عنه وإلى أحمد والنسائي وابن المنذر وابن مردويه عن أبي
هريرة رضي الله عنه، وفي رواية عنه: (فأجله أربعة أشهر).
2 الآية الخامسة من التوبة.
3 ذكره المؤلف في زاد المسير3/398 عن الحسن. وذكره السيوطي في الدر
المنثور 3/213 وعزاه إلى أبي الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه .
4 ذكره المؤلف في المصدر السابق وعزاه إلى الأكثرين.
5 قلت: لم يتعرض المؤلف إلى دعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ ولا في
تفسيره عند ذكر هذه الآية، إنما عرض الآراء في تفسيره كما عرضها هنا،
وقد سبقه في رد دعوى النسخ هنا، أبو جعفر النحاس في ناسخه ص: 165، ومكي
بن أبي طالب في الإيضاح ص:266، ويقول المكي في نهاية المناقشة: "وكان
حق هذا أن لا يدخل في الناسخ والمنسوخ لأنه لم ينسخ قرآناً متلواً إنما
نسخ أمراً رآه النبيصلى الله عليه وسلم، وأشياء كانوا عليها مما لا
يرضاه الله، والقرآن كله ناسخ لما كانوا عليه إلا ما أقرهم النبي صلى
الله عليه وسلم" انتهى.
(2/463)
ذكر الآية
الثانية: قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} 1 قد ذكروا في هذه
الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن حكم الأساري كان وجوب قتلهم ثم نسخ بقوله: {فَإِمَّا مَنّاً
بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 2 قاله الحسن، وعطاء والضحاك (في آخرين)3،
وهذا يرده قوله: {وَخُذُوهُمْ} والثاني: بالعكس فإنه كان الحكم في
الأساري، أنه لا يجوز قتلهم صبراً، وإنما يجوز المن أو الفداء، بقوله:
{فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 4 ثم نسخ ذلك بقوله
{فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} 5 . قاله مجاهد وقتادة6.
__________
1 الآية الخامسة من التوبة.
2 الآية الرابعة من سورة محمد.
3 غير واضحة من (هـ). ذكر هذا القول النحاس وأبو محمّد مكي بن أبي طالب
عن الضحاك وعطاء والسدي. انظر: الناسخ والمنسوخ (164)؛ والإيضاح لناسخ
القرآن ومنسوخه (267).
4 الآية الرابعة من سورة محمّد.
5 الآية الخامسة من سورة التوبة.
6 ذكر المؤلف في زاد المسير 3/399، هذا القول عن مجاهد، وقتادة. وأما
مكي بن أبي طالب، فحكى عن قتادة أن هذه الآية محكمة ناسخة لقوله:
{فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} ثم قال: نقلاً عن ابن زيد:
"الآيتان محكمتان غير منسوختين، ومعنى آية براءة أنه تعالى ذكره أمر
بقتل المشركين حيث وجدوا، ثم قال: {وَخُذُوهُمْ} يعني: أساري القتل أو
المن أو الفداء". انظر: الإيضاح ص: 367.
(2/464)
والثالث:
أن الآيتين محكمتان، لأن قوله {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} أمر بالقتل
وقوله: {وَخُذُوهُمْ} أي: أئسروهم، فإذا حصل الأسير في يد الإمام فهو
مخير إن شاء من عليه وإن شاء فاداه، وإن شاء قتله صبراً، أي ذلك رأي
فيه المصلحة للمسلمين. فعلى هذا قول جابر بن زيد، وعليه عامة الفقهاء1.
وقد ذكر بعض من لا فهم له من ناقلي التفسير أن هذه الآية وهي آية السيف
نسخت من القرآن مائة وأربعاً وعشرين آية ثم صار آخرها ناسخاً لأولها،
وهو قوله: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)2.
وهذا سوء فهم. لأن المعنى: أقتلوهم وأسروهم إلا أن يتوبوا من شركهم،
ويقروا بالصلاة والزكاة فخلوا سبيلهم ولا تقتلوهم3.
__________
1 ناقش المؤلف هذه القضية في تفسيره 3/399 بنصّ هذه العبارة وزاد فيه:
(وهو قول الإمام أحمد).
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
وهذا القول ذكره ابن حزم في ناسخه ص: 340، وهبة الله في ناسخه (51)
ويذكر السيوطي في الدر المنثور2/213: "أن الجزء الأخير من الآية نسخ
واستثني من الجزء الأول". وعزا هذا القول إلى أبي داود في ناسخه: وأورد
مكي بن أبي طالب في ناسخه (269) مثل هذا القول عن ابن حبيب، ثم رد عليه
بقوله: "لا يجوز في هذا نسخ، لأنها أحكام الأصناف من الكفار، حكم الله
على قوم بالقتل إذا أقاموا على كفرهم، وحكم لقوم بأنهم إذا آمنوا
وتابوا أن لا يعرض لهم، وأخبرنا بالرحمة والمغفرة لهم، وحكم لمن استجار
بالنبي عليه السلام وأتاه، أن يجيره ويبلغه إلى موضع يأمن فيه، فلا
استثناء في هذا إذ لا حرف فيه للاستثناء ولا نسخ فيه إنما كل آية في
حكم منفرد، وفي صنف غير الصنف الآخر، فذكر النسخ في هذا وهم وغلط ظاهر
وعلينا أن نتبين الحق والصواب".
3 قلت: لم يتعرض المؤلف في مختصر عمدة الراسخ لذكر هذه الآية أصلاً
لشدة ضعف قول النسخ فيها.
(2/465)
ذكر الآية
الثالثة: قوله تعالى: {إِلاّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} 1. في
المشار إليهم بهذه المعاهدة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم بنو ضمرة2.
والثاني: قريش. روي القولان عن ابن عباس رضي الله عنهما3. وقال قتادة:
هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية فنكثوا وظاهروا
المشركين4.
والثالث: أنهم خزاعة دخلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
عاهد المشركين يوم الحديبية. وهذا قول مجاهد5. وقوله: {فَمَا
اسْتَقَامُوا لَكُمْ} أي: ما أقاموا على الوفاء بعهدهم {فَاسْتَقِيمُوا
لَهُمْ} قال بعض المفسرين: ثم نسخ هذا بآية السيف6.
__________
1 الآية السابعة من سورة التوبة.
2 ذكره السيوطي في الدر المنثور 3/214 وعزاه إلى أبي الشيخ وابن أبي
حاتم عن مقاتل.
3 أخرجه الطبري في جامع البيان10/58-59 عن ابن عباس رضي الله عنهما،
ذكره المؤلف عنه في زاد المسير 3/405.
4 أورد المؤلف بنصه عن قتادة في المصدر السابق.
5 أخرجه الطبري عن مجاهد وقتادة في المصدر السابق.
6 قلت: عد هذه الآية هبة الله في ناسخه (51) من المنسوخة، وأعرض عنه
ابن حزم والنحاس ومكي بن أبي طالب. أما المؤلف فأورد قول النسخ في زاد
المسير3/401، ومختصر عمدة الراسخ الورقة الثامنة، بقوله: (زعم بعض
المفسرين) وهذا يدل على عدم قبوله لدعوى النسخ والله أعلم.
(2/466)
ذكر الآية
الرابعة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} 1.
اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها عامة في أهل الكتاب والمسلمين، قاله (أبو ذر)2 والضحاك.
والثاني: أنها خاصة في أهل الكتاب، قاله معاوية بن أبي سفيان3.
والثالث: أنها في المسلمين، قاله ابن عباس4 والسدي، وفي المراد
بالإنفاق ها هنا قولان:
__________
1 الآية (34) من سورة التوبة.
2 في (م): ذز، وهو تصحيف.
أما أبو ذر، فهو: الصحابي الجليل المشهور بأبي ذر الغفاري اسمه: جندب
بن جنادة على الصحيح، أسلم قديماً، وهاجر متأخراً فلم يشهد بدراً، وكان
يوازي ابن مسعود في العلم مات سنة 32هـ في خلافة عثمان. انظر: تهذيب
التهذيب 12/90-91؛ والتقريب (455)، وقد أخرج الطبري بإسناده، قول أبي
ذر الغفاري رضي الله عنه هذا في جامع البيان 10/86.
3 أما معاوية بن أبي سفيان، فهو صخر بن أمية الأموي القرشي، أسلم يوم
الفتح، وكان هو وأبوه من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامهما وكتب لرسول الله
صلى الله عليه وسلم، واستخلفه أبو بكر على الشام، توفي سنة 60هـ، وهو
ابن ثمانين. انظر: أسد الغابة4/385-388 وقد أخرج الطبري قوله هذا من
طريق زيد بن وهب في جامع البيان المصدر السابق.
4 أخرج الطبري في المصدر نفسه هذا القول عن ابن عباس من طريقين.
(2/467)
أحدهما:
إخراج الزكاة، وهذا مذهب الجمهور، والآية على هذا محكمة.
أخبرنا عبد الأول بن عيسى1، قال: أبنا محمد بن عبد العزيز الفارسي2،
قال: أبنا عبد الرحمن بن أبي شريح، قال: أبنا عبد الله بن محمد البغوي،
قال: بنا العلاء بن موسى الباهلي، قال: "أبنا الليث بن سعد، عن نافع أن
عبد الله بن عمر، قال: (ما كان من مال تؤدي زكاته فإنه ليس بكنز" وإن3
"كان مدفوناً وما ليس مدفوناً لا تؤدي زكاته، فإنه الكنز الذي ذكره
الله عليه السلام في كتابه"4.
والثاني: أن المراد بالإنفاق إخراج ما فضل عن الحاجة، وقد زعم بعض
(نقلة)5 التفسير: أنه كان يجب عليهم إخراج ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ
بالزكاة، وفي (هذا)6 القول (بعد)7.
__________
1 أما عبد الأول، فهو: أبو الوقت عبد الأول عيسى ابن شعيب، من مشايخ
ابن الجوزي، ولد سنة 458هـ، وسمع خلقاً كثيراً، هو مسند الدنيا في وقته
الصوفي الزاهد قدم إلى بغداد سنة (552هـ) يريد الحج فسمع الناس بها
عليه صحيح البخاري لعلو إسناده وتوفي سنة 553هـ. انظر: ترجمته في مشيخة
ابن الجوزي ص: 74-76؛ والنجوم الزاهرة 5/328-329.
2 في (هـ): هنا، كلمة (أنها) زيادة من الناسخ.
3 في (هـ): ولو، وفي (م) كما أثبت وكذا في لفظ الطبري.
4 رواه الإمام مالك في موطّئه 2/333 بشرح الزرقاني، والطبري في جامع
البيان 10/83 بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
5 في (هـ): نقله، وهو تصحيف.
6 في (م): في هذه، بالتأنيث. وهو خطأ من الناسخ.
7 في (هـ): بعدر، وهو تحريف. ذكر دعوى النسخ هنا ابن سلامة في ناسخه ص:
51.
(2/468)
وقد
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال:
أبنا أبو بكر بن أبي داود قال: بنا عبد الله بن سعيد قال أبنا أبو
أسامة عن عمر بن راشد، أو غيره أن عمر بن عبد العزيز (وعراك)1 ابن مالك
قالا في هذه الآية: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّة}
نسختها الآية الأخرى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} 2.
ذكر الآية الخامسة: قوله تعالى: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ
عَذَاباً أَلِيماً} 3.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا علي بن أيوب، قال: أبنا بن شاذان، قال:
أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد ابن
محمد قال: بنا علي بن الحسين، عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة
__________
1 في (م): عرال، وفي (هـ) عوال، كلاهما تحريف. والصواب ما أثبت عن كتب
التراجم.
وهو: عراك بن مالك الغفاري الكناني المدني ثقة فاضل من الثالثة، مات في
خلافة يزيد ابن عبد الملك بعد المائة. انظر: التقريب (337).
2 الآية (103) من سورة التوبة. وقد ذكر السيوطي في الدر
المنثور3/232-233، هذا القول وعزاه إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن
عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز، وذكره أيضاً مكي بن أبي طالب عن عمر
بن عبد العزيز، ثم قال: (ومن حمل قوله {وَلا يُنْفِقُونَهَا} على معنى:
ولا ينفقون الواجب عليهم منها، قال: هي محكمة منصوصة في الزكاة). انظر:
الإيضاح ص: 272-273.
قلت: ولم يتعرض لدعوى النسخ هنا الطبري ولا النحاس، ولا المؤلف في
مختصر عمدة الراسخ.
3 الآية (39) من سورة التوبة.
(2/469)
عن ابن
عباس رضي الله عنهما {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً
أَلِيماً} نسختها {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
1.
وقد روى مثل هذا عن الحسن وعكرمة2 وهذا ليس بصحيح، لأنه لا تنافي بين
الآيتين، وإنما حكم كل آية قائم في موضعها. فإن قلنا: إن قوله: {إِلاّ
تَنْفِرُوا} أريد به غزوة3 تبوك فإنه كان قد فرض على الناس كافة النفير
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا عاتب المخلفين وجرت قصة
الثلاثة الذين خلفوا4.
وإن قلنا: إن الذين استنفروا حي من العرب معروف كما ذكرنا في التفسير
عن ابن عباس، فإنه قال: استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً من
أحياء العرب فتثاقلوا عنه، وأمسك عنهم المطر فكان عذابهم5. فإن أولئك
وجب عليهم النفير6 حين استنفروا، وقد ذهب إلى إحكام الآيتين ومنع النسخ
جماعة منهم: ابن جرير7 وأبو سليمان الدمشقي، وحكى القاضي
__________
1 الآية (122) من سورة التوبة.
2 ذكر الطبري 10/95 من جامع البيان هذا القول عن الحسن وعكرمة كما ذكر
نحوه النحاس بسند ضعيف عن ابن عباس، وعن الحسن وعكرمة، ثم قال: "وهذا
مما لا ينسخ لأنه خبر ووعيد". انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 167.
3 في (م): غزوت بالتاء المفتوحة، وهو خطأ إملائي.
4 كما جاء في آية (118) من السورة نفسها.
5 رواه أبو داود والبيهقي في سننهما وفي إسنادهما نجدة بن نفيع وهو
مجهول كما قال الحافظ في التقريب (356) وذكر السيوطي هذا الحديث في
الدر المنثور 3/239، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ والحاكم،
وابن مردويه.
6 في (م): اليقين، والذي أثبت عن (هـ) أنسب للمقام.
7 انظر ما قاله الطبري في إحكام الآية من جامع البيان 10/95.
(2/470)
أبو يعلي
عن بعض العلماء أنهم قالوا: ليس هاهنا نسخ، ومتى لم يقاوم أهل الثغور
العدو ففرض على الناس النفير إليهم، ومتى استغنوا عن (إعانة)1 من
ورائهم، عذر القاعدون عنهم2.
ذكر الآية السادسة: قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً} 3.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس
رضي الله عنهما قال: قال: في براءة {نْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً}
وقال: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً} 4 فنسخ
(هؤلاء)5 الآيات، {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}
6. وقال السدي نسخت بقوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى
الْمَرْضَى} 7 .
__________
1 في (هـ): إيمانه، وهو تحريف.
2 ذكر هذا القول بنصه المؤلف في زاد المسير 3/438، ورد دعوى النسخ بمثل
مارد به هنا، ولم يتعرض له في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.
3 الآية (41) من سورة التوبة.
4 الآية (39) من سورة التوبة.
5 غير واضحة من (هـ).
6 الآية (122) من السورة نفسها. والأثر ذكره النحاس عن ابن عباس بسند
ضعيف في ناسخه ص: 167-168. كما ذكره مكي بن أبي طالب عنه بدون إسناد في
الإيضاح (273) والمؤلف في زاد المسير 3/442 عن ابن عباس من طريق عطاء.
7 الآية (91) من التوبة، وقد ذكر هذا القول السيوطي في الدر
المنثور3/246 وعزاه إلى أبي حاتم وأبي الشيخ عن السدي، وذكره المؤلف
عنه في المصدر السابق.
(2/471)
واعلم:
أنه متى حملت هذه الآية على ما حملنا عليه التي قبلها لم يتوجه نسخ1.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالله} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: بنا ابن
بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد، قال بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني
أبي، قال: بنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي
الله عنهما {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالله
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} نسختها {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ
جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} 3.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا محمد بن أحمد4
= قال=5: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي، عن
__________
1 انظر إن شئت كلام القاضي أبو يعلي في مناقشة الآية السابقة.
قلت: لم يتعرض لدعوى النسخ المؤلف في مختصر عمدة الراسخ في هذه الآية
أصلاً وإنما ذكره في زاد المسير 3/443 بدون رد ولا ترجيح.
2 الآية (44) من سورة التوبة.
3 الآية (62) من سورة النور. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور
3/247 وعزاه إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه،
والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه: (فجعل الله النبي
صلى الله عليه وسلم بأعلى النظرين في ذلك، من غزا غزا في فضيلة ومن قعد
قعد من غير حرج إن شاء). وذكر قول النسخ عنه بآية: {فَإِذَا
اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ} النحاس بسند ضعيف في ناسخه (168).
4 في (هـ): كلمة (قيل) زيادة، ولعلها من الناسخ.
5 لا يوجد من النسختين، ولعلها سقطت من النساخ.
(2/472)
عكرمة عن
ابن عباس رضي الله عنهما {لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالله} نسختها: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله
وَرَسُولِهِ} 1.
قلت: فالصحيح أنه ليس للنسخ ها هنا مدخل، لإمكان العمل بالآيتين وذلك
أنه إنما عاب على المنافقين أن يستأذنوه في القعود على الجهاد من غير
عذر، وأجاز للمؤمنين الاستئذان لما يعرض لهم من حاجة وكان المنافقون
إذا كانوا معه، فعرضت لهم حاجة، ذهبوا من غير استئذانه. وإلى نحو هذا،
ذهب أبو جعفر بن جرير2 وأبو سليمان الدمشقي.
__________
1 أخرجه الطبري عن الحسن وعكرمة من طريق علي بن الحسين- وقد ضعفه
النقاد - كما في الجرح والتعديل6/176، وذكره النحاس في المصدر السابق
ومكي ابن أبي طالب في الإيضاح ص: 274.
2 انظر: كلام الطبري في جامع البيان 10/101، وقد رد المؤلف في زاد
المسير 3/446 دعوى النسخ بكلام أبي سليمان الدمشقي المذكور هنا.
قلت: أخرج ابن جرير في المصدر السابق عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
هذه الآيات محكمات وإنما هو تعيير وتوبيخ للمنافقين حين استأذنوا النبي
صلى الله عليه وسلم في القعود عن الجهاد بغير عذر، وعذر الله المؤمنين
فقال {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ
شِئْتَ مِنْهُمْ} وذكره السيوطي في الدر المنثور 3/247 وزاد نسبته إلى
ابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس، في ناسخه، ولكن النحاس ذكر ذلك عن
علي بن أبي طلحة ولم ينسبه إل ابن عباس في ناسخه (168) وأورد قول
الإحكام مكي بن أبي طالب أيضاً عن ابن عباس في الإيضاح ص: 274.
(2/473)
ذكر الآية
الثامنة: قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ} 1 .
لفظ هذه الآية لفظ الأمر وليس كذلك، و إنما المعنى: إن استغفرت لهم،
وإن لم تستغفر لهم لا يغفر الله لهم، فهو كقوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ
لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} 2 فعلى هذا الآية محكمة. هذا قول
المحققين. وقد ذهب وقوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين
رجى لهم الغفران، ثم نسخت بقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}
3.
فروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} نسخت بقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ
لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} .
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي قال: أبنا أبو
علي بن شاذان قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم ابن
الحسين، قال: بنا آدم، قال: بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال:
لما نزلت {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ} 4.
__________
1 الآية (80) من سورة التوبة.
2 الآية (53) من سورة التوبة.
3 الآية السادسة من سورة المنافقين.
4 جزء من آية (80) من سورة التوبة.
(2/474)
قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ( سأزيد على سبعين مرة) فأنزل الله تعالى في
سورة المنافقين (لن يغفر الله لهم) عزماً1. وقد حكى2 أبو جعفر النحاس
أن بعض العلماء، قال: فنسخت بقوله: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً} 3.
قلت: والصحيح إحكام الآية على ما سبق4.
ذكر الآية التاسعة: قوله تعالى: {مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ
حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ الله} 5.
قد ذهب طائفة من المفسرين (إلى أن)6 هذه الآية اقتضت أنه لا يجوز لأحد
أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا كان في أول الأمر
__________
1 أصل الحديث رواه البخاري في كتاب التفسير من طريق ابن عباس عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه، وليس فيه ذكر نزول سورة المنافقين، وذلك زيادة
عند ابن جرير من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقد أخرج نحو ما ساقه
المؤلف، النحاس ومكي بن أبي طالب عن ابن عباس من طريق الضحاك، وفيه:
"لأزيدن على السبعين". وذكر الحافظ في الفتح نحوه عن قتادة من طريق عبد
الرزاق. انظر: صحيح البخاري مع الفتح 9/406-407؛ وجامع البيان10/138؛
والناسخ والمنسوخ (174)؛ والإيضاح (227).
2 في (هـ): عن أبي.
3 الآية (47) من سورة التوبة تجد نص كلام النحاس في ناسخه (174).
4 قلت: هنا لم يتعرض المؤلف لدعوى النسخ في مختصر عمدة الراسخ أصلاً
وإنما نسبه في زاد المسير 3/477، إلى قوم، كما نسب القول المؤيد
للإحكام إلى المحققين.
5 الآية (120) من سورة التوبة.
6 في (هـ): كلمة (إلا) زيادة.
(2/475)
ثم نسخ
ذلك بقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} 1، قال
أبو سليمان الدمشقي: لكل آية وجهها وليس للنسخ على إحدى الآيتين طريق
وهذا هو الصحيح على ما بينا في الآية الخامسة2.
__________
1 الآية (122) من سورة التوبة.
2 انظر مقالة المؤلف فيما تقدم من مناقشة الآية الخامسة. قال المؤلف في
زاد المسير 3/515-516، (قال شيخنا علي بن عبيد الله: اختلف المفسرون في
هذه الآية؛ فقالت طائفة: كان في أول الأمر لا يجوز التخلف عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين كان الجهاد يلزم الكل، ثم نسخ ذلك بقوله:
{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً}.
وقالت طائفة: فرض الله تعالى على جميع المؤمنين في زمان النبي صلى الله
عليه وسلم ممن لا عذر له الخروج معه لشيئين:
أحدهما: أنه من الواجب عليهم أن يقوه بأنفسهم.
والثاني: أنه إذا أخرج الرسول فقد خرج الدين كله فأمروا بالتظاهر لئلا
يقل العدد، وهذا الحكم باق إلى وقتنا فلو خرج أمير المؤمنين إلى الجهاد
وجب على عامة المسلمين متابعته لما ذكرنا. فعلى هذا، الآية محكمة)
انتهى، ثم ذكر كلام أبي سليمان المذكور هنا.
أمّا أبو جعفر النحاس فأورد دعوى النسخ في هذه الآية عن ابن زيد ودعوى
الإحكام عن ابن عباس والضحاك وقتادة، وكذا فعل مكي بن أبي طالب. انظر:
الناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 176؛ والإيضاح ص: 276.
(2/476)
|