فصول البدائع في أصول الشرائع المقدمة الأولى: في
عدة الموضوع وهيئتها، الأدلة السمعية
أربعة عندنا بالكتاب والسنة ولكونهما من ضروريات الإِسلام
ثابتين بالتواتر أو مفروغ عنهما في الكلام لم نحتج إلى
إثباتهما بخلاف الباقين ولذا خولف فيهما فلما احتيج إلى
إثباتهما رأوه في بابهما أليق.
ثم الإجماع المستند إليهما الرابع القياس الشرعي بالمعنى
المستنبط من موارد الثلاثة وفي اختيار الاستنباط إلى أن العلم
سبب حياة الروح كالماء للبدن فمن الكتاب كاللواطة على الوطء
حالة الحيض في الحرمة بالأذى ومن السنة كالجص على الحنطة في
الربا بالقدر والجنس ومن الإجماع كوطء أم المزنية على أم الأمة
في حرمة المصاهرة بالجزئية ولا نص
(1/24)
إلا في أم المنكوحة.
فالقياس أصل من جهة إسناد الحكم إليه ظاهرًا وليس بأصل من جهة
أن الاستدلال به موقوف على علة مستنبطة من مواردها فالحكم في
الحقيقة لها ولذا قيل إنه مظهر لا مثبت وأن أثره في تعميم
الحكم لإثباته فهذا معنى فرعيته من وجه لا ثبوت حجيته لشيء آخر
وإلا كان السنة والإجماع كذلك وأورد أن الفرعية من جهة كالحجية
لا ينافي إطلاق الأصالة من أخرى كالحكم مثل الأب وأن الأصالة
للسبب القريب.
ولا يرد أيضًا أن التعميم لإثباته الحكم في صورة أخرى وأن حكم
الإجماع يستند في الحقيقة على سنده.
لأنا لا نمنع أن التعميم بالإثبات فإن المراد به التعميم
بالنسبة إلينا وذا بالإظهار ولأن الإجماع لا يحتاج في الدلالة
إلى شيء كالقياس بل في الوجود ولأنه يفيد القطع بخلافه.
ووجه الضبط أن الدليل أما من الرسول أو من غيره والأول إن تعلق
بنظمه الإعجاز فالكتاب وإلا فالسنة وقياس الرسول عليه السلام
من باب السنة والثاني إما رأي جميع المجتهدين في عصره فالإجماع
أو رأي البعض فالقياس أو أنه إما وحي أنزله جبريل عليه السلام
فإن كان متلوا أي مظهرًا لما في اللوح لا يجوز لأحد تغييره
وتبديله لفظًا أو معنى فالكتاب وإلا كما لو نزل على جبريل أو
الرسول معناه فعبر أحدهما بعبارته ولذا جاز نقله بالمعنى وإن
كان الأولى باللفظ والمعنى فالسنة وإن كانت أعم أو المراد
بالوحي ما أوحى نفسه أو الاجتهاد فيه فيتناول قياس الرسول عليه
السلام وأما غير وحي فالإجماع أو القياس، وأما تقسيم الحجيج من
حيث الأصل إلى موجبة للعلم ومجوزة له وإن أوجبت العمل ثم كل
منهما إلى أربعة فإلى أقسام الأقسام في الحقيقة مع تداخلها
ظاهر أو لا وجه إلى إدخال التمسكات الفاسدة في القسمة لأن
المورد الدليل الثابت ولأن الحصر في الحقيقة بالاستقراء وهذا
ضبط ما يثبت به، وأما الخامس المسمى بالاستدلال عند من يقول به
فمصرح في أحكام بأن مرجعه التمسك بمعقول النص أو الإجماع ولذا
قالوا إن عين السبب المستلزم كان قياسًا ومنه الاستصحاب دفعًا
وكذا شرائع من قبلنا لأنها حجة حين قصت على شريعتنا والتمسك
بالأثر لأنه محمول على السماع فكونه سماعًا حكميًا ككون السكوت
بيانًا حكميًا والتعامل إجماع فقد قال الإمام الكردري: شريعة
من قبلنا متابعة للكتاب والآثار للسنة والتعامل للإجماع
والتحري والاستصحاب للقياس، وذكر في الجامع السمرقندي أن الأخذ
بالاحتياط عمل بأقوى الدليلين والقرعة لتطييب القلب عمل
(1/25)
الإجماع أو السنة المنقولة فيها أو بعموم قوله ولا تنازعوا
وشهادة القلب عمل بقوله عليه السلام (لوابصة) استفت قلبك (1)
والتحري عمل بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس لأن الأمة
أجمعت على شريعته عند الحاجة وورد فيه السنة والآثار وكذا
أقسام الاستحسان والمصالح المرسلة راجعة إليها قالوا الأدلة
راجعة إلى الكلام النفسي قيل أي إلى كلام الله القديم القائم
بذاته تعالى أن الحكم إلا لله وهو مدلول الكلام اللفظي إن لم
يكن الحروف قديمة كما اختاره المتأخرون واللفظي الحاصل في
النفس إن كانت كما عليه المتقدمون قولًا بأن الضروري حدوثه
التلفظ لا اللفظ. وقيل: أي إلى الكلام النفسي القائم بذات من
صدر عنه كل دليل كالمجتهد والشعبي وذات الله تعالى وأيًا كان
فالكلام النفسي هي النسبة بين المفردين أعني المجموع القائمة
بنفس المتكلم أي النسبة التامة الإخبارية أو الإنشائية من حيث
إفادتها وأنها ثابتة وليست خارجية أي صادقة مع قطع النظر عن
النفس لا موجودة فيه إذ لا وجود لنسبة ما غير الأكوان وذلك
لتوقف حصولها على تعقل المفردين وليست العلم بها لتأصل ثبوتها
ولذا تكون حيث خارجية كطلب الصلاة في صلوا ولا إرادتها إذ قد
لا تكون مرادة. |