|
نواسخ القرآن ناسخ القرآن ومنسوخه ت المليباري
باب: ذكر
الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ في سورة
الأنفال
ذكر الآية الأولى: قوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ
الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} 1.
اختلف العلماء في هذه الآية، فقال بعضهم هي ناسخة من وجه ومنسوخة من
وجه، وذلك أن الغنائم كانت حراماً في شرائع الأنبياء المتقدمين، فنسخ
الله ذلك بهذه الآية وجعل الأمر في الغنائم إلى ما يراه الرسول صلى
الله عليه وسلم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} 2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد بن حنبل،
قال: حدثني أبي، قال: أبنا وكيع، قال: بنا إسرائيل عن جابر عن مجاهد
وعكرمة، قالا: "كانت الأنفال لله فنسخها: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا
غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} " هذا قول السدي3.
وقال آخرون المراد بالأنفال شيئان:
__________
1 الآية الأولى من سورة الأنفال.
2 الآية (41) من سورة الأنفال.
3 ذكر النحاس في ناسخه عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة وعن مجاهد
وعكرمة والضحاك والسدي، كما ذكره أبو محمد مكي بن أبي طالب عن ابن عباس
ومجاهد في رواية عنهما، وعن عكرمة.
(2/445)
أحدهما:
ما يجعله النبي صلى الله عليه وسلم لطائفة من شجعان العسكر ومقدميه،
يستخرج به نصحهم ويحرضهم على القتال.
والثاني: ما يفضل من الغنائم بعد قسمتها، كما روي عن ابن عمر رضي الله
عنهما قال: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فغنمنا إبلاً،
فأصاب كل واحد اثني عشر بعيراً، ونفلنا بعيراً بعيراً"1. فعلى هذا هي
محكمة2؛ لأن هذا الحكم باقٍ إلى وقتنا هذا, والعجب ممن يدعي أنها
منسوخة فإن عامة، ما تضمنت أن الأنفال لله والرسول. والمعنى: أنهما
يحكمان فيها وقد وقع الحكم فيها بما تضمنته آية الخمس، وإن أريد أن
الأمر بنفل الجيش ما أراد، فهذا حكم باقٍ، فلا يتوجه النسخ بحال، ولا
يجوز أن يقال عن آية: إنها منسوخة إلا أن يرفع حكمها وحكم هذه ما رفع
فكيف يدعي النسخ؟ وقد ذهب إلى نحو ما ذكرته أبو جعفر ابن جرير الطبري3.
ذكر الآية الثانية: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ،
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ}
4.
__________
1 رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
ولفظ البخاري: عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا
إبلاً كثيرة فكانت سهامهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً".
انظر: صحيح البخاري مع الفتح7/47 في كتاب فرض الخمس.
2 ذكر المؤلف العبارة نفسها في زاد المسير9/319 وسكت عن دعوى النسخ في
مختصر عمدة الراسخ لضعفها.
3 انظر: نص ما قاله الطبري في جامع البيان9/118-119.
4 الآية (15- 16) من سورة الأنفال.
(2/446)
وقد ذهب
قوم، منهم: ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، والحسن وابن جبير، وقتادة
والضحاك إلى أنها في أهل بدر خاصة.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا محمد بن جعفر، قال: بنا شعبة عن داود، قال: سمعت
الشعبي، يحدث عن أبي سعيد الخدري: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ
دُبُرَهُ} قال: "نزلت في يوم بدر"1.
قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا حبيب [بن]2 الشهيد عن الحسن، {وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ} قال:
"نزلت في أهل بدر"3.
قال أحمد: وبنا روح، قال: بنا شعبة عن الحسن، قال4: إنما شدد على أهل
بدر.
قال أحمد: وبنا حسين، قال: بنا5 حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة {وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: "يوم بدر"6.
__________
1 أخرجه أبو داود في سننه 7/303، والطبري في تفسيره 9/134، والنحاس في
ناسخه ص: 152، والحاكم في المستدرك 2/327 عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه.
2 في (م): ساقطة كلمة (ابن).
وهو: حبيب بن الشهيد الأزدي أبو محمد البصري، ثقة ثبت من الخامسة، مات
سنة 145هـ. وهو ابن ست وستين. انظر: التقريب (63).
3 ذكره النحاس في المصدر السابق بإسناده عن الحسن، كما ذكره عنه مكي بن
أبي طالب في الإيضاح ص: 256.
4 كلمة (قال) مكررة في (هـ).
5 في (هـ): (الحمد) زيادة.
6 ذكره السيوطي في الدر المنثور3/173 وعزاه إلى ابن المنذر وأبي الشيخ
عن عكرمة.
(2/447)
قلت: لفظ
الآية عام، وإن كانت نزلت في قوم بأعيانهم، وقد روي عن ابن عباس رضي
الله عنه وغيره أنها عامة، ثم لهؤلاء فيه قولان:
أحدهما : أنها منسوخة بقوله: {فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 1 فليس للمؤمنين أن يفروا عن
مثليهم2.
قال آخرون: هي محكمة، وهذا هو الصحيح، لأنها محكمة في النهي عن
الفرار3. فيحمل النهي على ما إذا كان العدو أعلى]من[4 عدد المسلمين وقد
ذهب إلى نحو هذا ابن جرير5.
ذكر الآية الثالثة: قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ
وَأَنْتَ فِيهِمْ} 6.
__________
1 الآية (66) من سورة الأنفال.
2 دعوى النسخ هنا مروية عن عطاء بن أبي رباح، في جامع البيان9/135،
والناسخ والمنسوخ للنحاس ص: 153، وذكره مكي بن أبي طالب أيضاً عنه في
الإيضاح ص: 256.
3 روى الطبري والنحاس في المصدرين السابقين عن ابن عباس رضي الله
عنهما، قال: الفرار من الزحف من الكبائر لأن الله تعالى قال: {وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ}.
4 غير موجودة في النسختين، أضفتها كي يستقيم المعنى.
5 تجد نص كلام الطبري في جامع البيان9/135، وذهب إلى ما ذهب إليه
الطبري من إحكام الآية النحاس، ومكي بن أبي طالب في المصدرين السابقين،
وقالا: إنها خبر ووعيد ولا ينسخ الوعيد.
6 الآية (33) من سورة الأنفال.
(2/448)
أخبرنا
ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر
النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمّد، قال:
بنا علي بن الحسين. عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي
الله عنهما {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}
نسختها الآية التي بعدها {وَمَا لَهُمْ إلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ}
1. وقد روي مثله عن الحسن وعكرمة2.
وهذا القول ليس بصحيح، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وهذه الآية بينت
أن كون الرسول فيهم منع نزول العذاب بهم، وكون المؤمنين يستغفرون بينهم
منع أيضاً والآية التي (تليها)3 بينت استحقاقهم العذاب لصدهم عن سبيل
الله، غير أن كون الرسول والمؤمنين بينهم منع من تعجيل ذلك، أو عمومه،
فالعجب من مدعي النسخ4.
ذكر الآية الرابعة: قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ
لَهَا} 5.
__________
1 الآية (34) من سورة الأنفال.
2 أخرج الطبري قول النسخ عن الحسن وعكرمة في جامع البيان9/156، وذكره
مكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 257 عن الحسن، إلا أن الطبري رد على ذلك
وأثبت الإحكام.
3 في (هـ): أن يكون، ولعلها تحريف من الناسخ.
4 قلت: أنكر المؤلف في زاد المسير 3/350، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة
(8) وقوع النسخ في هذه الآية. ويقول النحاس في هذه الآية: "والنسخ هنا
محال، لأنه خبر، خبر الله به ولا نعلم أحداً روى عنه إلا الحسن وسائر
العلماء على أنها محكمة" وبه قال مكي بن أبي طالب. انظر: الناسخ
والمنسوخ ص: 153؛ والإيضاح ص: 258.
5 الآية (61) من سورة الأنفال.
(2/449)
اختلف
المفسرون فيمن عني بهذه الآية على قولين:
أحدهما: أنهم المشركون، وأنها نسخت بآية السيف. وبعضهم يقول: بقوله:
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1. وهذا مروي عن ابن
عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة في آخرين2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال أبنا إسحاق بن أحمد، قال: أبنا عبد الله بن أحمد، قال:
حدثني أبي، قال: بنا حجاج عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس
رضي الله عنهما {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} فنسختها {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية3.
وأخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال
(أبنا)4 أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: أبنا أحمد
ابن محمّد، قال: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن
ابن عباس رضي الله عنهما {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}
5 نسختها
__________
1 الآية (29) من سورة التوبة.
2 ذكر النسخ النحاس هنا عن ابن عباس بآية: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا
إِلَى السَّلْمِ} وذكره هو والطبري والمكي بآية السيف عن قتادة. انظر:
الناسخ والمنسوخ ص: 155؛ وجامع البيان10/24؛ والإيضاح ص: 259.
3 ذكره السيوطي في الدر المنثور 3/199، عن ابن عباس رضي الله عنهما
وعزاه إلى أبي عبيد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
4 في (هـ): أخبرنا.
5 الآية (61) من سورة الأنفال.
(2/450)
{قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} 1 قال أحمد بن محمد:
وبنا موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد {وَإِنْ جَنَحُوا
لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} نسختها {فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدْتُمُوهُمْ} 2.
والثاني: أنهم أهل الكتاب. وقال مجاهد: "بنو قريظة".
أخبرنا عبد الوهاب، قال: بنا أبو ظاهر قال: بنا شاذان قال: أبنا عبد
الرحيم قال: أبنا إبراهيم تال: بنا آدم قال: بنا ورقاء عن ابن أبي نجيح
عن مجاهد: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} يعني: قريظة. فعلى هذا القول
إن قلنا: إنها نزلت في ترك حرب أهل الكتاب3 إذا بذلوا الجزية وقاموا
بشرط الذمة فهي محكمة، وإن قيل: نزلت في موادعتهم على غير جزية توجه
النسخ لها بآية الجزية وهي قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} الآية4.
__________
1 الآية (29) من سورة التوبة.
2 الآية الخامسة من سورة التوبة.
3 أورد ابن كثير هذا القول عن مجاهد ثم قال: "وهذا فيه نظر، لأن السياق
كله في وقعة بدر وذكرها مكتنف لهذا كله". انظر: تفسير القرآن العظيم
2/320.
4 الآية (29) من سورة التوبة.
قلت: أورد المؤلف الرأيين في مختصر عمدة الراسخ ورقة (8) وفي تفسيره
3/376 بالاختصار دون ترجيح.
أما الإمام ابن جرير فأورد قول النسخ ثم نفى وقوعه هنا وقال: "لأن
المقصود بنو قريظة وهم كانوا يهوداً وقد أذن الله للمؤمنين بصلح أهل
الكتاب ومتاركتهم الحرب على أخذ الجزية منهم، وأما قوله: {فَاقْتُلُوا
المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فإنما عني به المشركون العرب
الذين لا يجوز قبول الجزية منهم فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى
بل كلّ واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه". انتهى كلام ابن جرير من
جامع البيان10/23.
وأمّا ابن كثير، فيقول بعد عزو دعوى النسخ إلى قائليه: "وفيه نظر لأن
آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك. فأما إن كان العدو كثيفاً
فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي
صلى الله عليه وسلميوم الحديبية فلا منافاة ولا نسخ". انتهى من تفسير
القرآن العظيم2/322-323.
وهكذا رد دعوى النسخ ابن العربي لعدم وجود الشروط لوقوعه في إحكام
القرآن21/876، ومكي بن أبي طالب في الإيضاح ص: 59 2.
(2/451)
ذكر الآية
الخامسة: قوله تعالى: {يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ
يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} 1. قال المفسرون: لفظ هذا الكلام لفظ الخبر،
ومعناه الأمر، والمراد: يقاتلون مائتين، وكان هذا فرضاً في أول الأمر
ثم نسخ بقوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} 2، ففرض على
الرجل أن يثبت لرجلين (فإن زاد)3 جاز له الفرار.
أخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار، قال: أنبأنا أبي، قال: أبنا أبو بكر
البرقاني، قال: أبنا أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، قال: أخبرني الحسن،
قال: بنا حيان، قال: أبنا عبد الله، قال: أبنا جرير بن حازم، قال: سمعت
الزبير ابن الخِرِّيت4 عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله
عزوجل:
__________
1 الآية (65) من سورة الأنفال.
2 الآية (66) من سورة الأنفال.
3 في (هـ): فإن زادوا بصيغة الجمع.
4 هو: الزبير بن الخِرِّيت المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها
تحتانية ساكنة ثم فوقية، البصري، ثقة من الخامسة. انظر: التقريب (106).
(2/452)
{إِنْ
يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} قال:
فرض عليهم أن لا يفر رجل من عشرة ولا قوم من عشرة أمثالهم، قال: فجهد
الناس ذلك وشق عليهم فنزلت الآية الأخرى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ
عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
مِائَةٌ صَابِرَةٌ} الآية1 "فرض عليهم أن لا يفر رجل من رجلين ولا قوم
من مثليهم ونقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد"2.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: بنا عمر بن عبيد الله، قال: أبنا ابن
بشران، قال: بنا إسحاق بن أحمد، قال: بنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني
أبي، قال: بنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس رضي
الله عنهما {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مِائَتَيْنِ} 3 فنسختها {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} 4.
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا
أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: أبنا أحمد بن
محمّد، قال: بنا علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة، عن
ابن عباس {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا
مِائَتَيْنِ} نسخ فقال: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} 5.
__________
1 الآية (66) من سورة الأنفال.
2 أخرج نحوه البخاري وابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما من
طريق جرير بن أبي حازم. انظر: صحيح البخاري بالفتح 9/382 من كتاب
التفسير، وجامع البيان10/29.
3 الآية (65) من سورة الأنفال.
4 الآية (66) من الأنفال. وهذا القول أخرجه الطبري في أثر طويل عن عطاء
عن ابن عباس رضي الله عنهما في جامع البيان10/97.
5 أخرجه الطبري عن عكرمة والحسن في المصدر السابق.
(2/453)
أخبرنا
ابن الحصين، قال: أبنا ابن غيلان1 قال: أبنا أبو بكر الشافعي، قال:
أبنا إسحق بن الحسن، قال: بنا أبو حذيفة قال: بنا سفيان الثوري عن ليث
عن عطاء: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ} قال: "كان لا
ينبغي لواحد أن يفر من عشرة فخفف الله عنهم".
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ قال: أبنا أبو طاهر الباقلاوي، قال: أبنا أبو
علي بن شاذان قال: أبنا عبد الرحمن بن الحسن، قال: بنا إبراهيم ابن
الحسين قال: بنا آدم قال: بنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال:
كان قد جعل على أصحاب محمد يوم بدر على كل رجل منهم قتال عشرة من
الكفار (فضجوا)2 من ذلك فجعل على كل رجل قتال رجلين فنزل التخفيف من
اللهعزوجل فقال :{الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ} 3.
قال أبو جعفر النحاس: وهذا تخفيف لا نسخ. لأن معنى النسخ رفع حكم
المنسوخ ولم يرفع حكم الأوّل، لأنه لم يقل فيه لا يقاتل الرجل عشرة بل
إن قدر على ذلك فهو الاختيار له.
ونظير هذا إفطار الصائم في السفر، لا يقال إنه نسخ الصوم وإنما هو
تخفيف ورخصة (والصيام)4 له أفضل5.
__________
1 في (هـ): ابن (بي) وهي زيادة من الناسخ.
2 في (هـ): صبحوا، وهو تصحيف.
3 أخرجه الطبري في جامع البيان10/28 عن مجاهد من طريق ابن أبي نجيح.
4 في (م): والسيام، بالسين، وهو تحريف.
5 تجد كلام النحاس المذكور في كتابه الناسخ والمنسوخ ص: 156.
قلت: قد نص المؤلف في تفسيره3/378، وفي مختصر عمدة الراسخ ورقة (8)
بنسخ هذه الآية.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله بعد ذكر دعوى النسخ عن ابن عباس رضي
الله عنهما: "هذا كما قال ابن عباس - إن شاء الله - مستغنى فيه
بالتنزيل عن التأويل لما كتب الله أن لا يفسر العشرون من المائتين فكان
هكذا الواحد من العشرة ثم خفف الله عنهم فصير الأمر إلى أن لا يفر
المائة من المائتين وذلك أن لا يفر الرجل من الرجلين" انتهى من رسالة
الشافعي فقرة: 372-374. ومن أحكام القرآن له 2/40.
قلت: وقد تبع النحاس في إنكار وقوع النسخ هنا، ابن حزم الظاهري حيث
قال: "وهذا خطأ، لأنه ليس إجماعاً، ولا فيه بيان نسخ ولا نسخ عندنا في
هذه الآيات أصلاً، وإنما هي في فرض البراز إلى المشركين. وأما بعد
اللقاء فلا يحل لواحد منا أن يولي دبره جميع من على وجه الأرض من
المشركين إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة" انتهى من كتابه
الإحكام في أصول الأحكام 4/462.
(2/454)
ذكر الآية
السادسة: قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى
حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} 1.
روي عن ابن عباس ومجاهد في آخرين أن هذه الآية منسوخة بقوله: {فَإِمَّا
مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 2 وليس للنسخ وجه لأن غزاة بدر كانت
وفي المسلمين قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى، ويبين
هذا قوله: {حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ}.
__________
1 الآية (67) من سورة الأنفال.
2 الآية الرابعة من سورة محمد. روى هذا القول النحاس بإسناده عن ابن
عباس من طريق علي بن أبي طلحة، وذكره مكي بن أبي طالب بدون إسناد، عنه.
انظر: الناسخ والمنسوخ ص:156؛ والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه (265).
(2/455)
قال أبو
جعفر النحاس: (ليس ها هنا ناسخ ولا منسوخ، لأنه قال عزوجل {مَا كَانَ
لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ}
فلما أثخن في الأرض كان له أسرى1.
ذكر الآية السابعة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ
وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} 2
قال المفسرون: كانوا يتوارثون بالهجرة، وكان المؤمن الذي لا يهاجر (لا
يرث)3 قريبه المهاجر وذلك معنى قوله: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ
مِنْ شَيْءٍ} 4.
أخبرنا عبد الوهاب الحافظ، قال: أبنا أبو الفضل بن خيرون، وأبو طاهر
الباقلاوي، قالا: أبنا أبو علي بن شاذان، قال: أبنا أحمد بن كامل، قال:
حدثني محمد بن سعد العوفي، قال: بنا أبي، قال: حدثني عمي عن أبيه عن
جده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان المؤمنون على
__________
1 انظر: نص كلام النحاس في المصدر السابق، ويقول مكي بن أبي طالب:
"والذي يوجبه النظر وعليه جماعة من العلماء أن الآية غير منسوخة، لأنه
خبر والخبر لا ينسخ".
وأمّا المؤلّف فقد رد دعوى النسخ في تفسيره بمثل ما رد به هنا، ولم
يتعرض له في مختصر عمدة الراسخ أصلاً.انظر: زاد المسير 3/381.
2 الآية (72) من سورة الأنفال.
3 في (هـ): لم يرث.
4 جزء من آية (72) من سورة الأنفال.
(2/456)
عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم على ثلاثة منازل: منهم المؤمن المهاجر
(المرافق)1 لقومه في الهجرة خرج إلى قوم مؤمنين في ديارهم وعقارهم
وأموالهم ]وفي قوله: والذين آووا ونصروا وأعلنوا ما أعلن أهل الهجرة
وشهروا السيوف على من كذب وجحد[2 فهذان مؤمنان، وكانوا يتوارثون إذا
توفي المؤمن المهاجر بالولاية في الدين، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا
يرث من أجل أنه لم يهاجر، ثم الحِقَ كل ذي رحم برحمه"3.
أخبرنا المبارك بن علي، قال: أبنا أحمد بن الحسين بن قريش، قال: أبنا
إبراهيم بن عمر البرمكي، قال: أبنا محمد بن إسماعيل بن العباس، قال:
بنا أبو بكر بن أبي داود، قال: بنا محمد بن قهزاذ4 قال: بنا علي بن
الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن
__________
1 في رواية ابن أبي حاتم (المباين) مكان (المرافق).
2 ما بين الخطين المزدوجين لا يوجد في النسختين، ولعله سقط من المؤلف -
رحمه الله - سهوأً، بدليل أن المؤلف - ولو روى هذا الأثر بمعناه
بالإيجاز - يذكر بعد هذا ضمير التثنية، فلو لم يذكر المنزل الثاني
للمؤمن، لا نجد ما يعود الضمير إليه، لذا أكملت الأثر من رواية الطبري
في جامع البيان10/37، ومن الدر المنثور3/205.
3 أخرج نحوه مطولاً الطبري في جامع البيان10/37، عن ابن عباس رضي الله
عنهما من طريق محمد بن سعد العوفي، وهو إسناد ضعيف كما كررنا.
وذكر نحوه السيوطي في الدر المنثور 3/205 معزياً إلى ابن أبي حاتم وابن
مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما.
4 في (م): مهراد، وهو تحريف، والصواب قهزاذ. وهو: محمد بن عبد الله بن
قهزاذ كما تقدم ص: (373).
(2/457)
عباس رضي
الله عنهما {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ
وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} قال: "وكان الأعرابي لا
يرث المهاجر، ولا يرثه المهاجر، فنسخها، فقال: {وَأُولُوا الأَرْحَامِ
بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} الآية1.
أخبرنا إسماعيل بن أحمد، قال: أبنا عمر بن عبيد الله، قال: أبناابن
بشران، قال: أبنا إسحاق بن أحمد الكاذي، قال: بنا عبد الله ابن أحمد بن
حنبل، قال: حدثني أبي قال بنا أبو سعيد مولى بني هاشم، قال: بنا عمر بن
فروخ، قال: بنا حبيب بن الزبير عن عكرمة: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يُهَاجِرُوا} قال: "لبث الناس برهة، والأعرابي لا يرث المهاجر،
والمهاجر لا يرث الأعرابي حتى فتحت مكة ودخل الناس في الدين فأنزل الله
{وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
اللَّهِ} "2.
وقال الحسن: "كان الأعرابي لا يرث المهاجر ولا يرثه المهاجر، فنسخها
{وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} "3.
__________
1 الآية (75) من الأنفال، و(6) من الأحزاب.
والأثر، رواه ابن جرير بإسناده عن عكرمة، وفي إسناده كإسناد المؤلف علي
بن الحسين، قال المنذري، عنه: وقد ضعف، وقال الحافظ في التقريب ص: 245،
صدوق له أوهام. انظر: جامع البيان10/38.
2 ذكره النحاس بالاختصار وعزاه إلى العلماء كما روي دعوى النسخ عن
عكرمة، وذكر هذا الأثر مكي بن أبي طالب عن عكرمة أيضاً وابن أبي حاتم
في إسناده عنه، في تفسيره. انظر: الناسخ والمنسوخ ص: 157-158؛ والإيضاح
لناسخ القرآن ومنسوخه ص: 264؛ وتفسير ابن أبي حاتم المخطوط عند ذكر هذه
الآية من سورة الأنفال وهي تقع في المجلد الخامس، ج (4) تقسيم (1).
3 أخرجه الطبري بإسناده عن الحسن في المصدر السابق.
(2/458)
وقد ذهب
قوم إلى أن المراد بقوله: {مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}
(ولاية)1 النصرة والمودة. قالوا ثم نسخ هذا بقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} 2.
وأما قوله: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} فقال المفسرون: إن
استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا فانصروهم إلا أن يستنصروكم على قوم
بينكم وبينهم عهد، فلا تغدروا بأهل العهد3.
وذهب بعضهم الى أن الإشارة إلى أحياء من كفار العرب كان بينهم وبين
رسول الله صلى الله عليه وسلم موادعة، فكان إن احتاج إليهم عاونوه، وإن
احتاجوا عاونهم فنسخ ذلك بآية السيف4.
__________
1 في النسختين: (ولاة) وهو تحريف عما أثبت.
2 الآية (71) من سورة التوبة.
3 أخرج نحوه الطبري في جامع البيان10/38 عن ابن عباس من طريق علي بن
أبي طلحة، وبه فسر المؤلف الآية في زاد المسير3/385، وذكره ابن كثير
أيضاً عن ابن عباس في تفسيره عند ذكر هذه الآية.
4 ذكر هذا القول هبة الله بن سلامة، في الجزء الأخير من هذه الآية.
انظر: الناسخ والمنسوخ له ص 50.
قلت: عرض المؤلف دعوى النسخ في موضعين من الآية، ففي الجزء الأول نراه
يسرد آراء العلماء ولا يبدي رأيه كما فعل ذلك في مختصر عمدة الراسخ وفي
تفسيره. وأما في الجزء الأخير فلم يتعرض لدعوى النسخ في كتابيه أصلاً
بل فسر الآية بما يؤيد إحكامها.
وأما ابن جرير، رحمه الله، فيسوق الآثار الصحيحة عن ابن عباس وقتادة
على نسخ الآية، ثم يناقشها وأثبت إحكام جميع الآية فيقول: "لا ناسخ في
هذه الآيات لشيء، ولا منسوخ". وكذلك استبعد الإمام فخر الرازي جميع
التفاسير المؤيدة للنسخ ورجح إحكامها. انظر: زاد المسير 3/385؛ وجامع
البيان10/40؛ والتفسير الكبير 4/580.
(2/459)
|