فقه اللغة وسر العربية الفصل الخامس
والعشرون: في حمل اللفظ على المعنى في تذكير المؤنث وتأنيث المذكر.
من سنن العرب ترك حكم ظاهر اللفظ وحمله على معناه كما يقولون: ثلاثةُ
أنفس والنفس مؤنثة وإنما حملوه على معنى الإنسان أو معنى الشّخص. قال
الشاعر: [من الطويل]
ما عندنا إلا ثلاثة أنفسِ ... مِثلُ النُّجومِ تلألأتُ في الحِندِسِ.
وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: [من المتقارب]
فكان مِجَنِّي دون ما كنتُ أتَّقي ... ثلاثُ شُخوصٍ كاعِبانِ
وَمُعْصِرُ4.
فحمل ذلك على أنهن نساء. وقال الأعشى: [من الطويل]
لِقومٍ وكانوا هُمُ المُنْفِدِينَ ... شَرَبَهُمُ قَبْلَ تَنْفادِها.
فأنَّث الشراب لما كان الخمر المعني وهي مؤنثة كما ذكر الكفّ وهي مؤنثة
في قوله: [من الطويل]
أرى رجلا منهم أسيفاً كأنَّما ... يَضُمُّ إلى كَشْحيه كفَّاً
مُخَضَّبا.
فحمل الكلام على العضو وهو مذكر. وكما قال الآخر: [من البسيط]
يا أيها الرَّاكب المُزجي مَطِّيته ... سائلْبني أسدٍ ما هذهِ
الصَّوتُ.
__________
1 سورة البقرة الآية: 177.
2 سورة يوسف الآية: 30.
3 سورة الحجرات الآية: 14.
4 المعصر الفتاة التي بلغت سن الشباب.
(1/230)
أي ما هذه الجَلَبة. وقال آخر: [من الطويل]
مِنَ النَّاسِ إنسانان دَيْنِي عَليهما ... مَليئان لو شَاءَا لقد
قَضَياني.
خليلَيَّ أمّا أمُّ عَمروٍ فَواحِدٌ ... وأمَّا عنِ الثاني فلا
تَسلاني.
فحمل المعنى على الإنسان أو على السخص. وفي القرآن: {وَأَعْتَدْنَا
لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً} 1 والسَّعير مذكر ثمَّ قال:
{إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} 2 فحمله على النار فأنثه وقال
عزَّ إسمه: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} 3 ولم يقل ميتة لأنه
حمله على المكان. وقال جلّ ثناؤه: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} 4 فذكر
السّماء وهي مؤنثة لأنه حمل الكلام على السقف وكل ما علاك وأظلك فهو
سماء والله أعلم
الفصل السادس والعشرون في حفظ التوازن.
العرب تزيد وتحذف حفظا للتوازن وإيثاراً له أما الزيادة فكما قال
تعالى: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} 5 وكما قال:
{فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا} 6. وأمَّا الحذف فكما قال جلَّ إسمه:
{وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} 7 وقال: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} 8 وقال:
{يَوْمَ التَّنَادِ} 9 و: {يَوْمَ التَّلاقِ} 10 وكما قال لبيد: [من
الرمل]
إنَّ تَقوى رَبِّنا خيرُ نَفَلْ ... وبإذنِ اللهِ رَبيْ وَعَجَلْ.
أي وعجلي وكما قال الأعشى:
ومن شانئ كاسِفٍ وَجهُهُ ... إذا ما انتسَبتُ لهُ أنْكَرَنْ. أي
أنكرني.
__________
1 سورة الفرقان الآية: 11.
2 سورة الفرقان الآية: 12.
3 سورة قّ الآية: الآية: 11.
4 سورة المزمل الآية: 18.
5 سورة الأحزاب الآية: 10.
6 سورة الأحزاب الآية: 67.
7 سورة الفجر: الآية 4.
8 سورة الرعد الآية: 9.
9 سورة غافر الآية: 32.
10 سورة غافر الآية: 15.
(1/231)
الفصل السابع والعشرون: في مخاطبة اثنين ثم
النص على أحدهما دون الآخر.
العرب تقول: ما فعلتما يا فلان وفي القرآن: {فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا
مُوسَى} 1 وفيه: {فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} 2
خاطب آدم وحواء ثم نصَّ في إتمام الخطاب على آدم وأغفل حواء. |